Indexed OCR Text

Pages 121-140

أعلم يهود يقول : إنى وجدت سِفْراً كان أبى يَخْتمه علىَّ فيه ذكر أحمد حتى يخرج بأَرض
القَرْظ (١)، صفته كذا وكذا ، فتحدث به الزبير بعد أَبيه والنبى صلى الله عليه وسلم
لم يُبعث، فما هو إِلا أَن سَمِع بالنبى صلى الله عليه وسلم قد خرج بمكة عمد إلى ذلك السُّفْس
فمحاه وكتَم شأنَ النبى صلى الله عليه وسلم ، وقال : ليس به(٢) .
الزَّبير ، بفتح الزاى كما هو ظاهر كلام القاموس .
وروى أيضا عن وهب بن مُنَبّه رحمه الله تعالى قال : أَوحى الله إلى شَعْيا: إِنِى باعثُ
نبيًّا أُميَّا أَفتح به آذانا صُمَّا وقلوبا غُلْفاً وأَعينا عُمْيا، مولده بمكة، ومُهَاجره بطَيْبة
ومُلْكِه بالشام ، عَبْدى المتوكل المصطفَى المرفوع ، الحبيب المنتخَب المختار ، لا يجزى
بالسيئةِ السيئةَ ولكن يعفو ويصفح ويغفر ، رحيما بالمؤمنين ، يبكى للبهيمة المُثْقَلة .
ويبكى لليتيم فى حجر الأَرملة ، ليس بفظ ولا غليظ ولاسخَّاب فى الأسواق ولا متزيّن
بالفحش ولا قَوَّال بالخَنَا لو يمُرُّ إلى جنب السِّرَاج لم يطفئه من سَكِينته ، ولو يمشى على
القصب الرَّعْرَاع، يعنى اليابس، لم يُسمع من تحت قدميه ، أَبعثه مبشِّرا ونذيرا، أَسدِّده
لكل جميل وأَهَبُ له كلَّ خُلق كريم ، أَجعل السَّكِينة لباسه والبرَّ شِعاره، والتقوى ضميره
والحكمةَ مَعْقولَه، والصدقَ والوفاء طبيعته ، والعفو والمغفرة والمعروف خُلُقَه، والعدل
سيرته والحقَّ شريعته، والهُدَى إِمامه، والإِسلام ملته وأحمد اسمه، أَهْدى به بعدَ الضلالةِ
وأُعلِّم به بعد الجَهالة، وأَرفع به بعد الخَمالة، وأُسَمِّى به بعد النُّكْرة، وأَكثِّر به بعد
القِلَّة، وأُغْنِى به بعدَ العَيْلة وأجمع به بعد الفُرْقة، وأؤلف به بين قلوب وأهواء متشتتة
وأُمَم مختلفة ، وأَجعل أُمته خير أمةٍ أُخرجت للناس، أَمراً بالمعروف ونَهْياً (٣) عن المنكر.
وتوحيداً لى وإيمانا بى وإخلاصا لى، وتصديقاً بما (٤) جاءت به رُسُلى، وهم رُعَاة الشمسِ
طُوبَى لتلك القلوب والوجوه والأرواح التى أَخلصت لى ، أُلْهمهم التسبيحَ والتكبير والتحميد
والتوحيد فى مساجدهم ومَجَالِسهم ومَضَاجعهم ومُنْقَلبهم ومَثْواهم ، يصفّون(٥) فى مساجدهم
كما تصف الملائكة حولَ عرشى ، هُمْ أَوليائى وأَنصارى، أَنتقم بهم من أَعدائى عبدَة
(١) القرظ: ورق السلم.
(٣) فى الأصول وناهيا وما أثبتناه من الخصائص.
(٥) ط : ويصفون .
(٢) طبقات ابن سعد ١٠٤/١ والوفا ٤٩/١.
(٤) ت م : لما.
- ١٢٠ -

الأَوثان ، يُصَلُّون لى قياماً وقعوداً وركَّعاً وسجودا ، ويخرجون من ديارهم وأموالهم ابتغاء
مرضاتى أُلوفاً فيقاتلون فى سبيلى صفوفاً وزحوفا ، أَخْتم بكتابهم الكتبَ وبشريعتهم الشرائعَ
وبدينهم الأديان ، فمن أدركهم فلم يؤمن بكتابهم ويدخل فى دينهم وشريعتهم فليس منِّى.
وهو منِّى برىء ، وأَجعلهم أَفضلَ الأُمم وأَجعلهم أُمةً وسَطاً شهداء على الناس ، إذا غضبوا
هَلَّلونى، وإذا قبضوا كَبَّرونى، وإذا تنازعوا سبَّحونى، يطِّرون الوجوه والأطراف ويشدُّون
الثيابَ إلى الأُّنصاف ، ويِّلون على التِّلَال والأَشراف، قُرْبانهم دماؤهم، وأَناجيلُهم
صُدورهم ، رُهبانٌ بالليل لُيُوث بالثهار ، ويناديهم مناديهم فى جَوِّ السماء، لهم دَوِىٌّ كدوى
النحل .
طُوبَى لمن كان معهم وعلى دينهم ومَنَاهجهم وشريعتهم ، ذلك فَضْلى أُوتيه من أَشَاء .
وأَنا ذو الفضل العظيم(١).
((القَصَب)) بالقاف والصاد معروف. الرَّعْرَاع: الطويل.
قال ابن قتيبة : إذا طال القصبُ فهَبَّتْ عليه أَدْنَى ريح، أَو مَرَّ به أَلْطَفُ شخص :
تحركَ وصوَّت ، فأراد عز وجل أن النبى صلى الله عليه وسلم وقورٌ ساكن الطائر .
((الخَنَا)): بفتح المعجمة والقصر: الفُحْش. وأُعلِّم بهمزة مضمومة ولام مشددة مكسورة.
#
وروى البيهقى عن وهب بن منبه رحمه الله تعالى قال : أَوحى الله فى الزَّبُور إلى داود :
يا داود إنه سيأتى من بعدك نبيٌّ اسمه أحمد ومحمد، صادقاً لا أَغضب عليه أبدا ولا يعصينى.
أَبدا ، وقد غفرتُ له ما تقدَّمَ من ذَنْبه وما تأخر(٢). الحديث.
والأحاديث والآثار فى هذا كثيرة، أَفْردها بالتصنيف خَلَائقُ.
(١) الخصائص الكبرى ٣٣/١. ودلائل النبوة لأبى نعيم.
(٢) الخصائص الكبرى ٣٧/١. ودلائل النبوة لأبى نعيم ٣٢.
- ١٢١ -

الباب التاسع
فيما أخبر به الأحبار والرهبان والكُهَّان بأَنَّه النبى المبعوث فى آخر الزمان
٣٠ - ب.
عن سلمان رضى الله تعالى عنه قال :
كنت رجلا من أَهل فارس، وفى رواية من أَهل /جَىّ، وكان أَبِى دِهْقَان رامُهْرمز ،
أَى رئيسها ، وكان يحبّنى حبًّا شديدا ، حتى حبسى فى البيت كما تحبس الجارية ،
واجتهدت فى المجوسية حتى كنت قَطَنَ النار ، أَى خازنَها وخادمها . وفى لفظ : وكان أَهل
قريتى يعبدون الخيل البُلْق، فكنت كذلك لا أَعلم من أمر الناس شيئاً إِلا ما أَنا فيه ،
وأعرف أنهم ليسوا على شىء، وكان لى أَخ أَكبر منى . وفى لفظ : ابن صاحب رامهرمز ،
فكان إذا قام من مجلسه خرج فتقنَّع بثوبه ثم صعد الجبل ، وكان يفعل ذلك غيرَ مرة
متنكرا ، فقلت : أَمَا إِنَّك تفعل كذا وكذا ، فلم لا تذهب بى معك ؟ قال : إِنك غلام
وأَخاف أن يظهر منك شىء. قلت : لا تخف. قال : فإِن فى هذا الجبل قوماً فى برطيل لهم عبادة
وصلاح ، يذكرون الله تعالى ويذكرون الآخرة، يزعمون أنَّا عَبَدَةُ الأوثانِ وعبدَة النيران
وأَنَّا على غير دِين. قلت : فاذهب بى معك. قال: حتى أستأُمرهم وأَنا أَخاف أن يظهر منك
شىء فيعلم أبى فيقتلهم فيجرى هلاكُهم على يدِى. قال: قلت لا يظهرُ مِنِّى ذلك. فاستأُمَرهم.
فقالوا جِئَّ به فذهبتُ معه فانتبهت إِليهم فإذا هم ستة أو سبعة ، وكأن الروحَ خرجت منهم
من العبادة ، يصومون النهار ويقومون الليل يأكلون الشجر وما وجدوا ، فقعدنا إليهم
فحمدوا الله وأثنوا عليه وذكروا من مضى من الرسل والأنبياء حتى خلصوا إلى عيسى
ابن مريم فقالوا : بعثه الله وولد بغير ذكَر ، بعثه رسولاً وسخر له ما كان يفعل من إِحياء
الموتى وخلق الطير وإبراءِ الأَكْمَه والأَبرص، فكفر به قومٌ وتبعه قوم، وإنما كان عبدَ الله
ورسوله ابتلى به خَلْقه. ثم قالوا : يا غلام إن لك ربًّا وإن لك مَعاداً، وإنَّ بين يديك جنةٌ
۔۔
(١) ت م : فى هذه.
(٢) ت م : فيتقنع .
- ١٢٢ -

ونارا إِليها تصير ، وإِنَّ هؤلاء القوم الذين يعبدون النيران أَهلُ كفر وضلالة لا يرضى الله
بما يصنعون ، وليسوا على دين .
ثم انصرفنا ثم عدنا إليهم فقالوا مثل ذلك وأَحسَن ، فلزمتُهم فقالوا لى : يا سَلْمان
إِنك غلام ، وإِنك لا تستطيع أن تصنع ما نصنع ، فصَلُّ ونَمْ وكل واشرب .
قال : فاطَلَع الملكُ (١) على صنيع ابنه فركب فى الخيل حتى أتاهم فى برطيلهم(٢) فقال :
يا هؤلاء قد جاورتمونى فأحسنت جواركم ولم تروا منى سوءًا فعمدتم إلى ابنى فأفسدتموه علىّ
قد أَجَّلتكم ثلاثاً ، فإن قدرت عليكم بعد ثلاث أَحْرقتُ عليكم برطيلكم هذا ، فالحقوا
ببلاد كم فإنى أكره أن يكون منى إليكم سوء . قالوا : نعم ما تعَمَّدْنا مساءتك ، وما (٣) أَردنا
إلا الخير .
فكفَّ ابنُه عن إِتيانهم فقلت له : اتق الله ، إنك تعرف أن هذا الدين دِينُ الله ، وأن
أَباك ونحنُ على غَيْرِ دين ، إنما هم عبدة النيران لايعرفون الله ، ولا تَبَعْ آخرتك بدنيا
غيرك. قال : ياسلمان هو كما تقول، وإِنما أَتخلَّفُ عن القوم بُقْيا عليهم ، إن تبعتُ
القومَ طلبنى أَبى فى الخيل ، وقد جزع من إتيانى إِيّاهم حتى طردهم ، وقد أُعرف أن الحق
فى أيديهم . قلت : أنت أعلم .
ثم لقيت أَخى فعرضت عليه فقال : أَنا مشتغل بنفسى فى طلب المعيشة . فأتيتهم
فى اليوم الذى يريدون أن يرتحلوا فيه فقالوا : يا سلمان قد كنا نحذر فكان ما رأيت ،
فاتَّق الله واعلم أَن الدِّين ما أوصيناك به ، وأَن هؤلاء عبَدة النيران لا يعرفون الله ولا يذكرونه
ولا يَخْدعنكِ أَحدٌ عن ذلك .
وفى رواية : وكان لأَّبى ضيعة عظيمة فشُغل فى بنيان له يوماً فقال لى : يا بنى إِنى قد
شُغلْت فى بنيانى هذا اليوم عن ضيعتى ، ولا بُدَّ لى من اطَّلاعها ، فانطلق إليها فمرهم بكذا
وكذا ولا تحتبس عنى تشغلنى عن كل شىء .
(١) كذا فى ط. وفى ت م: فأطلع الله الملك.
(٢) ت م : فى موطنهم.
(٣) ط : ولا أردنا .
- ١٢٣ -

فخرجت أُريد ضيعته فمررت بكنيسة النصارى فسمعت أصواتهم فيها ، فقلت ما هذا؟
فقالوا : هؤلاءِ النصارى يصلُّون. فدخلت أَنظر فأَعجبنى ما رأيت من حالهم، فوالله مازلك
جالساً عندهم حتى غربت الشمس وبعث أَبى فى طلبى فى كل وجه حتى جثته حين أمسيت ، ولم
أَذهب إِلى ضيعته ، فقال : أين كنت ؟ فقلت : يا أبتاه مررت بناس يقال لهم النصارى
فأَعجبنى صلاتهم ودعاؤهم فجلست أنظر كيف يفعلون . فقال: أَى بُنَىَّ دِيُنك ودين آبائِك
خيرٌ من دينهم . فقلت : لا والله ما هو بخير(١) من دينهم ، وهؤلاءٍ قوم يعبدون الله ويَدْعونه
ونحن إنما نعبد ناراً نوقدها بأيدينا إِذا تركناها ماتت .
فخافى فجعل فى رجلى حديداً وحبسنى عنده ، فبعثت إلى النصارى فقلت لهم : أين
أَصْلُ هذا الدين الذى أَراكم عليه ؟ قالوا بالشام. فقلت: إذا قدِم عليكم من هناك ناسّ
وقضَوا حوائجهم فآذِنُونى أَى أَعلمونى: فلما قدم عليهم ناس وقَضَوْا حوائجهم بعثوا إلىّ
بذلك فطرحت الحديد الدی کان فى رجلی ولحقت بهم .
ثم إن الملك اطّلع على القوم الذين فى الجبل فأمرهم بالخروج من بلاده فقلت : ما أَها
بمفارقكم . فقالوا إنك لا تَقْدر أن تكون معنا نحن نصوم النهار ونقُوم الليل ونأكل الشجر
وما أصبنا ، وأنت لا تستطيع ذلك . قلت : لا أفارقكم. قالوا : أنت أعلم ، قد أَعلمنالك
حالَنا فإِذا جئت فاطلب أَحَداً يكون معك واحمل معك شيئاً تأكله ، فإنك لن تستطيع
ما نستطيع نحن . ففعَلْتُ ولقيتُ أَخى فعرضت عليه فأَبَى، فأتيتهم فتحمَّلوا ، فكانوا
يمشون وأَمشِى معهم ، فرزق الله السلامةَ حتى قدِمْنا الموصل، فأَنتينا بَيْعةً بالموصِل ، فلما دخلوا
حَقُّوا بهم وقالوا : أين كنتم ؟ قالوا : كنا فى بلاد لا يذكرون الله عبَدة النيران ، فطردونا
٣١ -١ فقدِمنا عليكم.
فلمّا كان بعدُ قالوا : يا سلمان إن هاهنا قوماً فى هذه الجبال هم أَهل دين وإنا نريد
لقاءهم فكن أنت هاهنا مع هؤلاء فإنهم أهل دين وسترى منهم ما تحب . قلت : ما أَنْا
بمفارقكم قال: وأوْصَوْا بى أَهَل البيعة فقال أَهلُ البيعة : أَقم معنا يا غلام فإِنه لا يعجزلـ
شىء ببَيْعتنا . قال : قلت ما أَنا بمفارقكم . فخرجوا وأنا معهم فأصبحنا بين جبال ، فإذا
صخرة وماء كثير فى جرَار وخبز كثير ، فقعدنا عند الصخرة ، فلما طلعت الشمس خرجوا
(١) كذا فى ط . وفى ص ت م: ما هو خير .
- ١٢٤ -
.

من بين تلك الجبال يخرج رجلٌ رجل من مكانه ، كأَنَّ الأَرواحَ انتُزعت منهم حتى كثروا ،
فرحبوا بهم وحَقُّوا وقالوا : أين كنتم ؟ قالوا : كنا فى بلاد لا يذكرون الله ، فيها عبدة
النار وما يعبدون الله فيها ، فطردونا. فقالوا : ما هذا الغلام ؟ فَفِقِوا يثنون علىّ وقالوا
صَحِبنا من تلك البلاد فلم نر منه إلا خيراً. قال : فوالله إِنهم لكذلك إِذ طلع عليهم
رجل من كهف طِوَال، فجاء حتى سلَّم عليهم وجلس فحقُّوا به وعظَّمه أَصحابى الذين كنت
معهم وأَحْدَقوا به ، فقال لهم: أين كنتم ؟ فأخبروه . فقال : ما هذا الغلام معكم ؟ فأَثْنوا علىَّ.
خيراً وأخبروه باتّباعى إياهم، ولم أَر مثلَ إِعظامهم إياه ، فحمد الله وأثنى عليه ، ثم ذكَر
من أرسله الله تعالى من رسله وأنبيائه ومالَقُوا وما صُنع بهم حتى ذكر عيسى ابن مريم وأنه ولِد
بغير ذَكر ، فبعثه الله رسولاً وأجرى على يديه إِحياء الموتى وإبراء الأعمى والأَبرص، وأَنه
يَخْلق من الطين كهيئة الطير فينفخ فيه فيكون طيراً بإذن الله، وأنزل عليه الإِنجيل
وعلَّمه التوراة ، وبعثه رسولاً إِلى بنى إِسرائيل فكفَر به قوم وآمن به قوم. وذكر بعضَ ما لقى
عيسى ابن مريم ، وأنه إنما كان عبداً أنعم الله عليه فشكره ذلك له ورضِىَ عنه. ثم وعظهم
وقال : اتقوا الله والزموا ما جاء به عيسى ولا تُخالفوا فيخالَف بكم .
ثم أراد أن يقوم فقلت : ما أنا بمفارقك فقال : يا غلام إِنك لا تستطيع أن تكون معى ،
إنى لا أُخرج من كهفى هذا إِلا كل يوم أَحد . قلت : ما أَنا بمفارقك .
قال: فتبعته حتى دخل الكهف فما رأيته نائماً ولا طاعماً ، إِلا راكعاً وساجداً إِلى الأَحد
الآخَر ، فلما أصبحنا خرجنا واجتمعوا إليه ، فتكلم نحو المرة الأولى ثم رجع إلى كهفه
ورجعت معه .
فلبثت ما شاء الله ، يخرج(١) كلَّ يوم أَحد ويخرجون إِليه ويعظهم (٢) ويوصيهم. فخرج
فى أَحد فقال مثل ما كان يقول ثم قال : يا هؤلاءِ إِنى قد كَبِرت سنِّى ورقَّ عَظْمى واقترب
أَجَلى وإنه لا عهد لى بهذا البيت منذ كذا وكذا ، ولا بد لى من إتيانه . فقلت : ما أَنا
عفارقك .
وخرجت معه حتى انتهيت إلى بيت المَقْدس فدخل وجعل يصلى ، وكان فيما يقول
(١) ت م : نخرج .
(٢) ص ت م : ويعطفهم وما أثبت من ط .
- ١٢٥ -

لى : يا سلمان إن الله سوف يبعث رسولا اسمه أحمد يخرج بتِهامة، وإنه يأُكل الهدية
ولا يأكل الصدقة ، بَيْن كتفيه خاتم النبوة وهذا زمانه الذى يخرج فيه قد تقارَب ،
فأمَّا أَنا فإِنى شيخ كبير ولا أَحسبنى أُدركه، فإِذا أدركتَه أَنت فصدِّقْه واتبعه. قلت وإِن
أَمَرنى بترك دِينك وما أَنت عليه ؟ قال : نعم .
ثم خرج من بيت المقدس، وعلى بابه مُقْعَد ، فقال : ناولنى يدك. فناوله، فقال: قم
باسم الله . فقام كأَّمَا نَشِط من عُقّال فخلّى عن يده، فانطلق ذاهباً وكان لا يلوى على أحد).
فقال المقعد : يا غلام احمل علىّ ثيابى حتى أَنطلق . فحملت عليه ثيابه وانطلق الراهب .
فكلما سأَلت عنه قالوا : أَمامك فسرت حتى قدِمْت الشامَ ، فقلت : من أَفضل هذا الدين ؟
فقيل الأسقف صاحب الكنيسة ، فجئته فقلت له : إنى أحببت أن أكون معك فى كنيستك
وأَعبد الله فيها معك وأتعلم منك الخير. قال: فكن معى ، فكنت معه ، وكان رجل سوء،
كان يأمرهم بالصدقة ويرغبهم فيها حتى إذا جمعوها إليه لم يعطها للمساكين ، فأَبغضته
بُغْضا شديدا لما رأَيت من حاله، فلم يَنْشَب أَن مات، فلما جاءوا ليدفنوه قلت لهم: إِن
هذا كان رجلَ سوء ، كان يأمركم بالصدقة ويرغبكم فيها حتى إذا جمعتموها إليه اكتنزَها
ولم يعطها للمساكين ، فقالوا : وما علامة ذلك ؟ قلت: أَنا أُخرج لكم كَنْزَه . فقالوا:
هاته. فأخرجت لهم سَبْع قِلال مملوءة ذهبا ووَرقا، فلما رأوا ذلك رجموه بالحجارة وقالوا:
لا فدفنه أَبدا فصلبوه على خشبة ورموه بالحجارة . وجاءوا برجل آخر فجعلوه مكانه ، فلا
والله ما رأيت رجلا قط يصلى الخمس أرى أنه أفضل منه وأَشد اجتهادا ولا زَهادةٌ
فى الدنيا، ولا أَدْأَب ليلا ونهارا منه [و] ما أَعلمنى أَحبَبْتُ شيئا قط حبَّه، فلم أزل معه
حتى حضرته الوفاة فقلت له يافلان قد حضرك ما ترى ، وإنى والله ما أحببتُ شيئا قط حبّك
فماذا تأُمرنى وإلى من تُوصينى ؟ فقال لى : أَىْ بنىَّ والله ما أَعلمه إلا رجلا بالموصِل فائته
فإنك ستجده على مثل حالى .
فلما مات لحقتُ بالمَوْصِل فأَتيت صاحبَه فوجدته على مثل حاله من الاجتهاد والزهادة
فى الدنيا، فقلت له : إن فلانا أوصى بى إليك أَن آتيك وأكون معك. فقال: فأَّقم عندى
فأَقمت عند على مثل أَمْر صاحبه ، حتى حضرته الوفاة فقلت : إنَّ فلانا أوصى بى إليك
(١) بت م : وكان.
- ١٢٦ -

وقد حَضرك من أمر الله ما ترى فإلى من توصينى ؟ قال (١) : والله ما أَعْلَمه أَى بُنَىَّ إلا
رجلا بنَصِيبين (٢)، وهو على مثل مانحن عليه فالحَقْ به. فلما دفنَّاه لحقتُ بالآخر فقلت
له : يا فلان إِن فلانا أوصى بى إلى فلان وفلانا أَوصى بى إليك. قال: فأَّقَمِ عندى فأَقْمت
عنده على مثل حالهم حتى حضرته الوفاة فقلت له: يا فلان إِنه قد حضَرك من أمر الله ما ترى،
وقد كان فلان أَوصَى بى إلى فلان وأوصى بى فلان إلى فلان ، وأَوصى بى فلانٌ إِليك ،
فإلى من توصينى ؟ فقال: أَىْ بنى ، والله ما أعلم أحدًا على مثل ما كنا عليه إلا رجلا
بِعَمُورِيّة من أرض الروم ائته فإنك ستجده على مثل ما كنا عليه . فلما مات ووارَيْته (٣)
خرجتُ حتى قَدِمْت على صاحب عَمُوريّةٍ، فوجدتُه على مثل حالهم . فأَقْمت عنده واكتسبتُ
حتى كانت لى غُنَيْمة وبقَرات، ثم حضرتُه الوفاة ، فقلت : يا فلان إِن فلانا أُوصى بى
إلى فلان ، وفلان أوصى بى إلى فلان ، وفلان إِلى فلان ، وفلان إِليك وقد حَضرك ما ترى
من أَمر الله تعالى ، فإلى من توصينى ؟ فقال : أَىْ بنى والله ما أعلم بقى أَحدٌ على مثل ما كنا
عليه أمرك أَن تأتيه ، ولكنه قد أَظَّلك زمانُ نبيٌّ يُبعث من الحرم ، مُهاجَره بين حَرَّتين
إلى أرض سَبِخَة(٤) ذات نخل ، وإِن فيه علامات لا تخفَى : بين كتفيه خاتم النبوة ،
يأكل الهديةَ ولا يأْكل الصدقة، فإن استطعت أَن تَخْلُص إِلى تلك البلاد فافعل ، فإِنه
قد أَظلَّك زمانه .
فلما واريناه أَقمت حتى مرَّتْ رجالٌ من تجار العرب من كَلْب ، فقلت لهم : احملونى
معكم حتى تَقْدموا بى أَرضَ العرب وأعطيكم غُنَيْمتى هذه وبقراتى؟ قالوا : نعم . فأعطيتهم
إياها فحملونى حتى إذا جاءوا بى وادىَ القُرَى ظلمونی فباعونى عبدًا من يهودى بوادى
القُرَى .
فوالله لقد رأيت النخلَ وطمعت أَن تكون البلدَ الذى نعتَ لى صاحبى ، وما خَفِيَتْ
عنِّى ، حتى قدِمِ رجلٌ من بنى قُرَيْظة من يهود بوادى القرى فابتاعنى من صاحبى الذى كنت
عنده ، فخرج بی حتى قدم بى المدينة .
(١) ت م : فقال .
(٢) نصيبين : قاعدة ديار بكر .
(٣) ط : فلما واريته.
(٤) السبخة: بالتحريك وبتسكين الهاء : أرض ذات نزوملح.
- ١٢٧ -

وفى لفظ : فاشترتنى امرأة من الأنصار فجعلتنى فى حائط لها . وفى رواية: اسمها خُلَيْسةِ
بنت فلان حليف بنى النجار .
فو الله ما هو إِلا أَن رأيتها عرفتها ، فعرفتُ نَعْته فأَّقُمت فى رِقِّى مع صاحبى فى نَخْلِه .
وفى رواية أنه مكث كذلك ستةَ عشر شهرا .
قال : فوالله إِنى لفيها إِذ جاء ابنُ عم له فقال: يا فلان ، قاتل الله بنى قَيْلة، فوالله
إنهم الآن لفي قُبَاء يجتمعون على رجل جاءهم من مكة يزعمون أنه نَبِىّ .
فوالله ما هو إلا أن سمعتها فأَخذتنى العُرَوَاء بِعنى الرِّعدةَ حتى ظننت لأَسقطن على صاحبى
ونزلت أقول : ما هذا الخبر ؟ ما هو ؟ فرفع مولاى يده فلكمنى لكمةً شديدة وقال : مالك
ولهذا ؟ أقبل على عملك. فقلت : لا شىء إلا أننى سمعت خبرا فأحببت أَنْ أَعْلَمه .
فخرجت وسأَلت فلقيت امرأة من أَهل بلادى فسألتها، فإذا أَهلُ بيتها قد أَسْلموا !
فدلَّتنى على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأَمسيتُ وكان عندى شىء من طعام فحملته
وذهبت به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بُقبَاء فقلت: بلَغنى أَنك رجل صالح ،
وأَن معك أصحابا غُرَباء ، وقد كان عندى شئ من الصدقة، فرأيتكم أَحقَّ من هذه البلاء
فها هو ذا فكُلْ . فأَمسك رسولُ الله صلى الله عليه وسلم يده وقال: لأصحابه كلوا ولم يأكل.
فتقلت فى نفسى : هذه خَلَّة مما وصف لی صاحبی .
وفى حديث بُرَيدة عند (١) أَحمد أَن سَلْمان جاء بمائدة بَطْ(٢) وفى رواية: بلحم (٣) جزول
مَثْرود. وفى رواية : بخُلَال (٤). فوضَعها بين يدى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال رسول
الله صلى الله عليه وسلم : ما هذا يا سَلْمان؟ قال: صدقةٌ عليك وعلى أصحابك. قال):
ارفعها فإِنا لا نأكل الصدقة . وجاءه من الغد بمثله فوضعه بين يديه فقال : ما هذا يا سلمان
قال(٥) : هدية لك فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه : انشطوا .
وذكر ابن إسحاق أنه جاءه بتمر
(١) ت م : عن أحمد .
(٢) كذا فى ط . وفى ص ت م؛ بمائدة بسط. محرفة.
(٣) ت م : لحم جزور.
(٤ ) الخلال : الرطب .
(٥) ت م : قلت .
- ١٢٨ -٠

قال(١): ثم رجعت وتحوَّل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة فجمعت شيئاً
كان عندى ثم جئت به فقلت : إنى قد رأيتك لا تأكل الصدقة ، وهذه هدية وليست
بصدقة .
وفى رواية عند ابن إسحاق قال سلمان : كنت عبدًا لامرأة فسأَلتُ سيدتى(٢) أَن
تهبَ لى يومًا، فعملت فى ذلك اليوم على صاع أو صاعين من تمر، فجئت به النبيَّ صلى الله
عليه وسلم ، فلما رأيت أنه لا يأكل الصدقة سأَلت سيدتى(٣) أَن تهب لى يومًا آخر ، فعملت
فيه على ذلك ثم جئت به هديةً للنبي صلى الله عليه وسلم فقَبله وأَكل منه .
وفى [ رواية ] (٤) الشمائل للترمذى أنه أتى بمائدة عليها رطب (٥) .
فأَكل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت : هذه خَلَّتان .
ثم جئتْ رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يتبع جنازة رجل من أصحابه وعليه شَمْلتان
وهو فى أصحابه فاستدرت لأُنظر الخاتم الذى فى ظهره ، فلما رآنى رسولُ الله صلى الله عليه
وسلم استدبَرْتُه عرف أنى أَسْتَثْبِتُ شيئاً قد وُصِف لى ، فرفع رداءه عن ظهره فنظرت إلى
الخاتَم بين كنفيه كما وصَف لى صاحبى ، فأَكْبَبْتُ عليه أُقْبِّله وأبكى ، فقال: تَحَّولْ
يا سَلْمان هكذا فتحولت فجلست بين يديه [ فأحبَّ](٦) أَن يسمع أصحابُه حديثى . أَى وهو
بمنزل كُلْثوم بن الهَدْم رضى الله تعالى عنه فقال: حدِّثنى. فحدثته .
ثم شغلَ سَلْمانَ الرُّقُّ حتى فاته مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بَدْر وأُحد .
قال النووى رحمه الله تعالى: وأَولُ مَشَاهده الخندق .
قال سلمان : ثم قال لى رسول الى صلى الله عليه وسلم : كاتِبْ يا سَلْمان. فكاتبتُ
على خَمْسمائةٍ فَسِيلة(٧).
وفى رواية على ثلاثمائة وَدِيّة (٨) أَغْرسها بالفَقِير وأَقوم عليها حتى تُطْعِمٍ، وأربعين أوقية
وأَعاننى أصحابُ رسول الله صلى الله عليه وسلم بالنخل ثلاثين وَدِيّة وعشرين وَدِيّة
(١) ليست فى ط .
. (٢) ت م: سيدى.
(٤) ليست فى ط .
(٣) هذه الرواية ليست فى ابن هشام.
(٥) فى الشمائل تفصيل القصة بعد ذلك، من أنه لم يأكل فى اليوم الأول عندما علم أنها صدقة ثم أكل فى اليوم الثانى
(٦) سقطت من ت م .
عندما أخبره أنها هدية . جمع الوسائل فى شرح الشمائل : ٧٩/١.
(٧) الفسيلة : النخلة الصغيرة .
(٨) الودية : كغنية : صغار الفسيل .
- ١٢٩ -
١٧ - سبل الهدى والرشاد
٠٫٠

وعشراً (١)، كلُّ رجل على قدر ما عنده . فقال لى رسول الله صلى الله عليه وسلم: فَقِّر لها.فإذا
فرغتَ فآذِنِّى حتى أكون أنا الذى أَضعها بيدى ففقَّرْت لها وأعاننى أصحابى حتى فرغنا منها ،
فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فكنا نّحْمل إليه الوَدِىّ ويضعه بيديه ويسوِّى عليها
التراب ، فغرسها كلها إِلا نخلة واحدة غرستُها بيدى . وفى رواية : غرسها عمر . فأَطعم
النخلُ كلها من سَنته إِلا تلك النخلة . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من غرسَها ؟
قالوا : عمر فنزعها وغرسها بيده فحملتْ من عامها . فوالذى بعثه بالحق ما ماتت منها(٢).
وَدِيّة [ واحدة (٣)].
وبقيتْ علىَّ الدراهم ، فأَتاه رجل من بعض المعادن بمثل بَيْضة الحمامة من ذهب ، فقال (٤)
لى رسول الله صلى اللهعليه وسلم: خذ هذه يا سلمان فأَدِّها عنك. فقلت: يا رسول الله وأین
تقع هذه مما علىَّ ؟ فقَلبها على لسانه ثم قذفها إلىَّ ثم قال: انطلق بها ، فإن الله سيؤدِّى بها
عنك. فوالذي نفسي بيده لَوزَنْتُ لهم منها أربعين أوقية من ذهب فأَديتها وبقى عندى مثل
ما أعطيتهم .
: رواه الإمام أحمد وابن سعد والبزار والطبرانى وأبو نعيم وغيرهم (٥)، من طرق أُدخلت
بعضها فى بعض وسُقْتها كما تقدم .
تَنْيَهَاتٌ
الأول : فى رواية : أَن سلمان من فارس . وفى رواية : من أَهل إصبهان بكسر الهمزة
وفتحها . وفى رواية : أنه من أَهل جَىّ بجيم مفتوحة فمثناة تحتية مشددة . وفى رواية : أَنه
من رامَهُرْمز .
والجمع بين هذه الروايات : أَن جَىّ مدينة أَصبهان، وأَنه وُلِد برامُهْرمز ، وأَصله من
فارس كما صرح بذلك فى رواية أبى سلمة بن عبد الرحمن ، كما فى تاريخ أبى نُعَيْم
ودلائله (٦) .
(١) الأصل : وعشر . محرفة.
(٣) ليست فى ط .
(٢) ت م : مامات.».
(٤) ط : قال .
(٥) خبر إسلام سلمان الفارسى فى طبقات ابن سعد ٤ القسم الأول ص ٥٣، ومسند أحمد ٤٣٨/٥، ٤٤١، وسيرة
ابن هشام ٢٢٠٨/١، ودلائل النبوة لأبي نعيم ٢١٣، والاكتفاء ٢٣٦/١. وسيرة ابن كثير ٢٩٦/١، والخصائص الكبرى
٤٥/١ بعدة روايات .
(٦) الدلائل ص ٢١٣.
- ١٣٠ -

الثانى: فى رواية: أَنه قدَّم للنبي صلى الله عليه وسلم تمراً. وفى رواية: رُطَباً. وفى
رواية: خَلالاً بفتح الخاء المعجمة، وهو البلح . وفى رواية : لحم جَزُور . وفى رواية ؛ لحم
بَطِّ. وليس بمنكَر أن يكون سَلْمان قدَّم ذلك كله إمّا فى مجلس واحد فحدَّث بهذا مرةً وبهذا
مرة ، وإِما فى مَجالس ، كل واحد مما ذكر فى مجلس ، احتياطاً واستظهاراً .
الثالث : فى بيان غريب ما سبق :
الدِّهقان : بكسر الدال المهملة وضمها : شيخ القرية العارف بالفِلاحة وما يُصلح الأرض
من الشجر ، يُلجأُ إليه فى معرفة ذلك وهو معرَّب .
رامَهُرْمَز: بفتح الميم الأُولى وضم الهاءِ وفتح الميم الثانية وسكون الراء بينهما زاى :
كورة بالأهواز .
البِرْطيل : بكسر الباء الموحدة : حجر عظيم مستطيل .
الأُسقُفُّ: بالتشديد : عالِمِ النصارى الذى يقيم لهم أَمَرَ دينهم ، ويقال أُسْقُفُ بالتخفيف
أيضاً .
العَذْق : بفتح العين المهملة وسكون الذال المعجمة : النخلة . وبكسر العين الكِيَاسة
بكسر الكاف ، وهو عنقود النخلة .
بنو قَيْلة : بفتح القاف فمثناة تحتية ساكنة فلام مفتوحة ، هى(١) أُم الأوس والخزرج
العُرَورّاء ، بعين مهملة مضمومة فراء مفتوحة فواو فراء مشددة. فألف (٢): الرِّعدة
من البرد والانتفاض. العُرَقاء: بعين مهملة مضمومة فراء مفتوحة فقاف وألف ممدودة (٣).
لكلمنى : ضربنى [ بُجمْعه(٤)] واللكم : شبيه اللَّكْز.
الشَّمْلة : الكِسَاء الغليظ يشتمل به الإِنسان ، أى يلتحف به .
الرِّق: العبودية .
(١) ت م : وهى.
(٢) كذا ضبطها المؤلف، والذى فى اللسان والقاموس: العرواء كالغلواء. أى بضم العين وفتح الراء والواو.
(٣) كذا: ولعلها غرباء. بغين معجمة مضمومة فراء مفتوحة فباء وألف ممدودة. إذ هى الواردة فى قوله: ((وان
معك أصحاباً غرباء)).
(٤) من ط .
- ١٣١ -

الفَقِير، بناء مفتوحة فقاف مكسورة فياء : اسمٌ لِحديقة بالعالِيَةِ بقرب بنى فُرَيْظة (١).
وقد خَفِى ذلك على بعضهم فقال كما نقله أبو الفتح: قوله: ((بالفَقِير)) الوجه: إنما
هو بالتَّفْقير. قال السيد : والصواب بالفَقِير وهو اسم موضع (٢).
الوَدِىّ : بكسر الدال المهملة وتشديد الياء : فراخ النخل . فَقَّرتُ: حفرت.
٢٠
٠ ٠
قال ابن إسحاق رحمه الله تعالى : عن عمر بن عبد العزيز قال: حُدِّثت عن سَلْمان
أَن صاحب عَمُّورية قال لسَلْمان حين حضرته الوفاة : ائتِ غَيْضتين من غيض الشام(٣)،
فإن رجلا يخرج من إحداهما إلى الأُخرى فى كل سنة ليلة يعترضه ذوو الأسقام فلا يدعو
لأَحد به مرضٌ إِلا شُفِى ، فاسأله عن هذا الذى تسألنى عنه .
٨
فخرجتُ حتى أَقمتُ بها سنةً حتى خرج تلك الليلة ، فأخذتُ بمنكِبه فقلت : رحمك الله
[ أخبرنى عن ](٤) الحنيفية دين إبراهيم قال : قد أَظلك زمانُ نبىُّ يخرج عند هذا البيت
بهذا الحرم يُبعثِ بذلك الدِّين .
فلما ذكر ذلك سلمانُ للنبي صلى الله عليه وسلم قال : لئن كنت صدَقْتنى يا سلمان
لقد رأيتَ عيسى بن مريم (٥) .
غَيْضتين : الغَيْضة : الشجر الملتفُّ .
قال السُّهيلى رحمه الله تعالى : وإِسناد هذا الحديث مقطوع ، وفيه رجل مجهول ويقال
هو الحسن بن عُمَارة ، وهو ضعيف .
1
فإن صح الحديث فلا نَكَارة فى مَنْنه. فقد ذكر الطَّبَرانى أن المسيح صلى الله عليه وسلم
نزلَ بعدما رُفع وأُّ وامرأة أُخرى عند الجذع الذى فيه الصليب تبكيان عليه ، فكلمها
وأخبرهما أَنه لم يُقتل وأن الله تعالى رفعه ، وأرسل إلى الحواريّين ووجّههم إلى البلاد
وإذا جاز أن ينزل مرةً جاز أن ينزل مراراً ، ولكن لا يُعْلم أَنه هو حتى ينزل النزولَ الظاهر
(١) والفقير أيضاً: الحفرة تغرس فيها الفسيلة. قال فى النهاية ٢٣٥/٣: وفقير النخلة: حفرة تحفر للفسيلة إذا
حولت لتغرس فيها . ومنه الحديث : قال لسلمان اذهب فقر للفسيل أى أحفر لها موضعاً تغرس فيه ، واسم تلك الحفرة :
فقرة وفقير .
(٢) ضبط القاموس الفقير بمعنى الموضع، فقال: وكزبير : موضع.
(٣) ابن هشام: ((الت كذا وكذا من أرض الشام، فإن بها رجلا بين غيضتين يخرج فى كل سنة من هذه الغيضة
(٥) سيرة ابن هشام ٢٣٦/١.
(٤) من ابن هشام .
إلى هذه الغيضة».
- ١٣٢ -

يكسر الصليب وَيُقتل الخنزير كما جاء فى الصحيح (١).
قال الحافظ أبو الخير السَّخَاوى فى كتابه: (( التحصيل والبيان فى سِيَاق قصة السيد
سَلْمان )) : وما نقله ابنُ جَرِیر يحتاج إلى دليل . انتهى .
قلت : ما ذكره ابن جرير رواه فى تفسيره عبدُ بن حُمَيْد وابنُ المنذِر من طريق آخر عن
وهب بن مُنَبِّه(٢) .
وروى البخارىّ والبيهقى عن سَلْمان رضى الله تعالى عنه أنه تَدَاوله بضعة عشر ربًّا مِن
ربِّ إلى رب(٣).
ونقل السهيلى عن مصنّف حَمَّد بن سلمة رحمه الله تعالى أن الذين صَحِب سلمانُ من
النصارى كانوا على الحق ، على دين عيسى ابن مريم ، وكانوا ثلاثين يداولونه سيداً بعد
سيد .
قال الذهبي رحمه الله تعالى : وجدت الأَّقُوالَ فى سِنِّ سليمان كلها دالة على أنه جاوز
المائة (٤) والخمسين، والاختلاف إنما هو فى الزائد. قال : ثم رجعت عن ذلك وظهر لى أَنه
ما جاوز الثمانين .
قال الحافظ : لم يذكر مُسْتَنده فى ذلك ، وأَظنه أَخذه من شهود سلمان الفتوحَ بهِ
النبي صلى الله عليه وسلم وتزوّجه امرأة من كِنْدة وغير ذلك ، مما يدل على بقاء بعض النشاط .
لكن إن ثبت ما ذكره يكون ذلك من خوارق العادات فى حقه ، وما المانع من ذلك ؟
فقد روى أبو الشيخ فى طبقات(٥) الأصبهانيين من حديث العباس بن يزيد قال : أهل
العلم يقولون : عاش سلمان ثلاثمائة وخمسين سنة فأَما مائتين وخمسين فلا يشكُّون فيها .
انتهى .
وروى ابن إسحاق عن عاصم بن عمر بن قَتَادة قال: حدثنا أَشياخٌ شنَّى قالوا : لم يكن
(١) الروض الأنف ١٤٥/١.
(٢) فى ت م زيادة: ورواه ابن المنذر من طريق آخر. ولعلها مكررة.
(٣) صحيح البخارى كتاب البيوع باب ١٠٢ وكتاب المظالم ٣١ وكتاب الأنبياء ٤٩ وأخرجه مسلم فى صحيحه كتاب
الإيمان حديث رقم ٢٤٢، ٢٤٣.
(٤) ت م : المائتين .
(٥) الأصل : فى طباق .
- ١٣٣ -

أحدٌ من العرب أَعلمَ بشأن رسول الله صلى الله عليه وسلم منا ، كان معنا يهود، وكانوا أَهْلَ
كتاب وكنا أَهلَ وثن ، وكنا إذا بلَغْنا منهم ما يكرهون قالوا : إِن نبيًا مبعوثاً الآن قد أَظلَّ
زمانُه نتبعه فنقتلكم معه قتل عادٍ وإِرم . فلما بعث الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم
اتبعناه وكفروا به، ففيهم أَنزل الله: ( وكانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُون على الذِينِ كَفَرُوا،
فَلمَّا جاءهم ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللهِ على الكافِرِين ) (١).
وعن ابن عباس رضى الله تعالى عنهما قال : كانت يهود خيبر تقاتل غَطفانَ ، فلما التقوا
هُزِ ت يهود خيبر ، فعاذت اليهود بهذا الدعاءِ فقالوا : اللهم إنا نسألك بحق محمد النبي الأُمى
الذى وعَدْتنا أَن تخرجه لنا فى آخر الزمان إِلا نصَرْتنا عليهم فكانوا إذا التقوا دعَوْا بهذا
الدعاءِ فهزَموا غَطَفان، فلما بعث رسولُ الله صلى الله عليه وسلم كفروا به، فأنزل الله علو
وجل : ( وكانُوا مِنْ قبلُ يَسْتفتحون عَلَى الَّذين كَفَرُوا فَلمَّا جاءهم ما عَرَفُوا كَفَروا به فلعنة
الله على الكافرين )) .
رواه الحاكم والبيهقى (٢).
١
وعن سلمة بن سلامة بن وَقْش بفتح الواو والقاف وإِسكانها وبالشين المعجمة رضى الله
تعالى عنه قال : كان بيننا يهودى فخرج على نادِى قومه بنى عبد الأشهل ذاتَ غداة فذكر
البَعْثَ والقيامة والجنة والنار والحساب والميزان ، فقال ذلك لأصحاب وثن لا يرون
أَنَّ بعثاً كائِنُ بعدَ الموت ، وذلك قَبْل مَبْعث النبى صلى الله عليه وسلم ، فقالوا : ويحك
يا فلان! وهذا كائن أَن الناس مبعوثون بعدَ موتهم إلى دار فيها جنة ونار ويُجْزون من
أعمالهم ؟ قال : نعم والذى يُحلَف به لودِدتُ أَن حظى من تلك النار أَن توقِدوا أَعظم تَنُّورا
فى داركم فَتُحْمُوه (٣) ثم تقذفونى فيه ثم تطيِّنوا علىّ وأَن أَنْجُوَ من تلك النار غداً . قالوا :)
فما علامة ذلك ؟ قال : نبيٌّ يُبعث من ناحية هذه البلاد . وأشار بيده نحو مكة واليمن .
قالوا : فمتى تراه (٤). فرمى بطَرفه إِلىّ وأَنا أَحْدَث القومِ فقال : إن يستنفدْ هذا الغلامُ
عُمْره يُدْرِ كْه .
(١) سورة البقرة: ٨٩. والخبر فى ابن هشام ٢٢٥/١.
(٢) الخصائص الكبرى ٥٦/١.
(٣) فى النسخ : فتحمونه ، تصحيف .
(٤) ت م : فمات اه.
- ١٣٤ -

فها ذهب الليلُ والنهار حتى بُعث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإنه لحَىّ بين أَظْهُرنا،
فآمنا به وصدَّقْناه وكفر به بَغْيًّا وحسداً، فقلنا له : يا فلان أَلست الذى قلت لنا فيه ما قلتَ
وأخبرتنا به ؟ قال : ليس به .
رواه ابن إسحاق(١) ، والبخارى فى التاريخ وصححه الحاكم .
قوله : إِن يستنفدْ بكسر الفاء ودال مهملة أى يستكمل .
وروى عن محمد بن عَدِىّ أَنه سأَل أَباه كيف سَّاه فى الجاهلية محمداً ؟ فقال :
خرجتُ مع جماعة من بني تميم ، فلما ورَدْنا الشامَ نزلنا على غَدِير عليه شجر ، فأَشرف علينا
دَيْرانِىُّ(٢) فقال: من أنتم؟ قلنا: من مُضَر. قال : أَمَا إنه سوف يُبعث منكم وشيكاً نبىٌّ
فسارعوا إليه وخذوا بحظكم منه تَرْشُدوا ، فإنه خاتم النبيين . فقلنا : ما اسمه ؟ فقال :
محمد . فلما صرنا إلى أهلنا وُلِد لكل واحد منا غلام فسماه محمداً .
رواه الطبرانى والبيهتى وأَبو نُعَيْم (٣).
وشيكاً : أى قريباً .
وروى ابنُ سعد عن سعيد بن المسيّب رحمه الله تعالى قال : كانت العرب تسمع من
أَهل الكتاب ومن الكُهَان أَن نبيًّا يُبعث من العرب اسمه محمد، فسمَّى من بلَغه ذلك مَن
ولد له محمدا ، طمعاً فى النبوة(٤) .
ورَوى الطبرانى والبيهقى عن أبى سفيان بن حرب رضى الله تعالى عنه قال : خرجت
أَنا وأمية بن أبي الصَّلْت إلى الشام ، فمررنا بقرية فيها نصارى ، فلما رأوا أُميةَ عظَّموه
وأكرموه وأرادوه على أن ينطلق معهم ، فقال لى أُمية : يا أَبا سفيان انطلقْ معى فإنك تمضى
إلى رجل قد انتهى إليه عِلْمُ النصرانية فقلت : لست أنطلق معك . فذهب ورجع وقال(٥):
تكتم علىَّ ما أُحدثك به ؟ قلت : نعم . قال : حدَّثنى هذا الرجل الذى انتهى إليه عِلْمُ
الكتاب : أَن نبيًّا مبعوث، فظننت أننى هو ، فقال : ليس منكم ، هو من أَهل مكة .
قلت : ما نسَبُه ؟ قال : وسَط قومه. وقال لى: إن آية ذلك أَن الشام قد رجَفت بعدَ عيسى
(١) ابن هشام ٢٢٥/١. والاكتفاء ٢٣٣/١. والوفا ٤٧/١.
(٢) الدير فى : الراهب الذى يسكن الدير .
(٤) طبقات ابن سعد ١ القسم الأول ١١١.
:
(٣) دلائل النبوة لأبي نعيم ٥٥، والوفا ٤٦/١.
(٥) ط : قال .
- ١٣٥ -

ثمانين رجفة ، وبقيت رجفة يدخل على أهل (١) الشام منها شرّ ومُصيبة : فلما صرنا قريبا
من ثنيّة(٢) إِذا راكبٌ قلنا : من أين؟ قال : من الشام . قلنا : هل كان مِن حَدث ؟
إ قال : نعم ، رجفت الشام رجفة دخل على الشام منها شر ومصيبة (٣).
ورَوى ابنُ عساكر عن أبى بكر الصديق - رضى الله تعالى عنه - قال : كنت جالسا بفناء
الكعبة وزيد بن عمرو بن نُفَيْل قاعدٌ، فمرَّ به أُمَيّة بن أبى الصَّلْت فقال: أَمَا إِن هذا
النبى الذى - يُنتظر منا أَو منكم أو من أهل فلسطين. قال: ولم أكن سمعت قبل ذلك بنبيّ
ينتظر فلا يُبعث .
فخرجتُ أُريد ورقةً بن نوفل فقصصت عليه الحديث فقال : نعم يا بن آخى ،
أَخبرنا أَهلُ الكتاب والعلماء ، أن هذا النبى الذى يُنتظر من أَوسط العرب نسباً ، ولى عِلمُّ
بالنسب فقومك أَوْسَط العرب نسباً . قال : يا عم وما يقول النبى ؟ قال يقول ما قيل له ،
إلا أنه لا يظلم ولا يُظالِمِ .
قال : فلما بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم آمنتُ وصَدقت(٤).
فلسطين بكسر الفاء وفتح اللام : ناحية من الشام .
وعن زيد بن حارثة - رضى الله تعالى عنهما - أن النبى صلى الله عليه وسلم لغى زيدٌ
ابن عمرو بن نُفَيل ، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : مالى أرى قومك قد شَنِفوك ؟
قال : أَمَا والله إنَّ ذلك لَبِغَيْر ثائرة كانت [مِنِّى] (٥) إِليهم ، ولكن أراهم على ضلالة فخرجت
أَبتغى هذا الدِّين حتى أتيت على شيخ بالجزيرة فأخبرته بالذى خرجت له ، قال : ممن أنت ؟
قلت : من أَهل بيت الله . قال : فإِنه [قد ](٦) خرج فى بلدك نبى أَو خارج قد طلع نَجْمه،
فارجع فصَدِّقه وآمن به . فرجعت فلم أُحس بشىء بعدُ .
قال : ومات زيد بن عمرو قبل أن يُبعث رسولُ الله صلى الله عليه وسلم (٧).
رواه أبو يَعْلى والطبرانى والحاكم وصحَّحه .
(١) من ط
(٢) ت م : من بنية.
(٣) خبر أبى سفيان مع أمية بن أبي الصلت فى الاكتفاء ٢٤٤/١، والوفا ٥١/١ .
(٤) الخصائص الكبرى ٦٠/١ عن ابن عساكر فى تاريخ دمشق عن عيسى بن داب.
:.
(٥) من الخصائص.
(٦) ليست فى ط .
(٧) الخصائص الكبرى ٦١/١ عن أبى يعلى والبغوى فى معجمه والطبر انى والحاكم وصححه، والبيهقى، وأبو نعيم.
- ١٣٦ -

شَنِفِوك بفتح الشين المعجمة وكسر النون : أى أبغضوك. ولغير ثائرة : أى لم أَصنع
لهم شرًا .
وعن عامر بن ربيعة - رضى الله تعالى عنه - أَن زيد بن عمرو بن نفيل قال : خالفتُ
قومى واتبعتُ ملةً إبراهيم وما كان يعْبد، فأَنا أَنتظر نبيّا من ولد إسماعيل اسمه أَحمد ،
ولا أُرانى أُدركه ، فأَنا أُومن به وأُصدقه وأشهد أَنه نبى ، فإِن طالت بك مُدَة فأَقْرِهِ منى
السلام ، وأُخبرك يا عامر مانَعْته حتى لا يخفى عليك: هو رجل ليس بالطويل ولا بالقصير، *
ولا بكثير الشعر ولا بقليله ، وليس يفارق عينيه حُمرة ، وخاتم النبوّة بين كتفيه ،
واسمه أَحمد ، وهذا البلد مَوْلده ومَبْعَته ، ثم يُخرجه قومه منها ويكرهون ما جاء به حتى
يها جر إلى يَثْرب فيظهر أَمرُه فإياك أَن تُخدع عنه فإِنِى بَلَغْتُ البلادَ كلها أَطلب دين إِبراهيم
وكل من أَسأَله من اليهود والنصارى والمجوس يقول : هذا الدين وراءك. ويَنْعتونه مثلَ
ما نعتُّه لك ، ويقولون : لم يبق نبيّ غيره .
قال عامر : فلما تنبَّأَ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - وأخبرتُه، فقال: قد رأيته فى
الجنة یسْحب ذیله (١)
رواه ابن سعد وأبو نُعَيْم .
وروى ابن عساكر عن ابن إسحاق - رحمه الله تعالى - قال: إِن ربيعة بن نصر الَّلخْمى
رأى رؤيا هالته وَفظع بها ، فلم يدعْ كاهناً ولا ساحرا ولا عائفاً ولا منجما من أَهل مملكته
إِلا جمعه إليه ، فقال لهم: إنى قد رأيت رؤيا هالَشْنى وفَظِعْتُ بها فأخبرونى بتأُويلها .
قالوا : اقْصُصْها علينا نخبرك بتأويلها . قال : إن أَخبرتكم بها لم أَطمئن إلى خبركم
عن تأويلها ، إنه لا يعرف تأويلها إلا من عرَفها قبل أن أُخبره بها .
فقيل له : إن كنت تريد هذا فابعث إلى سَطِيح وشِقّ ، فإنه ليس أحد أَعْلِم منهما ،
فهما يخبرانك بما تسأل عنه .
فَبَعث إليهما ، فَقَدِمِ عليه سَطِيحِ قبلَ شِقْ ، فقال : إنى رأيتُ رؤيا هالَشْنى وفظِعت
بها، فأَخبرنى بها فإنك إن أصبتَها أَصبتَ تأويلها. فقال: رأيتَ حُمَّمة خرجت من ظُلَمة
(١) دلائل النبوة لأبى نعيم ٦١، وطبقات ابن سعد ١٠٦/١ ((القسم الأول)) وفيها: ((يسحب ذيولا))، والخصائص
٦٢/١ ٠
- ١٣٧ -
١٨ - سبل الهدى والرشاد

فوقعت بأَرض تَهمة، فأَكلَت كل ذات جُنْجمة . فقال الملك: ما أخطأَت منها شيئا
ياسَطِيح ، فما عندك فى تأويلها ؟ فقال : أَحلف بما بين الحرّتين من حنَش، لَيهبطن أرضكم
الحبش فليُهلكن ما بين أَبْيَن إلى جرش. فقال الملِك: وأَبيك يا سَطِيح إِنَّ هذا لنا لغائظ
موجع ، فمتى هو كائن ؟ أَفى زمانى أَم بعده ؟ قال : بل بعده بخين أكثر من ستيل
أَو سبعين من السنين . قال: أَفيدوم ذلك من مُلْكهم أم ينقطع؟ قال : بل ينقطع لبضح
وسبعين من السنين ، ثم يُقتلون ويُخرجون منها هاربين قال : ومن يلى ذلك مِن قَتْلهم
وإخراجهم ؟ قال : يليه إرم ذى يَزن ، يخرج عليهم من عدن ، فلا يترك منهم أَحفظاً
باليمن : قال أَفيدوم ذلك من سلطانه أم ينقطع ؟ قال بل ينقطع . قال : ومن يقطعه؟
قال : نبِّ زَكَىّ يأْتِيه الوُجِىّ(١) من قِبَل العَلِىّ. قال: وممن هذا النبى؟ قال: رجل من بنى
غالب بن فِهْر بن مالك بن النضر ، يكون الملك فى قومه إلى آخر الدهر . قال : وهل للدهر
من آخر؟ قال : نعم يومٌ يُجمع فيه الأَولون والآخرون ، يسعد به المحسنون ويشقى بله
المسيئون. قال : أَحقُّ ما تخبرنى به ؟ قال: نعم والشَّفَق والغَسق، والفَلق إذا إنَّسق إِن ما (٢)
أَنِبُتُك به لَحقّ .
ثم قدم عليه شِقّ فقال له كقوله لسطيح ، وكتم ما قاله سَطيح ، لينظر أَيتفقان
أَم يختلفان. قال : نعم رأيت حُمَمة خرجت من ظُلمة فوقعت بين روضة وأَكمة وأكلت
منها كل ذات نسمة .
....
فلما قال ذلك عرف أنهما قد اتفقا ، فقال الملك: ما أَخطأَت منها شيئا يا شِقَّ،،
فما عندك فى تأْويلها ؟
قال : أَحلف بما بين الحرَّتين من إنسان، لينزلنّ أَرضكم السودان ، فليَغلِبُن على كل
طفلة(٣) البَنان، وليَمْلِكُنّ ما بين أَبْيَن إلى نجْران.
فقال له الملك : فمتى هو كائن ؟ فى زمانى أَم بعده ؟ قال : بل بعده بزمان ، ثم
يستنقذكم منهم عظيمٌ ذو شأن، ويُذيقهم كأُسَ الهوان. قال: ومن هذا العظيم الشأن؟
قال : غلام ليس بدَنِىّ ولامُدَنّ ، يخرج عليهم من بيت ذى يَزن . قال : أَفيدوم سلطانه
: (١) الوحى : جمع وحى.
(٢) ت.م : إن الذى أنبأتك.
(٣) الأصل: على ذى طفلة البنان. والتصويب من الاكتفاء ١١٤/١.
- ١٣٨ -

أَم ينقطع ؟ قال: بل ينقطع برسولٍ [ مُرسَل](١) يأتى بالحق والعدل، بَيْن أَهلِ الدِّين
والفضل يكون المُلك فيه إلى يوم الفصل . قال : وما يوم الفصل ؟ قال: يومٌ تُجزى(٢)
فيه الولاة ، يُدْعى فيه من السماء بدعوات يستمع(٣) منها الأحياء والأموات ويُجمع فيه
الناسُ للميقات يكون فيه لمن اتَّقَى الفوزُ والخيرات . فقال: أَحقُّ ما تقول ؟ قال إِى ورب
السماء والأرض وما بينهما من رَفع وخفض إِنَّ ما أَنبأُتُك به لحقّ ما فيه أَمْض (٤).
قوله : فُظع بها . الرواية بضم الفاء وفتحها . وصوَّب أَبو ذر الخُشى الفتح بوزن عَلِم
يقال : فظِع بالشىء إذا رآه أمراً عظيما .
والعِيَافة: زجْر الطير والتفاؤل بأسمائها وأَصواتها وممرّها (٥).
والحُمَمة بضم الحاء وفتح الميمين وجمعها حُمَم وإنما أراد فحْمة فيها نار ، ولذلك
قال : فأَكلت منها كلُّ ذات جُمْجمة أَى رأْس .
وظُلمة: أَصلها مسكَّن وإِنما حركت للسَّجْع قال السُّهيْلى رحمه الله تعالى: وذلك أَن الحُمَمة
قطعة من نار ، وخروجها من ظُلمة يشبه خروج عسكر الجيش من أرض السودان(٦).
أرض تهمة بفتح التاء وكسر الهاء يعنى واسعة منخفضة ، وأكلت منها كل ذات
جمجمةٍ أَى رأس ، ولم يقل ذى جمجمة لأن القصد النفس والنَّسْمة ، فهى أَعمّ ، ولو جاء.
بالتذكير لكان مختصا بالإنسان .
والحَرَّة: بفتح الحاء المهملة: أَرض غليظة تركبها حجارةٌ سُود وإنما حلف بالحنش
وهى من الحيات لما يحكى أن الجن تتشكل وتتصور فيها .
أَبْيَن بفتح الهمزة فباء موحدة ساكنة فمثناة تحتية فنون : موضع باليمن . جُرَش
بضم الجيم وفتح الراء وشين معجمة : أَرض باليمن أيضا . عدن: اسم بلد بها .
الغسَق: الظُّلمة . الغلق: الصبح. اتسق: تتابع وتوالَى. الأكمة: الكُذية . ويروى :
كلُّ ذات نسمة بالرفع هنا وفى الأولى (٧). قال الخُشْنِىّ: والصواب النصب، لأَن الجمجمة
(٢) ت م : يدعى.
(١) من الاكتفاء.
(٣) الاكتفا: يسمع.
(٤) خبر نصر بن ربيعة مع شق وسطيح فى سيرة ابن هشام ١٥/١. ودلائل النبوة لأبي نعيم ٨٦، والاكتفا ١١٤/١،
والوفا ٧٤/١، وسيرة ابن كثير ١٤/١، والخصائص ٨٣/١.
(٥) ت م : وشعرها . محرفة .
(٧) ط : وفى الأول.
(٦) الروض ١٩/١.
- ١٣٩ -