Indexed OCR Text

Pages 101-120

وأَثَر كعب السابق أُولَ الباب الأول يؤيد ما قاله .
وقال بعض العارفين: لمّا خلق الله الأرواح المدبّرة للأَّجسام عند وجود حركة الفلك
أُولَ ما خلق الزمان بحركة ، كان أول ما خلق روح محمد صلى الله عليه وسلم ، ثم صدرت
الأرواح عن الحركات الفلكية(١) فكان لها وجود فى عالم الغيب دون عالم الشهادة، وأَعلمه
بالنبوة وآدم لم يكن، كما قال: ((بَيْن الروح والجسد)) فاقتضى قوله: ((كنت نبيًا
وآدم بين الروح والجسد)) أن يكون حقيقة ، فإنه لايكون العدم بين أمرين موجودين
لانحصاره، والمعدوم لا يوصف بالحصر فى شىء، ثم انتهى الزمانُ إلى وجود جسمه صلى الله
عليه وسلم وارتباط الروح به ، فظهر سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم بكليته جسما وَروحا ؛
فكان له الحكم أولا باطناً فى جميع ما ظهر من الشرائع على يدى الأنبياء والرسل صلوات الله
وسلامه عليهم ، ثم صار له الحكم ظاهرا فنسخ كل شرع وإن كان الشرع واحدا وهو
صاحب الشرع، فإنه قال: ((كنت نبيا)) ما قال : كنت إنسانا ولا كنت موجودا ، وليست
النبوة إلا بالشرع المقرر من عند الله تعالى، فأخبر صلى الله عليه وسلم أنه صاحب النبوقم
قبل وجود الأنبياء فى الدنيا .
ا
(١) هذه دعوى لا يقيمها دليل من كتاب ولا سنة . وهى بكلام الفلاسفة أشيه.
- ١٠٠ -

الباب الرابع
فى تقدّم أخذ الميثاق عليه زاده الله تعالى شرفا وفضلا لديه
روى ابن سعد عن الشَّعْبى مرسلًا قال : قال رجل : يا رسول الله متى استُنبئَ ؟ قال :
((وآدم بَيْن الروح والجسد حين أُخذ منى الميثاق(١)).
وروى أبو سهل القَطَّان فى أَماليه ، عن سهل بن صالح الهمذانى ، قال : سألت أبا جعفر
محمد بن على : كيف صار محمد صلى الله عليه وسلم يتقدم الأنبياء وهو آخر من بُعث ؟
قال: إِن الله لما أَخذ من بنىٍإآدم من ظهورهم ذُرِّيّاتهم وأَشْهَدَهُمْ على أنفسهم : أَلستُ
بربكم؛ كان محمد صلى الله عليه وسلم أول من قال بَلَى. ولذلك صار يتقدم الأنبياء وهو
آخر من بُعث .
قال الحافظ ابن رجب فى اللطائف : وخبر الشعبى يدل على أنه من حين صوّر آدم
طينا استخرج وأخذ منه صلى الله عليه وسلم ونئ وأُخذ منه الميثاق ، ثم أُعيد إلى ظَهر
آدم حتى يخرج وقت خروجه الذى قد رأيت خروجه فيه ، فهو أولهم خَلْقا وآخرهم
بَعثا، وهو آخر النبيّين باعتبار أن زمانه تأَخَّر عنهم .
لا يقال: خُلق آدم قبله ، لأَن آدم كان حينئذ هواء لا روح فيه ، ومحمد صلى الله
عليه وسلم كان حيًّ حين استخرج ونبِّئْ وأُخذ منه الميثاق، ولايقال إن استخراج ذرية
آدم منه كان بعد نفخ الروح فيه، كما دل عليه أكثر الأحاديث والذى تقرر أنه
استخرج ونُبِّئ قبل نفخ الروح فى آدم ، لأَنّه صلى الله عليه وسلم خُصّ باستخراجه من
ظهر آدم قبل نفخ الروح فيه فإن محمدا صلى الله عليه وسلم هو المقصود من خَلْق النوع
الإِنسانى، وهو عَيْنه وخلاصته. ويستدل بخبر الشَّعْبى وغيره مما تقدم فى الباب السابقَ
على أنه صلى الله عليه وسلم وُلِد نبيًّا، فإِنَّ نُبُوَّتَه وجبت له حين أُخذ الميثاق حيث استخرج
(١) طبقات ابن سعد ٩٥/١ .
- ١٠١ -

ص٢٦ -١ من صلب آدم فكان نبيًا حينئذ، لكن كانت مدة خروجه إلى الدنيا متأخرة عن ذلك.
وذلك لايمنع كونه نبيًا كمن تولى ولابةٍ ويؤمر بالتصرف فيها فى زمن مستقبل. فحُكْم
الولاية ثابت له من حين ولايته، وإن كان تَصَرُّفه يتأخَّر إِلى حين مجىء الوقت. والأحاديث
السابقة فى باب تقدم نبوته صلى الله عليه وسلم صريحة فى ذلك . والله سبحانه وتعالى أعلم .
- ١٠٢ -

الباب الخامس
فى كتابة اسمه الشريف مع اسم الله تعالى على العرش وسائر ما فى الملكوت ،
وما وجد على الحجارة القديمة من نقش اسمه صلى الله عليه وسلم
قال الإِمام العلامة خالد بن محمود بن جملة رحمه الله تعالى: لم يثبت أَن غيره صلى الله
عليه وسلم أثبت اسمه على العرش .
روى الحاكم والطبرانى عن عمر بن الخطاب رضى الله تعالى عنه قال : قال رسول الله
صلى الله عليه وسلم: ((لما اقترف آدم الخطيئة قال: ياربّ أَسأَلك بحقّ محمد لَمَا غفرت
لى. قال وكيف عرفتُ محمدا؟ قال: لأَنّك لمّا خلقتنى بيدك ونفختَ فىّ من روحَك رفعتُ
رأسى فرأيتُ على قوائم العرش مكتوبا: لا إِلّه إِلَّ الله محمد رسول الله . فقلت: إِنك
لم تُضف إِلى اسمك إِلاَّ أَحبَّ الخَلْقِ إِليك. قال: صدقتَ ياآدم، ولولا محمد ما خلقتك)(١).
قال الإِمام الزاهد الشيخ إبراهيم الرقى رحمه الله تعالى: لو لم يتب عليه لَبقى هو وذريته
فى دار السخط أَبَد الأَبد .
فما ظنك برجل واحد شمل العالمين كلهم بركتُه ، حتى صُولح به المتمردون(٢) ورزق
به المحرومون وجُبر به المنكسرون وأُنقذ به المعذَّبون ، ومن العجب أن ننتظر شفاعته فى
القيامة وقد سبقت شفاعتُه فينا وفى أَبينا من أول دنيانا، فهو مُطَهَّر الباطن والظاهر مبارك
: الأَول والآخر.
وروى ابن أبي عاصم(٣) فى المسند وأبو نعيم عن أنس رضى الله تعالى عنه أَن الله سبحانه
. (١) الوفا ٣٣/١. وسيرة ابن كثير ٣٢٩/١. قال ابن كثير: قال البيهقى: ((تفرد به عبد الرحمن بن زيد بن أسلم.
وهو ضعيف )) .
(٢) ت م : المطرودون .
(٣) ابن أبى عاصم: أحمد بن عمرو بن أبى عاصم الضحاك بن مخلد الشيبانى، ولد سنة ٢٠٦ هـ، وهو من أهل
البصرة وولى قضاء أصبهان، له مصنفات عدة منها: ((المسند الكبير)) وجمع فيه نحو خمسين ألف حديث، وتوفى سنة ٢٨٧ هـ
وانظر تذكرة الحفاظ ١٩٣/٢ والبداية والنهاية ٨٤/١١
- ١٠٣ -
۔۔۔

وتعالى قال لموسى : يا موسى إِنَّ من لقينى وهو جاحد بمحمد صلى الله عليه وسلم أَدخلتُه النار.
فقال : من محمد ؟ قال يا موسى وعزتى وجلالى ما خلقتُ خَلْقاً أَكرمَ علىَّ منه، كتبتُ
اسمه مع اسمى فى العرش قبل أَن أَخلق السموات والأرض والشمس والقمر بأَلْفَىْ سنة (١))).
وروى ابنُ المنْذِر ، عن محمد بن على بن الحسين ، عن على بن أبى طالب رضى الله تعالى
عنه، أَن آدم لمّا أَكل من الشجرة عَظُم كَرْبُه واشتد ندَمه علَّمه جبريل أَن يقول دعاءً
ومنه : اللَّهمّ إِنى أَسأَلِك بجاه محمد عندك وكرامته عليك أَنْ تغفر لى خطيئتى . ففعل
آدم، فقال الله: يا آدم مَنْ علَّمك هذا؟ قال: يارب إِنك لمّا نَفَخْتَ فىّ الروحَ. فذكر
نحو الحديث الأول .
وروى ابن أبى الدنيا عن سعيد بن جُبَير رحمه الله تعالى قال: اختصم ولدُ آدم : أَىِّ
الخَلْقِ أكرمُ على الله؟ فقال بعضهم: آدم خلَقه الله بيده وأَسجَد له ملائكته . وقال آخر:
بل الملائكة الذين لم يَعْصُوا الله. فذكروا الكلام لآدم فقال: لمّا نفخ فىّ الروح لم تبلغ
قدمى ، فاستويتُ جالسا فبرَق العرشُ فنظرتُ فيه: محمد رسول الله. فذاك أَكرم الخَلْقُ
على الله عز وجل .
وروى ابن الجَوْزى بسند جيد لابأس به، عن ميسرة رضى الله تعالى عنه قال: ((قلث
يا رسول الله، متى كنتَ نبيا؟ قال: لمّا خلق الله الأَرض واستوى إلى السماء فسوَّاهن سبعَ
سموات وخلق العرش كتب على ساق [العَرْش (٢)]: محمد رسول الله خاتم الأنبياء. وخلق
الله تعالى الجنة التى أَسكنها آدم وحواء ، فكتب اسمى على الأوراق والأبواب والقِبَاب
والخيام، وآدمُ بين الروح والجسد، فلما أَحياه الله تعالى نظر إلى العَرْش فرأى اسمى،
فَأَخبر الله تعالى أنه سيّد ولدك. فلما غرَّهما الشيطان تابا واستشفعا باسمى إِليه(٣)).
وقال ابن أبى الدُّنْيا: حدثنا محمد بن يونس القرشى، حدثنا قريش بن أنس،
حدثنا كُلَيْب أَبو وائل قال : غزونا فى صَدْر هذا الزمان الهندَ ، فوقعت فى غَيْضةٍ فإذا فيها
شجر علیه ورد احمر مكتوب فیه بالبیاض : لا إله إلاّ الله محمد رسول الله .
وروى ابن عساكر عن كَعْب الأَحبار قال : إنَّ الله أنزل على آدم عِصيًّا بعدَد الأنبياء
(١) أخرجه أبو نعيم فى الحلية، وهو فى الخصائص الكبرى ٣٣/١.
(٢) من الوفا .
(٣) الوفا ٠٣٣/١
- ١٠٤ -

والرسل ، ثم أُقبل على ابنه شيث فقال : يابنى أَنت خليفى من بعدى ، فخذها بعِمَّارة
التقوى والعروة الوثقى ، وكلما ذكرت الله فاذكر إلى جَنْبه اسم محمد صلى الله عليه وسلم ،
فإنى رأيت اسمه مكتوبا على ساق العرش وأنا بين الروح والطين ، ثم ◌ُفْت فى السموات
فلم أَرَ فى السموات موضعًا إِلا رأَيت اسمَ محمد مكتوبا عليه ، وإِن ربى أَسكننى الجنة
فلم أَر فى الجنة قصراً ولا غُرْفة إِلا واسم محمد مكتوب عليه ، ولقد رأَيت اسمَ محمد
على نُحور الحورِ العين وعلى ورق قصَب آجام الجنة ، وعلى شجرة طُوبَى وعلى ورق سِدْرِة
المنتهَى، وعلى أطراف الحُجب وبين أَعين الملائكة، فأَكثِرْ ذِكره فإن الملائكة تذكره
فی کل ساعاتها .
وروى ابن عساكر فى تاريخ دمشق وابن العَدِيم(١) فى تاريخ حلَب، عن أَبى الحسين
على بن عبد الله الهاشمى الرقّى ، رحمه الله تعالى قال : دخلت بلاد الهند فرأيت فى بعض
. قراها شجر وردٍ أسود فيفتح عن وردة كبيرة طيبة الرائحة سوداء مكتوب عليها بخط
أبيض: لا إِلّه إلاَّ الله محمد رسول الله. أبو بكر الصديق. عمر الفاروق. فشككْت فى ذلك
وقلت إِنَّه مَعْمُول، فعَمَدْت إلى حبّة لم تفتح فرأيت فيها كما رأيت فى سائر الورد ،
وفى البلد منه شىء كثير وأهل تلك القرية يعبدون الحجارة (٢).
وفى مسالك الأبصار ذكر ابن سعيد المغربى أنه أخبره من دخل الهند رأى فى غَيْضة
بنواحى بالكين ، وهى قَصَبة الهند ، شجرة عظيمة لها وردٌ أَحمر فيه مكتوب ببياض :
لا إله إلا الله محمد رسول الله .
ونقل القاضى عن السمْطَاوِىّ رحمه الله تعالى أنه شاهد فى بعض بلاد خراسان مولودا
ولِد على أحد جنبيه مكتوب: لا إِلّه إلا الله، وعلى الآخر: محمدٌ رسول الله.
(١) ابن العديم: عمر بن أحمد بن هبة الله بن أبى جرادة العقيلى، من أصحاب التاريخ والحديث ولد بحلب سنة ٥٨٨ ٨
وتوفى بالقاهرة سنة ٦٦٠ ه، وكتابه هذا: ((بغية الطلب فى تاريخ حلب)» كبير جدا اختصره فى كتابه الذى سماه
أنظر فوات الوفيات ١٠١/٢ والنجوم الزاهرة ٢٠٨/٧ وشذرات
زبدة الحلب فى تاريخ حلب )» طبع منه جزء .
الذهب ٣٠٣/٥ .
(٢) الخصائص الكبرى ٢٠/١ عن ابن عساكر وابن النجار فى تاريخهما وهذا الخبر من الغرائب التى لا ترجع إلى
أصل صحيح ، وليس فيها مغزى يستحق الاحتفاء به ، فإن دلائل نبوة محمد صلى الله عليه وسلم الثابتة الصحيحة تغنى عن هذا
التزيد والميل إلى التعجب .
- ١٠٥ -
١٤ - سبل الهدى والارشاد

وقال الشيخ عبد الله اليافِعىّ فى كتاب (( رَوْض الرياحين)) قال بعض الشيوخ: دخلتُ
بلادَ الهند فدخلت مدينة رأيتُ فيها شجرةً تحمل ثمراً يشبه الَّلوْز له قِشْران، فإِذا كُسر
خرج منه ورقة خضراء مكتوب عليها بالحُمْرة: لا إِلّه إِلَّ اللّه. كتابةٌ جَلِيّة، وهم يتبرّكون
بها ويستَسْقون بها إِذا مُنعوا من الغيث. فحدثت بها أَبا يعقوب الصيّاد فقال لى : ما أَستعظم
هذا ، كنت أَصطاد على نهر الأُبُلَّة فاصطدتُ سمكةً مكتوب على جنبها الأَيمن: لا إله إلا الله؛
وعلى جنبها الأَيسر : محمد رسول الله . فلما رأيتها قذفتها فى الماء احتراما لها .
الأُبلَّة بضم الهمزة والباء الموحدة وتشديد اللام : بلد معروف قُرب البصرة .
وروى الخطيب فى تاريخه ، عن عبد الرحمن بن هارون المغربى رحمه الله تعالى قال :
ركبتُ بحرَ المغرب فوصلنا إلى موضع يقال له السوطون ، وكان معنا غلام صِقِىّ ومعه
سنارة فدلاَها فى البحر فصاد سمكة قَدْر شِير ، فنظرنا فإِذا مكتوب على أذنها الواحدة :
لا إله إلا الله. وفى قفاها وخلف أذنها الأُخرى : محمد رسول الله . وكان أَبْيَن من نقشِ
على حجر ، وكانت السمكة بيضاء والكتابة سوداء كأنها كتابة بحبر . فقذفناها فى البحر (١)
وروى أبو الشيخ فى العظمة عن جعفر بن عرفة رحمه الله تعالى قال : كنت فى البحر
فى مركب فظهرتْ لنا سمكة بيضاء وإذا على قفاها مكتوب بسوادٍ أَشد سوادا من الحِبْر:
لا إِلّه إلا الله محمد رسول الله .
وروى ابن عساكر من طريق الحسن عن سَلْمان قال : قال عمر بن الخطاب رضى الله
تعالى عنه لكعب : أخبرنا عن فضائل رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل مولده . قال: نعم
يا أمير المؤمنين قرأت(٢) أَن ابراهيم الخليل وجد حجرًا مكتوبا عليه أربعة أسطر:
الأَول: أَنا الله لا إله إلا أنا فاعبدنى(٣). والثانى: أَنا الله لا إله إِلا أَنا محمد رسولى
طوبى لمن آمن به واتبعه . والثالث: إنى أَنا الله لا إله إلا أَنا من اعتصَم بى نجًا . والرابع :
إِنِى أَنا الله لا إله إِلا أَنا الحرَم لى والكعبةُ بيتى ، من دخل بيتى أَمِن مِن عذابى (٤).
وروى أبو نُعَيمٍ عن طلحة رضى الله تعالى عنه قال : وجد فى البيت حجر منقور فى
(١) ليس فى تاريخ بغداد ترجمة إلا لعبد الرحمن بن سعيد بن هارون وليس فيه هذا الخبر.
(٢) الخصائص فرأيت فيما قرأت .
(٣) الخصائص : فاعبدونى .
(٤) الخصائص الكبرى ٩٠/١ عن ابن عساكر .
- ١٠٦ -
:

الهَدْمة الأُولى ، فدُعِى رجل فقرأَه فإذا فيه : عبدى المنتخّب المتوكّل المنِيب المختار ،
مَوْلِده بمكة ومُهَاجَره طَيْبة، لا يذهب حتى يقيم السُّنَّةُ العوجاء ويشهد أن لا إله إلا الله ،
أمته الحمَّادون يحمدون الله بكل أَكَمة يأتزرون على أَوساطهم ويُطَهِّرون أطرافهم(١) .
وروى البيهقى عن عمر رضى الله تعالى عنه قال : بلغنى فى قول الله تعالى : ( وكان تَحْتَه
كَنْزُ لهما (٢)) أَن الكنز كان لَوْحا من ذهب مكتوب فيه : عجبًا لمن أَيقَن بالموت كيف
يفرح ، عجبًا لمن أيقن بالحساب كيف يضحك ، عجبا لمن أَيقن بالقدر كيف يحزن ،
عجبًا لمن يرى الدنيا وزوالَها وتقلَّبها بأهلها كيف يطمئن لها، لا إله إلا الله محمد رسول (٣)
الله .
ورؤى البزارعن أبى ذر نحوه، ولهذا تتمة فى باب شرح أسمائه صلى الله عليه وسلم .
والله أعلم .
(١) الوفا ١/ ١٤٦.
(٢) سورة الكهف : ٨٢ ..
(٣) الخصائص الكبرى ٢٠/١ نحوه عن أبى ذر ثم قال السيوطى: ورد مثله عن عبر وعلى وأخرجهما البيهقى وعن
ابن ميلس أخرجه الخر ائعلى فى كتاب ((قع الحرص».
- ١٠٧ -

الباب السادس
فى أخذ الميثاق على النبيين ، آدم فمن دونه من الأنبياء ،
٠٠
أَن يؤمنوا به صلى الله عليه وسلم وينصروه إِذا بُعث فيهم
٤
قال الله تعالى :
و (إِذْ) نُصب بمصدر محذوف (أخَذَ اللهُ ميثاق النبيين) عَهْدهم (لمَا) بفتح اللام
للابتداء أَو دخلت لتوكيد معنى القسم ، لأَن أَخذ الميثاق قسَم فى المعنى . وبكسرها متعلِّقة
بأَخَذ، وما موصولة على الوجهين أَى الذى ( آتَيْتُكم) وفى قراءة: آتَيْناكم ( مِنْ كِتَابٍ
وحِكْمة ثمْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُم) من الكتاب والحكمة"، وهو محمد صلى الله
عليه وسلم ( لتُؤْمِنُنَّ به ولَتَنْصُرِنَّه ) جواب القسم، أَى إِن أَدركتموه ، وأُمهم تَبَع لهم فى
ذلك .
قال تعالى لهم: ( أَأَقْرَرْتُم) بذلك (وأَخَذْتُم) قَبِلْتَم (على ذلكم إِصْرِى ) عَهْدى
( قالوا أَقْرَرْنا. قالَ فاشْهَدُوا) أَى فليشهد بعضكم على بعض بالإقرار . واشهدوا: خطاب
الملائكة ( وأَنا مَعَكُمْ مِنَ الشاهِدِين ) عليكم وعليهم (فَمْن تَوَّلَّى) أَعرَض (بَعْدَ ذلك) الثبات
( فَأُولئك هُمُ الفاسِقُون(١)) ، أَى الخارجون عن الطاعة .
روى ابن أبى حاتم عن السُّدّى فى الآية قال: لم يَبْعث الله نبيًا قط من لَدُن نوح
إِلاَّ أَخذَ ميثاقه ليؤمننّ بمحمد صلى الله عليه وسلم وينصره إِن خرج(٢) وهم أحياء(٣).
وروى ابن جرير ، عن على بن أبى طالب رضى الله تعالى عنه فى الآية قال : لم يبعث
الله نبيًّا، آدم فمن بعده، إلا أَخذ عليه العهدَ فى محمد صلى الله عليه وسلم: لئن بُعث
وهو حَىّ ليؤْمنُنَّ به ولينصُرَنَّه، وأَمره بأَخذ العهد على قومه ..
وعن ابن عباس رضى الله تعالى عنهما قال: ما بعث الله نبيًّا قط إِلا أَخذ عليه العهدَ
(٣) الخصائص ٢٢/١.
(٢) ت م : إن أخرج .
(١) سورة آل عمران ٨١، ٨٢.
- ١٠٨ -

لئن بُعث محمد صلى الله عليه وسلم وهو حَىُّ لْيُؤْمننّ به وليَنْصُرَنَّه، وأَمَره بأَخذ الميثاق
على أمّته إِنْ بُعث محمد صلى الله عليه وسلم وهم أحياء لَيُؤْمِنُنَّ به وليَنْصُرُّنَّه.
رواه البخارى فى صحيحه(١)، كما نقله الزركشى فى شرح البُرْدة ، والحافظ ابن
كثير فى تاريخه وأول كتابه جامع المسانيد ، والحافظ فى الفتح فى باب حديث الخضر
مع موسى ، ولم أَظفر به فيه، ورواه ابن عساكر بنحوه .
قال الإمام العلامة الحافظ شيخ الإسلام تقى الدين السُّبْكى قدس الله تعالى روحه :
فى هذه الآية من التَّنْويه بالنبى صلى الله عليه وسلم وعظيم قَدْرِه ما لا يَخْفى أَنه على تقدير
مجيئه فى زمانهم يكون مُرْسلاً إِليهم، فتكون نبوّته ورسالته عامةً لجميع الخلق من زمن
آدم إلى يوم القيامة وتكون الأنبياء وأممهم كلهم من أُمته، ويكون قوله صلى الله عليه
وسلم: (( بُعثت إلى الناس كافةٌ)) لا يختصّ به الناسُ فى زمانه إِلى يوم القيامة بل يتناول
مَن قَبْلهم أيضا .
وإِنما أَخذ المواثيق على الأنبياء ليتعلموا أنه المقدَّم عليهم وأنه نبيهم ورسولهم . وفى
((أَخذ )) وهى فى معنى الاستخلاف، ولذلك دخلت لامُ القَسَم فى ((لَتُؤْمنُنّ به ولتَنْصُرِنَّه))
لطيفةٌ أَخرى، وهى كأنها البَيْعة التى تؤخذ للخُلفاء ولعل أَيْمان الخلفاء أُخذت من هذا ،
فانظر إلى هذا التعظيم العظيم للنبي صلى الله عليه وسلم من ربه .
فإِذا عرفتَ هذا فالنبى صلى الله عليه وسلم نبىُّ الأنبياء، ولهذا أظهر ذلك فى الآخرة
جميعُ الأنبياء تحت لوائه ، وفى الدنيا كذلك ليلة الإسراء صلى بهم، وأو اتفق مجيئه فى
زمن آدم ونوح وإبراهيم وموسى وعيسى وجب عليهم وعلى أُمهم الإيمان به صلى الله عليه وسلم
ونُصْرته. وبذلك أخذ الله الميثاقَ عليهم، فنبوته صلى الله عليه وسلم ورسالته إليهم معنىّ حاصل
له. وإِنما أَمْره يتوقف على اجتماعهم معه، فتأَخِّر الأَمر راجع إلى وجودهم لا إلى عدم اتصافه بما
يقتضيه. وفَرْقُبين توقَّف الفعل على قَبُول المَحَلّ وتوقّف أَهلِيّة الفاعل، فهنا لا توقَّف منجهة
الفاعل ولا من جهة ذات النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم الشريفة، وإِنمّا هو من جهة وجود العصر
(١) لم أجده فى صحيح البخارى كما أشار إلى ذلك المصنف بعد فى قوله: ولم أظفر به فيه ، وهو مروى عن على
ابن أبى طالب كما رواه ابن جرير .
- ١٠٩ -

المشتمل عليه، فلو وجِد فى عصرهم لَزِمهم اتَّبَاعُه بلا شك، ولهذا يأتى عيسى صلى الله عليه
وسلم فى آخر الزمان على شريعته صلى الله عليه وسلم ، وهو نبيّ كريم ، لا كما يظنّ بعض
الناس أنه يأتى واحدا من هذه الأُمة ، نعم هو واحد من هذه الأَّمة لما قلنا من اتباعه للنبى
صلى الله عليه وسلم ، وإنَّما يحكم بشريعة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم بالقرآن والسنة،
فكل ما فيهما من أَمر ونَهْى فهو متعلق به كما يتعلَّق بسائر هذه الأمة ، وهو نبيّ كريم
على حاله لم ينقص منه شىء ولذلك لو بُعث النبي صلى الله عليه وسلم فى زمانه أَو زمان موسى
وإبراهيم ونوح وآدم كانوا مستمرِّين على نبوّتهم ورسالتهم إلى أممهم ، والنبى صلى الله عليه
وسلم نبى الله ورسوله إلى جميعهم ، فنبوّته ورسالته أَعمّ وأَشمل وأَعْظم ، ويتفق مع شرائعهم
فى الأُصول لأنها لا تختلف ، وتَقدمَ شريعته فيما عساه يقع الاختلاف فيه من الفروع،
إما على سبيل التخصيص وإما على سبيل النَّسْخِ أَولا نَسْخ ولا تخصيص بل تكون شريعة
النبى فى تلك الأوقات بالنسبة إلى تلك الأمم مما جاءت به أنبياؤهم ، وفى هذا الوقت بالنسبة
إلى هذه الأُمة الشريفة، والأَحكامُ تخلتف باختلاف الأشخاص والأوقات . انتهى كلامه
رضى الله تعالى عنه وأرضاه .
فإن قيل: قال الله سبحانه وتعالى: ((أُولئك الذين هدَى اللهُ فبهُدَاهم اقْتَدِهِ(١)).
فالجواب : بأَن هُدَاهِم من الله وهو شرعه صلى الله عليه وسلم، أَى الزم شّرْعك الذى
ظهر به نُوَّابُك ، من إقامة الدين وعدم التفرقة فيه ولم يقل الله (( بهم اقتدِهْ)) وكذا قال
تعالى: ((ثم أَوْحَيْنا إِليك أَن اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبراهيمَ حنيفًا)) وهو الدين، فهو صلى الله عليه وسلم
مأمور باتباع الدين ، فإن أصل الدين إنما هو من الله تعالى لا من غيره ، وأين هذا من قوله
صلى الله عليه وسلم: لو كان موسى حَيَّ ما وَسِعه إِلاَّ أَن يَتَّبعنى)) فأَضاف الأنَّبَاعَ إِليه .
وأُمِر هو صلى الله عليه وسلم باتباع الدين لا باتباع الأنبياء ، فإِن السلطان الأَعظمَ إِذا
حَضر لإ يبقى لنائب من نُوَّابِه حكمٌ إِلاَّ له، فإذا غاب حكمَ الذُّواب بمرَاسيمه ، فهو الحاكم
فى الحقيقة غَيْبةً وشهادةً .
(١) سورة الأنعام ٩٠
- ١١٠ -

فإِنَّك شَمْسٌ والملوك كواكبٌ إِذا ظهرتْ لم يَبْدُ منهن كوكبُ(١)
وقد أَشار إلى ذلك المعنى البُوصيرىّ (٢)، وتوفى قبل مولد السبكى رحمهما الله تعالى :
فإِنْما اتصلتْ مِن نورِهِ بهم
و کلُّ آيٍ أَتى الرُّسْل الکرامُ بها
يُظْهِرْن أَنوارَها للناس فى الظُّلَم
فإِنه شمسُ فَضْلٍ هم كواكبها
.--
(١) ديوان النابغة؛ ١٨ (ط. بيروت)
(٢) ت م : الأبوصيرى .
- ١١١ -

الباب السابع
فى دعاء إبراهيم عليه الصلاة والسلام به صلى الله عليه وسلم وإعلام الله به إبراهيم وآله
قال الله سبحانه وتعالى حاكياً عن إبراهيم: ((ربِّنَا وابعَثْ فيهم رَسُولاً (١) أَى فى جماعةٍ
الأمة المسلمة من أولادهما(٢)، أَو هم أهل مكة ( رَسُولاً منهم) من أَنفُسهم يعنى محمدًا
صلى الله عليه وسلم ( يَتْلُو) يقرأ (عليهم آياتِك) كتابك يعنى القرآن (ويعلِّمهم الكتابَ)
أى القرآن (والحكمة) أى مواعظَه وما فيه من الأحكام، أَو هى العلم والعمل ( ويزكِّيهم أ
يطهرّهم من الدُّنوب ويشهد لهم بالعدالة إذا شهدوا للَّنبياء بالبلاغ ( إنك أنت العَزِيزُ
الغالبِ ( الحكيمُ ) فى صنعه .
أ
روى ابن جرير عن أبى العالية رحمه الله تعالى قال: لمّا قال إبراهيم: ( ربِّنَا وابعَثْ
فيهم رَسُولاً منهم ) قيل له قد : استُجيب لك ، وهو كائن فى آخر الزمان (٣).
وروى الإمام أحمد والحاكم عن العِرْبَاض بن سارية رضى الله تعالى عنه قال : قال
رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أَنا دَعْوة [ أبى ] إبراهيم وبِشَارة عيسى (٤)).
وروى ابن عساكر عن عُبادة بن الصامت رضى الله تعالى عنه قال ؛ قيل يا رسول الله
أخبرنا عن نفسك. قال: « نعم أنا دعوة أبى إبراهيم ، و کان آخر من بَشّر بی عيسى بن
مریم )) .
وروى الإِمام أحمد وابن سعد والطَّبَرانى وابن مَرْدَوَيْه عن أبى أمامة رضى الله تعالى عنه
(١) سورة البقرة ١٢٩.
(٢) أولادهما: أى إبراهيم وإسماعيل ..
(٣) تفسير الطبرى ٨٦/٣ .
(٤) الوفا ٣٦/١.
- ١١٢ -

قال : قلت: يا رسول الله ما كان بَدْء أَمْرك؟ قال: دعوة أَبى إِبراهيم ، وبَشَّر بى عيسى
ابن مريم (١)).
وروى ابنُ سعد عن ابن عباس رضى الله تعالى عنهما قال: لما أُمر إِبراهيم بإِخراج
هاجَرَ حُمِل على البُرَاق ، فكان لا يمرّ بأَرض عذبة سهلة إلا قال : أَنزل هاهنا يا جبريل ؟
فيقول: لا. حتى أتى مكة فقال جبريل : انزل يا إِبراهيم. قال: حيث لا ضَرْعٍ ولا زَرْع ؟!
قال : نعم ، ها هنا يخرج النبى الذى من ذرية ابنك [إسماعيل] (٢) الذى تَتَمّ به الكلمة العُليا(٣).
وروى أيضا عن محمد بن كعب القُرَظِىّ رحمه الله تعالى قال : لما خرجت هاجرُ
بابنها إسماعيل تلقَّاها مُتْلَقٌّ فقال : يا هاجر إِن ابنك أبوشعوب كثيرة ، ومن شَعَبْه النبى
الأُمّ ساكن الحَرم(٤) .
(١) طبقات ابن سعد ٩٦/١.
(٢) ليست فى طبقات ابن سعد.
(٣) الطبقات ١٠٧/١.
( ٤) الطبقات ١٠٧/١
- ١١٣ -
١٥ - سبل الهدى والرشاد

الباب الثامن
فى بعض ما ورد فى الكتب القديمة من ذِكْر فضائله صلى الله عليه وسلم ومناقبه العظيمة .
قال الله تعالى: ((الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِىِّ الأُمِّىَّ الَّذِى يَجِدُونَه مَكْتُوبًا عِنْدهم فى
الثَّوْرَاةِ والإِنْجِيل(١) )).
وعن عبدالله بن عُمَرَ رضى الله تعالى عنهما قال (٢): إنه رأى النبى صلى الله عليه وسلم
الموصوف فى التوراة ببعض صفته فى القرآن: يأيها النبى إِنَّا أرسلناك شاهداً ومبشرا ونَذِيرا
وحِرْزًا للأُميين ، أَنت عبدى ورسولى سمَّيتك المتوكِّل، ليس بفَظٍّ ولا غليظ ولا سَخَّاب
فى الأَسواق، ولا يجزى بالسيئة السيئة، ولكن يعفو ويصفح، ولن يقبضه الله حتَّى يقيم
به المِلَّة العَوْجاء بأَن يقولوا: لا إله إلا الله. ويفتح به أَعينا عُمْيًا وقلوبا غُلْفًا وآذانًا
صُعًا».
رواه الإمام أحمد والبخارى(٣). وروى نحوه ابنُ عساكر وابن الجَوْزى عن عبد الله بن
سَلام ، والدرامىّ عن كعب (٤) .
(( شاهداً )) حال مقدرة من الكاف أَو من الفاعل، أَى مقدَّرًا أَو مِقدِّرين شهادتك على
من بُعِثْتَ إِليهم ، أَى مقبولاً قَوْلُكَ عند الله فيهم وعليهم ، كما يُقبَل قولُ الشاهد العَدْل
فى الحكم .
((حِرْزًا)) بالمهملة المكسورة فالراء الساكنة فالزاى - أَى حِفْظًا (للأُميين)) أَى للعرب
لأَن الكتابة عندهم قليلة . والأُمَّى من لا يُحسن الكتابة . وليس لليهود أن يتمسكوا بقوله
((حِرْزا للأُّميين)) على ما زعموا أنه صلى الله عليه وسلم مبعوث إلى العرب خاصةً، لأَن
(١) سورة الأعراف ١٥٧.
(٢) ط : وقال .
(٣) صحيح البخارى ((١٢/٢)) كتاب البيوع باب كراهية السخب فى الأسواق.
(٤) تهذيب ابن عساكر ٣٤٠/١ والوفا ٣٨/١. وسنن الدارمى كتاب فضائل القرآن الباب الأول.
- ١١٤ -

قوله: (حتى يقيمَ الملة العَوْجاء)) يشملهم لأنهم بدَّلوا وحرفوا وغيّروا ، فأُرسل صلى الله عليه
وسلم إليهم ليقيم عِوَجهم ، وهل أَحدٌ أولى منهم بإقامة عوجهم ؟!
((ليس بفظ)) أَى سِئْ الخُلق ((ولا غليظ)) أَى شديد القول ((ولا سَخَّاب)) بالسين
المهملة والخاء المعجمة المشددة من السَّخب وهو لغة ربيعة فى الصَّخب ، وهو رفع الصوت ،
أى ولا كثيره بل ولا قليله ، إذ المراد نَفْيه مطلقا .
((الملة العَوْجاء)) يعنى ملة إبراهيم ، لأَن العرب غيَّرتها عن استقامتها فصارت كالعوجاء .
((غُلْفا)) بضم الغين المعجمة وسكون اللام جمع أَغْلف وهو الشىء فى غلاف وغِشَاء بحيث
لا يوصَل إليه .
وعن رجل من الأعراب رضى الله تعالى عنه قال : قدِمت المدينةً حياةَ رسول الله صلى
الله عليه وسلم فقلت لأَلْقَيِنَّ هذا الرجل فلأَسمعن منه . فتلقانى بين أبى بكر وعمر يمشون ،
فتبعتهم حتى أَتوا على رجل من اليهود ناشر التوراةَ يقرؤها يعزِّى بها نفسه عن ابنٍ له فى
الموت كان من أحسن الفتيان وأجملهم، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أَنْشُدك
بالذى أُنزلَ التوراةَ هل تجد فى كتابك صفتى ومَخْرَجى))؟ فقال برأسه هكذا .. أَى لا.
فقال ابنه : والذى أَنزل التوراة إِنا لَنجد فى كتابنا صِفتك ومَخرجك ، أَشهد أَن لا إِلّه
إِلاَّ اللّه وأنك رسول الله. فقال: أَقيموا اليهود عن أَخيكم. ثم وَلِى كَفَّنه والصلاةَ عليه .
رواه الإمام أحمد (١).
وعن عبد الله بن مسعود رضى الله تعالى عنه أَن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل
كنيسةً فإذا هو بيهودىّ يقرأ عليهم التوراة ، فلما أَتَوا على صفة النبى صلى الله عليه وسلم
أمسكوا وفى ناحيتها مريض ، فقال النبى صلى الله عليه وسلم ز ما لكم أمسكم ؟ فقال
المريض: إِنهم أَتَوْا على صفة نبى فأَمسكوا . ثم جاء المريض حتى أَخذ التوراةَ فقراً حتى
أتى على صفة النبى صلى الله عليه وسلم فقال: هذه صفتك وصفة أُمّتك، أَشهد أن لا إِلّهُ
إلّ الله وأنك رسول الله. ثم مات، فقال النبى صلى الله عليه وسلم: ((لُوا أَخاكم)).
رواه الإمام أحمد (٢).
(١) الخصائص الكبرى ٤٢/١ وقال: وأخرج البيتى نحوه من حديث أنس وابن مسعود.
(٢) الوفا ١٤٢/١.
۔۔
- ١١٥ -

وقال يعقوب بن سفيان : حدثنا فيض البَجَلى (١)، حدثنا سلاَّم بن مِسْكِين، عن مقاتل
ابن حَيَّان، رحمه الله تعالى قال: أَوْحَى الله تعالى إلى عيسى ابن مريم عليه الصلاة والسلام بـ
جِدّ فى بنى إِسرائيل ولا تَهْزل واسمع وأَطِعْ يابن الطاهرة البكْر البَتُول، إِنّ خَلقْتك من غير
فَحْل فجعلتك آيةً للعالمين، فإِيّى فاعبُدْ وعلىَّ فتوكَّل ، فسر إلى أَهل سورانيّة، بَلِّغ
مَن بين يديك أَنى أَنا الله الحى القائم(٢) الذى لا يَزُول، صدِّقوا النبيَّ الأَمىّ العربى صاحب
الجمل والمِدْرعة والعمامة ، وهى التاج ، والنَّعلين والهرَاوة وهى القَضِيب، الجَعْد(٣) الرأس،
الصَّلْت(٤) الجبين، المقرون الحاجبيْن، الأَكحل العينين، الأَقْنىَ(٥) الأنف، الواضح
الخدّين ، الكَثّ اللحية، عَرَقُه فى وجهه كاللؤلؤ، ريح المسك يَنْفح منه، كأن عنقه
إبريق فِضَّة، وكأَن الذهب يَجْرى فى تَرَاقيه ،له شعراتٌ من ◌َبَّته إلى سُرّته تجرى كالقضيب
ليس على صَدْره ولا على بطنه شعر غيره، شَئْن(٦) الكَفَّين والقدمين إذا جامع الناسَ غَمرهم ؛
وإذا مشى كأَنما يتقلَّع(٧) من الصَّخر ويتحدَّر(٨) فى صَبَب(٩) ذو النَّسْل القليل.
٠
(غمرهم)) أَى علاهم شرفا. وقوله: ((ذو النسل القليل)) أَراد الذكور من صُلبه صلى الله
عليه وسلم .
ر۔
وروى البيهقى عن ابن عباس رضى الله تعالى عنهما قال: قَدِمِ الجارودُ بن عبد الله
فأَسلم وقال : والذي بعثك بالحق لقدوجدتُ وصفك فى الإِنجيل، ولقد بَشَّربك ابنُ البَتُول.
وسمِّيت مريم بذلك من قولهم : امرأةٌ بَتُولٌ أَى مُنْقطعة عن الرجال لا شهوة لها فيهم .
وعن أبى موسى الأشعرى رضى الله تعالى عنه قال : سمعت النجاشىّ يقول : أَشهد أَن
محمدا رسول الله وأنه الذى بشرَّ به عيسى، ولولا ما أَنا فيه من أَمر الملك وما تحملتُ من
أَمر الناس لأَّنيتُه حتى أَحْمل نَعْليه .
رواه أبو داود(١٠) .
(١) ص بت م : النجيلى.
(٢) ت م : القامع .
(٣) الجعد الرأس: كذا فى هذا الخبر وفى حديث أنس بن مالك كان رسول الله صلى الله عليه وسلم رجل الشعر ليس
بالسبط ولا الجعد القطط . والقطط : الشديد الجعودة . والجعد : خلاف السبط . أو القصير من الشعر
(٥) والأقنى: الذى فى أنفه قنى: وهو أن يكون فى عظم الأنف احدداب فى وسطه .
(٤) الصلت : الواسع .
(٦) شئْن الكفين والقدمين : غليظ أصابعهما .
(٧) التقلع: رفع الرجل من الأرض بهمة وقوة ، لا مع اختيال وتقارب خطى .
(٨) يتحدر: يهبط. (٩) الصبب: ما انحدر من الأرض. (١٠) سنن أبي داود كتاب الجنائز باب رقم ٥٦.
- ١١٦ -

وروى الترمذىّ فى الشمائل عن كعبٍ رحمه الله تعالى قال: نَجِدُ نَعْتَ رسول الله صلَّی
الله عليه وسلَّم فى التوراة: محمد بن عبد الله يُولد بِمَكَّةً ويُهاجر إلى طابة ، ويكون ملكه
بالشام ، وليس بفخَّاشٍ ولا سخاب فى الأَسواق ولا يكافى بالسيئةِ السيئةً ، ولكن يعفو
ويَغْفِرِ، أَمته الحمَّادون يحمدون الله فى كل أَمر (١) ويكبرون الله على كل نَجْد، ويوضِّئون
أَطرافهم ويَأتزوون فى أوساطهم ، يَصُفُّون فى صلاتهم كما يصفون فى قتالهم ، دوِيّهم
فى مساجدهم كدوىّ النحل يُسْمع مُنَاديهم فى جوّ السماء (٢)).
النَّجدْ : ما ارتفع من الأَرض .
وروى أبو نُعَيْم عن أبى هريرة رضى الله تعالى عنه قال قال : رسول الله صلى الله عليه ..
وسلم: ((إِن موسى لما نزلت عليه التوراة وقرأَها فوجد فيها ذكر هذه الأُمّة قال: ياربّ
إنى أَجد فى الألواح أمةً هم المستجيبون المستجاب لهم فاجعلهم أُمتّى. قال: تلك أُمةُ أَحمد. قال
ياربّ إنى أَجد فى الألواح أمةً أَناجيلهم فى صدورهم يقرأونه ظاهرا ، فاجعلها أُمتى . قال :
تلك أُمة أَحمد . قال : يارب إنى أَجد فى الأَّلواح أُمةً يأكلون الفَىء فاجعلها أُمتى قال :
تلك أُمة أَحمد . قال : يارب إِى أَجد فى الألواح أُمة يجعلون الصدقةً فى بطونّهم يُؤْجرون
عليها فاجعلها أُمَتى. قال: تلك أُمة أَحمد قال : يارب إنى أَجد فى الأَلواح أُمةً إذا هَمَّ
أحدهم بحسنة فلم يَعملها كُتبت له حسنة واحدة ، وإِن عملها كُتبت له عشر حسنات ،
فاجعلها أُمتى. قال: تلك أُمة أَحمد . قال: يارب إنِّى أَجد فى الألواح أُمةً
إذاهَمَّ أَحدُهم بسيئة فلم يعملها لم تكتب ، وإن عملها كتبت عليه بسيئة واحدة ، فاجعلها
أُمتى قال: تلك أُمة أَحمد. قال: ياربّ إِنى أَجد فى الأَّلواح أُمة يؤتون العلم الأول والعلم
الآخر ، فيقتلون قرن الضلال (٣) المسيح الدجال فاجعلها أُمتى قال: تلك أُمةٍ أَحمد . قال:
(١) ط : فى كل سرى.
(٢) الوفا ١ /٣٨ . نحوه. والذى فى شمائل الترمذى عن عائشة أنها قالت: ((لم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم
فاحشا ولا متفحشا ولا صحابا فى الأسواق ولا يجزى بالسيئة السيئة ولكن يعفو ويصفح)) جمع الوسائل فى شرح الشمائل
٠١٩٤/٢
(٣) ط : قرن الضلالة.
- ١١٧ -
٠

يارب فاجعلى من أُمة أَحمد، فأُعْطى عند ذلك خَصْلتين. قال: (( يا موسى إنى اصطفيْتُك
على الناس برسالاتى وبكلامى فخُذْ ما آتَيْتك وكُن مِن الشاكرين)) قال له قد رضيتُ (١).
وروى ابن سعد عن محمد بن كعب القُرَظِىّ قال أوحى الله تعالى إلى يعقوب عليه الصلاة
والسلام : أَنى أَبعث من ذريتك ملوكا وأَنبياء حتى أَبعث النبى الحَرمىّ الذى تَبْنِى أُمته.
هيكلَ بيت المقْدِس وهو خاتم الأنبياء واسمه أحمد (٢).
وروى أيضا عن ابن عباس رضى الله تعالى عنهما قال: أَوحى الله تعالى إلى بعض أنبياء
بنى إِسرائيل : اشتدّ غضى عليكم من أجل ما ضيَّعتم من أمرى، فإِنِّى حلفت أَلاَّ يأتِيَكُمْ
رُوحِ القُدُس حتى أَبعثَ النبىَّ الأُمَّ من أرض العرب الذى يأتيه روح القُدُس.
وروى أبو نُعَيْم عن كعب رحمه الله تعالى قال: كان أبى مِن أَعْلم الناس بما أنزل الله
على موسى ، وكان لم يدخر عَنِّى شيئا مما كان يعلم ، فلما حضره الموتُ دعانى فقال لى :
يا بنىّ إنك قد علمتَ أَنى لم أَدَّخر عنك شيئا أَعلمه إلا أنى قد حبست عنك ورقَتَيْن فيهما
نِىُّ يُبْعث قد أَظلَّ زمانه ، فكرهت أَنْ أُخبرك بذلك ، فلا آمن عليك أَن يَخْرج بعضُ
هؤلاء الكذابين فتطيعه ، وقد جعلتهما فى هذه الكُوّة التى ترى وطيّنت عليهما فلا تتعرض (٣).
لهما ولا تنظر فيهما حينك هذا ، فإن الله إِن يُرِدْ بك خيرا ويخرج ذلك النبى تَبِعْته .
ثم إِنَّه مات فدفنَّاه ، فلم يكن شى أحبَّ إِلىّ مِن أَن أَنظر فى الورقتين ، ففتحت
الكرّة ثم استخرجتُ الورقتين فإذا فيهما: محمد رسول الله خاتم الأنبياء ، لا نِىَّ بعده ،
مَوْلده بمكة ومُهَاجَره بطَيْبة، لافَظ ولا غليظ ولا سخاب فى الأسواق ، ويجزى بالسيئة
الحسنة، ويعفو ويصفح أُمَّته الحمَّدون الذين يحمدون الله على كل حال ، تُذَلَّل ألسنتهم
بالتكبير ، ويُنْصَر نَبِيُّهم على كل من ناوأه ، يغسلون فروجَهم ويأتزرون على أَوساطهم ،
أناجيلهم فى صدورهم ، وتراحمهم بينهم كتراحم بنى الأُمّ ، وهم أول من يدخل الجنة
يوم القيامة من الأُمم .
فمكثتُ ما شاء الله ثم بلغنى أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قد خرج بمكّة ، فأخذت
(١) دلائل النبوة لأبى نعيم ص ٣٠ والوفا ٣٩/١ قال أبو نعيم: ((وهذا الحديث من غرائب حديث سهيل، ولا
أعلم من رواه مرفوعا إلا من هذا الوجه . تفرد به الربيع بن النعمان وبغيره من الأحاديث عن سبيل ، وفيه لين» ..
(٣) ط: تعرض.
(٢) طبقات ابن سعد ١٠٧/١ .
- ١١٨ -
>
--

أَسْتَفْبتُ ثم بلغنى أَنه تُوُفى وأَن خليفته قد قام مقامه، وجاءتْنا جنودهُ ، فقلت : لاأَدخل
فى هذا الدّين حتى أنظر سيرتهم وأعمالهم، فلم أزل أَدافع ذلك وأؤخره لأَستثبت حتى قدِم
علينا عُمّالُ عُمَرَ بن الخطاب ، فلما رأيتهم رأَيت وفاءهم بالعهد وما صنع الله لهم على
الأَعداء ، فعلمت أنهم هم الذين كنت أنتظر .
فو الله إِنى ذات ليلة فوق سَطْحِى فإذا رجل من المسلمين يتلو قولَ الله تعالى ((يأَيُّها
الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ آمِنُوا بما نَزَّلْنَا مُصَدِّقاً لِمَا مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجوهاً)(١) الآية
فلما سمعت هذه الآية خَشِيت أَن لا أصبح حتى يُحَوَّل وجهى فى قفاى، فما كان شىء
أَحبَّ إِلى من الصباح ، فغدوت(٢) فى المسلمين(٣).
ناوأه : أى ناهضه وعاداه .
وروى ابن سعد عن سهل مَوْلى عَثْمة (٤) أَنه كان نَصْرانيا وكان يتيماً فى حجر أمه
وعمِّه ، وأَنَّه كان يقرأ الإِنجيل قال: فأَخذت مُصْحفاً لعمى فقرأته حتى مرَّ بى ورقةٌ
فأَنكرت كثافتها(٥) حين مرَّت بى ، ومسَسْتُها بيدى ونظرت فإذا فضولُ الورقة مُلْصَقة
بِغَرا(٦) قال ففتشتُها (٧) فوجدت فيها نَعْتَ محمد صلى الله عليه وسلم : أنه لاقصير ولا طويل
أبيض ذو ضفيرتين بين كتفيه خاتم النبوة ، يُكْثِر الإحتبَاء(٨)، ولا يقبل الصدقة ،
ويركب الحمار والبعير ويحلب الشاة ، ويلبس قميصا مَرْقُوعا، ومن فعل ذلك بَرِئ من
الکِبْر ، وهو من ذرية إِسماعيل ، اسمه أحمد .
قال سهل : فلما انتهيت إلى هذا من ذكر محمد صلى الله عليه وسلم جاء عمى فلما رأى
الورقة ضربنى وقال لى : مالك وفَتْحَ هذه الورقة وقراءتها ؟ ! فقلت : فيها نَعْتُ النبى أحمد
صلى الله عليه وسلم. فقال : إنه لم يأت بعدُ(٩).
وروى أيضا عن عبد الحميد بن جعفر، عن أبيه ، قال : كان الزّبِير بن باطًا، وكان
(١) سورة النساء ٤٧ .
(٢) ط : فغدوت على المسلمين.
(٣) الخصائص الكبرى ٣٦/١ عن أبى نعيم. قال السيوطى: وأخرجه ابن عساكر من طريق المسيب بن رافع وغيره
(٤) ت م : مولى حثمة. محرفة والتصويب ق ط. وفى الوفا؛ مولى عثيمة وفى الخصائص: مولى عثيمة .
عن كعب .
(٦) الغرا : ما لصق به . كالغراء.
(٧) الخصائص : ففتقها .
(٥) ت م : كتابتها .
(٨) الإحتباء: الإشمال بالثوب، أو أن يجمع بين ظهره وساقيه بعمامة ونحوها. والإسم : الحبوة.
(٩) الخصائص ٤٠/١ والوفا ٦٠/١ وتهذيب ابن عساكر ٣٤١/١.
- ١١٩ -