Indexed OCR Text
Pages 81-100
أهمية كتاب (تاريخ بغداد) باعتباره مصدراً من مصادر الحديث الشريف من المعلوم أَنَّ كتاب (تاريخ بغداد) موضوعه: علم الرجال. وهذا العلم هو أحد فروع علم التاريخ(١). فهذا الكتاب هو من كتب (تواريخ الرجال المحلّيّة) تحديداً، کـ «تاریخ أَصْبَهَان)» لأبي نُعَيْم الأصبهاني أحمد بن عبد الله (ت ٤٣٠هـ)، و((تاريخ نَيَّسَابور)» لأبي عبد الله الحاكم النَّيْسَابُوريّ محمد بن عبد الله (ت ٤٠٥هـ)، و ((تاريخ واسِط)) لبَحْشَل أَسْلَم بن سهل (ت ٢٩٢هـ)، و ((تاريخ دمشق)) لابن عساكر عليّ بن الحسن (ت ٥٧١هـ)، و ((تاريخ مَرُو» لأبي صالح أحمد بن عبد الملك النَّيْسَابُوريّ المؤذِّن (ت ٤٧٠ هـ)، وغيرها كثير جدّاً(٢). وأهمية (تاريخ بغداد) متعددة المظاهر والجوانب، وقد أتى عليها وجلّها: الدكتور يوسف العِش رحمه الله في كتابه «الخطيب البغدادي مؤرّخ بغداد ومحدِّثها))، ومن بعده بصورة أكثر تفصيلاً وشمولاً، الدكتور أكرم ضياء العُمَري في کتابه «موارد الخطيب البغدادي في تاریخ بغداد)). (١) انظر: ((علم التاريخ عند المسلمين)) للمستشرق فرانز روزنثال، ترجمة الدكتور صالح العلي ص ٢٦ - ٢٨ و٢٠٦ وما بعد، و ((الإعلان بالتوبيخ لمن ذمّ أهل التوريخ)) للإمام السَّخَاوي ص ٣٨٥. (٢) أنظرها إن شئت في كتاب ((الإعلان بالتوبيخ)) السابق ص ٦١٣ - ٦٥٧. ٨١ ((ولكن لا شك أنَّ الأهمية العظمى لـ (تاريخ بغداد) هي في نطاق الحديث، حيث اختص رجال الحديث بخمسة آلاف ترجمة من مجموع تراجمه وهي (٧٨٣١) ترجمة. وبذلك يظهر أنَّه وُضع لخدمة علم الحديث بالذات، فهو يُعْنَى بالتعريف برجال الحديث وبيان حالهم من الجرح والتعديل، وهو وإن اعتمد على أقوال النُّقَّاد القُدَامى خاصةٍ في تراجم غير المعاصرين له، لكن طريقته في انتخاب الأقوال وعرضها تمكُّن القارىء من الحكم على صاحب الترجمة. ولا يقتصر دوره على ذلك، فقد اهتم بالترجيح بين الأقوال المتعارضة ومناقشة بعضها ورفضه لها، كما أبدى رأيه في بعض العلماء خاصةً من طبقة. شيوخه وأقرانه»(١). أمّا في جانب رواية الحديث، فإِنَّه يكفي لمعرفة مدى أهمية (تاريخ بغداد) باعتباره مصدراً من مصادر الحديث الشريف، أن نعلم أنَّ اشتمل على (أربعة آلاف وثلاثمائة وخمسة وثمانين) حديثاً على ما أحصيته، ساقها الحافظ الخطيب رحمه. الله كلّها بأسانيده. وهو عدد يزيد على عدد أحاديث بعض الأصول الستة كـ ((سنن التِّرْمِذِيّ))(٢) و((سنن ابن ماجه))(٣). هذا من جانب مبلغ اتساع نطاق روايته فيه. أمّا من جانب قيمة هذه الروايات الكثيرة ومنزلتها من حيث القبول والردّ؛ فإنَّه لابد من التقديم بين يدي ذلك بملاحظة لها عظيم أهمية في تجلية ما نحن بصدده، وتكون مَدْخَلاً له. وهي: أنَّه في النصف الثاني من القرن الخامس الهجري، قد انقطعت رواية الحديث بالسند تخريجاً من المحدِّث إلى النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم مباشرةً، من دون واسطة كُتُبٍ أو نُسَخِ أو أجزاء يرويها هذا المحدِّث. (١) ((موارد الخطيب البغدادي)) ص ٨٩. (٢) فآخر أرقام أحاديثه على ما في طبعة مصطفى البابي الحلبي هو (٣٩٥٦). (٣) وآخر أرقام أحاديثه على ما في طبعة الأستاذ محمد فؤاد عبد الباقي رحمه الله هو (٤٣٤١). ٨٢ فنجد مثلاً الحافظ البيهقي (ت ٤٥٨هـ)، والحافظ ابن عبد البرّ الأندلسي (ت ٤٦٣هـ)، والحافظ الخطيب البغدادي (ت ٤٦٣هـ)، يروون أحاديث بأسانيدهم المستقلة يبلغون بها النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم، دون أن تكون هذه الأحاديث مرويةً في كتب الحديث التي قبلهم - وخاصة المشهورة منها - ، حيث إنهم يتفردون بها . وقد وقع مثل هذا التفرد بعد - وباتساع نِسْبي - للحافظ ابن عساكر (ت ٥٧١هـ)، في كتابه ((تاريخ دمشق)). ومن هنا يتبين لنا جانب من جوانب أهمية كتاب (تاريخ بغداد) بوصفه مصدراً من مصادر الحديث الشريف. بعد ذلك يمكن القول بأنَّ بيان قيمة أحاديث (تاريخ بغداد) قبولاً وردّاً، يرتبط ارتباطاً وثيقاً بموضوع الكتاب، ومنهج صاحبه في روايته لتلك الأحاديث. وقد تقدَّم آنفاً أنَّ موضوع الكتاب هو: (علم الرجال)، وتحديداً: (تواريخ الرجال المَحَلِيَّة)، وقد أبان الحافظ الخطيب رحمه الله عن ذلك في مقدِّمة كتابه(١)، حيث يقول: ((وهذه تسمية الخُلَفَاء والأشراف والكُبَراء والقُضَاة والفقهاء والمَحَدِّثين والقُرَّاء والزُّهَاد والصُّلَحاء والمُتََّدُّبِين والشُّعراء من أهل مدينة السَّلام، الذين وُلِدُوا بها أو بسواها من البُّلْدَان ونزلوها، وذِكْرُ من انتقل منهم عنها ومات ببلدة غيرها، ومن كان بالنواحي القريبة منها، ومن قدمها من غير أهلها، وما انتهى إليَّ من معرفة كُنَاهم وأنسابهم، ومشهور مآثرهم وأحسابهم، ومستحسن أخبارهم، ومبلغ أعمارهم، وتاريخ وفاتهم، وبيان حالاتهم، وما حُفِظَ فيهم من الألفاظ عن أسلاف أئمتنا الحفّاظ، مِنْ ثَنَاءِ ومَدْحٍ، وذَمُّ وقَدْحٍ، وقبولٍ وطَرْحٍ، وتعديلٍ وجَرْحٍ». (١) (١/ ٢١٢ - ٢١٣). ٨٣ -- فالكتاب إذاً ليس من كتب الرواية المتخصصة كـ ((المسانيد)) و((الصُّخَاح) و((الجوامع) و((السنن)) و ((المُسْتَدْرَكَات)) و ((المعاجم)) وسواها، والتي كان غرض مصنِّفيها جمع الحديث وروايته وتصنيفه وفق مناهج وضوابط محددة. ومن ثم فإنّه لا يمكن أن نقارن بين قيمة مرويات كتابٍ في (علم الرجال) تَوَجَّهَ فيه مصنَّه إلى ما يُتَوَجَّهُ به عادةً في التراجم مادةً وصياغةً، ووردت فيه الأحاديث تبعاً، لإِثبات رواية المُتَرْجَمِ له، ووقوع حديثه للمُصَنِّفِ، فهو يرويه من طريقه تحديداً، بغض النظر عن أي اعتبار في أمر قيمة ما يرويه وطبيعته؛ وبين مرويات كتب السُّنَّة المُطَهَّرة التي قَصَدَ منها مصنّعوها ما تقدَّم، وكان عنصر الانتقاء والتخير وفق ضوابط وضعوها، قائماً في جلّها بوجه أو بآخر. وقد قدَّمت بذلك حتى نتمكن من أَنْ نُتَزِّلَ كلام بعض العلماء في مرتبة أحاديث الحافظ الخطيب وقيمتها، وجهه الصحيح، لتكون الأحكام مُسَدَّدَةً، والنظرات صائبة إن شاء الله، تتساوق مع واقع الحال لا تتجاوزه. وممن عرض لقيمة مرويات الخطيب في جملة من كتب الأئمة الآخرين معه، الحافظ السيوطي (ت ٩١١هـ) في مقدّمة كتابه ((الجامع الكبير))(١) حيث يقول عند ذکر مصادر کتابه وما رمز لها: ...... ((وللعُقَيْلي في ((الضعفاء»: عق، ولابن عدي في ((الكامل)): عد، وللخطيب: خط، فإن كان في ((تاريخه)) أطلقت، وإلَّ بينته، ولابن عساكر في (تاريخه): كر. وكل ما عُزي لهؤلاء الأربعة، أو للحَكِيم التِّرْمِذِيّ في ((نوادر الأصول)»، أو الحاكم في ((تاريخه))، أو للدَّيْلَمِيّ في ((مسند الفردوس))، فهو ضعيف. فليستغن بالعزو إليها أو إلى بعضها عن بيان ضعفه)). وعرض لها الإِمام ولي الله أحمد بن عبد الرحيم الدُّهْلَوي (ت ١١٧٦ هـ) في (١) (١/١/ ب). ٨٤ كتابه ((حجَّة الله البالغة))(١)، حيث يقول عند ذكره لطبقات كتب الحديث: (والطبقة الرابعة: كتبٌ قصد مصنفوها بعد قرون متطاولة، جمع ما لم يوجد في الطبقتين الأوليين: وكانت في المجاميع والمسانيد المختفية، فنوهوا بأمرها، وكانت على ألسنة من لم يكتب حديثه المحدِّثون، ككثير من الوعّاظ المتشدِّقين وأهل الأهواء والضعفاء، أو كانت من آثار الصحابة والتابعين، أو من أخبار بني إسرائيل، أو من كلام الحكماء والوعّاظ، خَلَطَهَا الرواة بحديث النبيّ صلّى الله عليه وسلّم سهواً أو عمداً، أو كانت من محتملات القرآن والحديث الصحيح، فرواها بالمعنى قوم صالحون لا يعرفون غوامض الرواية، فجعلوا المعاني أحاديث مرفوعة، أو كانت معاني مفهومةً من إشارات الكتاب والسُّنَّة، جعلوها أحاديث مستبدَّة - أي مستقلّة - برأسها عمداً، أو كانت جُمَلاً شتى في أحاديث مختلفةٍ جعلوها حديثاً واحداً بنسق واحد. : ومظنَّة هذه الأحاديث: كتاب ((الضعفاء» لابن حِبَّان، و ((كامل)) ابن عدي، وكتب الخطيب، وأبي نُعَيْم، والجُوْزَقَانيّ، وابن عساكر، وابن النَّجَّار، والدَّيْلَمِيّ. وكاد ((مسند الخُوَارِزْمِيّ(٢)) أن يكون من هذه الطبقة. وأصلح هذه الطبقة: ما كان ضعيفاً محتملاً، وأسوؤها ما كان موضوعاً، أو مقلوباً، أو شديد النَّكَارة. وهذه الطبقة: مادة كتاب ((الموضوعات)) لابن الجَوْزي)). (١) (١٣٥/١). (٢) هو أبو بكر أحمد بن محمد بن أحمد البَرْقاني (ت ٤٢٥ هـ)، إمام حافظ ثَبْت فقيه، من أشهر شيوخ الحافظ الخطيب البغدادي. انظر ترجمته والكلام على ((مسنده»: ((تاريخ بغداد)» (٣٧٣/٤ - ٣٧٦)، و«سير أعلام النبلاء)» (٤٦٤/١٧ - ٤٦٨)، و«تاريخ التراث العربي» (٤٧٤/١/١). وفيما قاله الإمام الدُّهْلَوي عن («مسنده)) نظر، كما يعلم من كلام الأئمة في وصف «مسنده». ٨٥ ثم قال: «فالاشتغالُ بجمعها أو الاستنباطُ منها نوع تعمق من المتأخرين. وإنْ شئت الحقَّ فطوائف المبتدعين من الرافضة والمعتزلة وغيرهم يتمكنون بأدنى عنايةٍ أن يُلَخُّصُوا منها شواهد مذاهبهم، فالانتصار بها غير صحيح في معارك العلماء بالحديث والله أعلم؟. وقد نَعَى من قبل الإِمام ابن تيمية على الحافظ الخطيب وغيره، ذكرهم : الأحاديث الموضوعة في ((مصنَّفاتهم)) مع علمهم بها. حيث يقول في كتابه: ((الردّ على البَكْري))(١): ((وأبو نُعَيْم يروي في ((الحِلْيَة)) في فضائل الصحابة وفي الزُّهْدِ، أحاديث غرائب يعلم أنها موضوعة، وكذلك الخطيب وابن الجَوْزي وابن عساكر وابن ناصر وأمثالُهم». والعجيب أن ترى مثل هذه الملاحظة على الحافظ الخطيب مِنْ قِبَلِ الإِمام ابن الجوزي(٢) !! وهذا الذي ذكره بعض الأئمة بشأن مرويات الخطيب - وجلّها في ((تاريخ بغداد)» -، يحتاج إلى بيانٍ وتوجيهٍ مرتبطٍ بالملاحظة المتقدِّمة بشأن موضوع الکتاب وغرضه ومنهج صاحبه فیه. وهذا البيان والتوجيه يتمثل في أمرين اثنين: الأول: أنَّ ما ذكره السيوطي من كون مجرد عزو الحديث إلى الحافظ الخطيب، يعني ضعفه، دون حاجة إلى بيان ذلك؛ وما ذكره الدِّهْلَوي من کون كتب الخطيب - وأكبرها (تاريخ بغداد)) هي مظنة الأحاديث الضعيفة والغريبة والمنكرة (١) ص ١٨ - ١٩. والبَكْرِي هو: أبو الحسن عليّ بن يعقوب بن جبريل البَكْري: المِصْري الشَّافِعِي المتوفى عام (٧٢٤هـ). انظر ترجمته في «البداية والنهاية)) (١١٤/١٤ - ١١٥). (٢) انظر كتابه ((المُنْتَظَم)) (٢٦٨/٨). ٨٦ والموضوعة، وأنَّ أصلح ما فيها، وأمثالها من الكتب التي ذكرها في الطبقة الرابعة، ما كان ضعيفاً محتملاً، وأسوؤها ما كان موضوعاً أو مقلوباً شديد النَّكَّارَة. ينبغي أَنْ يُعْلَمَ بأنَّ ذلك إنّما وقع للحافظ الخطيب في الأحاديث التي تفرَّد بروايتها فحسب، ولم يشاركه أحد من الأئمة الذين سبقوه في روايتها، أو هو فيما شاركهم في روايته، ولكنه رواها بأسانيد معلولة، مردها في الأعمَّ الأغلب - كما تبين لي من خلال دراسة أحاديث (تاريخ بغداد) - هو حرصه على أن تقع هذه الأحاديث من طرق من تَرْجَمَ لهم بغض النظر عمَّا تمثله من قيمة، حيث إنَّ هذا هو مقصوده، دون النظر إلى أي اعتبار آخر. وقد وجدت أنَّ أكثر هذه الأحاديث التي رواها بأسانيد ضعيفة أو تالفة، قد خَرَّجَهَا غيره من الأئمة بأسانيد صحيحة أو جياد أو ضعيفة ضعفاً محتملاً - كما سُيرى في تخريج الزوائد - ، وهذا يعني من وجهٍ: وجود ذلك الملحظ الخاص الذي أشرت إليه، خاصةً وأنَّ الحافظ الخطیب ـ کما سيأتي في ترجمته - ليس بقليل الرواية ضَيِّقها، ولا هو من غير الراسخين في علم العلل وتمييز صحيح الحدیث من سقيمه . وممَّا يؤكّد أنَّ ما قاله الأئمة في مرتبة أحاديثه، لا يمكن أن ينسحب في جملته على جملتها، وإنما هو يتجه صوب الصِّنْفَيْن المتقدِّمين من رواياته، أنَّ عدد أحاديث (التاريخ) كما قدَّمت هو (٤٣٨٥) حديثاً، منها (٢١٣٢) حديثاً رواه أصحاب الأصول الستة أو بعضهم، أي ما يعادل نصف عدد أحاديث (التاريخ) تقریباً، وهو عدد بكل مقیاس ليس بالهين. وأنَّ الأحاديث التي تفرَّد بها - والتي غالبيتها من الموضوعات والمناكير والضعيفة ضعفاً شديداً - ولم أقف على من خرَّجها غيره قبله، قليلة بالنسبة لعدد ما خرّجه. وأنت لو نظرت في مجمل الأحاديث الموضوعة والمنكرة وماشاكلها، والتي تفرَّد الحافظ الخطيب رحمه الله في روايتها، أو ممَّا لم يتفرَّد به ولكنه على الصفة ٨٧ المذكورة، وجدتَ أَنَّ أوديتها مرويات المناقب والمثالب، وهيئات وصفة المطاعم والمشارب والملابس، والرقائق والزهد، والفِتَن والمَلاحِم، وصفة الجنَّة والنَّار، وما شابهها. ونادرة هي أحاديث الأحكام فيها، حيث إنَّ المرتع الخصب لتلك الموضوعات والغرائب هي الأودية التي ذَكَرْتُ. وهناك ملاحظة أخرى ممَّا يتصل بموضوعنا، أتى عليها العلاَّمة عبد العزيز الدُّهْلَوي رحمه الله، حيث يقول(١) تعليقاً على كلام والده الإِمام ولي الدين أحمد، عند ذكره للطبقة الرابعة من كتب الحديث، والتي منها مصنفات الحافظ الخطيب: ((وأحاديث هذه الطبقة التي لم يعلم في القرون الأولى اسمها ولا رسمها وتصدّى المتأخرون لروايتها فهي لا تخلو عن أمرين: إمَّا أنَّ السَّلَفَ تَفَخَّصُوا عنها ولم يجدوا لها أصلاً حتى يشتغلوا بروايتها. أو وجدوا لها أصلاً ولكن صادفوا فيها قَدْحَاً أو عِلَّةً موجبةً لترك روايتها فتركوها)). أقول: أو هي ممَّا وضعه الوضَّاعون أخيراً. أمّا الأمر الثاني في بيان وتوجيه كلام الأئمة حول مرتبة أحاديث الخطيب: فهو ما ذكره الإمام ابن تيمية رحمه الله تعالى، ومن قبله الإِمام ابن الجَوْزِيّ، من كون الحافظ الخطيب قد روى أحاديث موضوعة مع علمه بوضعها. فهذا مع التسليم بصحته، إلَّ أنَّه ممَّا يرد عليه، أنَّه من المعلوم المقرر: أَنَّ المحدِّث متى أورد الحديث بإسناده فقد برئت ذِمَّتُهُ من عُهْدَتِهِ، والتعويل ساعتئذٍ على النظر في الإِسناد، ليعلم صحته من عدمها. قال الحافظ ابن حَجَر في ((لسان الميزان)»(٢) في ترجمة (الطَّبَرَاني سليمان بن (١) كما في ((الحِطَّة في ذكر الصحاح الستة)) للعلَّمة صِدِّيق حسن خان القِنَّوْجِي رحمه الله ص ١٢١ . (٢) (٧٥/٣). ٨٨ أحمد): ((وقد عاب عليه إسماعيل بن محمد بن الفضل التَّيْمِيّ جمعه الأحاديث الأفراد مع ما فيها من النَّكَارَة الشديدة والموضوعات وفي بعضها القدح في كثير من القدماء من الصحابة وغيرهم. وهذا أمر لا يختض به الطََّرَاني، فلا معنى لإِفراده باللوم، بل أكثر المحدِّثين في الأعصار الماضية من سنة مائتين وهلم جرا إذا ساقوا الحديث بإسناده اعتقدوا أنهم برؤوا من عهدته والله أعلم)). وهذا هو الإِمام ابن تيمية نفسه رحمه الله تعالى يقول(١) تعليقاً على الحديث الموضوع: ((من سرّه أن يوعيه الله حفظ القرآن وحفظ أصناف العلم فليكتب هذا الدعاء ... )) مانصه : (وقد رواه أبو موسى المَدِيني في ((أماليه)) وأبو عبد الله المَقْدِسي، على عادة أمثالهم في رواية ما يُرْوَى في الباب سواء كان صحيحاً أو ضعيفاً، كما اعتاده أكثر المتأخرين من المحدِّثين أنهم يرون ما روي في الفضائل ويجعلون العهدة في ذلك على الناقل كما هي عادة المصنّفين في فضائل الأوقات والأمكنة والأشخاص والعبادات. كما يرويه أبو الشيخ الأَصْبَهَاني في فضائل الأعمال وغيره، حيث يجمع أحاديث كثيرة لكثرة روايته، وفيها أحاديث كثيرة قوية صحيحة وحسنة، وأحاديث كثيرة ضعيفة موضوعة وواهية. وكذلك ما يرويه خَيْثَمَة بن سليمان في فضائل الصحابة، وما يرويه أبو نُعَيْم في فضائل الخلفاء ... وأمثالهم من الشيوخ، وما يرويه أبو بكر الخطيب، وأبو الفضل بن ناصر، وأبو موسى المَدِيني، وأبو القاسم بن عساكر، والحافظ (١) ((مجموع الفتاوى)) (٢٥٩/١ - ٢٦٠). ٨٩ : : = : : عبد الغني، وأمثالهم ممن لهم معرفة بالحديث، فإنّهم كثيراً ما يروون في تصانيفهم، ما روي مطلقاً على عادتهم الجارية، ليعرف ما روي في ذلك الباب، لا ليحتَّ بكلِّ ما روى، وقد يتكلّم أحدهم على الحديث ويقول: غريب، ومنكر، وضعیف، وقد لا یتکلّم)). وقد ذكر ابن تيمية كذلك في كتابه ((الردّ على البَكْري)) ص ٢٠: أنَّ سكوت الحفّاظ كأبي نُعَيْم، والخطيب، وابن ناصر، وأبي موسى، وابن الجوزي، وابن عساكر، ونحوهم ((عن الإنكار في كثير ممَّا يروونه لا يدلُّ على الصحة عندهم باتفاق أهل الحديث». أذكر هذا، مع القول بأنهم لو نزَّهوا مصنفاتهم عنها لكان هو الأَوْلَى والأَجْدَى، أو أنَّهم لو شاؤوا روايتها؛ أن يُنَبَّهُوا على وضعها أو نكارتها. وإذا كان: في عصرهم كثرة ممن يستطيع التمييز بين الصحيح وغيره، فإِنَّ الحال قد اختلف بعد . ولابد من الإشارة هنا إلى أنَّ الحافظ الخطيب، له إضافات جليلة، وتنبيهات مهمة، أتى بها عقب بعض الأحاديث التي رواها، فأنت تجده إمَّا أنَّه يذكر «الطرق الأخرى التي وردت منها، أو بذكر من تفرّد بها من الرواة، وربما راجع أحد كتب الحديث لمعرفة طرق أخرى ورد منها الحديث، وأحياناً يكشف عن وجود متابعةٍ لحديث قيل إنه تفرّد به. وقد لا يكتفي الخطيب بسرد طرق الحديث بل يبين أيضاً الصواب منها أو أصحها، أو يبين الاختلافات بين هذه الطرق ويميز الطريق المحفوظ منها، أو يتعقب رجال أسانيدها ببيان حالهم من الجرح والتعديل، أو التعريف بهم، أو ذكر جهالتهم أو ينبه على ما يقع في أسانيدها من قلب وأخطاء ويصوبها، ويبين ما في بعضها من تدليس، ويذكر من تفرّد بها من الرواة وهذا كثير جداً، أو تفرد أهل بلد بروایتها . ٩٠ : ويحكم على بعض الأحاديث بالوضع، أو النكارة، أو الغرابة))(١). وليس له في ذلك كلُّه قاعدة مطردة. وجِمَاعُ القول في ذلك: أنَّ قيمة ما يرويه الخطيب وغيره من أمثاله، قيمة سنده. ولا يصحُّ التعميم بضعف ووضع ونَكّارة ما يروونه بمجرد العزو إليهم، والله سبحانه أعلم. (١) (موارد الخطيب البغدادي في تاريخ بغداد)) للدكتور أكرم العُمَرِي ص ١١٤ - ١١٥. وقد ذكر مواطن أمثلة ما أشار إليه في ((تاريخ بغداد)). ٩١ ترجمة الإمام الحافظ الخطيب البغدادي · رحمه الله تعالى لن أتوسع في ترجمة الحافظ الخطيب رحمه الله، لأنه قد تُرْجِمَ له ترجمات طوال في مثل: ((معجم الأدباء)» لياقوت الحَمَوي (١٣/٤ - ٤٥)، و«سِيَر أعلام النبلاء)) للحافظ الذَّهَبِيّ (١٨/ ٢٧٠ - ٢٩٧)، و ((طبقات الشافعية الكبرى)) للإِمام السُّنْكِي (٤/ ٢٩ - ٣٩)، وغيرها. كما أنَّه قد دَرَسَ حياته مفصَّلاً من المعاصرين: الدكتور يوسف العش رحمه الله في كتابه ((الخطيب البغدادي مؤرِّخ بغداد ومحدِّثها))، والدكتور محمود الطحَّان. في كتابه ((الحافظ الخطيب البغدادي وأثره في علوم الحديث))، والعلاّمة عبد الرحمن المُعَلِّمِي اليَمّاني رحمه الله في كتابه ((التنكيل لما ورد في تأنيب الكَوْثَرِي من الأباطيل)) (١٣٢/١ - ١٥٤)، والدكتور أكرم ضياء العُمَرِي في كتابه ((موارد الخطيب البغدادي في تاريخ بغداد)) ص ١٣ - ٩٦. فمن شاء التوسع والاستفاضة فيمكنه أن يعود إليها. اسمه و کنیته ومولده : هو أحمد بن عليّ بن ثابت بن أحمد بن مهدي البغدادي، يُكْنَىُ أبا بكر، واشتهر بالخطيب البغدادي. ٩٢ وكان أبوه أبو الحسن: إماماً وخطيباً بقرية دَرْزِيجان(١)، وكان له إلمام بالعلم، حافظاً للقرآن الكريم، وهو ممن قرأ على أبي حفص الكَثَّاني(٢). وكانت وفاته في يوم الأحد للنصف من شوال سنة (٤١٢ هـ)(٣). والظاهر أنّ لقب (الخطيب) التحق بوالده بسبب تولِّيه الخَطَابة نحواً من عشرين سنة(٤)، ومن ثم انتقل إلى ولده. ففي ترجمة الحافظ الخطيب البغدادي لأبيه في ((تاريخه))(٥) يقول: ((عليّ بن ثابت بن أحمد بن مهدي، أبو الحسن الخطيب، والدي رضي الله عنه)). وقال السمعاني(٦): ((الخطيب :... هذه النسبة إلى الخَطَابة على المنابر، وفيهم كثرة من العلماء والمحدِّثين، والمشهور منهم أبو بكر أحمد بن عليّ بن ثابت ... )). وهو عربي الأصل، فقد نقل الحافظ الخطيب عن أبيه في ترجمته له (٧) قوله: ((إنَّ أصله من العرب، وإنَّ له عشيرة يركبون الخيول، مسكنهم بالجصاصة من نواحي الفرات». أمَّا مولد الحافظ أبي بكر الخطيب فإنَّه كان في يوم الخميس لستٍ بقين من (١) ((قرية كبيرة تحت بغداد على دِجْلة بالجانب الغربي، من عمل نهر المَلِك، قيل إنّها أحد المدن السبعة التي كانت للأكاسرة كان اسمها (درزبندان) وعُرَّبت على (تَرْزِيجان)». ((مراصد الاطلاع)» (٥٢٢/٢). (٢) ((طبقات الشافعية الكبرى)) للشُبكي (٢٩/٤) و((تاريخ بغداد)» (٣٥٩/١١). (٣) ((تاريخ بغداد)» (٣٥٩/١١). (٤) المرجع السابق نفس الموضع. (٥) (٣٥٩/١١). (٦) في ((الأنساب)) (١٥١/٥). (٧) «تاريخ بغداد» (٣٥٩/١١). ٩٣ .- جُمَادَى الآخرة سنة اثنتين وتسعين وثلاثمائة (٣٩٢هـ)(١). نشأته : نشأ رحمه الله في بغداد، وقرأ القراءات بالروايات، وحَضَّهُ والده على السماع وهو صغير، فسمع وله إحدى عشرة سنة، وقرأ الفقه على القاضي أبي الطيّب الطبري، وعلّق عنه شيئاً من الخلاف، وطَوَّفَ على العلماء في بغداد وقُرَاهَا يسمع منهم، فسمع من أبي عمر بن مهدي الفارسي، وأبي الحسن بن رِزْقُوْيَه، وأبي سعد المَالِينيّ، وأبي الفتح بن أبي الفوارس، وأبي بكر البَرْقَاني - وهو من أشهر شيوخه الذين استفاد منهم والتصق بهم -، وسواهم(٢). رحلته في طلب العلم أدرك أبو بكر الخطيب مبكراً عِظَمَ الرَّحْلَة في طلب العِلْم، وضرورتها في تكوين وتنمية وتمكين وصقل وتكامل طالب العلم، فارتحل أول ما ارتحل إلى البَصْرة وهو ابن عشرين سنة، وكان ذلك سنة (٤١٢ هـ)، فسمع ((سنن أبي داود)» من القاضي أبي عمر القاسم بن جعفر الهاشمي، كما سمع من أبي الحسن عليّ بن الحسن الشاهد، والحسن بن عليّ النَّيْسَابُوري، وسواهم. ولم تطل إقامته بالبَصْرة، فقد عاد إلى بغداد في نفس السنة، حيث بدأ اسمه بالظهور وعلمه بالاشتهار، حتى سمع منه أحد كبار شيوخه وهو أبو القاسم الأزْهَرِي(٣). وفي هذه السنة توفي والده رحمه الله كما تقدَّم. (١) ((المستفاد من ذيل تاريخ بغداد)) لابن النجَّار ص ١٥٤، و ((معجم الأدباء)) لياقوت الحَمَوي. (١٦/٤)، و((المُنْتَظَم)) لابن الجَوْزي (٢٦٥/٨). (٢) انظر: ((المستفاد من ذيل تاريخ بغداد)» ص ١٥٢ و ١٥٣، و ((تاريخ دمشق)) لابن عساكر (١٣/٢ - مخطوط -)، و«سِيَر أعلام النبلاء)) (٢٧١/١٨ - ٢٧٢). (٣) انظر: ((المستفاد" الموضع السابق، و((تذكرة الحفاظ)) (١١٣٦/٣)، و«تبيين كذب المفتري)» لابن عساكر ص ٢٧١، و((موارد الخطيب» ص ٣٥ - ٣٦. ٩٤ وبعد أن أقام ببغداد ثلاث سنوات، استشار شيخه أبا بكر البَرْقَاني في رِحْلَةٍ أخرى بعيدة. بيد أنه تحيّر في اختيار الوجهة: أإلى نَيْسَابُور، أم إلى مِصْر. فأخرجه شیخه من حيرته قائلاً: (إنّك إِنْ خرجت إلى مِصْر، إنّما تخرج إلى رجلٍ واحدٍ، إِنْ فاتك ضاعت رحلتك، وإِنْ خرجت إلى نَيْسَابُور ففيها جماعة، إنْ فاتك واحدٌ أدركت من بقي))(١) . فخرج إلى نَّيْسَابُور، وكان خروجه لها سنة (٤١٥هـ)، وقد وصلها في نفس العام في شهر رمضان(٢). وقد التقى بجماعة من حُفَّاظ ومحدِّثي (نَيْسَابُور) وغيرها كـ (حَلْوان) و (أسد آباذ) و (هَمَذَان)، وتحمَّل عنهم(٣). والظاهر أنَّ عودته إلى بغداد كانت سنة (٤١٧هـ) (٤). ثم كانتِ رحلته الثالثة إلى (أَصْبَهَان)، وهي من بُلْدَان المشرق أيضاً، وقد زوّده شيخه البَرْقَاني برسالة ضافيةٍ إلى أبي نُعَيْم الأصبهاني محدِّث (أَصْبَهَان) يوصيه به خيراً. وقد جاء في الرسالة: ((وقد نفذ إلى ما عندك عمداً متعمداً أخونا أبو بكر أحمد بن عليّ بن ثابت أيده الله وسلَّمه، ليقتبس من علومك، ويستفيد من حديثك. وهو بحمد الله من له (١) ((طبقات الشافعية الكبرى)) (٣٠/٤). (٢) ((تاريخ بغداد)» (٣٢٩/١١). (٣) انظر: «سِيَر أعلام النبلاء)» (١٧٢/١٨ -٢٧٣)، و((الموارد" ص ٣٧ -٣٩. (٤) (الحافظ الخطيب البغدادي وأثره في علوم الحديث)) للدكتور محمود الطخَّان ص ٣٨. وعلَّل ذلك بقوله في الحاشية: ((لأنه ذكر في ترجمة الحسن بن أحمد المؤدِّب من «تاريخ بغداد)» (٢٧٨/٧) أنه كتب عنه سنة (٤١٧هـ) بقرية (بشلا)، وهي ضاحية من ضواحي بغداد تبعد عنها أربعة أميال أو خمسة)). وقارن بما ذكره الدكتور العُمَرِي في ((الموارد)) ص ٤٠ . ٩٥ بهذا الشأن سابقة حسنة، وقدم ثابت، وفهم به حسن، وقد رحل فيه وفي طلبه، وحصل له منه ما لم يحصل لكثير من أمثاله الطالبين له. وسيظهر لك منه عند الاجتماع من ذلك، مع التورع والتحفظ، وصحة التحصيل، ما يحسن لديك موقعه، ويجمل عندك منزلته. وأنا أرجو إذا صحّت لديك منه هذه الصفة، أن تلين له جانبك، وأن تتوفر له، وتحتمل منه ما عساه يورده من تثقيل في الاستكثار، وزيادة في الاصطبار. فقديماً حمل السلف عن الخلف ما ربما ثقل، وتوفروا على المستحق منهم بالتخصيص والتقديم والتفضيل ما لم ينله الكلّ منهم))(١). وقد كان في (أصبهان) سنة (٤٢١ هـ) في ذي القعدة (٢)، و (٤٢٢هـ) في ربيع الأول(٣). والتقى هناك بالإِمام أبي نُعَيْم الحافظ، وأبي عبد الله الجمَّال، ومحمد بن عبد الله بن شَهْرَيَار، وسواهم (٤). وقد ذهب الدكتور محمود الطخّان في كتابه ((الحافظ الخطيب البغدادي وأثره في علوم الحديث))(٥) إلى أنَّ الحافظ الخطيب لم يرحل بعد عودته إلى بغداد من نَيْسَابور سنة (٤١٧هـ)، حتى كانت رحلته إلى الحجّ سنة (٤٤٤هـ). والأمر على خلافه كما تقدَّم. عودته إلى بغداد واستقراره فيها : بعد رحلة (أَصْبَهَان)، مكث الحافظ الخطيب في بغداد ما بين سنتي (٤٢٣ - (١) (تاريخ دمشق)) لابن عساكر (١٦/٢ - مخطوط -). (٢) ((تاريخ بغداد)) (١٥٩/٢). (٣) المصدر السابق (٩٤/٣). وانظر ((موارد الخطيب)) ص ٤٠ - ٤١. (٤) انظر: ((موارد الخطيب)) الموضع السابق. (٥) انظر منه ص ٣٨ - ٤١ ٩٦ ٤٤٠ هـ). والظاهر أنه في هذه الفترة عكف على تأليف كتابه ((تاريخ بغداد)) وما يحتاجه من تفرغ وانقطاع عن الحياة العامّة بقدر. ولا تَذْكُرُ المصادر التي ترجمت له عن هذه الفترة إلَّ النَّزْرَ اليسير. وممّا ذَكَرَتْهُ: أنّه التقى بـ (إسماعيل بن أحمد الضَّرِير الحِيْرِي النَّيْسَابُوري) عندما ورد بغداد قاصداً مَّة المكرّمة للحجِّ والمُجَاوَرَة سنة (٤٢٣هـ)، فطلب إليه الخطيب أن يقرأ عليه صحيح الإمام البخاري، وكان إسناده فيه عالياً، فأجابه إلى ذلك، فقرأه عليه جميعه في ثلاثة مجالس، اثنان منها في ليلتين من وقت صلاة المغرب إلى صلاة الفجر، والثالث: من ضحوة النهار إلى المغرب(١). وممّا ذَكَرَتْهُ أَنَّه في عام (٤٢٨هـ) أَمَّ النَّاس في الصَّلاة على القاضي محمد بن أحمد الهاشمي - وكان أحد فقهاء الحنابلة المصنِّفين الثقات - وكان الجمع وافراً جدًّاً(٢). وهذا يدلُّ على مكانة الحافظ الخطيب ومنزلته في المجتمع في عاصمة الخِلافة وهو ابن (٣٦) عاماً. رحلته إلى الشَّام والحجّ: ((زار الخطيب دمشق مراراً، وقد سَجَّلَ وجوده فيها سنة (٤٤٠ هـ)، ومرَّ بها ثانيةً عند سفره إلى الحجّ سنة (٤٤٤هـ)، حيث ذكر وجوده في برية السماوة قاصداً دمشق في طريقه إلى الحجِّ في شهر رمضان سنة (٤٤٥هـ))(٣). قال الإِمام الشُّبْكي(٤): ((وقَدِمَ دمشق سنة خمس وأربعين حَاجَّاً، فسمع خَلْقَاً كثيراً، وتوجه إلى الحجّ)». (١) (تاريخ بغداد)) (٣١٤/٦). وقد علَّق الحافظ الذَّهَبِيّ على ذلك في ((سِيَرَ أعلام النبلاء)» (١٨/ ٢٨٠) فقال: ((هذه والله القراءة التي لم يُسْمَعْ قَطَّ بأسرع منها)). (٢) ((تاريخ بغداد)» (٣٥٤/١). (٣) ((موارد الخطيب البغدادي)) ص ٤٣. (٤) في ((طبقات الشافعية الكبرى)) (٢٩/٤). ٩٧ وكان في مكّة المكرمة في ذي الحجّة عام (٤٤٥ هـ)(١) والتقى في رحلته هذه إلى مكّة بعدد من الشيوخ، منهم: أبو عبد الله محمد بن سلامة القُضَاعي، كما أنَّه سمع ((صحيح البخاري)) من (كريمة بنت أحمد المَرْوَزِيَّة) في خمسة أيام، وذلك لعلو إسنادها وقِدَمِ سماعها(٢). قال الحافظ ابن عساكر(٣): ((سمعت أبا عبد الله الحسين بن محمد البَلْخي يحكي عن بعض شيوخه - وأظنه أبا الفضل بن خَيْرُون -: أنَّ أبا بكر الخطيب كان يذكر أنه لما حَجَّ شرب من ماء زمزم ثلاث شربات، وسأل الله عزّ وجلّ ثلاث حاجات، أخذاً بقول رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: ((ماءُ زَمْزَمَ لما شُرِبَ له))(٤). فالحاجة الأولى: أن یحدِّث بـ (تاریخ بغداد) ببغداد. والثانية: أن يُمْلي الحديث بجامع المنصور. والثالثة: أن يُدْفَنَ إذا مات عند قبر بِشْرِ الحَافي. (١) ((تاريخ بغداد)» (١٣٩/٦). (٢) انظر: ((المُنْتَظَم)) لابن الجوزي (٢٦٥/٨)، و((المستفاد من ذيل تاريخ بغداد)» ص ١٥٢، و ((الحافظ الخطيب البغدادي)) ص ٤٣. (٣) في ((تاريخ دمشق)) (١٤/٢ _ ١٥ - مخطوط -). (٤) رواه أحمد في «المسند» (٣٥٧/٣ و٣٧٢)، وابن ماجه في المناسك، باب الشرب من زمزم (١٠١٨/٢) رقم (٣٠٦٢)، والبيهقي في ((السنن الكبرى)) (١٤٨/٥)، والخطيب في «تاريخ بغداد)» (١٧٩/٣) و (١٦٦/١٠)، عن جابر بن عبد الله مرفوعاً. ورواه مطوّلاً الحاكم في ((المستدرك)) (٤٧٣/١)، والدَّارَقُطْنِيّ في «سننه» (٢٨٩/٢)، عن عبد الله بن عبَّاس مرفوعاً. والحديث صحيح، وقد صحَّحه ابن عُيَيْنَة والحاكم والمُنْذَري والدِّمْيَاطي والشُّيُوطي، وحَسَّنه ابن القَيِّم وابن حَجَر، وضعَّفه النووي. انظر: ((المتجر الرابح)) للحافظ الدِّمْيَاطي ص ٣١٧ - ٣١٨، و((زاد المَعَاد)) لابن القَيِّم (٣٩٢/٤ - ٣٩٣)، و«فتح الباري)) في كتاب الحج باب ما جاء في زمزم (٤٩٣/٣)، و((الترغيب والترهيب)) (٢١٠/٢ -٢١١)، و((المقاصد الحسنة)) للسّخَاوي ص ٣٥٧ - ٣٥٨، و«الدُّرر المنتثرة)) للشُيُّوطي ص ١٥٦ رقم (٣٥٧)، و((مصباح الزجاجة)) للبُوصيري (٢٠٨/٣ - ٢٠٩). ٩٨ فلما عاد إلى بغداد، حدَّث بـ (التاريخ) بها. ووقع إليه جزء من سماع الخليفة القائم بأمر الله، فحمل الجزء ومضى إلى باب حُجْرَةِ الخليفة وسأل أن يُؤْذَنَ له في قراءة الجزء. فقال الخليفة: هذا رجل كبير في الحديث، وليس له إلى السماع مني حاجة، ولعل له حاجة أراد أن يتوصل إليها بذلك، فسلوه ما حاجته؟ فَسُئل، فقال: حاجتي أن يُؤْذَنَ لي أن أُمْلِي بجامع المنصور. فتقدَّم الخليفةُ إلى نقيب النقباء بأن يؤذن له في ذلك. فحضر النقيب، وأَمْلَى الخطيب في جامع المنصور. ولمّا مات أرادوا دفنه عند قبر بِشْر . - يجري في ذلك ما ذكر شيخنا أبو البركات إسماعيل بن أبي سعد الصوفي المعروف بـ (شيخ الشيوخ) - قال: ((لمَّا توفي أبو بكر الخطيب الحافظ، أوصىْ أَنْ يُدْفَنَ إلى جانب بِشْرِ بن الحارث رحمه الله، وكان الموضع الذي بجانب (بِشْر) قد حَفَرَ فيه أبو بكر أحمد بن عليّ الطُّرَيْثِينيّ قبراً لنفسه، وكان يمضي إلى ذلك الموضع، ويختم فيه القرآن ويدعو. ومضى على ذلك عِدَّة سنين، فلمَّا مات الخطيب سألوه أن يدفنوه فامتنع. وقال: هذا قبر حفرته وختمت فيه عدَّة ختمات، لا أُمَكِّنُ أحداً من الدَّفْنِ فيه، وهذا ممَّا لا يتصور. فانتهى الخبر إلى والدي رحمه الله فقال له: يا شيخ، لو كان بِشْر الحافي في الأحياء ودخلت أنت والخطيب عليه أيكما كان يقعد إلى جانبه أنت أو الخطيب؟ قال: لا بل الخطيب. فقال: كذا ينبغي أن يكون في حالة الممات فإنَّه أحق به منك. فطاب قلبه، ورضي بأن يُدْفَنَ الخطيب في ذلك الموضع فَدُفِنَ فیه)) . وكان الحافظ الخطيب رحمه الله على أَتَمِّ الحرص في طريقه إلى الحجّ أن يعمر وقته بالطاعة والذكر والتلاوة والعلم؛ حيث يروي الحافظ ابن عساكر(١) عن أبي الفرج الإِسْفَرَايِيني قوله: ((كان الشيخ أبو بكر الخطيب معنا في طريق الحجِّ، فكان يختم كل يوم ختمة إلى قرب الغياب قراءةً بترتيل، ثم يجتمع عليه النَّاس وهو راكب يقولون: حَدِّثْنَا، فيحدِّثهم)). (١) في ((تبيين كذب المفتري)» ص ٢٦٨. ٩٩ ثم قَفَلَ راجعاً إلى بغداد سالكاً طريق الشام، مارَّاً ببيت المقدس وصُور، وكان فيها (٤٤٦ هـ)، والتقى فيهما ببعض الشيوخ وتحمَّل عنهم (١). ثم دخل بغداد ومكث فيها خمس سنوات، أمضاها في التصنيف والإفادة، وصار له قُرْبٌ من رفيقه في الطلب: رئيس الرؤساء الوزير أبي القاسم عليّ بن الحسن بن المُسْلِمَة، وكان وزيراً للخليفة العبّاسي: القائم بأمر الله. وفي عام (٤٤٧ هـ) وقعت له حادثة مهمة مع رئيس الرؤساء هذا، أخبرنا عنها ابن الجَوْزي في كتابه ((المُنْتَظَم))(٢) فقال: ((ورجع - يعني الخطيب - إلى بغداد، فقرب من أبي القاسم بن المُسْلِمَة الوزير، وكان قد أظهر بعض اليهود كتاباً، وادَّعى أنَّه كتاب رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم بإسقاط الجِزْيَة عن أهل خَيْبَر، وفيه شهادات الصحابة، وأنَّ خَطَّ عليّ بن أبي طالب فيه. فعرضه رئيس الرؤساء ابن المُسْلِمَة على أبي بكر الخطيب، فقال: هذا مُزَوَّرٌ. قيل من أين لك؟ قال: في الكتاب شهادة معاوية بن أبي سفيان، ومعاوية أسلم يوم الفتح، وخَيْبَر كانت في سنة سبع. وفيه شهادة سعد بن معاذ، وكان قد مات يوم الخندق(٣)، فاستحسن ذلك منه». وبعد هذه الواقعة، ارتفعت منزلة الحافظ الخطيب كثيراً عند الوزير أبي القاسم بن المُسْلِمَة، وبلغت ثقته به وبعلمه واطلاعه أن ((تقدَّم إلى القُصَّاص والوعّاظ، ألّ يورد أحد منهم حديثاً عن رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم حتى (١) انظر «تاريخ بغداد» (١٣/ ٢٢١) و (٣٤/١١). : (٢) (٢٦٥/٨ _٢٦٦). (٣) في ((السِّيّر)) للذَّهَبِيّ (٢٨٠/١٨): ((وفيه شهادة سعد بن معاذ، ومات يوم بني قُرَيْظَةٍ قبل خيبر بسنتين)). وهو الصواب. لأنّ سعداً أصيب بسهم في أُكحله يوم الخَنْدَقِ وحُمِلَ منها جريحاً، ثم حكّمه رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم في بني قُرَيْظَة، وبعدها توفي رضي الله عنه. انظر خبر ذلك في ترجمته من «السِّير» (١/ ٢٨٢) وما بعد. ١٠٠