Indexed OCR Text

Pages 701-720

فأشكل الجمعُ بينَ هُذين على كثير من الفقهاء، وظنوا أن النهي عن كسبه
منسوخٌ بإعطائه أجره، ومِمن سلك هذا المسلكَ الطحاوي، فقال في احتجاجه
الكوفيين في إباحة بيع الكلاب، وأكلٍ أثمانها: لما أمر النبيُّ ◌َّه بقتل الكلابِ،
ثم قال: ((ما لي وللكلاب))، ثم رخص في كلب الصيد، وكلبِ الغنم، وكان بيعُ
الكلاب إذ ذاك والانتفاعُ به حراماً، وكان قاتله مؤدياً للفرض عليه في قتله، ثم
نُسِخَ ذُلك، وأباح الاصطيادَ به، فصار كسائر الجوارح في جواز بيعه، قال: ومثلُ
ذُلك نهِيُّه ◌ََّ عن كسبِ الحَجَّام، وقال: ((كسبُ الحجام خبيث)) ثم أعطى
الحجام، أجره، وکان ذلك ناسخاً لمنعه وتحریمه ونهیه. انتھی کلامه.
وأَسهلُ ما في هذه الطريقة أنها دعوى مجردة لا دليلَ عليها، فلا تُقُبل،
كيف وفي الحديث نفسه ما يُبطلها، فإنه ◌ََّ أمر بقتلِ الكلاب، ثم قال: ((ما بالُهم
وبالُ الكلاب)) ثم رخّص لهم في كلب الصيد.
وقال ابنُ عمر أمرَ رسولُ اللّهِ ◌َِّ بقتل الكلابِ إلا كَلْبَ الصيد أو كلب غنم
أو ماشِيةٍ(١) وقال عبدُ الله بن مغَفَّل: أمرنا رسولُ الله ◌ِطّ بقتل الكلابِ ثم قال ما
بالُهم وبَالُ الكِلاَب، ثم رخّصَ في كلب الصيد، وكلب الغنم (٢). والحديثانِ في
(الصحيح)) فدلَّ على أن الرخصةَ في كلب الصيد وكلب الغنم وقعت بعد الأمر
بقتل الكلاب، فالكلبُ الذي أذن رسولُ الله ◌َلي في اقتنائه هو الذي حرَّم ثمنه،
وأخبر أنه خبيثٌ دونَ الكلب الذي أمر بقتله، فإن المأمورَ بقتله غيرُ مستبقى حتى
تحتاج الأمة إلى بيان حكم ثمنه، ولم تجر العادةُ ببيعه وشرائه بخلاف الكلب
المأذون في اقتنائه، فإن الحاجة داعية إلى بيان حكم ثمنه أولى مِن حاجتهم إلى
بيان ما لم تجرِ عادتُهم ببيعه، بل قد أُمِرُوا بقتله.
(١) أخرجه مسلم (١٥٧١) في المساقاة: باب الأمر بقتل الكلاب، وبيان نسخه ...
(٢) أخرجه مسلم (٢٨٠) في الطهارة: باب حكم ولوغ الكلب، وأبو داود (٧٤) في
الطهارة: باب الوضوء بسؤر الكلب.
٧٠١
.

ومما يُبين هذا أنه نَّ ذكر الأربعة التي تُبذل فيها الأموال عادة لحرص
النفوس عليها وهي ما تأخذُه الزانية والكاهِنُ والحَّامُ وبائع الكلب فكيف يُحمل
هذا على كلب لم تَجْرِ العادةُ ببيعه، وتخرج منه الكلاب التي إنما جرت العادة
ببيعها هذا من الممتنع البينِ امتناعُه، وإذا تبين هذا، ظهر فساد ما شبه به من نسخ
خُبثِ أجرة الحجام، بل دعوى النسخ فيها أبعد.
وأما إعطاءُ النبيِّ ◌َّ الحجام أجره، فلا يُعارض قوله ((كسب الحجام
خبيث)) فإنه لم يقل: إن إعطاءه خبيث بل إعطاؤه إما واجب، وإما مستحب، وإما
جائز، ولكن هو خبيثٌ بالنسبة إلى الآخذ، وخبتُه بالنسبة إلى أكله، فهو خبيثُ
الكسب، ولم يلزم مِن ذُلك تحريمُه، فقد سمى النبيُّ رَّ الثوم والبصل خبيثين مع
إباحة أكلهما، ولا يلزم من إعطاء النبيِّ رَّة الحجَّام أجرَه حِل أكلِه فضلاً عن كون
أكله طيباً، فإنه قال: ((إِنِّي لأُعْطِي الرَّجُلَ العَطِيَةَ يَخْرُجُ بِهَا يَتَبَطُهَا نَارَا)(١)،
والنبيُّ ◌َِّ قد كان يُعطي المؤلفةَ قلوبُهم مِن مال الزكاة والفيء مع غناهم، وعدمِ
حاجتهم إليه، ليبذُلوا من الإِسلام والطاعة ما يَجِبُ عليهم بذلُه بدون العطاء، ولا
يَحِلُّ لهم توقُّف بذله على الأخذ، بل يجبُ عليهم المبادرةُ إلى بذله بلا عوض.
وهذا أصل معروف مِن أصول الشرع أن العقد والبذل قد يكونُ جائزاً، أو
مستحباً، أو واجباً من أحد الطرفين، مكروهاً أو محرماً من الطرف الآخر، فيجب
على الباذلِ أن يَبْذُلَ، ويحرم على الآخذ أن يأخذه.
وبالجملة فخبثُ أجرٍ الحجَّام من جنس خُبث أكل الثوم والبصل، لكن هذا
خبيثُ الرائحة، وهذا خبيثٌ لكسبه.
فإن قيل: فما أطيبُ المكاسب وأحلُّها؟ قيل هذا فيه ثلاثةُ أقوال للفقهاء.
أطيب المكاسب وأحلها
أحدها: أنه كسبُ التجارة.
(١) أخرجه أحمد ٤/٣ و١٦ من حديث أبي سعيد الخدري، وسنده حسن.
٧٠٢

والثاني: أنَّه عملُ اليد في غير الصنائع الدنيئة كالحجامة ونحوها.
والثالث: أنه الزِّراعةُ، ولكل قولٍ مِن لهذه وجه مِن الترجيح أثراً ونظراً،
والراجح أن أحلَّها الكسبُ الذي جعل منه رِزق رسولِ اللّـهِ﴾ وهو كسبُ
الغانمين وما أُبيح لهم على لسان الشارع، ولهذا الكسبُ قد جاء في القرآن مدحُه
أكثرَ مِن غيره، وأثني على أهله ما لم يُثْنَ على غيرهم، ولهذا اختاره الله لخيرِ
خلقه، وخاتم أنبيائه ورسله حيث يقولُ: ((يُعِثْتُ بالسَّيْفِ بَيْنَ يَدَي السَّاعَةِ حَتَّى
يُعْبَدَ اللّهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، وجُعِلَ رِزْقي تَحْتَ ظِلِّ رُمْحِي، وَجُعِلَ الذِّلَّةُ
والصَّغَارُ عَلَى مَنْ خَالَفَ أَمْرِي)) (١)، وهو الرزقُ المأخوذُ بعزة وشرف وقهر لأعداء
الله، وجعل أحب شيء إلى الله، فلا يُقاومه كسب غيره. والله أعلم.
فصل
في حُكمِه ◌َِّهُ في بيع عَسْبِ الفَحْلِ وضِرَابِهِ
في ((صحيح البخاري)) عن ابن عمر أن النبيَّ وَِّ نهى عن عَسْبِ الفَحْلِ(٢).
وفي (صحيح مسلمٍ)) عن جابر أن النبيَّ ◌َّ نهى عن بَيْعِ ضِرَابِ الفحل(٣).
وهذا الثاني تفسير للأول، وسمى أجرة ضِرابه بيعاً إما لكون المقصودِ هو الماءَ
الذي له، فالثمنُ مبذول في مقابلة عين مائه، وهو حقيقةُ البيع، وإما أنه سمى
إجارته لذلك بيعاً، إذ هي عقد معاوضة وهي بيع المنافع، والعادة أنهم يستأجِرُون
الفحل للضِّرَابِ، وهذا هو الذي نُهِي عنه، والعقدُ الوارد عليه باطل، سواء كان
بيعاً أو إجارة، وهذا قولُ جمهور العلماء، منهم أحمدُ والشافعي، وأبو حنيفة
وأصحابهم.
حديث حسن، وقد تقدم تخريجه في أول الكتاب.
(١)
أخرجه البخاري ٣٧٩/٤ في الإجارة: باب عسْب الفحل.
(٢)
أخرجه مسلم (١٥٦٥) (٣٥) في المساقاة: باب تحريم فضل بيع الماء الذي يكون
(٣)
بالفلاة .
٧٠٣

وقال أبو الوفاء بن عقيل: ويحتمِلُ عندي الجواز، لأنه عقد على منافع
الفحل، ونزوه على الأنثى وهي منفعة مقصودة، وماء الفحل يدخل تبعاً،
والغالب حصولُه عقيبَ نزوه، فيكون كالعقد على الظئر، ليحصُلَ اللبنُ في بطن
الصبي، وكما لو استأجر أرضاً، وفيها بئر ماء، فإن الماء يدخل تبعاً وقد يغتفر في
الأتباع ما لا يُغتفر في المتبوعات.
وأما مالك فَحُكِيَ عنه جوازُه، والذي ذكره أصحابه التفصيل، فقال صاحب
((الجواهر))(١) في باب فساد العقد من جهة نهي الشارع: ومنها بيعُ عَسْبِ الفَحْلِ،
ويُحمل النهي فيه على استئجار الفحل على لقاح الأنثى وهو فاسد، لأنه غيرُ
مقدور على تسليمه، فأما أن يستأجِرَه على أن ينزو عليه دفعاتٍ معلومة، فذلك
جائز، إذ هو أمَدٌ معلوم في نفسه، ومقدورٌ على تسليمه.
والصحيحُ تحريمُه مطلقاً وفسادُ العقد به على كل حال، ويحرُم على الآخر
أخذُ أجرةٍ ضرابه، ولا يحرم على المعطي، لأنه بذل ماله في تحصيل مباح يحتاج
إليه، ولا يمنع من هذا كما في كسب الحجام، وأجرة الكسّاح، والنبي ◌َّ نهى
عما يعتادونه من استئجار الفحل للضِّراب، وسمى ذُلك بيع عَسْبِهِ، فلا يجوزُ
حمل كلامه على غير الواقع والمعتاد وإخلاء الواقع من البيان مع أنه الذي قصد
بالنهي، ومن المعلوم أنه ليس للمستأجر غرض صحيح في نزو الفحل على الأنثى
الذي له دفعات معلومة، وإنما غرضُه نتيجة ذلك وثمرته، ولأجله بذل ماله. وقد
علَّل التحريمَ بعدة علل.
علة النهي عن عسب
الفحل
(١) ألفه العلاَّمة جمال الدين أبو محمد عبد الله بن نجم بن شاس بن نزار الجذامي
السعدي المصري شيخ المالكية في عصره المنعوت بالفضل والمعرفة اعتزل الفُتْيَا في
آخر عمره بعد أن حج، ومات بثغر دمياط سنة ٦١٦ هـ، وكتابه هذا نسقه على
ترتيب الوجيز للغزالي، قال ابن خلكان: وفيه دلالة على غزارة عِلمه وفضله،
والطائفة المالكية بمصر عاكفة عليه لحسنه، وكثرة فوائده ((وفيات الأعيان)» ٣/ ٦١،
و ((البداية)) ٨٦/١٣، و((شذرات الذهب)) ٦٩/٥.
٧٠٤

إحداها: أنه لا يقدر على تسليم المعقود عليه، فأشبه إجارة الآبق، فإن
ذلك متعلق باختيار الفحل وشهوته.
الثانية: أن المقصودَ هو الماءُ وهو مما لا يجوز إفرادُه بالعقد، فإنه مجهولُ
القدر والعين وهذا بخلاف إجارة الظئر، فإنها احتملت بمصلحة الآدمي، فلا
يُقاسُ عليها غيرُها، وقد يقال - والله أعلم - إن النهي عن ذلك مِن محاسن
الشريعة وكمالها، فإن مقابلة ماء الفحل بالأثمان، وجعله محلاً لعقود
المعاوضات مما هو مستقبح ومستهجَن عند العقلاء، وفاعل ذلك عندهم ساقط
مِن أعينهم في أنفسهم، وقد جعل الله سبحانه فِطَرَ عباده لا سيما المسلمين ميزاناً
للحسن والقبيح، فما رآه المسلمون حسناً، فهو عند الله حسن، وما رآه المسلمون
قبيحاً، فهو عند الله قبيح(١).
ويزيد هذا بياناً أن ماء الفحل لا قيمة له، ولا هو مما يُعاوض عليه، ولهذا
لو نزا فحلُ الرجل على رَمَكَة غيره، فأولدها، فالولد لِصاحب الرَّمَكَةِ اتفاقاً، لأنه
لم ينفصِلْ عن الفحل إلا مجردُ الماء وهو لا قيمة له، فحرمت هذه الشريعةُ
الكاملةُ المعارضةَ على ضِرابه ليتناوله الناس بينهم مجاناً، لما فيه مِن تكثير النسل
المحتاج إليه من غير إضرار بصاحب الفحل، ولا نقصان من ماله، فمن محاسن
الشريعة إيجابُ بذلِ هُذا مجاناً، كما قال النبيِ وَّهِ: ((إِنَّ مِنْ حَقِّهَا إطْراقَ فَحْلِهَا
وإعَارَةَ دَلْوِهَا))(٢) فهذه حقوقٌ يضر بالناس منعُها إلا بالمعاوضة، فأوجبت الشريعة
بذلها مجاناً.
فإن قيل: فإذا أهدى صاحبُ الأنثى إلى صاحب الفحل هديةً، أو ساق إليه
كرامة، فهل له أخذُها؟ قيل: إن كان ذلك على وجه المعاوضة والاشتراط في
(١) هو من قول ابن مسعود أخرجه عنه أحمد في (المسند)) ٣٧٩/١، ولا يصح مرفوعاً.
(٢) أخرجه مسلم (٩٨٨) في الزكاة: باب إثم مانع الزكاة من حديث جابر رضي الله
عنه .
٧٠٥
زاد المعاد ج٥-م٢٣

الباطن لم يَحِلَّ له أخذُه، وإن لم يكن كذلك فلا بأس به، قال أصحابُ أحمد
والشافعي: وإن أعطى صاحبَ الفحل هدية، أو كرامة من غيرِ إجارة، جاز،
واحتج أصحابُنا بحديث رُوي عن أنس رضي الله عنه، عن النبيِّ وَّ أنه قال: إذا
كان إكراماً، فلا بأس، ذكره صاحب ((المغني)) ولا أعرف حالَ لهذا الحديث، ولا
من خرَّجه، وقد نص أحمد في رواية ابن القاسم على خلافه، فقيل له: ألا يكونُ
مثلَ الحجَّامِ يُعطى، وإن كان منهياً عنه؟ فقال: لم يبلغنا أن النبيَّ يَّ أعطى في
مثل هذا شيئاً كما بلغنا في الحجام.
واختلف أصحابنا في حمل كلام أحمد رحمه الله على ظاهره، أو تأويله،
فحمله القاضي على ظاهره، وقال: هذا مقتضى النظر، لكن ترك مقتضاه في
الحجام، فبقي فيما عداه على مقتضى القياس. وقال أبو محمد في ((المغني)):
كلام أحمد يُحمل على الورع لا على التحريم، والجواز أرفقُ بالناس، وأوفقُ
للقياس.
ذكرُ حكم رسولِ اللهِّ في المنع
مِن بيع الماء الذي يشترك فيه الناسُ
ثبت في ((صحيح مسلم)) من حديث جابر رضي الله عنه قال: نهى
رسولُ اللّهِ مَّهِ عَنْ بَيْعٍ فَضْلِ المَاءِ (١).
وفيه عنه قال: نهى رسولُ اللّهِ بِ لَ عِن بَيْعِ ضِرَابِ الفَحْلِ، وَعَنْ بَيْعِ المَاءِ
والأَرْضِ لِتُحْرَث، فعن ذلك نهى رسولُ الله ◌َّةٍ(٢).
وفي ((الصحيحين)) عن أبي هُريرة رضي الله عنه أن رسولَ اللّهِ وَلَّقال: ((لاَ
يُمْنَعُ فَضْلُ المَاءِ لِيُمنَعَ بِهِ الكَلأُّ) وفي لفظ آخر ((لاَ تَمْنَعُوا فَضْلَ المَاءِ لِتَمْنَعُوا به
(١) أخرجه مسلم (١٥٦٥) في المساقاة: باب تحريم فضل بيع الماء الذي يكون
بالفلاة . .
(٢) أخرجه مسلم (١٥٦٥) (٣٥).
٧٠٦

الكَلاَّ))، وقال البخاري في بعض طرقه: ((لاَ تَمْنَعُوا فَضْلَ المَاءِ لِتَمْنَعُوا بِهِ فَضْلَ
حَسَ(١)
الكَلاَءِ(١).
وفي ((المسند)) من حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه عن جدِّه رضي الله عنه
عن النبي ◌َّ﴾ قال: ((مَنْ مَنَعَ فَضْلَ مَائِهِ أَوْ فَضْل كَلَئِهِ، مَنَعَهُ اللّهُ فَضْلَهُ يَوْمَ
(٢)
القِيَامَةِ» (٢).
وفي ((سنن ابن ماجه)) من حديث أبي هريرة رضي اللّهُ عنه قال: قال
رسولُ اللّهِ نَّهُ: ((ثَلاَثٌ لاَ يُمْنَعْنَ: المَاءُ والكَلَأُ والنَّارُ))(٣).
وفي ((سننه)) أيضاً عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسولُ اللّهِ وَّ:
(المسلمونَ شُرَكَاءُ فِي ثَلاَثٍ: المَاءُ والنَّارُ والكَلأُ، وثَمَنُهُ حَرَامٌ)) (٤).
وفي ((صحيح البخاري)) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال
رسولُ اللّهِ وَّهِ((ثَلاَثَةٌ لاَ يَنْظُرُ اللّهُ عَزَّ وَجَلَّ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الِيَامَةِ، وَلاَ يُزَكِّيهِمْ، وَلَهُمْ
عَذَابٌ أَلِيمٌ: رَجُلٌ كَانَ لَهُ فَضْلُ مَاءِ بِالطَّرِيقِ فَمَنَعَهُ من ابنِ السَّبِيلِ، وَرَجُلٌ بَايَع
إِمَامَه لا يُبَايِعُهُ إلا لِلدُنْيَا فإِنْ أَعْطَاهُ مِنْهَا، رَضِيَ، وإنْ لَمْ يُعْطِهِ مِنْهَا، سَخِطَ،
وَرَجُلٌ أَقَامَ سِلْعَةً بَعْدَ العَصْرِ فَقَالَ: واللّهِ الذِي لاَ إِلَّهَ غَيْرُهُ لَقَدْ أُعْطِيتُ بِهَا كَذَا
(١) أخرجه البخاري ٢٤/٥ في المزارعة: باب من قال: إن صاحب الماء أحق بالماء
حتى يروى ... ، ومسلم (١٥٦٦).
(٢) أخرجه أحمد ١٧٩/٢ و١٨٣ و٢٢١، وسنده حسن.
(٣) أخرجه ابن ماجه (٢٤٧٣) في الرهون: باب المسلمون شركاء في ثلاث، وإسناده
صحيح، وصححه البوصيري في ((الزوائد)) ورقة ١٧٣.
(٤) أخرجه ابن ماجه (٢٤٧٢) وفي سنده عبد الله بن خراش وهو متروك، ويغني عنه
الحديث السابق، وما أخرجه الطبراني بسند حسن فيما قاله الحافظ في ((التلخيص))
٦٥/٣ من حديث ابن عمر ((المسلمون شركاء في ثلاث: الماء والكلأ والنار))، وما
أخرجه أبو داود (٣٤٧٧) من حديث أبي خداش حبان بن زيد الشرعبي، عن رجل
من الصحابة قال: غزوت مع رسول الله صل ثلاثاً أسمعه يقول: ((المسلمون شركاء
في ثلاث في الكلأ والماء والنار)) ورجاله ثقات.
٧٠٧

وَكَذَا، فَصَدَّقَهُ رَجُلٌ، ثُمَّ قَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُون بِعَهْدِ اللّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَناً
قَلِيلاً﴾)) الآية(١).
وفي ((سنن أبي داود)) عن بُهَيْسَة قالت: استأذن أبي النبيَّ ◌َ لَّهِ، فَجَعلَ يدنو
منه ويلتزِمُه، ثم قال: يا نبي الله ما الشيءُ الذي لا يَحِلُّ منعُهُ؟ قال: الماء قَالَ: ((يا
نبيَّ اللَّهِ ما الشيءُ الذي لاَ يَحِلُّ مِنْعُهُ؟ قَالَ المِلْحُ، قال: يا نِيَّ اللّهِ ما الشَّيءُ الَّذي
لاَ يحِلُّ مَنْعُهُ؟ قال: أن تَفْعَلَ الخَيْرَ خَيْرٌ لَكَ)(٢).
الماء خلقه الله في الأصل مشتركاً بين العباد والبهائم، وجعله سقيا لهم، فلا
يكون أحدٌ أخصَّ به مِن أحد، ولو أقام عليه، وتَنَاَ عليه، قال عمرُ بن الخطاب
رضي الله عنه: ابنُ السبيل أحقُّ بالماء مِن الثَّانيء عليه، ذكره أبو عبيد عنه(٣).
وقال أبو هريرة: ابنُ السبيلِ أول شاربٍ.
فأما من حازه في قِرِبته أو إنائه، فذاك غيرُ المذكور في الحديث، وهو
بمنزلة سائر المباحات إذا حازها إلى ملكه، ثم أراد بيعَها كالحطب والكلأ
والملح، وقد قال النبي ◌ٍَّ: «لأَنَ يَأْخُذَ أَحَدُكُمْ حَبْلَهُ، فَيَأْتِيَ بِحُزْمَةِ حَطَبٍ على
ظَهْرِهِ فيبيعها، فَيَكُفَّ اللّهُ بِهَا وَجْهَهَ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَسْأَلَ النَّاسَ أَعْطَوْهُ أَوْ مَنَعُوهُ»
رواه البخاري(٤) .
جواز بيع الماء إذا كان في
قريته أو إنائه
وفي ((الصحيحين)) عن علي رضي الله عنه قال: أصبتُ شَارِفَاً مع
أخرجه البخاري ٢٥/٥ في المساقاة: باب إثم من منع ابن السبيل الماء.
(١)
(٢)
أخرجه أبو داود (١٦٦٩) في الزكاة: باب ما لا يجوز منعه، وفيه مجاهيل، وهو في
«الأموال» ص ٣٧٤.
((الأموال)» ص ٣٧٥، قال ابن الأثير: أراد بقوله ((الثانى)» ابن السبيل إذا مرَّ بركيَّة
(٣)
عليها قوم مقيمون، فهو أحق بالماء منهم، لأنه مجتاز وهم مقيمون، يقال: تنا،
فهو تانىء: إذا أقام في البلد وغيره.
أخرجه البخاري ٢٦٥/٣ في الزكاة: باب الاستعفاف عن المسألة من حديث
(٤)
الزبير بن العوام رضي الله عنه.
٧٠٨

رسولِ الله ◌ٌِّ في مغنم يَوْمِ بدر، وأعطاني رسولُ اللّهِ ◌ِّ شَارِفاً آخر، فأنختُهما
يوماً عِند بابٍ رجل من الأنصار وأنا أُرِيدُ أنْ أَحْمِلَ عَليهما إذخراً لأبيعه(١). وذكر
الحديثَ، فهذا في الكلا والحطب المباح بعد أخذه وإحرازه، وكذلك السمكُ
وسائر المباحات، وليس لهذا محلَّ النهي بالضرورة ولا محلَّ النهي أيضاً بيعُ مياه
الأنهار الكِبار المشتركة بين الناس، فإن هذا لا يُمكن منعُها، والحجرُ عليها،
وإنما محل النهي صور، أحدها: المياه المنتقعة مِن الأمطار إذا اجتمعت في أرض
مباحة، فهي مشتركة بينَ الناس، وليس أحد أحقَّ بها مِن أحد إلا بالتقديمِ لِقُرب
أرضه كما سيأتي إن شاء الله تعالى، فهذا النوعُ لا يَحِلُّ بيعُه ولا منعُه، ومانعُه
عاصٍ مستوجبٌ لوعيد الله ومنع فضله إذ منع فضل ما لم تعمل يداه.
فإن قيل: فلو اتخذ في أرضه المملوكة له حفرةً يجمع فيها الماء، أو حفر
بئراً، فهل يملِكُه بذلك، ويحل له بيعُه؟ قيل: لا ريب أنه أحقُّ به مِن غيره، ومتى
كان الماءُ النابع في ملكه، والكلأ والمعدن فوقَ كفايته لشربه وشرب ماشيته
ودوابه، لم يجبْ عليه بذلُه، نص عليه أحمد، وهذا لا يدخُلُ تحتَ وعيدٍ
النبيِّ ◌َّ، فإنه إنما توعَّد مَنْ منع فضل الماء، ولا فضلَ في هذا.
فصل
وما فَضَل منه عن حاجته وحاجةٍ بهائمه وزرعه، واحتاج إليه آدمي مثلُه أو يجب بذل ما فضل من
بهائمه، بَذَلَه بغير عوض، ولكل واحد أن يتقدَّم إلى الماء ويشربَ. ويسقي بهائمه وزرعه لمن طلبه
الماء عن حاجته وحاجة
ماشيته، وليس لصاحب الماء منعُه مِن ذُلك، ولا يلزم الشارب وساقي البهائم والاختلاف في بذله لزرع
لحاجته أو حاجة بهائمه
عِوَضٌ. وهل يلزمُه أن يبذُلَ له الدلوَ والبَكرة والحبلَ مجاناً، أو له أن يأخُذَ
غيره
أجرته؟ على قولين وهما وجهان لأصحاب أحمد في وجوب إعارة المتاع عند
الحاجة إليه، أظهرهُما دليلاً وجوبُه، وهو مِن الماعون. قال أحمد: إنما هذا في
(١) أخرجه البخاري ١٣٥/٦، ١٣٨، في أول الخمس ومسلم (١٩٧٩) في أول
الأشربة .
٧٠٩

الصحاري والبرية دون البنيانِ يعني: أن البنيان إذا كان فيه الماءُ، فليس لأحد
الدخولُ إليه إلا بإذن صاحبه، وهل يلزمُه بذْل فضل مائه لزرع غيره؟ فيه وجهان،
وهما روایتان عن أحمد.
أحدهما: لا يلزمُه، وهو مذهب الشافعي، لأن الزرع لا حُرمة له في نفسه،
ولهذا لا يجبُ على صاحبه سقيُه بخلاف الماشية.
والثاني: يلزمه بذلُه، واحتج لهذا القول بالأحاديثِ المتقدمة وعمومِها،
وبما رُوي عن عبد الله بن عمرو أنَّ قَيِّمَ أرضه بالوهط كتب إليه يُخبره أنه سقى
أرضه، وفَضَل له مِن الماء فضلٌ يُطلب بثلاثين ألفاً، فكتب إليه عبد الله بن عمرو
رضي الله عنهما: أقم قِلْدَكَ، ثم اسق الأدنى، فالأدنى، فإني سمعتُ رسول
اللهِ وَّ يِنْهَى عن بَيْعٍ فَضْلِ المَاءِ (١).
قالُوا: وفي منعه من سقي الزرع إهلاكُه وإفسادُه، فحرم كالماشية.
وقولُكم: لا حرمة له، فلصاحبه حُرمة، فلا يجوزُ التسبُّب إلى إهلاك ماله، ومن
سلَّم لكم أنه لا حُرمة للزرع؟ قال أبو محمد المقدسي: ويحتمِلُ أن يمنع نفي
الحرمة عنه، فإن إضاعة المال منهي عنها، وإتلافَه محرم، وذلك دليل على
حرمته .
فإن قيل: فإذا كان في أرضه أو داره بئر نابعة، أو عين مستنبطة، فهل تكون
ملكاً له تبعاً لملك الأرض والدار؟ قيل: أما نفسُ البئر وأرض العين، فمملوكةٌ
لمالك الأرض، وأما الماءُ، ففيه قولان، وهما روايتان عن أحمد، ووجهان
لأصحاب الشافعي.
هل تملك البئر النابعة أو
العين المستنبطة
والمعادن في أرضه
(١) ذكره أبو عبيد في ((الأموال)) ص ٣٧٩، ٣٨٠، والوهط: قرية بالطائف على ثلاثة
أميال من مرج وفيها كرم لعبد الله بن عمرو بن العاص كان على ألف ألف، وقوله
((قلدك)) أي إذا سقيت أرضك يوم نوبتها فأعط من يليك، وروى أحمد في ((المسند))
أن معاوية أراد أخذه منه فأبى عبد الله بن عمرو، وتهيأ لقتاله.
٧١٠

أحدهما: أنه غيرُ مملوك، لأنه يجري مِن تحت الأرض إلى مُلكه، فأشبه
الجاري في النهر إلى ملكه.
والثاني: أنه مملوك له، قال أحمد في رجل له أرضٌ ولآخر ماء، فاشترك
صاحبُ الأرض وصاحبُ الماء في الزرع: يكون بينهما؟ فقال: لابأس، وهذا
القولُ اختیارُ أبي بكر .
وفي معنى الماء المعادنُ الجارية في الأملاك كالقَارِ والنَّط والمُوميا،
والمِلح، وكذلك الكلأ النابتُ في أرضه كُلُّ ذِلك يُخرج على الروايتين في الماء،
وظاهر المذهب أن هذا الماء لا يُملك، وكذلك هذه الأشياء قال أحمد: لا
يُعجبني بيعُ الماء ألبتة، وقال الأثرم: سمعتُ أبا عبد الله يسأل عن قوم بينهم نهر
تشرب منه أرضُهم لهذا يوم، ولهذا يومان يتَّفِقُون عليه بالحصص، فجاء يومي ولا
أحتاج إليه أكريه بدراهم؟ قال: ما أدري، أما النبيُّ ◌َّة، فنهى عن بيع الماء،
قيل: إنه ليس يبيعُه، إنما يكريه، قال: إنَّما احتالُوا بهذا لِيُحسِّنُوه، فأي شيء هذا
إلا البيع انتهى.
وأحاديثُ اشتراكِ الناس في الماء دليلٌ ظاهر على المنع من بيعه، وهذه
المسألة التي سئل عنها أحمد هي التي قد ابتُليَ بها الناسُ في أرض الشام وبساتينه
وغيرها، فإن الأرضَ والبستان يكونُ له حقٌّ مِن الشُّرب مِن نهر، فيفصل عنه، أو
يبنيه دوراً، وحوانيت، ويُؤجر ماءَه، فقد توقف أحمد أولاً، ثم أجابَ بأن
النبيَّ نَّهِ نهى عن بيع الماءِ، فلما قيل له: إن هذه إجارة، قال: هذه التسميةُ
حِيلة، وهي تحسينُ اللفظ، وحقيقة العقد البيعُ، وقواعِدُ الشريعة تقتضي المَنع
من بيع هذا الماء، فإنه إنما كان له حقُّ التقديم في سقي أرضه من هذا الماء
المشترك بينه وبين غيره، فإذا استغنى عنه، لم يجز له المعاوضةُ عنه، وكان
المحتاج إلیه أولی به بعده، وهذا كمن أقام على معدن، فأخذ منه حاجته، لم يَجُزْ
له أن یبیعَ باقیَهُ بعدَ نزعه عنه .
ترجيح المصنف المنع
من البيع
٧١١

وكذلك مَنْ سبق إلى الجلوس في رَحْبَةٍ أو طريق واسعة، فهو أحقُّ بها ما
دام جالساً، فإذا استغنى عنها، وأجر مقعده، لم يَجُزْ، وكذلك الأرضُ المباحة إذا
كان فيها كلاً أو عشب، فسبق بدوابه إليه، فهو أحقُّ بِرَعْيهِ ما دامت دوابُّه فيه، فإذا
طلب الخروج مِنها، وبيعَ ما فَضَل عنه، لم يكن له ذُلك وهكذا هذا الماءُ سواء،
فإنَّه إذا فارق أرضَه، لم يبق له فيه حقٌّ، وصار بمنزلة الكلأ الذي لا اختصاص له
به، ولا هو في أرضه.
فإن قيل: الفرقُ بينهما أن هذا الماء في نفس أرضه، فهو منفعةٌ مِن
منافعها، فملكه بملكها كسائِرٍ منافعها بخلاف ما ذكرتم مِن الصور، فإن تلك
الأعيان ليست من ملكه، وإنما له حقُّ الانتفاع والتقديم إذا سبق خاصة.
قيل: لهذه النكتة التي لأجلها جوَّزَ من جوَّز بيعه، وجعل ذلك حقاً مِن
حقوق أرضه، فَمَلَكَ المعاوضة عليه وحدَه كما يملِكُ المعاوضة عليه مع
الأرض، فيُقال: حقُّ أرضه في الانتفاع لا في ملك العين التي أودعها الله فيها
بوصف الاشتراك، وجعل حقَّه في تقديم الانتفاع على غيره في التحجر
والمعاوضة، فهذا القولُ هو الذي تقتضيه قواعدُ الشرع وحكمته واشتماله على
مصالح العالم، وعلى هذا فإذا دخل غيره بغير إذنه، فأخذ منه شيئاً، ملكه،
لأنه مباح في الأصل، فأشبه ما لو عشَّشَ في أرضه طائر، أو حصل فيها
ظبي، أو نضب ماؤها عن سمك، فدخل إليه، فأخذه.
فإن قيل: فهل له منعُه مِن دخول ملكه، وهل يجوزُ دخولُه في ملكه
بغير إذنه؟
يجوز الدخول في ملك
غيره بغير إذنه للرعي
وسقي البهائم
قيل: قد قال بعضُ أصحابنا: لا يجوزُ له دخولُ ملكه لأخذ ذلك بغير
إذنه، ولهذا لا أصل له في كلام الشارع، ولا في كلام الإِمام أحمد، بل قد
نص أحمد على جواز الرعي في أرضٍ غيرِ مباحة مع أن الأرض ليست
مملوكة له ولا مستأجرةً، ودخولُها لغير الرعي ممنوع منه. فالصوابُ أنه
٧١٢

يجوز له دخولُها لأخذ ما له أخذُه، وقد يتعذَّرُ عليه غالباً استئذان مالكها،
ويكون قد احتاج إلى الشرب وسقي بهائمه، ورعي الكلأ، ومالك الأرض
غائب، فلو منعناه من دخولها إلا بإذنه كان في ذلك إضرار ببهائمه.
وأيضاً فإنه لا فائدة لهذا الإِذن، لأنه ليس لصاحب الأرض منعُه مِن
الدخول، بل يجبُ عليه تمكينُه، فغايةُ ما يقدر أنه لم يأذن له، وهذا حرامٌ
عليه شرعاً لا يَحِلُّ له منعُه من الدخول، فلا فائدة في توقف دخوله على
الاذن .
ءِ
وأيضاً فإنه إذا لم يتمكن مِن أخذ حقِّه الذي جعله له الشارعُ إلا
بالدخول، فهو مأذون فيه شرعاً، بل لو كان دخولُه بغير إذنه لِغيرة على
حريمه وعلى أهله، فلا يجوزُ له الدخولُ بغير إذن، فأما إذا كان في
الصحراء، أو دار فيها بئر ولا أنيسَ بها، فله الدخولُ بإذنٍ وغيرِهِ، وقد قال
اللّهُ تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتَاً غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيهَا مَتَاعٌ لَكُمْ﴾
[النور: ٢٩]، ولهذا الدخولُ الذي رفع عنه الجناح هو الدخولُ بلا إذن، فإنه
قد منعهم قبل مِن الدخول لغير بيوتهم حتى يستأنِسُوا ويُسلِّموا على أهلها،
والاستئناس هنا: الاستئذان، وهي في قراءة بعضٍ السلف كذلك، ثم رفع
عنهم الجُناح في دخول البيوت غيرِ المسكونة لأخذ متاعهم، فدلَّ ذُلك على
جواز الدخول إلى بيت غيره وأرضه غيرِ المسكونة، لأخذ حقِّه من الماء
والكلأ، فهذا ظاهرُ القرآن، وهُوَ مقتضى نص أحمد وبالله التوفيق.
فإن قيل: فما تقولُون في بيع البئر والعين نفسها: هل يجوزُ؟ قال الإِمام
أحمد: إنما نهي عن بيع فضل ماء البئر والعيون في قراره، ويجوز بيع البئر
نفسِها والعين، ومشتريها أحقُّ بمائها، وهذا الذي قاله الإمام أحمد هو الذي
دلّت عليه السنة، فإن النبيَّ ◌َِّ قال: ((مَنْ يَشْتَرِي بِثْرَ رُومَةَ يُوَسِّعُ بِهَا عَلَى
يجوز بيع البئر والعين
ومشتريها أحق بمائها
شراء عثمان بئر رومة
٧١٣

المُسلِمِينَ وَلَهُ الجَنَّةُ)) (١) أو كما قال، فاشتراها عثمانُ بن عفان رضي الله عنه
مِن يهودي بأمرِ النبيِّ ◌َّهُ وَسبَّلَها لِلمُسلِمِينَ وكان اليهوديُّ يِبِيعُ ماءَها. وفي
الحديث أن عثمان رضي الله عنه اشترى منه نصفها باثني عشر ألفاً، ثم قال
لليهودي: اختر إما أن تأخُذَهَا يوماً وآخذَهَا يوماً، وإما أنْ تَنْصِبَ لك عليها
دلواَ، وأَنْصِبَ عليها دلواً، فاختار يوماً ويوماً، فكان الناسُ يستقون منها في
يوم عثمان لِليومين، فقال اليهوديُّ: أفسدتَ عليَّ بئري، فاشتر باقيها،
فاشتراه بثمانية آلاف، فكان في هذا حجةٌ على صحة بيع البئر وجوازٍ شرائها،
وتسبيلها، وصحةٍ بيع ما يُسقى منها، وجواز قسمةِ الماء بالمهايأة، وعلى
كون المالك أحقَّ بمائها، وجواز قسمة ما فيه حق وليس بمملوك.
كان إقرار اليهودي على
بيع الماء في أول الإسلام
فإن قيل: فإذا كان الماءُ عندكم لا يملك، ولكل واحد أن يستقي منه
حاجته، فكيف أمكن اليهودي تحجُّرَه حتى اشترى عثمانُ البترَ وسبَّلَها، فإن
قلتم: اشترى نفسَ البئر وكانت مملوكةً، ودخل الماءُ تبعاً، أشكل عليكم مِن
وجه آخر وهو أنكم قررتم أنه يجوزُ للرجل دخولُ أرض غيره لأخذ الكلأ
والماء، وقضيةُ بئر اليهودي تدل على أحد أمرين ولا بُد، إما ملك الماء
بملك قراره، وإما على أنه لا يجوز دخولُ الأرض لأخذ ما فيها من المباح
إلا بإذن مالكها.
قيل: هذا سؤال قوي، وقد يتمسك به من ذهب إلى واحد مِن هُذينٍ
المذهبين، ومن منع الأمرين، يُجيب عنه بأن هذا كان في أوَّلِ الإِسلام،
وحين قدم النبي ◌َّله وقبل تقرر الأحكام، وكان اليهود إذ ذاك لهم شوكةٌ
بالمدينة، ولم تكن أحكامُ الإِسلام جاريةً عليهم، والنبيُّ م ◌ّ لما قدم،
صالحهم، وأقرَّهم على ما بأيديهم، ولم يتعرَّض له، ثم استقرت الأحكام،
(١) انظر الترمذي (٣٧١٤) والنسائي ٢٣٥/٦، والبيهقي ١٦٨/٦، وشرح السنة
٢٨٩/٨.
٧١٤

وزالت شوكةُ اليهود لعنهم الله، وجرت عليهم أحكامُ الشريعة، وسياق قصة
لهذه البئر ظاهر في أنها كانت حينَ مقدم النبيِّ ◌َّ المدينة في أول الأمر.
فصل
وأما المياهُ الجاريةُ، فما كان نابعاً مِن غير ملك كالأنهار الكبار وغير ذلك،
لم يُملك بحال، ولو دخل إلى أرض رجل، لم يملكه بذلك وهو كالطير يدخل
إلى أرضه، فلا يملك بذلك، ولكل واحد أخذُه وصيده، فإن جعل له في أرضه
مصنعاً أو بركة يجتمع فيها، ثم يخرج منها، فهو كنقع البئر سواء، وفيه من النزاع
ما فيه وإن كان لا يخرج منها، فهو أحقُّ به للشرب والسقي، وما فضل عنه،
فحكمه حكم ما تقدم.
هل يملك ماء البرك
والمصانع؟
وقال الشيخ في ((المغني)): وإن كان ماءٌ يسيرٌ في البركة لا يخرج منها،
فالأولى أنه يملكه بذلك على ما سنذكره في مياه الأمطار.
ثم قال: فأما المصانعُ المتخذة لمياه الأمطار تجتمعُ فيها ونحوها مِن البرك
وغيرها، فالأولى أن يُملك ماؤها، ويصح بيعه إذا كان معلوماً، لأنه مباح حصله
في شيءٍ مُعَدِّ له، فلا يجوز أخذُ شيء منه إلا بإذن مالكه.
وفي هذا نظر، مذهباً ودليلاً، أما المذهبُ، فإن أحمد قال: إنما نهى عن
بيع فضل ماء البئر والعيون في قراره، ومعلوم أن ماءَ البئر لا يُفارقها، فهو كالبركة
التي اتخذت مقراً كالبئر سواء، ولا فرقَ بينهما، وقد تقدم مِن نصوص أحمد ما
يدل على المنع مِن بيع هذا، وأما الدليل فما تقدم من النُّصوص التي سقناها،
وقوله في الحديث الذي رواه البخاري في وعيد الثلاثة، ((والرَّجُلُ عَلَىْ فَضْلِ مَاءٍ
يَمْنَعُهُ ابْنَ السَّبِيلِ)) ولم يُفرق بين أن يكونَ ذُلك الفضلُ في أرضه المختصة به، أو
في الأرض المباحة، وقوله: ((النَّاسُ شُرَكَاءُ في ثَلاَثٍ)) ولم يشترط في لهذه الشركة
كون مقره مشتركاً، وقوله وقد سئل: ما الشيء الذي لا يَحِلُّ منعه؟ فقال: الماء،
ولم يشترط كون مقره مباحاً، فهذا مقتضى الدليل في هذه المسألة أثراً ونظراً.
٧١٥

ذِكرُ حُكمٍ رسولِ الله ◌ِ﴾ في
منع الرجلِ مِن بيع ماليس عنده
في ((السُّنَنِ)) و((المسند)) من حديث حكيم بن حزام قال: قلتُ يا رسولَ اللّهِ
يأتيني الرجلُ يسألني من البيع ما ليس عندي، فأبيعه منه، ثم أبتاعُه مِن السوق،
فقال ((لا تَعْ مَا لَيسَ عِنْدَكَ)) (١) قال الترمذي: حديث حسن.
وفي ((السنن)) نحوه من حديث ابن عمرو رضي الله عنه، ولفظه: ((لاَ يَحِلُّ
سَلَفٌ وَبَيْعٌ، وَلاَ شَرْطَانِ فِي بَيْعٍ، وَلاَ رِبْحُ مَا لَمْ يُضْمَنْ، ولاَ بَيْعُ مَا لَيْسَ عِنْدَكَ))(٢)
قال الترمذي: حديث حسن صحيح.
فاتفق لفظُ الحديثين على نهيه بَّ عن بيع ما ليس عنده، فهذا هو المحفوظُ
مِن لفظه ◌َُّ وهو يتضمن نوعاً مِن الغَرَرِ، فإنَه إذا باعه شيئاً معيناً، ولَيس في
ملكه، ثم مضى لِيشتريه، أو يسلمه له، كان متردداً بينَ الحصول وعدمه، فكان
غرراً يشبه القِمَار، فَنُّهِيَ عنه.
وقد ظنَّ بعضُ الناس أنه إنما نهى عنه، لكونه معدوماً، فقال: لا يَصِحُّ بِعُ
المعدوم، وروى في ذُلك حديثاً أَنْه ◌ََّ نهى عَنْ بَيْعِ المَعْدُومِ، وهذا الحديثُ لا
يُعرف في شيء مِن كتب الحديث، ولا له أصل، والظاهر أنه مروي بالمعنى من
لهذا الحديث، وغَلِطَ مَنْ ظَنَّ أن معناهما واحد، وأن لهذا المنهي عنه في حديث
حكيم وابن عمرو رضي الله عنه لا يلزمُ أن يكون معدوماً، وإن كان، فهو معدوم
خاص، فهو كبيع حَبَلِ الحَبَلةِ وهو معدوم يتضمن غرراً وتردداً في حصوله.
والمعدوم ثلاثةٌ أقسام: معدوم موصوف في الذمة، فهذا يجوز بيعُه اتفاقاً،
أقسام المعدوم
(١) أخرجه الترمذي (١٢٣٢) وأبو داود (٣٥٠٣) والنسائي ٢٨٩/٧، وإسناده صحيح.
(٢) أخرجه أحمد (٦٦٢٨) و(٦٦٧١) وأبو داود (٣٥٠٤) والنسائي ٢٨٨/٧، والطيالسي
(٢٢٥٧) وابن ماجه (٢١٨٨) وسنده حسن، وقال الترمذي: حسن صحيح.
٧١٦

وإن كان أبو حنيفة شرط في هذا النوع أن يكون وقت العقد في الوجود من حيثُ
الجملةُ، وهذا هو السَّلَمُ، وسيأتي ذكره إن شاء الله تعالى.
أولها بيع السلم
والثاني: معدوم تبع للموجود، وإن كان أكثرَ منه وهو نوعانِ: نوع متفق
عليه، ونوع مختلَف فيه، فالمتَّفَق عليه بيعُ الثمار بعد بدو صلاح ثمرة واحدة
منها، فاتفق الناسُ على جواز بيع ذلك الصنف الذي بدا صلاحُ واحدة منه، وإن
كانت بقية أجزاء الثمار معدومةً وقتَ العقد، ولكن جاز بيعها تبعاً للموجود، وقد
يكون المعدومُ متصلاً بالموجود، وقد يكون أعياناً أخر منفصلة عن الوجود لم
تُخلق بعد.
ثانيها بيع الثمار بعد بدو
صلاحها
والنوع المختلف فيه كبيع المقائىء والمباطخ إذا طابت، فهذا فيه قولان،
أحدهما: أنه يجوزُ بيعُها جملة، ويأخذها المشتري شيئاً بعد شيء، كما جرت به
العادة، ويجري مجرى بيع الثمرة بعد بُدُوِّ صلاحها، وهذا هو الصحيحُ مِن
القولين الذي استقر عليه عمل الأمة، ولا غنى لهم عنه، ولم يأتِ بالمنع منه كتابٌ
ولا سنة ولا إجماع، ولا أثر ولا قياس صحيح، وهو مذهب مالك وأهل المدينة،
وأحد القولين في مذهب أحمد، وهو اختيارُ شيخ الإسلام ابن تيمية .
الاختلاف في بيع
المقاشىء والمباطخ إذا
طابت
والذين قالوا: لا يُباع إلا لُقْطَةً لُقْطَةً لا ينضبِطُ قولُهم شرعاً ولا عُرفاً ويتعذَّرُ
العملُ به غالباً، وإن أمكن، ففي غاية العسر، ويؤدي إلى التنازع والاختلاف
الشديد، فإن المشتري يُريد أخذَ الصغارِ والكِبار، ولا سيما إذا كان صغاره أطيب
من كباره، والبائع لا يُؤثر ذلك، وليس في ذلك عرف منضبط، وقد تكون المقئأة
كثيرةٌ، فلا يستوعِبُ المشتري اللُّقطة الظاهرة حتى يحدث فيها لُقطة أخرى،
ويختلط المبيع بغيره، ويتعذَّرُ تمييزُه، ويتعذر أو يتعسَّر على صاحب المقشأة أن
يُحْضِرَ لها كُلَّ وقت مَن يشتري ما تجدّد فيها، ويُفرده بعقد، وما كان هكذا، فإن
الشريعة، لا تأتي به، فهذا غيرُ مقدورٍ ولا مشروع، ولو أُلزم الناسُ به، لفسدت
أموالُهم وتعطّلت مصالِحُهمْ ثم إنَّه يتضمن التفريقَ بينَ متماثلين مِن كل الوجوه،
فإن بُدو الصَّلاحِ في المقائىء بمنزلة بُدوِّ الصلاح في الثمار، وتلاحقُ أجزائها
٧١٧

كتلاحُقِ أجزاءِ الثِّمارِ، وجَعْلُ ما لم يُخلق منها تبعاً لما خُلِقَ في الصورتين واحدٌ،
فالتَفريقُ بينهما تفريق بين متماثلين.
ولما رأى هؤلاء ما في بيعها لُقْطَةً لُقْطَةً مِن الفساد والتعدُّرِ قالوا: طريقُ رفع
ذلك بأن يبيعَ أصلَها معها، ويقال: إذا كان بيعُها جملةً مفسدة عندكم، وهو بيعٌ
معدوم وغرر، فإن هذا لا يرتفعُ ببيع العروقِ التي لا قيمة لها، وإن كان لها قيمة،
فيسيرة جداً بالنسبة إلى الثمن المبذول، وليس للمشتري قصدٌ في العروق، ولا
يدفع فيها الجملةَ مِن المال، وما الذي حصل ببيع العُروق معها مِن المصلحة لهما
حتى شرط، وإذا لم يكن بيعُ أصول الثمارِ شرطاً في صِحة بيع الثمرة المتلاحقةِ
كالتينِ والثّوت وهي مقصودة، فكيف يكونُ بيعُ أصولِ المقائىء شرطاً في صحة
بيعها وهي غيرُ مقصودةٍ، والمقصودُ أن هذا المعدومَ يجوزُ بيعُه تبعاً للموجود،
ولا تأثيرَ للمعدُومِ، وهُذا كالمنافع المعقودِ عليها في الإِجارة، فإنها معدومة،
وهي مورد العقدَ، لأنها لا يُمكِنُ أن تَحْدُثَ دفعةً واحدة، والشَرائعُ مبناها على
رعاية مصالح العباد، وعدم الحجر عليهم فيما لا بُدَّ لهم منه، ولا تتمُّ مصالِحُهم
في معاشهم إلا به.
فصل
الثالث: معدوم لا يُدرى يحصُل أو لا يحصل، ولا ثقة لبائعه بحصوله، بل
يكونُ المشتري منه على خطر، فهذا الذي منع الشارعُ بيعَه لا لِكونه معدوماً، بل
لكونه غَرَراً، فمنه صورةُ النهي التي تضمنها حديثُ حكيم بن حزام وابن عمر
رضي الله عنهما، فإن البائعَ إذا باعَ ما ليس في مُلكه، ولا له قُدرة على تسليمه،
ليذهب ويحصله، ويسلمه إلى المشتري، كان ذلك شبيهاً بالقمار والمخاطرة مِن
غير حاجة بهما إلى هذا العقدِ، ولا تتوقّفُ مصلحتُهما عليه، وكذلك بيعُ حَبَلٍ
الحَبَلَةِ - وهو بيعُ حمل ما تحمِلُ ناقتُه -، ولا يختصُّ هذا النهي بحمل الحمل،
بل لو باعه ما تحمِلُ ناقتُه أو بقرتُه أو أمتُه، كان مِن بيوع الجاهلية التي يعتادونها،
وقد ظنَّ طائفة أن بيعَ السَّلَمِ مخصوصٌ مِن النهي عن بيع ما ليسَ عنده، وليس هو
الثالث من أقسام المعدوم
التفريق بين هذا وبين
السلم
٧١٨

كما ظُّوه، فإن السلمَ يرد على أمر مضمون في الذمة، ثابتٍ فيها، مقدورٍ على
تسليمه عند محله، ولا غرر في ذلك، ولا خطر، بل هو جعل المال في ذمة
المسلَّم إليه، يجب عليه أداؤُه عند محله، فهو يُشبه تأجيلَ الثمن في ذمة
المشتري، فهذا شغلٌ لِذمة المشتري بالثمن المضمون، وهذا شغلٌ لذمة البائع
بالمبيع المضمون، فهذا لون، وبيعُ ما ليس عنده لونٌ، ورأيتُ لشيخنا في هذا
الحدیث فصلاً مفيداً وهذه سیاقته.
قال: للناس في هذا الحديثِ أقوالٌ قيل: المرادُ بذلك أن يبيعَ السِّلعةَ
المعينة التي هي مال الغير، فيبيعُها، ثم يتملَّكُها، ويُسلمها إلى المشتري،
والمعنى: لا تَبَعْ ما ليسَ عِنْدَك من الأعيان، ونقل لهذا التفسير عن الشافعي، فإنه
يُجوِّز السلمَ الحال، وقد لا يكون عند المسلم إليه ما باعه، فحمله على بيع
الأعيان، ليكون بيع ما في الذمة غَير داخل تحته سواءً كان حالاً أو مؤجلاً.
وقال آخرون: هذا ضعيفٌ جداً، فإن حكيم بن حزام ما كان يبيع شيئاً معيناً
هو ملك لغيره، ثم ينطلِقُ فيشتريه منه، ولا كان الذين يأتونه يقولون: نطلبُ عبد
فلان، ولا دارَ فلان، وإنما الذي يفعلُه الناسُ أن يأتيَه الطالبُ، فيقولُ: أريدُ
طعاماً كذا وكذا، أو ثوباً كذا وكذا، أو غير ذلك، فيقول: نعم أعطيك، فيبيعه
منه، ثم يذهب، فيحصله من عند غيره إذا لم يكن عنده، هذا هو الذي يفعلُه من
يفعلُه مِن الناس، ولهذا قال: ((يأتيني فيطلب مني المبيع ليس عندي)) لم يقل
يطلب مني ما هو مملوك لغيري، فالطالبُ طلب الجنسَ لم يطلُبْ شيئاً معيناً، كما
جرت به عادةُ الطالب لما يُؤكل ويُلبس ويُركب، إنما يطلب جنس ذلك، ليس له
غرض في ملك شخص بعينه دون ما سواه، مما هو مثلُه أو خيرٌ منه، ولهذا صار
الإِمامُ أحمد وطائفةٌ إلى القول الثاني، فقالوا: الحديثُ على عمومه يقتضي النهي
عن بيع ما في الذمة إذا لم يكن عنده، وهو يتناول النهي عن السَّلم إذا لم يكن
عنده، لكن جاءت الأحاديثُ بجوازِ السَّلَمِ المؤجلِ، فبقي هذا في السَّلَمِ الحالِ.
والقول الثالث - وهو أظهر الأقوال -: إن الحديثَ لم يرد به النهي عن
٧١٩
كلام لابن تيمية عن
حديث النهي عن بيع ما
ليس عندك

السلم المؤجَّل، ولا الحال مطلقاً، وإنما أريد به أن يبيعَ ما في الذمة مما ليس هو
مملوكاً له، ولا يقدِرُ على تسليمه، ويربح فيه قبل أن يَملِکه، ويضمنه، ويقدر
على تسليمه، فهو نهي عن السلم الحال إذا لم يكن عند المستسلِفِ ما باعه، فلیزم
ذمته بشيء حالٌّ، ويربح فيه، وليس هو قادراً على إعطائه، وإذا ذهب يشتريه،
فقد يحصُل وقد لا يحصُل، فهو مِن نوع الغرر والمخاطرة، وإذا كان السلم حالاً،
وجب عليه تسليمُه في الحال، وليس بقادرٍ على ذلك، ويربح فيه على أن يَملكه
ويضمنه، وربما أحاله على الذي ابتاع منه، فلا يكونُ قد عمل شيئاً، بل أكل المال
بالباطل، وعلى هذا فإذا كان السَّلم الحالُّ والمسلم إليه قادراً على الإِعطاء، فهو
جائز، وهو كما قال الشافعي إذا جاز المؤجّل، فالحالُّ أولى بالجواز.
ومما يُبين أن هذا مرادُ النبيِّ ◌َّ أن السائل إنما سأله عن بيع شيء مطلق في
الذمة كما تقدم، لكن إذا لم يجز بيعُ ذُلك، فبيعُ المعين الذي لم يملكْه أولى
بالمنع، وإذا كان إنما سأله عن بيع شيء في الذمة، فإنما سأله عن بيعه حالاً، فإنه
قال: أبيعُه، ثم أذهب فأبتاعه، فقال له: ((لاَ تَبْع ما لَيْس عِنْدَكَ))، فلو كان السلفُ
الحال لا يجوزُ مطلقاً، لقال له ابتداء: لا تبع هذا سواء كان عنده أو ليس عنده،
فإن صاحبَ هذا القول يقول: بيعُ ما في الذمة حالاً لا يجوز، ولو كان عنده ما
يُسلمه، بل إذا كان عنده، فإنه لا يبيع إلا معيناً لا يبيع شيئاً في الذمة، فلما لم ينه
النبيُّ نَّهُ عن ذلك مطلقاً، بل قال: ((لاَ تَبَعْ ما ليس عندك))، علم أنه ◌َّ فرَّق بين
ما هو عنده ويملِكه ويقدِر على تسليمه، وما ليس كذلك، وإن كان كلاهما في
الذمة.
ومن تدبَّر هذا تبيَّن له أن القولَ الثالثَ هو الصوابُ، فإن قيل: إن بيعَ
المؤجَّل جائزٌ للضرورة وهو بيعُ المفاليس، لأن البائع احتاج أن يبيعَ إلى أجل،
وليس عنده ما يبيعه الآن، فأما الحال، فيمكنه أن يحضر المبيع فيراه، فلا حاجة
إلى بيع موصوف في الذمة، أو بيع عين غائبة موصوفة لا يبيع شيئاً مطلقاً؟. قيل:
٧٢٠