Indexed OCR Text
Pages 661-680
جَمَلُوهُ ثُمَّ بَاعُوهُ فَأَكلوا ثَمَنَهُ)) (١). وفيهما أيضاً: عن ابن عباسٍ، قال: بَلِغَ عُمَرَ رضي الله عنه أنَّ سَمُرَةَ باع خمراً، فقال: قاتلَ اللّهُ سَمُرَةَ، ألم يعلمْ أنَّ رسولَ اللّهِ بِ لَّه قال: ((لَعَنَ اللّهُ اليَهُودَ حُرِّمَتْ عَلَيْهِمُ الشُّحُومُ، فَجَمَلُوهَا فَبَاعُوهَا))(٢). فهذا من ((مسند عمر)) رضي الله عنه، وقد رواه البيهقيُّ، والحاكم في ((مستدركه))، فجعلاه من ((مسند ابن عباس))، وفيه زيادة، ولفظه: عن ابن عباس، قال: كان النبيُّ ◌ََّ في المسجد، يعني الحرامَ، فرفع بصرَهُ إلى السماءِ فتبسَّم، فقال: ((لَعَنَ اللّهُ الَّهُودَ، لَعَنَ اللّهُ اليَهُودَ، لَعَنَ اللّهُ الَّهُودَ، إِنَّ اللّهَ عَزَّ وجَلَّ حَرَّمَ عَلَيْهِمُ الشُّحُومَ، فَبَاعُوهَا، وَأَكَلُوا أَثْمانها، إنَّ اللّهَ إِذَا حَرَّمَ عَلَى قَوْمٍ أَكْلَ شَيءٍ حَرَّمَ عَلَيْهِمْ ثَمَنَهُ)) (٣) وإسناده صحيح، فإن البيهقي رواه عن ابن عبدان، عن الصفار، عن إسماعيل القاضي، حدثنا مُسدّد، حدثنا بشر بن المفضل، حدثنا خالد الحذَّاء، عن بركة أبي الوليد، عن ابن عباس. وفي ((الصحيحين)) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. نحوه، دون قوله: (إن اللّهَ إذا حَرَّم أَكْلَ شَيءٍ حَرَّمَ ثَمَنَهُ)). فاشتملت هذه الكلمات الجوامع على تحريم ثلاثة أجناس: مشاربَ تُفْسِدُ العقول، ومطاعِمَ تُفْسِدُ الطِّبَاعِ وتغذِّي غذاءً خبيثاً؛ وأعيانٍ تُفْسِدُ الأديان، وتدعو إلى الفتنةِ والشِّرْك. أجناس المحرمات - (١) أخرجه البخاري ٣٥١/٤، ٣٥٢ في البيوع: باب بيع الميتة والأصنام ومسلم (١٥٨١) في المساقاة: باب تحريم بيع الخمر والميتة. (٢) أخرجه البخاري ٣٤٤/٤ في البيوع: باب لا يذاب شحم الميتة ولا يباع، ومسلم (١٥٨٢). (٣) أخرجه البيهقي في ((السنن)) ١٣/٦، وأخرجه أيضاً أبو داود (٣٤٨٨) في الإجارة: باب ثمن الخمر والميتة، وإسناده صحيح كما قال المصنف رحمه الله. ٦٦١ فصانَ بتحريم النوع الأول العقولَ عما يُزيلها ويُفْسِدُها، وبالثاني: القلوبَ عما يُفْسِدها من وُصُولِ أثرِ الغذاءِ الخبيثِ إليها، والغاذي شبيهٌ بالمغتذي، وبالثالث: الأديانَ عما وُضِعَ لاِفسادها. فتضمن هذا التحريمُ صِيَانةَ العقولِ والقلوبِ والأديان. ولكن الشَّأنَ في معرفة حدود كلامه صلوات الله عليه، وما يدخل فيه، وما لا يدخل فيه، لِتستبين عمومُ كلماته وجَمْعِهَا، وتناوُلِها لجميع الأنواع التي شَمِلَها عمومُ كلماتِهِ، وتأويلها بجميع الأنواع التي شَمِلَها عمومُ لفظه ومعناه، وهذه خاصِيَّةُ الفهم عن اللّهِ ورسولهِ التي تفاوت فيه العلماءُ، ويُؤتيه اللّهُ من يشاء. تحريم بيع الخمر فأمَّا تحريمُ بيعِ الخمرِ، فيدخل فيه تحريمُ بيعِ كلِّ مسكر، مائعاً كان، أو جامداً، عصيراً، أو مطبوخاً، فيدخل فيه عَصيرُ العِنَبِ، وخَمرُ الزبيبِ، والتمر، والذُّرَةِ، والشَّعِيرِ، والعَسَلِ والحِنْطَةِ، واللقمةِ الملعونة، لقمة الفسق والقلب التي تُحرِّك القلبَ الساكنَ إلى أَخبثِ الأماكن، فإن هذا كُلَّهِ خَمْرٌ بنص رسول الله ◌ِص ◌َل الصحيح الصَريح الذي لا مَطْعَنَ في سنده، ولا إجمالَ في متنه، إذ صح عنه قوله: (كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْر))(١). وصح عن أصحابه رضي الله عنهم الذين هم أعلمُ الأُمَّةِ بخطابه ومُراده: أنَّ الخَمْرَ مَا خَامَرَ العَقْلَ(٢) فدخولُ هذه الأنواع تحت اسم الخمر، كدخول جميع أنواع الذهب والفضَّةِ، والبُرِّ والشعيرِ، والتمرِ والزبيب، تحت قوله: ((لا تبيعوا (١) أخرجه مسلم (٢٠٠٣) في الأشربة: باب بيان أن كل مسكر خمر، وأبو داود (٣٦٧٩) والترمذي (١٨٦٢)، والنسائي ٢٩٧/٨، وابن ماجه (٣٣٩٠) وأحمد ١٦/٢، ٢٩ و ٣١ و١٠٥ و١٣٤ و١٣٧ من حديث ابن عمر رضي الله عنه. (٢) أخرجه البخاري ٤٠/١ من قول عمر رضي الله عنه أنه خطب على منبر رسول الله وخديعة فقال: إنه قد نزل تحريم الخمر وهي من خمسة أشياء: العنب والتمر والحنطة والشعير والعسل. ٦٦٢ الذهبَ بالذهب، والفِضةَ بالفضة، والبُرَّ بالبُرِّ، والشَّعيرَ بالشَّعيرِ، والتمرَ بالتمرِ، والملحَ بالملح إلا مِثْلاً بمثل)) (١). فكما لا يجوز إخراجُ صِنْف من هذه الأصناف عن تناول اسمه له، فهكذا لا يجوزُ إخراجُ صِنف من أصناف المسكر عن اسم الخمر، فإنه يتضمَّن محذورين. أحدهما: أن يُخْرَجَ مِن كلامه ما قصَدَ دخوله فیه. والثاني: أن يُشرع لذلك النوعِ الذي أخرج حكمٌ غير حكمه، فيكون تغييراً لألفاظ الشارع ومعانيه، فإنه إذا سمَّى ذلك النوعَ بغير الاسم الذي سَمَّاه به الشارع، أزال عنه حكم ذلك المسمَّى، وأعطاه حكماً آخر. ولما علم النبيُّ ◌َّ أن مِنْ أُمَتِهِ مَنْ يُبْتَلى بهذا، كما قال: ((ليَشْرَبِنَّ ناسٌ مِنْ أُمَتي الخَمْرَ يُسَمُّونَها بِغَيْرِ اسْمِها)»(٢). قضى قضيةً كليةً عامةً لا يتطرّق إليها إجمال، وَلاَ احتمال، بل هي شافيةٌ كافيةٌ، فقال: ((كُلُّ مُشْكِرٍ خَمْر))، هذا ولو أن أبا عُبَيدة، والخليلَ وأضرابَهما مِن أئمة اللغة ذكروا لهذه الكلمة هكذا، لقالوا: قد نصَّ أئمةُ اللغة على (١) أخرجه الشافعي ١٧٧/٢، ١٧٨، ومسلم (١٥٨٧) في المساقاة: باب الصرف. وأبو داود (٣٣٤٩) والترمذي (١٢٤٠) والنسائي ٢٧٤/٧، ٢٧٥ من حديث عبادة بن الصامت . (٢) حديث صحيح أخرجه أحمد ٣٤٢/٥، وأبو داود (٣٦٨٨) في الأشربة: باب في الداذيّ، وابن ماجه (٤٠٢٠) في الفتن: باب العقوبات وابن حبان (١٣٨٤) من حديث أبي مالك الأشعري، وفي سنده مالك بن أبي مريم الحكمي لم يوثقه غير ابن حبان، وباقي رجاله ثقات، وله شاهد من حديث ابن محيريز، عن ثابت بن السمط، عن عبادة بن الصامت عند أحمد ٣١٨/٥، وابن ماجه (٣٣٨٥) ولفظ أحمد ((ليستحلن طائفة من أمتي الخمر بإسم يسمونها إياه)) وسنده جيد كما قال الحافظ في ((الفتح)) ١٠/ ٤٤، لكن أخرجه النسائي ٣١٢/٨، ٣١٣، وأحمد ٢٣٧/٤ من وجه اخر عن ابن محيريز فقال: عن رجل من الصحابة ... وسنده صحيح، وله شاهد آخر من حديث أبي أمامة عند ابن ماجه (٣٣٨٤) وأبي نعيم في ((الحلية)) ٩٧/٦، وسنده حسن في الشواهد، وثالث من حديث ابن عباس عند الطبراني في ((الكبير)) ٢/١١٤/٣، وهو حسن في الشواهد. ٠٫٠ ٦٦٣ . أنَّ كُلَّ مسكرٍ خمر، وقولُهم حجة، وسيأتي إن شاء الله تعالى عندَ ذِكْرِ هَذْبِه في الأطعمة والأشربة مزيدُ تقرير لهذا(١)، وأنه لو لم يتناوله لفظُه، لكان القياسُ الصريح الذي استوى فيه الأَصلُ والفرعُ مِن كل وجه حاكماً بالتسوية بين أنواع المسكر في تحريم البيع والشُّرْب، فالتفريقُ بينَ نوع ونوع، تفريقٌ بين متماثلين من جميع الوجوه. فصل تحريم بيع الميتة وأما تحريمُ بيع الميتة، فيدخل فيه كُلُّ ما يسمَّى ميتةً، سواء مات حتف أنفه، أو ذُكِّيَ ذَكَاةً لا تُفيد حِلَّه. ويدخل فيه أبعاضُها أيضاً، ولهذا استشكل تحريم بيع شحم الميتة الصحابةُ رضي الله عنهم تحريمَ بيع الشحم، مع ما لهم فيه من المنفعة، فأخبرهم النبيُّ وََّ أنَّه حرامٌ وإن كان فيه ما ذكروا مِن المنفعة وهذا موضعٌ اختلف الناسُ فيه لاختلافهم في فهم مرادِهِ مَّ، وهو أنَّ قوله: ((لا، هوَ حرام)»: هل هو عائد إلى البيع، أو عائد إلى الأفعال التي سألوا عنها؟ فقال شيخُنا: هو راجع إلى البيع، فإنه ◌َِّ لَمَّا أخبرهم أنَّ اللّهَ حَرَّم بيع الميتة، قالوا: إن في شحومها مِن المنافع كذا وكذا، يعنون، فهل ذلك مسوغ لبيعها؟ فقال: ((لا، هو حَرَام)). قلت: كأنهم طلبوا تخصيصَ الشحوم من جملة الميتة بالجواز، كما طلب العباسُ رضي الله عنه تخصيصَ الإِذْخِرِ مِن جملة تحريم نَبَات الحَرَمِ بالجواز، فلم یجبهم إلى ذلك، فقال: ((لا، هو حرام)). وقال غيره من أصحاب أحمد وغيرهم: التحريمُ عائد إلى الأفعال المسؤول عنها، وقال: هو حرام، ولم يقل: هي، لأنه أراد المذكورَ جميعَه، ويرجح قولهم عود الضمير إلى أقرب مذكور، ويرجحه من جهة المعنى أن إباحة هذه الأشياء (١) لم يذكر شيئاً من ذلك فيما بعد، وليس في الأصول ما ينبىء عن وجود سقط فيها، ويغلب على الظن أنه رحمه الله كان في نيته أن يكتب أكثر من بحث يكمل به الكتاب، ولكن عاقه عن ذلك عوائق، فاكتفى بما تيسر له، والله أعلم. ٦٦٤ ذريعةٌ إلى اقتناء الشحوم وبيعها، ويُرجحه أيضاً: أن في بعض ألفاظ الحديث، فقال: ((لا، هي حرام))، وهذا الضمير إما أن يرجع إلى الشحوم، وإما إلى هذه الأفعال، وعلى التقديرين، فهو حُجَّةٌ على تحريم الأفعال التي سألوا عنها. ويرجحه أيضاً قولُه في حديث أبي هريرة رضي الله عنه في الفأرة التي وقعت في السمن: ((إِنْ كَانَ جَامِداً فَأَقُوهَا ومَا حَوْلها وكُلُوهُ، وإنْ كَانَ مَائِعاً فَلا تَقْرَبُوهُ))(١). وفي الانتفاع به في الاستصباح وغيره قُربان له. ومن رجَّح الأول يقول: ثَبَتَ عن النبيِّ ◌َ﴿ أنه قال: ((إنَّما حَرُمَ مِنَ المَيْنَةِ أَكْلُها))(٢)، وهذا صريحٌ في أنه لا يحرم الانتفاعُ بها في غير الأكل، كالوقيدِ، وسَدِّ البُتوقِ، ونحوهما. قالوا: والخبيث إنما تحرُمُ ملابسته باطناً وظاهراً، كالأكل واللُّبْس، وأما الانتفاعُ به من غير مُلابسة، فَلِأِيِّ شيءٍ يحرم؟ قالوا: ومن تأمل سياقَ حديث جابر، علم أن السؤالَ إنما كان منهم عن البيع، وأنَّهم طلبوا منه أن يُرخِّص لهم في بيع الشحوم، لما فِيها من المنافع، فأبى عليهم، وقال: ((هو حرام))، فإنهم لو سألوه عن حكم هذه الأفعال، لقالوا: أرأيتَ شحومَ الميتة، هل يجوز أن يَستصبحَ بها الناسُ، وتُدهَنَ بها الجلودُ؛ ولم يقولوا: فإنه يفعل بها كذا وكذا، فإن هذا إخبار منهم، لا سؤال، وهم لم يُخبروه بذلك عقيبَ تحريم هذه الأفعال عليهم، ليكون قوله: ((لا، هو حرام)» صريحاً في تحريمها، وإنما أخبروه به عقيبَ تحريم بيع الميتة، فكأنهم طلبوا منه أن يرخِّص لهم في بيع الشحوم لهذه المنافع التي ذكروها، فلم يفعل. ونهايةُ الأمر أن الحديثَ يحتمل الأمرين، فلا يحرم ما لم يعلمْ أنَّ الله ورسوله حَرَّمه. قالوا: وقد ثبت عنه أنه نهاهم عن الاستسقاء مِن آبار ثمود، وأباح لهم أن (١) أخرجه أحمد ٢٣٣/٢، و٢٦٥ و٤٩٠، وأبو داود (٣٨٤٢) في الأطعمة: باب في الفأرة تقع في السمن، وإسناده صحيح. (٢) أخرجه البخاري ٩/ ٥٦٧ في الذبائح: باب جلود الميتة. ٦٦٥ يُطْعِمُوا ما عجنُوا مِنه من تلك الآبار للبهائم(١)، قالوا: ومعلوم أن إيقادَ النجاسةِ والاستصباحَ بها انتفائٌ خالٍ عن هذه المفَسْدَةِ، وعن ملابستها باطناً وظاهراً، فهو نَفْعٌ مَحْضٌ لا مفسدة فيه. وما كان هكذا، فالشريعةُ لا تحرِّمه، فإن الشريعة إنما تحرِّم المفاسدَ الحالصةَ أو الراجحةَ، وطرقَها وأسبابها الموصلةَ إليها. قالوا: وقد أجاز أحمد في إحدى الروايتين الاستصباحَ بشحوم الميتة إذا خالطت دُهناً طاهراً، فإنه في أكثر الروايات عنه يجوز الاستصباحُ بالزيت النجِس، وطليُّ السفن به، وهو اختيارُ طائفة من أصحابه، منهم: الشيخ أبو محمد، وغيره، واحتج بأن ابن عمر أمر أن يُستصبحَ به . وقال في رواية ابنيه: صالح وعبد الله: لا يعجبني بيع النَّجِس، ویستصبحُ به إذا لم يمسوه، لأنه نجس، وهذا يعم النجِّسَ، والمتنجِّس، ولو قُدِّرَ أنه إنما أراد به المتنجِّس، فهو صريحٌ في القول بجواز الاستصباح بما خالطه نجاسة ميتة أو غيرها، وهذا مذهب الشافعي، وأيُّ فرق بين الاستصباح بشحم الميتة إذا كان منفرداً، وبين الاستصباح به إذا خالطه دهن طاهر فنجسه؟ فإن قيل: إذا كان مفرداً، فهو نَجِسُ العين، وإذا خالطه غيره تنجس به، فأمكن تطهيره بالغسل، فصار كالثوب النَّجِس، ولهذا يجوز بيع الدُّهْن المتنجِّس على أحد القولين دون دهن الميتة. قيل: لا ريبَ أنَّ هذا هو الفرق الذي عَوَّل عليه المفرِّقون بينهما، ولكنه ضعیف لوجهین . (١) أخرجه البخاري ٢٦٩/٦ في الأنبياء: باب قول الله تعالى ﴿وإلى ثمود أخاهم صالحاً﴾. ومسلم (٢٩٨١) في الزهد من حديث ابن عمر أن الناس نزلوا مع رسول الله محملة على الحجر أرض ثمود، فاستقوا من ابارها وعجنوا به العجين، فأمرهم رسول الله بعد أن يهريقوا ما استقوا، ويعلفوا الإبل العجين، وأمرهم أن يستقوا من البئر التي كانت تردها الناقة . ٦٦٦ أحدهما: أنه لا يعرف عن الإِمام أحمد، ولا عن الشافعي ألبتة غسل الدهن النجس، وليس عنهم في ذلك كلمةٌ واحدةٌ، وإنما ذلك من فتوى بعض المنتسبين، وقد رُوي عن مالك، أنه يَطْهُر بالغسل، هذه رواية ابن نافع، وابن القاسم عنه . الثاني: أن هذا الفرق وإن تأتَّى لأصحابه في الزيت والشيرج ونحوهما، فلا يتأتَّى لهم في جميع الأدهان، فإن منها ما لا يُمكن غسله، وأحمد والشافعي قد أطلقا القول بجواز الاستصباح بالدهن النجس من غير تفریق . وأيضاً فإنَّ هذا الفَرْق لا يُفيد في دفع كونه مستعملاً للخبيث والنجاسة، سواء كانت عينيةً أو طارئةً، فإنه إن حرم الاستصباح به لما فيه من استعمال الخبيث، فلا فرق، وإن حرم لأجل دُخان النجاسة، فلا فرق، وإن حرم لكون الاستصباح به ذريعة إلى اقتنائه، فلا فرق، فالفرق بين المذهبين في جواز الاستصباح بهذا دونَ هذا لا معنى له. وأيضاً فقد جوز جمهورُ العلماءِ الانتفاعَ بالسِّرقين النَّجس في عمارةِ الأرض للزَّرْعِ، والثمر، والبقل مع نجاسة عينِهِ، وملابسةِ المستعمل له أكثر من ملابسة الموقَدِ، وظهورِ أثره في البقول والزروع، والثمار، فوق ظهور أثر الوقيد، وإحالةٌ النار أتم من إحالة الأرض، والهواء والشمس للسِّرقين، فإن كان التحريم لأجل دُخَان النَّجَاسَةِ، فَمِن سَلَّمَ أن دُخَان النجاسةِ نجس، وبأيٍّ كتاب، أم بأيَّةِ سُنَّةٍ ثبت ذلك؟ وانقلابُ النجاسةِ إلى الدُّخَان أتمُّ من انقلابٍ عينِ السرقينِ والماءِ النجس ثمراً أو زرعاً، وهذا أمر لا يُشَكُّ فيه، بل معلوم بالحسِّ والمشاهدةِ، حتى جوز بعضُ أصحاب مالك، وأبي حنيفة رحمهما الله بَيْعَه، فقال ابن الماجشون: لا بأس ببيع العَذِرةِ، لأن ذلك من منافع الناس. وقال ابن القاسم: لا بأس ببيع الزِّبْل. قال اللخميُّ: وهذا يدل من قوله على أنه يرى بيع العَذِرةِ. وقال أشهب في الزِّبْل: المشتري أعذر فيه من البائع، يعني في اشترائه. وقال ابن عبد الحكم: لم ٦٦٧ يَعْذُرِ الله واحداً منهما، وهما سِيَّان في الإِثم. قلت: وهذا هو الصوابُ، وأن بيع ذلك حَرَامٌ وإن جاز الانتفاع به، والمقصود: أنه لا يلزم من تحريم بيع الميتة تحريمُ الانتفاع بها في غير ما حرَّم الله ورسولُه منها، كالوقيد، وإطعام الصقورِ والبُزاةِ وغير ذلك. وقد نص مالك على جواز الاستصباح بالزَّيْتِ النَّجس في غير المساجد، وعلى جوازِ عملِ الصابون منه، وينبغي أن يُعْلَمَ أنَّ بَابَ الانتفاعِ أوسعُ من بابِ البيعِ، فليس كُلُّ مَا حَرُم بيعه حَرُمَ الانتفاع به، بل لا تلازم بينهما، فلا يؤخذ تحريمُ الانتفاع مِن تحريم البيع . فصل ويدخل في تحريم بيع الميتة بيعُ أجزائها التي تحلُّها الحياة، وتُفارقها بالموت، كاللحم والشحم والعصب، وأما الشعرُ والوبرُ والصوف، فلا يدخل في ذلك، لأنه ليس بميتة، ولا تحله الحياة. وكذلك قال جمهورُ أهل العلم: إن شعور الميتة وأصوافها وأوبارَها طاهرة إذا كانت من حيوان طاهر، هذا مذهب مالك وأبي حنيفة وأحمد بن حنبل، والليث، والأوزاعي، والثوري، وداود، وابن المنذر، والمزني، ومن التابعين: الحسن، وابن سيرين، وأصحاب عبد الله بن مسعود، وانفرد الشافعي بالقول بنجاستها، واحتجَّ له بأن اسمَ الميتة يتناولُها كما يتناول سائر أجزائها بدليل الأثر والنظر، أما الأثُر، ففي ((الكامل)) لابن عدي: من حديث ابن عمر يرفعه: ((ادْفِنُوا الأَظْفَارَ، والدَّمَ والشَّعَرَ، فَإِنَّها مَيْتَةٌ)). وأما النظر، فإنه متصل بالحيوان ينمو بنمائه، فينجس بالموت كسائر أعضائه، وبأنه شعر نابت في محل نجس، فكان نجساً كشعر الخنزير، وهذا لأن ارتباطه بأصله خِلقة يقتضي أن يثبت له حكمُه تبعاً، فإنه محسوب منه عرفاً، والشارع أجرى الأحكامَ فيه على وفق ذلك، فأوجب غسله في الطهارة، وأوجبَ الجزاء يأخذه من الصيد كالأعضاء، وألحقه بالمرأة في النكاح والطلاقِ حِلاً وحرمة، وكذلك هاهنا، وبأن الشارعَ له تشوف إلى إصلاح الأموالِ وحفظها وصيانتها، وعدم إضاعتها. وقد قال لهم في شاة ميمونة: ((هلأَّ أَخَذْتُم إهَابَها تحريم بيع أجزاء الميتة التي تحلها الحياة وتفارقها بالموت وحل بيع الشعر والوبر والصوف ٦٦٨ فَدَبَغْتُمُوه فَانْتَفَعْتُم بِهِ))(١). ولو كان الشعر طاهراً، لكان إرشادُهم إلى أخذه أولى، لأنه أقلُّ كلفة، وأسهل تناولاً . قال المطهّرُونَ للشعور: قال الله تعالى: ﴿ومِنْ أَصْوَانِهَا وَأَوْبَارِهَا وأَشْعَارِها أَثَاثاً ومَتَاعاً إلى حين﴾ [النحل: ٨٠]، وهذا يعم أحياءها وأمواتَها، وفي ((مسند أحمد)»: عن عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن ابن عباس رضي الله عنه، قال: مرَّ النبيُّ ◌َيّ بشاة لميمونة ميتة، فقال: ((ألا انتفعتم بإهابها)»، قالوا: وكيفَ وهي ميتة؟ قال: ((إنَّما حَرُمَ لَحْمُهَا))(٢). وهذا ظاهرٌ جداً في إياحة ما سوى اللحم، والشحمُ، والكبدُ والطحال، والآلية كُلُّها داخلة في اللحم، كما دخلت في تحريم لحم الخنزير، ولا ينتقِضُ هُذا بالعظم والقَرن، والظفر والحافِر، فإن الصحيحَ طهارة ذلك كما سنقرره عقيب هذه المسألة. قالوا: ولأنه لو أُخِذَ حال الحياة، لكان طاهراً فلم ينجس بالموت، كالبيض، وعكسه الأعضاء. قالُوا: ولأنه لما لم ينجس بجزه في حال حياة الحيوان بالإِجماع، دل على أنه ليس جزءاً مِن الحيوان، وأنه لا روح فيه لأن النبيِ ﴿ قال: ((ما أُبِينَ مِنْ حَيٍّ، فَهُوَ مَيْتَةٌ) (٣)، رواه أهل السنن. ولأنه لا يتألَّم بأخذه، ولا يُحس بمسه، وذلك دليلُ عدم الحياة فيه، وأما النماء، فلا يدل على (١) أخرجه البخاري ٢٨١/٣ في الزكاة: باب الصدقة على موالي أزواج النبي الخث﴾، ومسلم (٣٦٢) في الحيض: باب طهارة جلود الميتة بالدباغ من حديث ابن عباس. (٢) أخرجه أحمد ٣٦٥/١، وإسناده صحيح، وهو في ((المصنف)) (١٨٤). أخرجه أبو داود (٢٨٥٨) في الصيد: باب في صيد قطع منه قطعة، وأحمد (٣) ٢١٨/٥، والترمذي (١٤٨٠) في الأطعمة: باب مَا قطع من الحي فهو ميت، والدارمي ٩٣/٢، من حديث أبي واقد الليثي وسنده حسن، وصححه الحاكم ١٢٤/٤ وله شاهد من حديث ابن عمر عند ابن ماجه (٣٢١٦) والحاكم، واخر من حديث تميم عند ابن ماجه (٣٢١٧) وسنده ضعيف، وثالث من حديث أبي سعيد عند الحاكم. ٦٦٩ الحياة والحيوانية التي يتنجَّس الحيوان بمفارقتها، فإن مجرد النماء لو دلَّ على الحياة، ونجس المحل بمفارقة هذه الحياة، لتنجس الزرعُ بيُبسه، لمفارقة حياة النمو والاغتذاء له. قالوا: فالحياةُ نوعان: حياة حس وحركة، وحياة نمو واغتذاء، فالأولى: هي التي يُؤثر فقدُها في طهارة الحي دون الثانية. قالوا: واللحمُ إنما ينجُس لاحتقان الرطوبات والفضلات الخبيثة فيه، والشعور والأصواف بريئة مِن ذلك، ولا ينتقض بالعظام والأظفار لما سنذكره. قالوا: والأصلُ في الأعيان الطهارة، وإنما يطرأ عليها التنجيس باستحالتها، كالرجيع المستحيل عن الغذاء، وكالخمر المستحيل عن العصير وأشباهها، والشعور في حال استحالتها كانت طاهرة، ثم لم يعرض لها ما يُوجب نجاستَها بخلاف أعضاء الحيوان، فإنها عرض لها ما يقتضي نجاستها، وهو احتقانُ الفضلات الخبيثة . قالوا: وأما حديثُ عبد الله بن عمر(١)، ففي إسنادِه عبد الله بن عبد العزيز بن أبي رَوَّاد. قال أبو حاتم الرازي: أحاديثُه منكرة ليس محله عندي الصدق، وقال علي بن الحسين بن الجنيد: لا يُساوي فلساً، يُحدث بأحاديث كذب . وأما حديثُ الشاة الميتة، وقوله: ((ألا انتفعتم بإهابها))، ولم يتعرض للشعر، فعنه ثلاثةُ أجوبة . أحدها: أنه أطلق الانتفاع بالإِهاب، ولم يأمرهم بإزالة ما عليه من الشعر، مع أنه لا بُدَّ فيه من شعر، وهو ربٍَّ لم يُقيد الإِهابَ المنتفع به بوجه دون وجه، فدل على أن الانتفاع به فرواً وغيره مما لا يخلو من الشعر. (١) وهو ((ادفنوا الأظفار والدم والشعر فإنها ميتة)). ٦٧٠ والثاني: أنه مَّ قد أرشدهم إلى الانتفاع بالشعر في الحديث نفسِه حيث يقول: ((إنَّمَا حَرُمَ مِنَ المَيْتَةِ أَكْلُها أَوْ لحْمُها)). والثالث: أن الشعرَ ليس من الميتة ليتعرض له في الحديث، لأنه لا يحلُّه الموتُ، وتعليلُهم بالتبعية يبطلُ بجلد الميتة إذا دُبْغَ، وعليه شعر، فإنه يطهرُ دون الشعر عندهم، وتمسكهم بغسله في الطهارة يَبْطُلُ بالجبيرة، وتمسكهم بضمانه مِن الصيد يبطُل بالبيض، وبالحمل. وأما في النكاح، فإنه يتبع الجملة لاتصاله، وزوال الجملة بانفصاله عنها، وهاهنا لو فارق الجملة بعد أن تبعها في التنجس، لم يُفارقها فیه عندهم، فعلم الفرق. فصل فإن قيل: فهل يدخُل في تحريم بيعها تحريمُ بيع عظمها وقرنها وجلدها بعدَ هل محرم بيع عظم الميتة وقرنها وجلدها بعد الدباغ الدباغ لشمول اسم الميتة لذلك؟ قيل: الذي يحرم بيعُه منها هو الذي يحرم أكلُه واستعمالُه، كما أشار إليه النبيُّ ◌ِ﴿ه بقوله: ((إنَّ اللّهَ تَعَالى إذَا حَرَّمَ شيئاً حَرَّمَ ثَمَنَهُ»(١). وفي اللفظ الآخر: ((إذَا حَرَّمَ أَكْلَ شَيءٍ، حَرَّمَ ثَمَنَهُ». فنَبَّه على أن الذي يحرم بيعهُ يحرم أکله. وأما الجلد إذا دبغ، فقد صار عيناً طاهرة ينتفع في اللبس والفرش، وسائر وجوه الاستعمال، فلا يمتنع جوازُ بيعه، وقد نص الشافعي في كتابه القديم على أنه لا يجوز بيعُه، واختلف أصحابُه، فقال القفال: لا يتجه لهذا إلا بتقدير قول يُوافق مالكاً في أنه يطهر ظاهرُه دون باطنه، وقال بعضُهم: لا يجوز بيعُه، وإن طهر ظاهره وباطنه على قوله الجديد، فإنه جزءٌ من الميتة حقيقة، فلا يجوزُ بيعه كعظمها ولحمها. وقال بعضُهم: بل يجوزُ بيعه بعد الدبغ لأنه عين طاهرة يُنتفع بها، فجاز بيعها كالمذكَّى، وقال بعضهم: بل هذا ينبني على أن الدبغ إزالة أو بيع جلد الميتة (١) أخرجه أحمد ٢٤٧/١ و٢٩٣، وأبو داود (٣٤٨٨) في البيوع: باب في ثمن الخمر والميتة، وسنده قوي. ٦٧١ إحالة، فإن قلنا: إحالة، جاز بَيعُه لأنه قد استحال من كونه جزء ميتة إلى عين أخرى، وإن قلنا: إزالة، لم يجزْ بيعُه، لأن وصف الميتة هو المحرمُ لبيعه، وذلك باق لم يستحل. وبنوا على هذا الخلاف جواز أكله، ولهم فيه ثلاثة أوجه: أكله مطلقاً، وتحريمه مطلقاً، والتفصيلُ بين جلد المأكول وغير المأكول، فأصحاب الوجه الأول، غلَّبُوا حكم الإِحالة، وأصحاب الوجه الثاني، غَّبوا حكم الإزالة، وأصحاب الوجه الثالث أجروا الدباغَ مجرى الذكاة، فأباحوا بها ما يُباح أكله بالذكاة إذا ذكي دون غيره، والقولُ بجواز أكله باطل مخالف لصريح السنة، ولهذا لم يُمكن قائلُه القول به إلا بعد منعه كونَ الجلد بعد الدبغ ميتة، وهذا منع باطل، فإنه جلد ميتة حقيقة، وحساً وحكماً، ولم يحدث له حياةٌ بالدبغ ترفع عنه اسم الميتة، وكون الدبغ إحالةً باطل حساً، فإن الجلد لم يستحل ذاتُه وأجزاؤه، وحقيقته بالدباغ، فدعوى أن الدباغ إحالة عن حقيقة إلى حقيقة أخرى، كما تُحيل النارُ الحطب إلى الرماد، والملأَّحة ما يُلقى فيها من الميتات إلى الملح دعوى باطلة. وأما أصحاب مالك رحمه الله ففي ((المدونة)) لابن القاسم المنعُ من بيعها وإن دبغت، وهو الذي ذكره صاحب ((التهذيب)). وقال المازَري: هذا هو مقتضى القول بأنها لا تطهرُ بالدباغ. قال: وأما إذا فرعنا على أنها تطهر بالدباغ طهارة كاملة، فإنا نُجيز بيعها لإباحة جملة منافعها. قلت: عن مالك في طهارة الجلد المدبوغ روايتان. إحداهما: يطهر ظاهرُه وباطنُه، وبها قال وهب، وعلى هذه الرواية جوز أصحابُه بيعه. والثانية: ــ وهي أشهر الروايتين عنه - أنه يطهر طهارة مخصوصة يجوز معها استعمالُه في اليابسات، وفي الماء وحده دون سائر المائعات، قال أصحابه: وعلى هذه الرواية لا يجوز بيعُه، ولا الصلاة فيه، ولا الصلاةُ عليه. ٦٧٢ وأما مذهب الإِمام أحمد: فإنه لا يصح عنده بيع جلد الميتة قبل دبغه. وعنه في جوازه بعد الدبغ روايتان، هكذا أطلقهما الأصحابُ، وهما عندي مبنيتان على اختلاف الرواية عنه في طهارته بعد الدباغ. وأما بيعُ الدهن النجس، ففيه ثلاثة أوجه في مذهبه. أحدها: أنه لا يجوز بيعه. بيع الدهن النجس والثاني: أنه يجوز بيعُه لكافر يعلم نجاسته، وهو المنصوص عنه. قلت: والمراد بعلم النجاسة: العلم بالسبب المنجس لا اعتقاد الكافر نجاسته. والثالث: يجوز بيعه لكافر ومسلم. وخرج هذا الوجه من جواز إيقاده، وخرج أيضاً من طهارته بالغسل، فيكون كالثوب النجس، وخرج بعضُ أصحابه وجهاً ببيع السرقين النجس للوقيد مِن بيع الزيت النجس له، وهو تخريجٌ صحيح. وأما أصحاب أبي حنيفة فجوزوا بيع السرقين النجس إذا كان تبعاً لغيره، بيع السرجين النجس ومنعوه إذا كان مفرداً. فصل وأما عظمُها، فمن لم ينجسه بالموت، كأبي حنيفة، وبعض أصحاب بيع عظم الميتة أحمد، واختيار ابن وهب من أصحاب مالك، فيجوز بيعُه عندهم، وإن اختلف مأخذ الطهارة، فأصحاب أبي حنيفة قالوا: لا يدخل في الميتة، ولا يتناولُه اسمها، ومنعوا كونَ الألم دليلَ حياته، قالُوا: وإنما تؤلمه لما جاوره من اللحم لا ذات العظم، وحملوا قوله تعالى: ﴿قَالَ مَنْ يُحْيِي العِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ [يس: ٧٨] على حذف مضاف، أي أصحابها. وغيرُهم ضعَّف هذا المأخذ جداً، وقال: العظم يألم حساً، وألمه أشدُّ من ألم اللحم، ولا يَصِحُّ حمل الآية على حذف مضاف، لوجهين، أحدهما: أنه تقدير ما لا دليل عليه، فلا سبيل إليه. الثاني: أن هذا التقدير يستلزم الإضراب عن جواب سؤال السائل الذي استشكل حياة ٦٧٣ زاد المعاد ج٥-م٢٢ العظام، فإن أُبيَّ بنَ خَلف أخذ عظماً بالياً، ثم جاء به إلى النبي ◌ٍَّ، ففته في يده، فقال: يا محمد! أترى الله يحيي هذا بعد ما رُمَّ؟ فقالَ رسولُ اللّهِ ◌ٍَّ: ((نعم، ويَبْعَنُكَ، ويُدْخِلُكَ النَّارَ))(١) . فمأخذ الطهارة أن سببَ تنجيس الميتة منتفٍ في العظام، فلم يُحكم بنجاستها، ولا يصح قياسها على اللحم، لأن احتقانَ الرطوبات والفضلات الخبيثة يختص به دونَ العظام، كما أن ما لا نفس له سائلة لا ينجس بالموت، وهو حيوان كامل، لِعدم سبب التنجيس فيه. فالعظم أولى، وهذا المأخذُ أصح وأقوى من الأول، وعلى هذا، فيجوز بيعُ عظام الميتة إذا كانت من حيوان طاهر العين. وأما من رأى نجاستها، فإنه لا يجوز بيعها، إذ نجاستها عينية، قال ابن القاسم: قال مالك: لا أرى أن تُشترى عِظام الميتة ولا تباع، ولا أنياب الفيل، ولا يتجر فيها، ولا يمتشط بأمشاطها، ولا يدهن بمداهنها، وكيف يجعل الدهن في الميتة ويمشط لحيته بعظام الميتة، وهي مبلولة، وكره أن يُطبخ بعظام الميتة، وأجاز مطرِّف، وابن الماجِشون بيعَ أنياب الفيل مطلقاً، وأجازه ابن وهب، وأصبغ إن غُليت وسُلِقت، وجعلا ذلك دباغاً لها. فصل تحريم بيع الخنزير وأما تحريمُ بيع الخنزير، فيتناولُ جملته، وجميعَ أجزائه الظاهرة والباطنة، وتأمل كيف ذكر لحمه عند تحريم الأكل إشارة إلى تحريم أكله ومعظمه اللحم، فذكر اللحم تنبيهاً على تحريم أكلِهِ دونَ ما قبله، بخلاف الصيد، فإنه لم يقل فيه : وحرم عليكم لحم الصيد، بل حرم نفس الصيد، ليتناول ذلك أكله وقتله. وههنا لما حرم البيع ذكر جملته، ولم يخص التحريمَ بلحمه ليتناول بيعه حياً وميتاً. (١) أورده السيوطي في ((الدر المنثور)) ٢٦٩/٥، ونسبه إلى ابن مردويه، وانظر ((جامع البيان)» ٣٠/٢٣، ٣١ وابن كثير ٥٨١/٣، و((المستدرك)) ٤٢٩/٢. ٦٧٤ فصل تحريم بيع الأصنام وأما تحريمُ بيع الأصنام، فيُستفاد منه تحريمُ بيع كُلِّ آلة متخذة للشرك على أي وجه كانت، ومن أي نوع كانت صنماً أو وثناً أو صليباً، وكذلك الكُتب المشتمِلَةُ على الشرك، وعبادة غير الله، فهذه كلها يجب إزالتها وإعدامها، وبيعُها ذريعةٌ إلى اقتنائها واتخاذها، فهو أولى بتحريم البيع مِن كل ما عداها، فإن مفسدةَ بيعها بحسب مفسدتها في نفسها، والنبيُّ ◌َّ لم يُؤخر ذِكرها لخفة أمرها، ولكنه تدرَّج من الأسهل إلى ما هو أغلظ منه، فإن الخمرَ أحسنُ حالاً مِن الميتة، فإنها قد تصيرُ مالاً محترماً إذا قلبها اللّهُ سبحانه ابتداء خلاًّ، أو قلبها الآدمي بصنعته عند طائفة من العلماء، وتُضمن إذا أتلفت على الذمي عند طائفة بخلاف الميتة، وإنما لم يجعل الله في أكل الميتة حداً اكتفاء بالزاجر الذي جعله الله في الطباع مِن كراهتها، والنفرة عنها، وإبعادها عنها، بخلاف الخمر. والخنزير أشدُ تحريماً من الميتة، ولهذا أفرده الله تعالى بالحكم عليه أنه رجس في قوله: ﴿قُلْ لاَ أَجدُ فِيمَا أُوحِيَ إليَّ مُحرَّماً عَلى طَاعِمِ يَطْعَمُهُ إِلاَّ أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقاً﴾ [الأنعام: ١٤٥]، فالضمير في قوله: ((فإنه)) وإن كان عوده إلى الثلاثة المذكورة باعتبار لفظ المحرم، فإنه يترجح اختصاص لحم الخنزير به لثلاثة أوجه. أحدها: قربُه منه، والثاني: تذكيرُه دون قوله، فإنها رجس، والثالث: أنه أتى ((بالفاء)) و((إنَّ)) تنبيهاً على علة التحريم لتزجر النفوسُ عنه، ويقابل هذه العلة ما في طباع بعض الناس من استلذاذه، واستطابته، فنفى عنه ذلك، وأخبر أنه رجس، وهذا لا يحتاج إليه في الميتة والدم، لأن كونهما رجساً أمر مستقر معلوم عندهم، ولهذا في القرآن نظائر، فتأملها. ثم ذكر بعدُ تحريمَ بيع الأصنام، وهو أعظمُ تحريماً وإثماً، وأشد منافاة للإِسلام من بيع الخمر والميتة والخنزير . . ٦٧٥ تحريم الشيء تحريم لثمنه فصل وفي قوله: ((إنَّ الله إذا حَرَّم شَيْئاً أو حَرَّم أكلَ شَيءٍ خَرَّمَ ثمنه»، يُراد به أمران، أحدهما: ما هو حرام العين والانتفاع جملة، كالخمر، والميتة، والدم، والخنزير، وآلات الشرك، فهذه ثمنها حرام کیفما اتفقت. والثاني: ما يُباح الانتفاعُ به في غير الأكل، وإنما يحرم أكلُه، كجلد الميتة بعد الدباغ، وكالحمر الأهلية، والبغال ونحوها مما يحرم أكلُه دونَ الانتفاع به، فهذا قد يُقال: إنه لا يدخل في الحديث، وإنما يدخل فيه ما هو حرام على الإطلاق. وقد يقال: إنه داخل فيه، ويكون تحريم ثمنه إذا بيع لأجل المنفعة التي حرمت منه، فإذا بيع البغل والحمار لأكلهما، حرم ثمنهما بخلاف ما إذا بيعا للركوب وغيره، وإذا بيع جلد الميتة للانتفاع به، حل ثمنه. وإذا بيع لأكله، حرم ثمنه، وطرد هذا ما قاله جمهور من الفقهاء، كأحمد، ومالك وأتباعهما: إنه إذا بيع العنب لمن يعصره خمراً، حرم أكل ثمنه. بخلاف ما إذا بيع لمن يأكله، وكذلك السلاحُ إذا بيع لمن يُقاتل به مسلماً، حرم أكل ثمنه، وإذا بيع لمن يغزو به في سبيل الله، فثمنه من الطيبات، وكذلك ثيابُ الحرير إذا بيعت لمن يلبسُها ممن يحرم عليه، حرم أكل ثمنها بخلاف بيعها ممن يحل له لبسها. هل يجوز بيع المسلم الخمر والخنزير للذمي؟ فإن قيل: فهل تُجوِّزون للمسلم بيعَ الخمر والخنزير مِن الذمي لاعتقاد الذمي حلهما، كما جوزتم بيعه الدهن المتنجس إذا بين حاله لاعتقاده طهارته وحله؟ قيل: لا يجوز ذلك، وثمنُه حرام، والفرقُ بينهما: أن الدهن المتنجس عين طاهرة خالطها نجاسة، ويسوغ فيها النزاعُ. وقد ذهبت طائفة من العلماء إلى أنه لا ينجس إلا بالتغير. وإن تغير، فذهب طائفة إلى إمكان تطهيره بالغسل، بخلاف العين التي حرمها الله في كُلِّ ملة، وعلى لسان كل رسول، كالميتة، والدم، والخنزير، فإن استباحته مخالفة لما أجمعت الرسلُ على تحريمه، وإن اعتقد الكافرُ حِلَّه، فهو كبيع الأصنام للمشركين، وهذا هو الذي حرَّمه اللّهُ ٦٧٦ ورسولُه بعينه، وإلا فالمسلمُ لا يشتري صنماً. فإن قيل: فالخمر حلال عند أهل الكتاب، فجوَّزوا بيعها منهم. قيل: هذا هو الذي توهمه من توهمه من عمال عمر بن الخطاب رضي الله عنه، حتى كتب إليهم عمر رضي الله عنه ينهاهم عنه، وأمر عماله أن يُولوا أهل الكتاب بيعها بأنفسهم، وأن يأخذوا ما عليهم من أثمانها، فقال أبو عبيد: حدثنا عبد الرحمن، عن سفيان بن سعيد، عن إبراهيم بن عبد الأعلى الجعفي، عن سويد بن غفلة، قال: بلغ عمر بن الخطاب رضي الله عنه، أن ناساً يأخذون الجزية من الخنازير، فقام بلال، فقال: إنهم ليفعلون، فقال عمر رضي الله عنه: لا تفعلُوا، ولُوهم بيعها(١). قال أبو عبيد: وحدثنا الأنصاري، عن إسرائيل، عن إبراهيم بن عبد الأعلى، عن سويد بن غفلة، أن بلالاً قال لعمر رضي الله عنه: إن عُمالَك يأخذون الخمر والخنازير في الخراج، فقال: لا تأخذوا منهم، ولكن ولوهم بيعها، وخذوا أنتم من الثمن(٢) . قال أبو عبيد: يريد أن المسلمين كانوا يأخذون من أهل الذمة الخمر والخنازير مِن جزية رؤوسهم، وخراج أرضهم بقيمتها، ثم يتولَّى المسلمون بيعها، فهذا الذي أنكره بلال، ونهى عنه عمرُ، ثم رخص لهم أن يأخذوا ذلك من أثمانها إذا كان أهلُ الذمة هم المتولين لبيعها، لأن الخمر والخنازير مالٌ من أموال أهل الذمة، ولا تكون مالاً للمسلمين. قال: ومما يُبين ذلك حديثٌ آخرُ لعمر رضي الله عنه حدثنا علي بن معبد، عن عبيد الله بن عمرو، عن ليث بن أبي سليم، أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كتب إلى العمال يأمرهم بقتل الخنازير وقبض أثمانها لأهل الجزية مِن (١) رجاله ثقات، وهو في ((الأموال)) ص ٦٢. (٢) هو في ((الأموال)) ص ٦٢. ٦٧٧ جزيتهم (١). قال أبو عُبيد: فهو لم يجعلها قِصاصاً من الجزية إلا وهو يراها من أموالهم. فأما إذا مر الذمي بالخمر والخنازير على العاشر، فإنه لا يطيبُ له أن يُعشِّرها، ولا يأخذ ثمن العشر منها. وإن كان الذمي هو المتولي لبيعها أيضاً، وهذا ليس مِن الباب الأول، ولا يشبهه، لأن ذلك حقٌّ وجب على رقابهم وأرضيهم، وأن العشر هاهنا إنما هو شيء يُوضع على الخمر والخنازير أنفسها، وكذلك ثمنها لا يطيبُ لقول رسول الله رَّة: ((إن الله إذا حرم شيئاً حرم ثمنه)). وقد روي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، أنه أفتى في مثلِ هذا بغير ما أفتى به في ذاك، وکذلك قال عمرُ بن عبد العزیز. حدثنا أبو الأسود المصري، حدثنا عبدُ الله بن لهيعة، عن عبد الله بن هُبيرة السَّبَائِي أن عُتبة بن فرقد بعث إلى عمرَ بنِ الخطاب بأربعينَ ألف درهم صدقة الخمر، فكتب إليه عمر رضي الله عنه: بعثت إليَّ بصَدقةِ الخمر، وأنت أحقُّ بها من المهاجرين، وأخبرَ بذلك الناس، وقال: والله لا استعملتُك على شيءبعدها، قال: فتر که(٢). حدثنا عبد الرحمن، عن المثنى بن سعيد الضبعي، قال: كتب عمرُ بن عبد العزيز إلى عديٍّ بن أرطاة، أن ابعث إليَّ بتفصيل الأموال التي قِبِلَك، من أين دخلت؟ فكتب إليه بذلك وصنفه له، وكان فيما كتب إليه من عشر الخمر أربعة آلاف درهم. قال: فلبثنا ما شاءَ الله، ثم جاء جوابُ كتابه: إنك كتبتَ إليَّ تذكر من عشور الخمر أربعة آلاف درهم، وإن الخمر لا يُعشرها مسلم، ولا يشتريها، ولا يبيعُها، فإذا أتاك كتابي هذا، فاطلب الرجلَ، فاردُدها علیه، فهو أولى بما كان فيها. فطلب الرجل، فَردَّتْ عليه. قال أبو عُبيد: فهذا عندي الذي عليه العمل، وإن كان إبراهيم النخعي قد (١) ليث ضعيف، ولم يدرك عمر، وهو في ((الأموال)) ص ٦٣. (٢) عبد الله بن لهيعة ضعيف، وهو في ((الأموال)) ص ٦٣، ٦٤ . ٦٧٨ قال غير ذلك. ثم ذكر عنه في الذمي يمرُّ بالخمر على العاشر، قال: يضاعف عليه العشور(١) . قال أبو عُبيد: وكان أبو حنيفة يقول: إذا مُرَّ على العاشر بالخمر والخنازير، عَشَرَ الخمر، ولم يُعشِّرِ الخنازيرَ، سمعتُ محمد بن الحسن يُحدِّث بذلك عنه، قال أبو عبيد: وقول الخليفتين عمر بن الخطاب، وعمر بن عبد العزيز رضي الله عنهما أولى بالاتباع، والله أعلم. حُكمُ رسولِ اللهَِّ في ثمن الكَلْبِ والسِّنَّورِ في ((الصحيحين)): عن أبي مسعود، أن رسول الله بَّهُ نهى عَنْ ثَمَن الكَلْبِ وَمَهْرِ الْبَغِيِّ، وحُلْوَانِ الكَاهِنِ(٢). وفي ((صحيح مسلم)): عن أبي الزبير، قال: سألتُ جابراً عن ثمن الكلب والسُّنور، فقال: زَجَرَ النبيِوَ لّ عن ذلك(٣). وفي ((سنن أبي داود)): عنه أن النبيَّ ◌َّ نهى عن ثمن الكَلْبِ والسّنَّوْرِ(٤). وفي ((صحيح مسلم)): من حديث رافع بن خديج، عن رسول الله ◌َّ قال: (شَرُّ الكَسْبِ مَهْرُ الْبَغِيّ وَثَمَنُ الكَلْبِ وكَسْبُ الحَجَّامِ))(٥). (١) رجاله ثقات، وهو في ((الأموال)) ص ٦٤. (٢) أخرجه البخاري ٣٥٣/٤ في البيوع: باب ثمن الكلب، ومسلم (١٥٦٧) في المساقاة: باب تحريم ثمن الكلب. (٣) أخرجه مسلم (١٥٦٩). (٤) أخرجه أبو داود (٣٤٧٩) في البيوع: باب ثمن السنور، والترمذي (١٢٧٩) في البيوع: باب ما جاء في كراهية ثمن الكلب والسنور، وقال: هذا حديث في إسناده اضطراب، وقد روي هذا الحديث عن الأعمش، عن بعض أصحابه، عن جابر، واضطربوا على الأعمش في رواية هذا الحديث. نقول: لكن حديث مسلم السابق في معناه. (٥) أخرجه مسلم (١٥٦٨) في المساقاة: باب تحريم ثمن الكلب. وكسب الحجاح = ٦٧٩ فتضمنت هذه السنن أربعة أمور. تحريم بيع الكلب أحدُها: تحريمُ بيع الكلب، وذلك يتناولُ كل كلب صغيراً كانَ أو كبيراً للصيد، أو للماشية، أو للحرث، وهذا مذهبُ فقهاءِ أهلِ الحديثِ قاطبة، والنزاعُ في ذلك معروف عن أصحاب مالك، وأبي حنيفة، فجوز أصحابُ أبي حنيفة بيعَ الكلاب، وأكل أثمانها، وقال القاضي عبد الوهّاب: اختلف أصحابُنا في بيع ما أذن في اتخاذه من الكلاب، فمنهم من قال: يُكره، ومنهم من قال: يحرم، انتھی . وعقدَ بعضُهم فصلاً لما يصح بيعُه، وبنى عليه اختلافهم في بيع الكلب، فقال: ما كانت منافعُه كلُّها محرمة لم يجز بيعه، إذ لا فرق بين المعدوم حساً، والممنوع شرعاً، وما تنوَّعَت منافِعُه إلى محللة ومحرمة، فإن كان المقصودُ مِن العين خاصة، كان الاعتبارُ بها، والحكم تابع لها، فاعتُبِرَ نوعُها، وصار الآخر كالمعدوم. وإن توزعت في النوعين، لم يَصِحَّ البيعُ، لأن ما يُقابل ما حرم منها أكل مال بالباطل، وما سواه من بقية الثمن يصير مجهولاً . قال: وعلى هذا الأصل مسألةُ بيع كلب الصيد، فإذا بُني الخلافُ فيها على هذا الأصل، قيل: في الكلب من المنافع كذا وكذا، وعُددت جملة منافعه، ثم نظر فيها، فمن رأى أن جملتها محرمة، منع، ومن رأى جميعَها مُحَلَّلَة، أجاز، ومن رآها متنوعة، نظر: هل المقصودُ المحلل، أو المحرم، فجعل الحكمَ للمقصود، ومن رأى منفعة واحدة منها محرمة وهي مقصودة، منع أيضاً، ومن التبس عليه كونُها مقصودة، وقف أو كره، فتأمل هذا التأصيل والتفصيل، وطابق بينهما يظهر لك ما فيهما مِن التناقض والخلل، وأن بناءَ بيع كلب الصيد على هذا الأصل مِن أفسد البناء، فإن قوله: من رأى أن جملة منافع كلب الصيد محرمة بعد حلال عند الجمهور، والنهي فيه محمول على التنزيه، والترفع عن دنيء الأكساب، وانظر ((الفتح)) ٤/ ٣٧٧ . ٦٨٠