Indexed OCR Text

Pages 641-660

حنبل: سألتُ أبي عن مطر الوراق، قال: كان يحيى بن سعيد يُشبه حديث
مطر الوراق بابن أبي ليلى في سوء الحفظ، قال عبد الله: فسألت أبي عنه؟
فقال: ما أقربَه مِن ابن أبي ليلى في عطاء خاصة، وقال: مطر في عطاء:
ضعيف الحديث، قال عبد الله: قلت ليحيى بن معين: مطر الوراق؟ فقال:
ضعيف في حديث عطاء بن أبي رباح، وقال النسائي: ليس بالقوي. وبعد،
فهو ثقة، قال أبو حاتم الرازي: صالح الحديث، وذكره ابن حبان في كتاب
الثقات، واحتج به مسلم، فلا وجه لضعف الحديث به(١).
وإنما علة الحديث أنه من رواية قبيصة بن ذؤيب، عن عمرو بن العاص
رضي الله عنه، ولم يسمع منه، قاله الدارقطني، وله عِلة أخرى، وهي أنه
موقوف لم يقل: لا تُلبسوا علينا سنة نبينا. قال الدارقطني: والصوابُ:
لا تُلبِّسوا علينا ديننا. موقوف. وله علة أخرى، وهي اضطرابُ الحديث،
واختلافه عن عمرو على ثلاثة أوجه. أحدها: لهذا. والثاني: عدة أم الولد
عدة الحرة. والثالث: عدتها إذا توفي عنها سيدها أربعة أشهر وعشرا، فإذا
أعتقت، فعدتها ثلاث حيض، والأقاويل الثلاثة عنه ذكرها البيهقي. قال
الإِمام أحمد: هذا حديث منكر حكاه البيهقي عنه، وقد روى خِلاس، عن
علي مثل رواية قبيصة عن عمرو، أن عدة أم الولد أربعة أشهر وعشر، ولكن
خِلاس بن عمرو قد تُكُلِّم في حديثه، فقال أيوب: لا يُروى عنه، فإنه .
صَحَفي، وكان مغيرة لا يُعْبَأُ بحديثه. وقال أحمد: روايته عن علي يقال: إنه
كتاب، وقال البيهقي: روايات خِلاس عن علي ضعيفة عند أهل العلم
بالحديث، فقال: هي من صحيفة. ومع ذلك فقد روى مالك، عن نافع، عن
ابن عمر في أم الولد يُتوفى عنها سيدها، قال: تعتد بحيضة(٢). فإن ثبت عن
(١) كيف وقد ضعَّفه غير واحد، وأبانوا عن علة ضعفه بأنه كثير الخطأ، وكونه ممن
احتج بن مسلم لا يفيد توثيقه كما هو معلوم لكل من مارس هذا العلم.
(٢) ((الموطأ)) ٥٩٣/٢، وعبد الرزاق (١٢٨٧٠) وإسناده صحيح.
٦٤١
زاد المعاد ج٥-م٢١

علي وعمرو ما رُوي عنهما، فهي مسألة نزاع بين الصحابة، والدليلُ هو
الحاكم، وليس مع مَنْ جعلها أربعة أشهر وعشراً إلا التعلقُ بعموم المعنى، إذ
لم يكن معهم لفظ عام، ولكن شرطُ عموم المعنى تساوي الأفراد في المعنى
الذي ثبت الحكم لأجله، فما لم يُعلم ذلك لا يتحقَّقُ الإلحاق، والذين
ألحقوا أمَّ الولد بالزوجة رأوا أن الشَّبهَ الذي بين أم الولد وبينَ الزوجة أقوى
من الشبه الذي بينها وبينَ الأمة من جهة أنها بالموت صارت حرة، فلزمتها
العِدة مع حُريتها، بخلاف الأمة، ولأن المعنى الذي جُعِلَتْ له عِدة الزوجة
أربعة أشهر وعشراً، موجودٌ في أمّ الولد، وهو أدنى الأوقات الذي يُتيقن فيها
خلقُ الولد، وهذا لا يفترق الحالُ فيه بَيْنَ الزوجة وأم الولد، والشريعةُ لا
تُفرق بين متماثلين، ومنازعوهم يقولون: أمُّ الولد أحكامُها أحكام الإِماء، لا
أحكامُ الزوجات، ولهذا لم تدخل في قوله: ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ﴾
[النساء: ١٢]، وغيرها، فكيف تدخل في قوله: ﴿والَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ
ويَذَرُون أَزْواجاً﴾ [البقرة: ٢٣٤]؟ قالوا: والعِدة لم تُجعل أربعة أشهر وعشراً
لأجل مجرد براءة الرحم، فإنها تجب على من يُتْيَقَّنُ براءة رحمها، وتجب
قبل الدخول والخلوة، فهي مِن حريم عقد النكاح وتمامه.
وأما استبراءُ الأمة، فالمقصود منه العلم ببراءة رحمها، وهذا يكفي فيه
حيضة، ولهذا لم يُجعل استبراؤها ثلاثَة قروء، كما جعلت عِدة الحرة كذلك
تطويلاً لزمان الرجعة، ونظراً للزوج، وهذا المعنى مقصودٌ في المستبرأة، فلا
نصَّ يقتضي إلحاقها بالزوجات ولا معنى، فأولى الأمورِ بها أن يُشرع لها ما
شرعه صاحبُ الشرع في المسبيات والمملوكات، ولا تتعداه، وبالله التوفيق.
فصل
الحكم الثاني: أنه لا يحصُل الاستبراءُ بطُهر ألبتة، بل لا بُدَّ مِن حيضة،
وهذا قولُ الجمهور، وهو الصوابُ، وقال أصحابُ مالك، والشافعي في قول له :
لا يحصل استبراء
المسبية بطهر بل لا بد
من حيضة
٦٤٢

يحصلُ بطهر كامل، ومتى طعنت في الحيضة، تم استبراؤُها بناء على قولهما: إن
الأقراء: الأطهار، ولكن يَرُدُّ هُذا، قول رسولِ الله وَّهِ: ((لاَ تُوطأ حَامِلٌ حَتَّى
تَضَعَ، ولاَ حَائِلٌ حَتَّى تُسْتَبْراَ بِحَيْضَةٍ)). وقال رُويفع بن ثابت: سمعتُ رسول
الله ◌ٌَّ يقول يوم حنين: ((مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلاَ يَطَأْ جَارِيَّةً مِنَ السَّنْي
حَتَّى يَسْتَبْرِئها بِحَيضَة)) رواه الإمام أحمد وعنده فيه ثلاثة ألفاظ: هذا أحدها.
الثاني: نهى رسولُ الله ◌َّهو أن لا توطأ الأمة حتى تحيض، وعن الحَبَالى
حتى تضعن .
الثالث: ((مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلاَ يَنْكِحَنَّ ثَيِّاً مِنَ السَّبَايَا حَتَّى
تَحِيضَ))(١). فعلق الحِلَّ في ذلك كله بالحيض وحده لا بالطهر، فلا يَجوز إلغاء ما
اعتبره، واعتبار ما ألغاه، ولا تعويل على ما خالف نصه، وهو مقتضى القياس
المحض، فإن الواجبَ هو الاستبراء، والذي يدل على البراءة هو الحيض، فأما
الطهر، فلا دِلالة فيه على البراءة، فلا يجوز أن يُعوَّلَ في الاستبراء على ما لا دلالة
له فيه عليه دون ما يدل عليه، وبناؤُهم هذا على أن الأقراء هي الأطهار، بناء على
الخلاف للخلاف، وليس بحجة ولا شبهة، ثم لم يُمكنهم بناء لهذا على ذاك حتى
خالفوه، فجعلوا الطهر الذي طلقها فيه قرءاً، ولم يجعلوا طهر المستبرأة التي
تجدد عليها الملكُ فيه، أو ماتَ سيدها فيه قرءاً، وحتَّى خالفُوا الحديثَ أيضاً،
كما تبين، وحتى خالفوا المعنى كما بيناه، ولم يُمكنهم لهذا البناء إلا بعد هذه
الأنواع الثلاثة من المخالفة، وغاية ما قالوا: أن بعضَ الحيضة المقترن بالطهر يدل
على البراءة، فيقال لهم: فيكون الاعتماد عليهم حينئذ على بعض الحيضة، وليس
ذلك قرءاً عند أحد؟ فإن قالوا: هو اعتماد على بعض حيضة وطهر. قلنا: هذا قول
ثالث في مسمى القروء، ولا يعرف، وهو أن تكون حقيقته مركبةً من حيض
وطهر .
(١) حديث صحيح أخرجه أحمد ١٠٨/٤ و١٠٩ وغيره، وقد تقدم ص: ٧١٣.
٦٤٣

فإن قالوا: بل هو اسم للطهر بشرط الحيض. فإذا انتفى الشرط، انتفى
المشروط، قلنا: هذا إنما يمكن لو علق الشارع الاستبراء بقرء، فأما مع تصريحه
على التعليق بحيضة، فلا .
فصل
لا يحصل ببعض حيضة
في يد المشتري اكتفاء بها
الحكم الثالث: أنه لا يحصُل ببعض حيضة في يدِ المشتري اكتفاء بها. قال
صاحب ((الجواهر)): فإن بيعت الأمة في آخرِ أيام حيضها، لم يكن ما بقيَ مِن أيام
حيضها استبراءً لها مِن غير خلاف، وإن بِيعَت وهي في أول حيضتها، فالمشهور
من المذهب أن ذلك يكون استبراءً لها .
وقد احتج من نازع مالكاً بهذا الحديث، فإنه علق الحل بحيضة، فلا بُدَّ من
تمامها، ولا دليل فيه على بطلان قوله، فإنه لا بُدَّ من الحيضة بالاتفاق، ولكن
النزاع في أمر آخر، وهو أنه هل يشترط أن يكون جميع الحيضة وهي في ملكه، أو
يكفي أن يكونَ معظمُها في مُلكه، فهذا لا ينفيه الحديثُ، ولا يُثبته، ولكن
لمنازعيه أن يقولوا: لما اتفقنا على أنه لا يكفي أن يكون بعضُها في ملك
المشتري، وبعضُها في ملك البائع إذا كان أكثرُها عند البائع، علم أن الحيضة
المعتبرة أن تكون، وهي عند المشتري، ولهذا لو حاضت عند البائع، لم يكن
ذلك كافياً في الاستبراء.
ومن قال بقول مالك، يُجيب عن لهذا بأنها إذا حاضت قبل البيع وهي
مودَعة عند المشتري، ثم باعها عقيب الحيضة، ولم تخرج من بيته، اكتُفي بتلك
الحيضة، ولم يجب على المشتري استبراء ثان، ولهذا أحد القولين في مذهب
مالك كما تقدم، فهو يجوز أن يكون الاستبراء واقعاً قبل البيع في صور، منها
هذه.
ومنها إذا وضعت للاستبراء عند ثالث، فاستبرأها، ثم بِيعت بعده. قال في
((الجواهر)): ولا يجزىء الاستبراء قبل البيع إلا في حالات منها أن تكونَ تحتَ يدِه
٦٤٤

للاستبراء، أو بالوديعة، فتحيضُ عنده، ثم يشتريها حينئذ، أو بعدَ أيام، وهي لا
تخرُجُ، ولا يدخل عليها سيدُها.
ومنها: أن يشتريها ممن هو ساكن معه من زوجته، أو ولد له صغير في
عياله. وقد حاضت، فابن القاسم يقول: إن كانت لا تخرج أجزأه ذلك. وقال
أشهب: إن كانت معه في دار وهو الذاب عنها، والناظرُ في أمرها، فهو استبراء،
سواء كانت تخرُج أو لا تخرُج. ومنها: إذا كان سيدُها غائباً، فحين قدم استبرأها
قبل أن تخرُج، أو خرجت وهي حائض، فاشتراها منه قبل أن تطهر.
ومنها: الشريكُ يشتري نصيب شريكه من الجارية وهي تحتَ يد المشتري
منهما، وقد حاضت في يده. وقد تقدمت هذه المسائل، فهذه وما في معناها
تضمنت الاستبراء قبل البيع، واكتفى به مالك عن استبراء ثان .
فإن قيل: فكيف يجتمع قولُه هذا، وقوله: إن الحيضة إذا وجد معظمها عند
البائع لم يكن استبراءاً؟ قيل: لا تناقُضَ بينهما، وهذه لها موضع وهذه لها
موضع، فكل موضع يحتاج فيه المشتري إلى استبراء مستقل لا يُجزىء إلا
حيضة، لم يوجد معظمُها عند البائع، وكل موضع لا يحتاج فيه إلى استبراء
مستقل لا يحتاج فيه إلى حيضة ولا بعضها، ولا اعتبارَ بالاستبراء قبل البيع، كهذه
الصور ونحوها.
فصل
الحكم الرابع: أنها إذا كانت حاملاً، فاستبراؤها بوضع الحمل، وهذا كما استبراء المسبية الحامل
أنه حكم النص، فهو مجمع عليه بين الأمة.
بوضع الحمل
فصل
الحكم الخامس: أنه لا يجوزُ وطؤها قبلَ وضع حملها، أي حمل كان، لا يجوز وطء المسبية
سواء كان يلحق بالواطىء، كحمل الزوجة والمملوكة، والموطوءة بشبهة، أو لا
يلحق به، كحمل الزانية، فلا يحل وطءُ حامل مِن غير الواطىء ألبتة، كما صرَّح
الحامل قبل وضع حملها
٦٤٥

به النص، وكذلك قوله وَّ: ((مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللّهِ وَالَيَوْمِ الآخِرِ فَلا يَسْقِي مَاءَهُ زَرْعَ
غَيْرِهِ))، وهذا يَعُمُّ الزرعَ الطيب والخبيث، ولأن صيانة ماء الواطىء عن الماء
الخبيث حتى لا يختلِطَ به أولى مِن صيانته عن الماء الطيب، ولأن حمل الزاني
وإن كان لا حُرمة له، ولا لمائه، فحملُ هذا الواطىء وماؤه محترم، فلا يجوزُ له
خلطه بغيره، ولأن لهذا مخالف لسنة الله في تمييز الخبيث من الطيب، وتخليصه
منه، وإلحاق كل قسم بمجانسه ومشاكله.
والذي يقضي منه العجب، تجويزُ من جوز من الفقهاء الأربعة العقد على
الزانية قبل استبرائها ووطئها عقيبَ العقد، فتكون الليلة عند الزاني وقد علقت
منه، والليلة التي تليها فراشاً للزوج.
ومن تأمل كمال هذه الشريعة، علم أنها تأبى ذلك كُلَّ الإٍِاء، وتَمنع منه كُلَّ
المنع،
تحريم نكاج الزانية
ومِن محاسن مذهب الإمام أحمد، أن حرَّم نكاحها بالكُلية حتى تتوب،
ويرتفعَ عنها اسمُ الزانية والبغيِّ والفاجرة، فهو رحمه الله لا يجوز أن يكون الرجل
زوجَ بغي، ومنازعوه يجوزون ذلك، وهو أسعدُ منهم في هذه المسألة بالأدلة كُلِّها
من النصوصٍ والآثار، والمعاني والقياس، والمصلحة والحكمة، وتحريم ما رآه
المسلمون قبيحاً. والناس إذا بالغوا في سبِّ الرجل صرَّحوا له بالزاي والقاف،
فكيف تجوز الشريعةُ مثل هذا، مع ما فيه من تعرُّضه لإفساد فراشه، وتعليق أولاد
عليه من غيره، وتعرضه للاسم المذموم عند جميع الأمم؟ وقياسُ قولٍ من جوَّزَ
العقد على الزانية ووطئها قبل استبرائها حتى لو كانت حاملاً، أن لا يوجب استبراء
الأمة إذا كانت حاملاً من الزنى، بل يطؤها عقيب ملكها، وهو مخالفٌ لصريح
السنة. فإن أوجب استبراءها، نقض قوله بجواز وطء الزانية قبل استبرائها، وإن
لم يوجب استبراءها، خالف النصوصَ، ولا ينفعُه الفرق بينهما، بأن الزوجَ لا
استبراء عليه، بخلافِ السيد فإن الزوجَ إنما لم يجب عليه الاستبراءُ، لأنه لم يعقد
على معتدة، ولا حامل من غيره بخلاف السيد، ثم إن الشارع إنما حرم الوطء، بل
٦٤٦

العقد في العدة خشيةً إمكان الحمل، فيكون واطئاً حاملاً من غيره، وساقياً ماءَه
لزرع غيره مع احتمال أن لا يكون كذلك، فكيف إذا تحقق حملها .
وغاية ما يقال: إن ولد الزانية ليسَ لاحقاً بالواطىء الأول، فإن الولَد
للفراش، وهذا لا يجوزُ إقدامه على خلط مائه ونسبه بغيره، وإن لم يلحق
بالواطىء الأول، فصیانةُ مائة ونسبه عن نسب لا يُلحق بواضعه لصیانته عن نسب
يلحق به .
والمقصود: أن الشرعَ حرَّم وطء الأمة الحامل حتى تضع، سواء كان حملُها
محرماً أو غيرَ محرم وقد فرَّق النبيُّ نَّهُ بين الرجل والمرأة التي تزوج بها،
فوجدها حُبلى، وجلدها الحدَّ، وقضى لها بالصَّداق، وهذا صريحٌ في بطلان
العقد على الحامل من الزنى. وصح عنه أنه مر بامرأة مُجِحٍّ على باب فسطاط،
فقال: ((لَعَلَّ سَيّدَها يُرِيدُ أَنْ يُلِمَّ بِها)»؟ قالوا: نعم. قال: ((لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ أَلْعَنَهُ لَعْناً
يَدْخُلُ مَعَهُ قَبْرَهُ، كَيْفَ يَسْتَخْدِمُهُ وَهُوَ لاَ يَحِلُّ لَهُ، كَيْفَ يُوَرَّتُهُ وَهُوَ لاَ يَحِلُّ
لَهُ؟!))(١).
فجعل سبب همِّه بلعنته وطأه للأمة الحامل، ولم يستفصِلْ عن حملها، هل
هو لاحق بالواطِىء أم غيرُ لاحق به؟ وقوله: ((كيف يستخدِمُه وهو لا يحل له))
أي: كيف يجعلُه عبداً له يستخدِمُه، وذلك لا يحِل، فإن ماء هذا الواطىء يزيدُ في
خلق الحمل، فيكون بعضُه منه، قال الإِمام أحمد يزيدُ وطؤه في سمعه وبصره.
وقوله: ((كيف يورثه وهو لا يَحِلُّ له))، سمعت شيخ الإسلام ابن تيمية يقول
فيه: أي: كيف يجعله تركة موروثة عنه، فإنه يعتقده عبده، فيجعله تركةً تُورث
عنه، ولا يَحِلُّ له ذلك، لأن ماءه زاد في خلقه، ففيه جزء منه.
وقال غيره: المعنى: كيف يورثه على أنه أبنُه، ولا يحِلُّ له ذلك، لأن
(١) صحيح وقد تقدم.
٦٤٧

الحملَ مِن غيره، وهو بوطئه يريد أن يجعله منه، فيورثه ماله، وهذا يردُّه أولُ
الحديث، وهو قوله: «كيف يستعبده)»؟ أي: كيف يجعله عبده؟ ولهذا إنما يدل
على المعنى الأول. وعلى القولين، فهو صريح في تحريم وطء الحامل من غيره،
سواء كان الحملُ مِن زنى أو من غيره، وأن فاعل ذلك جدیر باللعن، بل قد صرّح
جماعة من الفقهاء من أصحاب أحمد وغيرهم: بأن الرجل إذا ملك زوجته الأمة،
لم يطأها حتى يستبرئها خشية أن تكون حاملاً منه في صلب النكاح، فيكون على
ولده الولاء لموالي أمه بخلاف ما علقت به في ملكه، فإنه لا ولاء عليه، وهذا كله
احتياط لولده: هل هو صريحُ الحرية لا ولاء عليه، أو عليه ولاء؟ فكيف إذا كانت
حاملاً من غيره؟
فصل
لا تحيض الحامل
الحكم السادس: استنبط من قوله: ((لا تُوطَأُ حَامِلٌ حَتَّى تَضَعَ، وَلاَ حَائِلٌ
حَتَّى تُسْتَبْرَأَ بِحَيْضَةٍ))، أن الحامل لا تحيض، وأن ما تراه من الدم يكون دمَ فساد
بمنزلة الاستحاضة، تصومُ وتُصلي، وتطوف بالبيت، وتقرأ القرآن، وهذه مسألة
اختلف فيها الفقهاء، فذهب عطاءٌ والحسن، وعكرمة ومکحول، وجابر بن زيد،
ومحمد بن المنكدر، والشعبي، والنخعي، والحكم، وحماد، والزهري، وأبو
حنيفة وأصحابُه، والأوزاعي، وأبو عُبيد، وأبو ثور، وابن المنذر، والإمام أحمد
في المشهور من مذهبه، والشافعي في أحد قوليه: إلى أنه ليس دمَ حيض.
وقال قتادة، وربيعةُ، ومالك، والليث بن سعد، وعبد الرحمن بن مهدي،
وإسحاق بن راهويه: إنه دم حيض، وقد ذكره البيهقي في ((سننه)) وقال إسحاق بن
راهويه: قال لي أحمد بن حنبل: ما تقول في الحامل ترى الدم؟ فقلت: تصلي،
واحتججت بخبر عطاء عن عائشة رضي الله عنها. قال: فقال أحمد بن حنبل،
أين أنت عن خبر المدنيين، خبر أمِّ علقمة مولاة عائشة رضي الله عنها؟ فإنه
أصح. قال إسحاق: فرجعت إلى قول أحمد، وهو كالتصريح من أحمد، بأن دمَ
الحامل دم حيض، وهو الذي فهمه إسحاق عنه، والخبرُ الذي أشار إليه أحمد،
٦٤٨

وهو ما رويناه من طريق البيهقي، أخبرنا الحاكم، حدثنا أبو بكر بن إسحاق،
حدثنا أحمدُ بن إبراهيم، حدثنا ابن بكير، حدثنا الليث، عن بكير بن عبد الله،
عن أمّ علقمة مولاةٍ عائشة، أن عائشة رضي الله عنها سئلت عن الحامل ترى الدم،
فقالت: لا تُصَلِّي(١)، قال البيهقي: ورويناه عن أنس بن مالك.
وروينا عن عمر بن الخطاب، ما يدل على ذلك. وروينا عن عائشة
رضي الله عنها، أنها أنشدت لرسول الله مَّه بيت أبي كبير الهذلي:
وَفَسَادِ مُرْضِعَةٍ وَدَاءٍ مُغْيِلٍ(٢)
ومُبَزَّأَ مِنْ كُلِّ غُبَّرٍ حَيْضَةٍ
قال: وفي هذا دليل على ابتداء الحمل في حال الحيض حيث لم ينكر
الشِّعْرَ.
قال: وروينا عن مطر، عن عطاء، عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت:
الحبلى لا تحيضُ، إذا رأت الدم، صلَّت. قال: وكان يحيى القطان ينكر هذه
الرواية، ويُضعف رواية ابن أبي ليلى، ومطر عن عطاء.
قال: وروى محمد بن راشد، عن سليمان بن موسى، عن عطاء، عن
عائشة رضي الله عنها نحو رواية مطر، فإن كانت محفوظة، فيشبه أن تكون عائشة
كانت تراها لا تحيض، ثم كانت تراها تحيض، فرجعت إلى ما رواه المدنيون،
والله أعلم.
أدلة من منع کون دم
الحامل دم حيض
قال المانعون مِن كون دم الحامل دمَ حيض: قد قسم النبيُّ لَّ الإِماء
قسمين: حاملاً وجعل عدتها وضع الحمل، وحائلاً فجعل عدتها حَيضة، فكانت
(١) ((سنن البيهقي)) ٤٢٣/٧.
(٢) ديوان الهذليين ٩٣/٢ من قصيدة مطلعها:
أزهيرُ هَل عَنْ شيبةٍ من مَعْدِلِ أمْ لا سبيل إلى الشبابِ الأول
والغبر: البقية، وفساد مرضعة. يقول: لم تحمل عليه فتسقيه الغيل، والمغيل من الغيل:
وهو أن تغشى المرأة وهي ترضع، فذلك اللبن الغيل.
٦٤٩

الحيضة علماً على براءة رحمها، فلو كان الحيضُ يُجامع الحمل، لما كانت
الحيضةُ علماً على عدمه، قالوا: ولذلك جعل عدة المطلقة ثلاثة أقراء، لِيكون
دليلاً على عدم حملها، فلو جامع الحملُ الحيضَ، لم يكن دليلاً على عدمه:
قالوا: وقد ثبت في ((الصحيح))، أن النبي ؟ * قال لعمر بن الخطاب رضي الله عنه
حين طلق ابنُه امرأتَه وهي حائض: ((مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْها ثُمَّ لِيُمْسِكُها حَتَّى تَطْهُرَ، ثُمَّ
تَحِيض، ثُمَّ تَطْهُرَ، ثُمَّ إِنْ شَاءَ أَمْسَكَهَا بَعْدُ، وإِنْ شَاءَ طَلَّقَ قَبْلَ أَنْ يَمَسَّ، فَتِلكَ
العِدَّةُ التي أَمَرَ اللّهُ أَنْ تُطَلَّقِ لَهَا النِّسَاءُ)» (١).
طلاق الحامل ليس ببدعة
ووجه الاستدلال به، أن طلاقَ الحامل ليس ببدعةٍ في زمن الدم وغيره
إجماعاً، فلو كانت تحيضُ، لكان طلاقُها فيه، وفي طهرها بعد المسيس بدعة
عملاً بعموم الخبر، قالوا: وروى مسلم في ((صحيحه)) من حديث ابن عمر أيضاً
((مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا ثُمَّ لِيُطَلِّقْهَا طَاهِراً أَوْ حَامِلاً)(٢)، وهذا يدل على أن ما تراه من الدم
لا يكون حيضاً، فإنه جعل الطلاق في وقته نظير الطلاق في وقت الطهر سواء. فلو
كان ما تراه من الدم حيضاً، لكان لها حالان، حال طهر، وحال حيض، ولم يجز
طلاقها في حال حيضها، فإنه يكون بدعة قالوا: وقد روى أحمد في ((مسنده)) من
حديث رويفع، عن النبي ◌َّ، قال: ((لا يَحِلُّ لأحَدٍ أَنْ يَسْقِي مَاءِه زَرْعَ غَيْرِهِ، وَلاَ
يَقَعَ عَلى أمَةٍ حَتَّى تَحِيضَ أَوْ يَتَبَيَّنَ حَمْلُها))(٣). فجعل وجود الحيض علماً على
براءة الرحم من الحمل. قالوا: وقد رُوِيَ عن علي أنه قال: إن الله رفع الحيض
عن الحبلى، وجعل الدم مما تغيض الأرحام.
وقال ابنُ عباس رضي الله عنه: إن اللّهَ رفع الحيضَ عن الحبلى، وجعل
الدم رزقاً للولد، رواهما أبو حفص بن شاهين.
(١) تقدم تخريجه .
(٢)
تقدم تخريجه .
(٣) صحيح وقد تقدم.
٦٥٠

قالُوا: وروى الأثرم، والدارقطني بإسنادهما، عن عائشة رضي الله عنها في
الحامل ترى الدم، فقالت: الحامل لا تحيض، وتغتسل، وتصلي.
وقولها: وتغتسل، بطريق الندب لكونها مستحاضة، قالوا: ولا يُعرف عن
غيرهم خلافهم، لكن عائشة قد ثبت عنها أنها قالت: الحامل لا تُصلي. وهذا
محمول على ما تراه قريباً من الولادة باليومين ونحوهما، وأنه نفاس جمعاً بين
قوليها، قالوا: ولأنه دم لا تنقضي به العدة، فلم يكن حيضاً كالاستحاضة.
وحديث عائشة رضي الله عنها يدل على أن الحائض قد تحبل، ونحن نقول
بذلك، لكنه يقطع حيضَها ويرفعُه. قالوا: ولأن الله سبحانه أجرى العادة بانقلاب
دم الطمث لبناً غداءً للولد، فالخارجُ وقت الحمل يكون غيره، فهو دم فساد.
أدلة من جوز كون دم
الحامل دم حيض
قال المحيضون: لا نزاع أن الحاملَ قد ترى الدم على عادتها، لا سيما في
أول حملها، وإنما النزاعُ في حكم هذا الدم، لا في وجوده. وقد كان حيضاً قبل
الحمل بالاتفاق، فنحن نستصحِبُ حكمَه حتى يأتيَ ما يرفعه بيقين. قالوا:
والحكمُ إذا ثبت في محل، فالأصلُ بقاؤه حتى يأتيَ ما يرفعه، فالأول استضحابٌ
لحكم الإِجماع في محل النزاع، والثاني استصحابٌ للحكم الثابت في المحل
حتى يتحقق ما يرفعه، والفرقُ بينهما ظاهر. قالوا: وقد قال النبيُّ ◌َله: ((إذَا كَانَ
دَمُ الخَيْضِ فَإِنَّهُ أُسْوَدُ يُعْرَف))(١). وهذا أسود يُعرف، فكان حيضاً.
قالُوا: وقد قال النبيُّ ◌َّهِ: ((أَلَيْسَتْ إحْدَاكُنَّ إذَا حَاضَتْ لَمْ تَصُمْ ولم
تُصَلِّ؟)) (٢). وحيضُ المرأة خروج دمها في أوقات معلومة من الشهر لغة وشرعاً،
(١) أخرجه أبو داود (٢٨٦) و(٣٠٤) في الطهارة: باب من قال: توضأ لكل صلاة، والنسائي
١/ ١٨٥ في الحيض: باب الفرق بين دم الحيض والاستحاضة، وسنده حسن، وصححه
ابن حبان (١٣٣٨) والحاكم ١٧٤/١، ووافقه الذهبي، وصححه ابن حزم.
(٢) أخرجه البخاري ٣٤٦/١ في الحيض: باب ترك الحائض الصوم من حديث أبي سعيد
الخدري.
٦٥١

وهذا كذلك لغة، والأصل في الأسماء تقريرُها لا تغييرُها.
قالوا: ولأن الدم الخارج من الفرج الذي رتَّب الشارع عليه الأحكام
قسمان: حيض واستحاضة، ولم يجعل لهما ثالثاً، وهذا ليس باستحاضة، فإن
الاستحاضة الدمُ المطبق، والزائد على أكثر الحيض، أو الخارج عن العادة، وهذا
ليس واحداً منها، فبطل أن يكون استحاضة، فهو حيض، قالوا: ولا يمكنكم
إثباتُ قسم ثالث في هذا المحل، وجعله دَم فساد، فإن هذا لا يثبتُ إلا بنص أو
إجماع أو دليل يجب المصير إليه، وهو منتف. قالوا: وقد رد النبي دَّة
المستحاضة إلى عادتها، وقال: ((اجْلِسي قَدْرَ الأيَّامِ التي كُنْتِ تَحِيضِينَ))(١). فدل
على أن عادة النساء معتبرة في وصف الدم وحُكمه، فإذا جرى دم الحامل على
عادتها المعتادة، ووقتها من غير زيادة ولا نقصان ولا انتقال، دلَّت عادتُها على أنه
حيض، ووجب تحكيمُ عادتها، وتقديمُها على الفساد الخارج عن العبادة. قالوا:
وأعلمُ الأمة بهذه المسألة نساءُ النبي ◌َّةِ، وأعلمُهن عائشة، وقد صح عنها من
رواية أهل المدينة، أنها لا تُصلي، وقد شهد له الإِمام أحمد بأنه أصح من الرواية
الأخرى عنها، ولذلك رجع إليه إسحاق وأخبر أنه قولُ أحمد بن حنبل، قالوا:
ولا تُعرف صحة الآثار بخلاف ذلك عمن ذكرتم من الصحابة، ولو صحت فهي
مسألة نزاع بين الصحابة، ولا دليل يفصل.
قالوا: ولأن عدمَ مجامعة الحيضٍ للحمل، إما أن يُعلم بالحسِّ أو بالشرع،
وكلاهما منتف، أما الأوَّل: فظاهر، وأما الثاني: فليس عن صاحب الشرع ما يدل
على أنهما لا يجتمعان .
وأما قولُكم: إنه جعله دليلاً على براءة الرحم من الحمل في العدة
والاستبراء. قلنا: جعل دليلاً ظاهراً أو قطعياً الأول: صحيح. والثاني: باطل،
فإنه لو كان دليلاً قطعياً لما تخلف عنه مدلوله، ولكانت أول مدة الحمل من حين
(١) أخرجه البخاري ١/ ٣٦٠ في الحيض: باب إذا حاضت في شهر ثلاث حيض.
٦٥٢

انقطاع الحيض، وهذا لم يقله أحد، بل أولُ المدةِ مِن حين الوطء، ولو حاضت
بعده عدة حيض، فلو وطئها، ثم جاءت بولد لأكثر من ستة أشهر من حين الوطء،
ولأقل منها من حين انقطاع الحيض، لحقه النسبُ اتفاقاً، فعُلِمَ أنه أمارة ظاهرة،
قد يتخلف عنها مدلولُها تخلُّفَ المطر عن الغيم الرطب، وبهذا يخرج الجوابُ
عما استدللتُم به من السنة، فإنا بها قائلون، وإلى حكمها صائرون، وهي الحَكَمُ
بينَ المتنازعين. والنبيُّ ◌ََّ قسم النساء إلى قسمين: حامل فعِدتُها وضعُ حملها،
وحائل فعِدتها بالحيض، ونحن قائلون بموجب هذا غير منازعين فيه، ولكن أین
فيه ما يدل على أن ما تراه الحامل من الدم على عادتها تصومُ معه وتُصلي؟ هذا أمر
آخر لا تَعرُّضَ للحديث به، وهذا يقول القائلون: بأن دمَها دمُ حيض، هذه العبارة
بعينها، ولا يُعد هذا تناقضاً ولا خللاً في العبارة.
قالوا: وهكذا قولُه في شأن عبد الله بن عمر رضي الله عنه: ((مُرْهُ فَلْيُراجِعْها
ثُمَّ لِيُطَلِّقْها طَاهِراً قَبْلَ أَنْ يَمَسَّها))، إنما فيه إباحةُ الطلاق إذا كانت حائلاً بشرطين:
الطهر وعدم المسيس، فأين في هذا التعرضُ لِحكم الدم الذي تراه على حملها؟
وقولُكم: إن الحامل لو كانت تحيض، لكان طلاقُها في زمن الدم بدعة،
وقد اتفق الناسُ على أن طلاق الحامل ليس ببدعة وإن رأت الدم؟
قلنا: إن النبيَّ ◌َّ قسم أحوال المرأة التي يُريد طلاقَها إلى حال حمل،
وحالِ خلو عنه، وجوَّز طلاق الحامل مطلقاً من غير استثناء، وأما غيرُ ذات
الحمل، فإنما أباح طلاقها بالشرطين المذكورين، وليس في هذا ما يدل على أن
دم الحامل دم فساد، بل على أن الحامل تخالف غيرها في الطلاق، وأن غيرها
إنما تطلق طاهراً غير مصابة، ولا يُشترط في الحامل شيء من هذا، بل تطلُق
عقيبَ الإِصابة، وتطلُق وإن رأت الدم، فكما لا يحرُمُ طلاقُها عقيبَ إصابتها، لا
يحرُم حالَ حيضها. ولهذا الذي تقتضيه حِكمةُ الشارع في وقت الطلاق إذناً ومنعاً،
فإن المرأة متى استبان حملُها كان المطلق على بصيرة من أمره، ولم يعرض له مِن
الندم ما يعرِضُ لهن كلهن بعد الجماع، ولا يشعر بحملها، فليس ما مُنعَ منه نظير
٦٥٣

ما أُذِنَ فيه، لا شرعاً، ولا واقعاً، ولا اعتباراً، ولا سيما مَنْ عَلَّل المنع من الطلاق
في الحيض بتطويل العِدة، فهذا لا أثر له في الحامل.
قالوا: وأما قولُكم: إنه لو كان حيضاً، لانقضت به العِدة، فهذا لا يلزمُ،
لأن اللّه سبحانه جعل عِدة الحامل بوضع الحمل، وعدة الحائل بالأقراء، ولا
يُمكن انقضاءُ عِدة الحامل بالأقراء لإِفضاء ذلك إلى أن يملكها الثاني ويتزوجها
وهي حامل من غيره، فيسقي مَاءَه زَرْعَ غيره.
قالوا: وإذا كنتُم سلمتم لنا أن الحائض قد تحبل، وحملتُم على ذلك
حديث عائشة رضي الله عنها ولا يمكنكم منع ذلك لشهادة الحس به، فقد أعطيتُم
أن الحيض والحبل يجتمعان، فبطل استدلالُكم من رأسه، لأن مداره على أن
الحيض لا يُجامع الحبل.
فإن قلتم: نحن إنما جوزنا ورودَ الحمل على الحيض، وكلامُنا في عكسه،
وهو ورودُ الحيض على الحمل، وبينهما فرق.
قيل: إذا كانا متنافيين لا يجتمعان، فأيُّ فرق بين ورود هذا على هذا
وعكسه؟
وأما قولكم: إن الله سبحانه أجرى العادة بانقلاب دم الطمث لبناً يتغذّى به
الولد، ولهذا لا تحيض المراضع. قلنا: وهذا من أكبر حجتنا عليكم، فإن هذا
الانقلاب والتغذية باللبن إنما يستحكم بعد الوضع، وهو زمن سلطان اللبن،
وارتضاع المولود، وقد أجرى الله العادة بأن المرضع لا تحيض. ومع هذا، فلو
رأت دماً في وقت عادتها، لحكم له بحكم الحيض بالاتفاق، فلأن يحكم له
بحكم الحيض في الحال التي لم يستحكم فيها انقلابه، ولا تغذى الطفل به أولى
وأحرى. قالوا: وهب أن هذا كما تقولون، فهذا إنما يكون عند احتياج الطفل إلى
التغذية باللبن، وهذا بعدَ أن يُنُفخ فيه الروح. فأما قبل ذلك، فإنه لا ينقلب لبناً
لعدم حاجة الحمل إلیه .
٦٥٤

وأيضاً، فإنه لا يستحيل كله لبناً، بل يستحيل بعضه، ويخرج الباقي، وهذا
القول هو الراجح كما تراه نقلاً ودليلاً، والله المستعان.
فإن قيل: فهل تمنعون من الاستمتاع بالمُسْتَبرأة بغير الوطء في الموضع
الذي يجب فيه الاستبراء؟ قيل: أما إذا كانت صغيرة لا يوطأ مثلها، فهذه لا تحرم
قبلتها ولا مباشرتها، وهذا منصوص أحمد في إحدى الروايتين عنه، اختارها أبو
محمد المقدسي، وشيخنا وغيرُهما، فإنه قال: إن كانت صغيرة بأي شيء تستبرأ
إذا كانت رضيعة؟ وقال في رواية أخرى: تستبرأ بحيضة إن كانت تحيض، وإلا
ثلاثة أشهر إن كانت ممن توطأ وتحبل. قال أبو محمد: فظاهر هذا أنه لا يجب
استبراؤها، ولا تحرم مباشرتها، وهذا اختيار ابن أبي موسى، وقولُ مالك وهو
الصحيح، لأن سبب الإباحة متحقق، وليس على تحريمها دليل، فإنه لا نص فيها
ولا معنى نص، فإن تحريم مباشرة الكبيرة إنما كان لكونه داعياً إلى الوطء
المحرم، أو خشية أن تكون أمَّ ولد لغيره، ولا يتوهم هذا في هذه، فوجب العمل
بمقتضى الاباحة، انتهى كلامه.
فصل
وإن كانت ممن يُوطأ مثلُها، فإن كانت بكراً، وقلنا: لا يجبُ استبراؤها،
فظاهر، وإن قلنا: يجب استبراؤُها فقال أصحابنا: تحرم قبلتُها ومباشرتها،
وعندي أنه لا يحرم، ولو قلنا بوجوب استبرائها، لأنه لا يلزم من تحريم الوطء
تحريم دواعيه، كما في حق الصائم، لا سيما وهم إنما حرَّموا تحريم مباشرتها
لأنها قد تكون حاملاً، فيكون مستمتعاً بأمة الغير، هكذا عللوا تحريم المباشرة،
ثم قالوا: ولهذا لا يحرم الاستمتاع بالمسبية بغير الوطء قبل الاستبراء في إحدى
الروايتين، لأنها لا يُتوهم فيها انفساخ الملك، لأنه قد استقرَّ بالسبي، فلم يبق
لمنع الاستمتاع بالقبلة وغيرها مِن البِكر معنى. وإن كانت ثيباً، فقال أصحاب
أحمد، والشافعي وغيرهم: يحرم الاستمتاعُ بها قبل الاستبراء، قالوا: لأنه
استبراءٌ يحرم الوطء، فحرم الاستمتاع بها قبل الاستبراء كالعِدة، ولأنه لا يأمن
مباشرة البكر في وقت
الاستبراء
٦٥٥
هل يمنع من الاستمتاع
بالمستبرأة بغير الوطء
في الموضع الذي يجب
فيه الاستبراء؟ مباشرة
الصغيرة في وقت
الاستبراء

كونها حاملاً، فتكون أم ولد، والبيع باطل، فيكون مستمتعاً بأمِّ ولد غيره. قالوا:
ولهذا فارق وطء تحريم الحائض والصائم.
وقال الحسن البصري: لا يحرم من المستبرأة إلا فرجُها، وله أن يستمتعَ
منها بما شاء ما لم يطأ، لأن النبي ◌َّ إنما منع من الوطء قبل الاستبراء، ولم يمنع
مما دونه، ولا يلزمُ مِن تحريم الوطء تحريمُ ما دونه، كالحائض والصائمة وقد
قيل: إن ابن عمر قبَّل جاريتَه من السبي حين وقعت في سهمه قبل استبرائها(١).
ولمن نصر هذا القول أن يقولَ: الفرقُ بين المشتراة والمعتدة: أن المعتدة قد
صارت أجنبية منه، فلاَ يَحِلُّ وطؤها ولا دواعيه، بخلاف المملوكة، فإن وطأها
إنما يحرم قبل الاستبراء خشيةً اختلاط مائه بماء غيره، وهذا لا يُوجب تحريمَ
الدواعي، فهي أشبهُ بالحائض والصائمة، ونظيرُ هذا أنه لو زنت امرأتُه أو جاريتُه،
حرم عليه وطؤها قبل الاستبراء، ولا يحرُمُ دواعيه، وكذلك المسبية كما سيأتي.
وأكثرُ ما يتوهم كونها حاملاً من سيدها، فينفسخ البيع، فهذا بناء على تحريم بيع
أمهاتِ الأولاد على عِلاَّته، ولا يلزم القائل به، لأنه لما استمتع بها، كانت ملكه
ظاهراً، وذلك يكفي في جواز الاستمتاع، كما يخلو بها ويُحدِّثُها، وينظر منها ما
لا يُباح من الأجنبية، وما كان جوابُكم عن هذه الأمور، فهو الجوابُ عن القُبلة
والاستمتاع، ولا يُعلم في جواز هذا نزاع، فإن المشتريَ لا يُمنع مِن قبض أمته
وحوزها إلى بيته، وإن كان وحدَه قبلَ الاستبراء، ولا يجبُ عليها أن تستُرَ وجهها
منه، ولا يَحرُمُ عليه النظرُ إليها والخلوةُ بها، والأكلُ معها، واستخدامها،
والانتفاعُ بمنافعها، وإن لم يَجُزْ له ذلك في ملك الغير.
فصل
وإن كانت مَسْبِيَّةً، ففي جواز الاستمتاع بغير الوطء قولان للفقهاء، وهما
روايتان عن أحمد رحمه الله .
الاستمتاع بغير الوطء
للمسبية
(١) ضعيف وقد تقدم.
٦٥٦

إحداهما: أنها كغير المسبية، فيحرم الاستمتاع منها بما دون الفَرْج، وهو
ظاهر كلام الخِرَقي، لأنه قال: ومن مَلَك أمةً، لم يصبْها ولم يُقَبِّلْها حتى يستبرئهَا
بعد تمام ملکه لها .
والثانية: لا يحرم، وهو قول ابن عمر رضي الله عنه. والفرق بينها وبين
المملوكة بغير السبي، أن المسبيَّةَ لا يتوهم فيها كونها أُمَّ ولد، بل هي مملوكة له
على كل حال، بخلاف غيرها كما تقدَّم والله أعلم.
فإن قيل: فهل يكونُ أولُ مدة الاستبراء من حين البيع، أو من حين القبض؟ هل تبدأ مدة الاستبراء من
حين البيع؟
قيل: فيه قولان، وهما وجهان في مذهب أحمد رحمه الله. أحدهما: من
حين البيع، لأن الملك ينتقل به. والثاني: من حين القبض لأن القصد معرفة براءة
رحمها من ماء البائع وغيره، ولا يحصل ذلك مع كونها في يده، وهذا على أصل
الشافعي وأحمد. أما على أصل مالك، فيكفي عنده الاستبراءُ قبل البيع في
المواضع التي تقدَّمت. فإن قيل: فإن كان في البيع خيار، فمتى يكون ابتداء مدة
الاستبراء؟
قيل: هذا ينبني على الخلاف في انتقال الملك في مدة الخيار، فمن قال:
ينتقل، فابتداء المدة عنده من حين البيع، ومن قال: لا ينتقل فابتداؤها عنده من
حين انقطاع الخيار.
فإن قيل: فما تقولون لو كان الخيارُ خيارَ عَيْب؟ قيل: ابتداء المدة من حين
البيع قولاً واحداً، لأن خِيَارَ العيب لا يمنع نقل الملك بغير خلاف، والله أعلم.
فصل
فإن قيل: قد دلت السُّنَّةُ على استبراء الحامل بوضع الحمل، وعلى استبراء
الحائل بحيضةٍ فكيف سكتت عن استبراء الآيسةِ والتي لم تحض ولم تسكت عنهما
في العدة؟
هل سكتت السنة عن
استبراء الآيسة والتي لم
تحض؟
٦٥٧

قيل: لم تسكت عنهما بحمد الله، بل بينتْهما بطريق الإِيماء والتنبيه، فإن الله
سبحانه جعل ◌ِدَّةَ الحرة ثلاثةَ قُروء، ثم جعل عِدَّة الآيسة والتي لم تحض ثلاثة
أشهر، فعلم أنه سبحانه جعل في مقابلة كل قَرْء شهراً. ولهذا أجرى سبحانه عادته
الغالبةَ في إمائه، أن المرأة تحيض في كل شهر حيضة، وبينت السُّنَّهُ أن استبراء
الأمة الحائض بحيضة، فيكون الشهر قائماً مقام الحيضة، ولهذا إحدى الروايات
عن أحمد، وأحد قولي الشافعي. وعن أحمد رواية ثانية: أنها تُسْتَبْرَأُ بثلاثة
أشهر، وهي المشهورة عنه، وهو أحد قولي الشافعي. ووجه لهذا القول، ما احتج
به أحمد في رواية أحمد بن القاسم، فإنه قال: قلت لأبي عبد الله: كيف جعلتَ
ثلاثةَ أشهر مكان حيضةٍ، وإنما جعل الله سبحانه في القرآن مكان كُلِّ حيضةٍ شهراً؟
فقال أحمد: إنما قلنا: ثلاثة أشهر من أجل الحمل، فإنه لا يتبين في أقلَّ
من ذلك، فإن عمر بن عبد العزيز سأل عن ذلك، وجمع أهل العلم والقوابلَ،
فأخبروا أن الحملَ لا يتبين في أقل من ثلاثة أشهر، فأعجبه ذلك، ثم قال: ألا
تسمع قول ابن مسعود: إن النطفة تكون أربعين يوماً علقة، ثم أربعين يوماً مضغة
بعد ذلك، فإذا خرجت الثمانون، صارت بعدها مضغةً، وهي لحم، فيتبين
حينئذ .
قال ابن القاسم: قال لي: هذا معروف عند النساء. فأما شهر، فلا معنى
فیه، انتهى كلامه .
وعنه رواية ثالثة: أنها تُسْتَبْرَأُ بشهر ونصف، فإنه قال في رواية حَنْبَل: قال
عطاء: إن كانت لا تحيض، فخمسة وأربعون ليلة. قال حنبل: قال عمي: لذلك
أذهب، لأن عدة المطلقة الآيسة كذلك، انتھی کلامه.
ووجه لهذا القول: أنها لو طلقت وهي آيسة، اعتدت بشهر ونصفٍ في
رواية، فَلأَّنْ تُسْتَبْرَأَ الأمةُ بهذا القدر أولى.
وعن أحمد رواية رابعة: أنها تُستبرَأُ بشهرين، حكاها القاضي عنه،
٦٥٨

واستشكلها كثير من أصحابه، حتى قال صاحب ((المغني)): ولم أر لذلك وجهاً.
قال: ولو كان استبراؤُها بشهرين، لكان استبراءُ ذاتِ القُروء بقَرْءيْن، ولم نعلم به
قائلاً .
ووجه هذه الرواية، أنها اعتبرت بالمطلّقة، ولو طُلِّقتْ وهي أمة لكانت
عدتُها شهرين، هذا هو المشهور عن أحمد رحمه الله، واحتج فيه بقول عمر
رضي الله عنه، وهو الصواب، لأن الأشهُرَ قائمةٌ مقام القُروء، وعِدَّة ذاتِ القُروء
قَرءان، فبدلهما شهران، وإنما صرنا إلى استبراءِ ذاتِ القَرء بحيضة، لأنها عَلَم
ظاهر على براءتها من الحمل، ولا يَحْصُلُ ذلك بشهر واحد، فلا بدَّ من مدة تظهر
فيها براءتها، وهي إما شهران أو ثلاثة، فكانت الشهران أولى، لأنها جُعِلَتْ عَلماً
على البراءة في حق المطلّقة، ففي حق المُسْتَبرأَةِ أولى، فهذا وجه هذه الرواية.
وبعدُ، فالراجح من الدليل: الاكتفاء بشهر واحد، وهو الذي دل عليه إيماء
النص وتنبيهه، وفي جعل مدة استبرائها ثلاثة أشهر تسويةٌ بينها وبين الحرة،
وجعلها بشهرين تسويةٌ بينها وبين المطلّقة، فكان أولى المُدد بها شهراً، فإنه البدل
التامُ، والشارع قد اعتبر نظيرَ هذا البدل في نظيرِ الأمة، وهي الحرة، واعتبره
الصحابة في الأمة المطلّقة، فصح عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال:
عِدَّتُها حيضتان، فإن لم تكن تحيض، فشهران، احتج به أحمد رحمه الله. وقد
نص أحمد رحمه الله في أشهر الروايات عنه على أنها إذا ارتفع حيضُها لا تدري ما
رَفَعَهُ، اعتدت بعشرة أشهر، تسعةٍ للحمل، وشهرٍ مكان الحيضة.
وعنه رواية ثانية: تعتدُّ بِسَنَةٍ، هذه طريقة الشيخ أبي محمد، قال: وأحمد
هاهنا جعل مكان الحيضة شهراً، لأن اعتبارَ تكرارِها في الآيسةِ لِتُعْلَم براءتُها من
الحمل، وقد علم براءتها منه هاهنا بمضي غالب مُدَّته، فجعل الشهر مكان
الحيضة على وفق القياس، وهذا هو الذي ذكره الخِرَقيُّ مفرِّقاً بين الآيسة، وبين
من ارتفع حيضُها، فقال: فإن كانت آيسةً، فبثلاثة أشهر، وإن ارتفعَ حيضُها لا
تدري ما رَفَعَهُ، اعتدت بتسعة أشهر للحمل، وشهر مكان الحيضة.
٦٥٩

وأما الشیخُ أبو البركات، فجعل الخلاف في الذي ارتفع حيضُها، کالخلافِ
في الآيسةِ، وجعل فيها الروايات الأربع بعد غالب مدةِ الحملِ تسويةً بينها وبين
الآيسة، فقال في ((محرره)): والآيسة، والصغيرة بمضي شهر. وعنه: بمضي ثلاثة
أشهر. وعنه: شهرين، وعنه: شهر ونصف. وإن ارتفع حيضها لا تدري ما رَفَعَهُ،
فبذلك بعد تسعة أشهر .
وطريقة الخِرَقي، والشيخ أبي محمد أصح، ولهذا الذي اخترناه من الاكتفاء
بشهر، هو الذي مال إليه الشيخ في ((المغني)) فإنه قال: ووجه استبرائها بشهرٍ، أن
الله جعل الشهرَ مكان الحَيْضَةِ، ولذلك اختلفت الشهورُ باختلاف الحيضات،
فكانت عِدَّة الحُرة الآيسةِ ثلاثَة أشهر مكانَ الثلاثة قُروء، وعِدَّة الأمة شهرين،
مكان القَرْءيْن، وللأُمةِ المستبرأةِ التي ارتفع حيضها عشرة أشهر، تِسعةٌ للحمل،
وشهر مكان الحيضة، فيجب أن يكون مكانَ الحيضة هنا شهرٌ، كما في حق من
ارتفع حيضها .
قال: فإن قيل: فقد وجدتم ما دل على البراءة وهو تربص تسعة أشهر.
قلنا: وهاهنا ما يدل على البراءة وهو الإِپاس، فاستويا.
ذكر أحكامه في البيوع
ذكر حكمه ل فيما يحرم بيعه
ثبت في ((الصحيحين)): من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما، أنه
سمع النبيَّ رََّ يقول: ((إن اللّهَ ورسولَه حرَّم بيع الخمر، والميتةِ، والخنزير،
والأصْنَام)). فقيل: يا رَسُول اللّهِ: أرأيت شُحوم الميتة، فإنها يُطلى بها الشُّفن،
ويُدهَنُ بها الجلودُ، ويَسْتَصْبِحُ بها الناسُ؟ فقال: ((لاَ، هُوَ حَرَامٌ)) ثم قَالَ
رَسُولُ اللّهَ بَّه عند ذلك: ((قاتَلَ اللّهُ اليَهُودَ إنَّ اللّهَ لمَّا حَرَّمَ عَلَيْهِمْ شُحُومَها
٦٦٠