Indexed OCR Text
Pages 621-640
شرائع الدين الذي التزمه، كما خُلِّيَ بينه وبين أصله ما لم يُحاكم إلينا، وهذه القاعدة متفق عليها بين العلماء، ولكن عذرُ الذين أوجبوا الإِحداد على الذمية، أنه يتعلق به حقُّ الزوجِ المسلم، وكان منه إلزامها به كأصل العدة، ولهذا لا يُلزمونها به في عِدتها مِن الذمي، ولا يُتُعرض لها فيها، فصار لهذا كعقودهم مع المسلمين، فإنهم يُلزمون فيها بأحكام الإِسلام وإن لم يتعرض لِعقودِهم مع بعضهم بعضاً، ومن يُنازعهم في ذلك يقولون: الإِحدادُ حق الله تعالى، ولهذا لو اتفقت هي والأولياء والمتوفَّى على سقوطه بأن أوصاها بتركه، لم يسقط، ولزمها الاتيانُ به فهو جارٍ مجرى العِبادات، وليست الذمية من أهلها، فهذا سر المسألة. فصل الحكم الرابع: أن الإِحداد لا يجبُ على الأمة، ولا أمّ الولد إذا مات لا يجب الإحداد على الأمة سيدُهما، لأنهما ليسا بزوجين. قال ابنُ المنذر: لا أعلمهم يختلِفُون في ذلك. ولا أم الولد فإن قيل: فهل لهما أن تُحِدَّا ثلاثَةَ أيام؟ قيل: نعم لهما ذلك، فإن النصَّ إنما حرم الإِحداد فوق الثلاث على غير الزوج، وأوْجَبَه أربعة أشهر وعشراً على الزوج، فدخلت الأمةُ وأُّ الولد فيمن يحل لهن الإِحداد، لا فيمن يَحْرُمُ عليهن، ولا فیمن یجب. فإن قيل: فهل يجب على المعتدة مِن طلاق أو وطءٍ شبهة، أو زنى، أو استبراء إحداد؟ لا إحداد على غير المتوفى عنها زوجها قلنا: هذا هو الحكمُ الخامس الذي دلَّت عليه السنة، أنه لا إحداد على واحدةٍ من هؤلاء، لأن السنة أثبتت ونفت، فخصَّت بالإِحدادِ الوَاجِبِ الزوجاتِ، وبالجائز غيرَهن على الأمواتِ خاصة، وما عداهما، فهو داخل في حُكم التحريم على الأموات، فمن أين لكم دخولُه في الإِحداد على المطلقة البائن؟ وقد قال سعيد بن المسيب، وأبو عبيد، وأبو ثور، وأبو حنيفة وأصحابُه، والإِمام أحمد في إحدى الروايتين عنه اختارها الخِرقي: إن البائن يجب عليها الإِحداد، وهو ٦٢١ مخصُ القياس، لأنها معتدة بائن مِن نكاح، فلزمها الإِحداد كالمتوفَّى عنها، لأنهما اشتركا في العِدة، واختلفا في سببها، ولأن العِدة تُحرِّمُ النكاح، فَحَرُمَتْ دواعيه. قالوا: ولا ريبَ أن الإِحداد معقولُ المعنى، وهو أن إظهار الزينة والطِّيب والحُلِي، مما يدعو المرأة إلى الرجال، ويدعُو الرجال إليها: فلا يُؤمن أن تكذِبَ في انقضاء عدتها استعجالاً لذلك، فمُنِعَتْ مِن دواعي ذلك، وسدت إليه الذريعة، هذا مع أن الكذب في عدة الوفاة يتعذَّر غالباً بظهورِ موت الزوج، وكونِ العِدة أيَّاماً معدودة، بخلاف عِدة الطلاق، فإنها بالأقراء وهي لا تُعلم إلا من جهتها، فكان الاحتياطُ لها أولى. قيل: قد أنكر اللّهُ سبحانه وتعالى على مَنْ حَرَّمَ زِيْنَتَهُ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ والطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ. وهذا يدل على أنه لا يجوز أن يُحرِّمَ من الزينة إلا ما حرَّمه اللّهُ ورسولُه، واللّهُ سبحانه قد حرَّم على لسان رسوله ◌َنّة زينة الإحداد علی المتوفَّى عنها مدة العدة، وأباح رسولُه الإحدادَ بتركها على غير الزوج، فلا يجوز تحريمُ غير ما حرمه، بل هو على أصلِ الإِباحة، وليس الإِحدادُ مِن لوازم العدة، ولا توابعها، ولهذا لا يجب على الموطوءة بشبهة، ولا المزني بها، ولا المستبرَأة، ولا الرجعيَّةِ اتفاقاً، وهذا القياسُ أولى مِن قياسها على المتوفى عنها لما بين العِدتين من القُروء قدراً أو سبباً وحكماً، فإلحاقُ عِدة الأقراء بالأقراء أولى من إلحاق عِدة الأقراء بعِدة الوفاة، وليس المقصودُ من الإِحداد على الزوج الميت مجرَّدَ ما ذكرتم مِن طلب الاستعجال، فإن العدة فيه لم تكن لمجرد العلم ببراءةٍ الرَّحِم، ولهذا تجِبُ قبلَ الدخول، وإنما هو مِن تعظيم لهذا العقد وإظهارِ خطره وشرفه، وأنه عند الله بمكان، فجعلت العدة حريماً له، وجعل الإِحداد مِن تمام لهذا المقصود وتأكده، ومزيدِ الاعتناء به، حتى جُعِلَت الزوجة أولى بفعله على زوجها مِن أبيها وابنها وأخيها وسائرِ أقاربها، ولهذا مِن تعظيم هذا العقدِ وتشريفِه، وتأكدِ الفرقِ بينه وبين السِّفاح من جميع أحكامه، ولهذا شُرِعَ في ابتدائه إعلانُه، والإشهادُ عليه، والضَّربُ بالدّف لتحقق المضادة بينَه وبينَ السفاح، وشرع في ٦٢٢ آخره، وانتهائه من العدة والإحداد ما لم يُشرع في غيره. فصل الحكم السادس في الخصال التي تجتنِبها الحادةُ، وهي التي دل عليها النصُّ دون الآراءِ والأقوال التي لا دليل عليها وهي أربعة. الخصال التي تجتنبها الحادة الطيب أحدها: الطيب بقوله في الحديث الصحيح: ((لاَ تَمُسُ طِيباً))، ولا خلافَ في تحريمه عند من أوجب الإِحداد، ولهذا لما خرجت أمُّ حبيبة رضي الله عنها من إحدادها على أبيها أبي سفيان، دعت بطيب، فدهنت منه جارية، ثم مست بعارضيها، ثم ذكرتِ الحديثَ، ويدخل في الطيب: المسكُ، والعنبرُ، والكافورُ، والند، والغالِية، والزَّباد، والذَّريرة، والبخور، والأدهان المطيبة، كدُهن البان، والورد، والبنفسج، والياسمين، والمياه المعتصرة من الأدهان الطيبة، كماء الورد، وماء القرنفل، وماء زهر النارنج، فهذا كُلُّه طِيب، ولا يدخُلُ فيه الزيتُ، ولا الشيرج، ولا السمن، ولا تُمنع من الأدهان بشيء من ذلك. فصل الحكم السابع: وهي ثلاثة أنواع. أحدها: الزينة في بدنها، فيحرم عليها تجتنب الحادة الزينة في الخضابُ، والنَّقْشُ، والتطريفُ، والحُمرة، والاسفيدَاجُ، فإن النبيَّ ◌َِّ نص على بدنها الخضاب منبهاً به على هذه الأنواع التي هي أكثرُ زينة منه، وأعظم فتنة، وأشدُّ مضادة لمقصود الإحداد، ومنها: الكُحل، والنهي عنه ثابت بالنص بالصريح الصحيح. ثم قال طائفة من أهل العلم من السلف والخلف: منهم أبو محمد بن حزم: لا تكتحِلُ ولو ذهبت عيناها لا ليلاً ولا نهاراً، ويُساعد قولَهم، حديثُ أم سلمة المتفق عليه: أن امرأة توفي عنها زوجها، فخافوا على عينها، فأَتَوُا النبي ◌ِّ ، فاستأذنوه في الكحل، فما أذن فيه، بل قال: ((لا)) مرتين أو ثلاثاً، ثم ذكر لهم ما كانوا يفعلونه في الجاهلية من الإِحداد البليغ سنَةً، ويصبِرن على ذلك، أفلا ٦٢٣ يصبرن أربعة أشهر وعشراً (١). ولا ريب أن الكحل من أبلغ الزينة، فهو كالطيب، أو أشد منه. وقال بعض الشافعية: للسوداء أن تكتحل، وهذا تصرف مُخَالِفٌ للنص والمعنى، وأحكامُ رسول الله وََّ لا تُفرِّق بين السود والبيض، كما لا تُفرق بين الطِوال والقِصار، ومثلُ هذا القياس بالرأي الفاسد الذي اشتد نكيرُ السلف له، وذقُّهم إياه . وأما جمهور العلماء، كمالك، وأحمد، وأبي حنيفة والشافعي، وأصحابهم، فقالوا: إن اضطرت إلى الكحل بالإِئمد تداوياً لا زينة، فلها أن تكتحِلَ به ليلاً وتمسحه نهاراً، وحجتُهم: حديثُ أم سلمة المتقدم رضي الله عنها، فإنها قالت في كحل الجلاء: لا تكتَحِلُ إلا لما لا بُدَّ منه، يَشْتَدُّ عَلَيْكِ فتكتحلين بالليل، وتغسلينه بالنهار. ومِن حجتهم: حديث أم سلمة رضي الله عنها الآخر: أن رسول الله بَّيه دخل عليها، وقد جعلت عليها صَبراً فقال: ((ما هذا يا أم سلمة))؟ فقلت: صبر يا رسول الله، ليس فيه طيب فقال: ((إنه يُشبُّ الوَجْهَ))، فقال: ((لاَ تجعليه إلا باللَّيْل وَتَنْزِعِيه بالنَّهَار))، وهما حديثٌ واحد، فرَّقه الرواةُ، وأدخل مالك هذا القدر منه في ((موطئه)) بلاغاً، وذكر أبو عمر في ((التَمهيد)) له طرقاً يَشدُّ بعضُها بعضاً، ويكفي احتجاجُ مالك به، وأدخله أهلُ السنن في كتبهم، واحتج به الأئمةُ، وأقلُّ درجاته أن يكون حسناً، ولكن حديثُها هذا مخالف في الظاهر لحديثها المسند المتفق عليه، فإنه يَدُلُّ على المتوفى عنها لا تكتحِلُ بحال، فإن النبي ◌ٍَّ لم يأذن للمشتكية عينها في الكحل لا ليلاً ولا نهاراً، ولا مِن ضرورة ولا غيرِها، وقال: ((لا))، مرتين أو ثلاثاً، ولم يقل: إلا أن تضطر. وقد ذكر مالك عن نافع، عن صفية ابنة عبيد، أنها اشتكت عينها وهي حَادٌّ على زوجها عبد الله بن عمر، فلم تكتحِل حتى كادت عيناها تَرْمَصَانِ(٢). (١) تقدم تخريجه قريباً. (٢) أخرجه مالك ٥٩٩/٢ في الطلاق: باب ما جاء في الإحداد، وإسناده صحيح. ٦٢٤ قال أبو عمر: وهذا عندي وإن كان ظاهره مخالفاً لحديثها الآخر لما فيه من إباحته بالليل وقوله في الحديث الآخر: ((لا)) مرتين أو ثلاثاً على الإطلاق، أن ترتيبَ الحديثَين والله أعلم على أن الشكاة التي قال فيها رسولُ الله ◌ِ ﴾: لا، لم تبلغ - والله أعلم - مِنها مبلغاً لا بُدَّ لها فيه مِن الكحل، فلذلك نهاها، ولو كانت محتاجة مضطرة تخافُ ذهابَ بصرها، لأباح لها ذلك، كما فعل بالتي قال لها: ((اجعليه باللَّيْلِ وامْسَحيهِ بالنَّهارِ))، والنظر يشهد لهذا التأويل، لأن الضرورات تنقُل المحظورات إلى حال المباح في الأصول، ولهذا جعل مالك فتوى أم سلمة رضي الله عنها تفسيراً للحديث المسند في الكحل، لأن أم سلمة رضي الله عنها روته، وما كانت لِتِخالِفَه إذا صحَّ عندها، وهي أعلمُ بتأويله ومخرجه، والنظرُ يشهد لذلك، لأن المضطر إلى شيء لا يُحكم له بحكم المرفَّه المتزين بالزينة، وليس الدواء والتداوي من الزينة في شيء، وإنما نُهيت الحادة عن الزينة لا عن التداوي، وأم سلمةَ رضي الله عنها أعلم بما روت مع صحته في النظر، وعليه أهلُ الفقه، وبه قال مالك والشافعي، وأكثر الفقهاء. وقد ذكر مالك رحمه الله في ((موطئه)) أنه بلغه عن سالم بن عبد الله، وسليمان بن يسار، أنهما كانا يقولانِ في المرأة يُتوفى عنها زوجها: إنها إذا خشيت على بصرها مِن رمدٍ بعينيها، أو شكوى أصابتها، أنها تكتحل وتتداوى بالكحل وإن كان فيه طيب(١). قال أبو عمر: لأن القصد إلى التداوي لا إلى التطيب، والأعمال بالنيات. وقال الشافعي رحمه الله، الصبر يصفر، فيكون زينة، وليس بطيب، وهو كحل الجلاء، فأذنت أم سلمة رضي الله عنها للمرأة بالليل حيث لا ترى، وتمسحه بالنهار حيث يرى، وكذلك ما أشبهه . وقال أبو محمد بن قدامة في ((المغني)): وإنما تُمنع الحادةُ مِن الكُحل (١) ((الأم)) ٢٣٢/٥. ٦٢٥ بالإثمد، لأنه الذي تحصل به الزينة، فأما الكُحل بالتوتيا والعنزرَوت ونحوهما، فلا بأس به، لأنه لا زينةَ فيه، بل يُقَبِّح العين ويزيدها مَرَهاً. قال: ولا تُمنع مِن جعل الصَّبِرِ على غير وجهها من بدنها، لأنه إنما مُنعَ منه في الوجه، لأنه يُصفره، فيشبه الخضاب، فلهذا قال النبيُّ رَّة: إنه يُشب الوجه. قال: ولا تُمنع مِن تقليم الأظفار، ونتفِ الإِبِط، وحلقِ الشعر المندوب إلى حلقه، ولا من الاغتسال بالسِّدر، والامتشاط به، لحديثٍ أم سلمة رضي الله عنها، ولأنه يراد للتنظيف لا للتطيب، وقال إبراهيم بن هانىء النيسابوري في ((مسائله)) قيل لأبي عبد الله المتوفى عنها تكتحِلُ بالإثمد؟ قال: لا، ولكن إذا أرادت، اكتحلت بالصَّبِر إذا خافت على عينها واشتكت شكوى شديدة. فصل النوع الثاني: زينةُ الثياب، فيحرُم عليها ما نهاها عنه النبي ◌ََّ، وما هو أولى بالمنع منه، وما هو مثلُه. وقد صح عنه أنه قال: ((ولاَ تَلْبَسُ ثَوْباً مَصْبُوغاً». ولهذا يعم المعصفَر والمزعفر، وسائرَ المصبوغ بالأحمر والأصفر، والأخضر، والأزرق الصافي، وكل ما يُصبغ للتحسين والتزيين. وفي اللفظ الآخر: ((وَلاَ تَلْبَسُ المُعَصْفَرَ مِنَ الشِّابِ، ولا المُمَشَّقِ)». تجتنب الحادة زينة الثياب وههنا نوعان آخران. أحدهما: مأذون فيه، وهو ما نُسج من الثياب على وجهه، ولم يدخل فيه صبغ من خز، أو قز، أو قطن، أو كتان، أو صوف، أو وبر، أو شعر، أو صبغ غزله ونسج مع غيره کالبرُود. والثاني: ما لا يُراد بصبغه الزينة مثل السواد، وما صُبغ لتقبيح، أو ليستر الوسخ، فهذا لا يمنع منه. قال الشافعي رحمه الله: في الثياب زينتان. إحداهما: جمال الثياب على اللابسين، والسترة للعورة. فالثيابُ زينة لمن يلبسُها، وإنما نُهيت الحادةُ عن زينة بدنها، ولم تُنه عن ستر عورتها، فلا بأس أن تلبس كُلَّ ثوبٍ من البياض، لأن ٦٢٦ البياض ليس بمزين، وكذلك الصوفُ والوبر، وكل ما يُنسج على وجهه ولم يدخل عليه صِبغ من خز أو غيره، وكذلك كُلُّ صبغ لم يرد به تزيين الثوب مثل السواد، وما صبغ لتقبيحه، أو لنفي الوسخ عنه، فأما ما كان مِن زينة، أو وشي في ثوبه أو غيره، فلا تلبسه الحادة، وذلك لِكل حرة أو أمة، كبيرة أو صغيرة، مسلمة أو ذمیة. انتهى كلامه(١). قال أبو عمر: وقول الشافعي رحمه الله في هذا الباب نحو قول مالك، وقال أبو حنيفة: لا تلبَسُ ثوب عصب ولا خز وإن لم يكن مصبوغاً إذا أرادت به الزينة، وإن لم تُرد بلبس الثوب المصبوغ الزينة، فلا بأس أن تلبسه. وإذا اشتكت عينُها، اكتحلت بالأسود وغيره، وإن لم تشتكِ عينُها، لم تكتحل. فصل وأما الإِمام أحمد رحمه الله، فقال في رواية أبي طالب: ولا تتزين المعتدة، ولا تتطيب بشيء من الطيب، ولا تكتحِلُ بكُحل زِينة، وتدَّهنُ بدُهن ليس فيه طيب، ولا تُقرِّبُ مسكاً، ولا زعفراناً للطيب، والمطلقة واحدة أو اثنتين تتزيَّن، وتتشوَّفُ لعله أن يُراجعها . وقال أبو داود في ((مسائله)): سمعت أحمد قال: المتوفَّى عنها زوجُها، والمطلقةُ ثلاثاً، والمحرمة يجتنبْنَ الطيبَ والزينة . وقال حرب فى ((مسائله)): سألت أحمد رحمه الله، قلت: المتوفى عنها زوجها والمطلقة، هل تلبسان البُرد ليس بحرير؟ فقال: لا تتطيب المتوفى عنها، ولا تتزين بزينة، وشدد في الطيب، إلا أن يكون قليلاً عند طُهرها. ثم قال: وشبهت المُطَلَّقة ثلاثاً بالمتوفَّى عنها لأنه ليس لزوجها عليها رجعة، ثم ساق حرب بإسناده إلى أمِّ سلمة قال: المتوفى عنها لا تلبس المعصفر من الثياب، ولا (١) ((الأم)) ٢٣٢/٥ بتصرف. ٦٢٧ تختضب، ولا تكتحِلُ، ولا تتطيب، ولا تمتشط بطيب. وقال إبراهيم بن هانىء النيسابوري في ((مسائله)): سألتُ أبا عبد الله عن المرأة تنتقِبُ في عدتها، أو تدهن في عدتها؟ قال: لا بأس به، وإنما كُرِهَ للمتوفَّى عنها زوجُها أن تتزين. وقال أبو عبد الله: كل دُهن فيه طيب، فلا تُدهِنُ به، فقد دار كلام الإِمام أحمد، والشافعي، وأبي حنيفة رحمهم الله على أن الممنوع منه مِن الثياب ما كان من لباس الزينة من أي نوع كان، وهذا هو الصوابُ قطعاً، فإن المعنى الذي مُنعت مِن المعصفر والممشَّق لأجله مفهوم، والنبي ◌َّ خصه بالذكر مع المصبوغ تنبيهاً على ما هو مثلُه، وأولى بالمنع، فإذا كان الأبيضُ، والبرود المحبَّة الرفيعة الغالية الأثمان مما يُراد للزينة لارتفاعِهما وتناهي جودتهما، كان أولى بالمنعِ مِن الثوب المصبوغ. وكل من عقل عن الله ورسوله لم يَستَرِبْ في ذلك، لا كما قال أبو محمد بن حزم: إنها تجتنب الثياب المصبغة فقط، ومباحٌ لها أن تلبس بعدُ ما شاءت من حرير أبيض وأصفر مِن لونه الذي لم يُصبغ، وصوف البحر الذي هو لونُه، وغير ذلك. ومباح لها أن تلبسَ المنسوجَ بالذهب والحُلي كله مِن الذهب والفضة، والجوهر والياقوت، والزمرد وغير ذلك، فهي خمسةُ أشياء تجتنبها فقط، وهي: الكحل كله لضرورة أو لغير ضرورة، ولو ذهبت عيناها لا ليلاً ولا نهاراً، وتجنب فرضاً كُلَّ ثوب مصبوغ مما يُلبس في الرأس والجسد، أو على شيء منه، سواء في ذلك السواد والخضرة، والحُمرة والصفرة، وغير ذلك، إلا العصب وحدَه وهي ثياب موشَّاة تُعمل في اليمن، فهو مباح لها. وتجتنب أيضاً: فرضاً الخضابَ كُلَّه جملة، وتجتنب الامتشاط حاشا التسريح بالمشط فقط، فهو حلالٌ لها، وتجنب أيضاً: فرضاً الطيبَ كُلَّه، ولا تقرب شيئاً حاشا شيئاً من قسط أو أظفار عند طهرها فقط، فهذه الخمسة التي ذكرها حكينا كلامه فيها بنصه . وليس بعجيبٍ منه تحريمُ لبس ثوب أسودَ عليها من الزينة في شيء، وإباحةٌ ثوب يتقد ذهباً ولؤلؤاً وجوهراً، ولا تحريمُ المصبوغ الغليظ لحمل الوسخ، ٦٢٨ وإباحة الحرير الذي يأخذ بالعيون حسنُه وبهاؤه ورُواؤه، وإنما العجب منه أن يقولَ: هذا دينُ الله في نفس الأمر، وأنه لا يَحلُّ لأحد خلافه. وأعجبُ من هذا إقدامه على خلافِ الحديث الصحيح في نهيه ◌َّ لها عن لباس الحُلِي. وأعجبُ من هذا، أنه ذكر الخبرَ بذلك، ثم قال: ولا يَصِحُّ ذلك، لأنه من رواية إبراهيم بن طهمان، وهو ضعيف، ولو صح لقلنا به، فَلِّله ما لقي إبراهيم بن طهمان من أبي محمد بن حزم، وهو مِن الحفاظ الأثبات الثقات الذين اتفق الأئمةُ الستة على إخراج حديثه، واتفق أصحابُ الصحيح، وفيهم الشيخان على الاحتجاج بحديثه، وشهد له الأئمةُ بالثقة والصدق، ولم يُحفظ عن أحد منهم فيه جرح ولا خدش، ولا يُحفظ عن أحد من المحدثين قط تعليل حديث رواه، ولا تضعيفُه به. وقرىء على شيخنا أبي الحجاج الحافظ في ((التهذيب)) وأنا أسمع: قال: إبراهيم بن طهمان بن سعيد الخراساني أبو سعيد الهروي، ولد بهراة، وسكن نيسابور وقَدِمَ بغداد، وحدث بها، ثم سكن بمكة حتى مات بها، ثم ذكر عمن روی، ومن روى عنه، ثم قال: قال نوح بن عمرو بن المروزي، عن سفيان بن عبد الملك، عن ابن المبارك: صحيحُ الحديث، وقال عبد الله بن أحمد بن حنبل، عن أبيه، وأبي حاتم: ثقة، وقال عبد الله بن أحمد بن حنبل، عن يحيى بن معين: لا بأس به، وكذلك قال العِجلي، وقال أبو حاتم: صدوقٌ حسن الحديث، وقال عثمان بن سعيد الدارمي: كان ثقة في الحديث، ثم لم تزل الأئمة يشتهون حديثه، ويرغبون فيه، ويوثقونه. وقال أبو داود: ثقة. وقال إسحاق بن راهويه: كان صحيحَ الحديث، حسنَ الرواية، كثيرَ السماع، ما كان بخُراسان أكثر حديثاً منه، وهو ثقة، وروى له الجماعة. وقال يحيى بن أكثم القاضي: كان مِن أنبل مَنْ حدَّث بخُراسان والعراق والحجاز، وأوثقهم، وأوسعهم علماً. وقال المسعودي: سمعت مالك بن سليمان يقول: مات إبراهيم بن طهمان سنة ثمان وستين ومائة بمكة ولم يخلف مثله(١). (١) (تهذيب الكمال)) ص ٥٧، ٥٨. ٦٢٩ الرد على ابن حزم في تضعيفه إبراهيم بن طهمان وقد أفتى الصحابةُ رضي الله عنهم بما هو مطابق لهذه النصوص، وكاشف عن معناها ومقصودها، فصحَّ عن ابن عمر أنه قال: لا تكتحِلُ، ولا تتطيب، ولا تَخْتَضِب، ولا تلبَسُ المعصفر، ولا ثوباً مصبوغاً، ولا برداً، ولا تتزين بِحلي، ولا تلبَسُ شيئاً تُريد به الزينة، ولا تكتحِلُ بكُحل تُريد به الزينة، إلا أن تشتكي عينها . وصحَّ عنه من طريق عبد الرزاق، عن سفيان الثوري، عن عُبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر: ولا تمسُ المتوفَّى عنها طيباً، ولا تختضِبُ ولا تكتحل، ولا تلبس ثوباً مصبوغاً إلا ثوب عصب تتجلببُ به(١). وصح عن أمّ عطية: لا تلبسُ الثيابَ المصبغة إلا العَصْبَ، ولا تمس طيباً إلا أدنى الطيب بالقُسط والأظفار، ولا تكتحِلُ بكحل زينة . وصح عن ابن عباس رضي الله عنه أنه قال: تجتنِبُ الطيبَ والزينة. وصح عن أمِّ سلمة رضي الله عنها: لا تلبَسُ مِن الثياب المصبغة شيئاً، ولا تكتحِلُ، ولا تلبس حُلياً، ولا تختضب، ولا تتطيَّبُ. وقالت عائشة أمُّ المؤمنين رضي الله عنها: لا تلبَسُ معصفراً، ولا تُقرِّبُ طيباً، ولا تكتحل، ولا تلبس حُلياً، وتلبس إن شاءت ثيابَ العَصْبِ . فصل هل تجتنب الحادة النقاب وأما النِّقَابُ، فقال الخِرقي في ((مختصره)»: وتجتنِبُ الزوجةُ المتوفَّى عنها زوجُها الطيبَ، والزينة، والبيتوتة في غير منزلها، والكُحلَ بالإِثمد، والنِّقاب. ولم أجد بهذا نصاً عن أحمد. وقد قال إسحاق بن هانىء في ((مسائله)): سألت أبا عبد الله عن المرأة (١) ((المصنف)) (١٢١١٥)، والبيهقي ٤٤٠/٧ . ٦٣٠ تنتقِبُ في ◌ِدتها، أو تدهِن في عدتها؟ قال: لا بأس به، وإنما كُرِهَ للمتوفى عنها زوجها أن تتزيَّن. ولكن قد قال أبو داود في ((مسائله)) عن المتوفى عنها زوجها، والمطلقة ثلاثاً، والمحرمة: تجتنبن الطيبَ والزينة. فجعل المتوفى عنها بمنزلة المحرمة فيما تجتنبه، فظاهر هذا أنها تجتنب النقاب، فلعل أبا القاسم أخذ مِن نصه هذا - والله أعلم - وبهذا علله أبو محمد في (المغني)) فقال: فصل الثالث: فيما تجتنبه الحادة النقاب، وما في معناه مثل البرقع ونحوه، لأن المعتدة مشبهة بالمُخْرِمَة، والمحرمة تمتنع من ذلك. وإذا احتاجت إلى ستر وجهها، سدلت عليه كما تفعل المحرمة . فصل فإن قيل: فما تقولون في الثوب إذا صُبغَ غزلُه ثم نسج، هل لها لبسه؟ قيل: فيه وجهان، وهما احتمالان في المغني أحدهما: يحرم لبسه، لأنه أحسن وأرفع، ولأنه مصبوٌ للحسن، فأشبه ما صُبِغَ بعد نسجه، والثاني: لا يحرم لقول رسول اللّهَ وَّل في حديث أمِّ سلمة رضي الله عنها: ((إلاَّ تَوْبَ عَصْبٍ))، وهو ما صُبِغَ غزلُه قبل نسجه، ذكره القاضي، قال الشيخ: والأول أصح، وأما العَصب: فالصحيح: أنه نبتٌ تصبغ به الثياب، قال السهيلي: الورس والعصب نبتان باليمن لا ينبتان إلا به، فأرخص النبي ◌َّ للحادّةِ في لبس ما يُصبغ بالعَصب، لأنه في معنى ما يصبغ لغير تحسين، كالأحمر والأصفر، فلا معنى لتجويز لبسه مع حصول الزينة بصبغه، كحصولها بما صُبغ بعد نسجه. والله أعلم. هل تلبس الحادة الثوب إذا صبغ غزله ثم نسج؟ ذِكرُ حكم رسول اللّهِ جلة في الاستبراء ثبت في ((صحيح مسلم)): من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، أن رسول الله يٌَّ يومَ حُنين بعث جيشاً إلى أوطاس، فلقي عدواً، فقاتلوهم، فظهروا عليهم، وأصابُوا سبايا، فكأن ناساً مِن أصحابٍ رسول الله ◌َّ تحرَّجوا من غِشيانهن مِن أجل أزواجهن من المشركين، فأنزل اللّهُ عزَّ وجلَّ في ذلك: ٦٣١ ﴿والمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلاَّ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: ٢٤]، أي: فَهُنَّ لَكُمْ حَلاَلٌ إذا انقضت عدتهن (١). وفي ((صحيحه)) أيضاً: من حديث أبي الدرداء رضي الله عنه، أن النبيَّ ◌َ ◌ّ مرَّ بامرأةٍ مُجحٍّ عَلَى بابِ فُسطاط، فقال: ((لَعَلَّهُ يُريد أَنْ يُلِمَّ بها)). فقالوا: نعم، فقالَ رَسولُ الله ◌ِّ: ((لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ أَلْعَنَهُ لَعْناً يَدْخُلُ مَعَهُ قَبْرَهُ، كَيْفَ يُوَرِّثُهُ وهُوَ لاَ يَحِلُّ لَهُ، كَيْفَ يَسْتَخْدِمُهُ وهُوَ لاَ يَحِلُّ لَهُ))(٢). وفي الترمذي: من حديث عِرباض بن سارية، أن النبيَّ بُّهَ حرَّم وَطْءَ السَّبَايَا حَتَّى يَضَعْنَ مَا في بُطُونِهِنَّ (٣). وفي ((المسند)، و((سنن أبي داود)»: من حديث أبي سعيد الخُدري رضي الله عنه، أن النبيَّ بَ قال في سبايا أَوطاس: ((لاَ تُوطَأُ حَامِلٌ حَتَّى تَضَعَ، وَلاَ غَيْرُ ذَاتِ حَمْلٍ حَتَّى تَحِيضَ حَيْضَةً»(٤). وفي الترمذي: من حديث رُويفع بن ثابت رضي الله عنه، أن النبيَّ ◌ِثّ قال: ((مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخر، فَلاَ يَسْقِي مَاءَهُ وَلَد غَيْرِه))(٥). قال الترمذي: حديث حسن. ولأبي داود، من حديثه أيضاً: ((لاَ يَحِلُّ لامْرِىءٍ يُؤْمِنُ بِاللّهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ أَنْ - (١) أخرجه مسلم (١٤٥٦) في الرضاع: باب جواز وطء المسبية بعد الاستبراء. (٢) أخرجه مسلم (١٤٤١) في النكاح: باب تحريم وطء الحامل المسبية، والمجح: الحامل التي قربت ولادتها. (٣) أخرجه الترمذي (١٥٦٤) في السير: باب ما جاء في كراهية وطء الحبالى من السبايا، وأحمد ١٢٧/٤، وسنده حسن في الشواهد. (٤) أخرجه أحمد ٦٢/٣ و٨٧، وأبو داود (٢١٥٧) في النكاح: باب في وطء السبايا، والدارمي ١٧١/٢ وسنده حسن، وصححه الحاكم ١٩٥/٢. (٥) أخرجه الترمذي (١١٣١) في النكاح: باب في الرجل يشتري الجارية وهي حامل، وأبو داود (٢١٥٨)، وأحمد ١٠٨/٤ وسنده صحيح. ٦٣٢ يَقَعَ عَلَى امْرَأَةٍ مِنَ السَّبْ حَتَّى يَسْتَبْرِئَها)». ولأحمد: ((مَن كَانَ يُؤْمِنُ بِاللّهِ واليَوْمِ الآخِرِ فَلاَ يَنْكِحَنَّ ثَيِّاً مِنَ السَّبَايَا حَتَّى تَحِيضَ)). وذكر البخاري في «صحيحه)): قال ابن عمر: إذا وُهِبَتِ الوَليدةُ التي تُوطَأ، أو بيعَت، أو عَتقت، فلتُستبرأ بحيضة، ولا تُستبرأ العذراءُ(١). وذكر عبد الرزاق، عن معمر، عن عمرو بن مسلم، عن طاووس: أرسل رسول الله بَّ منادياً في بعض مغازيه: ((لاَ يَقَعَنَّ رَجُلٌ عَلى حَامِلٍ، وَلاَ حَائِلٍ حَتَّى تَحِيضَ))(٢). وذكر عن سفيان الثوري: عن زكريا، عن الشعبي، قال: أصاب المسلمون سبايا يومَ أوطاس، فأمرهم رسولُ الله ◌َّ أن لا يقعوا على حامِلٍ حتى تَضَعَ، ولا على غير حامل حتَّى تحيض(٣). فصل فتضمنت هذه السنن أحكاماً عديدة. أحدها: أنه لا يجوز وطءُ المسبية حتى يُعلم براءةُ رحمها، فإن كانت حاملاً فبوضع حملها، وإن كانت حائلاً فبأن تحيضَ حيضة. فإن لم تكن مِن ذوات الحيضٍ، فلا نصَّ فيها، واختُلِفَ فيها وفي البِكر، وفي التي يُعلم براءةُ رحمها بأن حاضت عند البائع، ثم باعها عقب الحیض ولم يطأها، ولم يُخرجها عن ملكه، أو كانت عند امرأةٍ وهي مصونة، فانتقلت عنها إلى رجل، فأوجبَ الشافعيُّ وأبو لا يجوز وطء المسبية حتى يعلم براءة رحمها (١) أخرجه البخاري ٣٥١/٤ تعليقاً، ووصله ابن أبي شيبة من طريق عبد الله، عن نافع، عنه، وأما قوله: ((ولا تستبرأ العذراء)) فقد وصله عبد الرزاق (١٢٩٠٦) من طريق أيوب، عن نافع، عنه. (٢) ((المصنف)) (١٢٩٠٣). (٣) ((المصنف)) (١٢٩٠٤). ٦٣٣ حنيفة وأحمد الاستبراءَ في ذلك كله، أخذاً بعموم الأحاديث، واعتباراً بالعِدة حيث تجب مع العلم ببراءة الرحم، واحتجاجاً بآثارِ الصحابة، كما ذكر عبد الرزاق: حدثنا ابنُ جريج، قال: قال عطاء: تداولَ ثلاثةٌ من التجار جارِيةً، فولَدت، فدعا عمر بن الخطاب رضي الله عنه القافة، فألحقوا ولدها بأحدهم، ثم قال عمر رضي الله عنه: من ابتاع جارية قد بلغت المحيضَ، فليتربَّصْ بها حتى تحيض، فإن كانت لم تحض، فليتربَّصْ بها خمساً وأربعين ليلة (١). قالوا: وقد أوجب الله العدة على من يئست من المحيض، وعلى من لم تبلغ سن المحيض، وجعلها ثلاثة أشهر، والاستبراءُ عدة الأمة، فيجبُ على الآيسة، ومن لم تبلغ سنَ المحیض . وقال آخرون: المقصودُ من الاستبراء العلمُ ببراءة الرحم، فحيث تيقن المالكُ براءة رحم الأمة، فله وطؤُها ولا استبراء عليه، كما رواه عبد الرزاق، عن معمر، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر رضي الله عنه قال: إذا كانت الأمة عذراءَ لم يستبرئها إن شاء، وذكره البخاري في ((صحيحه)) عنه(٢). وذكر حماد بن سلمة، حدثنا علي بن زيد، عن أيوب بن عبد الله اللخمي، عن ابن عمر قال: وقعت في سهمي جاريةٌ يومَ جَلُولاَء، كأنَّ عُنُقَها إبريقُ فِضَّة، قال ابن عمر: فما ملكتُ نفسي أن جعلتُ أقبلها والناسُ ينظرون (٣). ومذهب مالك إلى هذا يرجع، وهاك قاعدته وفروعها: قال أبو عبد الله المازَري وقد عقد قاعدة لباب الاستبراء فنذكرها بلفظها . والقول الجامع في ذلك: أن كل أَمَةٍ أُمِنَ عليها الحملُ، فلا يلزم فيها الاستبراءُ، وكُلُّ مَنْ غلب على الظن كونها حاملاً، أو شك في حملها، أو تردد (١) ((المصنف)) (١٢٨٨٤) و(١٢٨٩٦). (٢) تقدم قريباً. (٣) علي بن زيد وهو ابن جدعان ضعيف، وأيوب بن عبد الله اللَّخمي مجهول. ٦٣٤ فيه، فالاستبراءُ لازم فيها، وكل من غلَّب الظن ببراءة رحمها، لكنه مع الظن الغالب يجوز حصولُه، فإن المذهب على قولين في ثبوتِ الاستبراء وسقوطِه . ثم خرج على ذلك الفروعَ المختلفة فيها، كاستبراءِ الصغيرة التي تُطيق الوطْء، والآيسَة، وفيه روايتان عن مالك، قال صاحب ((الجواهر)): ويجبُ في الصغيرة إذا كانت ممن قارب سن الحمل، كبنت ثلاث عشرة، أو أربع عشرة، وفي إيجاب الاستبراءِ إذا كانت ممن تُطيق الوطءَ، ولا يَحْمِلُ مثلها كبنت تسع وعشر، روايتان، أثبته في رواية ابن القاسم، ونفاه في رواية ابن عبد الحكم، وإن كانت ممن لا يُطيق الوطء، فلا استبراء فيها. قال: ويجب الاستبراءُ فيمن جاوزت سنَّ الحيض، ولم تبلغ سنَّ الآيسة، مثل ابنة الأربعين والخمسين. وأما التي قعدت عن المحيض، ويئست عنه، فهل يجب فيها الاستبراءُ، أو لا يجب؟ روايتانِ لابن القاسم، وابنِ عبد الحكم. قال المازَري: ووجهُ استبراء الصغيرة التي تُطيق الوطء والآيسة، أنه يُمكن فيهما الحملُ على الندور، أو لِحماية الذريعة، لئلا يدعى في مواضع الإِمكان أن لا إمكان . قال: ومِن ذلك استبراءُ الأمة خوفاً أن تكون زنت، وهو المعبَّر عنه بالاستبراء لسوء الظن، وفيه قولان، والنفي لأشهب. قال: ومِن ذلك استبراءُ الأمَةِ الوَخْشِ، فيه قولان، الغالبُ: عدمُ وطءِ السادات لهن، وإن كان يقع في النادر. ومِن ذلك استبراءُ مَنْ باعها مجبوبٌ، أو امرأة، أو ذو محرم، ففي وجوبه روايتان عن مالك. ومِن ذلك استبراءُ المكاتبة إذا كانت تتصرَّفُ ثم عجزت، فرجعت إلى سيدها، فابنُ القاسم يُثبِتُ الاستبراءَ، وأشهبُ ینفیه. ومن ذلك استبراءُ البِكر، قال أبو الحسن اللخمي: هو مستحب على ٦٣٥ وجه الاحتياط غيرُ واجب، وقال غيره من أصحاب مالك: هو واجب. ومن ذلك إذا استبرأ البائعُ الأمة، وعَلِمَ المشتري أنه قد استبرأها، فإنه يُجزىء استبراءُ البائع عن استبراء المشتري. ومن ذلك إذا أودعه أمة، فحاضت عند المُودَع حيضة، ثم استبرأها، لم يحتج إلى استبراءٍ ثانٍ، وأجزأت تلك الحيضة عن استبرائها، وهذا بشرط أن لا تخرُج، ولا يكون سيدُها يدخلُ عليها. ومن ذلك أن يشترِيَها مِن زوجته، أو ولد له صغير في عياله وقد حاضت عند البائع، فابنُ القاسم يقول: إن كانت لا تخرج، أجزأه ذلك، وأشهبُ يقول: إن كان مع المشتري في دار وهو الذاتُّ عنها، والناظرُ في أمرها، أجزأه ذلك، سواء كانت تخرج أو لا تخرج. ومن ذلك إن كان سيدُ الأمةِ غائباً، فحين قدم، اشتراها منه رجل قبل أن تخرُج، أو خرجت وهي حائض، فاشتراها قبل أن تطهر، فلا استبراء عليه . ومِنْ ذلك إذا بيعت وهي حائض في أوَّلِ حيضها، فالمشهورُ من مذهبه أن ذلك يكون استبراءً لها لا يحتاجُ إلى حيضة مستأنفَة. ومن ذلك، الشريكُ يشتري نصيبَ شريكه مِن الجارية وهي تحتَ يد المشتري منهما، وقد حاضت في يده، فلا استبراءَ عليه. وهذه الفروعُ كلُّها مِن مذهبه تُنبيك عن مأخذه في الاستبراء، وأنه إنما يجب حيث لا يعلم ولا يُظن براءة الرحم، فإن عُلمت أو ظُنت، فَلاَ استبراء، وقد قال أبو العباس بن سريج وأبو العباس بن تيمية: إنه لا يجب استبراءُ البكر، كما صح عن ابن عمر رضي الله عنهما، وبقولهم نقول، وليس عن النبي ◌َّ نص عام في وجوب استبراء كل من تجدَّد له عليها ملك على أي ٦٣٦ حالة كانت، وإنما نهى عن وطءِ السبايا حتى تضعَ حواملُهن، وتحيض حوائلهن. فإن قيل: فعمومُه يقتضي تحريم وطء أبكارهن قبل الاستبراء، كما يمتنع وطء الثيب؟ قيل: نعم، وغايتُه أنه عموم أو إطلاق ظهر القصدُ منه، فيُخص أو يُقيد عند انتفاء موجبِ الاستبراء، ويخص أيضاً بمفهوم قوله مثل في حديث رويفع: ((مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِالله وَاليَوْمِ الآخِرِ فَلاَ يَنْكِحْ ثَّاً مِنَ السَّبَايَا حَتَّى تَحِيضَ)). ويخص أيضاً بمذهب الصحابي، ولا يعلم له مخالف. وفي ((صحيح البخاري)): من حديث بريدة، قال: بعث رسول الله وَداخله. علياً رضي الله عنه إلى خالد يعني باليمين لِيقبض الخُمُسَ، فاصطفى عليٍّ منها سَبِيَّةً، فأصبح وقد اغتسل، فقلتُ لخالد: أما ترى إلى لهذا؟ وفي رواية: فقال خالد لبُريدة: ألا ترى ما صَنَعَ هُذا؟ قال بريدة: وكُنْتُ أُبْغِضُ علياً رضي الله عنه، فلما قدمنا إلى النبيِّ ◌َّهِ، ذكرتُ ذلك له، فقال: ((يا بُرَيْدَة أَتُبْغِضُ عَلِيّا)؟ قلت: نعم، قال: ((لاَ تُبْغِضْهُ فَإِنَّ له في الخُمُسِ أَكْثَرَ مِنْ ذُلِكَ))(١). فهذه الجاريةُ إما أن تكون بكراً فلم ير علي وجوب استبرائها، وإما أن تكون في آخر حيضها، فاكتفى بالحيضة قبل تملُكه لها. وبكل حال، فلا بد أن يكون تحقق براءة رحمها بحيث أغناه عن الاستبراء. فإذا تَأملتَ قولَ النبي ◌َِّ حقَّ التأمل، وجدت قوله: ((وَلاَ تُؤْطَأُ حَامِلٌ حَتَّى تَضَعَ، وَلاَ غَيْرُ ذَاتِ حَمْلٍ حَتَّى تَحِيضَ))، ظهر لك منه أن المراد بغير ذاتِ الحمل مَنْ يجوزُ أن تكون حاملاً، وأَن لا تكون، فيُمسك عن وطئها (١) أخرجه البخاري ٥٢/٨، ٥٣ في المغازي: باب بعث علي بن أبي طالب وخالد بن الوليد إلى اليمن قبل حجة الوداع، وأحمد ٢٥٩/٥. ٦٣٧ مخافة الحمل، لأنه لا علم له بما اشتمل عليه رحمها، وهذا قاله في المسبيات لعدم علم السابي بحالهنَّ. وعلى هذا فَكُلُّ من ملك أمة لا يعلم حالها قبل الملك، هل اشتمل رحمها على حمل أم لا؟ لم يطأها حتى يستبرئها بحيضة، لهذا أمر معقول، وليس بتعبد محض لا معنى له، فلا معنى الاستبراء العذراء والصغيرة التي لا يَحْمِلُ مثلُها، والتي اشتراها من امرأته وهي في بيته لا تخرُج أصلاً، ونحوها ممن يُعلم براءة رحمها، فكذلك إذا زنتِ المرأة وأرادت أن تتزوج، استبرأها بحيضة، ثم تزوجت، وكذلك إذا زنت وهي مزوجة، أمسك عنها زوجها حتى تحيض حيضة. وكذلك أم الولد إذا مات عنها سيدُها، اعتدت بحيضة. عدة أم الولد قال عبدُ الله بن أحمد: سألت أبي، كم عدة أم الولد إذا توفي عنها مولاها أو أعتقها؟ قال: عِدتها حيضة، وإنما هي أمة في كل أحوالها، إن جنت، فعلى سيدها قيمتها، وإن جُنيَ عليها، فعلى الجاني ما نقص مِن قيمتها. وإن ماتت، فما تركت مِن شيء فلسيدها، وإن أصابت حداً، فحدٌ أمة، وإن زوجها سيدها، فما ولدت، فهم بمنزلتها يُعتقون بعتقها، ويُرقون برقها . وقد اختلف الناس في ◌ِدتها، فقال بعضُ الناس: أربعة أشهر وعشراً، فهذه عِدة الحرة، ولهذه عِدة أمة خرجت مِن الرق إلى الحرية، فيلزم من قال: أربعة أشهر وعشراً أن يُورِّثها، وأن يجعل حُكمها حكم الحرة، لأنه قد أقامها في العِدة مقامَ الحرة. وقال بعضُ الناس: عدتها ثلاث حيض، وهذا قول ليس له وجه، إنما تعتد ثلاثَ حيض المطلقةُ، وليست هي بمطلقة ولا حُرة، وإنما ذكر الله العدة فقال: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَقَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً يَتَرَبَّصن بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أشْهُرٍ وَعَشْراً﴾ [البقرة: ٢٣٤]، وليست أم الولد بحرة ولا زوجة، فتعتد بأربعة أشهر وعشر. قال: ﴿والمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ٦٣٨ ثَلَثَةَ قُرُوءٍ﴾، وإنما هي أمة خرجت مِن الرِّق إلى الحرية، وهذا لفظ أحمد رحمه الله . وكذلك قال في رواية صالح: تعتد أمّ الولد إذا تُوفي عنها مولاها، أو أعتقها حيضة، وإنما هِيَ أمة في كل أحوالها. وقال في رواية محمد بن العباس: عِدة أمِّ الولد أربعة أشهر وعشر إذا توفي عنها سيدها. وقال الشيخ في ((المغني)): وحكى أبو الخطاب رواية ثالثة عن أحمد: أنها تعتد بشهرين وخمسة أيام. قال: ولم أجِدْ هذه الرواية عن أحمد رحمه الله في ((الجامع))، ولا أظنها صحيحة عن أحمد رحمه الله، ورُوي ذلك عن عطاء وطاووس وقتادة، لأنها حين الموت أمة، فكانت عِدتها عدةَ الأمة، كما لو مات رجل عن زوجته الأمة، فعتقت بعد موته، فليست هذه رواية إسحاق بن منصور عن أحمد. قال أبو بكر عبد العزيز في ((زاد المسافر)): باب القول في عدة أم الولد من الطلاق والوفاة. قال أبو عبد الله في رواية ابن القاسم: إذا مات السيد وهي عند زوج، فلا ◌ِدة عليها، كيف تعتد وهي مع زوجها؟ وقال في رواية مهنا: إذا أعتق أمّ الولد، فلا يتزوج أختها حتى تخرج من عدتها. وقال في رواية إسحاق بن منصور: وعِدة أم الولد عدة الأمة في الوفاة والطلاق والفرقة، انتهى كلامه. وحُجة من قال: عدتها أربعة أشهر وعشر، ما رواه أبو داود عن عمرو بن العاص، أنه قال: لا تُفْسِدُوا عَلَيْنَا سنة نبينا محمد ◌ََّ، عدة أم الولد إذا توفي عنها سيدها أربعة أشهر وعشر (١): وهذا قول السَّعيدين، (١) أخرجه أبو داود (٢٣٠٨) في الطلاق: باب في عدة أم الولد، وإسناده ضعيف في سنده مطر الوراق، وهو ضعيف لكثرة خطئه. ٦٣٩ ومحمد بن سيرين، ومجاهد، وعمر بن عبد العزيز، وخِلاس بن عمرو، والزهري، والأوزاعي، وإسحاق. قالوا: لأنها حرة تعتد للوفاة، فكانت عِدتُها أربعة أشهر وعشراً، كالزوجة الحرة. وقال عطاء، والنخعي، والثوري، وأبو حنيفة، وأصحابه: تعتدُّ بثلاثٍ حيض، وحُكيَ عَن علي، وابن مسعود، قالوا: لأنها لا بد لها مِن عدة، وليست زوجة، فتدخل في آية الأزواج المتوفَّى عنهن، ولا أمة، فتدخُلُ في نصوص استبراء الإِمَاء بحيضة، فهي أشبه شيء بالمطلقة، فتعتد بثلاثة أقراء. والصوابُ من هذه الأقوال: أنها تُستَبرأ بحيضة، وهو قولُ عثمان بن عفان، وعائشة، وعبد الله بن عمر، والحسن، والشعبي، والقاسم بن محمد، وأبي قلابة، ومكحول، ومالك، والشافعي، وأحمد بن حنبل في أشهر الروايات عنه، وهو قول أبي عبيد، وأبي ثور، وابن المنذر، فإن هذا إنما هو لمجرد الاستبراء لزوال الملك عن الرقبة، فكان حيضة واحدة في حق من تحيض، كسائر استبراءات المعتقات، والمملوكات، والمسبيات. وأما حديث عمرو بن العاص، فقال ابن المنذر: ضعف أحمد وأبو عبيد حديث عمرو بن العاص. وقال محمد بن موسى: سألت أبا عبد الله عن حديث عمرو بن العاص، فقال: لا يصح. وقال الميموني: رأيت أبا عبد الله يعجَبُ مِن حديث عمرو بن العاص هذا، ثم قال: أين سنةُ رسول الله بَـَّ في هذا؟ وقال: أربعة أشهر وعشراً إنما هي عدة الحرة من النكاح، وإنما هذه أمة خرجت من الرِّق إلى الحرية، ويلزم من قال بهذا أن يُورثها، وليس لقول من قال: تعتد ثلاثَ حيض وجه، إنما تعتد بذلك المطلقة، انتهى كلامه. وقال المنذري: في إسناد حديث عمرو، مطرٌّ بن طهمان أبو رجاء الوراق، وقد ضعفه غير واحد، وأخبرنا شيخنا أبو الحجاج الحافظ في كتاب ((التهذيب)) قال أبو طالب: سألت أحمد بن حنبل عن مطر الوراق. فقال: كان يحيى بن سعيد يُضعف حديثه عن عطاء، وقال عبد الله بن أحمد بن ٦٤٠