Indexed OCR Text

Pages 481-500

ذكر المصنف بعض
الأحكام المستنبطة من
حديث فاطمة
رسول الله ◌َّ أسوةً حسنة، مع أنها أحرمُ الناس عليه ليس لها عليه رجعة، ولا
بينهما ميراث. انتهى. ولا يعلم أحدٌ من الفقهاء رحمهم الله إلا وقد احتجَّ بحديث
فاطمة بنت قيس هذا، وأخذ به في بعض الأحكام كمالك، والشافعي. وجمهورُ
الأمة يحتجون به في سقوط نفقة المبتوتة إذا كانت حائلاً، والشافعي نفسُه احتج به
على جواز جمع الثلاث، لأن في بعض ألفاظه: فطلقني ثلاثاً، وقد بيَّنا أنه إنما
طلقها آخرَ ثلاثٍ كما أخبرت به عن نفسها. واحتجَّ به من يرى جوازَ نظر المرأة
إلى الرجال، واحتج به الأئمة كُلُّهُم على جوازِ خِطبة الرجل على خطبة أخيه إذا لم
تكن المرأةُ قد سكنت إلى الخاطب الأول، واحتجوا به على جواز بيان ما في
الرجل إذا كان على وجه النصيحة لمن استشاره أن يزوِّجه، أو يُعامِلَه، أو يُسافِرًا
معه، وأن ذلك ليس بغيبة، واحتجوا به على جواز نكاح القرشية من غير القرشي؛
واحتجوا به على وقوع الطلاق في حال غيبة أحدٍ الزوجين عن الآخر، وأنه لا
يُشترط حضورُه ومواجهتُه به، واحتجوا به على جواز التعريض بخطبة المعتدة
البائن، وكانت هذه الأحكامُ كُلُّها حاصلةً ببركة روايتها، وصدقٍ حديثها،
فاستنْبَطَتْها الأمةُ منها، وعملت بها، فما بالُ روايتها ترد في حكم واحدٍ من أحكامِ
هذا الحديث، وتُقبل فيما عداه؟! فإن كانت حفظته، قبلت في جميعه، وإن لم
تكن حفظته وجب أن لا يقبل في شيء من أحكامه وبالله التوفيق.
فإن قيل: بقي عليكم شيءٌ واحد، وهو أن قوله سبحانه: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ
حَيْثُ سَكَنْتُم مِنْ وُجْدِكُمْ﴾ [الطلاق: ٦]، إنما هو في البوائن لا في الرجعيات،
بدليل قوله عقيبه: ﴿ولا تُضارُوهُنَّ لِتُضَيُِّوا عَلَيْهِنَّ وَإِنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا
عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٦]، فهذا في البائن، إذ لو كانت رجعية،
لما قيد النفقة عليها بالحمل، ولكان عديم التأثير، فإنها تستحِقُّها حائلاً كانت أو
حاملاً، والظاهر: أن الضمير في ((أسكنوهن)) هو، والضمير في قوله: ﴿وإنْ كُنَّ
أُولاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ﴾، واحد.
معنى ﴿أسكنوهن من
حيث سكنتم من وجدكم﴾
:
فالجواب: أن مُؤْرِدَ هذا السؤالِ إما أن يكونَ مِن الموجبين النفقةَ
٤٨١
زاد المعاد ج ٥-م١٦

والسكنى، أو ممن يُوجب السُّكنى دون النفقة، فإن كان الأولُ، فالآيةُ على زعمه
حجة عليه، لأنه سبحانه شرط في إيجاب النفقة عليهن كونهن حواملَ، والحكم
المعلَّق على الشرط ينتفي عند انتفائه، فدل على أن البائنَ الحائلَ لا نفقة لها .
فإن قيل: فهذه دلالة على المفهوم، ولا يقول بها.
قيل: ليس ذلك مِن دلالة المفهوم، بل مِن انتفاء الحكم عند انتفاء شرطه،
فلو بقي الحكم بعد انتفائه، لم يكن شرطاً، وإن كان فمن يُوجب السكنى وحدها
فيقال له: ليس في الآية ضمير واحد يخصُّ البائن، بل ضمائرها نوعان: نوع
يخص الرجعية قطعاً، كقوله: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ
بِمَعْرُوفٍ﴾ [الطلاق: ٢] ونوع يحتمِلُ أن يكون للبائن، وأن يكون للرجعيةِ، وأن
يكون لهما، وهو قوله: ﴿لاَ تُخْرِ جُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلا يَخْرُجْنَ﴾ [الطلاق: ١]،
وقوله: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حيثُ سكنتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ﴾ [الطلاق: ٦] فحمله على
الرجعية هو المتعين لِتتحد الضمائرُ ومفسرها، فلو حُملَ على غيرها، لزم اختلافُ
الضمائر ومفسرها، وهو خلافُ الأصل، والحمل على الأصل أولى.
فإن قيل: فما الفائدة في تخصيص نفقة الرجعية بكونها حاملاً؟
قيل: ليس في الآية ما يقتضي أنه لا نفقة للرجعية الحائل، بل الرجعيةُ
نوعان، قد بيَّن اللّهُ حكمهما في كتابه: حائل، فلها النفقة بعقد الزوجية، إذ
حكمُها حكم الأزواج، أو حامل، فلها النفقة بهذه الآية إلى أن تضع حملها،
فتصير النفقةُ بعد الوضع نفقةً قريب لانفقة زوج، فيخالف حالها قبل الوضع حالها
بعده، فإن الزوج يُنفق عليها وحدَه إذا كانت حاملاً، فإذا وضعت، صارت نفقتُها
على من تجِبُ عليه نفقة الطفل، ولا يكون حالها في حال حملها كذلك، بحيث
تجب نفقتُها على من تجب عليه نفقة الطفل، فإنه في حال حملها جزء من
أجزائها، فإذا انفصل، كان له حكم آخر، وانتقلت النفقةُ مِن حكم إلى حكم،
فظهرت فائدة التقييد وسر الاشتراط والله أعلم بما أراد من كلامه.
٤٨٢

ذكر حكم رسول الله # الموافق لكتاب
الله تعالى من وجوب النفقة للأقارب
روى أبو داود في ((سننه)): عن كليب بن منفعة، عن جده، أنه أتى النبي ◌ِله
فقال: يا رسول الله! من أبَرُّ؟ قال: ((أُمَّكَ وَأَبَاكَ وأُخْتَكَ وَأَخَاكَ وَمَوْلاَكَ الَّذِي يَلي
ذاك، حَقٌّ وَاحِبٌ ورَحِمٌ مَوْصُولَةٌ))(١).
وروى النسائي عن طارِق المُحاربي قال: قدمتُ المدينة، فإذا
رسولُ اللّهِ بََّ قائمٌ على المنبر يخطُب الناسَ وهو يقول: ((يَدُ المُعْطي العُلْيَا،
وَابْدَأْ بِمَنْ تَعُولُ: أُمَّكَ وَأَبَاكَ، وَأُخْتَكَ وَأَخَاكَ، ثُمَّ أَدْنَاكَ أَدْنَاكَ))(٢).
وفي ((الصحيحين)): عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: جاء رجلٌ إلى
رسول الله مَ له، فقال: يا رسولَ اللّهِ! من أحقُّ الناس بحُسن صَحَابتي؟ قال:
(أُمُكَ))، قال: ثم من؟ قال: ((أُمُكَ))، قال: ثم من؟ قالَ: ((أُمُّكَ))، قال: ثم من؟
قال: ((أَبُوكَ ثُمَّ أَذْنَاكَ أَدْنَاكَ))(٣).
وفي الترمذي، عن معاوية القُشيري رضي الله عنه، قال: قلتُ: يا
رسولَ الله! مَنْ أَبَرُّ؟ قال: ((أُمَّكَ))، قلتُ: ثم مَنْ؟ قال: ((أُمَكَ))، قلت: ثم من؟
قال: ((أُمَك))، قلت: ثم مَن؟ قال: (أَبَاكَ ثُمَّ الأَقْرَبَ فَالأَقْرَبَ)(٤) .
(١) أخرجه أبو داود (٥١٤٠) في الأداب باب: في بر الوالدين، وكليب بن منفعة روى
عنه اثنان، ووثقه ابن حبان، وباقي رجاله ثقات، وله شاهد من حديث بهز بن حكيم
عن أبيه عن جده عند أبي داود (٥١٣٩) وأحمد ٣/٥ و٥ والترمذي (١٨٩٧) بلفظ
((قلت: يا رسول الله من أبرُّ؟ قال: أمك، قلت: ثم من؟ قال: أمك، قلت: ثم
من؟ قال: ثم أمَّك، ثم أباك، ثم الأقرب فالأقرب».
(٢) أخرجه النسائي ٦١/٥ في الزكاة: باب أيتهما اليد العليا.
أخرجه البخاري ٣٣٦/١٠ في الأدب: باب من أحق الناس بحسن الصحبة، ومسلم
(٣)
(٢٥٤٨) في البر: باب بر الوالدين، واللفظ لمسلم.
(٤) أخرجه الترمذي (١٨٩٧) وأبو داود (٥١٣٩) وسنده حسن وقد تقدم قريباً.
٤٨٣

وقد قال النبي ◌ِ ◌ّ لِهِند: ((خُذي مَا يَكْفِيكِ وَوَلَدَكِ بِالمَعْرُوفِ)»(١).
وفي ((سنن أبي داود))، من حديث عمرو بن شعيبٍ، عن أبيه، عن جدِّه،
عن النبيِّ ◌َّ أنه قال: ((إنَّ أَطْيَبَ مَا أَكَلْتُمْ مِنْ كَسْبِكُمْ، وإِنَّ أَوْلاَدَكُمْ مِنْ كَسْبِكُم
فَكُلُوهُ هنيئاً)(٢). ورواه أيضاً من حديث عائشة رضي الله عنها مرفوعاً(٣).
وروى النسائي من حديث جابر بن عبد الله، قال: قال رسول الله معالجٍ: «ابْدَأْ
بِنَفْسِكَ فَتَصَدَّقْ عَلَيْهَا فَإِنْ فَضَلَ شَيءٌ، فَلَأهْلِكَ، فَإِنْ فَضَلَ عَنْ أَهْلِكَ شَيءٌ،
فَلِذِي قَرَايَتِكَ، فَإِنْ فَضَلَ عَنْ ذِي قَرَابَتَكَ، فَهُكَذَا وهُكَذَا))(٤).
وهذا كله تفسير لقوله تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللّهَ وَلاَ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالوَالِدَيْنِ
إِحْسَاناً وبِذِي القُرْبَى﴾ [النساء: ٣٦] وقوله تعالى: ﴿وَآتِ ذا القُربى حَقَّهُ﴾،
[الاسراء: ٢٦] فجعل سبحانه حق ذي القربى يلي حق الوالدين، كما جعله
النبيُّ مَّةٍّ سواءً بسواء، وأخبر سبحانه: أن لذي القربى حقاً على قرابته، وأمر
بإتيانه إياه، فإن لم يكن ذلك حقَّ النفقةِ، فلا نَذْرِي أيَّ حقٍّ هُوَ. وأمر تعالى
بالإِحسان إلى ذي القربى. ومن أعظم الإِساءَةَ أن يراه يموت جوعاً وعُرْياً، وهو
قادر على سد خَلَّته وستر عَوْرَتِهِ، ولا يطعمه لُقمة، ولا يَسْتُر له عَوْرَةً إلا بأن
يقرضه ذلك في ذِمَّتِهِ، وهذا الحكم من النبيِّ بَر مطابق لكتاب الله تعالى حيث
يقول: ﴿وَالوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يثُمَّ الرَّضَاعَةَ
وَعَلَى المَوْلُودِ لَهُ رِزْقهنَّ وكِسْوَتُهُنَّ بِالمَعْرُوفِ لا تُكَلّفُ نَفْسٌ إلَّ وُسْعَهَا لاَ تُضَارَّ
(١) أخرجه البخاري ٤٤٤/٩، و٤٤٥، ومسلم (١٧١٤) من حديث عائشة رضي الله
عنها.
(٢) أخرجه أبو داود (٣٥٣٠) في البيوع: باب في الرجل يأكل من مال ولده، وأحمد
١٧٩/٢، وابن ماجه (٢٢٩٢) وسنده حسن.
(٣) أخرجه أبو داود (٣٥٢٨) و(٣٥٢٩) وأحمد ٢٠٢/٦، ٢٠٣، وسنده حسن،
وصححه ابن حبان (١٠٩١).
(٤) أخرجه النسائي ٦٩/٥، ٧٠ في الزكاة: باب أي الصدقة أفضل، ورجاله ثقات.
٤٨٤

وَالِدَةٌ بِوَلَدِها وَلاَ مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى الوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ [البقرة: ٢٣٣] فأوجب
سبحانه وتعالى على الوارثِ مثل ما أوجب على المولود له، وبمثلِ هذا الحكم
حكم أميرُ المؤمنين عمرُ بنُ الخطاب رضي الله عنه. فروى سفيان بن عُبَيْنَةَ، عن
ابن جريج، عن عمرو بن شعيب، عن سعيد بن المسيِّب، أن عمر رضي الله عنه
حَبَسَ عَصَبَةَ صبيٍّ على أن يُنْفقوا عليه، الرجال دون النِّساء.
وقال عبد الرزاق: حدثنا ابن جريج، أخبرني عمرو بن شعيب، أن ابن
المسيِّب أخبره، أن عمرَ بنَ الخطاب رضي الله عنه، وقف بني عم على مَنْفُوسٍ
كَلالة بالنفقة عليه مثل العاقلة، فقالوا: لا مال له، فقال: ولَوْ، وقوفُهم بالنفقّة
عليه كهيئة العقل (١)، قال ابن المديني: قوله: ولو، أي: ولو لم يكن له مال.
وذكر ابن أبي شيبة، عن أبي خالد الأحمر، عن حجاج، عن عمرو، عن
سعيد بن المسيب، قال: جاء ولي يتيم إلى عمرَ بنِ الخطّاب رضي الله عنه،
فقال: أَنْفِقْ عليه، ثم قال: لو لم أجدْ إلا أقضى عشيرته لَفَرَضْتُ عليهم. وحكم
بمثل ذلك أيضاً زيدُ بن ثابت.
قال ابن أبي شيبة: حدثنا حميد بن عبد الرحمن، عن حسن، عن مطرف،
عن إسماعيل، عن الحسن، عن زيد بن ثابت، قال: إذا كان أُمِّ وَعَمٌّ، فعلى الأم
بقدر ميراثها، وعلى العم بقدر ميراثه، ولا يعرفُ لعمر، وزيد مخالف في
الصحابة ألبتَّةَ .
وقال ابن جريج: قلت لعطاء: ﴿وَعَلَى الوَارِثِ مِثْلُ ذْلِكَ﴾ [البقرة:
(١) ((المصنف)) (١٢١٨) وأخرجه الطبري ٥٠٠/٢ عن عبد الرزاق، عن ابن جريج، عن
عمرو بن شعيب أن سعيد بن المسيب أخبره أن عمر بن الخطاب ... ، والمنفوس
كلالة: هو الطفل الذي مات أبوه وليس له وارث من والد أو ولد غيره، فأوجب
عمر رضي الله عنه نفقته على بني عمه مثل وجوب الدية على العاقلة يدفعها أولياء
القاتل لأولياء المقتول، والعاقلة: هم العَصَبَةُ والأقارب من قبل الأب. وانظر ((سنن
البيهقي)) ٤٧٨/٧، ٤٧٩.
٤٨٥

٢٣٣]، قال: على ورثة اليتيم أن ينفقوا عليه كما يرثونه. قلت له: أَيُحْبَسُ وارثُ
المولود إن لم يكن للمولود مال؟ قال: أفيدعُه يموت؟ وقال الحسن: ﴿وعَلى
الوَارِثِ مِثْلُ ذُلِكَ﴾ قال: على الرجلِ الذي يَرِثُ أن ينفق عليه حتى يستغنيَ. وبهذا
فسَّرَ الآية جمهورُ السلف (١)، منهم: قتادة، ومجاهد، والضحاك، وزيدُ بن
أسلم، وشريح القاضي، وقَبِيصَةُ بنُ ذؤيب، وعبدُ الله بن عتبة بن مسعود،
وإبراهيم النخعي، والشعبي، وأصحابُ ابن مسعود، ومن بعدهم: سفيان
الثوري، وعبد الرزاق، وأبو حنيفة وأصحابه، ومن بعدهم: أحمد، وإسحاق،
وداود وأصحابهم.
اختلاف الفقهاء في النفقة
للأقارب
وقد اختلف الفقهاء في حكم هذه المسألة على عدة أقوال.
أحدُها: أنه لا يُجْبَرُ أحدٌ على نفقةِ أحدٍ من أقاربه، وإنما ذلك بِرٌّ وصِلَة،
وهذا مذهب يُعَزى إلى الشعبي. قال عبدُ بنُ حميدِ الكَثِّي: حدثنا قَبِيصةُ، عن
سفيان الثوري، عن أشعث، عن الشعبي، قال: ما رأيت أحداً أجبرَ أحداً على
أحدٍ، يعني على نفقته. وفي إثبات هذا المذهب بهذا الكلام نظر، والشعبي أفقه
من هذا، والظاهر أنه أراد: أن الناسَ كانوا أتقى لله من أن يحتاج الغنيُّ أن يجبرَهُ
الحاكم على الإنفاق على قريبه المحتاج، فكان الناس يكتفون بإيجاب الشرع عن
إيجاب الحاكم أو إجباره.
المذهب الثاني: أنه يجب عليه النفقةُ على أبيه الأدنى، وأمِّه التي ولدته
خاصة، فهذان الأبوان يجبر الذكر والأنثى من الولد على النفقة عليهما إذا كانا
فقيرين، فأما نفقةُ الأولادِ، فالرجل يُجْبرُ على نفقة ابنِهِ الأدنى حتى يبلغ فقط،
وعلى نفقة بنته الدنيا حتى تُزَوَّجَ، ولا يجبر على نفقة ابن ابنه، ولا بنت ابنه وإن
سفلا، ولا تُجْبرُ الأُمّ على نفقة ابنها وابنتها ولو كانا في غاية الحاجة والأم في غاية
الغنى، ولا تجب على أحد النفقةُ على ابن ابن، ولا جدٍّ، ولا أخٍ، ولا أختٍ، ولا
(١) انظر الطبري ٢/ ٥٠٠ و٥٠١.
٤٨٦

عمّ، ولا عمةٍ، ولا خالٍ ولا خالةٍ، ولا أحد من الأقارب ألبتة سوى ما ذكرنا.
وتجب النفقةُ مع اتحادِ الدِّين واختلافه حيث وجبت، وهذا مذهب مالك، وهو
أضيقُ المذاهب في النفقات.
المذهب الثالث: أنه تجبُ نفقةُ عمودي النسب خاصة، دون مَنْ عداهم،
مع اتفاق الدِّين، ويَسَارِ المنفِقِ، وقدرته، وحاجة المُنْفَقِ عليه، وعجزه عن
الكسب بصغرٍ أو جنونٍ أو زمانةٍ إن كان من العمود الأسفل. وإن كانَ من العمود
الأعلى: فهل يشترط عَجْزهُم عن الكسبِ؟ على قولين. ومنهم من طرَّد القولين
أيضاً في العمود الأسفل. فإذا بلغ الولد صحيحاً، سقطت نفقتُه ذكراً كان أو أنثى،
وهذا مذهب الشافعي، وهو أوسع من مذهب مالك.
المذهب الرابع: أن النفقة تَجِبُ على كل ذي رحمٍ مَحْرَمٍ لذي رحمه فإن
كان من الأولاد وأولادهم، أو الآباء والأجداد، وجبت نفقتُهم مع اتحاد الدِّين
واختلافه. وإن كان من غيرهم، لم تجب إلا مع اتحاد الدِّين، فلا يجب على
المسلم أن ينفق على ذي رحمه الكافر، ثم إنما تجب النفقة بشرط قدرة المنفِق
وحاجة المنفَقِ عليه. فإن كان صغيراً اعْتُبِرَ فَقْرُهُ فَقَط، وإن كان كبيراً، فإن كان
أنثى، فكذلك، وإن كان ذَكَراً، فلا بُدَّ مع فقره من عَمَاهُ أو زَمَانَتِهِ، فإن كان
صحيحاً بصيراً لم تجب نفقته، وهي مرتَّبة عنده على الميراث إلا في نفقة الولد،
فإنها على أبيه، خاصة على المشهور من مذهبه.
وروي عن الحسن بن زياد اللؤلؤي: أنها على أبويه خاصة بقدر ميراثهما
طرداً للقياس، وهذا مذهب أبي حنيفة، وهو أوسعُ من مذهب الشافعي،
المذهب الخامس: أن القريب إن كان من عمودي النسب وجبتْ نفقتُه
مطلقاً، سواءً كان وارثاً أو غير وارث، وهل يشترط اتحادُ الدِّين بينهم؟ على
روايتين وعنه رواية أخرى: أنه لا تجبُ نفقتُهم إلا بشرط أن يرثهم بِفَرْضٍ أو
تَعْصِيب كسائر الأقارب. وإن كان من غير عمودي النسب، وجبت نفقتهم بشرط
٤٨٧

أن يكون بينه وبينهم توارث. ثم هل يشترط أن يكون التوارث من الجانبين، أو
يكفي أن يكون من أحدهما؟ على روايتين. وهل يشترط ثبوت التَّارُثِ في
الحال، أو أن يكون من أهل الميراث في الجملة؟ على روايتين: فإن كان الأقارب
من ذوي الأرحام الذين لا يرثون، فلا نفقةً لهم على المنصوص عنه، وخرَّج بعض
أصحابه وجوبها عليهم من مذهبه من توارثهم، ولا بد عنده من اتّحاد الدِّين بين
المنفِقِ والمنفَقِ عليه حيث وجبت النفقة إلا في عمودي النسب في إحدى الروايتين .
فإن كان الميراث بغير القرابة، كالولاء وجبت النفقة به في ظاهر مذهبه على
الوارث دون الموروث، وإذا لزمتْه نفقةُ رجلٍ لزمته نفقةُ زوجتِهِ في ظاهر مذهبه.
وعنه: لا تلزمه. وعنه: تلزمه في عمودي النسب خاصة دون مَنْ عداهم. وعنه:
تلزمه لزوجة الأب خاصة، ويلزمه إعفاف عمودي نسبه بتزويج أو تَسَرِّ إذا طلبوا
ذلك.
قال القاضي أبو يعلى: وكذلك يجيءُ في كل مَنْ لزمته نفقتُه: أخ، أو
عم، أو غيرهما يلزمُه إعفافُه، لأن أحمد رحمه الله قد نص في العبد يلزمه أن
يزوجه إذا طلب ذلك، وإلا بيع عليه، وإذا لزمه إعفافُ رجل لزمه نفقة
زوجته، لأنه لا تُمَكَّنُ من الإِعفاف إلا بذلك، وهذه غير المسألة المتقدمة،
وهو وجوب الإنفاق على زوجة المنفَق عليه، ولهذه مأخذ، ولتلك مأخذ،
وهذا مذهب الإِمام أحمد، وهو أوسع من مذهب أبي حنيفة، وإن كان
مذهب أبي حنيفة أوسعَ منه من وجه آخر حيثُ يُوجِبُ النفقةَ على ذوي
الأرحام وهو الصحيح في الدليل، وهو الذي تقتضيه أصولُ أحمد ونصوصُه
وقواعد الشرع، وصلة الرحم التي أمر الله أن تُوصَلَ، وحرَّمَ الجنة على كل
قاطع رحم، فالنفقةُ تُسْتَحَقُّ بشيئين: بالميراث بكتاب الله، وبالرحم بسنة
رسول الله ◌َّ﴾. وقد تقدَّمَ أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه حبس عَصَبَةَ صبيٍّ
أن ينفقوا عليه، وكانوا بني عمه، وتقدَّمَ قولُ زيد بن ثابت: إذا كان عَمٌّ وأمّ
فعلى العم بقدر ميراثه، وعلى الأم بقدر ميراثها، فإنه لا مخالف لهما في
٤٨٨

الصحابة ألبتة، وهو قولُ جمهورِ السلف، وعليه يدل قوله تعالى: ﴿وَآتِ ذا
القُرْبَى حَقَّهُ﴾ [الإسراء: ٢٦]، وقوله تعالى: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَبذي
القُرْبَى﴾ [النساء: ٣٦]، وقد أوجب النبي ◌ّ العطية للأقارب، وصرَّح
بأنسابهم، فقال: ((وأُخْتَكَ وَأَخَاكَ، ثُمَّ أَدْنَاكَ فأدناكَ، حَقٌّ وَاجِبٌ وَرَحِمٌ
مَوْصُولَةٌ».
فإن قيل: فالمراد بذلك البِرُّ والصِّلةُ دون الوجوب.
قيل: يَرُدُّ هذا أنه سبحانه أمر به وسمَّاهُ حقاً، وأضافه إليه بقوله:
(حَقَّهُ)، وأخبر النبيِّه بأنه حقٌّ، وأنه واجبٌ، وبعض هذا ينادي على
الوجوب جهاراً.
فإن قيل: المراد بحقه ترك قطيعته.
فالجواب: من وجهين. أحدهما: أن يقال: فأي قطيعة أعظم من أن
يراه يتلظَّى جُوعاً وعَطَشاً، ويتأذَّى غاية الأذى بالحر والبرد، ولا يُطْعِمُهُ لُقْمَةً،
ولا يَسْقيهِ جَرْعة، ولا يكسوه ما يستر عَوْرَتَهُ ويقيهِ الحرَّ والبردَ، ويُسْكِنُهُ
تحت سقف يُظله، هذا وهو أخوه ابن أمه وأبيه، أو عمه صِنْو أبيه، أو خالته
التي هي أمه، إنما يجب عليه من ذلك ما يجب بَذْلُهُ للأجنبيِّ البعيد، بأن
يعاوضه على ذلك في الذِّمَّةِ إلى أن يُوسر، ثم يسترجع به عليه، هذا مع كونه
في غاية اليَسَارِ والجِدَةِ، وسَعَةِ الأموال. فإن لم تكن لهذه قطيعة، فإنا لا
ندري ما هي القطيعة المحرمة، والصِّلَةُ التي أمر الله بها، وحرَّمَ الجنة على
قاطعها .
الوجه الثاني: أن يقال: فما هذه الصلة الواجبة التي نادت عليها
النصوصُ، وبالغت في إيجابها، وذَمَّتْ قاطعها؟ فأيُّ قَدْرِ زائدٍ فيها على حق
الأجنبيِّ حتى تَعْقِلَهُ القلوب، وتُخْبِرَ به الألسنة، وتَعْمَلَ به الجوارحُ؟ أهو
السلامُ عليه إذا لقيه، وعيادتُه إذا مرض، وتشميتُه إذا عطس، وإجابتُه إذا
٤٨٩

دعاهُ، وإنكم لا تُوجبون شيئاً من ذلك إلا ما يجبُ نظيرُه للأجنبيِّ على
الأجنبيِّ؟ وإن كانت هذه الصِّلَةُ ترك ضربِه وسبه وأذاه والإِزراءِ به، ونحو
ذلك، فهذا حق يجبُ لكل مسلم على كُلِّ مسلم، بل للذمِّ البعيد على
المسلم، فما خصوصيةٌ صلة الرحم الواجبة؟ ولهذا كان بعضُ فضلاء
المتأخِّرين يقول: أعياني أن أعرف صلةَ الرحم الواجبة. ولما أَوْرَدَ الناسُ هذا
على أصحابٍ مالك، وقالوا لهم: ما معنى صلةِ الرحم عندكم؟ صَنَّفَ بعضُهم
في صلة الرحم كتاباً كبيراً، وأوعب فيه من الآثارِ المرفوعةِ والموقوفةِ، وذكر
جنسَ الصلة وأنواعها وأقسامها، ومع هذا فلم يتخلّص من لهذا الإِلزام، فإن
الصلة معروفة يعرفُها الخاصُّ والعام، والآثارُ فيها أشهر من العلم، ولكن ما
الصَّلَةُ التي تختَصُّ بها الرحمُ، وتجب له الرحمة، ولا يُشاركه فيها الأجنبي؟
فلا يُمكنكم أن تُعَيِّنوا وجوب شيءٍ إلا وكانت النفقةُ أوجبَ منه ولا يمكنكم
أن تَذْكُرُوا مُسْقِطاً لوجوب النَّفقة إلا وكان ما عداها أولى بالسقوط منه،
والنبيُّ نَّهَ قَدْ قَرَنَ حَقَّ الأخ والأخت بالأب والأم، فقال: ((أُمَّكَ وأَبَاكَ،
وأُخْتَكَ وَأَخَاكَ، ثُمَّ أَدْنَاكَ فَأَدْنَاكَ))، فما الذي نسخ هذا، وما الذي جعل أَوَّلَهُ
للوجوب، وآخِرَهُ للاستحبابِ؟ وإذا عُرِفَ هذا، فليس من بِّ الوالدينِ أن يَدَعَ
الرجلُ أباهُ يَكْنُسُ الكُنُفَ، ويُكاري على الحُمر، ويُوقِدُ في أَتُّونِ الحَمَّامِ،
ويَحْمِلُ للناس على رأسه ما يَتَقَوَّتُ بأُجْرَتِهِ، وهو في غاية الغِنى واليَسَار،
وسَعَةِ ذاتِ اليدِ، وليس مِن بِرِّ أُمِّهِ أن يَدَعَهَا تَخْدُمُ النَّاسَ، وتغسلُ ثيابهم،
وتسقي لهم الماء ونحو ذلك، ولا يصُونُها بما يُنْفِقهُ عليها، ويقول: الأبوان
مُكْتَسِبَانِ صحيحانٍ، وليسا بِزَمِنَيْنِ ولا أَعْمَيَيْنِ، فياللّهِ العجبُ: أين شرطُ الله
ورسولِه في برِّ الوالدين، وصِلَةِ الرَّحمِ أن يكون أحدُهم زَمِناً أو أعمى،
وليست صِلَّةُ الرَّحمِ ولا بِرُّ الوالدين موقوفةً على ذلك شرعاً ولا لغةً ولا
عرفاً، وبالله التوفيق.
٤٩٠

ذِكْرُ حكم رسولِ الله ◌َيّ في الرضاعة
وما يحرم بها، وما لا يحرم،
وحُكمه في القَدْرِ المحرّم منها وحُكمه
في إرضاع الكبير، هل له تأثير، أم لا؟
ثبت في «الصحيحين)): من حديث عائشة رضي الله عنها، عنه أنه قال:
((إنَّ الرَّضَاعَةُ تُحَرِّمُ ما تُحرِّمُ الولاَدَ)(١).
وثبت فيهما: من حديث ابن عباس رضي الله عنهما أن النبيَّ ◌َ أُريد على
ابنة حمزة، فقال: ((إِنَّهَا لا تَحِلُّ لي، إنَّهَا ابنةُ أخي مِن الرَّضَاعَةِ وَيَحْرُمُ مِن
الرَّضَاعَةِ ما يَحْرُمُ من الرَّحِم))(٢).
وثبت فيهما: أنه قال لعائشة رضي الله عنهما: ((ائذَني لأَفْلَحَ أخي أبي
القُعَيْسِ، فَإِنَّهُ عَمُّكِ)) وكانَت امرأَتُه أرضعت عائشةَ رضي الله عنها (٣).
وبهذا أجاب ابنُ عباس لما سئل عن رجل له جاريتان، أرضعت إحداهما
جاريةً، والأخرى غُلاماً: أَيحِلُّ للغلام أن يتزوجَ الجارية؟ قال: لا اللَّفَاحُ
واحِدٌ(٤).
(١) أخرجه البخاري ١١٩/٩، ١٢٠ في النكاح: باب وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم،
ومسلم (١٤٤٤) في الرضاع: باب يحرم من الرضاعة ما يحرم من الولادة.
(٢) أخرجه البخاري ١٨٦/٥ في الشهادات: باب الشهادة على الأنساب والرضاع
و١٢١/٩ في النكاح: باب وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم، ومسلم (١٤٤٧) في
الرضاع: باب تحريم ابنة الأخ من الرضاعة واللفظ له.
(٣) أخرجه البخاري ١٢٩/٩، ١٣٠ في النكاح: باب لبن الفحل، ومسلم (١٤٤٥) في
الرضاع: باب تحريم الرضاعة من ماء الفحل، ومالك ٢٣٨/٣.
(٤) أخرجه مالك في ((الموطأ)) ٦٠٢/٢، ٦٠٣ في الرضاع: باب رضاعة الصغير،
والترمذي (١١٤٩) في الرضاع: باب ما جاء في لبن الفحل، وإسناده صحيح.

وثبت في ((صحيح مسلم)) عن عائشة رضي الله عنها، عن النبيِّ ◌َل: ((لاَ
تُحَرِّمُ المَصَّةُ والمَصَّتانِ»(١).
وفي رواية: ((لاَ تُحَرِّمُ الإِمِلاجَةُ والإِمِلاجَتَانِ)»(٢).
وفي لفظ له: أن رجلاً قال: يا رسولَ الله هل تحرِّم الرضعةُ الواحِدَةُ؟ قال:
لا(٣) .
وثبت في ((صحيحه)) أيضاً: عن عائشة رضي الله عنها قالت: كَانَ فيما نَزَلَ
مِنَ القُرآنِ: عَشْرُ رَضَعَاتٍ مَعْلُومَاتٍ يُحَرِّمْنَ ثم نُسِخْنَ بِخَمْسٍ مَعْلُومَاتٍ، فتوفِّيَ
رسولُ الله ◌ِّة، وهُنَّ فيما يقرأ مِن القرآن (٤).
وثبت في ((الصحيحين)): من حديث عائشة رضي الله عنها، أن النبيَّ
قال: ((إنَّما الرَّضَاعَةُ من المَجَاعَة)»(٥).
وثبت في ((جامع الترمذي)): من حديث أم سلمة رضي الله عنها، أن رسولَ
اللّهِ وَه قال: ((لا يُحَرِّمُ مِنَ الرَّضَاعَةِ إلا ما فَتَقَ الأَمْعَاء في الثَّدْي وكَانَ قَبْلَ
الفِطَام)) (٦)، وقال الترمذي: حديث صحيح.
(١) أخرجه مسلم (١٤٥٠) في الرضاع: باب في المصة والمصتين.
(٢) أخرجه مسلم (١٤٥١) من حديث أم الفضل.
(٣) أخرجه مسلم (١٤٥١) (١٩).
(٤) أخرجه مسلم (١٤٥٢) في الرضاع: باب التحريم لخمس رضعات، قال العلماء:
معناه: أن النسخ بخمس رضعات تأخر إنزاله جدا حتى إنه # توفي وبعض الناس
يقرأ: خمس رضعات ويجعلها قرآناً متلواً، لكونه لم يبلغه النسخ لقرب عهده، فلما
بلغهم النسخ بعد ذلك رجعوا عن ذلك، وأجمعوا على أن هذا لا يتلى.
(٥) أخرجه البخاري ١٢٦/٩ في النكاح: باب من قال: لا رضاع بعد حولين، ومسلم
(١٤٥٥) في الرضاعة: باب إنما الرضاعة من المجاعة.
(٦) أخرجه الترمذي (١١٥٢) في الرضاع: باب ما ذكر أن الرضاعة لا تحرم إلا في
الصغير، وإسناده صحيح، وصححه الحاكم.
٤٩٢

وفي ((سنن الدارقطني)) بإسناد صحيح، عن ابن عباس يرفعه: ((لا رضاع إلا
ما كان في الحولين)» (١).
وفي ((سنن أبي داود)): من حديث ابن مسعود يرفعه: ((لا يحرم مِن الرَّضَاعِ
إلا مَا أَنْبَتَ اللَّحْمَ وَأَنْشَرَ العَظْمَ))(٢).
وثبت في ((صحيح مسلم)): عن عائشة رضي الله عنها قالت: جاءت سَهْلَة
بنتُ سُهَيْل إلى النبيِّ ◌ٌَّ، فقالت: يا رسول الله! إني أرَى في وجه أبي حُذَيْفَةَ مِن
دُخُولِ سالمٍ وهو حَلِيفُهُ، فقال النبي ◌ََّ: ((أَرْضِعِيهِ تَحْرُمِي عَلَيْهِ)).
وفي رواية له عنها قالت: جاءت سَهْلَةُ بنتُ سُهَيْل إلى رسول اللهِ وَّةَ،
فقالت: يا رسول الله! إني أرى في وجه أبي حُذَيْفَة من دخول سالم وهو حليفُه،
فقال النبيُّ ◌َّهُ: ((أرضعيهِ))، فقالت: وكيف أُرضِعُهُ وهو رَجُلٌ كبير، فتبسَّم
رَسُولُ اللّهِ وَّةَ، وقال: ((قد عَلِمْتُ أنه كبير))(٣).
وفي لفظ لمسلم: أن أم سلمةَ رضي الله عنها قالت لعائشةَ رضي الله عنها:
إنه يدخُل عليك الغلامُ الأَيْفَعُ الذي ما أُحِبُّ أن يدخلَ عليَّ، فقالت عائشةٌ
رضي الله عنها: أما لَكِ في رسولِ الله ◌َّه أسوةٌ؟ إن امرأة أبي حُذيفة قالت: يا
رسولَ الله! إن سالماً يدخلُ عليَّ وهو رَجُل، وفي نفس أبي حُذِيفَة منه شيءٌ،
فقال رسولُ الله وَُّ(أَرْضِعِيهِ)) حَتَّى يَدْخُل عَلَيْكِ)) (٤).
(١) أخرجه الدارقطني ١٧٤/٤، ورواه بعضهم موقوفاً على ابن عباس، وصحح
الموقوف البيهقي ٧/ ٤٦٢ .
(٢) أخرجه أبو داود (٢٠٥٩) و(٢٠٦٠) وأحمد (٤١١٤) ١/ ٤٣٢ وفي سنده أبو موسى
الهلالي وأبوه وهما مجهولان، لكن أخرجه عبد الرزاق (١٣٨٩٥) والبيهقي ٧/ ٤٦١
من وجه آخر من حديث أبي حصين عن أبي عطية، قال: جاء رجل إلى ابن مسعود
فذكره بمعناه.
(٣) أخرجه مسلم (١٤٥٣) (٢٦) و(٢٧) في الرضاع: باب رضاعة الكبير.
(٤) أخرجه مسلم (١٤٥٣) (٢٩).
٤٩٣

وساقه أبو داود في ((سننه)) سياقه تامة مطولة، فرواه من حديث الزهري،
عن عروة، عن عائشة وأم سلمة رضي الله عنهما، أن أبا حذيفة بن عُتبة بن
ربيعة بن عبد شمس كان تبنَّى سالماً، وأنكَحَهُ ابنة أخيه هنداً بنتَ الوليد بن عتبة،
وهو مولىّ لامرأة من الأنصار، كما تَبَنَّى رسولُ اللّهِ وَّل زيداً، وكان مَنْ تَبَنَّى رجلاً
في الجاهلية، دعاهُ النَّاسُ إليه، وَوَرِثَ ميراثَه، حتى أنزل الله تعالى في ذلك:
﴿ادْعُوهُمْ لَآبَائِهِمْ هُوَ أَفْسَطُ عِنْدَ اللّهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُم فَإخْوانُكم في الدِّينِ
ومَوَالِيكُمْ﴾ [الأحزاب: ٥]، فردوا إلى آبائهم فمن لم يُعْلمْ له أبٌ كان مولىَ وأخاً
في الدِّين، فجاءت سَهْلَة بنتُ سُهَيْل بن عَمْرو القرشي، ثم العامري، وهي امرأةٌ
أبي حذيفة، فقالت: يا رسول اللّهِ! إنا كُنَّا نرى سالِماً ولداً، وكان يأوي معي ومع
أبي حذيفة في بيتٍ واحدٍ، ويراني فُضُلاً، وقد أنزلَ اللهُ تعالى فيهم ما قد عَلِمْتَ،
فكيف تَرَى فيه؟ فقال رَسُولُ الله ◌َّهَ: ((أرضعيه)) فأرْضعَتْهُ خمس رضعاتٍ، فكان
بمنزلةٍ ولدِها من الرَّضَاعَةِ، فبذلك كانت عائشةُ رضي الله عنها تأمُرُ بناتِ إخوتِها،
وبناتِ أخواتهَا أَن يُرِضِعْنَ مَنْ أَحَبَّتْ عائشةُ رضي الله عنها أن يَرَاهَا ويدخلَ عليها،
وإن كان كبيراً خَمْسَ رضعاتٍ، ثُمَّ دْخُلُ عليها، وأَبَتْ ذلك أُمُ سَلَمَةَ وسائرُ أزواجٍ
النبيِّ ◌َ﴿ أن يُدْخِلْنَ عليهنَّ أحداً بتلك الرضاعةِ مِن الناس حتى يرضع في المهد،
وقلن لعائشة: والله ما ندري لعلَّها كانت رُخْصَةً من النبيِّ ◌َ﴿ لسالم دُونَ
الناس(١).
فتضمنت هذه السُّنَنُ الثابتةُ أحكاماً عديدةً، بعضها متفق عليه بين الأُمَّة،
وفي بعضها نزاع .
الرضاعة تحرم ما تحرم
الولادة
الحكم الأول: قولُهُ بَّهِ: ((الرَّضَاعَةُ تُحَرمُ ما تُحَرِّمُ الولادَةُ»، وهذا الحكم
متفقٌ عليه بين الأمَّةِ حتى عِند من قال: إن الزيادةَ على النص نسخ، والقرآنُ لا
(١) أخرجه أبو داود (٢٠٦١) في النكاح: باب فيمن حرم به، ورجاله ثقات وإسناده
صحيح وهو في ((المصنف)) (١٣٨٨٧).
٤٩٤

يُنْسخُ بالسُّنَّةِ، فإنه اضْطُرُ إلى قبولِ هذا الحكم وإن كان زائداً على ما في القرآن،
سواء سماه نسخاً أو لم يُسمه، كما اضطُر إلى تحريم الجمع بين المرأة وعمَّتِهَا،
وبينَها وبينَ خالتها، مع أنه زيادةٌ على نص القرآن، وذكرها هذا مع حديث أبي
القُعَيس في تحريم لبن الفَحْل على أنَّ المرضعةَ والزوج صاحبَ اللََّن قد صارا
أبوين للطفل، وصار الطفلُ ولداً لهما، فانتشرتِ الحُرْمة مِنَ هُذِهِ الجهات
الثلاثِ، فأولادُ الطفلِ وإن نزلوا أولادُ ولِدِهما، وأولادُ كُلِّ واحد من المرضعة
والزوج من الآخر ومن غيره، إخوتُه وأخواته من الجهات الثلاث. فأولادُ أحدهما
من الآخر إخوتُه وأخواته لأبيه وأمه، وأولاد الزوج من غيرها إخوته وأخواته من
أبيه، وأولادُ المرضعة من غيره إخوتُه وأخواتُه لأمه، وصار آباؤها أجدَادَهُ
وجَدَّاتِهِ، وصارَ إخوة المرأة وأخواتُها أَخوالَه وخالاتِهِ، وإخوةُ صاحب اللبن
وأخَواتُه أعمامه وعَمَّتِه، فَحُرْمَةُ الرَّضَاع تنتشر من هذه الجهات الثلاث فقط.
ولا يتعدَّى التحريمُ إلى غير المرتضع ممن هو في درجته من إخوته
وأَخَواتِهِ، فيُباح لأخيه نِكَاحُ مَنْ أرضعتْ أخاهُ وبناتِهَا وأمهاتِهَا، ويُاُ لأُختِهِ نكاحُ
صَاحِبِ اللبن وأباهُ وبنيه، وكذلك لا ينتشِرُ إلى مَنْ فوقه من آبائِهِ وأمهاتِهِ، ومَنْ
في درجتِهِ مِن أعمامِهِ وعَمَّتِهِ وأخوالِهِ وخالاتِهِ، فلأبي المرتضعِ مِن النسب،
وأجدادهِ أن يَنْكحُوا أُمَّ الطَّفْل من الرضاع وأمهاتِها وأخَواتِهَا وبناتِهَا، وأن يَنْكِحُوا
أُمَّهاتِ صاحبِ اللبن وأخواتِهِ وبناتِهِ، إذ نظيرُ هذا من النسب حلال، فللأخ من
الأب أن يتزَوَّجَ أختَ أخيه من الأُمّ، وللأخ من الأم أن يَنْكِحَ أختَ أخيه من
الأب، وكذلك يَنكِحُ الرجل أم ابنه من النسب وأختها، وأما أمُّها وبنتُها، فإنما
حرمتا بالمصاهرة.
هل يحرم نظير المصاهرة
بالرضاع؟
وهل يحرمُ نظيرُ المصاهرة بالرضاع، فيحرمُ عليه أمُّ امرأتهِ مِن الرضاع،
وبنتُها من الرَّضَاعة، وامرأةُ ابنه من الرَّضاعة، أو يحرمُ الجمعُ بين الأختين من
الرَّضاعة، أو بين المرأة وعمتها، وبينها وبين خالتها من الرضاعة؟ فحرَّمه الأئمة
٤٩٥

الأربعة وأتباعهم، وتوقف فیه شیخُنا وقال: إن كان قد قال أحد بعدم التحریم،
فهو أقوى.
قال المحرِّمون: تحريمُ هذا يدخلُ في قوله بَّه: ((يَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعِ مَا
يَحْرُمُ من النَّسَبِ)) فأجرى الرَّضاعة مجرى النسب، وشبَّهها به، فثبت تنزيلُ ولد
الرضاعة وأبي الرضاعة منزلةَ ولد النسب وأبيه، فما ثبت للنسب من التحريم،
ثبت للرَّضاعة، فإذا حَرُمَت امرأة الأب والابن، وأُمُ المرأة، وابنتُها من النسب،
حَرُمْنَ بالرَّضاعة. وإذا حَرُمَ الجمع بين أُختي النسب، حَرُمَ بين أُختي الرضاعة،
هذا تقدير احتجاجهم على التحريم. قال شيخ الإِسلام: الله سبحانه حَرَّمَ سبعاً
بالنسب، وسبعاً بالصِّهْر، كذا قال ابن عباس(١). قال: ومعلوم أن تحريمَ الرضاعة
لا يُسمَّى صِهْراً، وإنما يَحْرُم منه ما يَحْرُمُ من النسب، والنبيُّ نَّ قال: ((يَحْرُمُ مِنَ
الرَّضَاعَةِ ما يَخْرُمُ من الولادة)). وفي رواية: ((ما يَحْرُم من النَّسَبِ)). ولم يقل: وما
يَحْرُم بالمصاهرة، ولا ذكره اللّهُ سبحانه في كتابه، كما ذكر تحريم الصِّهرِ، ولا
ذَكَر تحريمَ الجمع في الرَّضَاعِ كما ذكره في النسب، والصِّهْر قسيمُ النسب،
وشقيقُه، قال الله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ المَاءِ بَشَراً فَجَعَلَهُ نَسَباً وصِهْراً﴾
[الفرقان: ٥٤]، فالعلاقةُ بين الناس بالنسب والصِّهْر، وهما سببا التحريم،
والرَّضاع فرع على النسب، ولا تُعْقَلُ المصاهرة إلا بين الأنساب، واللّهُ تعالى إنما
خَرَّمَ الجمعَ بين الأُختين، وبين المرأة وعَمَّتِهَا، وبينها وبين خالتها، لئلا يُفضي
إلى قطيعةِ الرَّحمِ المحرَّمة. ومعلوم أن الأختين من الرَّضاع ليس بينهما رَحِمٌ
محرَّمة في غير النكاح، ولا ترتب على ما بينهما من أخوة الرضاع حكمٌ قطُّ غير
تحريم أحدهما على الآخر، فلا يعتق عليه بالملك، ولا يرِثُهُ، ولا يستحق النفقة
(١) أخرجه عنه البخاري ١٣٢/٩ من طريق الإمام أحمد بن حنبل، عن يحيى بن سعيد،
عن سفيان، عن حبيب، عن سعيد، عن ابن عباس وليس للبخاري في ((صحيحه))
عن الإمام أحمد رواية إلا في هذا الموضع. وانظر ((المصنف)) (١٣٩٦٥)
و (١٠٧٧٠) و(١٠٧٦٥).
٤٩٦

عليه، ولا يثبتُ له عليه ولايةُ النكاح ولا الموتُ، ولا يَعْقِلُ عنه، ولا يدخلُ في
الوصية والوقف على أقاربه وذوي رحمه، ولا يَحْرُم التفريق بين الأم وولدها
الصغير من الرضاعة، ويَحْرُم من النسب، والتفريقُ بينهما في الملك كالجمع
بينهما في النكاح سواء، ولو ملك شيئاً من المحرَّمات بالرضاع، لم يعتق عليه
بالملك، وإذا حُرُمَتْ على الرجل أُمُه وبنتُهُ وأُخْتُهُ وعَمَّتُه وخالتُه من الرضاعة، لم
يلزم أن يحرم عليه أمُّ امرأته التي أرضعت امرأته، فإنه لا نسبَ بينه وبينها، ولا
مصاهرة، ولا رضاع، والرضاعة إذا جعلت كالنسب في حكم لا يلزم أن تكون
مثله في كل حكم، بل ما افترقا فيه من الأحكام أضعافُ ما اجتمعا فيه منها، وقد
ثبت جوازُ الجمع بين اللتين بينهما مُصاهرة محرَّمة، كما جمع عبدُ الله بن جعفر
بين امرأةٍ عليٍّ وابنتِهِ من غيرِهَا. وإن كان بينهما تحريمٌ يمنع جواز نكاح أحدها
للآخر لو كان ذكراً، فهذا نظيرُ الأختين من الرضاعة سواء، لأن سبب تحريم
النكاح بينهما في أنفسهما، ليس بينهما وبين الأجنبي منهما الذي لا رضاعَ بينه
وبينهما ولا صِهْر، وهذا مذهب الأئمة الأربعة وغيرهم.
واحتجَّ أحمد بأن عبد الله بن جعفر جمع بين امرأةٍ عليٍّ وابنِتِهِ، ولم ينكر
ذلك أحدٌ، قال البخاري: وجمع الحسنُ بنُ الحسن بن علي، بين بنتي عم في
ليلة، وجمع عبدُ الله بن جعفر بين امرأة عليٍّ وابنته، وقال ابنُ شُبْرُمَة: لا بأس به،
وكرهه الحَسَنُ مرة ثم قال: لا بأس به. وكرهه جابر بن زيد للقطيعة، وليس فيه
تحريم، لقوله عز وجل: ﴿وَأُحِلَّ لَكُم مَا وَرَاءَ ذُلِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤]، هذا كلام
البخاري(١) .
(١) ١٣٣/٩، ١٣٤ في النكاح: باب ما يحل من النساء ومايحرم وأثر الحسن بن الحسن
وصله عبد الرزاق في ((المصنف)) (١٠٧٧٠) وأبو عبيد من طريق عمرو بن دينار بهذا
وزاد: في ليلة واحدة بنت محمد بن علي، وبنت عمر بن علي، فقال محمد بن
علي: هو أحب إلينا منهما، وأخرجه عبد الرزاق (١٠٧٧١) أيضاً، والشافعي من
وجه اخر، عن عمرو بن دينار، عن الحسن بن محمد بن علي، فلم ينسب المرأتين،
ولم يذكر قول محمد بن علي، وزاد: فأصبح نساؤهم لا يدرين إلى أيتهما يذهبن.
٤٩٧

وبالجملة: فثبوتُ أحكام النسب من وجهٍ لا يستلزمُ ثُبُوتَها من كل وجه، أو
من وجه آخر، فهؤلاء نساءُ النبيِّ بَّةِ هُنَّ أُمَّهاتُ المؤمنين في التحريم والحُرْمة
فقط، لا في المحرمية، فليس لأحد أن يخلوَ بهنَّ، ولا ينظرَ إليهن، بل قد أمرهُنَّ
الله بالاحتجابِ عَمَّن حرم عليه نكاحهن من غير أقاربهن، ومَنْ بینهن وبينه رضاع،
فقال تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعاً فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وراءِ حِجَابٍ﴾ [الأحزاب:
٥٣]، ثم هذا الحكم لا يتعدّى إلى أقاربهنَّ ألبتة، فليس بناتُهُنَّ أخوات المؤمنين
يَحْرُمن على رجالهم، ولا بنوهُنَّ إخوة لهم يحرم عَليْهنَّ بناتُهُنَّ، ولا أخواتُهُنَّ
وإِخواتهنَّ خالاتٍ وأخوالاً، بل هن حلال للمسلمين باتفاق المسلمين، وقد كانت
أُ الفضل أختُ ميمونَة زوج رسول الله ◌َّ تحت العباس، وكانت أسماء بنتُ أبي
بكر أختُ عائشة رضي الله عنها تحتَ الزبير، وكانت أم عائشة رضي الله عنها
تحتَ أبي بكر، وأُّ حفصةَ تحت عمر رضي الله عنه، وليس لرجل أن يتزوج أُمَّه،
وقد تزوَّجَ عبدُ الله بن عمر وإخوته، وأولاد أبي بكر، وأولاد أبي سفيان من
المؤمنات، ولو كانوا أخوالاً لهن، لم يجز أن ينكحوهن، فلم تنتشر الحُرمة من
أمّهات المؤمنين إلى أقاربهنّ، وإلا لزم من ثبوت حكم من أحكام النسب بين
الأُمة وبينهنَّ ثبوتُ غيره من الأحكام.
ومما يدلُّ على ذُلِكَ أيضاً قولُه تعالى في المحرَّمات: ﴿وحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ
الَّذِينَ مِنْ أصْلائِكُمْ﴾ [النساء: ٢٣].
ومعلوم أن لفظ الابن إذا أطلق لم يدخل فيه ابن الرَّضاع، فكيف إذا قُيِّدَ
بكونه ابنَ صُلْب، وقصْدُ إخراجِ ابن التَِّّي بهذا لا يمنع إخراجَ ابن الرضاع،
ويوجب دخوله، وقد ثبت في ((الصحيح)): أنَّ النبي ◌َُّ أمر سَهْلَة بنتَ سُهَيْل أن
تُرْضِعَ سالماً مولَى أبي حذيفة ليصير مَحْرَماً لها، فأرضعتهُ بلبن أبي حذيفة
زوجها، وصار ابنَها ومحرَمَها بنصِّ رسول الله تََّ، سواء كان هذا الحكم مختصاً
بسالم أو عاماً كما قالته أُم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، فبقي سالم مَحْرَماً لها،
لكونها أرضعتْهُ وصارت أُمَّهُ، ولم يَصِرْ مَخْرماً لها، لكونها امرأة أبيه من
٤٩٨

الرَّضاعة، فإن هذا لا تأثيرَ فيه لرضاعة سَهْلَة له، بل لو أرضعَتْهُ جاريةٌ له، أو امرأة
أُخرَى، صارت سهلةُ امرأة أبيه، وإنما التأثيرُ لِكونه ولدَها نفسِها، وقد عُلِّلَ بهذا
في الحديث نفسِهِ ولفظه: فقال النبيُّ ◌َ: ((أَرْضِعِيه)»، فأرضعتهُ خمس رَضَعَات،
وكان بمنزلة ولِدِها من الرضاعة، ولا يُمكِنُ دعوى الإِجماع في هذه المسألة؛
ومن ادعاه فهو كاذب، فإنْ سعيد بن المسيب، وأبا سلمةَ بن عبد الرحمن،
وسليمانَ بن يسار، وعطاءَ بن يسار، وأبا قِلابة، لم يكونوا يُشْبِتُون التحريمَ بلبن
الفحل، وهو مرويٌّ عن الزبير، وجماعة من الصحابة، كما سيأتي إن شاء الله
تعالى، وكانوا يرون أن التحريمَ إنما هو من قِبَلِ الأُمهات فقط، فهؤلاء إذا لم
يجعلوا المرتضِع من لبن الفحل ولداً له، فأن لا يُحرِّمُوا عليه امرأته، ولا على
الرضيع امرأةَ الفحل بطريق الأولى، فعلى قول هؤلاء فلا يَحْرُمُ على المرأة أبو
زوجها من الرَّضاعة، ولا ابنهُ من الرضاعة.
فإن قيل: هؤلاء لم يُثْبِتُوا البُنُوَّة بين المرتضِع وبين الفحل، فلم تثبتِ
المصاهرةُ، لأنها فرع ثبوتِ بُنُوَّةِ الرَّضاع، فإذا لم تثبت له، لم يثبت فَرْعُهَا، وأما
من أَثَبَتَ بُنُوَّةَ الرضاعِ من جهة الفحل كما دلت عليه السُّنَّة الصحيحة الصريحة،
وقال به جمهور أهل الإِسلام، فإنه تَثْبُتْ المصاهرة بهذه البنوة، فهل قال أحد ممن
ذهب إلى التحريم بلبن الفحل: إن زوجة أبيه وابنه من الرضاعة لا تحرم؟
قيل: المقصود أن في تحريم هذه نزاعاً، وأنه ليس مجمعاً عليه، وبقي.
النظرُ في مأخذه، هل هو إلغاء لبن الفحل، وأنه لا تأثير له، أو إلغاء المصاهرة من
جهة الرَّضاع، وأنه لا تأثير لها، وإنما التأثير لمصاهرة النسب؟
ولا شك أن المأخذ الأول باطل، لثبوت السُّنَّة الصريحة بالتحريم بلبن
الفحل، وقد بينا أنه لا يلزم من القول بالتحريم به إثباتُ المصاهرة به إلا بالقياس،
وقد تقدَّمَ أن الفارق بين الأصل والفرع أضعاف أضعافِ الجامع، وأنه لا يلزم من
ثبوت حكم من أحكام النسب، ثبوت حكم آخر.
٤٩٩

ويدل على هذا أيضاً أنه سبحانه لم يجعل أُمَّ الرَّضاع، وأخت الرَّضاعة
داخلةٌ تحت أُمَّهاتنا وأخوَاتنا، فإنه سبحانه قال: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهاتُكُم وبَنَاتُكُمْ
وَأَخَوَاتُكُمْ﴾ [النساء: ٢٣]، ثم قال: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ
الرّضَاعَةِ﴾ [النساء: ٢٣]، فدل على أن لفظ أمَّهاتِنَا عند الإطلاق: إنما يراد به
الأم من النسب، وإذا ثبت هذا، فقوله تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ﴾ مثل قوله:
﴿وأمهاتُكُمْ﴾، إنما هن أمهات نسائنا من النسب، فلا يتناول أمَّهاتهن من
الرضاعة، ولو أريد تحريمهنَّ لقال: وأمهاتهنَّ اللاتي أرضعنهن، كما ذكر ذلك
في أُمهاتنا، وقد بينا أن قوله: ((يَحْرُمُ من الرضَاعَةِ ما يَحْرُم من النَّسَبِ»، إنما يدل
على أن من حرم على الرجل من النسب حرم عليه نظيره من الرضاعة، ولا يدل
على أن من حرم عليه بالصِّهر أو بالجمع، حَرُمٍ عليه نظيره من الرضاعة، بل يدل
مفهومه على خلاف ذلك، مع عموم قوله: ﴿وَأَحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذُلِكُم﴾ [النساء:
٢٤].
من جوز من السلف نكاح
بنات الزوجة إذا لم تكن
في حجره
ومما يدل على أن تحريم امرأةٍ أبيه وابنه مِنَ الرَّضاعةِ ليس مسألةَ إجماع،
أنه قد ثبت عن جماعة من السلف جوازُ نِكاح بنتِ امرأتِه إذا لم تكن في حَجْرِهِ،
كما صحَّ عن مالك بن أوس بن الحدثان النَّصْري، قال: كانت عندي امرأة، وقد
ولدت لي، فتوفيتْ، فَوَجِدْتُ عليها، فَلَقِيتُ عليَّ بنَ أبي طالب رضي الله عنه،
قال لي: مالك؟ قلتُ: توفيت المرأةُ، قال: لها ابنةٌ؟ قلت: نعم، قال: كانت في
حَجْرِك؟ قلت: لا، هي في الطائف. قال: فانكحها، قلت: فأين قوله تعالى:
﴿وَرَبَائِبُكُمْ الَّلاتي في حُجُورِ كُمْ مِنْ نِسَائِكُمْ﴾؟ [النساء: ٢٣]. قال: إنها لم تكن
في حجرك، وإنما ذلك إذا كانت في حَجْرِك (١).
(١) أخرجه عبد الرزاق (١٠٨٣٤) وسنده صحيح كما قال الحافظ في ((الفتح)) ١٣٦/٩
وذكره السيوطي في ((الدر المنثور)) ١٣٦/٢، وزاد نسبته إلى ابن أبي حاتم، وصحح
سنده .
٥٠٠