Indexed OCR Text
Pages 441-460
[المائدة: ٨٩]، وقال في كفارة الظهار: ﴿فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِينَ مِسْكِيناً﴾ [المجادلة: ٤]، وقال في فدية الأذى: ﴿فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَو نُسُكٍ﴾ [البقرة: ١٩٦]، وليس في القرآن في إطعام الكفارات غيرُ هذا، وليس في موضع واحد منها تقديرُ ذلك بمد ولا رطل، وصح عن النبي ◌َّ أنه قال لمن وطىء في نهار رمضان: ((أَطْعِمْ سِتِّينَ مِسْكِيناً))(١). وكذلك قال للمُظاهرِ، ولم يَحُدَّ ذلك بمد ولا رطل. فالذي دل عليه القرآن والسنة، أن الواجب في الكفارات والنفقات هو الإِطعامُ لا التمليكُ، وهذا هو الثابتُ عن الصحابة رضي الله عنهم. قال أبو بكر بن أبي شيبة: حدثنا أبو خالد، عن حجاج، عن أبي إسحاق عن الحارث عن علي: يُغْدِّيهم، ويُعشِّيهم خبزاً وزيتاً. أقوال الصحابة في الكفارة وقال إسحاق، عن الحارث كان عليٍّ يقول في إطعام المساكين في كفارة اليمين: يُغْدِّيهم ويُعشيهم خبزاً وزيتاً، أو خبزاً وسمناً(٢). وقال ابن أبي شيبة: حدثنا يحيى بن يعلى، عن ليث، قال: كان عبدُ الله بنُ مسعود رضي الله عنه يقول: ﴿مِن أوسطِ ما تُطْعِمُون أهليكم﴾ قال: الخبز والسمن، والخبز والزيت، والخبز واللحم(٣). (١) أخرجه البخاري ١٤١/٤، ١٤٣ في الصوم: باب إذا جامع في رمضان، وباب المجامع في رمضان، وفي الهبة: باب إذا وهب هبة، فقبضها الآخر، وفي النفقات: باب نفقة المعسر على أهله، وفي الأدب: باب التبسم والضحك، وباب ما جاء في قول الرجل: ويلك، وفي الأيمان والنذور: باب قول الله تعالى: ﴿قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم﴾، وباب من أعان المعسر في الكفارة، وباب يعطي في الكفارة عشرة مساكين، وفي المحاربين: باب من أصاب ذنباً دون الحد فأخبر الإِمام، وأخرجه مسلم (١١١١) في الصوم: باب تغليظ تحريم الجماع في نهار رمضان. (٢) حجاج والحارث ضعيفان، وهو في ((تفسير الطبري)) ٢١/٧، وذكره ابن كثير ٨٩/٢، وزاد نسبته لابن أبي حاتم. (٣) ليث هو ابن أبي سليم ضعيف. ٤٤١ وصح عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: أوسط ما يُطعم الرجلُ أهله: الخبزُ واللبن، والخبز والزيت، والخبزُ والسمن، ومن أفضل ما يُطعم الرجل أهله: الخبز واللحم (١). وقال يزيد بن زريع: حدثنا يونس، عن محمد بن سيرين، أن أبا موسى الأشعري كفَّر عن يمين له مرة، فأمر بجيراً أو جبيراً يُطعم عنه عشرة مساكين خبزاً ولحماً وأمر لهم بثوب مُعقَّد أو ظهراني (٢). وقال ابن أبي شيبة: حدثنا يحيى بن إسحاق حدثنا يحيى بن أيوب، عن حميد، أن أنساً رضي الله عنه مرض قبلَ أن يموتَ، فلم يستطِعْ أن يصوم، وكان يجمعُ ثلاثين مسكيناً فيطعمهم خبزاً ولحماً أكلة واحدة (٣). أقوال التابعين في الكفارة وأما التابعون، فثبت ذلك عن الأسود بن يزيد، وأبي رزين، وعبيدةَ، ومحمد بن سيرين، والحسن البصري، وسعيد بن جُبير، وشُريح، وجابر بن زيد، وطاووس، والشعبي، وابن بريدة، والضحاك، والقاسم، وسالم، ومحمد بن إبراهيم، ومحمد بن كعب، وقتادة، وإبراهيم النخعي، والأسانيد عنهم بذلك في أحكام القرآن لإِسماعيل بن إسحاق، منهم من يقول: يغدِّي المساكينَ ويُعشِّيهم، ومنهم من يقول: أكلة واحدة، ومنهم من يقول: خبز ولحمٌ، خبز وزيت، خبز وسمن، وهذا مذهب أهل المدينة، وأهل العراق، (١) أخرجه ابن جرير ١٧/٧، وسنده صحيح، وذكره السيوطي في ((الدر المنثور)) ٣١٣/٢، وزاد نسبته لعبد بن حميد، وابن المنذر وابن أبي حاتم، وأبي الشيخ وابن مردويه . (٢) أخرجه البيهقي ٥٦/١٠ من حديث سعيد بن منصور، عن إسماعيل بن إبراهيم، عن سلمة بن علقمة، عن محمد بن سيرين. والمعقد: ضرب من برود هجر، والظهراني. منسوب إلى مر الظهران - قرية عند وادٍ بين عسفان ومكة، وقيل: إلى ظهران - قرية من قرى البحرين - كما في ((النهاية)). (٣) يحيى بن إسحاق هو البجلي لين الحديث كما في ((التقريب)). ٤٤٢ وأحمد في إحدى الروايتين عنه، والرواية الأخرى: أن طعامَ الكفارة مقدَّر دون نفقة الزوجات. فالأقوال ثلاثة: التقدير فيهما، كقول الشافعي وحدَه، وعدمُ التقدير فيهما، كقول مالك وأبي حنيفة، وأحمد في إحدى الروايتين. والتقديرُ في الكفارة دون النفقة، کالرواية الأخرى عنه. قول من قال بالتقدير في الكفارة دون النفقة قال من نصر هذا القول: الفرقُ بين النفقة والكفارة: أن الكفارة لا تختلفُ باليسار والإِعِسار، ولا هي مقدَّرة بالكفاية، ولا أوجبها الشارعُ بالمعروف، كنفقةٍ الزوجة والخادم، والإِطعامُ فيها حق الله تعالى لا لآدمي معين، فيُرضى بالعوض عنه، ولهذا لو أخرج القيمة لم يُجْزِهِ، ورُوي التقديرُ فيها عن الصحابة، فقال القاضي إسماعيل: حدثنا حجَّاج بن المنهال، حدثنا أبو عوانة، عن منصور، عن أبي وائل، عن يسار بن نمير، قال: قال عمر: إن ناساً يأتوني يسألوني، فَأَحْلِفُ أني لا أُعطيهم، ثم يبدو لي أن أُعْطيهم، فإذا أمرتُك أن تُكَفِّرَ، فأطعم عنِّي عشرة مساكين، لِكُلِّ مسكينٍ صاعاً من تمر أو شعير، أو نصف صاع من بر. حدثنا حجاج بن المنهال وسليمان بن حرب، قالا: حدثنا حماد بن سلمة، عن سلمة بن كُهَيْل، عن يحيى بن عباد، أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: يَايَرْفا!(١) إذا حلفتُ فحنثتُ، فأطعم عني ليميني خمسة أصْوُعِ عشرة مساكين. وقال ابن أبي شيبة، حدثنا وكيع، عن ابن أبي ليلى، عن عُمر ابن أبي مرة، عن عبد الله بن سلمة، عن علي قال: كفارةُ اليمين: إطعام عشرةٍ مساكين لكل مسکین نصف صاع. حدثنا عبد الرحيم، وأبو خالد الأحمر، عن حجاج، عن قُرط، عن جدته، (١) ضبطوه بفتح الياء وسكون الراء بعدها فاء مشبعة بغير همز وقد تهمز، وكان من موالي عمر أدرك الجاهلية، ولا تعرف له صحبة، وقد حج مع عمر بخلافة أبي بكر، وعاش إلى خلافة معاوية . ٤٤٣ عن عائشة رضي الله عنها قالت: إنا نُطعِمُ نصفَ صاعٍ مِن بُر، أو صاعاً من تمر في كفارة اليمين. وقال إسماعيل: حدثنا مسلم بن إبراهيم، حدثنا هشام بن أبي عبد الله، حدثنا يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن زيد بن ثابت، قال: يُجزىء في كفارة اليمينِ لِكل مسكين مُدُّ حِنطة. حدثنا سليمان بن حرب، حدثنا حماد بن يزيد، عن أيوب، عن نافع، أن ابن عمر رضي الله عنه كان إذا ذكر اليمين، أعتق، وإذا لم يذْكُرْها، أطعم عشرةَ مساكين، لكل مسكين مُدٌّ مُدٍّ . وصحَّ عن ابن عباس رضي الله عنهما: في كفارة اليمين مُدٌّ، ومعه أدمُهُ. وأما التابعون، فثبت ذلك عن سعيد بن المسيب، وسعيد بن جبير، ومجاهد، وقال: كل طعام ذكر في القرآن للمساكين، فهو نصفُ صاع، وكان يقولُ في كفارة الأَيمان كلها: مُدَّانِ لِكُلِّ مسكين. وقال حمادُ بن زيد عن يحيى بن سعيد، عن سليمان بن يسار: أدركتُ الناسَ وهم يُعطون في كفارة اليمين مداً بالمدِّ الأول. وقال القاسم، وسالم، وأبو سلمة، مُدٌّ مُدٌّ من بر، وقال عطاء: فرقاً بين عشرة، ومرة قال: مُدٌّ مُدٍّ . قالوا: وقد ثبت في (الصحيحين)) أن النبي ◌ٍَّ قال لِكَعْب بن عُجْرَةَ في كفارة فدية الأذى: ((أَطْعِمْ سِتَّةَ مَسَاكِينَ نِصْفَ صاعِ نِصْفَ صَاعٍ طَعَاماً لِكُلِّ مِسْكِينٍ(١). فقدَّر رسول الله صَلّ فِدية الأذى، فجعلنا تقديرها أصلاً، وعدَّيناها إلى سائر الكفارات، ثم قال من قدّر طعام الزوجة: ثم رأينا النفقاتِ والكفاراتِ قد اشتركا في الوجوب، فاعتبرنا إطعامَ النفقة بإطعام الكفارة، ورأينا الله سبحانه - (١) أخرجه البخاري ١٤/٤ في الحج: باب قول الله تعالى: ﴿أو صدقة) ومسلم (١٢٠١) في الحج: باب جواز حلق الرأس للمحرم إذا كان به أذى. ٤٤٤ قد قال في جزاء الصيد: ﴿أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ﴾ [المائدة: ٩٥]، وما أجمعت الأمة أن الطعام مقدَّر فيها، ولهذا لو عَدِمَ الطعام، صام عن كل مدٍّ يوماً، كما أفتى به ابنُ عباس والناسُ بعده، فهذا ما احتجَّت به هذه الطائفةُ على تقدير طعام الكفارة . حجة من قال بعدم التقدير في النفقة والكفارات قال الآخرون: لا حُجة في أحد دونَ الله ورسوله وإجماع الأمة، وقد أمرنا تعالى أن نَرُدَّ ما تنازعنا فيه إليه وإلى رسوله، وذلك خيرٌ لنا حالاً وعاقبةً، ورأينا اللّهَ سبحانه إنما قال في الكفارة: ﴿إِطْعَامُ عَشَرَةٍ مَسَاكِينَ﴾، و﴿إِطْعَامُ سِنِّيْنَ مِسْكِيناً﴾، فعلق الأمر بالمصدر الذي هو الإِطعام، ولم يحد لنا جنسَ الطعام ولا قدره، وحدَّ لنا جنس المطعمين وقدرَهم، فأطلق الطعام وقيَّدَ المطعومين، ورأيناهُ سبحانه حيث ذكر إطعامَ المسكين في كتابه، فإنما أراد به الإِطِعامَ المعهود المتعارفَ، كقوله تعالى: ﴿وَمَا أَدراكَ مَا العَقَبَةُ؟ فَكُّ رَقَبَةٍ أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمِ ذي مَسْغَبَةٍ يَتِيماً﴾ [البلد: ١٢]. وقال: ﴿ويُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وأَسيراً﴾ [الإنسان: ٨] وكان من المعلوم يقيناً، أنهم لو غذّوهم أو عشَّوهم أو أطعمُوهم خبزاً ولحماً أو خبزاً ومرقاً ونحوه لكانوا ممدوحين داخلين فيمن أثنى عليهم، وهو سبحانه عَدَلَ عن الطعام الذي هو اسم للمأكول إلى الإِطعام الذي هو مصدرٌ صريح، وهذا نصٌّ في أنه إذا أطعم المساكينَ، ولم يُملكهم، فقد امتثل ما أمر به، وصحَّ في كل لغة وعرف: أنه أطعمهم. قالوا: وفي أي لغة لا يصدق لفظُ الإِطعام إلا بالتمليك؟ ولِما قال أنس رضي الله عنه: إن النبي ◌َّ أطعَمَ الصحابة في وليمة زينب خبزاً ولحماً(١). كان قد اتخذ طعاماً، ودعاهم إليه على عادة الولائم، وكذلك قولُه في وليمة صفية: ((أطْعَمَهُم حَيْساً)) (٢)، وهذا أظهر من أن نذكر شواهدَه، قالوا: وقد زاد ذلك (١) أخرجه البخاري ٨/ ٤٠٧ في تفسير سورة الأحزاب: باب قوله: ﴿لا تدخلوا بيوت النبي إلا أن يؤذن لكم إلى طعام﴾ (٢) أخرجه البخاري ١١٠/٩ في النكاح: باب اتخاذ السراري، ومسلم ١٠٤٣/٢ = ٤٤٥ إيضاحاً وبياناً بقوله: ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُم﴾ [المائدة: ٨٩]، ومعلوم يقيناً، أن الرجل إنما يُطعم أهله الخبزَ واللحمَ، والمرق واللبنَ، ونحو ذلك، فإذا أطعم المساكينَ مِن ذلك، فقد أطعمهم مِن أوسط ما يُطعم أهلَه بلا شك، ولهذا اتفق الصحابةُ رضي الله عنهم في إطعامِ الأهلِ على أنه غيرُ مقدر، كما تقدَّمَ، والله سبحانه جعله أصلاً لطعام الكفارة، فدلَّ بطريق الأولى على أن طعام الكفارة غيرُ مقدّر. وأما من قدَّر طعام الأهل، فإنما أخذ من تقدير طعام الكفارة، فيُقال: هذا خلافُ مقتضى النص، فإن الله أطلق طعامَ الأهل، وجعله أصلاً لطعام الكفارة، فعُلِمَ أن طعام الكفارة لا يتقدَّر كما لا يتقدَّرُ أصله، ولا يُعرف عن صحابي ألبتة تقديرُ طعام الزوجة مع عموم هذه الواقعة في كل وقت. قالوا: فأما الفروق التي ذكرتمُوها، فليس فيها ما يستلزِمُ تقديرَ طعام الكفارة، وحاصلُها خمسةُ فروق، أنها لا تختلِفُ باليَسار والإعسار، وأنها لا تتقدَّر بالكِفاية، ولا أوجبها الشارعُ بالمعروف، ولا يجوز إخراجُ العِوَضِ عنها، وهي حقّ لله لا تسقُط بالإسقاط بخلاف نفقة الزوجة، فيقال: نعم لا شك في صحة هذه الفروق، ولكن من أين يستلزمُ وجوب تقديرها بمد ومدين؟ بل هي إطعامٌ واجب من جنس ما يُطْعِمُ أهله، ومع ثبوت هذه الأحكام لا يدل على تقدیرها بوجه . وأما ما ذكرتم عن الصحابة من تقديرها، فجوابه من وجهين. أحدهما: أنا قد ذكرنا عن جماعة، منهم: علي، وأنس، وأبو موسى، وابن (١٣٦٥) في النكاح: باب فضيلة إعتاقه أمته ثم يتزوجها، ولفظه عند مسلم ((فأصبح النبي ◌َ﴾ عروساً)). فقال: ((من كان عنده شيء فليجىء به)) قال: وبسط نطعاً، قال: فجعل الرجل يجيء بالأقط، وجعل الرجل يجيء بالتمر، وجعل الرجل يجيء بالسمن، فحاسوا حيساً، فكانت وليمة رسول الله چے ٤٤٦ مسعود رضي الله عنهم أنهم قالوا: يُجزىء أن يغدِّيَهم ويعشِّيَهم. الثاني: أن مَنْ رُوي عنهم المد والمدان لم يذكروا ذلك تقديراً وتحديداً، بل تمثيلاً، فإن منهم من رُوي عنه المد، ورُوي عنه مدان، ورُوي عنه مگوك، وروي عنه جوازُ التغدية والتعشية، ورُوي عنه أكلة، ورُوي عنه رغيفٌ أو رغيفانِ، فإن كان هذا اختلافاً، فلا حجة فيه، وإن كان بحسب حال المستفتي وبحسب حال الحالف والمكفِّر، فظاهر، وإن كان ذلك على سبيل التمثيل، فكذلك. فعلى كُلِّ تقدير لا حجة فيه على التقديرين . قالوا: وأما الإِطعامُ في فِدية الأذى، فليس من هذا الباب، فإن الله سبحانه قال: ﴿فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيامٍ، أَوْ صَدَقَةٍ، أَوْ نُسُكٍ﴾ [البقرة: ١٩٦]، واللهُ سبحانه أطلق هذه الثلاثة ولم يُقيدها. وصح عن النبي ◌َّ تقييدُ الصيام بثلاثة أيام، وتقييد النسك بذبح شاة، وتقييدُ الإِطعام بستة مساكين، لكل مسكين نصف صاع، ولم يقل سبحانه في فدية الأذى: فإطعام ستة مساكين، ولكن أوجب صدقة مطلقة، وصوماً مطلقاً، ودماً مطلقاً، فعيَّنه النبيُّ نَّهُ بِالفَرْقِ، والثلاثة الأيام، والشاة. وأما جزاءُ الصيد، فإنه مِن غير هذا الباب، فإن المُخْرِجَ إنما يُخرج قيمة الصيد من الطعام، وهي تختلف بالقلة والكثرة، فإنها بَدَل مُتْلَفٍ لا يُنظر فيها إلى عدد المساكين، وإنما يُنظر فيها إلى مبلغ الطعام، فيُطعمه المساكين على ما يرى من إطعامهم وتفضيل بعضهم على بعض، فتقديرُ الطعام فيها على حسب المتلف، وهو يَقِلُّ ويكثُر، وليس ما يُعطاه كلُّ مسكين مقدراً. ثم إن التقدير بالحَبِّ يستلزِمُ أمراً باطلاً بَيِّنَ البُطلان، فإنه إذا كان الواجبُ لها عليه شرعاً الحب، وأكثر الناس إنما يطعم أهله الخبز، فإن جعلتم هذا معاوضة كان رباً ظاهراً، وإن لم تجعلوه معاوضة، فالحبُّ ثابت لها في ذمته، ولم تَعْتَضْ عنه، فلم تبرأ ذمتُه منه إلا بإسقاطها وإبرائها، فإذا لم تُبرئه طالبته بالحب مدةً طويلة مع إنفاقه عليها كلَّ يومٍ حاجتها من الخبز والأدم، وإن مات أحدُهما ٤٤٧ كان الحب ديناً له أو عليه، يُؤخذ من التركة مع سعة الإنفاق عليها كُلَّ يوم. ومعلوم أن الشريعة الكاملة المشتمِلَةَ على العدل والحكمة والمصلحة تأبى ذلك كُلَّ الإِباء، وتدفعُه كُلَّ الدفع كما يدفعُه العقل والعُرف، ولا يُمكِنُ أن يُقال: إن النفقة التي في ذمته تسقُط بالذي له عليها من الخبز والأدم لوجهين، أحدهما: أنه لم يبعه إياها، ولا اقترضه منها حتى يثبت في ذمتها، بل هي معه فيه على حكم الضيف، لامتناع المعاوضة عن الحب بذلك شرعاً. ولو قُدِّرَ ثبوتُه في ذمتها، لما أمكنت المقاصة، لاختلاف الدينين جنساً، والمقاصة تعتمدُ اتفاقهما. هذا وإن قيل بأحد الوجهين: إنه لا يجوزُ المعاوضة على النفقة مطلقاً لا بدراهم ولا بغيرها لأنه معاوضة عما لم يستقر، ولم يجب، فإنها إنما تجب شيئاً فشيئاً، فإنه لا تَصِحُّ المعاوضةُ عليها حتى تستقر بمُضي الزمان، فيعاوض عنها كما يُعاوض عما هو مستقر في الذمة من الديون، ولما لم يجد بعضُ أصحاب الشافعي من هذا الإشكال مخلصاً قال: الصحيح أنها إذا أكلت، سقطت نفقتها. قال الرافعي في ((محرره)): أولى الوجهين السقوطُ، وصححه النووي لجريان الناس عليه في كل عصر ومصر، واكتفاء الزوجة به. وقال الرافعي في ((الشرح الكبير))، و((الأوسط)): فيه وجهان. أقيسهُما: أنها لا تسقط، لأنه لم يوفِ الواجب، وتطوع بما ليس بواجب، وصرَّحوا بأن هذين الوجهين في الرشيدة التي أذن لها قَيِّمُها، فإن لم يأذن لها، لم تسقط وجهاً واحداً. فصل وفي حديث هند: دليل على جواز قول الرجل في غريمه ما فيه من العيوب عند شكواه، وأن ذلك ليس بغيبة، ونظيرُ ذلك قول الآخر في خصمه: يا رسول الله! إنه فاجر لا يُبالي ما حلف عليه. ما استنبط من حديث شکوی هند جواز ذكر العيوب عند الشكوى تفرد الأب بنفقة أولاده وفيه دليل على تفرد الأب بنفقة أولاده، ولا تُشارِكُه فيها الأم، وهذا إجماع من العلماء إلا قول شاذ لا يلتفت إليه، أن على الأم من النفقة بقدر ميراثها، وزعم ٤٤٨ صاحبُ هذا القول: أنه طرَّدَ القياس على كل من له ذكر وأنثى في درجة واحدة، وهما وارثان، فإن النفقة عليهما، كما لو كان له أخٌ وأخت، أو أم وجد، أو ابن وبنت، فالنفقةُ عليهما على قدر ميراثهما، فكذلك الأبُ والأُّ. والصحيح: انفرادُ العصبة بالنفقة، وهذا كُلُّه كما ينفرد الأب دون الأم بالإنفاق، وهذا هو مقتضى قواعد الشرع، فإن العصبة تنفردُ بحمل العقل، وولاية النكاح، وولاية الموت والميراث بالولاء، وقد نص الشافعيُّ على أنه إذا اجتمع أم وجد أو أب، فالنفقةُ على الجد وحده، وهو إحدى الروايات عن أحمد، وهي الصحيحة في الدليل، وكذلك إن اجتمع ابن وبنت، أو أم وابن، أو بنت وابن ابن، فقال الشافعي: النفقةُ في هذه المسائل الثلاث على الابن لأنه العصبة، وهي إحدى الروايات عن أحمد. والثانية: أنها على قدر الميراث في المسائل الثلاث، وقال أبو حنيفة: النفقة في مسألة الابن والبنت عليهما نصفان لتساويهما في القرب، وفي مسألة بنت وابن ابن: النفقة على البنت لأنها أقرب، وفي مسألة أم وبنت على الأم الربع، والباقي على البنت، وهو قولُ أحمد، وقال الشافعي: تنفرد بها البنتُ، لأنها تكونُ عصبةً مع أخيها، والصحيحُ: انفراد العصبة بالإنفاق، لأنه الوارث المطلق. وفيه دليلٌ على أن نفقة الزوجة، والأقارب مقدَّرة بالكفاية، وأن ذلك بالمعروف، وأن لِمَن له النفقة له أن يأخذها بنفسه إذا منعه إياها مَنْ هي عليه. وقد احتجَّ بهذا على جواز الحكم على الغائب، ولا دليل فيه، لأن أبا سفيان كان حاضراً في البلد لم يكن مسافراً، والنبي وس﴿ لم يسألها البينَة، ولا يُعطى المدَّعي بمجرد دعواه، وإنما كان هذا فتوى منه ◌َمّ. عدم صحة الاحتجاج به على جواز الحكم على الغائب وقد احتج به على مسألة الظَّفر، وأن للإنسان أن يأخذ من مال غريمه إذا ظفر به بقدر حقه الذي جحده إياه، ولا يدل لثلاثة أوجه، أحدُها: أن سببَ الحق هاهنا ظاهر، وهو الزوجية، فلا يكون الأخذُ خيانةً في الظاهر، فلا يتناولُه قولُ عدم صحة الاحتجاج به على جواز الأخذ من مال الغريم ... ٤٤٩ زاد المعاد ج٥-م١٥ النبيِّ ◌ََّ: ((أَدِّ الأمَانَةَ إلى من اثْتَمَنَكَ، وَلاَ تَخُنْ مَنْ خَانَكَ)) (١). ولهذا نص أحمد على المسألتين مفرقاً بينهما، فمنع من الأخذ في مسألة الظفر، وجوَّز للزوجة الأخذَ، وعمل بكلا الحدیثین. الثاني: أنه يشق على الزوجة أن ترفعَه إلى الحاكم، فيلزمه بالإنفاق أو الفراق، وفي ذلك مضرّة عليها مع تمكنها من أخذ حقها . الثالث: أن حقها يتجدَّدُ كُلَّ يوم فليس هو حقاً واحداً مستقراً يُمكن أن تستدينَ عليه، أو ترفعه إلى الحاكم بخلاف حق الدين. فصل وقد احتج بقصة هند لهذه على أن نفقة الزوجة تَسْقُطُ بمضي الزمان، لأنه لم يُمكنها من أخذ ما مضى لها مِن قدر الكفاية مع قولها: إنه لا يُعطيها ما يكفيها، ولا دليلَ فيها، لأنها لم تدع به ولا طلبته، وإنما استفتته: هل تأخذ في المستقبل ما يكفيها؟ فأفتاها بذلك. هل تسقط النفقة بمضي الزمن؟ وبعد، فقد اختلف الناسُ في نفقة الزوجات والأقارب، هل يسقُطانِ بمضيٍّ الزمان كلاهما، أو لا يسقطان، أو تسقُطُ نفقةُ الأقارب دون الزوجات؟ على ثلاثة أقوال. أحدها: أنهما يسقطان بمضي الزمان، وهذا مذهب أبي حنيفة، وإحدى الروايتين عن أحمد. والثاني: أنهما لا يسقُطان إذا كان القريبُ طفلاً، وهذا وجه للشافعية. (١) حديث صحيح بشواهده أخرجه أبو داود (٣٥٣٥) والترمذي (١٢٦٤) والدارمي ٢٦٤/٢، والدار قطني ص ٣٠٣ والحاكم ٤٦/٢ من حديث أبي هريرة، وسنده حسن، وله شاهد عند الدار قطني والضياء والطبراني في ((الصغير)) ص ٩٦ من حديث أنس، والطبراني من حديث أبي أمامة، وأبي داود (٣٥٤٣) عن رجل من الصحابة، والدار قطني عن أبي بن كعب. ٤٥٠ والثالث: تسقُط نفقةُ القريب دون نفقة الزوجة، وهذا هو المشهورُ من مذهب الشافعي وأحمد ومالك. ثم الذين أسقطوه بمضي الزمان، منهم من قال: إذا كان الحاكمُ قد فرضها لم تسقط، وهذا قولُ بعض الشافعية والحنابلة. ومنهم من قال: لا يُؤْثِّر فرضُ الحاكم في وجوبها شَيْئاً إذا سقطت بمضي الزمان، والذي ذكره أبو البركات في «محرَّرِهِ))، الفرق بين نفقة الزوجة ونفقة القريب في ذلك، فقال: وإذا غاب مُدةً ولم يُنفق، لزمه نفقةُ الماضي، وعنه: لا يلزمه إلا أن يكون الحاکمُ قد فرضها . وأما نفقةُ أقاربه، فلا تلزمه لِما مضى وإن فرضت إلا أن يستدان عليه بإذن الحاكم وهذا هو الصوابُ، وأنه لا تأثير لفرض الحاكم في وجوب نفقة القريب لما مضى من الزمان نقلاً وتوجيهاً، أما النقلُ، فإنه لا يُعرف عن أحمد، ولا عن قدماء أصحابه استقرارُ نفقة القريب بمضي الزمان إذا فرضها الحاكم، ولا عن الشافعي، وقدماء أصحابه والمحققين لمذهبه منهم، كصاحب ((المهذب))، و((الحاوي))، و((الشامل))، و((النهاية))، و((التهذيب))، و((البيان))، و((الذخائر)) (١) وليس في هذه الكتب إلا السقوطُ بدون استثناء فرض، وإنما يُوجد استقرارُها إذا فَرَضَها الحاكم في ((الوسيط)) و((الوجيز))، وشرح الرافعي وفروعه، وقد صرح نصر المقدسي في ((تهذيبه))، والمحاملي في ((العدة))، ومحمد بن عثمان في (التمهيد))، والبندنيجي في ((المعتمد)) بأنها لا تستقر ولو فرضها الحاكم، وعلَّلوا السقوط بأنها تجِبُ على وجه المواساة لإحياء النفس، ولهذا لا تجب مع يسار المنفق عليه، وهذا التعليلُ يُوجب سقوطَها فرضت أو لم تفرض. وقال أبو (١) ((المهذب)) لأبي إسحاق الشيرازي، المتوفى ٤٧٦ هـ، و((الحاوي)) لأبي الحسن المارودي المتوفى ٤٥٠ هـ، و((الشامل)) لابن الصباغ المتوفي ٤٧٧ هـ، و((النهاية)) لإمام الحرمين الجويني المتوفي ٤٧٨ هـ، و((التهذيب)) للإمام البغوي المتوفى ٥١٦ هـ، و((البيان)) لأبي الخير اليمني الشافعي المتوفى ٥٥٨ هـ، و((الذخائر)) لأبي المعالي المخزومي الشافعي المتوفى ٥٥٠ هـ. . ٤٥١ المعالي: ومما يدل على ذلك أن نفقة القريب إمتاع لا تمليك، وما لا يجب فيه التمليك، وانتهى إلى الكفاية، استحال مصيرُه ديناً في الذمة، واستبعد لهذا التعليل قول من يقول: إن نفقةَ الصغير تستقِرُّ بمضي الزمان، وبالغ في تضعيفه من جهة أن إيجابَ الكفاية مع إيجاب عوض ما مضى متناقض، ثم اعتذر عن تقديرها في صورة الحمل على الأصح. إذا قلنا: إن النفقة له بأن الحامل مستحقة لها أو منتفعة بها فهي كنفقة الزوجة. قال: ولهذا قُلنا: تتقدر، ثم قال: هذا في الحمل والولد الصغير، أما نفقة غيرهما، فلا تصير ديناً أصلاً. انتهى. وهذا الذي قاله هؤلاء هو الصوابُ، فإن في تصورِ فرض الحاكم نظراً، لأنه إما أن يعتقد سقوطَها بمضي الزمان أو لا، فإن كان يعتقده، لم يسغ له الحكم بخلافه، وإلزام ما يعتقد أنه غيرُ لازم، وإن كان لا يعتقد سقوطَها مع أنه لا يعرف بِهِ قائل إلا في الطفل الصغير على وجه لأصحاب الشافعي. فإما أن يعني بالفرض الإِيجاب، أو إثباتَ الواجب، أو تقديرَهُ أو أمراً رابعاً فإن أُريدَ به الإِيجابُ، فهو تحصيلُ الحاصل ولا أثرَ لفرضه، وكذلك إن أريد به إثباتُ الواجب، ففرضُه وعَدَمُهُ سِيّان، وإن أريد به تقديرُ الواجب، فالتقديرُ إنما يُؤَذِّر في صفة الواجب من الزيادة والنقصان، لا في سقوطِه ولا ثبوتِه، فلا أثر لفرضه في الواجب ألبتة، هذا مع ما في التقدير مِن مُصادمة الأدلةِ التي تقدمت على أن الواجبَ النفقةُ بالمعروف، فيُطعمهم مما يأكل، ويكسوهم مما يلبس. وإن أريد به أمرٌ رابع، فلا بد من بیانه لینظر فیه. فإن قيل: الأمرُ الرابع المرادُ هو عدمُ السقوط بمضي الزمان، فهذا هو محلٌّ الحكم، وهو الذي أثر فيه حكمُ الحاكم، وتعلَّق به. قيل: فكيف يُمكنُ أن يعتقِدَ السقوط، ثم يُلزم ويقضي بخلافه؟ وإن اعتقد عدمَ السقوط، فخلاف الإِجماع، ومعلومٌ أن حكم الحاكم لا يزيلُ الشيءَ عن صفته، فإذا كانت صفة هذا الواجب سقوطه بمضي الزمان شرعاً لم يُزله حكم الحاكم عن صفته. فإن قيل: بقي قسم آخر، وهو أن يعتقد الحاكمُ السقوطَ بمضي الزمان ما لم 5 ٤٥٢ يفرِضْ، فإن فُرِضَت، استقرت فهو يحكم باستقرارها لأجل الفرض لا بنفس مضي الزمان. قيل: هذا لا يُجدي شيئاً، فإنه إذا اعتقد سقوطها بمضي الزمان، وإن هذا هو الحقُّ والشرع، لم يَجُزْ له أن يلزم بما يعتقد سقوطه وعدم ثبوته، وما هذا إلا بمثابة ما لو ترافع إليه مضطر، وصاحبُ طعام غير مضطر، فقضي به للمضطر بعوضه، فلم يتفق أَخْذُهُ حتى زال الاضطرارُ، ولم يعط صاحبه العوضَ أنه يلزمه بالعوض، ويُلْزَمُ صاحِبُ الطعام ببذله له، والقريبُ يستحق النفقة لإِحياء مُهجته، فإذا مضى زمنُ الوجوب، حصل مقصودُ الشارع من إحيائه، فلا فائدة في الرجوع بما فات من سبب الإِحياء، ووسيلته مع حصول المقصود والاستغناء عن السبب بسبب آخر . فإن قيل: فهذا ينتقِضُ عليكم بنفقةِ الزوجة، فإنها تستقِرُّ بمضي الزمان، ولو لم تُفرض مع حصول هذا المعنى الذي ذكر تموه بعينه. قيل: النقضُ لا بُد أن يكون بمعلوم الحكم بالنص أو الإِجماع، وسقوطُ نفقة الزوجة بمضي الزمان مسألة نزاع، فأبو حنيفة وأحمد في رواية يُسقطانها، والشافعي وأحمد في الرواية الأخرى لا يُسقطانها، والذين لا يُسقطونها فرَّقوا بينها الفرق بين نفقة الأقارب والزوجات وبين نفقة القريب بفروق. أحدها: أن نفقة القريب صلة. الثاني: أن نفقة الزوجة تجب مع اليسار والإعسار بخلاف نفقة القريب. الثالث: أن نفقة الزوجة تجب مع استغنائها بمالها، ونفقة القريب لا تجب إلا مع إعساره وحاجته. الرابع: أن الصحابة رضي الله عنهم أوجبوا للزوجة نفقة ما مضى، ولا يُعرف عن أحد منهم قط أنه أوجب للقريب نفقة ما مضى، فصح عن عمر ٤٥٣ رضي الله عنه أنه كتب إلى أمراء الأجناد في رجال غابوا عن نسائهم، فأمرهم بأن يُنفقوا أو يُطلقوا، فإن طلقوا، بعثوا بنفقة ما مضى، ولم يُخالف عمر رضي الله عنه في ذلك منهم مخالف. قال ابن المنذر رحمه الله: هذه نفقةٌ وجبت بالكتاب والسنة والإجماع، ولا يزول ما وجب بهذه الحجج إلا بمثلها. قال المسقطون: قد شكت هند إلى النبي # أن أبا سفيان لا يُعطيها كفايتها، فأباح لها أن تأخذ في المستقبل قدر الكفاية، ولم يُجَوِّز لها أخذ ما مضى، وقولُكم: إنها نفقة معاوضة، فالمعاوضة إنما هي بالصداق، وإنما النفقة لكونهافي حبسه، فهي عانِيةٌ عنده كالأسير، فهي من جملة عياله، ونفقتُها مواساة، وإلا فكل من الزوجين يحصُلُ له من الاستمتاع مثلُ ما يحصل للآخر، وقد عاوضها على المهر، فإذا استغنت عن نفقة ما مضى فلا وجه لإلزام الزوج به، والنبيُّ ◌َّ جعل نفقة الزوجة كنفقة القريب بالمعروف، وكنفقة الرقيق فالأنواع الثلاثة إنما وجبت بالمعروف مواساة لإحياء نفس من هو في ملكه وحبسه، ومن بينه وبينه رحم وقرابة، فإذا استغنى عنها بمضي الزمان، فلا وجه لإلزام الزوج بها، وأيُّ معروف في إلزامه نفقة ما مضى وحبسه على ذلك، والتضييق عليه، وتعذيبه بطول الحبس، وتعريض الزوجة لقضاء أوطارها مِن الدخول والخروج وعُشرةِ الأخدان بانقطاع زوجها عنها، وغيبةٍ نظره عليها، كما هو الواقع، وفي ذلك من الفساد المنتشر ما لا يعلمه إلا الله، حتى إن الفروج لَتَعُجُ إلى الله من حبس حماتها ومن يصونها عنها، وتسيببها في أوطارها، ومعاذ الله أن يأتي شرعُ الله لهذا الفساد الذي قد استطار شرارُه، واستعرت نارُه، وإنما أمر عمرُ بن الخطاب الأزواجَ إذا طلقوا أن يبعثوا بنفقة ما مضى، ولم يأمرهم إذا قَدِمُوا أن يفرضوا نفقَة ما مضى، ولا يُعْرَفُ ذلك عن صحابي ألبتة، ولا يلزمُ من الإِلِزام بالنفقة الماضية بعدَ الطلاق وانقطاعها بالكُلية الإِلِزامُ بها إذا عاد الزوجُ إلى النفقة والإقامة، واستقبل الزوجةَ بكل ما تحتاج إليه، فاعتبارُ أحدهما بالآخر غيرُ صحيح، ونفقةُ الزوجة تجب يوماً بيوم، فهي كنفقةِ القريب، وما مضى فقد ٤٥٤ استغنت عنه بمضي وقته، فلا وجهَ لإلزام الزوج به، وذلك منشأ العداوة والبغضاء بين الزوجين، وهو ضِدُّ ما جعله الله بينهما من المودة والرحمة، وهذا القولُ هو الصحيحُ المختارُ الذي لا تقتضي الشريعةُ غيره، وقد صرح أصحابُ الشافعي، بأن كسوة الزوجة وسكنها يسقُطان بمضي الزمان إذا قيل: إنهما إمتاع لا تمليك، فإن لهم في ذلك و جھین . فصل وأما فرضُ الدراهم، فلا أصل له في كتاب الله تعالى، ولا سنة رسوله ◌َّل، فرض الدراهم في النفقة ولا عن أحد من الصحابة رضي الله عنهم ألبتة، ولا التابعين، ولا تابعيهم، ولا لا أصل له في الكتاب والسنة نصّ عليه أحدٌ من الأئمة الأربعة، ولا غيرُهم من أئمة الإِسلام، وهذه كتبُ الآثار والسنن، وكلامُ الأئمة بين أظهرنا، فأوجِدُونا من ذكر فرضَ الدراهم. والله سبحانه أوجب نفقة الأقارب والزوجات والرقيق بالمعروف، وليس مِن المعروف فرضُ الدراهم، بل المعروف الذي نص عليه صاحبُ الشرع أن يُطعمهم مما يأكل، ويكسوهم مما يَلْبَسُ، ليس المعروف سوى هذا، وفرضُ الدراهم على المنفق من المنكر، وليست الدراهمُ من الواجب ولا عوضه، ولا يَصِحُّ الاعتیاضُ عما لم يستقر ولم يملك، فإن نفقة الأقارب والزوجات إنما تجب يوماً فيوماً، ولو كانت مستقرة لم تصح المعاوضةُ عنها بغير رضى الزوج والقريب، فإن الدراهم تجعلُ عوضاً عن الواجب الأصلي، وهو إما البرُّ عند الشافعي، أو الطعامُ المعتاد عند الجمهور، فكيف يُجبر على المعاوضة على ذلك بدراهم مِن غير رِضاه، ولا إجبار صاحب الشرع له على ذلك، فهذا مخالف لقواعد الشرع، ونصوص الأئمة، ومصالح العباد، ولكن إن اتفق المنفِقُ والمنفق عليه على ذلك جاز باتفاقهما، هذا مع أنه في جواز اعتياضٍ الزوجة عن النفقة الواجبة لها نزاع معروف في مذهب الشافعي وغيره، فقيل: لا تعتاض، لأن نفقتها طعام ثبت في الذمة عوضاً، فلا تعتاضُ عنه قبل القبض، كالمسلم فيه، وعلى هذا فلا يجوزُ الاعتياضُ لا بدارهم ولا ثياب، ولا شيء البتة، وقيل: تعتاضُ بغير الخبز والدقيق، فإن ٤٥٥ نالاعتياضَ بهما رباً، هذا إذا كان الاعتياضُ عن الماضي، فإن كان عن المستقبل، لم يصح عندهم وجهاً واحداً، لأنها بصدد السقوط، فلا يُعلم استقرارها. ذكر ما روي من حكم رسول الله ﴾ في تمكين المرأة من فراق زوجها إذا أعسر بنفقتها روى البخاري في ((صحيحه))، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسولُ اللّهِ بَّهُ: ((أَفْضَلُ الصَّدَقَةِ مَا تَرَكَ غِنِىٌ))، وفي لفظ: ((ما كان عَنْ ظَهْرٍ غِنِىٌ، واليَدُ العُلْيَا خَيْرٌ مِنَ الْيَدِ السُّفْلَى، وابْدَأْ بِمَنْ تَعُولُ))، تقول المرأةُ: إما أن تُطِعِمَني، وإما أن تُطَلّقَني، ويقول العبدُ: أطعمني واستَعمِلني، ويقول الولدُ: أطعمني، إلى من تدعني؟ قالوا: يا أبا هريرة سمعتَ هذا من رسول الله وَّةَ؟ قال: لا. هذا مِنْ كِيسِ أبي هريرةً (١). وذكر النسائي هذا الحديث في كتابه وقال فيه: ((وابْدَأْ بِمَنْ تَعُولُ»، فقيل: من أعولُ يا رسول الله؟ قال: ((امْرَأْتُكَ تَقُولُ: أَطْعِمْني وإلاّ فَارِقْني، خَادِمُكَ يَقُولُ: أَطْعِمْني واسْتَعْمِلْنِي، وَلَدُكَ يَقُولُ: أَطْعِمْني إلى مَنْ تَتْرُّكني؟)). وهذا في جميع نسخ كتاب النسائي، هكذا، وهو عنده من حديث سعيد بن أيوب، عن محمد بن عجلان، عن زيد بن أسلم، عن أبي صالح، عن أبي هريرة رضي الله عنه، وسعيد ومحمد ثقتان(٢) . وقال الدارقطني: حدثنا أبو بكر الشافعي، حدثنا محمد بن بشر بن مطر، حدثنا شيبان بن فروخ، حدثنا حماد بن سلمة، عن عاصم، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، أن النبيَّ ◌َّه قال: ((المَرْأَةُ تَقُولُ لِزَوْجِهَا: أَطْعِمْني أَوْ طَلِّفْني)» (٣) الحديث(٣) . (١) أخرجه البخاري ٤٣٩/٩، ٤٤٠ في النفقات: باب وجوب النفقة على الأهل والعيال. (٢) إسناده حسن، وأخرجه أحمد في ((المسند)) (٩٦١١) و(٧٧٢٧) والدار قطني ٢٩٥/٣، ٢٩٦. (٣) أخرجه الدار قطني ٢٩٧/٣ وسنده حسن. ٤٥٦ وقال الدارقطني: حدثنا عثمانُ بن أحمد بن السماك، وعبدُ الباقي ابن قانع، وإسماعيل بن علي، قالوا: أخبرنا أحمد بن علي الخزاز، حدثنا إسحاق بن إبراهيم الباوردي، حدثنا إسحاق بن منصور، حدثنا حماد بن سلمة، عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب، في الرجل لا يجد ما ينفق على امرأته، قال: يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا (١). وبهذا الإسناد إلى حماد بن سلمة، عن عاصم بن بهدلة، عن أبي صالح، عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي ◌َّ مثله(٢). وقال سعيد بن منصور في ((سننه)): حدثنا سفيان، عن أبي الزناد، قال: سألتُ سعيد بن المسيب عن الرجل لا يَجِدُ ما يُنْفِقُ على امرأته، أَيُفرَّقُ بينهما؟ قال: نعم. قلت سنة؟ قال: سنة. وهذا ينصرف إلى سنة رسول الله وَله، فغايتُه أن يكون من مراسيل سعيد بن المسيب. واختلف الفقهاء في حكم هذه المسألة على أقوال. أحدها: أنه يُجبر على أن يُنْفِقَ أو يُطلِّقَ، روی سفيان عن يحيى بن سعيد الأنصاري، عن ابن المسيب، قال: إذا لم يجد الرجلُ ما يُنفق على امرأته، أُجْبِرَ على طلاقها . الثاني: إنما يُطلِّقها عليه الحاكمُ، وهذا قولُ مالك، لكنه قال: يؤجل في عدم النفقة شهراً ونحوه، فإن انقضى الأجلُ وهي حائضٌ، أُخِّرَ حتى تطهر، وفي الصداقة عامين، ثم يُطلقها عليه الحاكمُ طلقة رجعية، فإن أيسر في العدة، فله ارتجاعُها، وللشافعي قولان. أحدهما: أن الزوجة تخير إن شاءت أقامت معه، وتبقى نفقة المُعْسِرِ ديناً لها في ذمته. قال أصحابه: هذا إذا أمكنته مِن نفسها، وإن لم تُمكنه، سقطت نفقتُها، وإن شاءت، فسخت النكاح. (١) أخرجه الدار قطني ٢٩٧/٣. (٢) أخرجه الدار قطني ٢٩٧/٣. ٤٥٧ والقول الثاني: ليس لها أن تفسخ، لكن يرفع الزوجُ يدَه عنها لتكتسِبَ، والمذهب أنها تملِكُ الفسخ. قالوا: وهل هو طلاقٌ أو فسخ؟ فيه وجهان. هل هذا الفراق طلاق أو فسخ أحدهما: أنه طلاق، فلا بُدَّ من الرفع إلى القاضي حتى يُلزمه أن يطلِّقَها أو ينفق، فإن أبى طلق الحاكم عليه طلقةً رجعيةً، فإن راجعها، طلَّقَ عليه ثانية، فإن راجعها، طلق عليه ثالثة. والثاني: أنه فسخ، فلا بد من الرفع إلى الحاكم ليثبتَ الإِعِسارُ، ثم تفسخ هي، وإن اختارت المقام، ثم أرادت الفسخَ، ملكته، لأن النفقة يتجدد وجوبُها كل يوم، وهل تملك الفسخَ في الحال أولا تملِكُه إلا بعد مضي ثلاثة أيام؟ وفيه قولان. الصحيح عندهم: الثاني. قالوا: فلو وجد في اليوم الثالث نفقتها وتعذَّر عليه نفقةُ اليوم الرابع، فهل يجب استئنافُ هذا الإِمهال؟ فيه وجهان. وقال حماد بن أبي سليمان: يؤجل سنة ثم يفسخ قياساً على العِنِّين. وقال عمر بن عبد العزيز: يُضرب له شهر أو شهران. وقال مالك: الشهرُ ونحوه. وعن أحمد روايتان. إحداهما، وهي ظاهر مذهبه: أن المرأة تخيَّرُ بين المقام معه وبين الفسخ. فإن اختارت الفسخ رفعته إلى الحاكم، فيُخيّر الحاكم بين أن يفسخ علیه أو يجبره على الطلاق، أو يأذنَ لها في الفسخ، فإن فسخ أو أذن في الفسخ، فهو فسخ لا طلاق ولا رجعة له، وإن أيسر في العدة. وإن أجبره على الطلاق، فطلق رجعياً، فله رجعتُها، فإن راجعها وهو مُعْسِرٌ، أو امتنع من الإنفاق عليها، فطلبت الفسخ، فسخ عليه ثانياً وثالثاً، وإن رضيت المقام معه مع عُسرته، ثم بدا لها الفسخُ، أو تزوجته عالمة بعُسرته، ثم اختارت الفسخ، فلها ذلك. قال القاضي: وظاهرُ كلام أحمد: أنه ليس لها الفسخُ في الموضعين، ويبطل خيارُها، وهو قول مالك لأنها رضيت بعيبه، ودخلت في العقد عالمةً به، فلم تملك الفسخَ، كما لو تزوَّجَت عِنِيناً عالمةً بعنَّته. وقالت بعد العقد: قد ٤٥٨ رضيت به عِنِّيناً. وهذا الذي قاله القاضي: هو مقتضى المذهب والحجة. والذين قالوا: لها الفسخُ - وإن رضيت بالمقام - قالوا: حقُّها متجدِّدٌ كل يوم، فيتجدَّدُ لها الفسخُ بتجدُّدِ حقها، قالوا: ولأن رضاها يتضمَّن إسقاطَ حقها فيما لم يجب فيهِ مِن الزمان، فلم يسقط كإسقاط الشفعة قبل البيع. قالوا: وكذلك لو أسقطت النفقة المستقبلة، لم تسقط، وكذلك لو أسقطتها قبل العقد جملة ورضيت بلا نفقة، وكذلك لو أسقطت المهر قبله، لم يسقط، وإذا لم يسقط وجوبُها لم يسقط الفسخُ الثابت به. والذين قالوا بالسقوط أجابُوا عن ذلك بأن حقها في الجماع يتجدَّد، ومع هذا إذا أسقطت حقها من الفسخ بالعُنَّة سقط، ولم تَمْلِكِ الرجوعَ فیه. قالوا: وقياسُكم ذلكَ على إسقاط نفقتها قياسٌ على أصلٍ غيرِ متفق عليه، ولا ثابت بالدليل، بل الدليلُ يدلُ على سقوطِ الشفعة بإسقاطها قبل البيع، كما صحَّ عن النبيِّ ◌َُّ أنه قال: ((لا يَحِلُّ له أن يبيعَ حتى يُؤْذِنَ شَرِيكَهُ، فإن باعه ولَمْ يُؤْذِنْهِ، فَهِوَ أَحَقُّ بِالبَيْعِ))(١)، وهذا صريحٌ في أنه إذا أسقطها قبل البيع لم يملِكْ طلبَها بعده، وحينئذ فيجعل هذا أصلاً لسقوط حقها مِن النفقة بالإسقاط، ونقول: خيارٌ لدفع الضررِ، فسقط بإسقاطه قبل ثبوته، كالشفعة، ثم ينتقضُ هذا بالعيب في العين المؤجرة، فإن المستأجرَ إذا دخلَ عليه، أو عِلِمَ به، ثم اختار ترك الفسخ، لم يكن له الفسخُ بعد هذا، وتجدُّد حقِّه بالانتفاع كُلَّ وقت، كتجدد حق المرأة من النفقة سواء ولا فرق، وأما قوله: لو أسقطها قبل النكاح، أو أسقط المهرَ قبلُه، لم يسقط، فليس إسقاط الحقِّ قبل انعقاد سببه بالكليّة كإسقاطه بعد انعقاد سببه، هذا إن كان في المسألة إجماع، وإن كان فيها خلاف، فلا فرق بين الإسقاطين، وسوينا بين الحُكمين، وإن كان بينهما فرق امتنع القياس. (١) أخرجه مسلم (١٦٠٨) (١٣٤) في المساقاة: باب الشفعة من حديث جابر بن عبد الله . ٤٥٩ وعنه رواية أخرى: ليس لها الفسخُ، وهذا قول أبي حنيفة وصاحبيه. وعلى هذا لا يلزمُها تمكينُه مِن الاستمتاع، لأنه لم يُسلم إليها عوضه، فلم يلزمها تسليمُه، كما لو أعسر المشتري بثمن المبيع، لم يجب تسليمُه إليه، وعليه تخليةٌ سبيلها لِتكتسِبَ لها، وتحصل ما تُنفقه على نفسها، لأن في حبسها بغير نفقة إضراراً بها . فإن قيل: فلو كانت موسِرةً، فهلاً يملك حبسها؟ قيل قد قالُوا أيضاً: لا يملِكُ حبسها، لأنه إنما يملكهُ إذا كفاها المؤنة، وأغناها عمَّا لا بُدَّ لها منه مِن النفقة والكسوة، ولحاجته إلى الاستمتاع الواجب له عليها، فإذا انتفى هذا وهذا لم يَمْلِكْ حبسَها، وهذا قولُ جماعة من السلف والخلف. ذكر عبد الرزاق عن ابن جُريج قال: سألتُ عطاء عمن لا يجد ما يصلحُ امرأته مِن النفقة؟ قال: ليس لها إلا ما وجدت، ليس لها أن يُطلقها. وروى حماد بن سلمة، عن جماعة، عن الحسن البصري أنه قال في الرجل يَعْجِزُ عن نفقة امرأته: قال: تُواسيه وتتَّقي الله وتصبِرُ، ويُنفق عليها ما استطاع. وذكر عبد الرزاق، عن معمر، قال: سألتُ الزهري عن رجل لا يجد ما يُنفق على امرأته، أيفرَّقُ بينهما؟ قال: تستأني به ولا يفرّق بينهما، وتلا: ﴿لاَ يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسَاً إِلَّ مَا آتَاهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بعد عُسْر يُسْراً﴾ [الطلاق: ٧]. قال معمر: وبلغني عن عمر بن عبد العزيز مثلُ قول الزهري سواء. وذكر عبدُ الرزاق، عن سفيان الثوري، في المرأة يُعْسِرُ زوجُها بنفقتها: قال: هي امرأة ابتُليَت، فلتصبر ولا تأخذ بقول من فرَّق بينهما. قلتُ: عن عُمر بن عبد العزيز ثلاثُ روايات، هذه إحداها . والثانية: روى ابنُ وهب، عن عبد الرحمن بن أبي الزِّناد، عن أبيه، قال: شهدتُ عمر بن عبد العزيز يقول لزوج امرأة شكت إليه أنه لا يُنفِقُ عليها: اضربوا له أجلاً شهراً أو شهرين، فإن لم يُنفق عليها إلى ذلك الأجل، فرقوا بينه وبينها . ٤٦٠