Indexed OCR Text
Pages 381-400
الجسم ما لم يُعارِضْ ذلك مانع، ولهذا ألهم اللّهُ سبحانَه الدوابَّ إذا حملت أن لا تُمكِّنَ الفحلَ أن ينزوَ عليها، بل تَنْفِرُ عنه كُلَّ النِّفار، وقال الإِمام أحمد: إن الوطء الثاني يزيد في سمع الولد وبصره، وقد شبَّهه النبيُّ ◌َّ بسقي الزرع، ومعلومٌ أن سقيَه يزيدُ في ذاته والله أعلم. فإن قيل: فقد دلَّ الحديثُ على حكم استلحاق الولد، وعلى أن الولد للفراش، فما تقولون لو استلحق الزاني ولداً لا فِراش هُناك يُعارضه، هل يلحقُهُ نسبُه، ويثبتُ له أحكامُ النسب؟ نو استلحق الزاني ولداً لا فراش هناك يعارضه فهل يلحقه نسبه؟ قيل: هذه مسألة جليلة اختلف أهلُ العلم فيها، فكان إسحاق بن راهويه يذهبُ إلى أن المولودَ مِن الزِّنى إذا لم يكن مولوداً على فراش يدّعيه صاحبه، وادعاه الزاني، أُلحِقَ به، وأوَّل قول النبي ◌َّ: ((الولد للفراش))، على أنه حكم بذلك عند تنازُع الزاني وصاحب الفراش، كما تقدم، وهذا مذهب الحسن البصري، رواه عنه إسحاق بإسناده، في رجل زنى بامرأة، فولدت ولداً، فادَّعى ولدَها فقال: يُجلد ويلزمُه الولد، وهذا مذهبُ عروة بن الزبير، وسليمانَ بن يسار ذكر عنهما أنهما قالا: أيُّما رجل أتى إلى غلام يزعم أنه ابن له، وأنه زنى بأمه ولم يَدَّع ذلك الغلامَ أحد، فهو ابنُه، واحتج سليمان، بأن عمر بن الخطاب كان يُلِيطُ أولادَ الجاهلية بمن ادعاهم في الإِسلام، وهذا المذهبُ كما تراه قوة ووضوحاً، وليس مع الجمهور أكثرُ مِن (الولد للفراش)) وصاحبُ هذا المذهب أوَّلُ قائل به، والقياسُ الصحيح يقتضيه، فإن الأبَ أحدُ الزانيين، وهو إذا كان يلحق بأمه، وينسب إليها، وترثه ويرثُها، ويثبت النسب بينه وبين أقارب أمه مع كونها زنت به، وقد الرحم، فينضم عليها أحكم انضمام، ونفار البهائم من السفاد دليل على ذلك، لأن = الله أودع فيها إحساساً غريزياً في عدم الرغبة في السفاد إلا للنسل، لأنه مضعف للجسم، وموهن لقواه، والحيوان مسخر لخدمة الإنسان، ووكل الله الإنسان إلى عقله ليتصرف بحكمة. ٣٨١ وُجِدَ الولدُ مِن ماء الزانيين، وقد اشتركا فيه، واتفقا على أنه ابنهُما، فما المانِعُ مِن لحوقه بالأب إذا لم يدَّعِهِ غيرُه؟ فهذا محضُ القياس، وقد قال جريج للغلام الذي زنت أمُّه بالراعي: من أبوك يا غلام؟ قال: فلان الراعي(١)، وهذا إنطاق من الله لا يُمكن فيه الكذبُ. فإن قيل: فهل لِرسول الله ◌َ﴿ل في هذه المسألة حُكم؟ قيل: قد رُوي عنه فيها حدیثانٍ، نحن نذكُر شأنهما. فصل ذِكرُ حُكمِ رسولِ الله ◌َِّ في استلحاقٍ ولدِ الزنى وتوريثه ذكر أبو داود في ((سننه)): من حديث ابن عباس قال: قال رسول الله مثلة : ((لاَ مُسَاعَاة في الإِسْلامِ، مَن سَاعىُ في الجَاهِلِيَّةِ فَقَدْ لَحِقَ بِعَصبَتِهِ، وَمَن ادَّعى وَلَداً مِنْ غَيْرِ رِشْدَةٍ، فَلاَ يَرِثُ وَلاَ يُورَثُ)(٢) . المساعاة: الزنى، وكَان الأصمعي يجعلُها في الإِماء دون الحرائر، لأنهن يسعين لمواليهن، فيكتسِبْنَ لهم، وكانَ عليهن ضرائبُ مقررة، فأبطل النبيُّ اَله المساعاة في الإِسلام، ولم يُلحق النسب بها، وعفا عما كان في الجاهلية منها، وألحق النسبَ به. وقال الجوهري: يقال: زنى الرجلُ وعَهَر، فهذا قد يكون في الحرة والأمة، ويقال في الأمة خاصة: قد ساعاها. ولكن في إسناد هذا الحديث رجل مجهول، فلا تقوم به حجة. وروى أيضاً في ((سننه)) من حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدِّه ((أن (١) قطعة من حديث مطول أخرجه البخاري ٣٤٤/٦، ٣٤٨، ومسلم (٢٥٥٠) وأحمد ٤٣٦/٢ من حديث أبي هريرة. (٢) أخرجه أبو داود (٢٢٦٤) في الطلاق: باب في ادعاء ولد الزنى، وأحمد (٣٤١٦) وسنده ضعيف لجهالة أحد رواته. ٣٨٢ النبيَّ ◌َ﴿، قضى أن كُلَّ مستلحَقِ استُلْحِقَ بعد أبيه الذي يُدعى له، ادعاه ورثتُه، فقضى أن كُلَّ مَنْ كَانَ مِن أَمَةٍ يملِكُها يومَ أصابَها، فقد لَحِقَ بمن استلحقَه، وليس له مما فُسِمَ قَبله من الميراث، وما أَدْرَكَ مِن ميراثٍ لم يُقسم، فله نصيبُه، ولا يُلحق إذا كان أبوه الذي يُدعى له أنكرَه، وإن كان مِن أمةٍ لم يملكها، أو من حُرة عَاهَرَ بها، فإنه لا يُلحَق ولا يَرِثُ، وإن كان الذي يُدعى له هو ادَّعاهُ، فهو من ولدِ زنية مِن حرة كان أو أمة. وفي رواية: وهو ولد زنى لأهل أمه من كانوا حرةً أو أمة. وذلك فيما استلحق في أوَّلِ الإِسلام، فما اقتسمَ مِن مال قبل الإِسلام، فقد مضى))(١) وهذا لأهل الحديث في إسناده مقال، لأنه من رواية محمد بن راشد المكحولي. وكان قوم في الجاهلية لهم إماء بغايا، فإذا ولَدَتْ أمةُ أحدهم وقد وطئها غيرُه بالزنى، فربما ادعاه سيدها، وربما ادعاه الزاني، واختصما في ذلك، حتى قام الإِسلام، فحكم النبيُّ ◌َّه بالولد للسيد، لأنه صاحب الفراش، ونفاه على الزاني. ثم تضمَّن هذا الحديثُ أموراً. منها: أن المستلحق إذا استلحق بعد أبيه الذي يُدعى له ادعاه ورثته، فإن كان الولدُ مِن أمة يملِكُها الواطىء يومَ أصابها، فقد لحق بمن استلحقه، يعني إذا كان الذي استلحقه ورثة مالك الأمة، وصار ابنه مِن يومئذ، ليس له مما قسم قبلَه مِن الميراث شيء، لأن هذا تجديد حكم نسبه، ومِن يومئذ يثبتُ نسبُه، فَلا يَرْجِعُ بما اقتسم قبلَه مِن الميراث، إذ لم يكن حكم البنوة ثابتاً، وما أدرك من ميراث لم يقسم، فله نصيبُه منه، لأن الحكم ثبت قبل قسمه الميراث، فيستحِقُ منه نصيبه، (١) أخرجه أبو داود (٢٢٦٥) و(٢٢٦٦) في الطلاق: باب ادعاء ولد الزنى، وسنده حسن، لأن محمد بن راشد المكحولي لا ينزل حديثه عن رتبة الحسن خلافاً لما يوهمه كلام المؤلف. ٣٨٣ وهذا نظيرُ من أسلم على ميراث قبل قسمه، قسم له في أحد قولي العلماء، وهو إحدى الروايتين عن أحمد، وإن أسلم بعد قسم الميراث، فلا شيء له، فثبوت النسب هاهنا بمنزلة الإِسلام بالنسبة إلى الميراث. قوله: ((ولا يلحق إذا كان أبوه الذي يدعى له أنكره)) هذا، يبين أن التنازعَ بين الورثة، وأن الصورة الأولى أن يستلحِقَه ورثةُ أبيه الذي كان يدعى له، وهذه الصورةُ إذا استلحقه ورثته وأبوه الذي يدعى له كان ينكر، فإنه لا يلحق، لأن الأصل الذي الورثة خلف عنه منكرٌ له، فكيف يلحق به مع إنكاره؟ فهذا إذا كان مِن أمة يملكُها، أما إذا كان مِن أمة لَمْ يَمْلِكْهَا، أو مِن حُرة عَاهَرَ بها، فإنه لا يَلحق، ولا يَرِثُ، وإن ادعاه الواطىء وهو ولد زنية من أمة كان أو من حرة، وهذا حجةُ الجمهور على إسحاق ومن قال بقوله: إنه لا يلحق بالزاني إذا ادعاه، ولا يرثه، وأنه ولد زنى لأهل أمه من كانوا حرة كانت أو أمة. وأما ما اقتسم من مال قبل الإِسلام، فقد مضى، فهذا الحديثُ يَرُدُّ قول إسحاق ومن وافقه، لکن فیه محمد بن راشد، ونحن نحتج بعمرو بن شعيب، فلا يُعلل الحديثُ به، فإن ثبت هذا الحديثُ، تعيَّنَ القولُ بموجبه، والمصير إليه، وإلا فالقولُ قول إسحاق ومَن معه، والله المستعان . ذكرُ الحكم الذي حكم به علي بن أبي طالب رضي الله عنه في الجماعة الذين وقعوا على امرأة في طُهر واحد، ثم تنازعُوا الولد، فأقرع بينهم فیه، ثم بلغ النَّبِيَّ ◌َ، فضحك ولم ينكره ذكر أبو داود والنسائي في ((سننهما))، من حديث عبد الله بن الخليل، عن زيد بن أرقم رضي الله عنه قال: كنتُ جالساً عندَ النبيِّوََّ، فجاء رجلٌ مِن أهلِ اليمن، فقال: إن ثلاثة نفر من أهل اليمن أتوا علياً يختصمون إليه في ولد، قد وقعُوا على امرأة في طهر واحد، فقال لاثنين: طيبا بالولد لهذا فَغَليَا، ثم قال ٣٨٤ لاثنين: طيبا بالولد لهذا، فَغَلَيا، ثم قال لاثنين: طيبا بالولد لهذا، فَغَلَيًا، فقال: أنتم شركاء متشاكِسُون، إني مُقرٌِ بينكم، فمن قرع، فله الولد وعليه لصاحبيه ثُلثا الديه، فأقرع بينهم، فجعله لمن قرع، فَضَحِكَ رسولُ الله ◌َّه حتى بدت أضراسُه أو نواجذه(١) . وفي إسناده یحیی بن عبد الله الكندي الأجلح ولا يحتج بحديثه، لكن رواه أبو داود والنسائي بإسناد كُلُّهم ثقات إلى عبد خير، عن زيد بن أرقم. قال: أتي علي بن أبي طالب بثلاثة وهو باليمن وقعوا على امرأة في طُهرٍ واحدٍ، فسأل اثنين أتُقِرَّانِ لهذا بالوَلَدِ؟ قالا: لا، حَتّى سألهم جميعاً، فجعل كلما سأل اثنينِ قالا: لا، فأقرعَ بينهم، فألحق الولد بالذي صارت عليه القرعة، وجعل عليه ثلثي الدية، قال: فذكر ذلك للنبيِّ ◌َّه، فضحك حتى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ(٢). وقد أعل هذا الحديث بأنه روي عن عبد خير بإسقاط زيد بن أرقم، فيكون مرسلاً. قال النسائي: وهذا أصوبُ. وهذا أعجب، فإن إسقاط زيد بن أرقم من هذا الحديث لا يجعلُه مرسلاً، فإنه عبد خير أدرك علياً وسمع منه، وعلي صاحبُ القصة، فهب أن زيد بن أرقم لا ذكر له في السند فمن أين يجيء الإِرِسال، إلا أن يقال: عبد خير لم يُشاهِدْ ضَحِكَ النبيَِّ، وعلي إذ ذاك كان باليمن، وإنما شاهد ضَحِكِهِوَّهَ زيدُ بن أرقم أو غيرُه من الصحابة وعبد خير لم يذكُرْ مَنْ شَاهَدَ ضَحِكه، فصار الحديث به مرسلاً. فيقال: إذاً: قد صحّ السندُ عن عبد خير، عن زيد بن أرقم، متصلاً، فمن رجح الاتصال، لكونه زيادةً مِن الثقة فظاهر، ومن رجَّح رواية الأحفظ والأضبطِ، وكان الترجيحُ من جانبه ولم يكن علي قد أخبره (١) أخرجه أبو داود (٢٢٦٩) في الطلاق: باب من قال بالقرعة إذا تنازعوا في الولد، والنسائي ١٨٣/٦ في الطلاق: باب القرعة في الولد إذا تنازعوا فيه، وأحمد ٣٧٤/٤، وسنده ضعيف. (٢) أخرجه أبو داود (٢٢٧٠) في الطلاق: باب من قال بالقرعة إذا تنازعوا في الولد، والنسائي ١٨٢/٦ في الطلاق: باب القرعة في الولد إذا تنازعوا فيه، وأحمد ٣٧٣/٤. ٣٨٥ زاد المعاد ج٥-م١٣ بالقصة، فغايتُها أن تكون مرسلة، وقد يقوى الحديثُ بروايته من طريق أخرى متصلاً. اختلاف الفقهاء في حكم علي وبعد، فاختلف الفقهاء في هذا الحكم، فذهب إليه إسحاق بن راهويه، وقال: هو السنة في دعوى الولد، وكان الشافعيُّ يقول به في القديم، وأما الإِمام أحمد، فسئل عن هذا الحديث، فرجح عليه حديثَ القافة، وقال: حديثُ القافة أحبُ إليّ. وهاهنا أمران، أحدهما: دخولُ القرعة في النسب، والثاني: تغريمُ مَنْ خرجت له القرعةُ ثلثي دِية ولده لصاحبيه. وأما القرعة، فقد تستعمل عند فقدان مرجح سواها من بينة أو إقرار، أو قافة، وليس ببعيد تعيينُ المستحق بالقرعة في هذه الحال، إذ هي غايةُ المقدور عليهِ مِن أسباب ترجيح الدعوى، ولها دخولٌ في دعوى الاملاك المرسلة التي لا تثبت بقرينة ولا أمارة، فدخولُها في النسب الذي يثبت بمجرد الشبه الخفي المستند إلى قول القائف أولى وأحرى. وأما أمرُ الدية فمشكل جداً، فإن هذا ليس بموجب الدية، وإنما هو تفويتُ نسبه بخروج القُرعة، فيقال: وطءُ كلِّ واحد صالح لجعل الولد له، فقد فوَّته كُلُّ واحد منهم على صاحبيه بوطئه، ولكن لم يتحقق مَن كان له الولدُ منهم، فلما أخرجته القرعة لأحدهم، صار مُفوّتاً لنسبه عن صاحبيه، فأجري ذلك مجرى إتلافِ الولد، ونزل الثلاثة منزلةً أبٍ واحدٍ، فحصة المتلف منه ثلثُ الدية، إذ قد عاد الولد له، فيغرَمُ لكلٍّ مِن صاحبيه ما يخصُّه، وهو ثلثُ الدية. ووجه آخر أحسنُ من هذا، أنه لما أتلفه عليهما بوطئه ولحوق الولد به، وجب عليه ضمان قيمته، وقيمةُ الولد شرعاً هي ديته، فلزمه لهما ثلثا قيمته، وهي ثُلثا الدیة، وصار هذا کمن أتلف عبداً بینه وبین شریکین له، فإنه يجبُ علیہ ثلثا القيمة لشريكيه، فإتلافُ الولد الحر عليهما بحُكم القرعة، كإتلاف الرقيق الذي بینھم . ٣٨٦ ونظير هذا تضمينُ الصحابة المغرور بحرية الأمة قيمةَ أولاده لسيد الأمة لما فات رِفُهم على السيد لحريتهم، وكانُوا بصدد أن يكونوا أرقاء، وهذا ألطفُ ما يكون من القياس وأدقه، وأنت إذا تاملتَ كثيراً من أقيسة الفقهاء وتشبيهاتهم، وجدت هذا أقوى منها، وألطفَ مسلكاً، وأدقَّ مأخذاً، ولم يضحك منه النبيُّ وَّة سُدَى. وقد يُقال: لا تعارض بينَ هذا وبينَ حديث القافة، بل إن وجدت القافةٌ تعيَّن العملُ بها، وإن لم توجد قافة، أو أشكل عليهم، تعيَّن العملُ بهذا الطريق، والله أعلم. فصل ذِكرُ حكم رسولِ الله ◌ِ ◌ّ في الولد مَن أحقُّ به في الحضانة روى أبو داود في ((سننه)): من حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدِّه عبد الله بن عمرو بن العاص، أن امرأة قالت: يا رسولَ الله! إنَّ ابني هذا كان بَطني له وعَاء، وثديي له سقاء، وحَجْري له حواء، وإن أباهُ طلقني، فأراد أن ينتزعهُ مني، فقال لها رسولُ اللّهِ وَِّ: ((أنْتِ أَحَقُّبِهِ مَا لَم تَنْكِحِي)(١) . وفي ((الصحيحين)): من حديث البراء بن عازب، أن ابنةَ حمزة اختصم فيها عليٍّ وجعفرٌ، وزيدٌ. فقال علي: أنا أحقُّ بها وهي ابنةُ عمي، وقال جعفر: ابنة عمي وخالتها تحتي، وقال: زيد: ابنة أخي، فقضى بها رسولُ الله ◌َّ لخالتها، وقال: ((الخَالَةُ بِمَنْزِلَةِ الأُمّ×٢) . (١) أخرجه أبو داود (٢٢٧٦) في الطلاق: باب من أحق بالولد، وأحمد (٦٧٠٧) وسنده حسن، والحاكم ٢٠٧/٢ وصححه ووافقه الذهبي. (٢) أخرجه البخاري ٢٢٣/٥ في الصلح: باب كيف يكتب هذا ما صالح فلان ابن فلان، ولم يخرجه مسلم، وهو في ((سنن الترمذي)) (١٩٠٥). وأخرجه أبو داود (٢٢٧٨) = ٣٨٧ وروى أهلُ السننِ: من حديث أبي هريرة رضيَ الله عنه، أن رسولَ الله ◌ِلَّ خيّرَ غُلاَمَاً بَيْنَ أَبِيهِ وَأُمِّهِ(١). قال الترمذي: حديثٌ صحيح. وروى أهلُ السنن أيضاً: عنه، أن امرأةً جاءت، فقالت يا رسولَ الله! إن زوجي يريد أن يذهبَ بابني، وقد سقاني مِن بئر أبي عنَبة وقد نفعني، فقال رسولُ الله ◌َِّ: ((اسْتَهما عَلَيْهِ))، فقال زوجُها من يُحاقُّني في ولدي؟ فقال رسول الله مَ ﴾: ((هذَا أبوكَ وهُذِهِ أُمُّكَ وخُذْ بِيَدِ أَيِّهِما شِئْتَ))، فأخذ بيدِ أمه، فانطلقت به(٢). قال الترمذي: حديث حسن صحيح. وفي (سنن النسائي)): عن عبد الحميد بن سلمة الأنصاري، عن أبيه، عن جده، أنَّ جدَّه أسلم وأبت امرأتُه أن تُسلم، فجاء بابن له صغير لمْ يَبْلُغ، قال فأجلس النبي ◌َّ الأب هاهنا والأم هاهنا، ثم خَيَّرَهُ وقال ((اللَّهُمَّ اهْدِهِ)) فذهبَ إلى أبيه (٣). وأحمد (٧٢٠) و(٩٣١) والبيهقي ٦/٨ من حديث علي، ورواه أحمد (٢٠٤٠) = بمعناه من حديث ابن عباس. (١) أخرجه الترمذي (١٣٥٧) في الأحكام: باب ما جاء في تخيير الغلام بين أبويه إذا افترقا، وأبو داود (٢٢٧٧) في الطلاق: باب من أحق بالولد، وابن ماجه (٢٣٥١) في الأحكام: باب تخيير الصبي بين أبويه، والنسائي ١٨٥/٦، ١٨٦، والشافعي ٤٢٢/٢، وأحمد (٧٣٤٦) وعبد الرزاق (١٢٦١١) والبيهقي ٣/٨ من طريق زياد بن سعد، عن هلال بن أبي ميمونة، عن أبي هريرة، وأبو ميمونة اختلف في إسمه، فقيل: سليم، وقيل سلمى، وقيل: سلمان، وقيل: أسامة، وهو ثقة روى له أصحاب السنن، وباقي رجاله ثقات، وصححه ابن حبان (١٢٠٠) والحاكم، وابن القطان . (٢) تقدم تخريجه في الحديث السابق، ومقالة الترمذي إنما هي لرواية الحديث السابق، فإنها هي المخرجة عنده لا هذه الرواية، فإنها لفظ أبي داود والنسائي. (٣) أخرجه النسائي ١٨٥/٦ في الطلاق: باب إسلام أحد الزوجين وتخيير الولد، وعبد الحميد وأبوه وجده لا يعرفون. وفي الأصل: عبد الحميد بن جعفر وهو خطأ. ٣٨٨ ورواه أبو داود عنه وقال: أخبرني جدِّي رافع بن سنان، أنه أسلم وأبت امرأتُه أن تُسْلِمَ، فأتت النبيَّ ◌ََّ، فقالت: ابنتي وَهي فَطِيم أو شبهه، وقال رافع: ابنتي، فقال له رسولُ اللّهِ وَيَّ: ((اقعد ناحية))، وقال لها: ((اقعُدي ناحية))، فأقعدَ الصبيّة بينهما، ثم قال: ((ادعُوَاها))، فمالَت إلى أُمِّها، فقال النبيُّ وَّ: ((اللَّهُم اهْدِها»، فمالَت إلى أبيها، فأخذها(١). فصل الكلام على هذه الأحكام أما الحديثُ الأول، فهو حديث احتاج الناس فيه إلى عمرو بن شعيب، ولم يجدوا بُداً من الاحتجاج هنا به، ومدارُ الحديث عليه، وليس عن النبي ◌َّ حديثٌ في سقوط الحضانة بالتزويج غير هذا، وقد ذهب إليه الأئمةُ الأربعة وغيرُهم، وقد صرح بأن الجد هو عبد الله بن عمرو، فبطل قولُ مَنْ يقولُ: لعله محمد والدُ شعيب، فيكون الحديثُ مرسلاً. وقد صحَّ سماعُ شعيب من جَدّه عبد الله بن عمرو، فبطل قولُ من قال: إنه منقطع، وقد احتج به البخاريُّ خارج صحيحه، ونص على صحة حديثه، وقال: كان عبدُ الله بن الزُّبير الحميدي، وأحمد وإسحاق وعلي بن عبد الله يحتجُون بحديثه، فَمَن النَّاسُ بَعْدَهُم؟! هذا لفظه. وقال إسحاق بن راهويه: هو عندنا، كأيوب عن نافع، عن ابن عمر. وحكى الحاكم في ((علوم الحديث)) له الاتفاق على صحة حديثه، وقال أحمد بن صالح: لا يختلف على عبد الله أنها صحيفة. سقوط الحضانة بالتزويج وقولها: ((كان بطني وعاء)) إلى آخره، إدلاءٌ منها، وتوسُّل إلى اختصاصها به، كما اختصَّ بها في هذِهِ المواطنِ الثلاثة، والأبُ لم يُشاركها في ذلك، فنبهت (١) أخرجه أبو داود (٢٢٤٤) من طريق عبد الحميد بن جعفر، عن أبيه، عن جده وسنده حسن. ٣٨٩ في هذا الاختصاص الذي لم يُشارِكْها فيه الأبُ على الاختصاص الذي طلبته بالاستفتاء والمخاصمة . اعتبار المعاني والعلل وتأثيرها في الأحكام وفي هذا دليل على اعتبار المعاني والعِلل، وتأثيرها في الأحكام، وإناطتها بها، وأن ذلك أمر مستقر في الفِطَرِ السَّليمةِ حتى فِطَرِ النساء، وهذا الوصفُ الذي أدلت به المرأةُ وجعلته سبباً لتعليق الحكم به، قد قرَّرهُ النبيُّ ◌َ له ورتَب عليه أثره، ولو كان باطلاً ألغاه، بل ترتيبُه الحكمَ عقيبَه دليلٌ على تأثيره فيه، وأنه سببه . القضاء على الغائب واستدل بالحديث على القضاء على الغائب، فإن الأبَ لم يذكر له حضور ولا مخاصمة، ولا دلالة فيه لأنها واقعةُ عين، فإن كان الأبُ حاضراً، فظاهر، وإن كان غائباً، فالمرأة إنما جاءت مستفتية أفتاها النبيُّ ◌َله بمقتضى مسألتها، وإلا فلا يُقبل قولُها على الزوج: إنه طلقها حتى يُحكم لها بالولد بمجرَّدٍ قولها. فصل الأم أحق بالولد من الأب ودلّ الحديث على أنه إذا افترق الأبوانِ، وبينهما ولد، فالأمُّ أحقُّ به من الأب ما لم يقم بالأمِّ ما يمنعُ تقديمَها، أو بالولد وصفٌ يقتضي تخييرَه، وهذا ما لا يُعرف فيه نزائٌ، وقد قضى به خليفةُ رسولِ الله ◌َ ليل أبو بكر على عمر بن الخطاب، ولم يُنْكِرْ عليهِ مُنْكِرٌ. فلما وَلِيَ عمرُ قضى بمثله، فروى مالك في ((الموطأ)): عن يحيى بن سعيد أنه قال: سمعت القاسم بن محمد يقول: كانت عند عمرَ بن الخطاب رضي الله عنه امرأةٌ من الأنصار، فولدت له عاصم بن عمر، ثم إن عمرَ فارقها، فجاء عُمَرُ قُبَاء، فوجد ابنه عاصماً يلعب بفناء المسجد، فأخذ بعضُدِهِ، فوضعه بين يديه على الدابة، فأدركته جدةُ الغلام، فنازعته إيَّه، حتَّى أتيا أبا بكر الصديق رضي الله عنه، فقال عمر: ابني. وقالت المرأة: ابني، فقال أبو بكر رضي الله عنه: خَلِّ بينها وبينه، فما راجعه عُمَرُ الكَلامُ(١) . (١) أخرجه مالك ٧٦٧/٢، ٧٦٨، والبيهقي ٥/٨ ورجاله ثقات إلا أن القاسم بن محمد لم يدرك عمر . ٣٩٠ قال ابن عبد البر: هذا خبر مشهور من وجوه منقطعة ومتصلة، تلقاه أهلُ العلم بالقبول والعمل، وزوجة عمر أمُّ ابنه عاصم: هي جميلة ابنةُ عاصم بن ثابت بن أبي الأقلح الأنصاري. قال: وفيه دليل على أن عمر كان مذهبُه في ذلك خلافَ أبي بكر، ولكنه سلم للقضاء ممن له الحكمُ والإِمضاء، ثم كانَ بعْدُ في خلافته يقضي به ويُفتي، ولم يُخالف أبا بكر في شيء منه ما دام الصبيُّ صغيراً لا يُميز، ولا مخالف لهما مِن الصحابة . وذكر عبد الرزاق، عن ابن جريج، أنه أخبره عن عطاء الخراساني، عن ابن عباس قال: طلق عمرُ بنُ الخطاب امرأتَه الأنصارية أمّ ابنه عاصم، فلقيها تَحمِلُه بمحسر، وقد فُطِمَ ومشى، فأخذ بيده لينتزعهُ منها، ونازعها إياه حتَّى أوجعَ الغلام وبكى، وقال: أنا أحقُّ بابني مِنْكِ، فاختصما إلى أبي بكر، فقضى لها بِهِ وقال: ريحُها وفِراشُها وحجرُهَا خيرٌ له منك حتى يَشِبَّ ويختار لنفسه، ومحسر: سوق بين قباء والمدينة(١) . وذكر عن الثوري، عن عاصم، عن عكرمة قال: خاصمتِ امرأةٌ عُمَرَ عُمَرَ إلى أبي بكر رضي الله عنه، وكان طلّقها، فقالَ أبو بكر رضي الله عنه: الأم أعطفُ، وألطفُ، وأرحمُ، وأحنى، وأرفُ، هي أحقُّ بولدها ما لم تتزوج (٢) . وذكر عن معمر قال: سمعتُ الزهريَّ يقول: إن أبا بكر قضَى على عُمَرَ في ابنه مع أمِّه، وقال: أمُّهُ أحقُّ به ما لم تتزوج (٣) . فإن قيل: فقد اختلفت الروايةُ: هل كانت المنازعةُ وقعت بينَه وبينَ الأم (١) أخرجه عبد الرزاق (١٢٦٠١). (٢) ((المصنف)) (١٢٦٠٠). (٣) ((المصنف)) (١٢٥٩٨). ٣٩١ أولاً، ثم بينَه وبينَ الجدة، أو وقعت مرة واحدة بينه وبين إحداهما. قيل: الأمر في ذلك قريب، لأنها إن كانت من الأم فواضح، وإن كانت من الجدة، فقضاء الصديق رضي الله عنه لها يدلُّ على أن الأم أولى. يقدم الأب في ولاية المال والنكاح وتقدم الأم في ولاية الحضانة والرضاع فصل والولاية على الطفل نوعان: نوع يقدم فيه الأبُ على الأم ومن في جهتها، وهي ولاية المال والنكاح، ونوٌ تُقدَّم فيه الأم على الأب، وهي ولايةُ الحضانة والرضاع، وقُدِّمَ كُلٌّ من الأبوين فيما جعل له من ذلك لتمام مصلحة الولد، وتوقف مصلحته على من يلي ذلك من أبویه، وتحصل به کفایته. ولما كان النساءُ أعرفَ بالتربية، وأقدرَ عليها، وأصبَر وأرأفَ وأفرغ لها، لذلك قُدِّمَتِ الأم فيها على الأب. ولما كان الرجالُ أقومَ بتحصيل مصلحة الولد والاحتياط له في البضع، قُدِّمَ الأبُ فيها على الأم، فتقديمُ الأم في الحضانة مِن محاسن الشريعة والاحتياط للأطفال، والنظر لهم، وتقديمُ الأب في ولاية المال والتزويج كذلك. هل يقدم أقارب الأم على أقارب الأب في الحضانة؟ إذا عُرِفَ هذا، فهل قُدِّمتِ الأُمّ لكون جهتها مقدمةً على جهة الأبوة في الحضانة، فقدمت لأجل الأمومة، أو قُدِّمت على الأب، لكون النساء أقوم بمقاصد الحضانة والتربية من الذكور، فيكون تقديمُها لأجل الأنوثة؟ ففي هذا للناس قولان وهما في مذهب أحمد يظهر أثرهُما في تقديم نساء العصبة على أقارب الأم أو بالعكس، كأم الأم، وأم الأب، والأخت من الأب، والأخت من الأم، والخالة، والعمة، وخالة الأم، وخالة الأب، ومن يُدلي من الخالات والعمات بأم، ومن يُدلي منهن بأب، ففيه روايتان عن الإِمام أحمد. إحداهما تقديمُ أقاربِ الأم على أقاربِ الأبِ. والثانية وهيَ أصحُّ دليلاً، واختيار شيخ الإِسلام ابن تيمية: تقديمُ أقارب الأب وهذا هو الذي ذكره الخرقي في (مختصره))، فقال: والأختُ من الأب أحقُّ من الأخت من الأم وأحقُّ من الخالة، ٣٩٢ وخالة الأب أحقُّ مِن خالة الأم، وعلى هذا فأمُّ الأبِ مقدَّمة على أمِّ الأم كما نصَّ علیه أحمد في إحدى الروایتین عنه. وعلى هذه الرواية: فأقاربُ الأب من الرجال مقدَّمون على أقارب الأم، هل لأقارب الأم من الرجال والأخُ للأب أحق من الأخ للأم، والعمُّ أولى من الخال، هذا إن قلنا: إن لأقارب مدخل في الحضانة؟ الأم من الرجال مدخلاً في الحضانة، وفي ذلك وجهان في مذهب أحمد والشافعي. أحدهما: أنه لا حضانة إلا لرجل مِن العصبة مَحْرَم، أو لا مرأة وارثة، أو مُدلیة بعصبة، أو وارث. والثاني: أن لهم الحضانة والتفريع على هذا الوجه، وهو قولُ أبي حنيفة، وهذا يدل على رجحان جهة الأبوة على جهة الأمومة في الحضانة، وأن الأم إنما قدِّمت لكونها أنثى لا لتقديم جهتها، إذ لو كان جهتُها راجحةً لترجَّحَ رجالُها ونساؤها على الرجالِ والنساءِ من جهة الأب، ولما لم يترجَّحْ رجالُها اتفاقاً فكذلك النساء، وما الفرقُ المؤثر؟ التدليل على تقديم جهة الأبوة في الحضانة وأيضاً فإن أصولَ الشرع وقواعِدَهُ شاهدةٌ بتقديم أقارب الأب في الميراث، وولاية النكاح، وولاية الموت وغير ذلك، ولم يُعهد في الشرع تقديمُ قرابة الأم على قرابة الأب في حكم من الأحكام، فمن قدَّمها في الحضانة، فقد خرج عن موجب الدلیل. فالصوابُ في المأخذ هو أن الأم إنما قُدِّمت، لأن النساءَ أرفقُ بالطفل، وأخبرُ بتربيته، وأصبرُ على ذلك، وعلى هذا فالجدَّةُ أم الأب أولى من أمّ الأم، والأخت للأب أولى مِن الأخت للأم، والعمةُ أولى من الخالة، كما نصَّ عليه أحمد في إحدى الروايتين، وعلى هذا فتُقدَّمُ أمُّ الأب على أب الأب، كما تُقَدَّم الأم على الأب. علة تقديم الأم في الحضانة وإذا تقرر هذا الأصل، فهو أصل مطَّرِد منضبط لا تتناقض فروعُه، بل إن اتفقت القرابةُ والدرجةُ واحدة قُدِّمت الأنثى على الذكر، فتُقدَّم الأخت على الأخ، تقديم الأنثى على الذكر حين اتفاق القرابة والدرجة وتقديم جهة الأب حين اتفاق الدرجة واختلاف القرابة ٣٩٣ والعمة على العم، والخالة على الخال، والجدةُ على الجد، وأصلُه تقديم الأم على الأب. وإن اختلفت القرابةُ، قُدِّمت قرابةُ الأب على قرابة الأم، فتقدم الأخت للأب على الأخت للأم، والعمة على الخالة، وعمةُ الأب على خالته، وهلم جراً. بيان تناقض من قدم أم أم على أم الأب ثم اختلافهم في تقديم الأخت للأم على الأخت للأب والخالة على العمة وهذا هو الاعتبارُ الصحيح، والقياسُ المطرد، وهذا هو الذي قضى به سيِّدُ قُضاةِ الإِسلام شريح، كما روى وكيع في ((مصنفه)): عن الحسن بن عقبة، عن سعيد بن الحارث قال: اختصم عمِّ وخالٌ إلى شُريح في طفل، فقضى به للعم، فقال الخال: أنا أُنفق علیه من مالي، فدفعه إليه شریح. ومن سلكَ غيرَ هذا المسلك لم يجد بداً من التناقض، مثاله: أن الثلاثة وأحمد في إحدى روايتيه، يُقدِّمُون أم الأم على أم الأب، ثم قال الشافعي في ظاهر مذهبه، وأحمد في المنصوص عنه: تُقدَّم الأخت للأب على الأخت للأم، فتركوا القياسَ، وطرَّده أبو حنيفة، والمزني، وابن سريج، فقالوا: تُقدَّم الأختُ للأم على الأخت للأب. قالوا: لأنها تُدلي بالأم، والأخت للأب بالأب، فلما قُدِّمَت الأم على الأب، قُدِّمَ من يُدلي بها على من يُدلي به، ولكن هذا أشدُّ تناقضاً من الأول لأن أصحاب القول الأول جَرَوْا على القياس والأصول في تقديم قرابة الأب على قرابة الأم، وخالفوا ذلك في أم الأم وأم الأب، وهؤلاء تركوا القياسَ في الموضعينِ، وقدَّموا القرابةَ التي أخّرها الشرعُ، وأخَّروا القرابةَ التي قدَّمها، ولم يمكنهم تقديمُها في كُلِّ موضع، فقدَّموها في موضع، وأخَّرُوها في غيرهِ مع تساويهما، ومن ذلك تقديمُ الشافعي في الجديد الخالةَ على العمة مع تقديمه الأخت للأب على الأخت للأم، وطرَّد قياسه في تقديم أم الأم على أم الأب، فوجب تقديمُ الأخت للأم، والخالة على الأخت للأب والعمة، وكذلكَ مَنْ قَدَّمَ مِن أصحاب أحمد الخالَة على العمة، وقدَّمَ الأخت للأب على الأخت للأم، كقول القاضي وأصحابه، وصاحب ((المغني)): فقد تناقضوا. ٣٩٤ فإن قيل: الخالةُ تُدلي بالأم، والعمة تُدلي بالأب، فكما قُدِّمتِ الأم على الأب، قُدِّم من يُدلي بها، ويزيدُه بياناً كونُ الخالة أمّاً كما قال النبيُّ رَّة، فالعمةُ بمنزلة الأب. علة تقديم العمة على الخالة قيل: قد بينا أنه لم يقدم الأم على الأب لقوة الأمومة، وتقديم هذه الجهة، بل لكونها أنثى، فإذا وُجِدَ عمةٌ وخالة، فالمعنى الذي قُدِّمَتْ له الأمّ موجود فيهما، وامتازت العمةُ بأنها تُدلي بأقوى القرابتين، وهي قرابةُ الأب، والنبيُّ ◌َّ قضى بابنة حمزة لخالتها، وقال: ((الخَالَةُ أُمّ) حيث لم يكن لها مزاحم مِن أقارب الأب تُساويها في درجتها . فإن قيل: فقد كان لها عمة وهي صفيةٌ بنت عبد المطلب أختُ حمزة، وكانت إذ ذاك موجودة في المدينة، فإنها هاجرت، وشهدت الخندقَ، وقتلت رجلاً مِن اليهود كان يُطيفُ بالحِصن الذي هي فيه، وهي أوَّل امرأةٍ قتلت رجلاً من المشركين، وبقيت إلى خلافة عمر رضي الله عنه، فقدَّم النبيُّ الخالة عليها، وهذا يدلُّ على تقديم من في جهة الأم على من في جهة الأب. صفية بنت عبد المطلب وقتلها رجلاً من اليهود قيل: إنما يدلُّ هذا إذا كانت صفية قد نازعت معهم، وطلبت الحضانة، فلم يقض لها بها بعد طلبها، وقدَّم عليها الخالة، هذا إذا كانت لم تمنع منها لعجزها عنها، فإنها تُوفيت سنة عشرين عن ثلاث وسبعين سنة، فيكون لها وقتَ هُذه الحكومة بِضِعٌ وخمسون سنة، فيحتمِلُ أنها تركتها لعجزها عنها، ولم تطلبها مع قدرتها، والحضانةُ حقٌّ للمرأة، فإذا تركتها، انتقلت إلى غيرها . وبالجملة: فإنما يدل الحديث على تقديم الخالة على العمة إذا ثبت أن صفيةَ خاصمت في ابنة أخيها، وطلبت كفالَتها، فقدَّم رسولُ الله تَّ الخالة، وهذا لا سبیلَ إليه. ٣٩٥ تناقض من قدم أم أم ثم الخالة على الأب وأم الأب تناقض الرواية عن أحمد في تقديم الأخت عن الأم اختلاف أصحاب أحمد في فهم نصه السابق فصل ومن ذلك أن مالكاً لما قدَّم أمّ الأم على أمِّ الأب، قدم الخالةَ بعدها على الأب وأمه، واختلف أصحابه في تقديم خالة الخالة على هؤلاء، على وجهين، فأحدُ الوجهين: تقديم خالة الخالة على الأب نفسِه، وعلى أمه، وهذا في غاية البعد، فكيف تُقُدم قرابةُ الأم وإن بعدت على الأب نفسه، وعلى قرابته مع أن الأبَ وأقاربه أشفقُ على الطفل، وأرعى لمصلحة من قرابة الأم؟ فإنه ليس إليهم بحال، ولا يُنسب إليهم، بل هو أجنبيٌّ منهم، وإنما نسبه وولاؤه إلى أقاربِ أبيه، وهم أولى به، يعقِلُون عنه، ويُنفقون عليه عند الجمهور، ويتوارثون بالتعصيب وإن بعدتِ القرابةُ بينهم بخلاف قرابةِ الأم، فإنه لا يثبتُ فيها ذلك، ولا توارُثَ فيها إلا في أمهاتها، وأول درجة مِن فروعها، وهم ولدُها، فكيف تقدم هذه القرابة على الأب، ومن في جهته، ولا سيما إذا قيل بتقديم خالة الخالة على الأب نفسه وعلى أمه، فهذا القولُ مما تأباه أصولُ الشريعة وقواعِدُها، وهذا نظيرُ إحدى الروايتين عن أحمد في تقديم الأخت على الأم، والخالة على الأب، وهذا أيضاً في غاية البعد، ومخالفة القياس. وحجة هذا القول: أن كلتيهما تُدليان بالأم المقدمة على الأب، فتُقدمان عليه، وهذا ليس بصحيح، فإن الأم لما ساوت الأب في الدرجة، وامتازت عليه بكونها أقومَ بالحضانة، وأقدرَ عليها وأصبرَ، قُدِّمَتْ عليه، وليس كذلك الأختُ من الأم، والخالةُ مع الأب، فإنهما لا يُساويانه، وليس أحدٌ أقربَ إلى ولده منه، فكيف تُقَدَّمُ عليه بنتُ امرأته، أو أختها؟ وهل جعل الله الشفقة فيهما أكمل منه؟ ثم اختلف أصحاب الإمام أحمد في فهم نصه هذا على ثلاثة أوجه. أحدها: إنما قدمها على الأب لأنوثتها، فعلى هذا تُقدَّمُ نساء الحضانة على كل رجل، فتُقدَّمُ خالة الخالة وإن علت، وبنت الأخت على الأب. الثاني: أن الخالةَ والأخت للأم لم تدليا بالأب، وهما من أهل الحضانة، ٣٩٦ فَتُقَدَّمُ نساءُ الحضانة على كل رجلٍ إلا على من أدلين به، فلا تُقدمن عليه، لأنهن فرعه، فعلى هذا الوجه لا تُقَدَّم أمُّ الأب على الأب، ولا الأخت والعمة عليه، وتقدم عليه أم الأم، والخالة، والأخت للأم، وهذا أيضاً ضعيف جداً، إذ يستلزِمُ تقديم قرابة الأم البعيدة على الأب وأمه، ومعلومٌ أن الأبَ إذا قُدِّمَ على الأخت للأب فتقديمُه على الأخت للأم أولى، لأن الأخت للأب مقدمة عليها، فكيف تُقدَّم على الأب نفسه؟ هذا تناقض بيِّن . الثالث: تقديمُ نساء الأم على الأب وأمهاته وسائر مَن في جهته، قالوا: فعلى هذا، فكل امرأة في درجة رجل تُقَدَّمُ عليه، ويُقدَّم من أدلى بها على من أدلى بالرجل، فلما قُدِّمَتِ الأُم على الأب وهي في درجته قدمت الأخت من الأم على الأخت من الأب، وقُدِّمَتِ الخالة على العمة. هذا تقرير ما ذكره أبو البركات بن تيمية في ((محرره)) من تنزيل نص أحمد على هذه المحامل الثلاث، وهو مخالف لعامة نصوصه في تقديم الأخت للأب على الأخت للأم، وعلى الخالة، وتقديم خالة الأب على خالة الأم، وهو الذي لم يذكر الخرقي في ((مختصره)) غيره، وهو الصحيحُ، وخرجها ابنُ عقيل على الروايتين في أم الأم، وأم الأب، ولكن نصه ما ذكره الخرقي، وهذه الرواية التي حكاها صاحب ((المحرر)) ضعيفة مرجوحة، فلهذا جاءت فروعُها ولوازِمُها أضعفَ منها بخلاف سائر نصوصه في جادة مذهبه. فصل وقد ضبط بعض أصحابه هذا البابَ بضابط، فقال: كُلُّ عصبة، فإنه يُقدَّمُ على كل امرأة هي أبعدُ منه، ويتأخر عمن هي أقربُ منه، وإذا تساويا، فعلى وجهين. فعلى هذا الضابط يُقَدَّمُ الأب على أمه، وعلى أم الأم ومن معها، ويُقدَّم الأخ على ابنته وعلى العمة، والعم على عمة الأب، وتقدَّم أمُّ الأب على جد الأب، وفي تقديمها على أب الأب وجهان. وفي تقديم الأخت للأب على الأخ للأب وجهان، وفي تقديم العمة على العم وجهان. ضابط في الحضانة لبعض أصحاب أحد ٣٩٧ والصواب: تقديم الأنثى مع التساوي، كما قُدِّمَتِ الأمُّ على الأب لما استويا، فلا وجه لتقديم الذكر على الأنثى مع مساواتها له، وامتيازِها بقوة أسباب الحضانة والتربية فيها . واختُلفَ في بنات الإخوة والأخوات، هل يُقدمن على الخالات والعمات، أو تقدم الخالاتُ والعماتُ عليهن؟ على وجهين مأخذهُما: أن الخالة والعمة تُدليان بأخوة الأم والأب، وبنات الإخوة والأخوات يُدلين ببنوة الأب، فمن قدَّم بنات الإخوة، راعى قوة البنوة على الأخوة، وليس ذلك بجيد، بل الصوابُ تقديم العمة والخالة لوجهين. أحدهما: أنها أقرب إلى الطفل من بنات أخيه، فإن العمة أخت أبيه، وابنة الأخ ابنة ابن أبيه، وكذلك الخالةُ أخت أمه، وبنت الأخت من الأم، أو لأب بنت بنت أمه أو أبيه، ولا ريبَ أن العمة والخالة أقرب إليه من هذه القرابة. الثاني: أن صاحبَ هذا القول إن طرَّد أصله، لزمه ما لا قبل له به من تقديم بنت بنت الأخت وإن نزلت على الخالة التي هي أم، وهذا فاسدٌ من القول، وإن خصَّ ذلك ببنت الأخت دون من سفل منها، تناقض. واختلف أصحابُ أحمد أيضاً في الجد والأخت للأب أيهما أولى؟ فالمذهب: أن الجدَّ أولى منها وحكى القاضي في ((المجرد)) وجهاً: أنها أولى منه، وهذا يجيء على أحد التأويلات التي تأوَّل عليها الأصحابُ نص أحمد، وقد تقدمت . فصل ومما يُبين صحة الأصل المتقدِّم أنهم قالوا: إذا عَدِمَ الأمهات، ومن في جِهَتِهِنَّ، انتقلت الحَضَانُ إلى العصبات، وقُدِّمَ الأقربُ فالأقربُ منهم، كما في الميراث، فهذا جارٍ على القياس، فيقال لهم: هَلاَّ راعيتُم هذا في جنس القرابة، فقدمتم القرابة القوية الراجحةَ على الضعيفة المرجوحة كما فعلتم في العصبات؟ بيان تناقض الضابط السابق ٣٩٨ وأيضاً فإن الصحيح في الأخوات عندكم أنه يُقدَّم منهن من كانت لأبوين، ثم من كانت لأب، ثم من كانت لأم، وهذا صحيح موافق للأصول والقياس، لكن إذا ضُمَّ هذا إلى قولهم بتقديم قرابة الأم على قرابة الأب جاء التناقضُ، وتلك الفروعُ المشكلة المتناقضة. وأيضاً فقد قالوا بتقديم أمهاتِ الأبِ والجدِّ على الخالات والأخواتِ للأم، وهو الصوابُ الموافقُ لأصول الشرع، لكنه مناقض لِتقديمهم أمهاتِ الأم على أمهاتِ الأب، ويُناقض تقديم الخالة والأخت للأم على الأب، كما هو إحدى الروايتين عن أحمد رحمه الله، والقول القديم للشافعي. ولا ريب أن القول به أطردُ للأصل، لكنه في غاية البُعد من قياس الأصول كما تقدم، ويلزمهم من طَرْدِهِ أيضاً تقديمُ من كان من الأخوات لأم على من كان منهن لأب، وقد التزمه أبو حنيفة، والمزني، وابنُ سريج، ويلزمهم مِن طَرْدِهِ أيضاً تقديمُ بنت الخالة على الأخت للأب، وقد التزمه زفر، وهو رواية عن أبي حنيفة، ولكن أبو يوسف استشنع ذلك، فقدَّم الأخت للأب كقول الجمهور، ورواه عن أبي حنيفة. ويلزمهم أيضاً من طرده تقديم الخالة والأخت للأم على الجدة أم الأب، وهذا في غاية البعد والوهن، وقد التزمه زفر، ومثلُ هذا من المقاييس التي حذر منها أبو حنيفة أصحابه، وقال لا تأخذوا بمقاييس زفر، فإنكم إن أخذتم بمقاييس زفر حرَّمْتُمُ الحَلاَلَ، وحَّلْتُمُ الحَرَامَ. فصل وقد رام بعضُ أصحاب أحمد ضبط هذا الباب بضابط زعم أنه يتخلَّص بِه مِن التناقض، فقال: الاعتبارُ في الحضانة بالولادة المتحققة وهي الأمومة، ثم الولادة الظاهرة وهي الأبوة، ثم الميراث. قال: ولذلك تُقَدَّمُ الأخت من الأب على الأخت من الأم، وعلى الخالة، لأنها أقوى إرثاً منهما. قال: ثم الإدلاء، فتقدَّم الخالة على العمة لأن الخالة تدلي بالأم، والعمة تدلي بالأب، فذكر أربع ضابط آخر في الحضانة لبعض أصحاب أحمد وبيان تناقضه ٣٩٩ أسباب للحضانة مرتبة: الامومة، ثم بعدها الأبوة، ثم بعدها الميراث، ثم الإدلاء، وهذه طريقة صاحب ((المستوعب))، وما زادتهُ هذه الطريقةُ إلا تناقضاً وبعداً عن قواعد الشَّريعة، وهي من أفسد الطرق، وإنما يتبينُ فسادُها بلوازمها الباطلة، فإنه إن أراد بتقديم الأمومة على الأبوة تقديمَ من في جهتها على الأب ومَنْ في جهته، كانت تلك اللوازم الباطلة المتقدمة من تقديم الأخت للأم، وبنت الخالة على الأب وأمه، وتقديم الخالة على العمة، وتقديم خالة الأم على الأب وامه، وتقديم بنات الأخت من الأم على أم الأب، وهذا مع مخالفته لنصوص إمامه، فهو مخالفٌ لأصول الشرع وقواعده. وإن أراد أن الأم نفسها تُقَدَّمُ على الأب، فهذا حق لكن الشأن في مناط هذا التقديم: هل هو لكون الأم ومن في جهتها تقدم على الأب ومن في جهته، أو لكونها أنثى في درجة ذكر، وكل أنثى كانت في درجة ذكر قُدِّمَتْ عليه مع تقديم قرابة الأب على قرابة الأم؟ وهذا هو الصواب كما تقدم، وكذلك قولُه: ((ثم الميراث)) إن أراد به أن المقدَّم في الميراث مقدم في الحضانة فصحيح، وطرده تقديمُ قرابة الأب على قرابة الأم، لأنها مقدّمة عليها في الميراث، فتقدم الأختُ على العمة والخالة. وقوله: ((وكذلك تقديمُ الأخت للأب على الأخت للأم، والخالة، لأنها أقوى إرثاً منهما، فيقال: لم يكن تقديمُها لأجل الإِرث وقوته، ولو كان لأجل ذلك، لكان العصبات أحقَّ بالحضانة من النساء، فيكون العمُّ أولى مِن الخالة والعمة، وهذا باطل. فصل ضابط الحضانة عند ابن قدامة وقد ضبط الشيخ في ((المغني)) هذا الباب بضابط آخر فقال: فصل في بيان الأولى فالأولى من أهل الحضانة عند اجتماع الرجال والنساء. وأولى الكُلّ بها: الأمّ، ثم أمهاتُها وإن علون يُقدَّم منهن الأقرب فالأقرب لأنهن نساء ولادتهن متحققة، فهن في معنى الأم: وعن أحمد، أن أم الأب وأمهاتِها يُقدّمن على أم الأم، فعلى لهذه الرواية يكون الأب أولى بالتقديم، لأنَّهنَّ يُدلين به، فيكون الأب ٤٠٠