Indexed OCR Text
Pages 361-380
بالتعصيب، وإلا فازت بفرضها، فنحن قائلون بالآثار كُلِّها في هذا الباب بحمد الله وتوفيقه. فصل الحكمُ الثامن: ((أنها لا تُرمى ولا يُرمى ولدُها، ومَنْ رماها أو رَمَى وَلَدَها، يحد قاذفها وقائف ولدها فعليه الحَدُّ) وهذا لأن لِعانها نفى عنها تحقيقَ ما رُمِّيَّتْ به، فيُحدُّ قاذِفُها وقاذِفُ ولدها، هذا الذي دلَّت عليهِ السنّةُ الصحيحةُ الصريحةُ، وهو قولُ جمهور الأمة، وقال أبو حنيفة: إن لم يكن هناك ولد نُفِيَ نسبُه، حُدَّ قاذفها، وإن كان هناك ولد نُفي نسبه، لم يُحَدَّ قاذفها، والحديثُ إنما هو فيمن لها ولد نفاه الزوجُ، والذي أوجب له هذا الفرقَ أنه متى نَفَى نسب ولدها، فقد حكم بزناها بالنسبة إلى الولد، فأثر ذلك شبهةً في سُقوط حدِّ القذف. فصل الحكم التاسع: أن هذه الأحكام إنما ترتبت على لِعانهما معاً، وبعد أن تَمَّ اللعانانِ، فلا يترتب شيء منها على لِعان الزوج وحده، وقد خرَّج أبو البركات بن تيمية على هذا المذهب انتفاء الولد بلعان الزوج وحدَه، وهو تخريجٌ صحيح، فإن لِعانه كما أفاد سقوطَ الحد وعارَ القذف عنه مِن غير اعتبار لعانها، أفاد سقوطَ النسب الفاسد عنه، وإن لم تُلاعن هي، بطريق الأولى، فإنَّ تضرره بدخول النسب الفاسِد عليه أعظمُ مِن تضرره بحدِّ القذف، وحاجته إلى نفيه عنه أشدُّ مِن حاجته إلى دفعِ الحد، فلِعانه كما استقلَّ بدفع الحد استقلَّ بنفي الولد، والله أعلم. لا تترتب الأحكام السابقة إلا بعد تمام اللعان فصل الحكم العاشِرُ: وجوبُ النفقة والسكنى للمطلقة والمتوفَّى عنها إذا كانتا حامِلَين، فإنه قال: ((من أجل أنهما يفترقانِ عن غير طلاق ولا متوفى عنها))، فأفاد ذلك أمريْنِ، أحدهما: سقوطُ نفقة البائن وسكناها إذا لم تكن حامِلاً مِن الزوج. والثاني: وجوبهُما لها، وللمتوفَّى عنها إِذا كانتا حاملين من الزوج. وجوب النفقة والسكنى للمطلقة والمتوفى عنها إذا كانتا حاملين ٣٦١ فصل اعتبار الحكم بالقافة في الإلحاق بالنسب وقولُه ◌َّةُ: ((أَبْصِرُوها فَإِنْ جَاءَت بِهِ كَذَا وكذا، فَهُوَ لِهِلالِ بن أُمِيَّةَ، وَإِنْ جَاءَتْ بِهِ كَذَا وَكَذَا فَهُو لِشَرِيكِ بن سَحْمَاء))، إِرشادٌ منه ◌َّةُ إلى اعتبارِ الحُكْمِ بِالقَافَةِ، وأَنّ لِلشَّبَهِ مدخلاً في معرفة النسب، وإلحاقِ الولد بمنزلة الشبه، وإنما لم يُلحق بالملاعن لو قُدِّر أن الشبه له، لمعارضة اللعان الذي هو أقوى مِن الشبه له كما تقدم. من قتل رجلاً في داره مدعياً زناه بحريمه قتل به إن لم يأت ببينة أو إقرار الولي فصل وقوله في الحديث: (لَوْ أنّ رجلاً وَجَدَ مع امرأتِهِ رجلاً يقتُلُه فتقتُلُونه به» دليل على أن من قتل رجلاً في داره، وادَّعى أنه وجده مع امرأتِه أو حرِيمه، قتل فيه، ولا يُقبل قوله، إذ لو قُبِلَ قولُه، لأُهدِرَتِ الدماءُ، وكان كل من أراد قتل رجل أدخله داره وادعی أنه وجده مع امرأته . ولكن هاهنا مسألتان يجب التفريقُ بينهما. إحداهما: هل يسعه فيما بينه وبين الله تعالى أن يقتُلَه، أم لا؟ والثاني: هل يُقبل قوله في ظاهر الحكم أم لا؟ وبهذا التفريق يزولُ الإِشكالُ فيما نُقْلَ عن الصحابة رضي الله عنهم في ذلك، حتى جعلها بعض العلماء مسألة نزاع بين الصحابة، وقال: مذهب عمر رضي الله عنه: أنه لا يُقتل به، ومذهب علي: أنه يُقتل به، والذي غره ما رواه سعيد بن منصور في ((سننه))، أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه بينا هو يوماً يتغدى، إذ جاءه رجلٌ يعدو وفي يده سيف ملطخ بدم، ووراءه قوم یعدون، فجاء حتى جلس مع عمر، فجاء الآخرون، فقالوا یا أمير المؤمنين : إن هذا قتل صاحبنا، فقال له عمر رضي الله عنه: ما تقول؟ فقال له : يا أميرَ المؤمنين! إني ضربت بين فخذي امرأتي، فإن كان بينَهما أحد فقد قتلتُه، فقال عمر: ما تقولون؟ فقالوا: يا أمير المؤمنين! إنه ضرَب بالسَّيْفِ، فوقع في وسط الرجل وفخذي المرأة، فأخذ عمرُ رضي الله عنه سيفَه فهزّه، ثم دفعه إليه، وقال: إن عادوا، فعد. فهذا ما نُقِل عن عُمر رضي الله عنه . وأما علي، فسُئِلَ عمن وَجَدَ مع امرأته رجلاً فقتله، فقال: إن لم يأتِ بأربعةِ ٣٦٢ شُهداء، فليُعْطَ بِرُمَّتِهِ (١)، فظن أن هذا خلافُ المنقول عن عمر، فجعلها مسألةً خلافٍ بينَ الصحابة، وأنتَ إِذا تأملتَ حُكميهما، لم تَجِدْ بينهما اختلافاً، فإن عمر إنما أسقط عنه القودَ لما اعترف الوليُّ بأنه كان مع امرأته، وقد قال أصحابنا واللفظ لصاحب «المغني)): فإن اعترفَ الوليُّ بذلك، فلا قِصاصَ ولا دِية، لما رُوي عن عمر، ثم ساق القصة، وكلامه يُعطي أنه لا فرق بين أن يكون محصناً وغيرَ محصن، وكذلك حكمُ عمر في هذا القتيل، وقولُه أيضاً: ((فإن عادوا فعد)» ولم يفرق بين المحصَن وغيره، وهذا هو الصوابُ، وإن كان صاحب ((المستوعب)) قد قال: وإن وجد مع امرأته رجلاً ينال منها ما يُوجب الرجم، فقتله، وادّعى أنه قتله لأجل ذلك، فعليه القصاصُ في ظاهر الحكم، إلاّ أن يأتيَ ببيِّئة بدعواه، فلا يلزمه القصاصُ، قال: وفي عدد البينة روايتان، إحداهما: شاهدان، اختارها أبو بكر، لأن البينة على الوجود لا على الزنى، والأخرى لا يُقبل أقلُّ مِن أربعة، والصحيح أن البينة متى قامت بذلك، أو أقرَّ به الوليُّ، سقط القصاص محصناً كان أو غيره، وعليه يدل كلام علي، فإنه قال فيمن وجد مع امرأته رجلاً فقتله: إن لم يأت بأربعة شهداء «فليُعْطَ بِرُمَّتِهِ)) وهذا لأن هذا القتل ليس بحد للزنى، ولو كان حداً لما كان بالسيف ولا عتُبِرَ له شروطُ إقامة الحد وكيفيته، وإنما هو عقوبةٌ لمن تعدَّى عليه، وهتك حريمَه، وأفسد أهلَه، وكذلك فعل الزبير رضي الله عنه لما تخلف عن الجيش ومعه جارية له؛ فأتاه رجلان فقالا: أعطنا شيئاً، فأعطاهما طعاماً كان معه، فقالا: خلِّ عن الجارية، فضربهما بسيفه فقطعهما بضربة واحدة. وكذلك من اطَّلَعَ في بيت قومٍ من تُقْب، أو شق في الباب بغير إذنهم، فنظر حرمة أو عورة، فلهم خذفه وطعنه في عينه، فإن انقلعت عينُه، فلا ضمان عليهم. قال القاضي أبو يعلى: هذا ظاهرُ كلام أحمد أنهم يدفعونه، ولا ضمان عليهم من غير تفصيل . (١) أخرجه مالك ٧٣٧/٢، ٧٣٨، وعبد الرزاق (١٧٩١٥) والشافعي ٣٩٧/٢، والبيهقي ٨/ ٢٣٠، ٢٣١ ورجاله ثقات. ٣٦٣ وفصل ابن حامد فقال: يدفعه بالأسهل فالأسهل، فيبدأ بقوله: انصرف واذهب، وإلا نفعل بك كذا. قلت: وليس في كلام أحمد، ولا في السنة الصحيحة ما يقتضي هذا التفصيلَ، بل الأحاديث الصحيحة تدل على خلافه، فإن في ((الصحيحين)) عن أنس، أن رجلاً أطلع مِن جُحر في بعض حُجر النبي ◌َِّ، فقام إليه بمِشْقَصٍ أو بمشَاقِص، وجعل يَخْتِلُه ليطْعُنَهُ(١)، فأين الدفعُ بالأسهل وهو ◌ََّ يختِلُه، أو يختبىء له، ويختفي لِيَطْعُنَه . وفي ((الصحيحين)) أيضاً: من حديث سهل بن سعد، أن رجلاً اطلع في جُحْرٍ فِي باب النبيّ ◌ََّ، وفي يد النبيِّ :﴿َ مِدْرَىّ يَحُكُ بِهِ رَأْسَه، فلمَّا رَآهُ قال: لَوْ أَعْلَمُ أَنَّكَ تنظُرْنِي لَطَعَنْتُ به في عَيْنِكِ، إِنَّمَا جُعِلَ الإِذْنُ مِنْ أَجْلِ الْبَصَرِ)»(٢). وفيهما أيضاً: عن أبي هُريرة رضي الله عنه، قال: قال رسولُ الله ◌َّ: ((لَوْ أَنَّ امْرءاً اطَّلَعَ عَلَيْكَ بِغَيْرِ إِذْنٍ، فَخَذَفْتَهُ بِحَصَاةٍ؛ فَفَقَأْتَ عَيْنَهُ لَمْ يَكُنْ عَلَيْكَ جُنَاحٌ))(٣) . وفيهما(٤) أيضاً: ((مَنْ اطَّلَعَ في بَيْتِ قَوْمٍ بِغَيْرِ إِذْنِهِمْ، فَفَقَؤُوا عَيْنَهُ فَلاَ دِيَةً لَهُ وَلاَ قِصَاصَ)». (١) أخرجه البخاري ٢١٥/١٢ في الديات: باب من اطلع في بيت قوم، ففقؤوا عينه، فلا دية له، ومسلم (٢١٥٧) في الآداب: باب تحريم النظر في بيت غيره. (٢) أخرجه البخاري ٢١٥/١٢، ومسلم (٢١٥٦). (٣) أخرجه البخاري ٢١٦/١٢، ومسلم (٢١٥٨). الضمير يعود إلى ((الصحيحين)) ولم يخرجاه بهذا اللفظ، ولا أحدهما، وإنما هو عند (٤) أحمد ٣٨٥/٢، والنسائي ٦١/٨، من حديث أبي هريرة وإسناده صحيح، وصححه ابن حبان، ولمسلم (٢١٥٨) من حديث أبي هريرة ((من اطلع في بيت قوم بغير إذنهم، فقد حل لهم أن يفقؤوا عينه)». ٣٦٤ وهذا اختیارُ شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، وقال: ليس هذا مِن بابٍ دفعِ الصائل، بل مِن باب عقوبةِ المعتدي المؤذي، وعلى هذا فيجوزُ له فيما بينَه وبين اللّهِ تعالى قتلُ من اعتدى على حريمِه، سواء كان محصناً أو غيرَ محصن، معروفاً بذلك أو غيرَ معروف، كما دل عليه كلام الأصحاب، وفتاوى الصحابة، وقد قال الشافعي وأبو ثور: يسعُه قتلُه فيما بينه وبين الله تعالى إذا كان الزاني محصناً، جعلاه من باب الحدود. وقال أحمد وإسحاق: يُهدَرُ دمُّه إذا جاء بشاهدين ولم يُفْصِّلا بين المحصن وغيره. واخْتَلفَ قولُ مالك في هذه المسألة، فقال ابنُ حبيب: إن كان المقتولُ محصناً، وأقام الزوجُ البينة، فلا شيء عليه، وإلا قُتِل به، وقال ابنُ القاسم: إذا قامت البينةُ فالمحصَنُ وغيرُ المحصَنِ سواء، ويُهدر دمه، واستحب ابنُ القاسم الديةَ في غير المحصَن. فإن قيل: فما تقولون في الحديث المتفق على صحته، عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن سعد بن عبادة رضي الله عنه قال: يا رسولَ اللّهِ: أرأيتَ الرجلَ يَجِدُ مع امرأته رجلاً أيقتُلُه؟ فقال رسول الله بَّهِ: ((لا))، فقال سَعْدٌ: بَلَى والَّذِي بَعَثَكَ بالحَقِّ، فقال رسولِ الله وَّةَ: ((اسْمَعُوا إلى مَا يَقُولُ سَيِّدُكُمْ)). وفي اللفظ الآخر: ((إِنْ وَجَدْتُ مَعَ امرأتِي رَجُلاً أُمْهِلُهُ حَتَّى آتي بأَرْبَعَةِ شُهَدَاء؟ قال: ((نعم)) قال: والَّذِي بَعَثَكَ بالحَقِّ، إِنْ كُنْتُ لِأُعَاجِلُهُ بِالسَّيْفِ قَبْلَ ذُلِكَ، قال رسولُ الله ◌ََّ: ((اسْمَعُوا إِلى مَا يَقُولُ سَيِّدُكُمْ إِنَّهُ لَغَيُورٌ وأَنَا أَغْيَرُ مِنْهُ، واللّهُ أَغْيَرُ مِنِّي؟)) (١). قلنا: نتلقاه بالقبول والتسليم، والقولِ بموجبه، وآخِرُ الحديث دليل على أنه لو قتله لم يُقَد به، لأنه قال: بلى والذي أكرمَكَ بالحق، ولو وجب عليه القصاصُ بقتله، لما أقره على هذا الحلف، ولما أثنى على غَيْرَته، ولقال: لو قتلتَه قُتِلتَ به، وحديث أبي هريرة صريحٌ في هذا، فإن رسول الله لَّه قال: (١) تقدم تخريجه. ٣٦٥ ((أَتَعْجَبُونَ مِنْ غَيْرَة سعْدٍ فَوَ اللّهِ لأَنَا أَغْيَرُ مِنْهُ واللّهُ أَغْيَرُ مِنِّي))، ولم ينكر عليه، ولا نهاه عن قِتله لأن قولَه بَّ حُكم ملزم، وكذلكَ فتواه حكم عام للأمة، فلو أذن له في قتله، لكان ذلك حكماً منه بأن دمه هدرٌ في ظاهر الشرع وباطنه، ووقعت المفسدةُ التي درأها اللّهُ بالقصاصٍ، وتهالك الناس في قتل من يريدون قتله في دورهم، ويدَّعونَ أنهم كانُوا يَرَوْنَهُم على حريمهم، فسدَّ الذَّرِيعَةَ، وحَمى المفسدَة، وصان الدماء، وفي ذلك دليل على أنه لا يُقبل قولُ القاتل، ويُقاد به في ظاهر الشرع، فلما حلف سعد أنه يقتلُه ولا ينتظر به الشهود، عَجِبَ النبيُّ تَّ من غَيْرَتِه، وأخبر أنه غَيُورٌ، وأنه ◌ََّ أغيرُ منه، واللّهُ أشدُّ غَيرةَ، وهذا يحتمِلُ معنيين . أحدهما: إقراره وسكوتُه على ما حلف عليه سعدٌ أنه جائز له فيما بينَه وبَيْنَ اللّهِ، ونهيه عن قتله في ظاهر الشرع، ولا يناقض أولُ الحديث آخِرَه. والثاني: أن رسولَ اللهِ وَّ قال ذلك كالمنكِرِ على سعد، فقال: ((أَلاَ تَسْمَعُونَ إلى مَا يَقُولُ سَيِّدُكُم))، يعني: أنا أنهاه عن قتلِه وهو يقُول: بلى، والذي أكرمك بالحق، ثم أخبر عن الحامل له على هذه المخالفة، وأنه شِدَّةٌ غَيْرَتِه، ثم قال: أنا أغيرُ مِنْهُ، والله أغيرُ مني. وقد شرع إِقامة الشهداء الأربعة مع شِدَّةٍ غيرته سبحانه، فهي مقرونةٌ بحكمة ومصلحة، ورحمة وإحسان، فالله سبحانه مع شدّة غَيرته أعلم بمصالح عباده، وما شرعه لهم من إقامة الشهود الأربعة دون المبادرة إلى القتل، وأنا أغيرُ من سعد، وقد نهيته عن قتله، وقد يُريد رسولُ الله ◌َّ كلا الأمرين، وهو الأليقُ بكلامه وسياق القصة. فصل في حُكِمِه ◌ِّ في لُحُوق النسب بالزَّوج إذا خالف لونُ ولده لونَه ثبت عنه في ((الصحيحين)) أن رجلاً قال له: إن امرأتي ولدت غلاماً أَسْوَدَ كَأَنْه يُعَرِّضُ بنفِهِ، فقال النبيُّ ◌َّه: ((هَلْ لَكَ مِنْ إِبلٍ))؟ قال: نعم. قال: ((مَا ٣٦٦ لَوْنُهَا؟)) قال: حُمْرٌ. قال: ((فَهَل فيها مِنْ أَوْرَق؟)) قال: نَعَمْ. قَالَ رَسُولُ اللّهِ وََّ: ((فَنَّى أَتَاهَا ذُلِكَ؟)) قال: لَعَلّهُ يَا رَسُول اللّهِ يكونُ نَزَعَهُ عِرْقٌ. فقال النبيُّ (وهْذَا لَعَلَّهُ يَكُونُ نَزَعَهُ عِرْقٌ))(١). لا يجب الحد بالتعريض إذا كان على وجه السؤال والاستفتاء وفي هذا الحديث مِن الفقه: أن الحدّ لا يجِبُ بالتعرِيضِ إِذا كان على وجهِ السؤالِ والاستفتاء، ومن أخذ منه أنه لا يجبُ بالتعرِيضِ ولو كان على وجه المُقَابَحة والمشاتمة، فقد أَبْعَدَ النُّجْعَةَ، ورُبَّ تعريضٍ أفهمُ، وأوجعُ للقلب، وأبلغُ في النكاية من التصريح، وبساطُ الكلام وسياقُه يردُّ ما ذكروه من الاحتمال، ويجعلُ الكلام قطعيَّ الدِّلالة على المراد. وفيه أن مجرد الرِّيبةِ لا يُسَوِّغُ اللِّعانَ ونفي الولد. وفيه ضربُ الأمثال والأشباه والنظائر في الأحكام، ومِن تراجم البخاري في (صحيحه)) على هذا الحديث: باب من شبه أصلاً معلوماً بأصلٍ مبين قد بيَّن الله حكمه لِيُفهمَ السائِلَ، وساق معه حديثَ: ((أَرَأَيْتَ لَوْ كَانَ عَلَى أَمِّكَ دَيْرٌ؟))(٢). فصل في حُكمه ◌ََّ بالولدِ لِلفراش، وأن الأمة تكون فراشاً، وفيمن استلحق بعدَ مَوْتٍ أبيه ثبت في ((الصحيحين))، من حديث عائشة رضي الله عنها، قالت: اختصم سعدُ بنُ أبي وقَّاص، وعبدُ بن زمعة في غلام، فقال سعد: هذا يا رسولَ الله ابنُ أخي عتبة بن أبي وقاص عَهِدَ إِليَّ أنه ابنُه، انْظُرْ إِلى شَبَهِهِ، وقال عبدُ بنُ زمعة: هذا أخي يا رسولَ الله وُلِدَ على فِراش أبي مِن وَلِيدَتِهِ، فنظر رسولُ اللهِصَّةِ، فرأى شبهاً بيناً بعُتبة، فقال: ((هُوَ لَكَ يا عَبْدُ بْنَ زَمْعَةَ، الوَلَدُ للفِراشِ، ولِلْعَاهِرِ الحَجَرُ (١) أخرجه البخاري ٣٩٠/٩ في الطلاق: باب إذا عرض بنفي الولد، ومسلم (١٥٠٠) من حديث أبي هريرة. (٢) أخرجه البخاري ٢٥١/١٣ في الاعتصام. ٣٦٧ واحْتَجِبِي مِنْهُ يا سَوْدَةُ»، فلم تَرَهُ سَوْدَةُ قَطُّ (١). فهذا الحكمُ النبويُّ أصلٌ في ثبوتِ النسب بالفراش، وفي أن الأمة تكون فِرَاشاً بالوطء، وفي أن الشَّبه إذا عارضَ الفِراشِ، قُدِّمَ عليه الفِراشُ، وفي أن أحكامَ النسب تتبعَّضُ، فتثبت من وجهِ دُونَ وجه، وهو الذي يُسميه بعضُ الفقهاء حُكمَاً بينَ حُكمين، وفي أن القافةَ حقٌّ، وأنها من الشرع. جهات ثبوت النسب الأمة تكون فراشاً فأما ثبوتُ النسبِ بالفِراش، فأجمعت عليه الأمةُ، وجهاتُ ثبوتِ النسب أربعةٌ: الفراشُ، والاستلحاقُ، والبيَِّةُ، والقَافَةُ، فالثلاثة الأول، متفق عليها، واتفق المسلمون على أن النّكاحَ يثبت به الفراشُ، واختلفوا في التسرِّي، فجعله جمهورُ الأمة موجباً للفراش، واحتجوا بصريح حديث عائشة الصحيح، وأن النبيَّ ◌ََّ قضى بالولدِ لِزمعة، وصرَّح بأنه صاحبُ الفراش، وجعل ذلك عِلة للحكم بالولد له، فسبَبُ الحكم ومحلُهُ إِنما كان في الأمة، فلا يجوزُ إِخلاءُ الحديث منه وحملُه على الحرة التي لم تذكر ألبتة، وإنما كان الحكمُ في غيرها، فإن هذا يستلزِمُ إلغاءَ ما اعتبره الشارعُ وعلَّق الحكمَ به صريحاً، وتعطيلَ محلِّ الحکم الذي کان لأجله وفیه. ثم لو لم يَرِدِ الحديثُ الصحيح فيه، لكان هو مقتضى الميزانِ الذي أنزله الله تعالى لِيقومَ الناسُ بالقسْطِ، وهو التسويةُ بين المتماثلين، فإن السُّرِّيَّة فِراشٌ حِسَّاً وحقيقةً وحُكماً، كما أن الحُرَّةَ كذلك، وهي تُراد لما تُراد له الزوجةُ مِن الاستمتاع والاستيلادِ، ولم يزِل الناسُ قديماً وحديثاً يرغبون في السَّراري لاستيلادِهن واستفراشهن، والزوجةُ إِنما سُمِّيَتْ فِراشاً لمعنى هي والشُّرِّيَّةُ فيه على حدٍّ سواء. (١) أخرجه البخاري ٥٤/٥ في الخصومات: باب دعوى الوصي للميت، و١٥٢/١٣ في الأحكام: باب من قضي له بحق أخيه فلا يأخذه و٢٦/١٢، ٢٧ في الفرائض باب الولد للفراش، ومسلم (١٤٥٧) في الرضاع: باب الولد للفراش، وتوقي الشبهات، ومالك ٧٣٩/٢ في الأقضية: باب القضاء بإلحاق الولد بأبيه. ٣٦٨ وقال أبو حنيفة: لا تكونُ الأمة فراشاً بأوَّلِ ولد ولدته مِن السيد، فلا يلحقُه الولدُ إلا إذا استلحقه، فيلحقه حينئذ بالاستلحاق، لا بالفِراشِ، فما ولدت بعد ذلك لَحقه إلا أن يَنْفِيَه، فعندهم ولدُ الأمة لا يلحق السيدَ بالفراش، إلا أن يتقدّمه ولد مُسْتَلْحَقٌّ، ومعلومٌ أن النبيَّ ◌ََّ ألحق الولدَ بزَمْعَةَ، وأثبتَ نسبه منه، ولمْ يُثْبُتْ قَطُّ أن هذِهِ الأَّمَة ولَدَتْ له قبل ذلك غيره، ولا سأل النبيُّ نَّه عن ذلك ولا استفصل فيه. قال منازعوهم: ليس لهذا التفصيلِ أصلٌ في كتابٍ ولا سُنة، ولا أثرٍ عن صاحب، ولا تقتضيهِ قواعدُ الشرع وأصوله، قالت الحنفية: ونحن لا نُنكر كونَ الأمة فراشاً في الجملة، ولكنه فراش ضعيف، وهي فيه دونَ الحرة، فاعتبرنا ما تعتق به بأن تَلِدَ منه ولداً فيستلحقه، فما ولدت بعد ذلك، لحق به إلا أن يَنْفِيَه، وأما الولد الأوَّل، فلا يلحقه إلا بالاستلحاق، ولهذا قُلتُم: إنه إذا استلحق ولداً مِن أمته لم يلحقه ما بعدَه إلا باستلحاقٍ مستأنف، بخلاف الزوجة، والفرقُ بينهما: أن عقدَ النكاح إنما يُراد للوطء والاستفراش، بخلاف مُلك اليمين، فإن الوطء والاستفراش فيه تابع، ولهذا يجوزُ ورودُه على من يحرم عليه وطوُها بخلافٍ عقد النكاح. قالوا: والحديثُ لا حُجَّةَ لكم فيه، لأن وطء زمعة لم يثبُتْ، وإِنما ألحقه النبيُّ بَل لِعبد أخاً، لأنه استلحقه، فألحقه باستلحاقه، لا بفراش الأب. قال الجمهورُ: إذا كانت الأمةُ موطوءة، فهي فِراش حقيقة وحُكماً، واعتبارُ ولادتها السابقة في صيرورتها فراشاً اعتبارُ ما لا دليل على اعتباره شرعاً، والنبيُّ مَّ لم يعتبره في فِراش زَمْعَة، فاعتبارُه تحكم. وقولُكم: إن الأمةَ لا تُراد للوطء، فالكلام في الأمة الموطوءة التي اتخذت سرِّيَّة وفِراشاً، وجُعِلَتْ كالزوجة أو أحظى منها لا في أمته التي هي أختُه من الرضاع ونحوها. ٣٦٩ وقولُكم: إن وطء زمعةً لم يثبت حتَّى يلحق به الولدُ، ليس علينا جوابُه، بل جوابُه على من حكم بلحوق الولد بزمعة، وقال لابنه: هو أخوك. وقولكم: إنما ألحقه بالأخ لأنه استلحقه: باطل، فإن المستلحق إن لم يُقِرَّ به جميعُ الورثة، لم يلحق بالمقر إلا أن يشهدَ منهم اثنان أنه وُلِدَ على فراش الميت، وعَبْدٌ لم يكن يُقِرُّ له جميعُ الورثة، فإن سودة زوجة النبي ◌َّم أخته، وهيَ لم تُقِرَّ به، ولم تَسْتَلحقهُ، وحتى لو أقَرَّت به مع أخيها عبدٍ، لكان ثبوتُ النسب بالفراش لا بالاستلحاق، فإن النبيَّ ◌َّمِ صرَّح عقيب حكمه بإلحاق النسب، بأن الولد للفراش، معللاً بذلك، منبهاً على قضية كُلِّية عامة تتناولُ لهذهِ الواقعةَ وغيرها. ثم جوابُ هذا الاعتراض الباطل المحرِّم، أن ثبوتَ كون الأمة فراشاً بالإقرار من الواطىء، أو وارثه كافٍ في لحوق النسب، فإن النبيَّ ◌َّ ألحقه به بقوله: ابن وليدة أبي وُلِدَ على فراشه، كيف وزَمْعَةُ كان صِهِرَ النبيِّ لَّهَ، وابنتُه تحته، فكيف لا يثبت عنده الفِراشُ الذي يلحق به النسب؟. وأما ما نقضتُم به علينا أنَّه إذا استلحق ولداً مِن أمته، لم يلحقه ما بعدَه إلا بإقرارٍ مستأنَف، فهذا فيه قولان لأصحاب أحمد، هذا أحدُهما، والثاني: أنه يلحقُه وإن لم يستأنِفْ إقراراً، ومن رجَّح القولَ الأول قال: قد يستبرئها السيدُ بعد الولادة، فيزولُ حكمُ الفِراش بالاستبراء، فلا يلحقُه ما بعد الأول إلا باعتراف مستأنف أنه وطئها، كالحال في أول ولد، ومن رجَّح الثاني قال: قد يثبت كونُها فراشاً أولاً، والأصلُ بقاء الفراش حتى يَثْبُتَ ما يُزيله، إذ ليس هذا نظيرَ قولكم: إنه لا يلحقُه الولدُ مع اعترافه بوطئها حتى يستلحِقَه، وأبطلُ من هذا الاعتراض قولُ بعضهم، إنه لم يُلحقه به أخاً، وإنما جعله له عبداً، ولهذا أتى فيه بلام التمليك فقال: ((هُوَ لَكَ))، أي: مملوك لك، وقوَّى هذا الاعتراض بأن في بعض ألفاظ الحديث ((هُوَ لَكَ عبد))، وبأنه أمر سودَةَ أن تحتجِبَ منه، ولو كان أخاً لها لما أمرها بالاحتجاب منه، فدلَّ على أنه أجنبي منها. قال: وقوله: ((الولد للفِراش))، تنبيه على عدم لحوق نسبه بزمعة أي: لم تكن هذه الأمة فراشاً له، لأن ٣٧٠ الأمة لا تكون فراشاً، والولد إنما هو للفِراش، وعلى هذا يَصِحُّ أمرُ احتجاب سودة منه، قال: ويؤكده أن في بعض طرق الحديث «احتجبي منه، فإنه ليس لك بأخ)) قالوا: وحينئذ فتبيَّن أنا أسعدُ بالحديث وبالقضاء النبوي منكم. قال الجمهورُ: الآن حَمِيَ الوطيسُ، والتقت حلقتا البطان فنقول - والله المستعان -: أمّا قولُكم: إنه لم يُلحقه به أخاً، وإنما جعله عبداً، يردُّه ما رواه محمد بن إسماعيل البخاري في ((صحيحه)) في هذا الحديث: ((هو لك، هو أخوك يا عبد بن زمعة)) (١) وليس اللام للتمليك، وإنما هي للاختصاصِ، كقوله: ((الولد للفراش)). فأما لفظة قوله: «هو لك عبد))، فرواية باطلة لا تَصِحُّ أصلاً. وأما أمُره سودة بالاحتِجاب منه، فإما أن يكونَ على طريقِ الاحتياطِ والورع لمكان الشبهة التي أورثها الشَّبَهُ البَيِّنُ بعُتبة، وإما أن يكون مراعاةً للشَّبَهَيْنِ وإعمالاً للدليلين، فإن الفِراش دليلُ لحوق النسب، والشبه بغير صاحبه دليلُ نفيه، فأعمل أمَر الفراش بالنسبة إلى المدَّعي لقوته، وأعمل الشَّبه بعُتبة بالنسبة إلى ثبوت المحرمية بينه وبين سودة، وهذا مِن أحسن الأحكام وأبينها، وأوضحها، ولا يمنع ثبوتُ النسبِ مِن وجه دونَ وجه، فهذا الزاني يثبت النسبُ منه بينه وبين الولد في التحريم والبعضية دون الميراثِ والنفقةِ والولاية وغيرها، وقد يتخلَّف بعضُ أحكام النسب عنه مع ثبوته لمانع، وهذا كثيرٌ في الشريعة، فلا يُنكر مِن تخلُّف المحرمية بينَ سودة وبينَ هذا الغلام لمانع الشبه بعتبة، وهل هذا إلا محضُ الفقه؟ وقد علم بهذا معنى قوله: ((ليس لكِ بأخ))، لو صحت هذه اللفظة مع أنها لا تصِحُّ، وقد ضعفها أهلُ العلم بالحديث، ولا نُبالي بصحتها مع قوله لعبد: ((هُو أَخُوكَ)) وإذا جمعت أطرافَ كلام النبي ◌َّ، وقرنت قوله: ((هو أخوك)»، بقوله: ((الولد للفراش، وللعاهر الحجرُ)»، تبيَّن لك بطلانُ ما ذكروهُ من التأويل، وأن الحديثَ صريحٌ في خلافه لا يحتمِلُه بوجه والله أعلم. والعجب أن منازعينا في هذه المسألة يجعلُون الزوجة فراشاً لمجرد العقد، وإن كان بينها وبين الزوج بعد (١) أخرجه البخاري ١٩/٨ في المغازي: باب مقام النبي محل بمكة زمن الفتح. ٣٧١ ٧ المشرقين، ولا يجعلونَ سُرِّيّتَه التي يتكرَّر استفراشُه لها ليلاً ونهاراً فِراشاً. فصل واختلف الفقهاءُ فيما تصيرُ به الزوجة فراشاً، على ثلاثة أقوال. أحدُها: أنه نفسُ العقد وإن علم أنه لم يجتمع بها، بل لو طلَّقها عقيبَه في المجلس، وهذا مذهب أبي حنيفة . والثاني: أنه العقدُ مع إمكان الوطء، وهذا مذهب الشافعي وأحمد. والثالث: أنه العقدُ مع الدخول المحقَّقِ لا إمكانه المشكوك فيه، وهذا اختيارُ شيخ الإسلام ابن تيمية، وقال: إن أحمد أشار إليه في رواية حرب، فإنه نص في روايته فيمن طلق قبل البناء، وأتت امرأتُه بولد، فأنكره أنه ينتفي عنه بغير لعان، وهذا هو الصحيحُ المجزوم به، وإلا فكيف تصيرُ المرأة فراشاً ولم يدخُلْ بها الزوجُ، ولم يَبْنِ بها لمجرد إمكان بعيدٍ؟ وهل يَعُدُّ أهلُ العرف واللغة المرأة فراشاً قبل البناء بها، وكيف تأتي الشريعةُ بإلحاق نسبٍ بمن لم بينِ بامرأته، ولا دخلَ بها، ولا اجتمع بها بمجرَّدٍ إمكان ذُلك؟ وهذا الإِمكانُ قد يقطع بانتفائه عادة، فلا تصيرُ المرأة فِراشاً إلا بدخول محقق، وبالله التوفيق. وهذا الذي نص عليه في رواية حرب، هو الذي تقتضيه قواعِدُه وأصولُ مذهبه والله أعلم. الاختلاف فيما تصير به الأمة فراشاً واختلفوا أيضاً فيما تصير به الأمةُ فراشاً، فالجمهور على أنها لا تصير فراشاً إلا بالوطءِ، وذهب بعضُ المتأخرين من المالكية إلى أن الأمة التي تشترى للوطء دونَ الخِدمة، كالمرتفعة التي يُفهم من قرائن الأحوال أنها إنما تُراد للتسري، فتصير فِراشاً بنفس الشراء، والصحيح أن الأمة والحرة لا تصيران فِراشاً إلا بالدخول . فصل فهذا أحدُ الأمور الأربعة التي يثبتُ بها النسب، وهو الفراش. ٣٧٢ الاختلاف فيما تصير به الزوجة فراشاً الاستلحاق الثاني: الاستلحاق وقد اتفق أهلُ العلم على أن للأبِ أن يستلحِقَ، فأما الجدُّ، فإن كان الأبُ موجوداً لم يؤثر استلحاقه شيئاً، وإن كان معدوماً، وهو كُلُّ الورثة، صح إقراره، وثبت نسبُ المُقِرِّ به، وإن كان بعضَ الورثة وصدَّقوه، فكذلك، وإلا لم يثْبُتْ نسبه إلا أن يكون أحد الشاهدین فیه. والحكم في الأخ كالحكم في الجد سواء، والأصل في ذلك أن مَن حاز المالَ يثبت النسبُ بإقراره واحداً كان أو جماعة، وهذا أصلُ مذهب أحمد والشافعي، لأن الورثة قامُوا مقامَ الميت، وحلُّوا محلَّه. وأورد بعضُ الناس على هذا الأصل، أنه لو كان إجماعُ الورثة على إلحاق النسب يُثْبِتُ النسب، للزم إذا اجتمعوا على نفي حملٍ مِن أمة وطئها الميت أن يحلوا محلَّه في نفي النسب، كما حلوا محلَّه في إلحاقه، وهذا لاَ يَلْزَمُ، لأنا اعتبرنا جميعَ الورثة والحمل من الورثة، فلم يُجْمِعِ الورثة على نفيه. فإن قيل: فأنتم اعتبرتُم في ثبوت النسب إقرارَ جميع الورثة، والمقر هاهنا إنما هو عبدٌ، وسودةٌ لم تُقِرَّ به وهي أختُه، والنبيُّ ◌َ ﴿ ألحقَهُ بعبد باستلحاقه، ففيه دليل على استلحاق الأخ وثبوت النسب بإقراره، ودليلٌ على أن استلحاقَ أحدٍ الأخوة كافٍ. قيل: سودةُ لم تكن منكرة، فإن عبداً استلحقه، وأقرته سودةٌ على استلحاقه، وإقرارُها وسكوتُها على هذا الأمر المتعدي حكمُه إليها من خلوته بها، ورؤيتِه إياها وَصيرورتِه أخاً لها تصديقٌ لأخيها عَبْدٍ، وإقرارٌ بما أقر به، وإلا لبادرت إلى الإِنكارِ والتكذيبِ، فجرى رِضاها وإقرارُها مجرى تصدِيقِها، هذا إن كان لَمْ يَصْدُرْ منها تصديقٌ صريح، فالواقعة واقعةُ عين، ومتى استلحق الأخُ أو الجدُّ أو غيرُهما نسبَ من لو أقرَّ به مورثهم لحقه، ثبت نسبُه ما لم يكن هنا وارثٌ منازع، فالاستلحاقُ مقتضٍ لثبوتِ النسب، ومنازعة غيره مِن الورثة مانعٌ من الثبوتِ، فإذا وُجِدَ المقتضي، ولم يمنع مانعٌ من اقتضائه، ترتّبَ عليه حكمُه. ٣٧٣ ولكن هاهنا أمر آخر، وهو أن إقرارَ من حاز الميراثَ واستلحاقه: هل هو إقرارُ خلافةٍ عن الميت، أو إِقرارُ شهادة؟ هذا فيه خلافٌ، فمذهبُ أحمد والشافعي رحمهما الله، أنه إقرارُ خِلافة، فلا تُشترط عدالة المستلحق، بل ولا إسلامُه، بل يَصِحُّ ذُلك مِن الفاسق والدَّيِّن، وقالت المالكية: هو إقرارُ شهادة، فتعتبرُ فيه أهليةٌ الشهادة، وحكى ابن القصار عن مذهب مالك: أن الورثة إذا أقرُّوا بالنسب، لحق، وإن لم يكونوا عدولاً، والمعروف من مذهب مالك خلافُه. فصل الثالث: البينة، بأن يشهد شاهِدانِ أنَّه ابنه، أو أنه وُلِدَ على فراشه مِن زوجته، أو أمته، وإذا شهد بذلك اثنان من الورثة لم يلتفت إلى إنكار بقيتهم، وثبت نسبه، ولا يُعرف في ذلك نزاع . لبينة فصل الرابع: القافة، حكم رسولِ الله وَ له وقضاءُه باعتبار القافة وإلحاق النسب بها . القافة ثبت في ((الصحيحين)): من حديث عائشة رضي الله عنها قالت: دخل عليَّ رسول اللّهِ وَّهِ ذاتَ يومٍ مسروراً تَبْرُقُ أساريرُ وجهه، فقال: ((أَلَمْ تَرَيْ أَنَّ مُجَزِّزاً المُدْلِجِي نَظَر آنفاً إِلى زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ وأُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ وَعَلَيْهِمَا قَطِيفَةٌ قَدْ غَطََّا رُؤُوسَهُمَا وَبَدَتْ أَقْدَامُهُمَا، فقال: إِنَّ هذِهِ الأَقْدَامَ بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ)) (١)، فَسُرَّ (١) أخرجه البخاري ٦٩/٧ في فضائل أصحاب النبي ◌َير: باب مناقب زيد بن حارثة و٤٨/١٢ في الفرائض: باب القائف، ومسلم (١٤٥٩) في الرضاع: باب العمل بإلحاق القائف الولد. والمدلجي: نس، إلى مدلج بن مرة بن عبد مناف بن كنانة، وكانت القيافة فيهم، وفي بني أسد، والعرب تعترف لهم بذلك، قال الحافظ: وليس ذلك خاصاً بهم على الصحيح، فقد أخرج يزيد بن هارون في الفرائض بسند صحيح إلى سعيد بن المسيب أن عمر كان قائفاً أورده في قصة، وعمر قرشي ليس مدلجيا ولا أسدياً، لا أسد قريش، ولا أسد خزيمة، وفي مصنف عبد الرزاق (١٣٨٣٧) عن = ٣٧٤ النبيّ ◌َّهُ بقول القائف ولو كانت كما يقول المُنازِعُونَ مِن أَمر الجاهلية كالكهانة ونحوها لما سُرَّ بها، ولا أُعْجِبَ بِهَا، ولكانت بمنزلة الكهانة. وقد صحَّ عنه وعيدُ مَن صَدَّقَ كاهناً. قال الشافعي: والنبيُّ ◌َّة أثبته عِلماً، ولم يُنْكِرِه، ولو كان خطأ لأنكره، لأن في ذلك قذفَ المحصَناتِ، ونفيَ الأنساب، انتهى. كيف والنبيُّ ◌َ﴿ قد صرَّح في الحديث الصحيح بصحتها واعتبارِها، فقال في ولد الملاعنة: إن جاءت به كذا وكذا فهو لهلالِ بنِ أمية، وإن جاءت به كذا وكذا فهو لشريك بن سَحْماء)»، فلما جاءت به على شَبَهِ الذي رُمِّيَتْ به قال: ((لَوْلاً الأَيْمَان لَكَانَ لِي وَلَهَا شَأْنٌ)(١) وهل هذا إلا اعتبار للشبه وهو عينُ القافة، فإن القائِفَ يتبعُ أَثْرَ الشبه، وينظرُ إلى من يتَّصِلُ، فيحكم به لصاحب الشبه، وقد اعتبر النبي ◌َّ الشبه وبيَّن سببه، ولهذا لما قالت له أم سلمة: أو تحتلم المرأة، فقال: ((مِمَّ يَكُونُ الشَّبَهُ»(٢) . وأخبر في الحديث الصحيح، أن ماء الرَّجُل إذا سَبَقَ ماءَ المرأة، كان الشَّبَهُ لَهُ، وإِذا سَبَقَ مَاؤُهَا مَاءَهُ، كان الشَّبَهُ لَهَا))(٣). فهذا اعتبار منه للشبه شرعاً وقدراً، وهذا أقوى ما يكون مِن طرق الاحكام أن يتوارَد عليه الخلقُ والأمرُ والشرعُ والقدرُ، ولهذا تبعه خلفاؤه الراشِدُونَ في الحُكم بالقَافة . قال سعيد بن منصور: حدثنا سفيان، عن يحيى بن سعيد، عن سليمان بن معمر عن أيوب عن ابن سيرين أثر يعترف فيه عمر أنه من القافة . = (١) هذا لفظ أحمد (٢١٣١) وأبي داود (٢٢٥٦) والطيالسي (٢٦٦٧) من رواية عباد بن منصور، عن عكرمة، عن ابن عباس، ولفظ البخاري ٣٤١/٨ ((لولا ما مضى من كتاب الله، لكان لي ولها شأن)). (٢) أخرجه البخاري ٢٠٢/١، ٢٠٣ في العلم: باب الحياء في العلم، ومسلم (٣١٣) في الحيض: باب وجوب الغسل على المرأة بخروج المني منها. (٣) أخرجه البخاري ٢٦١/٦ في الأنبياء: باب خلق آدم وذريته. ٣٧٥ يسار، عن عمر في امرأة وَطئهَا رجلانِ في طهرٍ، فقال القائفُ، قد اشتركا فيه جميعاً، فجعلَه بينهما (١). قال الشعبي: وعلي يقول: هو ابنُهما، وهما أبواه يرثانه، ذكره سعيد أيضاً. وروى الأثرم بإسناده، عن سعيد بن المسيِّب، في رجلين اشتركا في طُهْرٍ امرأةٍ، فحملت، فولَدَتْ غُلاماً يُشبههما، فرُفعَ ذلك إلى عمرَ بنِ الخطاب، فدعا القافة، فنظرُوا، فقالوا: نراه يُشبِهُهُمَا، فألحقه بهما، وجعَلَه يَرثُهما ويرثانه. ولا يُعْرَفُ قطُّ في الصحابة مَنْ خالف عمر وعلياً رضي الله عنهما في ذلك، بل حكم عمر بهذا في المدينة، وبحَضرته المهاجرون والأنصار، فلم يُنْكِرْهُ منهم منكر . حجج من أنكر ثبوت النسب بالقافة قالت الحنفية: قد أجلبتم علينا في القافة بالخيلِ والرَّجِلِ، والحُكْمُ بالقيافة تعويلٌ على مجرَّد الشَّبه والظن والتخمينِ، ومعلوم أن الشَّبه قد يُوجد من الأجانب، وينتفي عن الأقارب، وذكرتُم قِصة أسامة وزيد، ونسيتُم قِصةَ الذي ولدت امرأتُه غلاماً أسود يُخالِفُ لونَهما، فلم يُمكنه النبيُّ ◌َّ من نفيه، ولا جَعَلَ للشبه ولا لِعدمه أثراً، ولو كان لِلشبه أثر، لاكتفى به في وَلِدِ الملاعنة، ولم يحتج إلى اللعان، ولكان ينتظِرُ ولادته، ثم يُلحق بصاحب الشبه، ويستغني بذلك عن اللعان، بل كانَ لا يَصِحُّ نفيُهُ مع وجودِ الشبه بالزوج، وقد دَلَّت السنةُ الصحيحةُ الصريحة على نفيه عن الملاعن، ولو كان الشبه له، فإن النبيّ ◌َّ قال: ((أبْصِرُوها فإِن جَاءَتْ بِهِ كَذَا وكَذَا، فَهُوَ لِهِلال بْنِ أُميَّة))، وهذا قاله بعد اللِّعان ونفي النسب عنه، فعُلِمَ أنه لو جاء على الشبه المذكور، لم يَثْبُتْ نسبُه منه، وإنما كان مجيئه علی شبهه دليلاً علی کذبه، لا على لحوق الولد به. قالوا: وأما قصةُ أسامةَ وزيدٍ، فالمنافقون كانوا يطعنون في نسبه من زيد (١) رجاله ثقات إلا أن سليمان بن يسار لم يدرك عمر، لكنه يتقوى برواية الأثرم الآتية. ٣٧٦ المخالفة لونه لون أبيه، ولم يكونوا يكتفون بالفِراش، وحكم الله ورسُولُه في أنه ابنُه، فلما شهد به القائفُ وافقت شهادتُه حكمَ اللّهِ ورسوله، فسر به النبي ◌َّ لموافقتِها حكمه، ولتكذيبها قولَ المنافقين، لا أنه أثبت نسبه بها، فأين في هذا إِثباتُ النسب بقول القائف؟ قالوا: وهذا معنى الأحاديث التي ذكر فيها اعتبارُ الشبه، فإنها إنما اعتبرت فيه الشبه بنسب ثابت بغير القافة، ونحن لا نُنكِرُ ذلك. قالوا: وأما حكم عمر وعلي، فقد اختُلِفَ على عمر، فرُوي عنه ما ذكرتُم، ورُوي عنه أن القائف لما قال له: قد اشتركا فيه، قال وَالِ أيَّهما شئت (١). فلم يعتبر قولَ القائف . قالوا: وكيف تقولون بالشبه، ولو أقر أحدُ الورثة بأخ، وأنكره الباقون، والشَّبَهُ موجود، لم تُشِتُوا النسبَ به، وقلتُم: إن لم تتفق الورثة على الإِقِرارِ به لم يثبُتِ النَّسَبُ؟ قال أهلُ الحديث: مِن العجب أن يُنكِرَ علينا القولَ بالقافة، ويجعلَها مِن باب الحَدْسِ والتخمين مَنْ يُلْحِقُ ولدَ المشرقي بمن في أقصى المغرب، مع القطع بأنهما لم يتلاقيا طرفةَ عين، ويُلحق الولَد باثنين مع القطع بأنه ليس ابناً لأحدهما، ونحنُ إنما ألحقنا الولدَ بقول القائف المستند إلى الشبه المعتبر شرعاً وقدراً، فهو استناد إلى ظن غالب، ورأي راجح، وأمارة ظاهرة بقول من هو مِن أهل الخبرة، فهو أولى بالقبول مِن قول المقومين، وهل يُنكر مجيءُ كثير من الأحكام مستنداً إلى الأمارات الظاهرة، والظنون الغالبة؟ رد المثبتين على النافين وأما وجود الشبه بين الأجانب، وانتفاؤه بين الأقارب، وإن كان واقعاً، (١) أخرجه مالك في ((الموطأ)) ٧٤٠/٢ من حديث يحيى بن سعيد، عن سليمان بن يسار، ورجاله ثقات كما تقدم إلا أنه منقطع. ٣٧٧ فهو مِن أندر شيء وأقَلِّه، والأحكام إنما هي للغالب الكثير، والنادرُ في حكم المعدوم . وأما قصة من ولدت امرأتُه غلاماً أسود، فهو حجةٌ عليكم، لأنها دليل على أن العادة التي فطر اللّهُ عليها الناسَ اعتبارُ الشبه، وأن خلافَه يُوجب رِيبة، وأن في طباع الخلق إنكارَ ذُلك ولكن لما عارض ذلك دليلٌ أقوى منه وهو الفِراش، كان الحكمُ للدليل القوي، وكذلك نقول نحن وسائر الناس: إن الفراش الصحيح إذا كان قائماً، فلا يُعارَض بقافة ولا شَبَهِ، فمخالفةٌ ظاهر الشبه لدليلٍ أقوى منه - وهو الفِراشُ - غيرُ مستنكر، وإنما المستنكرُ مخالفةٌ هذا الدليل الظاهر بغير شيء. وأما تقديمُ اللعان على الشبه، وإلغاءُ الشبه مع وجوده، فكذلك أيضاً هو مِن تقديم أقوى الدليلين على أضعفهما، وذلك لا يمنع العملَ بالشبه مع عدم ما يُعارضه، كالبينة تُقدم على اليد والبراءة الأصلية، ويُعمل بهما عند عدمهما . وأما ثبوتُ نسبٍ أُسامة من زيد بدون القيافة، فنحن لم نُثبت نسبه بالقيافة، والقيافةُ دليل آخر موافق لدليل الفِراش، فسرورُ النبيِ﴿، وفرحُه بها، واستبشارُه لتعاضُد أدلة النسب وتضافرها، لا لإثبات النسب بقولِ القائف وحدَه، بل هو من باب الفرح بظهور أعلام الحق وأدلته وتكاثرها، ولو لم تصلُح القيافةُ دليلاً لم يَفْرَحْ بها ولم يُسر، وقد كان النبيُّ ◌ٍَّ يفرح ويُسر إذا تعاضدت عنده أدلةُ الحق، ويُخبر بها الصحابةَ، ويُحب أن يسمعوها من المخبر بها، لأن النفوسَ تزدادُ تصديقاً بالحق إذا تعاضدت أدلته، وتُسرُّ به وتفرح، وعلى هذا فطر اللّهُ عباده، فهذا حكم اتفقت عليه الفطرة والشرعة وبالله التوفيق. وأما ما رُوي عن عمر أنه قال: وَالِ أيهما شئت، فلا تعرف صحته عن ٣٧٨ عمر، ولو صحّ عنه لكان قولاً عنه، فإن ما ذكرنا عنه في غاية الصحة(١)، مع أن قوله: وال أيهما شئت ليس بصريح في إبطال قول القائف، ولو كان صريحاً في إبطال قوله، لكان في مثل هذا الموضع إذا ألحقه باثنين، كما يقوله الشافعي ومن وافقه. وأما إذا أقر أحدُ الورثة بأخ، وأنكره الباقون، فإنما لم يثبُتْ نسبُه لمجرد الإقرار، فأما إذا كان هناك شبهٌ يستنِدُ إليه القائف، فإنه لا يُعتبر إنكارُ الباقين، ونحن لا نقصُر القَافَةَ على بني مُدْلِج، ولا نعتبِرُ تعدد القائف، بل يكفي واحد على الصحيح بناء على أنه خبر، وعن أحمد رواية أخرى: أنه شهادة، فلا بد من اثنين، ولفظُ الشهادة بناء على اشتراط اللفظ. فإن قيل: فالمنقول عن عمر أنه ألحقه بأبوين، فما تقولون فيما إذا إذا لحقته القافة بأكثر من ألحقته القافة بأبوين، هل تُلحِقُونه بهما، أو لا تُلحقونه إلا بواحدٍ، وإذا أب فهل يلحق بهم؟ ألحقتمُوه بأبوين، فهل يختصُّ ذلك باثنين، أم يلحقُ بهم وإن كثروا، وهل حُكمُ الاثنين في ذلك حكم الأبوين أم ماذا حُكمهما؟ قيل: هذه مسائل فيها نزاع بين أهل العلم، فقال الشافعي ومن وافقه: لا يُلحق بأبوين، ولا يكون للرجل إلا أبٌّ واحد، ومتى ألحقته القافة باثنين، سقط قولُها، وقال الجمهورُ: بل يلحق باثنين، ثم اختلفوا، فنص أحمد في رواية مهنا بن يحيى: أنه يُلحق بثلاثة، وقال صاحب المغني: ومقتضى هذا أنه يُلحق بمن ألحقته القافةُ به وإن كثروا، لأنه إذا جاز إلحاقُه باثنين، جاز إلحاقه بأكثرَ من ذلك، وهذا مذهب أبي حنيفة، لكنه لا يقولُ بالقافة، فهو يُلحقه بالمدَّعين وإن كثروا، وقال القاضي: يجب أن لا يُلحق بأكثر من ثلاثة، وهو قولُ محمد بن الحسن، وقال ابنُ حامد: لا يُلحق بأكثرَ من (١)) ربما يكون مراد المصنف رحمه الله أن الحديث بطريقيه طريق سليمان بن يسار وطريق سعيد بن المسيب في غاية الصحة. ٣٧٩ اثنين، وهو قولُ أبي يوسف، فمن لم يُلحقه بأكثرَ من واحد، قال: قد أجرى الله سبحانه عادته أن للولد أباً واحداً، وأماً واحدة، ولذلك يُقال: فلانُ ابن فلان، وفلان ابن فلانة فقط. ولو قيل: فلان ابن فلان وفلان، لكان ذلك منكراً. وعُد قذفاً، ولهذا إنما يُقال يومَ القيامة: أين فُلان ابن فلان؟ وهذه غَدْرَةُ فلان ابن فلان، ولم يُعهد قطُّ في الوجود نسبة ولد إلى أبوين قط، ومن ألحقه باثنين، احتج بقول عمر، وإقرار الصحابة له على ذلك. وبأن الولد قد ينعقِدُ من ماء رجلين، كما ينعقد من ماء الرجل والمرأة، ثم قال أبو يوسف: إنما جاء الأثرُ بذلك، فيُقتصر عليه. وقال القاضي: لا يتعدى به ثلاثة، لأن أحمد إنما نص على الثلاثة، والأصل ألا يُلحق بأكثَر مِن واحد، وقد دل قول عمر على إلحاقه باثنين مع انعقاده من ماء الأم، فدل على إمكان انعقاده من ماء ثلاثة، وما زاد على ذلك، فمشكوكٌ فيه. قال المُلْحِقُونَ له بأكثرَ مِن ثلاثة: إذا جاز تخليقه من ماء رجلين وثلاثة، جاز خلقُه مِن ماء أربعة وخمسة، ولا وجه لاقتصاره على ثلاثة فقط، بل إما أن يُلحق بهم وإن كُثروا، وإما أن لا يتعدى به أحد، ولا قول سوى القولين والله أعلم. فإن قيل: إذا اشتمل الرحمُ على ماء الرجل، وأراد الله أن يخلُق منه الولدَ، انضم عليه أحكمَ انضمام، وأتمّه حتى لا يَفْسُدَ، فكيف يدخل عليه ماء آخر؟ قيل: لا يمتنعُ أن يَصِلَ الماءُ الثاني إلى حيث وصل الأول، فينضم عليهما، وهذا كما أن الولدَ ينعقِد من ماءِ الأَبَويْنِ، وقد سبق ماءُ الرجل ماء المرأة أو بالعكس، ومع هذا فلا يمتنعُ وصولُ الماء الثاني إلى حيث وصل الأول، وقد علِم بالعادة أن الحامل إذا تُوبع وطؤها، جاء الولد عبل(١) (١) هذه الملاحظة نابية عن الصواب، فإن المشاهد المحسوس أن الجنين يسمن من ترف الحامل، وكثرة تغذيها بالمواد الدسمة بدون حركة منها، ولو لم يطأها زوجها طول مدة الحمل ولا مرة، والحيوان المنوي يلتقي بالبويضة فيخترقها، ويذهب بها إلى = ٣٨٠