Indexed OCR Text

Pages 321-340

المتلاعنين، فشهد الرجلُ أربعَ شهادات بالله إنَّهُ لَمِنَ الصادقين، ثم لعن الخامسةَ
أنَّ لعنةَ اللّهِ عليه إن كانَ مِنَ الكَاذِبِينَ، فذهبتْ لتلعنَ، فقال لها رسولُ اللَّهِ رَّةُ:
(مَهْ)) فَأَبَتْ، فَلَعَنَتْ، فلما أدبر، قال: لَعَلَّهَا أَنْ تَجِيءَ بِهِ أَسْوَدَ جَعْدَا)) فجاءَتْ بِهِ
(١)
أُسْوَدَ جَعْداً(١) .
وفي ((صحيح مسلم)) من حديث أنس بن مالك، أن هِلالَ بن أمية قذف
امرأته بِشَرِيك بْنِ سَحْمَاء، وكان أخا البرَاءِ بنِ مالكِ لأمِّه، وكان أوَّلَ رجلٍ
لاعن في الإِسلام، فقال النبيُّ ◌َّهُ: ((أَبْصِرُوهَا فَإِنْ جَاءَتْ بِهِ أَبْيَضَ سَبِطاً
قضيَءَ العَيْنَيْنِ، فَهُوَ لهلالِ بْن أُمَيَّة، وَإِنْ جَاءَتْ بِهِ أَكْحَلَ جَعْداً حَمْشَ
السَّاقَيْنِ، فَهُوَ لِشَريكِ بن سَحْمَاء، قال: فَأَنبئتُ أَنها جاءت به أكحلَ جعداً
حَمْش السَّاقين(٢) .
وفي ((الصحيحين)): من حديث ابن عباس نحوُ هذه القصة، فقال له
رجل: أهي المرأةُ التي قال رسولُ اللهِ وَّهِ: ((لَوْ رَجَمْتُ أَحَدَاً بِغَيْرٍ بَيِّنَةٍ لَرَجَمْتُ
هذِهِ)، فقال ابنُ عباس: لا، تِلْكَ امرأة كانت تُظْهِرُ في الإِسْلامِ السُّوءَ(١).
ولأبي داود في هذا الحديث عن ابن عباس، ففرَّق رسولُ اللّهِ وَّ بَيْنَهُما
وقضى أن لا يُدعى ولدُها لأب، ولا تُرمى، ولا يُرمى ولدُها، ومَنْ رماها،
أو رمى ولدها، فعليه الحدُّ، وقضَى ألاَّ بَيْتَ لها عليه، ولا قوت من أجل
أنهما يتفرَّقان مِن غير طلاق، ولا متوفى عنها (٤).
أخرجه مسلم (١٤٩٥).
(١)
أخرجه مسلم (١٤٩٦) وقضيء العينين: فاسدهما بكثرة دمع أو حمرة أو غير ذلك.
(٢)
أخرجه البخاري ٩/ ٤٠٥، ٤٠٦ في الطلاق: باب قول الإمام: اللهم بيِّن، ومسلم
(٣)
(١٤٩٧).
(٤) أخرجه أبو داود (٢٢٥٦) في الطلاق: باب في اللعان، وأحمد (٢١٣١) والطيالسي
(٢٦٦٧) والطبري ٦٥/١٨، ٦٦، وفي سنده عباد بن منصور وهو ضعيف لسوء
حفظه وتغيره وتدليسه، لكن ذكر الحافظ في ((التلخيص)) ٢٢٧/٣ عن علل الخلال
من طريق ابن إسحاق ذكر عمرو بن شعيب عن أبيه، عن جده نحوه.
٣٢١
زاد المعاد ج ٥-م١١

وفي القصة قال عكرمة: فكان بعد ذلك أميراً على مصر وما يُدعى
لأب.
وذكر البخاري: أن هلالَ بن أمية قذف امرأتُه عند رسولِ اللهِ
وستاه.
ـبي
صهـ
بشريكِ بن سَحْمَاء، فقال النبيُّ ◌َّهُ: ((البَيِّنَةُ أَوْ حَدٌّ فِي ظَهْرِكَ))، فقال: يا
رسولَ اللَّهِ: إذا رأى أحدُنا على امرأتِه رجلاً ينطلِقُ يلتمِسُ البينة؟ فجعل
رسولُ اللهِ وَّةِ يقول: ((البَيِّنَهُ وإلاَّ حَدٌّ في ظَهْرِكَ))، فقال: والذي بعثك بالحق
إني لصَادِقٌ، وليُنْزِلَنَّ اللَّهُ ما يُبرِّئُ ظَهْرِي مِن الحَدِّ، فنزلَ جبريلُ عليه
السلام، وأنزل عليه: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْواجَهُم ... ﴾. الآيات، فانصرفَ
النبيُّ تَُّ إليها، فجاء هِلال، فشهِدَ والنبيُّ نَّه يقول: ((إنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ أَنَّ
أَحَدَكُمَا كَاذِبٌ فَهَلْ مِنْكُمَا تَائِبٌ))؟ فَشَهِدَت، فلما كانت عند الخامسةِ
وقّفُوها، وقالوا: إنها مُوجِبَة، قال ابنُ عباس رضي الله عنهما: فتلكَّأَت
ونَكَصَتْ حَتَّى ظَنَّا أنها تَرْجِعُ، ثم قالت: لا أَفْضِحُ قَوْمِي سَائِرَ اليومِ،
فَمَضَتْ، فقال النبيُّ ◌َّهُ: ((أَبْصِرُوهَا فَإِنْ جَاءَتْ بِهِ أَكْحَلَ العَيْنَيْنِ، سَابِغَ
الأَلْيَتَيْنِ، خَدَلَّجِ السَّاقَيْن، فَهُوَ لَشَرِيكِ بن سَحْمَاء))، فجاءت به كذلكَ، فقال
النبي ◌ََّ: (لَوْلاَ مَا مَضَى مِنْ كِتَابِ اللهِ كَانَ لِي وَلَهَا شَأْنٌ)) (١).
وفي ((الصحيحين)): أن سعدَ بنَ عُبادة، قال: يا رسولَ اللَّهِ! أرأيتَ
الرَّجُلَ يَجِدُ مع امرأتِهِ رجلاً أيقتُله؟ فقال رسولُ الله ◌َّه: لا، فَقَالَ سَعْدٌ: بَلَى
والّذي بعثك بالحقِّ، فقال رسولُ اللَّهِ وََّ: ((اسْمَعُوا إلى مَا يَقُولُ سَيِّدُكُمْ)):
وفي لفظٍ آخَرَ: يا رسولَ اللهِ! إن وجدتُ مع امرأتي رجلاً أُمْهِلُه حتى آتي
بأربعة شهداء؟ قال: ((نعم)). وفي لفظ آخر: لو وجَدْتُ مع أَهْلي رجلاً لم
أهجْهُ حَتَّى آتيَّ بأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ؟ قال رسولُ اللّهِ وَله: ((نعم))، قال: كلاًّ والَّذي
(١) أخرجه البخاري ٣٤١/٨ في تفسير سورة النور: باب الخامسة أن لعنة الله عليه إن
كان من الكاذبين.
٣٢٢

بَعَثَكَ بِالحَقِّ نَبِيًّا إِنْ كُنْتُ لُأُعاجلُهُ بِالسَّيْفِ قَبْلَ ذلِكَ، قَالَ رسولُ اللَّهِ وَ﴾.
((اسْمَعوا إلى ما يقُولُ سَيِّدُكُمْ إِنَّه لَغَيُورٌ وَنَا أَغْيَرُ مِنْهُ، واللَّهُ أَغْيَرُ مِنِّي)) .
وفي لَفْظٍ: لو رأيتُ مَعَ امرأتي رجلاً لضربتُه بالسَّيْفِ غَيْرَ مُصْفَح، فقال
النبيُّ ◌َ ﴿: ((أَتَعْجَبُونَ مِنْ غَيْرَةِ سَعْدٍ، فَوَاللَّهِ لأَنَا أَغْيَرُ مِنْهُ، واللَّهُ أَغْيَرُّ مِنِّي،
ومِنْ أَجْلِ ذلِكَ حَرَّمَ الفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا ومَا بَطَنَ، ولا شَخْصَ أَغْيَرُ مِنَ
اللَّهِ، ولا شَخْصَ أَحَبُّ إِلَيْهِ العُذْرُ مِنَ اللَّهِ، مِنْ أَجْلِ ذلِكَ بَعَثَ اللَّهُ المُرْسَلِينَ
مُبَشِّرِينَ ومُنْذَرِينَ، ولا شخص أَحَبُ إِلَيْهِ المِدْحَةُ مِنَ اللَّهِ، مِنْ أَجْلِ ذلِكَ وَعَدَ
اللَّهُ الجَنََّ)(١).
فصل
واستُفيدَ من هذا الحكم النبويِّ عدَةُ أحكام.
الحكم الأول: أن اللعانَ يَصِحُ من كل زوجين سواءً كانا مسلمين أو
كافريْنِ، عدلين أو فاسقيْنِ محدودين في قذف، أو غير محدودين، أو أحدهما
كذلك، قال الإِمام أحمد في رواية إسحاق بن منصور: جميعُ الأزواج يلتعِنُونَ،
الحُر من الحرة والأمة إذا كانت زوجة، والعبد من الحرة والأمة إذا كانت زوجة،
والمسلم من اليهودية والنصرانية،، وهذا قول مالك وإسحاق وقولُ سعيد بن
المسیب، والحسن، وربيعة، وسليمان بن يسار.
يصح اللعان من كل
زوجين وإن كانا فاسقين
محدودين في قذف أو
کافرین
وذهب أَهلُ الرأي، والأوزاعي، والثوري، وجماعة إلى أن اللِّعان لا يكون
إلا بينَ زوجينٍ مسلمين عدلين حرين غير محدودين في قذف، وهو روايةٌ عن
أحمد.
من قال بأن اللعان
لا يكون إلا بين زوجين
مسلمين عدلين حرين
غير محدودين في قذف
ومأخذ القولين، أن اللعان يجمع وصفين: اليمينَ والشهادةَ، وقد سماه
(١) أخرجه البخاري ١٥٤/١٢، ١٥٥ في الحدود: باب من رأى مع امرأته رجلاً فقتله،
ومسلم (١٤٩٨) و(١٤٩٩).
٣٢٣

الله سبحانه شهادةً، وسماه رسولُ اللَّهِ بَلٍ يميناً حيث يقول: «لَوْلاَ الأَيمَانُ، لَكَانَ
لي وَلَهَا شأنٌ»، فمن غلّب علیه حُكم الأیمان قال: يَصِحُّ مِن کل من یصح یمینه :
قالوا: ولعموم قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْواجَهُمْ﴾، قالوا: وقد سمّاه
رسول الله ◌ٍَّ يميناً. قالوا: ولأنه مفتقر إلى اسم الله، وإلى ذكر القسم المؤكد
وجوابه. قالوا: ولأنه يستوي فيه الذكر والأنثى، بخلاف الشهادة. قالوا: ولو كان
شهادة، لما تكرّر لفظُه، بخلاف اليمين، فإنه قد يشرع فيها التكرار، كأيمان
القسامة. قالوا: ولأن حاجة الزوج التي لا تَصِحُّ منه الشهادة إلى اللعان ونفي
الولد، كحاجة من تَصِحُّ شهادته سواء، والأمر الذي ينزل به مما يدعو إلى اللعان،
كالذي ينزلُ بالعدل الحر، والشريعة لا ترفع ضررَ أحدِ النوعين، وتجعلُ له فرجاً
ومخرجاً مما نزل به، وتدُ النوع الآخر في الآصار والأغلال، لا فرج له مما نزل
به، ولا مخرج، بل يستغيثُ فلا يُغاث، ويستجييرُ فلا يُجار، إن تكلَّمَ تكلّم بأمر
عظيم، وإن سكت سكت على مثله، قد ضاقت عنه الرحمةُ التي وسعت من تَصِحُّ
شهادته، وهذا تأباه الشريعةُ الواسعة الحنيفية السمحةُ.
قال الآخرون: قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْواجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ
شُهَدَاءُ إِلاَّ أَنْفُسُهُم، فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ﴾، وفي الآية دليل من ثلاثة
أوجه.
أحدها: أنه سبحانه استثنى أنفسَهم مِن الشهداء، وهذا استثناءٌ مَّصِلٌ قطعاً،
ولهذا جاء مرفوعاً.
والثاني: أنه صرح بأن التعانَهم شهادة، ثم زاد سبحانه هذا بياناً، فقال:
﴿وَيَدْرَؤُ عَنْهَا العَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الكَاذِبِينَ﴾
والثالث: أنه جعله بدلاً من الشهود، وقائماً مقامَهم عند عدمهم.
حمدالله قال :
قالوا: وقد روى عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، أن النبيَّ
((لاَ لِعَانَ بَيْنَ مَمْلُوكَيْنٍ وَلاَ كَافِرَيْنٍ))، ذكره أبو عمر بن عبد البر في ((التمهيد)).
٣٢٤

وذكر الدارقطني من حديثه أيضاً، عن أبيه، عن جده مرفوعاً: ((أَرْبَعَةٌ لَيْسَ
بَيْنَهُمْ لِعَانٌ: لَيْسَ بَيْنَ الحُرِّ والأمةِ لِعَانٌ، وَلَيْسَ بَيْنَ الحُرَّةِ والعَبْدِ لِعَانٌ، ولَيْسَ بَيْنَ
المُسْلِمِ وَالْيَهُودِيَّةِ لِعَانٌ، وَلَيْسَ بَيْنَ المُسْلِمِ والنَّصْرَانِيَّةِ لِعَانٌ)) (١).
وذكر عبد الرزاق في ((مصنفه))، عن ابن شهاب، قال: من وصية النبي الصلاة
لِعتَّاب بن أَسِيد: أن لا لِعان بين أربع، فذكر معناه(٢).
قالوا: ولأن اللِّعانَ جُعِلَ بدلَ الشهادة، وقائماً مقامَها عند عدمها فَلا يَصِحُّ
إلا ممن تصح منه، ولهذا تُحدُّ المرأة بِلعان الزَّوج، ونُكولها تنزيلاً للعانه منزلةً
أربعة شهود.
قالُوا: وأما الحديثُ: (لولا مَا مَضَى مِنَ الأَيْمَانِ، لَكَانَ لِي وَلَهَا شَأْنٌ))،
فالمحفوظ فيه: لولا ما مضى من كتاب الله، هذا لفظ البخاري في («صحيحه)).
وأما قوله: لَوْلا مَا مَضَى مِنَ الأَيْمَانِ، ، فمن رواية عباد بن منصور، وقد تكلم فيه
غير واحد. قال يحيى بن معين: ليس بشيء. وقال علي بن الحسين بن الجنيد
الرازي: متروك قدري. وقال النسائي: ضعيف.
وقد استقرت قاعدة الشريعة أن البينةَ على المدَّعي، واليمينَ على المذَّعَى
عليه، والزوج ها هنا مُدَّعٍ، فلِعانُه شهادة، ولو كان يميناً لم تُشرع في جانبه .
قال الأولون: أما تسميتُه شهادةً، فلقول الملتعِنِ في يمينه، أشهد بالله،
فسمي بذلك شهادة، وإن كان يميناً اعتباراً بلفظها. قالوا: وكيف وهو مصرَّح فيه
(١) أخرجه الدارقطني ١٦٣/٣، وفي سنده عثمان بن عبد الرحمن الوقاصي وهو متروك
الحديث، وأخرجه هو وابن ماجه (٢٠٧١) منَ طريق آخر وفيه عثمان بن عطاء
الخراساني وهو ضعيف جداً، وروي عن الأوزاعي وابن جريج - وهما إمامان -
عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قوله ولم يرفعاه، انظر ((المصنف)) (١٢٥٠٨)
و((سنن الدارقطني)).
(٢) أخرجه عبد الرزاق (١٢٤٩٨).
٣٢٥

بالقسم وجوابه، وكذلك لو قال: أشهد باللّهِ، انعقدت يمينُه بذلك، سواء نوى
اليمينَ أو أطلق، والعربُ تَعُدُّ ذلك يميناً في لغتها واستعمالها. قال قيس :
فَهِذَا لَهَا عِنْدِي فَمَا عِنْدَهَا لِيَا (١)
فَأَشْهَدُ عِنْدَ اللَّهِ أَنِّي أُحِتُّهَا
وفي هذا حجة لمن قال: إن قوله: ((أشهد)) تنعقِد به اليمين، ولو لم يقُلْ:
باللّهِ، كما هو إحدى الروايتين عن أحمد. والثانية، لا يكون يميناً إلا بالنيةٍ، وهو
قولُ الأكثرين. كما أن قوله: أشهد بالله يمين عند الأكثرين بمطلقه.
قالوا: وأما استثناؤُه سبحانه أنفسَهم مِن الشهداء، فيقال أولاً: ((إلا)) ها
هنا: صفة بمعنى غير، والمعنى: ولم يكن لهم شهداء غيرُ أنفسهم، فإن ((غیراً)»،
و((وإلاَ)) يتعاوضان الوصفية والاستثناء، فيُستثنى بـ(غير)) حملاً على ((إِلاَّ)،
ويُوصف بـ(إلاَ)) حملاً على ((غير)).
ويقال ثانياً: إن ((أنفسهم)) مستثنى من الشهداء، ولكن يجوز أن يكون
منقطعاً على لغة بني تميم، فإنهم يُبدلون في الانقطاع، كما يُبْدِل أهلُ الحجاز وهم
في الاتصال.
ويقال ثالثاً: إنما استثنى ((أنفسهم)) من الشهداء لأنه نزَّلهم منزلتهم في قبول
قولهم، وهذا قوي جداً على قول من يرجم المرأة بالتعان الزوج إذا نكلت وهو
الصحيح، كما يأتي تقريره إن شاء الله تعالى. والصحيح: أن لعانهم يجمع
الوصفين، اليمين والشهادة، فهو شهادة مؤكّدة بالقسم والتكرار، ويمين مغلَّظة
بلفظ الشهادة والتكرار لاقتضاء الحال تأكيد الأمر، ولهذا اعتبر فيه من التأكيد
عشرة أنواع.
أنواع التأكيد في الشهادة
على اللعان
أحدها: ذكر لفظ الشهادة.
(١) البيت في ديوانه ص ٣٠٠ من قصيدته التي مطلعها.
تذكَّرْتُ لَيْلَى والسِّنِينَ الخَوَاِيا
وأَيَّامَ لاَ نَخْشَى عَلَى الَّهْوِ نَاهِيَا
٣٢٦

الثاني: ذكر القسم بأحد أسماء الربَّ سبحانه وأجمعها لمعاني أسمائه
الحسنى، وهو اسم الله جَلَّ ذِكرُه.
الثالث: تأكيدُ الجواب بما يُؤكِّد به المقسم عليه: من ((إن، واللام))، وإتيانه
باسم الفاعل الذي هو صادق وكاذب دون الفعل الذي هو صدق وكذب.
الرابع: تكرارُ ذلك أربع مرات.
الخامس: دعاؤه على نفسه في الخامسة بلعنة الله إن كان من الكاذبين.
السادس: إخبارُه عند الخامسة أنها الموجِبةُ لعذاب الله، وأن عذاب الدنيا
أهونُ مِن عذاب الآخرة.
السابع: جعل لعانه مقتضى لحصول العذاب عليها، وهو إما الحدُّ أو
الحبسُ، وجعل لعانها دارئاً للعذاب عنها.
الثامن: أن هذا اللعان يُوجب العذاب على أحدهما إما في الدنيا، وإما في
الآخرة.
التاسع: التفريقُ بين المتلاعنين، وخرابُ بيتها، وكسرها بالفراق.
العاشر: تأبيد تلك الفرقة ودوام التحريم بينهما، فلما كان شأنُ هذا اللعانِ
هذا الشأن، جُعِلَ يميناً مقروناً بالشهادة، وشهادة مقرونة باليمين، وجعل الملتعن
لقبول قوله كالشاهد، فإن نكلت المرأةُ، مضت شهادته وحُدَّتْ، وأفادت شهادتُه
ويمينهُ شيئين: سقوط الحد عنه، ووجوبه عليها. وإن التعنت المرأة وعارضت
لعانه بلعان آخر منها، أفاد لعانُه سقوطَ الحد عنه دون وجوبه عليها، فكان شهادة
ويميناً بالنسبة إليه دونها، لأنه إن كان يميناً محضة فهي لا تحدُّ بمجرد حلفه، وإن
كان شهادة فلا تحدُّ بمجرد شهادته عليها وحده. فإذا انضم إلى ذلك نكولُها، قويَ
جانبُ الشهادة واليمين في حقّه بتأكُّدِهِ ونكولها، فكان دليلاً ظاهراً على صدقه،
فأسقط الحد عنه، وأوجبه عليها، وهذا أحسنُ ما يكون من الحكم، ومن أَحْسنُ
٣٢٧

من اللَّهِ حكماً لِقوم يُوقِنُونَ، وقد ظهر بهذا أنه يمين فيها معنى الشهادة، وشهادةٌ
فيها معنى اليمين.
وأما حديثُ عمرو بن شُعيب، عن أبيه، عن جده، فما أبينَ دلالته لو كان
صحيحاً بوصوله إلى عمرو، ولكن في طريقه إلى عمرو مَهالِكُ ومفاوز. قال أبو
عمر بن عبد البر : لیس دون عمرو بن شعیب من يحتج به.
وأما حديثُه الآخر الذي رواه الدارقطني، فعلى طريق الحديث عثمان بن
عبد الرحمن الوقاصي، وهو متروك بإجماعهم، فالطريق به مقطوعة .
وأما حديثُ عبد الرزاق، فمراسيلُ الزهريِّ عندهم ضعيفة لا يُحْتَجُّ بها،
وعَتَّابُ بنُ أسيد كان عاملاً للنبيِّ ◌َّه على مكة، ولم يكن بمكة يهوديٌ ولا
نصراني البتة حتى يُوصِيَه أن لا يُلاعِنَ بينهما.
قالوا: وأما ردُّكم لقوله: ((لولا ما مضى من الأيمان، لكَانَ لي ولها شأن))
وهو حديث رواه أبو داود في ((سننه))، وإسناده لا بأس به، وأما تعلُّقكم فيه على
عبَّاد بن منصور، فأكثر ما عيب عليه أنه قدريُّ داعية إلى القدر(١)، وهذا لا يوجب
ردَّ حديثِهِ، ففي الصحيح: الاحتجاجُ بجماعة مِنَ القدرِيَّة والمرجئة والشيعة ممن
عُلِمَ صِدْقُهُ(٢)، ولا تنافي بينَ قوله: (لولا ما مَضَى مِن كتاب الله تعالى))، ((ولولا
ما مضى من الأيمان))، فيحتاج إلى ترجيح أحد اللفظين، وتقديمه على الآخر، بل
(١) بل هو سيء الحفظ ومدلس، وقد تغير بأخرة.
(٢) قال ابن حبان في (صحيحه)): ١٢٠/١: وأما المنتحلون المذاهب من الرواة، مثل
الإرجاء والترقُّض وما أشبههما، فإنا نحتج بأخبارهم إذا كانوا ثقات على الشرط الذي
وصفناه، ونكل مذاهبهم وما تقلدوه فيما بينهم وبين خالقهم إلى الله جل وعلا، إلا أن
يكونوا دُعاة إلى ما انتحلوا، فإن الداعي إلى مذهبه، والذاب عنه حتى يصير إماماً فيه،
وإن كان ثقة، ثم روينا عنه، جعلنا للاتباع لمذهبه طريقاً، وسوغنا للمتعلم الاعتماد عليه
وعلى قوله، فالاحتياط ترك رواية الأئمة الدعاة منهم، والاحتجاج بالثقات الرواة منهم
علی حسب ما وصفنا .
٣٢٨

الأيمان المذكورة هي في كتاب الله، وکتابُ الله تعالی حکمه الذي حكم به بین
المتلاعنين، وأراد ◌َّةٍ: لولا ما مضى مِن حكم اللَّهِ الذي فصلَ بين المتلاعنَين،
لكان لها شأن آخر .
قالوا: وأما قولُكم: إن قاعدةَ الشريعةِ استقرَّت على أن الشهادةَ في جانب
المدَّعي، واليمين في جانب المدَّعَى عليه، فجوابه مِن وجوه، أحدها: أن
الشريعةَ لم تستقِرَّ على هذا، بل قد استقرت في القَسامة بأن يبدأ بأيمان المدَّعينَ،
وهذا لقوة جانبهم باللَّوْثِ، وقاعدة الشريعة أن اليمين تكون من جنبة أقوى
المتداعيين، فلما كان جانبُ المدَّعى عليه قوياً بالبراءة الأصلية، شرعت اليمينُ
في جانبه، فلما قوي جانبُ المدعي في القسامة باللوث كانت اليمينُ في جانبه،
وكذلك على الصحيح لما قويَ جانبه بالنكول، صارت اليمين في جانبه، فيقال
له: احلف واستحق، وهذا مِن كمال حكمة الشارع واقتضائه للمصالح بحسب
الإِمكان، ولو شرعت اليمينُ مِن جانب واحد دائماً، لذهبت قوة الجانب الراجح
هدراً، وحكمة الشارع تأبى ذلك، فالذي جاء به هو غايةُ الحكمة والمصلحة.
وإذا عُرِفَ هذا، فجانب الزوج ها هنا أقوى من جانبها، فإن المرأة تُنْكِرُ
زناها، وتبهتُه، والزوجُ ليس له غرضٌ في هتك حرمته، وإفساد فراشه، ونسبة
أهله إلى الفجور، بل ذلك أشوشُ عليه، وأكره شيء إليه، فكان هذا لوثاً ظاهراً،
فإذا انضاف إليه نكولُ المرأة قوي الأمرُ جداً في قلوبِ الناس خاصِّهم وعامِّهم،
فاستقلَّ ذلك بثبوت حكم الزنى عليها شرعاً، فحُدَّتْ بلعانه، ولكن لما لم تكن
أيمانُه بمنزلة الشهداء الأربعة حقيقةً، كان لها أن تُعارِضَها بأيمان أخرى مثلِها يدرأ
عنها بها العذابَ عذابَ الحدِّ المذكور في قوله تعالى: ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ
المُؤْمِنِينَ﴾ [النور: ٢]، ولو كان لِعانُه بينةً حقيقةً، لما دفعت أيمانها عنها شيئاً،
وهذا يتَّضِحُ بالفصل الثاني المستفاد من قضاء رسول الله ◌َيّ، وهو أن المرأةَ إذا لم
تلتعِنْ، فهل تُحَدُّ أو تُحبَسُ حتى تُقِرَّ، أو تُلاعن؟ فيه قولان للفقهاء. فقال
الشافعي، وجماعة من السلف والخلف: تُحَدُّ، وهو قولُ أهل الحجاز.
إذا لم تلتعن المرأة فهل
تحد أو تحبس حتى تقر
أو تلاعن؟
٣٢٩

وقال أحمد: تُحبسُ حتى تُقِرَّ أو تُلاعِنَ، وهو قولُ أهل العِراق. وعنه رواية ثانية:
لا تحبَسُ ويُخلَّى سبيلُها .
حجج من قال: تحبس
قال أهل العراق ومَنْ وافقهم: لو كان لِعانُ الرجل بينةُ تُوجِبُ الحدَّ عليها،
لم تملك إسقاطَه باللعانِ، وتكذيب البينة، كما لو شهد عليها أربعة .
قالوا: ولأنه لو شهد عليها مع ثلاثة غيره، لم تحد بهذه الشهادة، فلأن لا
تُحدَّ بشهادته وحده أولى وأحرى. قَالُوا: ولأنه أحدُ المتلاعنين، فلا يُوجِبُ حدَّ
الآخر، كما لم يُوجب لِعانُها حدَّه.
قالوا: وقد قال النبي ◌َّه: ((البيّنَةُ عَلى المُدَّعي)) (١). ولا ريب أن الزوج ها
هنا مدَّع.
قالوا: ولأن موجبَ لِعانه إسقاط الحد عن نفسه لا إيجابَ الحد عليها،
ولهذا قال النبي ◌َّ: ((البيَِّةُ وإلا حَدٌّ في ظَهْرِكَ))، فإن موجِبَ قذفِ الزوج،
كموجب قذفِ الأجنبي وهو الحدُّ، فجعل الله سبحانه له طريقاً إلى التخلص منه
باللعان، وجعل طريق إقامة الحد على المرأة أحد أمرين: إما أربعة شهود، أو
اعتراف، أو الحَبَلُ عند من يَحُدُّ به مِن الصحابة، كعمر بن الخطاب ومن وافقه،
وقد قال عمر بن الخطاب على منبر رسول الله وَّه: والرجمُ واجبٌ على كُلِّ من
زَنَى مِن الرجال والنساء إذا كان محصَناً إذا قامَت بينةٌ، أو كان الحَبَلُ، أو
الاعتراف(٢)، وكذلك قال عليّ رضي الله عنه، فجعلا طريق الحدِّ ثلاثة لم يجعلا
فيها اللعان .
قالوا: وأيضاً فهذه لم يتحقق زناها، فلا يجبُ عليها الحد، لأن تحقق زناها
(١) حديث حسن بطرقه وشواهده، استوفى تخريجه الحافظ ابن رجب الحنبلي في ((جامع
العلوم والحكم)) ص ٢٩٤، ٢٩٥.
(٢) أخرجه البخاري ١٢٦/١٢ في الحدود: باب الاعتراف في الزنى، ومسلم (١٦٩١) في
الحدود: باب رجم الثيب في الزنى.
٣٣٠

إما أن يكونُ بلعان الزوج وحدَه، لأنه لو تحقق به، لم يسقُطْ بِلعانها الحدُّ، ولما
وجب بعد ذلك حد على قاذفها، ولا يجوزُ أن يتحقق بنكُولها أيضاً، لأن الحدَّ لا
يثبت بالنكول، فإن الحدَّ يُدرأ بالشُّبهاتِ، فكيف يجب بالنكولِ، فإن النكولَ،
يحتمل أن يكون لِشدة خَفَرِهَا، أو لعُقْلَةِ لِسانها، أو لِدهشها في ذلك المقام
الفاضح المخزي، أو لغير ذلك من الأسباب، فكيف يثبتُ الحُّ الذي اعتُبِرَ في
بينته من العدد ضعف ما اعتبر في سائر الحدود، وفي إقراره أربع مرات بالسنة
الصحيحة الصريحة، واعتُبِرَ في كل من الإقرار والبينة أن يتضمَّن وصفَ الفعل
والتصريح به مبالغة في الستر، ودفعاً لإثبات الحدِّ بأبلغ الطرق وآكدِها، وتوسلاً
إلى إسقاط الحدِّ بأدنى شُبهة، فكيف يجوزُ أن يقضى فيه بالنكولِ الذي هو في
نفسه شبهة لا يُقضى به في شيء من الحدود والعقوبات البتة ولا فيما عدا
الأموال؟.
قالوا: والشافعي رحمه الله تعالى لا يرى القضاء بالنكول في درهم فما
دونَه، ولا في أدنى تعزير، فكيف يُقضىَ به في أَعظم الأمور وأبعدِها ثبوتاً،
وأسرعها سقوطاً، ولأنها لو أقرَّت بلسانها، ثم رجعت، لم يجب عليها الحدّ،
فلأن لا يجب بمجرد امتناعها مِن اليمين على براءتها أولى، وإذا ظهر أنه لا تأثير
لواحد منهما في تحقق زناها، لم يجز أن يُقال بتحققه بهما لوجهين .
أحدهما: أن ما في كل واحد منهما من الشبهة لا يزول بضم أحدهما إلى
الآخر، كشهادة مائة فاسق، فإن احتمالَ نكولها لفرط حيائها، وهيبة ذلك المقام
والجمع، وشدة الخَفَرِ، وعجزها عن النطق، وعُقلة لسانها لا يزولُ بلعان الزوج
ولا بنكولها .
الثاني: أن ما لا يقضى فيه باليمين المفردة لا يقضى فيه باليمين مع النكول
كسائر الحقوق .
قالوا: وأما قوله تعالى: ﴿وَيَدْرَوْ عَنْهَا العَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ﴾، فالعذاب ها هنا
٣٣١

يجوز أن يُراد به الحدُّ، وأن يُرادَ به الحبسُ والعقوبةُ المطلوبة، فلا يتعين إرادة
الحدِّ به، فإنَّ الدال على المطلق لا يدلُّ على المقيد إلا بدليل من خارج، وأدنى
درجاتِ ذلك الاحتمال، فلا يثبتُ الحدُّ مع قيامه، وقد يُرجَّحُ هذا بما تقدم مِن
قول عمر وعلي رضي الله عنهما: إن الحدَّ إنما يكون بالبينة أو الاعتراف أو
الحبل.
ثم اختلف هؤلاء فيما يصنع بها إذا لم تُلاعِنْ، فقال أحمد: إذا أبت المرأة
أن تلتعِنَ بعد التعان الرجل، أجبرتُها عليه، وهِبْتُ أن أحْكُمَ عليها بالرجم، لأنها
لو أقرت بلسانها، لم أرجمها إذا رجعت، فكيف إذا أبتِ اللعان؟ وعنه رحمه الله
تعالى رواية ثانية: يخلى سبيلُها، اختارها أبو بكر، لأنها لا يجبُ عليها الحد،
فيجب تخلية سبيلها، كما لو لم تكمل البينة .
فصل
حجج الموجبين للحد
قال الموجبون للحدِّ: معلومٌ أنَّ الله سبحانه وتعالى جعل التعانَ الزوج بدلاً
عن الشهود، وقائماً مقامهم، بل جعل الأزواج الملتعِنِينَ شهداءَ كما تقدَّم،
وصرَّح بأن لِعانهم شهادةٌ، وأوضح ذلك بقوله: ﴿وَيَدْرَؤُ عَنْهَا العَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ
أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ باللّهِ﴾، وهذا يدلُّ على أن سببَ العذاب الدنيوي قد وُجِدَ، وأنه لا
يدفعه عنها إلا لعانُها، والعذاب المدفوع عنها بلعانها هو المذكور في قوله تعالى:
﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾، وهذا عذابُ الحدِّ قطعاً، فذكره مضافاً،
ومعرَّفاً بلام العهد، فلا يجوزُ أن ينصرِفَ إلى عُقوبةٍ لم تُذكر في اللفظ، ولا دلَّ
عليها بوجهٍ ما مِن حبس أو غيره، فكيف يُخلَّى سبيلها، ويدرأ عنها العذابُ بِغير
لِعان، وهل هذا إلاَّ مخالفةٌ لِظاهر القرآن؟ .
قالُوا: وقد جعل الله سبحانه لِعانَ الزوج دارئاً لحدِّ القذف عنه، وجعل لِعانَ
الزوجة دارئاً لعذاب حدِّ الزِّنى عنها، فكما أن الزوج إذا لم يُلاعن يُحدُّ حَدَّ
القذف، فكذلك الزوجةُ إذا لم تُلاعن يجب عليها الحدُّ.
٣٣٢

قالُوا: وأما قولكم: إن لعانَ الزوج لو كان بيّنة تُوجب الحدَّ عليها لم تملك
هي إسقاطه باللعان، كشهادة الأجنبي.
فالجواب: أن حكم اللِّعان حُكمٌ مستقلٌ بنفسه غيرُ مردود إلى أحكام
الدعاوى والبيّنات، بل هو أصل قائم بنفسه شَرَعَه الذي شرع نظيرَه مِن الأحكامِ،
وفصَّله، الذي فصَّل الحلال والحرام، ولما كان لِعانُ الزوج بدلاً عن الشهود لا
جَرَمَ نزل عن مرتبة البينة، فلم يستقِلَّ وحدَه بحكم البينة، وجعل للمرأة معارضته
بلعان نظيره، وحينئذ فلا يظهر ترجيحُ أحد اللعانين على الآخر لنا، والله يعلم أن
أحدهما كاذب، فلا وجه لحد المرأة بمجردٍ لِعان الزوج، فإذا مُكنت من معارضته
وإتيانها بما يُبرىء ساحتها، فلم تفعل، ونكلت عن ذلك، عَمِلَ المقتضى عمَله،
وانضاف إليه قرينة قوَّته وأكَّدته، وهي نكولُ المرأة وإعراضُها عما يُخلِّصها من
العذاب، وَيَدْرَؤُه عنها.
قالوا: وأما قولُكم: إنه لو شهد عليها مع ثلاثة غيره لم تُحَدَّ بهذه الشهادة،
فكيف تُحدُّ بشهادته وحدَه؟ فجوابُه أنها لم تُحد بشهادة مجرَّدة، وإنما حُدَّت
بمجموع لِعانه خمسَ مرات، ونكولِها عن معارضته مع قدرتها عليها، فقامَ من
مجموع ذلك دليل في غاية الظهور والقوة على صحة قوله، والظنُّ المستفاد منه
أقوى بكثير من الظن المستفاد من شهادة الشهود.
وأما قولُكم: إنه أحد اللعانين، فلا يُوجب حد الآخر، كما لم يُوجب لِعانُها
حدَّه، فجوابهِ أن لِعانها إنما شرع للدفع، لا للإِيجاب، كما قال تعالى: ﴿وَيَدْرَؤُ
عَنْهَا العَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ﴾ فدلَّ النصُّ على أن لعانه مقتضٍ لإيجاب الحد، ولعانها
دافع ودارىء لا موجب، فقياسُ أحد اللعانينِ على الآخر جمع بين ما فرَّق
الله سبحانه بينهما وهو باطل. قالُوا: وأما قولُ النبيِّ لَّهُ: ((البيَِّةُ عَلَى المُدَّعِي)،
فسمعاً وطاعةً لرسول الله وٌَّ، ولا ريبَ أن لِعان الزوجِ المذكورِ المكرر بينة،
وقد انضم إليها نكولُها الجاري مجرى إقرارها عند قوم، ومجرى بينة المدعين عند
٣٣٣

آخرين، وهذا مِن أقوى البينات، ويدل عليه أن النبيَّ نَّه قال له: ((البينةُ وإلاَّ حَدٌّ
في ظهرك))، ولم يُبطل اللَّهُ سبحانه هذا، وإنما نقله عند عجزه عن بينة منفصلة
تُسقط الحد عنه يعجز عن إقامتها، إلى بينة يتمكَّن مِن إقامتها، ولما كانت دونها
في الرتبة، اعتبر لها مُقوٍ منفصل، وهو نكولُ المرأة عن دفعها، ومعارضتها مع
قدرتها وتمكنها، قالوا: وأما قولُكم: أن موجب لعانه إسقاط الحد عن نفسه لا
إيجابُ الحدِّ عليها إلى آخره، فإن أردتُم أن من موجبه إسقاطُ الحد عن نفسه
فحق، وإن أردتُم أن سقوطَ الحدِّ عنه يسقط جمیع موجبه، ولا موجب له سواه،
فباطل قطعاً، فإن وقوع الفرقة، أو وجوب التفريق والتحريم المؤيّد، أو
المؤقت، ونفي الولد المصرح بنفيه، أو المكتفى في نفيه باللعان، ووجوب
العذاب على الزوجة إما عذاب الحد، أو عذاب الحبس، كُلُّ ذلك من موجب
اللعان، فلا يصح أن يقال: إنما يوجب سقوط حد القذف عن الزوج فقط.
قالوا: وأما قولُكم: إن الصحابة جعلُوا حدَّ الزنى بأحد ثلاثة أشياء: إما
البينة، أو الاعترافِ، أو الحَبَلِ، واللعانُ ليس منها، فجوابُه: أن منازعيكم
يقولُون: إن كان إيجاب الحدَّ عليها باللعان خلافاً لأقوال هؤلاء الصحابة،
فإن إسقاطَ الحدِّ بالحبل أدخلُ في خلافهم وأظهر، فما الذي سوَّغ لكم
إسقاطَ حدٍّ أوجبوه بالحبل، وصريح مخالفتهم، وحرَّم على منازعيكم
مخالفتَهم في إيجاب الحدِّ بغير هذه الثلاثة، مع أنهم أعذرُ منكم، لثلاثة
أوجه .
أحدُها: أنهم لم يُخالفوا صريحَ قولهم، وإنما هو مخالفة لمفهوم
سكتُوا عنه، فهو مخالفة لسكوتهم، وأنتم خالفتم صريح أقوالهم.
الثاني: أن غاية ما خالفوه مفهومٌ قد خالفه صريحٌ عن جماعة منهم
بإيجاب الحدِّ، فلم يُخالفوا ما أجمعَ عليه الصحابة، وأنتم خالفتُم منطوقاً، لا
يُعْلَمُ لهم فيه مخالف البتة ها هنا، وهو إيجابُ الحدِّ بالحبلِ، فلا يُحفظ عن
صحابي قطُّ مخالفة عمر وعلي رضي الله عنهما في إيجاب الحد به.
٣٣٤

الثالث: أنهم خالفوا هذا المفهومَ لمنطوق تلك الأدِلَّةِ التي تقدَّمت،
ولمفهوم قوله: ﴿وَيَدْرَؤُ عَنْهَا العَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ﴾ [النور: ٨]، ولا ريْبَ أن هذا
المفهومَ أقوى مِن مفهوم سقوط الحد بقولهم: إذا كانت البينةُ أو الحبلُ أو
الاعترافُ، فهم تركوا مفهوماً لِما هو أقوى منه وأولى، هذا لو كانوا قد
خالفوا الصحابة، فكيف وقولُهم موافق لأقوال الصحابة؟ فإنَّ اللعانَ مع نكولِ
المرأة مِن أقوى البينات كما تقرر.
قالوا: وأما قولُكُم: لَمْ يتحقق زِناها إلى آخره، فجوابُه إن أردتم
بالتحقيق اليقينَ المقطوعَ به كالمحرمات، فهذا لا يُشترط في إقامة الحد، ولو
كان هذا شرطاً، لما أقيمَ الحدُّ بشهادةٍ أربعة، إذ شهادتُهم لا تجعلُ الزِّنى
محققاً بهذا الاعتبار. وإن أردتُم بعدم التحقق أنه مشكوٌ فيه على السواء،
بحيث لا يترجَّح ثبوتُه، فباطل قطعاً، وإلا لما وجب عليها العذابُ المدَرأُ
بلعانها، ولا ريبَ أن التحقُّقَ المستفادَ مِن لعانه المؤكد المكرَّر مع إعراضها
عن معارضة ممكنة منه أقوى من التحقق بأربع شهود، ولعل لهم غرضاً في
قذفها وهتكِها وإفسادها على زوجها، والزوجُ لا غرض له في ذلك منها.
وقولكم: إنه لو تحقق، فإما أن يتحقق بلعانِ الزوج، أو بنكولها، أو
بهما، فجوابُه: أنه تحقَّق بهما، ولا يلزم مِن عدم استقلال أحد الأمرين بالحدِّ
وضعفه عنه عدمُ استقلالهما معاً، إذ هذا شأنُ كُلِّ مفرد لم يستقِلَّ بالحكم
بنفسه، ويستقل به مع غيرِهِ لقوته به .
وأما قولُكم: عجباً للشافعيِّ كيف لا يقضي بالنكول في درهم، ويقضي
به في إقامة حدٍ بَالَغَ الشّارِعُ في ستره، واعتبر له أكملَ بيَّة، فهذا موضع لا
يُنتصر فيه للشافعي ولا لغيره من الأئمة، وليس لِهذا وُضعَ كِتَابُنَا هذا، ولا
قصدنا به نُصرَةَ أحدٍ من العالمين، وإنما قصدنا به مجرَّد هدي رسولِ الله ◌ِصَلّ
في سيرته وأقضيته وأحكامه، وما تضمَّن سوى ذلك، فتبع مقصودٌ لغيره،
٣٣٥

فهب أن من لم يقض بالنكول تناقض، فماذا يَضُرُّ ذلك هدي رسول الله ◌َلـ
وتِلْكَ شَكَاةٌ ظَاهِرٌ عنك عَارُهَا(١).
على أن الشَّافِعِيَّ رَحِمَه الله تعالى لم يتناقض، فإنه فرَّق بين نكولٍ مجرد
لا قوة له، وبين نُكولٍ قد قارنَه التعان مؤكّدٌ مكرَّرٌ أُقيم في حق الزوج مقامَ
البينة مع شهادة الحال بكراهة الزوج، لزنى امرأته، وفضيحتها، وخراب
بيتها، وإقامة نفسه وحِبه في ذلك المقام العظيم بمشهد المسلمين يدعو على
نفسه باللعنة إن كان كاذباً بعد حلفه بالله جَهْدَ أيمانه أربعَ مرات إنه لمن
الصادقين، والشافعي رحمه الله إنما حكم بنكول قد قارنه ما هذا شأنُه، فمن
أين يلزمه أن يحكم بنكول مجرد؟.
قالوا: وأما قولُكم: إنها لو أقرَّت بالزنى ثم رجعت، لسقط عنها الحدُّ،
فكيف يجِبُ بمجرَّدِ امتناعِها من اليمين؟ بجوابه: ما تقرر آنفاً.
قالوا: وأما قولُكُم: إنَّ العذابَ المُدْرَأَ عنها بلعانها هو عذابُ الحبس أو
غيره، فجوابُه: أن العذابَ المذكورَ، إما عذابُ الدنيا، أو عذابُ الآخرة،
وحملُ الآية على عذاب الآخرة باطل قطعاً، فإن لِعانها لا يدرؤه إذا وجب
عليها، وإنما هو عذابُ الدنيا وهو الحدُّ قطعاً فإنه عذابُ المحدود، وهو فِداء
له من عذاب الآخرة، ولهذا شرعه سبحانه طُهرةً وفدية من ذلك العذاب،
(١) عجز بيت، وصدره:
وعيّرها الواشُونَ أنّي أُحِبُها
وهو في ديوان الهذليين ص ٢١ لأبي ذؤيبٍ من قصيدة مطلعها.
وإلا طلوعُ الشمس ثُمَّ غِيارُها
هل الذَّهرُ إلا ليلةٌ وطُلُوعُها
وقد تمثل به عبد الله بن الزبير حين عيره رجل بأمه ذات النطاقين أسماء بنت أبي
بكر، فقال: وتلك شكاة ... أراد أن تعبيره إياه بلقب أمه ليس عاراً يستحيا منه، وإنما
هو من مفاخره لأنه لقب لقبها به رسول الله بنخلة في حديث الهجرة حين شقت نطاقها
نصفين، فربطت بقطعة منه الجراب، وشدت فم القربة بالباقي.
٣٣٦

كيف وقد صرَّحَ به في أول السورة بقوله: ﴿وَلَيَشْهَدْ عَذَابَهُما طائِفَةٌ مِنَ
المُؤْمِنِينَ﴾ [النور: ٢]، ثم أعاده بعينه بقوله: ﴿وَيَدْرَؤُ عَنْهَا العَذَابَ﴾، فهذا
هو العذابُ المشهودُ مَكَّنها مِن دفعه بلعانها، فأين هنا عذابُ غيره حتَّى تُفَسَّرَ
الآيةُ به؟ وإذا تبيَّن هذا، فهذا هو القولُ الصحيح الذي لا نعتقِدُ سواه، ولا
نرتضي إلا إياه، وبالله التوفيق.
فإن قيل: فلو نكل الزوج عن اللعان بعد قذفه، فما حكمُ نكولِهِ؟ قلنا:
يُحَدُّ حدَّ القذفِ عند جمهور العلماءِ مِن السلف والخلف، وهو قولُ الشافعي
ومالك وأحمد وأصحابهم، وخالف في ذلك أبو حنيفة وقال: يُحبس حتى
يُلاعِنَ، أو تُقِرَّ الزوجة، وهذا الخلاف مبني على أن موجب قذف الزوج
لامرأته هَل هو الحد، كقذف الأجنبي، وله إسقاطه باللعان، أو موجبه اللعان
نفسه؟ فالأول: قول الجمهور. والثاني: قول أبي حنيفة، واحتجُّوا عليه بعموم
قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ المُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُم
ثَمَانِينَ جَلْدَةٌ﴾ [النور: ٤]، وبقوله {ح ◌َ لهلال بن أمية: ((البَيِّنَةُ أَوْحَةٌ في
ظَهْرِكَ) (١)، وبقوله له ((عَذَابُ الدُّنْيَا أَهْوَنُ مِنْ عَذَابِ الآخرَةَ)) (٢)، وهذا قاله
لِهلال بن أمية قبل شروعه في اللعان. فلو لم يجب الحَدُّ بقذفه، لم يكن لهذا
معنى، وبأنه قَذْف حرة عفيفة يجري بينَه وبينها القود، فَحُدَّ بقذفها كالأجنبي،
وبأنه لو لاعنها، ثم أكذَبَ نفسه بعد لِعانها، لوجب عليه الحدُّ، فدل على أن
قذفه سببٌّ لوجوب الحد عليه، وله إسقاطُه باللعان، إذ لو لم يكن سبباً لما
وجب بإكذابه نفسه بعد اللعان، وأبو حنيفة يقول: قذفه لها دعوى تُوجب
أحد أمرين، إما لعانه، وإما إقرارها، فإذا لم يُلاعن، حُبِسَ حتى يلاعن، إلا
أن تُقِرَّ فيزول موجبُ الدعوى، وهذا بخلاف قذف الأجنبي، فإنه لا حقّ له
عند المقذوفة، فكان قاذفاً محضاً، والجمهور يقولون: بل قذفُه جناية منه
(١) تقدم تخريجه وهو صحیح ص٣٢٢.
(٢) تقدم تخريجه وهو صحيح.
٣٣٧

على عرضها، فكان موجبها الحدُّ كقذف الأجنبي، ولما كان فيها شائبةٌ
الدعوى عليها بإتلافها لحقه وخيانتها فيه، ملك إسقاطَ ما يُوجبه القذفُ مِن
الحدِّ بلعانه، فإذا لم يُلاعِنْ مع قدرته على اللعان، وتمكنه منه، عمل
مقتضى القذفِ عملَه، واستقل بإيجاب الحدِّ، إذ لا معارض له، وباللّهِ
التوفيق.
ومن الأحكام المستنبطة
من أحاديث اللعان
أنه إنما كان يقضي
بالوحي
فصل
ومنها: أن رسولَ الله ◌َّه إنما كان يقضي بالوحي، وبما أراه اللَّهُ، لا بما رآه
هو، فإنه ◌َِّ لم يَقْضِ بين المتلاعِنَيْنِ حتَّى جاءه الوحيُّ، ونزل القرآن، فقال
لِعويمر حينئذ: ((قد نزل فيك وفي صحابتك، فاذهب فأْتِ بها))، وقد قال ◌َلِ: ((لاَ
يَسْأَلُنِي اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَنْ سُنَّةٍ أَحْدَثْتُهَا فِيكُم لَمْ أُوْمَرْ بِهَا))(١) وهذا في الأقضية،
والأحكام، والسنن الكلية، وأما الأمور الجزئية التي لا تَرْجِعُ إلى أحكام،
كالنزول في منزل معيَّن، وتأمير رجل معيَّن، ونحو ذلك مما هو متعلق بالمشاورة
المأمورِ بها بقوله: ﴿وَشَاوِرْهُم في الأَمْرِ﴾ [آل عمران: ١٥٩]، فتلك للرأي فيها
مدخل، ومن هذا قولُهُ مََّ في شأن تلقيح النخل: ((إنَّمَا هُوَ رَأْيٌّ رَأَيْتُه))(٢). فهذا
القِسم شيء، والأحكامُ والسننُ الكلية شيء آخر.
فصل
ومنها: أن النبيَّ ◌َلِّ أمره بأن يأتيَ بها، فتلاعنا بحضرته، فكان في هذا بيانٌ
أن اللعان إنما يكونُ بحضرةِ الإِمام أو نائبه، وأنه ليس لآحادِ الرعية أن يُلاعِنَ
بینهما، کما أنه ليس له إقامة الحد، بل هو للإِمام أو نائبه.
يكون اللعان بحضرة
الإمام أو نائبه
(١) لم نقف عليه في شيء من كتب السنة التي بين أيدينا.
(٢) لم نجده بهذا اللفظ، وقد تقدم تخريجه بلفظ ((إذا أمرتكم بشيء من رأيي، فإنما أنا بشر))
وبلفظ ((أنتم أعلم بأمور دنياكم)) وبلفظ ((إني ظننت ظناً، فلا تؤاخذوني بالظن، ولكن إذا
حدثتكم عن الله شيئاً فخذوا به .. )) وكلها في ((صحيح مسلم))، ولأحمد ١٢٣/٦ وابن
ماجه (٢٤٧١) ((إن كان شيئاً من أمر دنياكم فشأنكم، وإن كان من أمور دينكم فإلي)).
٣٣٨

فصل
ومنها: أنهُ يسن التلاعن بمحضر جماعةٍ من الناس يشهدُونه، فإن ابن
عباس، وابن عمر، وسهل بن سعد، حضروه مع حداثة أسنانهم، فدلَّ ذلك على
أنه حضره جمع كثير، فإن الصبيان إنما يحضرون مثلَ هذا الأمر تبعاً للرجال. قال
سهل بنُ سعد: فتلاعنا وأنا مع الناس عند النبي ◌َّه. وحكمة هذا - والله أعلم -
أن اللعانَ بني على التغليظ مبالغةً في الردع والزجر، وفعلُه في الجماعة أبلغُ في
ذلك.
يسن التلاعن بمحضر
جماعة من الناس
فصل
ومنها: أنهما يتلاعنان قياماً، وفي قصة هلال بن أمية أن النبيَّ وَّه قال له:
قم فاشهد أربع شهادات بالله .
القيام عند الملاعنة
وفي ((الصحيحين)): في قصة المرأة، ثم قامت فشهدت، ولأنه إذا قام
شاهده الحاضِرُون، فكان أبلغَ في شهرته، وأوقعَ في النفوس، وفيه سِر آخر،
وهو أن الدعوة التي تُطلب إصابتُها إذا صادفت المدعوَّ عليه قائماً نفذت فيه،
ولهذا لما دعا خُبيبٌ على المشركين حين صلبوه، أخذ أبو سفيان معاوية
فأضجعَه، وكانوا يرون أن الرجل إذا لطىء بالأرض، زلَّت عنه الدعوة(١).
فصل
ومنها: البداءة بالرجل في اللعان، كما بدأ اللَّهُ عز وجل ورسولُه به، فلو
بدأت هي، لم يُعتدَّ بلعانها عند الجمهور، واعتدَّ به أبو حنيفة. وقد بدأ الله سبحانه
في الحدِّ بذكر المرأة فقال: ﴿الزَّانِيَةُ والزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾
[النور: ٢]، وفي اللعان بذكر الزوج، وهذا في غاية المناسبة، لأن الزِنى من
المرأة أقبحُ منه بالرجل، لأنها تزيد على هتكِ حقِّ الله إفسادَ فراشٍ بعلها، وتعليقَ
البداءة بالرجل في اللعان
(١) وهو من زعماتهم التي لا يقرها الإسلام.
٣٣٩

نسبٍ من غيره عليه، وفضيحةَ أهلها وأقاربها، والجنايةَ على محض حقِّ الزوج،
وخيانته فيه، وإسقاط حُرمته عند الناس، وتعييره بإمساك البغي، وغير ذلك من
مفاسد زناها، فكانت البداءة بها في الحدِّ أهمّ، وأما اللعانُ: فالزوجُ هو الذي
قذفها وعرضها للِّعان، وهتك عرضها، ورماها بالعظيمة، وفضحها عند قومها
وأهلها، ولهذا يجب عليه الحدُّ إذا لم يُلاعن، فكانت البُداءة به في اللعان أولى
من البداءة بها .
فصل
وعظهما قبل اللعان
ومنها: وعظُ كلِّ واحد من المتلاعنين عند إرادة الشروع في اللعان، فيُوعظ
ويُذكَّر، ويقال له: عذاب الدنيا أهونُ مِن عذاب الآخرة، فإذا كان عند الخامسة،
أُعِيدَ ذلك عليهما، كما صحت السنة بهذا وهذا.
لا يقبل منهما أقل من
خمس مرات
فصل
ومنها: أنه لا يُقبل من الرجل أقلُّ من خمس مرات، ولا من المرأة، ولا
يُقبل منه إبدالُ اللعنة بالغضب والإبعاد والشُّخط، ولا منها إبدالُ الغضب باللعنة
والإِبعاد والسخط، بل يأتي كُلٌّ منهما بما قسم الله له من ذلك شرعاً وقدراً، وهذا
أصحُّ القولين في مذهب أحمد ومالك وغيرهما.
لا تستحب الزيادة على
الألفاظ المذكورة في
الكتاب والسنة
ومنها: أنه لا يفتقِرُ أن يزيد على الألفاظ المذكورة في القرآن والسنة شيئاً،
بل لا يُستحب ذلك، فلا يحتاج أن يقول: أشهدُ بالله الذي لا إله إلا هُو عالم
الغيب والشهادة الذي يعلم من السر ما يعلم من العلانية، ونحو ذلك، بل يكفيه
أن يقول: أشهد باللّهِ إني لمن الصادقين، وهي تقول: أشهد بالله إنَّه لمن
الكاذبين، ولا يحتاجُ أن يقول: فيما رميتها به من الزنى، ولا أن تقول هي: إنه
لمن الكاذبين فيما رماني به من الزنى، ولا يُشترط أن يقول إذا ادَّعى الرؤية:
رأيتُها تزني كالمِروَدِ في المُكْحُلَةِ، ولا أصلَ لذلك في كتاب الله، ولا سنةِ رسوله،
فإن الله سبحانه بعلمه وحكمته كفانا بما شرعه لنا وأمرنا به عن تكلُّف زيادة عليه .
٣٤٠