Indexed OCR Text

Pages 301-320

بالنكاح الموجِبِ للحل، فَعَوْدُ المظاهر عودٌ إلى حِلٌّ كان عليهِ قبلَ الظهار، وذلك
هو الموجبُ للكفارة فتأمله، فالعودُ يقتضي أمراً يعودُ إليه بعدَ مفارقته، وظهر سِرُّ
الفرق بينَ العود في الهبة، وبينَ العود لما قال المظاهِرُ، فإِنَّ الهبة بمعنى
الموهوب وهو عين يتضمَّن عودُه فيه إدخالَه في مُلکه وتصُّفَه فيه، كما كان أولاً،
بخلاف المظاهر، فإنه بالتحريم قد خرج عن الزوجية، وبالعودِ قد طلب الرجوعَ
إلى الحالِ التي كان عليها معها قبلَ التحريم، فكان الأَّلَيق أن يقال: عاد لكذا،
يعني: عاد إليه. وفي الهبة: عاد إليها، وقد أمر النبيُّ نَّ أوسَ بن الصامت،
وسلمةَ بن صخر بكفارة الظَّهار، ولم يتلفظا به مرتين، فإنَّهما لم يُخبرا بذلك عن
أنفسهما، ولا أخبر به أزواجُهما عنهما، ولا أحدٌ من الصحابة، ولا سألهما
النبيُّ نٌَّ: هَلْ قلتُّما ذلك مرة أو مرتين؟ ومثلُ هذا لو كان شرطاً لما أهمل بيانه.
وسِرُّ المسألة أن العودَ يتضمن أمرين: أمراً يعود إليه، وأمراً يعود عنه، ولا
بُدَّ منهما فالذي يعود عنه يتضمَّن نقضَه وإبطاله، والذي يعودُ إليه يتضمَّن إيثاره
وإرادته، فعودُ المظاهر يقتضي نقضَ الظهار وإبطاله، وإيثار ضدِّه وإرادته، وهذا
عينُ فهم السلفِ من الآية، فبعضُهم يقول: إن العود هو الإصابة، وبعضُهم يقول:
الوطء، وبعضُهم يقول: اللمس، وبعضُهم يقول: العزم.
وأما قولُكم: إنه إنما أوجب الكفارة في الظهار المعاد، إن أردتم به المعاد
لفظُه، فدعوى بحسب ما فهمتموه، وإن أردتم به الظهارَ المعادَ فيه لما قال
المظاهِرُ، لم يَسْتَلزمْ ذلك إعادة اللفظ الأول.
وأما حديث عائشة رضي الله عنها في ظهار أوس بن الصامت، فما أصحّه،
وما أبعدَ دلالته على مذهبكم.
فصل
ثمَّ الذين جعلوا العود أمراً غيرَ إعادة اللفظ اختلفُوا فيه: هل هو مجردُ
إمساكها بعد الظهار، أو أمرٌ غيره؟ على قولين. فقالت طائفة: هو إمساكُها زمناً
من قال بأن العود هو
إمساكها زمناً يتسع
لقوله أنت طالق
٣٠١
.

يتَسِعُ لقوله: أنت طالق، فمتى لم يَصِل الطلاق بالظهار، لزمته الكفارة، وهو قولُ
الشافعي، قال منازعوه: وهو في المعنى قول مجاهد، والثوري، فإن هذا النَّفَسَ
الواحدَ لا يُخرِجُ الظِّهارَ عن كونه موجبَ الكفارة، ففي الحقيقة لم يُوجب الكفارة
إلا لفظُ الظِّهار، وزمنُ قوله: أنت طالق لا تأثيرَ له في الحكم إيجاباً ولا نفياً،
فتعليقُ الإِيجابِ به ممتنع، ولا تُسمى تلك اللحظةُ والنَّفَسُ الواحد مِن الأنفاس
عوداً لا في لغة العرب ولا في عُرف الشارع، وأيُّ شيء في هذا الجزء اليسير جداً
مِن الزمان من معنى العود أو حقيقته؟.
قالوا: وهذا ليس بأقوى مِن قول من قال: هو إعادةُ اللفظ بعينه، فإن ذلك
قولٌ معقول يفهم منه العودُ لغةً وحقيقةً، وأما هذا الجزءُ مِن الزمان، فلا يفهمُ من
الإنسان فيه العود البتة. قالوا: ونحنُ نُطالبكم بما طالبتُم به الظاهرية: من قال هذا
القولَ قبل الشافعي؟ قالوا: واللَّهُ سبحانه أوجبَ الكفارةَ بالعودِ بحرف ((ثم)) الدالة
على التراخي عن الظهار، فلا بد أن يكونَ بينَ العود وبين الظهار مدةٌ متراخیة،
وهذا ممتنع عندكم وبمجردِ انقضاء قوله: أنت عليَّ كظهر أمي صار عائداً ما لم
يصله بقوله: أنتِ طالق، فأين التراخي والمهلة بين العود والظهار؟ والشافعي لم
ينقل هذا عن أحد من الصحابة والتابعين، وإنما أخبر أنه أولى المعاني بالآية،
فقال: الذي عَقَلْتُ ممَّا سَمِعْتُ في (يعودون لما قالوا)، أنه إذا أتت على المظاهِرِ
مدةٌ بعد القول بالظهار، لم يُحرِّمْهَا بالطلاق الذي يحرم به، وجبت عليه الكفارةُ،
كأنهم يذهبون إلى أنه إذا أمسكَ ما حرَّم على نفسه أنه حلال، فقد عاد لما قال،
فخالفه، فأحلَّ ما حرم، ولا أعلمُ له معنى أولى به من هذا (١). انتهى.
فصل
والذين جعلوه أمراً وراءَ الإمساك اختلفوا فيه، فقال مالك في إحدى
(١) ((الأم)) ٢٧٩/٥، و((مختصر المزني)) ص ٢٠٣، ٢٠٤، والمؤلف ينقل عن ((مختصر
المزني)»، لا عن الأم.
من قال بأن العود هو
العزم على الوطء

الروايات الأربع عنه، وأبو عُبيد: هو العزم على الوطء، وهذا قول القاضي أبي
يعلى وأصحابه، وأنكره الإمام أحمد، وقال مالك: يقول: إذا أجمع، لزمته
الكفارة، فكيف يكون هذا لو طلَّقها بعد ما يُجمع، أكان عليه كفارة إلا أن يكون
يذهبُ إلى قول طاووس إذا تكلم بالظهارِ، لزمه مثلُ الطلاق؟ .
ثم اختلف أربابُ هذا القول فيما لو مات أحدُهما، أو طلَّق بعد العزم،
وقبل الوطء، هل تستقر عليه الكفارة؟ فقال مالك وأبو الخطاب: تستقِرُّ الكفارةُ.
وقال القاضي وعامةُ أصحابه: لا تستقِرُّ، وعن مالك رواية ثانية: أنه العزم على
الإمساك وحدَه، وروايةُ ((الموطأ)» خلاف هذا كله: أنه العزمُ على الإمساك والوطء
معاً. وعنه رواية رابعة: أنه الوطء نفسه، وهذا قولُ أبي حنيفة وأحمد. وقد قال
أحمد في قوله تعالى: ﴿ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا ثَالُواهَ، قال: الغشيانُ إذا أراد أن يغشى،
كَفَّرَ، وليس هذا باختلاف رواية، بل مذهبُه الذي لا يُعرف عنه غيره أنه الوطء
ويلزمه إخراجها قبله عند العزم عليه .
من قال بأنه العزم على
الإمساك أو العزم على
الإمساك و الوطء معا
من قال إنه الوطء نفسه
واحتج أرباب هذا القول بأن الله سبحانه قال في الكفارة: ﴿مِنْ قَبْلِ أَن حجج من قال إنه العزم
يتماسًا﴾ فأوجب الكفارة بعد العود، وقبل التماس، وهذا صريح في أن العود غير
التماس، وأن ما يحرم قبل الكفارة، لا يجوز كونُه متقدماً عليها. قالوا: ولأنه
قصد بالظهار تحريمها، والعزم على وطئها عود فيما قصده. قالوا: ولأن الظِّهار
تحريم، فإذا أراد استباحتها، فقد رجع في ذلك التحريم، فكان عائداً. قال الذين
حجج من قال إنه الوطء
جعلوه الوطء: لا ريب أن العود فعلُ ضدِّ قولهِ كما تقدم تقريره، والعائد فيما نهي
عنه وإليه وله: هو فاعلُه لا مريدُه، كما قال تعالى: ﴿ثُمَّ يَعُودونَ لِمَا نُهُوا عَنْهُ﴾،
فهذا فعل المنهي عنه نفسه لا إرادته، ولا يلزم أربابَ هذا القول ما ألزمهم به
أصحابُ العزم، فإن قولهم: إن العودَ يتقدم التكفير، والوطءُ متأخر عنه، فهم
يقولون: إن قوله تعالى: ﴿ثُمَّ يَعُودُونَ نِمَا قَالُوا﴾ أي: يريدون العود كما قال
تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأَتَ القُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾، وكقوله تعالى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلى الصَّلاةِ
فَاغْسِلُوا وجُوهَكُم﴾ [المائدة: ٦]، ونظائره مما يطلق الفعل فيه على إرادته
٣٠٣

لوقوعه بها. قالوا: وهذا أولى مِن تفسير العود بنفس اللفظ الأول، وبالإمساك
نَفَساً واحداً بعد الظهار، وبتكرار لفظ الظهار، وبالعزم المجرَّدِ لو طلَّقَ بعده، فإن
هذِهِ الأقوال كُلَّها قد تبين ضعفها، فأقرب الأقوال إلى دلالة اللفظ وقواعد الشريعة
وأقوال المفسرين، هو هذا. وبالله التوفيق.
فصل
ومنها: أن من عجز عن الكفارة، لم تسقُط عنه، فإن النبيَّ ◌َّةُ أعان
أوسَ بنَ الصامت بِعَرَقٍ من تمر، وأعانته امرأته بمثله، حتى كفَّر، وأمر سلمةَ بن
صخر أن يأخذ صدقةً قومه، فيكفِّر بها عن نفسه، ولو سقطت بالعجز، لما أمرهما
بإخراجها، بل تبقى في ذمته ديناً عليه، وهذا قول الشافعي، وأحد الروايتين عن
أحمد .
من عجز عن الكفارة لم
تسقط عنه
وذهبت طائفة إلى سقوطها بالعجز، كما تسقط الواجبات بعجزه عنها،
وعن إبدالها .
وذهبت طائفة أن كفارةَ رمضان لا تبقى في ذمته، بل تسقُط، وغيرُها من
الكفارات لا تسقط، وهذا الذي صححه أبو البركات ابن تيمية .
واحتجَّ من أسقطها بأنها لو وجبت مع العجز، لما صُرِفَتْ إليه، فإن الرجل
لا يكونُ مَصْرِفاً لكفارته، كما لا يكون مَصْرِفاً لزكاته، وأربابُ القول الأول
يقولون: إذا عجز عنها، وكفر الغيرُ عنه، جاز أن يَصْرِفَهَا إليه، كما صرف
النبي ◌َّر كفارةَ من جامع في رمضان إليه وإلى أهله، وكما أباح لسلمة بن صخر
أن يأكُل هو وأهلُه من كفارته التي أخرجها عنه من صدقة قومه، وهذا مذهبُ
أحمد، رواية واحدة عنه في كفارة من وطىء أهله في رمضان، وعنه في سائر
الكفارات روایتان.
والسنة تَدُلُّ على أنه إذا أعسر بالكفارة، وكفَّرَ عنه غيرُه، جاز صرف كفارته
إلیه، وإلى أهله.
٣٠٤

فإن قيل: فهل يجوز له إذا كان فقيراً له عيال وعليه زكاة يحتاج إليها أن
يصرفها إلى نفسه وعياله؟ قيل: لا يجوز ذلك لعدم الإِخراج المستحق عليه،
ولكن للإِمام أو الساعي أن يدفع زكاتَه إليه بعد قبضها منه في أصحِّ الروايتين عن
أحمد .
فإن قيل: فهل له أن يسقطها عنه؟ قيل: لا، نص عليه، والفرق بينهما
واضح.
فإن قيل: فإذا أذن السيد لعبده في التكفير بالعتق، فهل له أن يعتق نفسه؟
قيل: اختلفت الرواية فيما إذا أذن له في التكفير بالمال، هل له أن ينتقل عن
الصيام إليه؟ على روايتين إحداهما: أنه ليس له ذلك، وفرضُه الصيام، والثانية:
له الانتقال إليه، ولا يلزمُه لأنَّ المنع لِحقِّ السيد، وقد أذن فيه، فإذا قلنا: له
ذلك، فهل له العتقُ؟ اختلفت الروايةُ فيه عن أحمد، فعنه في ذلك روايتان، ووجهُ
المنع: أنه ليس من أهل الولاء، والعتق يَعْتَمِدُ الولاء، واختار أبو بكر وغيرُه أن له
الإعتاق، فعلى هذا، هل له عِتَقُ نفسه؟ فيه قولان في المذهب، ووجهُ الجواز
إطلاقُ الإِذن ووجهُ المنع أن الإِذن في الإِعتاق ينصرفُ إلى إعتاق غيره، كما لو
أذن له في الصدقة انصرف الإذن إلى الصدقة على غيره.
فصل
ومنها: أنه لا يجوز وطء المظاهر منها قبل التكفير، وقد اختلف ها هنا في
موضعين. أحدهما: هل له مُبَاشَرتها دُونَ الفرج قبل التكفير، أم لا؟ والثاني: أنه
إذا كانت كفارتُه الإطعام، فهل له الوطء قبلَه أم لا؟ وفي المسألتين قولان
للفقهاء، وهما روايتانٍ عن أحمد، وقولان للشافعي.
لا يجوز وطء المظاهر
منها قبل التكفير
ووجه منع الاستمتاع بغير الوطء، ظاهرُ قوله تعالى: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ
يَتَماسًا﴾، ولأنه شبهها بمن يحرم وطؤها ودواعيه، ووجهُ الجواز أن التَّماسَّ كنايةٌ
عن الجماع، ولا يلزم مِن تحريم الجماع تحريمُ دواعيه، فإن الحائضَ يحرم
جماعُها دون دواعيه، والصائمُ يحرم منه الوطُء دون دواعيه، والمسبية يحرم
٣٠٥

وطؤُها دونَ دواعيه، وهذا قولُ أبي حنيفة .
وأما المسألةُ الثانية وهي وطؤها قبل التكفير : إذا كان بالإِطعام، فوجه الجواز
أن الله سبحانه قيّد التكفيرَ بكونه قبل المسيس في العتق والصيام، وأطلقه في
الإطعام، ولكل منهما حِكمه، فلو أراد التقييدَ في الإِطعام، لذكره كما ذكره في
العتق والصيام، وهو سبحانه لم يقيد هذا ويطلق هذا عبثاً، بل لِفائدة مقصودة، ولا
فائدة إلا تقييد ما فيَّده، وإطلاقُ ما أطلقه. ووجهُ المنع استفادةُ حكم ما أطلقه مما
قيده، إما بياناً على الصحيح، وإما قياساً قد ألغي فيهِ الفارق بين الصورتين، وهو
سبحانه لا يُفرِّقُ بين المتماثلين، وقد ذكر: ﴿ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَا﴾ مرتين، فلو أعاده
ثالثاً، لطال به الكلام، ونه بذکره مرتین علی تکرر حکمه في الكفارات، ولو ذكره
في آخر الكلام مرةً واحدةً، لأوهم اختصاصه بالكفارة الأخيرة، ولو ذكره في أول
مرة لأوهم اختصاصه بالأولى، وإعادته في كُلِّ كفارة تطويل، وكان أفصحَ الكلام
وأبلغه وأوجزَه ما وقع .
وأيضاً فإنه نبه بالتكفير قبل المسيس بالصوم مع تطاول زمنه، وشدة الحاجة
إلى مسيس الزوجة على أن اشتراط تقدمه في الإطعام الذي لا يطول زمنه أولى.
فصل
هل يبطل المش تتابع
الصيام؟
ومنها: أنه سبحانه أمر بالصيام قبل المسيس، وذلِكَ يَعُمُّ المسيسَ ليلاً
ونهاراً، ولا خلاف بين الأئمة في تحريم وطئها في زمنِ الصوم ليلاً ونهاراً، وإنما
اختلفُوا، هل يبطل التتابع به؟ فيه قولان. أحدهما: يبطل وهو قولُ مالك، وأبي
حنيفة، وأحمد في ظاهر مذهبه، والثاني: لا يبطل، وهو قولُ الشافعي، وأحمد في
رواية أخرى عنه .
والذين أبطلوا التتابعَ معهم ظاهرُ القرآن، فإنه سبحانه أمر بشهرين متتابعين
قبل المسيس، ولم يُوجد، ولأن ذلك يتضمَّن النهي عن المسيس قبل إكمال الصيام
وتحريمه، وهو يُوجب عدم الاعتدادِ بالصوم، لأنه عمل ليس عليه أمرٌ
رسول الله ◌َلّ، فيكون رداً.
٣٠٦

وسر المسألة أنه سبحانه أوجب أمرين، أحدهما: تتابع الشهرين والثاني:
وقوعُ صيامهما قبل التماس، فلا يكون قد أتى بما أمر به إلا بمجموع الأمرين.
فصل
ومنها: أنه سبحانه وتعالى أطلق إطعام المساكين ولم يُقيده بقدر، ولا لا يشترط في إطعام
المساكين التمليك
تتابع، وذلك يقتضي أنه لو أطعمهم فغدًّاهم وعشاهم مِن غير تمليك حبٍّ أو تمر،
ولا إطعامهم جملة أو
مفرقين
جاز، وكان ممتثلاً لأمر الله، وهذا قولُ الجمهور ومالك، وأبي حنيفة، وأحمد في
إحدى الروايتين عنه، وسواء أطعمهم جملة أو متفرقين.
فصل
ومنها: أنه لا بُدَّ من استيفاء عدد الستين، فلو أطعم واحداً ستين يوماً لم
يجزه إلاَّ عن واحدٍ، هذا قول الجمهور: مالك، والشافعي، وأحمد في إحدى
الروايتين عنه. والثانية: أن الواجب إطعام ستين مسكيناً، ولو لواحدٍ وهو مذهب
أبي حنيفة. والثالثة: إن وجد غيرَه لم يجز، وإلا أجزأه، وهو ظاهرُ مذهبه، وهي
أصح الأقوال.
لا بد من إطعام ستين
مسكيناً مختلفين
فصل
ومنها: أنه لا يجزئه دفعُ الكفارة إلا إلى المساكين، ويدخُلُ فيهم الفقراءُ
كما يدخل المساكينُ في لفظ الفقراء عند الإطلاق، وعمم أصحابُنا وغيرهم
الحكمَ في كلِّ من يأخذ من الزكاة لحاجته، وهم أربعة: الفقراء والمساكين، وابنُ
السبيل، والغارمُ لمصلحته، والمكاتب. وظاهر القرآن اختصاصُها بالمساكين،
فلا يتعدّاهم.
لا تدفع الكفارة إلا إلى
المساكين ويدخل فيهم
الفقراء
فصل
ومنها: أن الله سبحانه أطلقَ الرقبةَ ها هنا، ولم يُقيدها بالإِيمان، وقيَّدها في ترجيح المصنف اشتراط
الإيمان في الرقبة
كفارة القتل بالإِيمان، فاختلف الفقهاء في اشتراط الإيمان في غير كفارة القتل،
على قولين: فشرطه الشافعيُّ، ومالك، وأحمد في ظاهر مذهبه، ولم يشترطه أبو
٣٠٧

حنيفة، ولا أهلُ الظاهر، والذين لم يشترطوا الإِيمان قالوا: لو كان شرطاً لبيّته
الله سبحانه، كما بينه في كفارة القتل، بل يُطلق ما أطلقه، ويُقيد ما قيده، فيعمل
بالمطلق والمقيد. وزادت الحنفيّة أن اشتراط الإِيمان زيادة على النص، وهو
نسخ، والقرآن لا يُنسخ إلا بالقرآن أو خبرٍ متواتٍ .
قال الآخرون: واللفظ للشافعي: شرط الله سبحانه في رقبة القتل مؤمنة،
كما شرطَ العدلَ في الشهادة، وأطلق الشهودَ في مواضع، فاستدللنا به على أن ما
أطلقَ مِن الشهادات على مثل معنى ما شَرَطَ وإنما رد الله أموال المسلمين على
المسلمين لا على المشركين وفرض الله الصدقاتِ، فلم تجز إلا للمؤمنين،
فكذلك ما فرضَ مِن الرقاب لا يجوزُ إلا لمؤمن (١)، فاستدل الشافعيُّ بأن لسان
العرب يقتضي حملَ المطلق على المقيد إذا كان مِن جنسه، فحملَ عرفَ الشرع
على مقتضى لسانهم.
وها هنا أمران. أحدهما: أن حمل المطلق على المقيد بيانٌ لا قياس.
الثاني: أنه إنما يحمل عليه بشرطين. أحدهما: اتحاد الحكم. والثاني: أن لا
يكون للمطلق إلا أصل واحد. فإن كان بين أصلين مختلفين، لم يُحمل إطلاقُه
على أحدهما إلا بدليل يُعينه. قال الشافعي: ولو نذر رقبةً مطلقةً لم يُجزه إلا
مؤمنة، وهذا بناء على هذا الأصل، وأن النذر محمولٌ على واجب الشرع،
وواجبُ العتق لا يتأدى إلا بعتق المسلم. ومما يدل على هذا، أن النبي ◌َّ قال
لمن استفتى في عتق رقبة منذورة: ائتني بها، فسألها أينَ اللَّهُ؟ فقالت: في
السماء، فقال: من أنا؟ قالت: أنتَ رسولُ اللّهِ، فقال: أعتقها فإنها مُؤمنة(٢).
قال الشافعي: فلما وصفت الإِيمانَ، أمر بعتقها انتهى.
(١) ((الأم)) ٢٨٠/٥، ((مختصر المزني)) ص ٢٠٤.
(٢) أخرجه مسلم (٥٣٧) في المساجد: باب تحريم الكلام في الصلاة من حديث
معاوية بن الحكم السلمي.
٣٠٨

وهذا ظاهر جداً أن العِتقَ المأمورَ به شرعاً لا يُجزىءُ إلا في رقبة مؤمنة،
وإلا لم يكن للتعليل بالإِيمان فائدة، فإن الأعم متى كان علة للحكم كان الأخصُّ
عدیم التأثير.
وأيضاً فإن المقصود من إعتاق المسلم تفريغُه لعبادة ربه، وتخليصُه من
عبودية المخلوق إلى عبودية الخالق، ولا ريبَ أن هذا أمرٌ مقصودٌ للشارع
محبوب له، فلا يجوزُ إلغاؤُه، وكيف يستوي عند الله ورسوله تفريغُ العبد لعبادته
وحده، وتفريغُه لعبادة الصليب، أو الشمس والقمر والنار، وقد بيَّن سبحانه
اشتراطَ الإِيمان في كفارة القتل، وأحال ما سكتَ عنه على بيانه، كما بيّن اشتراطَ
العدالة في الشاهدين، وأحال ما أطلقه، وسكت عنه على ما بينه، وكذلك غالبُ
مطلقات كلامه سبحانه ومقيداته لمن تأملها، وهي أكثرُ من أن تُذكر، فمنها: قوله
تعالى فيمن أمر بصدقة، أو معروف، أو إصلاح بين الناس: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ
ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً﴾ [النساء: ١١٤]، وفي موضع آخر،
بل مواضع يُعلق الأجر بنفس العمل اكتفاءً بالشرط المذكور في موضعه، وكذلك
قوله تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلاَ كُفْرَانَ لِسَعْبِهِ﴾
[الأنبياء: ٩٤]، وفي موضع يُعلِّق الجزاء بنفس الأعمال الصالحة اكتفاءً بما علم
من شرط الإِيمان، وهذا غالب في نصوص الوعد والوعيد.
فصل
ومنها: أنه لو أعتق نصفي رقبتين لم يكن معتقاً لرقبة، وفي هذا ثلاثةُ أقوال لو أعتق نصفي رقبتين لم
يكن معتقاً لرقبة
للناس، وهي روايات عن أحمد، ثانيها الإِجزاء، وثالثها وهو أصحها: أنه إن
تكملت الحريةُ في الرقبتين أجزأه، وإلا فلا، فإنه يَصْدُقُ عليه أنه حرَّر رقبة، أي:
جعلها حرة بخلاف ما إذا لم تكمل الحرية .
فصل
لا تسقط الكفارة بالوطء
ومنها: أن الكفارة لا تسقُط بالوطءِ قبلَ التكفير، ولا تتضاعف، بل هى قبل التكفير ولا تتضاعف
٣٠٩

بحالها كفارةٌ واحدة، كما دل عليه حكمُ رسول الله ﴿ الذي تقدم، قال
الصلتُ بنُ دينار: سألتُ عشرة مِن الفقهاء عن المظاهر يُجامع قبل أن يكفر،
فقالوا: كفارة واحدة. قال: وهم الحسنُ، وابنُ سيرين، ومسروق، وبكر،
وقتادة، وعطاء، وطاووس، ومجاهد، وعكرمة. قال: والعاشر، أراه نافعاً،
وهذا قولُ الأئمة الأربعة .
وصحَّ عن ابن عمر، وعمرو بن العاص، أن عليه كفارتين، وذكر سعيد بن
منصور، عن الحسن، وإبراهيم في الذي يُظاهر، ثم يطؤها قبل أن يكفِّر: عليه
ثلاثُ كفارات، وذكر عن الزهري، وسعيد بن جبير، وأبي يوسف، أن الكفارة
تسقُطُ، ووجه هذا أنه فات وقتُها، ولم يبق له سبيل إلى إخراجها قبل المسيس.
وجواب هذا، أن فوات وقت الأداء لا يُسقطُ الواجب في الذمّة كالصلاةِ
والصيام وسائر العبادات، ووجهُ وجوب الكفارتين أن إحداهما للظهار الذي اقترن
به العودُ، والثانية للوطء المحرَّم، كالوطء في نهار رمضان، وكوطء المحرِمِ، ولا
يُعلم لإِيجاب الثلاثِ وجه، إلا أن يكونَ عقوبة على إقدامه على الحرام، وحكم
رسول الله ◌َّ يدلُّ على خلاف هذه الأقوال، والله أعلم.
حُكْمُ رسولِ اللهِ ﴾ في الإِلاء
ثبت في ((صحيح البخاري)): عن أنس قال: آلى رسولُ اللَّهِ يَِّ مِن نسائه،
وكانت انفكت رجلُه، فأقام في مَشْرُبَةٍ له تِسعاً وعِشرين ليلة، ثم نزل، فقالُوا: يا
رَسولَ الله: آليتَ شهراً، فقال: ((إنَّ الشَّهْرَ يَكُونُ تِسْعاً وعِشْرِينَ))(١).
وقد قال سبحانه: ﴿لَلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرِبُّصُ أَزْبَعَةٍ أَشْهُرٍ، فَإِنْ نَاؤُوا
(١) أخرجه البخاري ١٠٦/٤ في الصوم: باب إذا رأيتم الهلال فصوموا، و٣٧٦/٩ في
الطلاق و٤٩٣/١١ في الأيمان والنذور: باب قول الله تعالى: ﴿الذين يؤلون من
نسائهم تربص أربعة أشهر﴾ والمشربة: الغرفة.
٣١٠

فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ، وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ، فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾
[البقرة: ٢٢٦].
الإِيلاء: لغة: الامتناع باليمين، وخُصَّ في عرف الشرع بالامتناعِ باليمينِ
مِن وطء الزوجة، ولهذا عُدِّيَ فعلُه بأداة ((مِن)) تضميناً له معنى (يمتنعون)) من
نسائهم، وهو أحسنُ من إقامة ((مِن)) مقام ((عَلَى))، وجعل سبحانه للأزواج مُدَّة
أربعة أشهر يمتنعونَ فيها مِن وطء نسائهم بالإِبِلاء، فإذا مضت فإما أن يَقيء، وإما
أن يُطَلّق، وقد اشتهر عن علي، وابنِ عباس، أن الإِيلاء إنما يكون في حال
الغضب دون الرضى، كما وقع لِرسول الله ◌َّ مع نسائه، وظاهرُ القرآن مع
الجمهور .
وقد تناظر في هذه المسألة محمد بن سيرين، ورجل آخر، فاحتج على
محمد بقول علي، فاحتج علیه محمد بالآية، فسكت.
وقد دلت الآية على أحكام.
الأحكام المستنبطة من
اية الإيلاء
منها: هذا. ومنها: أن من حلف على ترك الوطء أقلّ من أربعة أشهر لم
یکن مؤلیاً، وهذا قول الجمهور، وفيه قول شاذ، أنه مؤل.
ومنها: أنه لا يثبت له حكم الإيلاء حتى يَخْلِفَ على أكثر من أربعة أشهر، لا يثبت حكم الإيلاء حتى
فإن كانت مدة الامتناع أربعة أشهر، لم يثبت له حكمُ الإِيلاء، لأن الله جعل لهم
يحلف على أكثر من
أربعة أشهر
مدةَ أربعة أشهر، وبعدَ انقضائها إما أن يُطلِّقوا، وإما أن يفيؤوا، وهذا قولُ
الجمهور، منهم، أحمد، والشافعي، ومالك، وجعله أبو حنيفة مؤلياً بأربعة أشهر
سواء، وهذا بناء على أصله أن المدةَ المضروبة أجلٌ لوقوع الطلاق بانقضائها،
والجمهور يجعلون المدة أجلاً لاستحقاق المطالبة، وهذا موضع اختلف فيه
السلفُ من الصحابة رضي الله عنهم والتابعين ومَنْ بعدهم، فقال الشافعي، حدثنا
سفيانَ، عن يحيى بن سعيد، عن سليمانَ بن يسار، قال: أدركتُ بضعة عشرَ
٣١١

رجلاً مِن الصحابة، كلهم يُوقِفُ المؤلي(١). يعني: بعد أربعة أشهر. وروى
سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، قال: سألتُ اثني عشر رجلاً مِن أصحابٍ
رسولِ الله وَّة عن المؤلي، فقالوا: ليس عليه شيء حتى تمضيَ أربعةُ أشهر (٢).
وهذا قولُ الجمهور مِن الصحابة والتابعين، ومن بعدهم.
وقال عبد الله بن مسعود، وزيدُ بن ثابت: إذا مضت أربعة أشهر ولم يفىء
فيها، طلقت منه بمضيها(٣)، وهذا قولُ جماعةٍ من التابعين، وقولُ أبي حنيفة
وأصحابه، فعند هؤلاء يستحِقُّ المطالبة قبل مضي الأربعة الأشهر، فإن فاء وإلا
طلقت بمضيها. وعند الجمهور، لا يستحق المطالبة حتى تمضي الأربعة الأشهر،
فحينئذ يقال: إما أن تفيء، وإما أن تُطلق، وإن لم يفىء، أُخِذَ بإيقاع الطلاق، إما
بالحاكم، وإما بحبسه حتى يطلِّق.
قال الموقعون للطلاق بمضي المدة: آية الإِيلاء تدل على ذلك من ثلاثة
أوجه.
حجج من أوقع الطلاق
بمضي المدة
أحدها: أن عبدَ الله بن مسعود قرأ: ((فَإِنْ فَاؤُوا فيهنَّ فَإِنَّ الله غَفُورٌ رَحِيمٌ))
فإضافة الفيئة إلى المدة تدل على استحقاق الفيئة فيها، وهذه القراءة إما أن تُجرى
مجرى الخبر الواحد، فتوجب العمل، وإن لم تُوجب كونها مِن القرآن، وإما أن
تكون قرآناً نسخ لفظه، وبقي حكمه لا يجوز فيها غير هذا البتة.
الثاني: أن الله سبحانه جعل مدة الإِيلاء أربعة أشهر، فلو كانت الفيئةُ
بعدها، لزادت على مدة النص، وذلك غير جائز.
(١) أخرجه الشافعي ٣٨٦/٢، وإسناده صحيح.
(٢) أخرجه الدار قطني ص ٤٥١، وإسناده قوي.
(٣) أخرجه البيهقي ٣٧٩/٧ عن ابن مسعود وإسناده صحيح، وفي الباب عن ابن عباس
عند ابن أبي شيبة ((عزيمة الطلاق انقضاء الأربعة الأشهر، والفيء الجماع)) وسنده
صحيح كما في ((الجوهر النقي)) ٣٧٩/٧.
٣١٢

الثالث: أنه لو وطئها في مدة الإِيلاء، لوقعت الفيئةُ موقِعَها، فدل على
استحقاق الفیئة فيها .
قالوا: ولأن الله سبحانه وتعالى جعل لهم تربصَ أربعة أشهر، ثم قال:
﴿فَإِنْ فَاؤُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلاَقَ﴾ وظاهر هذا أن هذا التقسيمَ
في المدة التي لهم فيها تربص، كما إذا قال لغريمه: أصبر عليك بديني أربعة
أشهر، فإن وفيتني وإلا حبستك، ولا يُفهم من هذا إلا إن وفَّيتني في هذه المدة،
ولا يُفهم منه إن وفيتني بعدها، وإلا كانت مدة الصبر أكثر من أربعة أشهر، وقراءة
ابن مسعود صريحة في تفسير الفيئة بأنها في المدة، وأقلُّ مراتبها أن تكون تفسيراً.
قالوا: ولأنه أجلٌ مضروب للفرقة، فتعقبه الفرقة كالعدة، وكالأجل الذي ضُرِبَ
لوقوع الطلاق، كقوله: إذا مضت أربعة أشهر، فأنت طالق.
قال الجمهور: لنا مِن آية الإيلاء عشرة أدلة.
حجج الجمهور بعدم
إيقاع الطلاق بمضي المدة
أحدها: أنه أضاف مدة الإيلاء إلى الأزواج، وجعلَها لهم، ولم يجعلها
عليهم، فوجبَ ألا يستحق المطالبة فيها، بل بعدَها، كأجلِ الدَّين، ومن أوجبَ
المطالبةَ فيها لم يكن عنده أجلاً لهم، ولا يُعقل كونها أجلاً لهم، ويستحق عليهم
فيها المطالبة .
الدليل الثاني: قوله: ﴿فَإِنْ فَاؤُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾، فذكر الفيئةَ بعد
المدة بفاء التعقيب، وهذا يقتضي أن يكونَ بعدَ المدة، ونظيرُه قولُه سبحانه:
﴿الطَّلاَقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: ٢٢٩]. وهذا بعدَ
الطلاق قطعاً .
فإِن قيل: فاء التعقيب تُوجب أن يكونَ بعد الإِيلاء لا بعدَ المدة؟ قيل: قَد
تقدَّمَ في الآية ذكر الإِيلاء، ثم تلاه ذكر المدة، ثم أعقبها بذكر الفيئة، فإذا أوجبت
الفاءُ التعقيبَ بعد ما تقدم ذكرُه، لم يجز أن يعود إلى أبعدِ المذكورين، ووجب
عودُها إليهما أو إلى أقربهما .
٣١٣

الدليل الثالث: قوله: ﴿وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَقَ﴾ [البقرة: ٢٢٧]، وإنما العزم
ما عزم العازمُ على فعله، كقوله تعالى: ﴿وَلاَ تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النَّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ
الكِتَابُ أَجَلَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٥]، فإن قيل: فتركُ الفيئة عزم على الطلاق؟ قيل:
العزمُ هو إرادة جازمة لفعل المعزوم عليه أو تركه، وأنتم تُوقعون الطلاقَ بمجرد
مضيٍّ المدة وإن لم يكن منه عزم لا على وطء ولا على تركه، بل لو عزم على
الفيئة، ولم يُجامع طلقتم عليه بمضيِّ المدة، ولم يعزم الطلاق، فكيفما قدرتم،
فالآيةُ حجة علیکم.
الدليل الرابع: أن الله سبحانه خيَّره في الآية بين أمرين: الفيئةِ أو الطلاقِ،
والتخييرُ بين أمرين لا يكون إلا في حالة واحدة كالكفارات، ولو كان في حالتين،
لكان ترتيباً لا تخييراً، وإذا تقرر هذا، فالفيئة عندكم في نفس المدة، وعزمُ الطلاق
بانقضاء المدة، فلم يقع التخييرُ في حالة واحدة.
فإن قيل: هو مخيّر بين أن يفيء في المدة، وبين أن يترك الفيئة، فيكون
عازماً للطلاق بمضي المدة. قيل: ترك الفيئة لا يكون عزماً للطلاق وإنما يكون
عزماً عندكم إذا انقضت المدة، فلا يتأتَّى التخييرُ بين عزم الطلاق وبين الفيئة البتة،
فإنه بمضي المدة يقع الطلاق عندكم فلا يمكنه الفيئة، وفي المدة يمكنه الفيئة،
ولم يحضر وقتُ عزم الطلاق الذي هو مضي المدة، وحينئذ فهذا دليل خامس
مستقل.
الدليل السادس: أن التخيير بين أمرين يقتضي أن يكون فِعلُهما إليه، ليصح
منه اختيارُ فعل كل منهما وتركه، وإلا لبطل حكمُ خياره، ومضي المدة ليس إليه .
الدليل السابع: أنه سبحانه قال: ﴿وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللّهِ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾،
فاقتضى أن يكون الطلاقُ قولاً يُسمع، ليحسن ختم الآية بصفة السمع.
الدليل الثامن: أنه لو قال لغريمه: لك أجلُ أربعة أشهر، فإن وفيتني، قبلتُ
٣١٤

منك، وإن لم تُوفني، حبستُك، كان مقتضاه أن الوفاءَ والحبس بعد المدة لا فيها:
ولا يَعْقِلُ المخاطبُ غيرَ هذا.
فإن قيل: ما نحن فيه نظيرُ قوله: لك الخيار ثلاثة أيام، فإن فسخت البيع
وإلا لزمك، ومعلومٌ أن الفسخَ إنما يقع في الثلاث لا بعدها؟ قيل: هذا مِن أقوى
حُججنا عليكم، فإن موجبَ العقد اللزومُ، فجعل له الخيار في مدة ثلاثة أيام،
فإذا انقضت ولم يفسخ، عاد العقدُ إلى حكمه، وهو اللزومُ، وهكذا الزوجة لها
حقٌّ على الزوج في الوطء، كما له حقٌّ عليها، قال تعالى: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي
عَلَيْهِنَّ بالمعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٢٨]، فجعل له الشارعُ امتناعَ أربعة أشهر لا حقَّ
لها فيهن، فإذا انقضت المدةُ، عادت على حقِّها بموجبِ العَقد، وهو المطالبة لا
وقوع الطلاق، وحينئذ فهذا دليل تاسع مستقل.
الدليل العاشر: أنه سبحانه جعل للمؤلين شيئاً، وعليهم شيئين، فالذي لهم
تربُّصُ المدة المذكورة، والذي عليهم إما الفيئةُ وإما الطلاقُ، وعندكم ليس عليهم
إلا الفيئةُ فقط، وأما الطلاقُ، فليس عليهم، بل ولا إليهم، وإنما هو إليه سبحانه
عند انقضاءِ المدة، فيُحكم بطلاقها عقيب انقضاء المدة شاء أو أبى، ومعلوم أن
هذا ليس إلى المؤلي ولا عليه، وهو خلافُ ظاهر النص. قالوا: ولأنها يمين
بالله تعالى توجب الكفارةَ، فلم يقع بها الطلاق كسائر الأيمان، ولأنها مدة قدرها
الشرعُ، لم تتقدمها الفرقة، فلا يقع بها بينونة، كأجل العِنِين، ولأنه لفظ لا يَصِحُ
أن يقع به الطلاق المعجَّل، فلم يقع به المؤجَّلُ كالظهار، ولأن الإِيلاء كان طلاقاً
في الجاهلية، فنسخ كالظهار، فلا يجوز أن يقع به الطلاق لأنه استيفاءٌ للحكم
المنسوخ، ولما كان عليه أهلُ الجاهلية .
إبطال ما عليه أهل
الجاهلية من جعل الإيلاء
والظهار طلاقا
قال الشافعي: كانت الفِرَقُ الجاهلية تَحلِفُ بثلاثة أشياء: بالطَّلاق،
والظَّهار، والإِيلاء، فنقل الله سبحانه وتعالى الإِبِلاء والظَّهار عما كانا عليه في
الجاهلية من إيقاع الفرقة على الزوجة إلى ما استقرَّ عليه حكمهما في الشرع،
٣١٥

وبقي حكمُ الطلاق على ما كان عليه، هذا لفظه (١).
قالوا: ولأن الطلاقَ إنما يقع بالصريح والكناية، وليس الإِيلاء واحداً
منهما، إذ لو كان صريحاً، لوقع معجَّلاً إن أطلقه، أو إلى أجل مسمَّى إن قيَّده ولو
كان كنايةً، لرجع فيه إلى نيته، ولا يَرِدُ على هذا اللعان، فإنه يُوجب الفسخَ دونَ
الطلاق، والفسخُ يقع بغير قول، والطلاقُ لا يقع إلا بالقول.
قالوا: وأما قراءةُ ابنِ مسعود، فغايتُها أن تدُلَّ على جواز الفيئة في مدة
التربُّصٍ، لا على استحقاقِ المطالبة بها في المدة، وهذا حقٌّلا ننكِرُه.
وأما قولُكم: جوازُ الفيئة في المدة دليلٌ على استحقاقها فيها، فهو باطل
بالدَّيْنِ المؤجَّلِ .
وأما قولُكم: إنه لو كانت الفيئة بعد المدة، لزادت على أربعة أشهر، فليس
بصحيح، لأن الأربعة الأشهر مدة لزمن الصبرِ الذي لا يستحِقُّ فيه المطالبة،
فبمجرد انقضائها يستحِقُّ عليه الحقُّ، فلها أن تعجِّل المطالبة به. وإمّا أن تُنْظِرَه،
وهذا كسائِرِ الحقوق المعلّقة بآجال معدودة، إنما تُستحق عند انقضاء آجالها، ولا
يُقال: إن ذلك يستلزِمُ الزيادةَ على الأجل، فكذا أجلُ الإِيلاء سواء.
فصل
الحجة في أن المؤلي
مخيّرٌ بين الطلاق والعود
ودلت الآية علی أن کلَّ مَنْ صحَّ منه الاپلاء بأيِّ یمین حلف، فهو مؤلٍ حتى
يَبَرَّ، إما أن يفيءَ، وإما أن يُطلِّقَ، فكان في هذا حجةٌ لما ذهب إليه مَن يقول مِن
السلف والخلفِ: إن المؤلي باليمين بالطلاق، إما أن يفيء، وإما أن يطلِّقَ، ومن
يُلزمه الطلاق على كل حال لم يُمكنه إدخال هذه اليمين في حكم الإِبلاء، فإنه إذا
قال: إن وطئتك إلى سنة، فأنت طالق ثلاثاً، فإذا مضت أربعةُ أشهر لا يقولون له:
إما أن تطأ، وإما أن تُطلِّقَ، بل يقولون له: إن وطئتها طلقت، وإن لم تطأها،
مسألة في قوله: إن
وطئتك فأنت طالق ثلاثاً
(١) ((الأم)) ٢٧٧/٥ بنحوه.
٣١٦

طلقنا عليك، وأكثرُهم لا يُمكنه من الإبلاج لوقوع النزع الذي هو جزء الوطء في
أجنبية، ولا جواب عن هذا إلا أن يقال: بأنه غير مؤل، وحينئذ فيقال: فلا تُوقفوه
بعد مضي الأربعة الأشهر، وقولوا: إن له أن يمتنع مِن وطئها بيمينِ الطلاق دائماً،
فإن ضربتم له الأجل، أثبتم له حكم الإيلاء مِن غير يمين، وإن جعلتموه مؤلياً ولم
تجيزوه، خالفتم حكم الإيلاء، وموجب النص، فهذا بعضُ حجج هؤلاء على
منازعیھم.
فإن قيل: فما حكمُ هذه المسألة، وهي إذا قال: إن وطئتُك، فأنتِ طالق
ثلاثاً.
قيل: اختلف الفقهاءُ فيها، هل يكون مؤلياً أم لا؟ على قولين، وهما
روايتان عن أحمد، وقولان للشافعي في الجديد: أنه يكون مؤلياً، وهو مذهب
أبي حنيفة، ومالك. وعلى قولين: فهل يُمكَّنُ مِن الإيلاج؟ فيه وجهان لأصحاب
أحمد والشافعي.
أحدهما: أنه لا يُمكن منه، بل يحرمُ عليه، لأنها بالإِبِلاج تطلق عندهم
ثلاثاً، فيصيرُ ما بعد الإيلاج محرماً، فيكون الإبلاج محرماً، وهذا كالصائم إذا
تيقن أنه لم يبق إلى طلوع الفجر إلا قدر إيلاج الذكر دون إخراجه، حَرُمَ عليه
الإِبِلاجُ، وإن كان في زمن الإباحة، لوجود الإِخراج في زمن الحظر، كذلك ها
هنا يحرم عليه الإِبِلاجُ، وإن كان قبل الطلاق لوجود الإِخراج بعده.
والثاني: أنه لا يحرم عليه الإِبلاج، قال الماوردي: وهو قولُ سائر
أصحابنا، لأنها زوجته، ولا يحرم عليه الإِخراج، لأنه ترك. وإن طلقت
بالإِيلاج، ويكون المحرمُ بهذا الوطء استدامة الإيلاج لا الابتداء والنزع، وهذا
ظاهر نص الشافعي، فإنه قال: لو طلع الفجرُ على الصائم وهو مجامع وأخرجه
مكانَه كان على صومه، فإن مكث بغير إخراجه، أفطر، ويكفِّرُ. وقال في كتاب
الإِيلاء: ولو قال: إن وطئتُك، فأنتِ طالق ثلاثاً، وقف، فإن فاء، فإذا غيَّب
٣١٧

الحشفة، طلقت منه ثلاثاً، فإن أخرجه ثم أدخله، فعليه مهرُ مثلها. قال هؤلاء:
ويدل على الجواز أن رجلاً لو قال الرجل: ادخل داري، ولا تقم، استباح الدخول
لوجوده عن إذن، ووجب عليه الخروجُ لمنعه من المقام، ويكون الخروجُ وإن
كان في زمن الحظر مباحاً، لأنه تركٌ، كذلك هذا المؤلي يستبيحُ أن يولج،
ويستبيحُ أن ينزع، ويحرم عليه استدامةُ الإِبِلاج، والخلاف في الإِبلاج قبل الفجر
والنزع بعده للصائم، كالخلاف في المؤلي، وقيل: يحرم على الصائم الإيلاج قبل
الفجر، ولا يحرم على المؤلي، والفرق أن التحريم قد يطرأ على الصائم بغير
الإِيلاج، فجاز أن يحرُمَ عليه الإِبلاج، والمؤلي لا يطرأ عليه التحريم بغير
الإيلاج، فافترقا.
:
وقالت طائفة ثالثة: لا يحرُمُ عليه الوطءُ، ولا تطلُق عليه الزوجةُ، بل
يُوقف، ويقال له: ما أمر الله إما أن تفيء، وإما أن تُطلق. قالوا: وكيف يكون
مؤلياً ولا يُمكن من الفيئة، بل يلزم بالطلاق، وإن مكن منها، وقع به الطلاق،
فالطلاق واقع به على التقديرين مع كونه مؤلياً؟ فهذا خلافُ ظاهرِ القرآن، بل يقال
لهذا: إن فاء لم يقع به الطلاقُ، وإن لم يفيء، أُلزِمَ بالطلاق، وهذا مذهبُ من
يرى اليمينَ بالطلاق لا يُوجب طلاقاً، وإنما يُجزئه كفارة يمين، وهو قولُ أهل
الظاهر، وطاووس، وعكرمة، وجماعة من أهل الحديث، واختيار شيخ الإِسلام
ابن تیمیة قدس الله روحه.
حُكم رسولِ الله ◌ِ ﴾ في اللعان
قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْواجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إلَّ أَنْفُسُهُمْ
فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتِ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ. والخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَيْهِ
إِنْ كَانَ مِنَ الكَاذِبِينَ. ويَدْرَؤُ عَنْهَا العَذَابِ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ
الكَاذِبِينَ. والخَامِسةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ [النور: ٩،٦].
وثبت في ((الصحيحين)): من حديث سهل بن سعد، أن عُوَيْمِراً العجلانيَّ
٣١٨

قال لِعَاصِم بن عدي: أَرَأَيَتَ لو أن رجلاً وَجَدَ مَعَ امرأتِهِ رجلاً أَيقتُلُه فتقتُلُونه، أم
كيف يفعلُ؟ فسل لي رَسولَ اللّهِ ◌َ﴿، فسألَ رسولَ الله ◌َيَّةِ، فكره رسولُ اللَّهِ
المَسَائِلَ وعَابَها، حتى كَبُرَ على عاصِمٍ مَا سَمِعَ مِنْ رسولِ اللهِ ◌ِّ، ثم إن عويمراً
سأل رسولَ اللّهِ ◌ِهَ عن ذلك، فقال: ((قَدْ نَزَلَ فيكَ وفي صَاحِبِتَكَ، فَاذْهَبْ، فَأْتِ
بِهَا))، فَتَلاَعَنَا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ بِهِ، فَلَمَّا فَرَغَا قال: كذبتُ عَلَيْهَا يا رسولَ اللَّهِ إن
أمسكتُها، فطلَّقها ثلاثاً قَبْلَ أَن يأمُرَهُ رسولُ اللَّهِ ﴿ .. قال الزهرُّ: فكانت تِلْكَ
سنةَ المتلاعِنْينِ. قال سهل: وكانت حَامِلاً، وكان ابنُهَا يُنْسَبُ إلى أمه، ثم جرت
السُّنةُ أَن يَرِثَها وَتَرِثَ مِنْهُ ما فَرَضَ اللَّهُ لها.
وفي لفظ: فتلاعنا في المسجد، ففارقها عندَ النبيِّ ◌َ، فقال النبيُّ ◌ِلّ:
((ذاكُم التَّفْرِيقُ بَيْنَ كُلِّ مُتَلاعِنَيْن))(١).
وقولُ سهل: وكانت حاملاً إلى آخره، هو عند البخاري مِن قول الزهري،
وللبخاري: ثم قالَ رسولُ اللهِ: ((انْظُرُوا فَإِنْ جَاءَتْ به أَسْحَمَ أَدْعَجَ العَيْنَيْنِ
عَظيمَ الأَلْيَتَيْن، خَدَلَّجِ السَّاقَيْنِ فَلاَ أَحْسِبُ عُوَيْمِراً إِلاَّ قَدْ صَدَقَ عَلَيْهَا، وإِنْ جَاءَتْ
بِهِ أُحَمْيِرَ كَأَنَّهُ وخْرَةٌ فَلاَ أَحْسِبُ عُوَيْمِراً إِلَّ قَدْ كَذَبَ عَلَيْهَا))، فجاءت به على
النَّعْتِ الذي نعتَ به رسولُ الله ◌ِ﴾ من تصديق عويمر .
وفي لفظ: وكانت حَامِلاً، فأنكر حملَها (٢).
وفي ((صحيح مسلم)): من حديث ابن عمر، أن فلانَ بنَ فلان، قال: یا
رسولَ اللَّهِ! أرأيتَ لو وجد أحدُنا امرأتَه على فاحِشةٍ، كيف يصنعُ، إن تكلم،
(١) أخرجه البخاري ٣٩٣/٩، ٣٩٨ في الطلاق: باب اللعان ومن طلق بعد اللعان،
وباب التلاعن في المسجد، ومسلم (١٤٩٢) في أول اللعان (١) و(٢) و(٣).
(٢) أخرجه البخاري ٨/ ٣٤٠ في تفسير سورة النور: باب قوله عز وجل: ﴿والذين يرمون
أزواجهم ولم يكن لهم شهداء﴾ وباب: والخامسة أن لعنة الله عليه إن كان من
الكاذبين. والأسحم الشديد السواد، وخدلّج الساقين: عظيمهما، والوحرة: دُويبة
شبه الوزغة تلزق بالأرض جمعها: وحَرٌ.
٣١٩

تكلّم بأمر عظيم، وإن سكت، سَكَتَ على مِثْل ذلِكَ؟ فسكت النبيُّ مٍَّ، فلم
يُجِبْهُ، فلما كان بعدَ ذلك، أتاه فقال: إنَّ الَّذِي سَأَلْتُكَ عَنْهُ قَدِ ابْتُلِيتُ بِهِ، فأنزلَ
اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ هؤلاءِ الآيات في سُورَةِ الُّورِ: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾، فتلاهن
عليه ووعظَه، وذكَّره وأخبره أن عذابَ الدنيا أهونُ مِن عذابِ الآخرة. قال: لا
والَّذِي بَعَثَك بِالحَقِّ ما كذبتُ عليها، ثم دعاها فوعظَهَا، وذكرها، وأخبرها أن
عذابَ الدنيا أهونُ مِن عذابِ الآخرة، قالَت: لا والَّذِي بَعَثَك بالحَقِّ إنه لكاذِبٌ،
فبدأ بالرَّجُلِ فَشَهِدَ أربعَ شهادَاتٍ باللَّهِ إنه لمن الصادقين، والخامسة أنَّ لعنةَ اللَّهِ
عليه إن كان مِن الكَاذِبِينَ، ثم ثنَّى بالمرأةِ، فَشَهِدَتْ أربعْ شهادَاتٍ باللّهِ إِنَّه لمن
الكاذبينَ، والخامسة أنَّ غَضَبَ اللَّهِ عليها إن كان من الصَّادقين، ثم فرَّق
بينهُمَا(١) .
وفي ((الصحيحين)) عنه، قال رسولُ اللّهِ وَّ للمُتلاعنين: ((حِسَابُكُما عَلى
اللَّهِ، أَحَدُكُمَا كَاذِبٌ، لا سَبِيلَ لَكَ عَلَيْهَا))، قال: يا رسولَ اللهِ! مالي؟ قال: لاَ
مَالَ لَكَ، إِنْ كُنْتَ صَدَقْتَ عَلَيْهَا، فَهُوَ بِمَا اسْتَحْلَلْتَ مِن فَرْجِهَا، وَإِنْ كُنْتَ كَذَبْتَ
عَلَيْهَا، فَهُوَ أَبْعَدُ لَكَ مِنْهَا)) .
وفي لفظ لهما: فرَّق رسولُ اللّهِ نَّهُ بَيْنَ المُتَلاعِنَيْنِ، وقال: ((واللَّهِ إِن
أَحَدَكُمَا كَاذِبٌ، فَهَلْ مِنْكُمَا تَائِبٌ)(٢)؟.
وفيهما عنه: أن رجلاً لا عَنَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ بَلِ، ففرَّقَ رسولُ اللَّهِ ◌َّ
بَيْنَهُمَا، وألحق الولد بأمِّه(٣).
وفي ((صحيح مسلم)): من حديث ابن مسعود رضي الله عنه في قِصةٍ
(١) أخرجه مسلم (١٤٩٣).
(٢) أخرجه البخاري ٤٠٣/٩ في الطلاق: باب قول الإمام للمتلاعنين: إن أحدكما
كاذب، ومسلم (١٤٩٣) (٥) و(٦).
(٣) أخرجه البخاري ٤٠٤/٩، ٤٠٥، ومسلم (١٤٩٤).
٣٢٠