Indexed OCR Text
Pages 201-220
الله فِيمَا أَمَرَك مِنْ طَلَاقِ امْرَأَتِكَ (١). فتضمَّنَتْ هذه النصوص أن المطلّقة نوعان: مدخولٌ بها، وغيرُ مدخول بها، وكلاهما لا يجوز تطليقها ثلاثاً مجموعة، ويجوزُ تطليقُ غيرِ المدخولِ بها طاهراً وحائضاً. وأما المدخولُ بها، فإن كانت حائضاً أو نفساء، حرم طلاقُها، وإن كانت طاهراً، فإن كانت مستبينَةَ الحمل، جاز طلاقُها بعد الوطءِ وقبله، وإن كانت حائلاً لم يَجُزْ طلاقها بعد الوطء في طُهر الإصابة، ويجوز قبلَه. هذا الذي شرعه اللهُ على لسان رسولهُ مِن الطلاق، وأجمعَ المسلمون على وقوع الطلاق الذي أذن الله فيه، وأباحه إذا كان مِن مكلَّفٍ مختارٍ، عالم بمدلول اللفظ، قاصدٍ له. واختلفوا في وقوع المحرَّم من ذلك، وفيه مسألتان. الاختلاف في وقوع المحرم من الطلاق المسألة الأولى: الطلاق في الحيض، أو في الطهر الذي واقعها فيه. المسألة الثانية: في جمع الثلاث، ونحن نذكر المسألتين تحريراً وتقريراً، كما ذكرناهما تصويراً، ونذكر حُجَجَ الفَريقينِ، ومنتهى أقدام الطائفتينِ، مع العلم بأن المقلِّد المتعصِّب لا يتركُ مَنْ قَلده ولو جاءته كُلُّ آية، وأن طالبَ الدليل لا يأتمُّ بسواه، ولا يُحَكِّمُ إلا إياه، ولِكل من الناس مَوْرِدٌ لا يتعداه، وسبيل لا يتخطاه، ولقد عُذِرَ مَنْ حَمَلَ ما انتهت إليه قواه، وسعی إلی حیث انتهت إليه خُطاه. فأما المسألةُ الأولى، فإن الخلافَ في وقوع الطلاق المحرَّم لم يزل ثابتاً بين السلف والخلف، وقد وَهِمَ من ادعى الإِجماعَ على وقوعه، وقال بمبلغ علمه، وخفي عليه مِن الخلاف ما اطلع عليه غيرُه، وقد قال الإِمامُ أحمد: هل يقع الطلاق في الحيض أو في الطهر الذي واقعها فيه (١) أخرجه البخاري ٣٢٦/٩ في الطلاق: باب من قال لامرأته: أنت علي حرام، وباب ﴿وبعولتهن أحق بردِّهن)، ومسلم (١٤٧١) في الطلاق: باب تحريم طلاق الحائض . ٢٠١ من ادعى الإِجماع، فهو كاذب، وما يُدريه لعلَّ الناسَ اختلفوا. كيف والخلافُ بين الناس في هذه المسألة معلومُ الثبوت عن المتقدمين والمتأخرين؟ قال محمد بن عبد السلام الخُشني: حدثنا محمد بن بشار، حدثنا عبد الوهّاب بنُ عبد المجيدِ الثقفي، حدثنا عُبيد الله بن عمر، عن نافع مولى ابن عمر، عن ابن عمر رضي الله عنه أنه قال في رجل طلق امرأته وهي حائض. قال ابن عمر: لا يعتد بذلك، ذكره أبوه محمد بن حزم في ((المحلی))(١) بإسناده إليه. وقال عبد الرزاق في ((مصنفه)): عن ابن جريج، عن ابن طاووس، عن أبيه أنه قال: كان لا يرى طلاقاً ما خالفَ وجهَ الطَّلَاقِ، ووجْهَ العِدة، وكان يقول: وجهُ الطلاقِ: أن يُطَلِّقَها، طاهِراً مِن غير جماع وإذا استبان حملُها(٢). وقال الخُشني: حدثنا محمد بنُ المثَّنى، حدثنا عبدُ الرحمن بن مهدي، حدثنا همَّام بن يحيى، عن قتادة، عن خِلاس بن عمرو أنه قال في الرجل يُطلِّق امرأته وهي حائض: قال: لا يُعْتَدُّ بها(٣) قال أبو محمد بن حزم: والعجبُ من جُرأة منِ ادَّعى الإِجماعَ على خلاف هذا، وهو لا يجد فيما يُوافق قوله في إمضاء الطلاق في الحيض أو في طهر جامعها فيه كلمة عن أحدٍ من الصحابة رضي الله عنهم غيرَ رواية عن ابن عمر قد عارضها ما هو أحسنُ مِنا عن ابن عمر، ورِوايتين ساقطتينِ عن عُثمان وزيدِ بن ثابت رضي الله عنهما. إحداهما: رويناها من طريق ابن وهب عن ابنٍ سمعان، عن رجل أخبره أن عثمانَ بن عفان رضي الله عنه كان يقضي في المرأة التي يُطلِّقُها زوجها وهي حائض أنها لا تعتدُّ بحيضتها تلك، وتعتدُّ بعدَها بثلاثة قروء. (١) ١٦٣/١٠، ورجاله ثقات. (٢) أخرجه عبد الرزاق في ((المصنف)) (١٠٩٢٣) و(١٠٩٢٥) ورجاله ثقات. (٣) ذكره ابن حزم في ((المحلى)) ١٦٣/١٠. ٢٠٢ قلت: وابن سمعان هو عبد الله بن زياد بن سمعان الكذاب، وقد رواه عن مجهول لا يُعرف. قال أبو محمد: والأخرى من طريق عبد الرزاق، عن هشام بن حسان، عن قيس بن سعد مولى أبي علقمة، عن رجل سماه، عن زيد بن ثابت أنه قال فيمن طلَّق امرأته وهي حائض: يلزمه الطلاقُ، وتعتد بثلاث حيض سوى تلك الحيضة. قال أبو محمد: بل نحنُ أسعدُ بدعوى الإِجماع ها هنا لو استجزنا ما يستجيزُون، ونعوذُ بالله من ذلك، وذلك أنه لا خلافَ بين أحدٍ من أهل العلم قاطبة، ومن جملتهم جميع المخالفين لنا في ذلك أن الطلاق في الحيض أو في طهر جامعها فيه بدعة نهى عنها رسول الله محيي مخالفة لأمره، فإذا كان لا شك في هذا عندهم، فكيف يستجيزون الحكم بتجويز البدعة التي يقرون أنها بدعةٌ وضلالة، أليس بحكم المشاهدة مجيزُ البدعة مخالفاً لإِجماع القائلين بأنها بدعة؟ قال أبو محمد: وحتى لو لم يبلغنا الخلافُ، لكان القاطعُ على جميع أهل الإِسلام بما لا يقين عنده، ولا بلغه عن جميعهم كاذباً على جمیعهم. قال المانعون من وقوع الطلاق المحرم: لا يُزَالُ النكاحُ المتيقنُ إلا بيقين مثله من كتاب، أوسنة، أو إجماع متيقَّن. فإذا أوجدتمونا واحداً من هذه الثلاثة، رفعنا حُكْمَ النَّكاح به، لاسَبِيلَ إلى رفعه بغير ذلك. قالوا: وكيف والأدلةُ المتكاثِرةُ تدل على عدم وقوعه، فإن هذا الطلاق لم يشرعه الله تعالى البتة، ولا أذن فيه، فليس في شرعه، فكيف يُقال بنفوذه وصحته؟. أدلة المانعين من وقوع الطلاق المحرم قالوا: وإنما يقع من الطلاق المحرم ما ملَّكه الله تعالى للمطلّق، ولهذا لا يقع به الرابعةُ، لأنه لم يملِّكها إياه، ومن المعلوم أنه لم يملِّكه الطلاقَ المحرم، ولا أذن له فیه، فلا يصح، ولا يقع. قالوا: ولو وكل وكيلاً أن يُطلِّق امرأته طلاقاً جائزاً، فطلّق طلاقاً ٢٠٣ محرماً، لم يقع، لأنه غيرُ مأذون له فيه، فكيف كان إذن المخلوق معتبراً في صحة إيقاع الطلاق دون إذن الشارع، ومِن المعلوم أن المكلَّفَ إنما يتصرف بالإِذن، فما لم يأذن به الله ورسولُه لا يكون محلاً للتصرف البتة. قالوا: وأيضاً فالشارعُ قد حجر على الزوج أن يُطَلِّق في حال الحيض أو بعد الوطءِ في الطهر، فلو صح طلاقُه لم يكن لحجر الشارع معنى، وكان حجرُ القاضي على من منعه التصرف أقوى من حجر الشارع حيث يُبطِلُ التصرفَ بحجره. قالوا: وبهذا أبطلنا البيعَ وقتَ النداءِ يومَ الجمعة، لأنه بيعٌ حجر الشارِعُ على بائعه هذا الوقتَ، فلا يجوز تنفيذُه وتصحيحه. قالوا: ولأنه طلاقٌ محرم منهي عنه، فالنهيُ يقتضي فسادَ المنهي عنه، فلو صححناه، لكان لا فرق بين المنهي عنه والمأذون فيه من جهة الصحة والفساد. قالوا: وأيضاً فالشارعُ إنما نهى عنه وحرمه، لأنه يُبْغِضُه، ولا يُحبُّ وقوعه، بل وقوعُه مكروه إليه، فحرَّمه لِئلا يقع ما يُبغضه ويكرهه، وفي تصحيحه وتنفيذه ضد هذا المقصود. قالوا: وإذا كان النكاحُ المنهي عنه لا يَصِحُّ لأجل النهي، فما الفرقُ بينه وبين الطلاق، وكيف أبطلتم ما نهى الله عنه من النكاح، وصححتم ما حرَّمه ونهى عنه من الطلاق، والنهي يقتضي البطلان في الموضعين؟. قالوا: ويكفينا من هذا حُكمُ رسولِ الله ◌َّ العام الذي لا تخصيص فيه برد ما خالف أمره وإبطاله وإلغاءه، كما في ((الصحيح)) عنه، من حديث عائشة رضي الله عنها: ((كُلُّ عَمَلٍ لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنا فَهُوَ رَذِّ» وفي رواية: ((مَنْ ٢٠٤ عِمِلَ عَمَلاً لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَذِّ» (١). وهذا صريحٌ أن هذا الطلاقَ المحرَّم الذي ليس عليه أمرُهُ نَّهُ مردود باطل، فكيف يُقال: إنه صحيح لازم نافذ؟ فأين هذا مِن الحكم برده؟. قالوا: وأيضاً فإنه طلاقٌ لم يشرعه الله أبداً، وكان مردوداً باطلاً كطلاق الأجنبية، ولا ينفعُكم الفرقُ بأن الأجنبية ليست محلاً للطلاق بخلاف الزوجة، فإن هذه الزوجة ليست محلاً لِلطلاق المحرَّم، ولا هو مما ملَّكه الشَارِعُ إِيَّاه. قالوا: وأيضاً فإن الله سبحانه إنما أمر بالتسريح بإحسانٍ، ولا أشر مِن التسريح الذي حرَّمه اللّهُ ورسوله، وموجب عقدِ النكاح أحدُ أمرين: إما إمساك بمعروف، أو تسريح بإحسان، والتسريح المحرَّم أمر ثالث غيرُهما، فلا عبرة به البتة. قالوا: وقد قال اللّهُ تعالى: ﴿يَا أَيَّهَا النَّبِيُّ إذا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾، وصحَّ عن النبيِّ رَّه المبيّنِ عن اللّهِ مرادَه مِن كلامه، أن الطلاق المشروع المأذون فيه هو الطلاقُ في زمن الطهر الذي لم يُجامع فيه، أو بعدَ استبانة الحمل، وما عداهُما فليس بطلاق للعدة في حق المدخول بها، فلا يكون طلاقاً، فكيف تحرم المرأة به؟. قالوا: وقد قال تعالى: ﴿الطَّلاَقُ مَرَّتَانٍ﴾ [البقرة: ٢٦٩]، ومعلوم أنه إنما أرادَ الطلاق المأذونَ فيه، وهو الطلاقُ للعدة، فدل على أن ما عداه ليس من الطلاق، فإنه حصر الطلاقَ المشروع المأذون فيه الذي يملك به الرجعة في مرتين، فلا يكون ما عداه طلاقاً. قالُوا: ولهذا كان الصحابةُ رضي الله عنهم يقولون: إنهم لا طاقة لهم بالفتوى في الطلاقِ المحرَّم، كما روى ابنُ وهب، عن جرير بن حازم، عن الأعمش، أن ابن مسعود رضي الله عنه قال: (١) أخرجه البخاري ٢٢١/٥ في الصلح: باب إذا اصطلحوا على صلح جور، فالصلح مردود، ومسلم (١٧١٨) في الأقضية: باب نقض الأحكام الباطلة . ٢٠٥ من طلق كما أمره الله. فقد بيَّن اللّهُ له، ومن خالف، فإنا لا نُطِيقُ خِلافه، ولو وقع طلاقُ المخالف لم يكن الإفتاءُ به غير مطاق لهم، ولم يكن للتفريق معنی إذ کان النوعان واقعین نافذین. وقال ابن مسعود رضي الله عنه أيضاً: من أتى الأمرَ على وجهه فقد بَيِّنَ الله له، وإلا فواللّهِ ما لنا طاقةٌ بكل ما تُحْدِثُون. وقال بعض الصحابةِ وقد سئل عن الطلاق الثلاث مجموعة: مَنْ طلَّق كما أمر، فقد بُيِّن له، ومن لبَّس، تركناه وتلبيسه. قالو: ويكفي من ذلك كله ما رواه أبو داود بالسند الصحيح الثابت: حدثنا أحمد بن صالح، حدثنا عبد الرزاق، حدثنا ابن جريج، قال: أخبرني أبو الزبير أنه سمع عبد الرحمن بن أيمن مولى عروة يسأل ابنَ عمر قال أبو الزبير وأنا أسمع: كيف ترى في رجل طلَّق امرأته حائضاً؟ فقال: طلَّق ابنُ عمر امرأته حائضاً على عهد رسول الله ◌َّةٍ، فسأل عُمَرُ عن ذلك رسول الله ◌ٍَّ، فقال: إن عبد الله بن عمر طلق امرأته وهي حائض، قال عبد الله: فردَها علي ولم يَرَهَا شيئاً، وقال: إذا طهرت، فليُطَلِّقْ أو لِيُمْسِكْ، قال ابن عُمر: وقرأ رسول اللّهِ ◌َّهِ: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلَّقُوهُنَّ﴾ في قُبُلٍ عِدَّتِهِنَّ(١). قالوا: وهذا إسناد في غاية الصحة، فإن أبا الزبير غيرُ مدفوع عن الحفظ والثقة، وإنما يُخشى مِن تدليسه، فإذا قال: سمعتُ، أو حدثني، زال محذورُ التدليس، وزالت العلةُ المتوهَّمة، وأكثرُ أهلِ الحديث يحتجُّون به إذا قال: ((عن)) ولم يُصِّرِحْ بالسماع، ومسلم يُصحِّح ذلك من حديثه، فأما إذا صرَّحَ بالسماع، فقد زال الإِشكالُ، وصحَّ الحديثُ، وقامت الحجة . قالوا: ولا نعلم في خبر أبي الزبير هذا ما يُوجب ردَّه، وإنما رَدَّه مَنْ (١) تقدم تخريجه ص١٩٩. ٢٠٦ ردَّه استبعاداً واعتقاداً أنه خلافُ الأحاديث الصحيحة، ونحن نحكي كلام من رده، ونبین أنه ليس فيه ما يُوجب الرَّد. قال أبو داود: والأحاديثُ كُلُّها على خلاف ما قال أبو الزبير. وقال الشافعيُّ: ونافعٌ أثبتُ عن ابن عمر مِن أبي الزبير، والأثبتُ مِن الحديثين أولى أن يُقال به إذا خالفه. وقال الخطابيُّ: حديثُ يونس بن جبير أثبتُ مِن هذا، يعني قوله: مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا))، وقوله: ((أرأيتَ إن عجز واستحمق))؟ قال: فمه. قال ابنُ عبدِ البر: وهذا لم ينقله عنه أحدٌ غير أبي الزبير، وقد رواه عنه جماعةٌ أَجِلَّةٌ، فلم يقل ذلك أحدٌ منهم، وأبو الزبير ليس بحجة فيما خالفه فيه مثلُه، فكيف بخلاف مَن هو أثبتُ منه. وقال بعضُ أهلِ الحديث: لم يروِ أبو الزبير حديثاً أنكرَ من هذا. فهذا جملة ما رُد به خبرُ أبي الزبير، وهو عند التأمل لا يوجب رده ولا بطلانه . الرد على من ضعف حديث أبي الزبير أما قولُ أبي داود: الأحاديثُ كلها على خلافه، فليس بأيديكم سوى تقليدِ أبي داود، وأنتم لا ترضَوْنَ ذلك، وتزعمون أن الحجةَ مِن جانبکم، فدعوا التقليدَ، وأخبرونا أين في الأحاديث الصحيحة ما يُخالف حديثَ أبي الزُّبير؟ فهل فيها حديثٌ واحد أن رسول الله رَّه احتسب عليه تلك الطلقة، وأمره أن يعتدَّ بها، فإن كان ذلك، فنعم واللّهِ هذا خلاف صريح لحديث أبي الزبير، ولا تَجِدُون إلى ذلك سبيلاً، وغايةُ ما بأيديكم ((مُرْهُ فليراجعها))، والرجعة تستلزِمُ وقوع الطلاق. وقول ابن عمر. وقد سئل: أتعتد بتلك التطليقة؟ فقال: ((أرأيت إن عجز واستحمق)) وقول نافع أو مَنْ دونه: ((فحسبت من طلاقها)) وليس وراءَ ذلك حرفٌ واحد يدُلُّ على وقوعها، ٢٠٧ والاعتداد بها، ولا ريبَ في صحة هذه الألفاظ، ولا مطعن فيها، وإنما الشأنُ كُلُّ الشأن في معارضتها، لقوله: «فردَّها عليَّ ولم يرها شيئاً»، وتقديمها عليه، ومعارضتها لتلك الأدلة المتقدمة التي سقناها، وعند الموازنة يظهرُ التفاوتُ، وعدمُ المقاومة، ونحن نذكرُ ما في كلِمةٍ كلمةٍ منها. أما قوله: ((مره فليراجعها))، فالمراجعة قد وقعت في كلام الله ورسولِه على ثلاث معان. معنى المراجعة في كلام الله ورسوله أحدُها: ابتداءُ النكاح، كقوله تعالى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللّهِ﴾ [البقرة: ٢٣٠]، ولا خلافَ بينَ أحدٍ من أهلِ العلم بالقرآن أن المطلِّق ها هنا: هو الزوج الثاني، وأن التراجُعَ بينها وبين الزوج الأول، وذلك نكاح مبتدأ. وثانيهما: الرد الحسي إلى الحالة التي كان عليها أولاً، كقوله لأبي النعمان بن بشير لما نَحَلَ ابنه غلاماً خصَّه به دون ولده: «رُدَّه))، فهذا رد ما لم تصح فيه الهبةُ الجائزة التي سماها رسولُ الله ◌َّ جوراً، وأخبر أنها لا تصلُح، وأنها خلاف العدل، كما سيأتي تقريرُه إن شاء الله تعالى. ومِن هذا قوله لمن فرَّق بين جارية وولدها في البيع، فنهاه عن ذلك، ورد البيع، وليس هذا الرد مستلزماً لصحة البيع، فإنه بيعٌ باطل، بل هو رد شيئين إلى حالة اجتماعهما كما كانا، وهكذا الأمر بمراجعة ابن عمر امرأته ارتجاع ورد إلى حالة الاجتماع كما كانا قبل الطلاق، وليس في ذلك ما يقتضي وقوع الطلاق في الحيض البتة. وأما قوله: ((أرأيتَ إن عجز واستحمق))، فيا سبحانَ الله أين البيان في هذا اللفظ بأن تلك الطلقة حَسَبها عليه رسولُ الله ◌ِّهِ، والأحكام لا تُؤخذ بمثل هذا ولو كان رسولُ الله ◌ِّ قد حسبها عليه، واعتذَّ عليه بها لم يَعْدِلْ عن الجواب بفعله وشرعه إلى: أرأيتَ، وكان ابنُ عمر أكره ما إليه ((أرأيت))، ٢٠٨ فكيف يَعْدِلُ للسائل عن صريح السنة إلى لفظة ((أرأيت)) الدالة على نوع من الرأي سببُّه عجز المطلِّق وحمقُه عن إيقاع الطلاق على الوجه الذي أذن الله له فيه، والأظهر فيما هذه صفتُه أنه لا يُعتد به، وأنه ساقط من فعل فاعله، لأنه ليس في دين الله تعالى حكم نافذ سببُه العجزُ والحمقُ عن امثال الأمر، إلا أن يكون فعلاً لا يمكن ردُّه بخلاف العقود المحرَّمة التي مَنْ عقدها على الوجه المحرَّم، فقد عجز واستحمق، وحينئذ، فيُقال: هذا أدلُّ على الردِّ منه على الصحة واللزوم، فإنه عقدُ عاجز أحمق على خلافِ أمر الله ورسوله، فيكون مردوداً باطلاً، فهذا الرأيُ والقياس أدلُّ على بطلان طلاق مَن عجز واستحمق منه على صحته واعتباره. وأما قولُه: فحُسِبَتْ مِن طلاقها. ففعل مبني لما لم يسم فاعله، فإذا سُمِّيَ فاعله، ظهر، وتبين، هل في حُسبانه حجة أو لا؟ وليس في حُسبان الفاعلِ المجهولِ دليلٌ البتة. وسواء كان القائلُ: ((فحسبت)) ابن عمر أو نافعاً أو من دونه، وليس فيه بيان أن رسول الله وَلّ هو الذي حسبها حتى تلزمَ الحجةُ به، وتحرم مخالفته، فقد تبين أن سائرَ الأحاديث لا تُخَالِفُ حديث أبي الزبير، وأنه صريح في أن رسول الله وَّ لم يرها شيئاً، وسائر الأحاديث مجملة لا بيان فيها . قال الموقعون: لقد ارتقيتُم أيها المانعون مرتقىّ صعباً، وأبطلتُم أكثرَ رد الموقعين الطلاق على طلاق المُطَلِّقين، فإن غالِبِه طلاق بدعي، وجاهرتُم بخلاف الأئمة، ولم المانعين تتحاشَوْا خِلافَ الجمهور، وشذذتُم بهذا القولِ الذي أفتى جمهورُ الصحابة ومَنْ بعدهم بخلافه، والقرآنُ والسنن تدل على بطلانه. قال تعالى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَها فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ﴾، وهذا يعم كُلَّ طلاق، وكذلك قوله: ﴿والمُطَلَّقَاتُ يَتَربَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨] ولم يفرِّق، وكذلك قوله تعالى: ﴿الطَّلاَقُ مَرَّتَانٍ﴾، وقوله: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ﴾ ٢٠٩ [البقرة: ٢٤١]، وهذه مطلّقة وهي عمومات لا يجوز تَخصيصُها إلا بنص أو إجماع. قالوا: وحديثُ ابنِ عمر دليل على وقوع الطلاق المحرَّم من وجوه. أحدها: الأمرُ بالمراجعة، وهي لَمُّ شعثِ النكاح، وإنما شعته وقوعُ الطلاق. الثاني: قولُ ابن عمر، فراجعتُها، وحسبت لها التطليقة التي طلَّقها، وكيف يُظن بابن عمر أنه يخالف رسول الله ثَّم فيحسبها مِن طلاقها، ورسولُ الله ◌َّة لم يرها شيئاً. الثالث: قولُ ابنِ عمر لما قيل له: أيحتسب بتلك التطليقة؟ قال: أرأيتَ إن عجز واستحمق، أي: عجزُه وحمقُه لا يكون عذراً له في عدم احتسابه بها . الرابع: أن ابن عمر قال: وما يمنعُني أن أعتدَّ بها، وهذا إنكارٌ منه لعدم الاعتداد بها، وهذا يُبْطِلُ تلك اللفظة التي رواها عنه أبو الزبير، إذ كيف يقولُ ابن عمر: وما يمنعُني أن أعتد بها؟ وهو يرى رسولَ الله قد ردَّها عليه، ولم يرها شيئاً. الخامس: أن مذهبَ ابن عمر الاعتداد بالطلاقِ في الحيض، وهو صاحبُ القصة، وأعلمُ الناس بها، وأشدُّهم اتباعاً للسنن، وتحرُّجاً من مخالفتها. قالوا: وقد روى ابن وهب في ((جامعه))، حدثنا ابن أبي ذئب، أن نافعاً أخبرهم عن ابن عمر، أنه طلق امرأته وهي حائض، فسأل عُمَرُ رسول الله رَّ﴾ عن ذلك، فقال: ((مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا ثُمَّ لِيُمْسِكْهَا حَتَّى تَطْهُرَ ثُمَّ تَحيضَ ثُمَّ تَطْهُرَ، ثُمَّ إنْ شاءَ أمْسَكَ بَعْدَ ذلِكَ، وإِنْ شَاءَ طَلَّقَ قَبْلَ أَنْ يَمَسَّ، فَتِلْكَ العِدَّةَ التي أمَرَ اللّهُ أنْ تُطَلَّقَ لَهَا النِّسَاءُ وهي واحدة (١) هذا لفظ حديثه. (١) إسناده صحيح. ٢١٠ قالوا: وروى عبد الرزاق، عن ابن جريج قال: أرسلنا إلى نافع وهو يترجَّلُ في دار الندوة ذاهباً إلى المدينة، ونحنُ مع عطاء: هل حسبت تطليقة عبد الله بن عمر امرأته حائضاً على عهد رسول الله تحديد؟ قال: نعم(١). قالوا: وروى حمادُ بن زيد، عن عبد العزيز بن صهيب، عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسولُ اللهَِّ: ((مَنْ طَلَّقَ فِي بِدْعَةٍ أَلْزَمْنَاهُ بِدْعَتَهُ))، رواه عبد الباقي بن قانع، عن زكريا الساجي حدثنا إسماعيل بن أمية الذارع حدثنا حماد فذكره(٢) . قالوا: وقد تقدَّم مذهبُ عثمان بن عفان، وزيد بن ثابت في فتواهما بالوقوع. قالوا: وتحريمُه لا يمنع ترتب أثره، وحكمه عليه كالظُّهار، فإنه منكر من القول وزور، وهو محرّم بلا شك، وترتب أثره عليه وهو تحريمُ الزوجة إلى أن يكفِّرَ، فهكذا الطلاقُ البدعي محرّم، ويترتب عليه أثره إلى أن يُراجع، ولا فرق بينهما . قالوا: وهذا ابنُ عمر يقولُ للمطلق ثلاثاً: حَرُمَتْ عليكَ حتى تنكِحَ زوجاً غيرَك، وعصيتَ ربك فيما أمرك به من طلاق امرأتك(٣). فأوقع عليه الطلاق الذي عصى به المطلق ربه عز وجل. (١) رجاله ثقات، وهو في ((المصنف)) (١٠٩٥٧). (٢) ذكره ابن حزم في ((المحلى)) ١٦٤/١٠، ولا يصح سنده كما سيبينه المصنف فيما بعد ص ٢٣٧، وكان السند في الأصل: رواه عبد الباقي بن نافع، حدثنا إسماعيل بن أمية الذارع، عن زكريا الساجي حدثنا حماد والصواب ما أثبتنا. (٣) أخرجه عبد الرزاق (١٠٩٦٤) من حديث الثوري، عن ابن أبي ليلى، عن نافع أن رجلاً طلق امرأته وهي حائض ثلاثاً، فسأل ابن عمر، فقال: عصيت ربك، وبانت منك لا تحل لك حتى تنكح زوجاً غيرك، وأخرج أيضاً (١١٣٤٤) عنه أنه قال: من طلق امرأته ثلاثاً، طلقت، وعصى ربه، وإسناده صحيح. ٢١١ قالوا: وكذلك القذفُ محرَّم، وترتب عليه أثرهُ من الحدِّ، وردِّ الشهادة وغيرهما. قالوا: والفرقُ بين النكاح المحرم، والطلاقِ المحرَّم، أن النكاحَ عقد يتضمَّن حِلَّ الزوجة ومُلك بُضعها، فلا يكون إلا على الوجهِ المأذون فيه شرعاً، فإن الأبضَاع في الأصل على التحريم، ولا يُباح منها إلا ما أباحه الشارع، بخلاف الطلاق، فإنه إسقاطٌ لحقه، وإزالةٌ لملكه، وذلك لا يتوقَّفُ على كون السبب المزيل مأذوناً فيه شرعاً، كما يزولُ ملكه عن العين بالإِتِلاف المحرَّم، وبالإِقرار الكاذب، وبالتبرع المحرَّم، كهبتها لمن يعلم أنه يستعين بها على المعاصي والآثام. قالوا: والإِيمانُ أصلُ العقود وأجلُها وأشرفُها، يزول بالكلام المحرَّم إذا كان كفراً، فكيف لا يزولُ عقدُ النكاح بالطلاق المحرَّم الذي وضع لإزالته . قالوا: ولوَ لم يكن معنا في المسألة إلا طلاقُ الهازل، فإنه يقع مع تحريمه لأنه لا يَحِلُّ له الهزل بآيات الله، وقد قال النبي ◌َّهُ: ((ما بالُ أقوامٍ يَتَّخِذُون آيات الله هزواً: طلقتُك راجعتُك، طلقتُك راجعتُك)) فإذا وقع طلاقُ الهازل مع تحريمه، فطلاقُ الجادِّ أولى أن يقع مع تحريمه. قالوا: وفرق آخر بين النكاح المحرَّم، والطلاق المحرم، أن النكاحَ نعمة، فلا تُستباح بالمحرمات، وإزالته وخروجُ البُضع عن ملكهِ نِقمة، فيجوزُ أن يكون سببها محرماً. قالوا: وأيضاً فإن الفروجَ يُحتاط لها، والاحتياطُ يقتضي وقوعَ الطلاق، وتجديد الرجعة والعقد. قالوا: وقد عَهِدْنا النكاحَ لا يُدخل فيه إلا بالتشديدِ والتأكيدِ من الإِيجاب والقبول، والولي والشاهدين، ورِضى الزوجة المعتبرِ رضاها، ٢١٢ ويُخْرَجُ منه بأيسرِ شيء، فلا يحتاجُ الخروج مِنه إلى شيء من ذلك، بل يُدخل فيه بالعزيمة، ويُخرج منه بالشبهة، فأين أحدُهما من الآخر حتى يُقاسَ عليه . قالوا: ولو لم يكن بأيدينا إلا قولُ حملةِ الشرع كُلِّهم قديماً وحديثاً: طلق امرأتَه وهي حائض، والطلاق نوعان: طلاق سنة، وطلاق بدعة، وقول ابن عباس رضي الله عنه: الطلاقُ على أربعة أوجه: وجهانِ حلالٌ، ووجهانِ حرام (١)، فهذا الاطلاق والتقسيمُ دليل على أنه عندهم طلاق حقيقة، وشمولُ اسم الطلاق له كشموله للطلاق الحلالِ، ولو كان لفظاً مجرداً لغواً لم يكن له حقيقة، ولا قيل: طلق امرأته، فإن هذا اللفظ إذا كان لغواً كان وجودُه كعدمه، ومثلُ هذا لايقال فيه: طلق، ولا يقسم الطلاق - وهو غيرُ واقع - إليه وإلى الواقع، فإن الألفاظ اللاغية التي ليس لها معانٍ ثابتة لا تكونُ هي ومعانيها قسماً من الحقيقة الثابتة لفظاً، فهذا أقصى ما تمسّك به الموقعون، وربما ادعى بعضهم الإجماع لعدم علمه بالنزاع. قال المانعون من الوقوع: الكلامُ معكم في ثلاث مقاماتٍ بها يستبينُ الحقُّ في المسألة. رد المانعين على الموقعين المقام الأول: بطلانُ ما زعمتم من الإِجماع، وأنه لا سبيل لكم إلى إثباته البتة، بل العلمُ بانتفائه معلوم. المقام الثاني، أن فتوى الجمهور بالقول لا يدلُّ على صحته، وقولُ الجمهور ليس بحجة. (١) أخرجه عبد الرزاق (١٠٩٥٠) عن وهب بن نافع، عن عكرمة أنه سمع ابن عباس يقول: الطلاق على أربعة وجوه: وجهان حلال، ووجهان حرام، فأما الحلال فأن طلقها طاهراً عن غير جماع، أو حاملاً مستبيناً حملها، وأما الحرام، فأن يطلقها حائضاً أو حين يجامعها لا يدري، أشتمل الرحم على ولد أم لا . ٢١٣ المقام الثالث: أن الطلاق المحرَّم لا يدخل تحتَ نصوص الطلاق المطلقة التي رتب الشارعُ عليها أحكام الطلاق، فإن ثبتت لنا هذه المقامات الثلاث، كنا أسعدَ بالصواب منكم في المسألة. فنقول: أما المقام الأول، فقد تقدم مِن حكاية النزاع ما يُعلم معه بطلانُ دعوى الإِجماع، كيف ولو لم يعلم ذلك، لم يكن لكم سبيلٌ إلى إثبات الإِجماع الذي تقومُ به الحجة، وتنقطعُ معه المعذرة، وتحرمُ معه المخالفة، فإن الإِجماع الذي يُوجب ذلك هو الإِجماعُ القطعي المعلوم. وأما المقام الثاني: وهو أن الجمهورَ على هذا القول، فَأَوْجِدُونا في الأدلة الشرعية أن قولَ الجمهور حجةٌ مضافة إلى كتاب الله وسنة رسوله، وإجماع أمته. ومن تأمّل مذاهب العلماء قديماً وحديثاً من عهد الصحابة وإلى الآن، واستقرأ أحوالهم وجدهم مُجمعين على تسويغ خلاف الجمهور، ووجد لكل منهم أقوالاً عديدة انفرد بها عن الجمهور، ولا يُستثنى من ذلك أحد قط، ولكن مستِقِلٌّ ومستكثر، فمن شئتم سميتموه من الأئمة تتبَّعوا ما له من الأقوال التي خالف فيها الجمهور، ولو تتبعنا ذلك وعددناه، لطال الكتابُ به جداً، ونحن نُحيلُكم على الكتب المتضمنة لمذاهب العلماء واختلافهم، ومن له معرفة بمذاهبهم وطرائقهم، يأخذُ إجماعَهم على ذلك مِن اختلافهم، ولكن هذا في المسائل التي يسوغُ فيها الاجتهادُ، ولا تدفعُها السنةُ الصحيحةُ الصريحة، وأما ما كان هذا سبيله، فإنهم كالمتفقين على إنكارِه وردِّه، وهذا هو المعلومُ مِن مذاهبهم في الموضعين. وأما المقامُ الثالثُ: وهو دعواكم دخول الطلاقِ المحرم تحت نصوص الطلاق، وشمولها للنوعين إلى آخر كلامكم، فنسألُكم: ما تقولُون فيمن ادَّعى دخولَ أنواع البيع المحرّم، والنكاح المحرّم تحت نصوص البيع ٢١٤ والنكاح، وقال: شمولُ الاسم للصحيح من ذلك والفاسد سواء، بل وكذلك سائرُ العقود المحرمة إذا ادَّعى دخولها تحت ألفاظ العقود الشرعية، وكذلك العباداتُ المحرَّمة المنهي عنها إذا ادعى دخولَها تحت الألفاظ الشرعية، وحكم لها بالصِّحة لشمولِ الاسم لها، هل تكون دعواه صحيحة أو باطلة؟ فإن قُلتُم: صحيحة ولا سبيلَ لكم إلى ذلك، كان قولاً معلومَ الفسادِ بالضرورة من الدين، وإن قلتُم: دعواه باطلة، تركتُم قولكم ورجعتم إلى ما قلناه، وإن قلتم: تُقَبلُ في موضع، وتُردُّ في موضع، قيل لكم: ففرِّقوا بفُرقانٍ صحيح مطَّرِد منعكِس، معكم به برهانٌ من الله بينَ ما يدخل من العقود المحرَّمة تحتَ ألفاظ النصوص، فيثبتُ له حكمُ الصحة، وبينَ ما لا يدخل تحتها، فيثبتُ له حكمُ البطلان، وإن عجزتُم عن ذلك، فاعلموا أنه ليس بأيديكم سوى الدعوى التي يُحْسِنُ كُلُّ أحدٍ مقابلتها بمثلها، أو الاعتماد على من يُحْتَجُّ لِقوله لا بقوله، وإذا كُشِفَ الغطاء عما قررتموه في هذه الطريق وُجِدَ عين محل النزاع فقد جعلتموه مقدمة في الدليل، وذلك عينُ المصادرة على المطلوب، فهل وقع النزاعُ إلا في دخول الطلاق المحرَّم المنهي عنه تحتَ قوله: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ﴾، وتحت قوله: ﴿والمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوٍ﴾، وأمثال ذلك، وهل سلَّم لكم منازعوكم قطُّ ذلك حتى تجعلوه مقدِّمةً لدليلكم؟ . قالوا: وأما استدلالُكم بحديث ابن عمر، فهو إلى أن يكون حجةً عليكم أقربَ منه إلى أن يكون حجةً لكم مِن وجوه. أحدُها: صريح قوله: فردها عليَّ ولم يرها شيئاً، وقد تقدَّم بيانُ صحته. قالوا: فهذا الصريح الصحيح ليسَ بأيديكم ما يُقاومه في الموضعين، بل جميعُ تلك الألفاظ إما صحيحة غيرُ صريحة، وإما صريحةٌ غيرُ صحيحة کما ستقفون عليه. الثاني: أنه قد صحَّ عن ابن عمر رضي الله عنه بإسناد كالشمس من ٢١٥ رواية عبيد الله، عن نافع عنه، في الرجل يُطلِّق امرأته وهي حائض، قال: لا يُعْتَدُّ بذلك وقد تقدم. الثالث: أنه لو كان صريحاً في الاعتداد به، لما عدل به إلى مجرَّد الرأي. وقوله للسائل: أرأيتَ؟ الرابع: أن الألفاظ قد اضطربت عن ابن عمر في ذلك اضطراباً شديداً، وكلها صحيحة عنه، وهذا يدلُّ على أنه لم يكن عنده نصٌّ صريح عن رسول الله وهل في وقوع تلك الطلقة والاعتداد بها، وإذا تعارضت تلك الألفاظُ، نظرها إلى مذهب ابن عمر، وفتواه، فوجدناه صريحاً في عدم الوقوع، ووجدنا أحد ألفاظ حديثه صريحاً في ذلك، فقد اجتمع صريحُ روايته وفتواه على عدم الاعتداد، وخالف في ذلك ألفاظٌ مجملة مضطربة، كما تقدم بيانه . وأما قولُ ابن عمر رضي الله عنه: وما لي لا أعتدُّ بها، وقوله: أرأيت إن عجزَ واستحمق، فغاية هذا أن يكونَ رواية صريحة عنه بالوقوع، ويكون عنه روایتان. وقولكم. كيف يفتي بالوقوع وهو يعلم أن رسولَ الله ◌َّ قد ردَّها عليه ولم يعتدَّ عليه بها؟ فليس هذا بأوَّلِ حديثٍ خالفه راويه، وله بغيره مِن الأحاديث التي خالفها راويها أُسْوَةٌ حسنةٌ في تقديم رواية الصحابي ومن بعده علی رأيه. وقد روى ابن عباس حديثَ برِيرة، وأن بيعَ الأمة ليس بطلاقها، وأفتى بخلافه، فأخذ الناس بروايته، وتركوا رأيه، وهذا هو الصوابُ، فإن الرواية معصومةٌ عن معصوم، والرأي بخلافها، كيف وأصرحُ الروايتين عنه موافقتُه لما رواه من عدم الوقوع على أن في هذا فِقِهاً دقيقاً إنما يَعرِفُه من له غور على أقوال الصحابة ومذاهبهم، وفهمِهم عن اللّهِ ورسوله، واحتياطِهم للأمة، ٢١٦ ولعلك تراه قريباً عند الكلام على حُكمه ◌َّ في إيقاع الطلاق الثلاث جملة. وأما قوله في حديث ابن وهب عن ابن أبي ذئب في آخره: وهي واحدة فلعمرُ الله لو كانت هذه اللفظة من كلام رسول الله وََّ ما قدَّمنا عليها شيئاً، ولصِرنا إليها بأوَّلِ وهلة، ولكن لا ندري أقالها ابن وهب من عنده، أم ابن أبي ذئب، أم نافع، فلا يجوزُ أن يُضَافَ إلى رسول الله وَّلَ ما لا يُتَيقَّنُ أنه من كلامه، ويشهد به عليه، وترتب عليه الأحكامُ، ويقال: هذا من عند الله بِالوهم والاحتمال، والظاهر أنها من قولِ مَنْ دون ابن عمر رضي الله عنه، ومراده بها أن ابن عمر إنما طلَّقها طلقة واحدة، ولم يكن ذلك منه ثلاثاً، أي طلق ابن عمر رضي الله عنه امرأته واحدة على عهد رسول الله صل فذكره. وأما حديث ابن جريج عن عطاء عن نافع، أن تطليقة عبد الله حُسِبَتْ عليه، فهذا غايتُه أن يكون من كلام نافع، ولا يعرف من الذي حسبها، أهو عبد الله نفسه، أو أبوه عمر، أو رسول الله بَّة؟ ولا يجوز أن يشهد على رسول الله وَّ بالوهم والحسبان، وكيف يعارض صريح قوله: ولم يرها شيئاً بهذا المجمل؟ والله يشهد - وكفي بالله شهيداً - أنا لو تيقنا أن رسول الله اليه هو الذي حسبها عليه، ولم نتعد ذلك، ولم نذهب إلى سواه. وأما حديث أنس: ((مَنْ طَلَّقَ فِي بِدْعَةٍ أَلْزَمْناه بِدْعَتَهُ»، فحديث باطل على رسول الله (َ﴾، ونحن نشهد باللّهِ أنه حديث باطل عليه، ولم يروه أحدٌ من الثقات من أصحاب حماد بن زيد، وإنما هو من حديث إسماعيل بن أمية الذارع الكذاب(١) الذي يذرَع ويفصل، ثم الراوي له عنه عبد الباقي بن قانع (٢)، وقد ضعفه البرقانيُّ وغيرُه، وكان قد اختُلِطَ في آخر عمره، وقال (١) لم نقف على نص عند أئمة ((الجرح والتعديل)) في تكذيبه، والمنقول عنهم تضعيفه وجهالته انظر ((الميزان)) ٢٢٧/١، و((لسان الميزان)) ٣٩٤/١، و٤٠٤. (٢) لقد وهم المؤلف رحمه الله، فإن ابن قانع رواه عن زكريا الساجي، عنه. ٢١٧ الدار قطني: يخطىء كثيراً، ومثلُ هذا إذا تفرد بحديث لم يكن حديثُه حجةً. وأما إفتاء عثمانَ بن عفان، وزيد بن ثابت رضي الله عنهما بالوقوع، فلو صحَّ ذلك ولا يصِحُّ أبداً، فإن أثر عثمان، فيه كذَّاب عن مجهول لا يعرف عينه ولا حاله، فإنه من رواية ابن سمعان، عن رجل، وأثر زيد: فيه مجهول عن مجهول: قيس بن سعد، عن رجل سماه عن زيد، فياللّهِ العجب، أين هاتانِ الروايتان مِن رواية عبد الوهّاب بن عبد المجيد الثقفي، عن عُبيد الله حافظ الأمة، عن نافع، عن ابنِ عمر أنه قال: لا يُعْتَدُّ بهَا. فلو كان هذا الأثرُ من قبلکم، لصُلتم به وجُلتم. وأما قولكم: إن تحريمه لا يمنع ترتّب أثره عليه، كالظهار، فيقال أولاً: هذا قياسٌ يدفعه ما ذكرناه من النص، وسائر تلك الأدلة التي هي أرجح منه، ثم يقال ثانياً: هذا معارض بمثله سواء معارضة القلب بأن يقال: تحريمُه يمنع ترتب أثره عليه كالنكاح، ويقال ثالثاً: ليس للظهار جهتانٍ: جهة حل وجهة حرمة، بل كُلُّه حرام، فإنه منكر من القول وزور، فلا يُمْكِنُ أن ينقسِمَ إلى حلال جائز، وحرام باطل، بل هو بمنزلة القذف مِن الأجنبي والردة، فإذا وجد لم يُوجد إلا مع مفسدته، فلا يُتُصوَّر أن يقال: منه حلال صحيح، وحرام باطل، بخلاف النكاح والطلاق والبيع، فالظهار نظيرُ الأفعال المحرمة التي إذا وقعت، قارنتها مفاسدُها فترتبت عليها أحكامُها، وإلحاقُ الطلاق بالنكاح، والبيع والإِجارة والعقود المنقسمة إلى حلالٍ وحرام، وصحيحٍ وباطلٍ، أولى. وأما قولكم: إن النكاح عقدٌ يُملك به البُضع، والطلاقُ عقدٌ يخرج به، فنعم. مِن أين لكم برهان من اللّهِ ورسوله بالفرق بين العقدين في اعتبار حُكم أحدهما، والإلزام به وتنفيذه، وإلغاء الآخر وإبطاله؟. وأما زوالُ ملكه عن العين بالإتلاف المحرَّم، فذلك ملك قَد زال حساً، ٢١٨ ولم يبق له محل. وأما زوالُه بالإِقرار الكاذب، فأبعد وأبعد، فإنَّا صدقناه ظاهراً في إقراره، وأزلنا مُلْكَه بالإِقِرار المصدَّق فيه وإن كان كاذباً. وأما زوال الإِيمان بالكلام الذي هو كفر، فقد تقدم جوابُه، وأنه ليس في الكفر حلال وحرام. وأما طلاقُ الهازِلِ، فإنما وقع، لأنه صادف محلاً، وهو طهر لم يُجامع فيه فنفذ، وكونُه هزل به إرادة منه أن لا يترتب أثرُه عليه، وذلك ليس إليه، بل إلى الشارع، فهو قد أتى بالسبب التام، وأراد ألا يكونَ سببه، فلم ينفعُه ذلك، بخلاف من طلَّق في غير زمن الطلاق، فإنه لم يأت بالسَّببِ الَّذي نصبَه اللّهُ سبحانه مفضياً إلى وقوع الطلاق، وإنما أتى بسبب مِن عنده، وجعله هو مفضیاً إلی حکمه، وذلك لیس إليه. وأما قولُكم: إن النكاح نِعمة، فلا يكون سببُه إلا طاعةً بخلاف الطلاق، فإنه من باب إزالة النعم، فيجوزُ أن يكونَ سَبَبُه معصيةً، فيقال: قد يكون الطلاق من أكبر النعم، التي يفك بها المطلق الغُل من عنقه، والقيد من رِجله، فليس كُلُّ طلاقٍ نِقمة، بل مِن تمام نعمة اللّهِ على عباده أن مكَّنهم مِن المفارقة بالطلاق إذا أراد أحدُهم استبدالَ زوج مكانَ زوج، والتخلُّصَ ممن لا يُحبها ولا يُلائمها، فلم يُر للمتحابَيْنِ مثلُ النكاح، ولا للمتباغضينِ مثلُ الطلاق، ثم كيف يكون نِقمةً واللّهُ تعالى يقول: ﴿لاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَشُوهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٦]، ويقول: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِذَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١]؟. وأما قولُكم: إن الفروجَ يُحتاط لها، فنعم، وهكذا قلنا سواء، فإنَّا احتطنا، وأبقينا الزوجينِ على يقينِ النكاح حتى يأتي ما يُزيلُه بيقين، فإذا أخطأنا، فخطوُنا في جهة واحدة، وإن أصبنا، فصوابُنا في جهتين، جهةٍ الزوج الأولِ، وجهةِ الثاني، وأنتم ترتكبُون أمرينٍ: تحريمَ الفرج على من ٢١٩ كان حلالاً له بيقين، وإحلاله لِغيره، فإن كان خطأ، فهو خطأ مِن جهتين، فتبيّن أنَّا أولى بالاحتياط منكم، وقد قال الإِمامُ أحمد في رواية أبي طالب: في طلاق السكران نظير هذا الاحتياط سواء، فقال: الذي لا يأمُرُ بالطلاق: إنما أتى خصلةً واحدةً، والَّذي يأمر بالطلاق أتى خصلتينِ حرَّمها عليه، وأحلَّها لِغيره، فهذا خيرٌ مِن هذا. وأما قولُكم: إن النَّكاحَ يُدخل فيه بالعزيمة والاحتياط، ويُخرج منه بأدنى شيء، قلنا: ولكن لا يُخرج منه إلا بما نصبه الله سبباً يُخرج به منه، وأذن فيه: وأما ما ينصِبُه المؤمِنُ عنده، ويجعله هو سبباً للخروج منه، فكلاً. فهذا منتهى أقدام الطائفتين في هذه المسألة الضيقةِ المعتركِ، الوعرةِ المسلك التي يتجاذب أَعِنَّةَ أدلتها الفرسانُ، وتتضاءلُ لدى صولتها شجاعةٌ الشجعانِ، وإنما نبهنا على مأخذِها وأدلَّتِها ليعلم الغِرُّ الذي بَضاعتُهُ مِن العلم مُزجاة، أن هناك شيئاً آخر وراءَ ما عنده، وأنه إذا كان ممن قَصُرَ في العلم باعُه، فضعف خلف الدليل، وتقاصَرَ عن جنى ثماره ذِراعُه، فَلْيَعْذُرْ مَنْ شمَّرَ عن ساق عَزْمِه، وحامَ حولَ آثار رسول الله صَلّمَ وتحكيمِها، والتحاكم إليها بكُلِّ همة، وإن كانَ غيرَ عاذر لمنازعه في قصوره ورغبته عن هذا الشأن البعيد، فليعذِرْ مُنازِعَه في رغبته عما ارتضاه لنفسه مِن محض التقليد، ولينظر مع نفسه أيُّهما هو المعذورُ، وأيُّ السعيين أحقُّ بأن يكون هو السعي المشكور، واللّهُ المستعان وعليه التُّكلان، وهو الموفِّقُ للصواب، الفاتِحُ لمن أمَّ بابَه طالباً لمرضاته من الخير كلَّ باب. فصل في حكمه مية فيمن طلق ثلاثاً بكلمة واحدة قد تقدم حديثُ محمود بن لبيد رضي الله عنه: أن رسولَ الله ◌ٍَّ أُخْبِرَ عن رجل طلَّق امرأته ثلاثَ تطليقات جميعاً، فقام مُغضباً، ثم قال: ((أَيُلْعَبُ بِكِتَابِ اللّهِ وأَنَا بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ؟!)) وإسناده على شرط مسلم، فإن ابن وهب قد رواه عن ٢٢٠