Indexed OCR Text

Pages 181-200

يصح عن علي رضي الله عنه. وأمثلها: أثر ابنٍ مسعود على سوء حفظ ابن أبي
ليلى، ثم غايتُه إن كان محفوظاً أن يدُلَّ على أن الطلقة في الخلع تقع بائنة لا أن
الخلع يكون طلاقاً بائناً، وبين الأمرين فرق ظاهر. والذي يَدُلُّ على أنه ليس
بطلاق أن الله سبحانه وتعالى رتَبَ على الطَّلاقِ بعد الدُّخولِ الذي لم يَستوفِ عدده
ثلاثة أحكام، كلُّها منتفية عن الخلع. أحدها: أن الزوجَ أحقُّ بالرجعة فيه.
الثاني: أنه محسوب مِن الثلاث، فلا تَحِلُّ بعد استيفاء العدد إلا بعد زوج
وإصابة. الثالث: أن العدة فيه ثلاثةُ قروء، وقد ثبت بالنصِّ والإِجماع أنه لا رجعة
في الخُلع، وثبت بالسنة وأقوالِ الصحابة أن العِدة فيه حيضةٌ واحدة، وثبت بالنص
جوازه بعد طلقتين، ووقوع ثالثة بعده، وهذا ظاهر جداً في كونه ليس بطلاق، فإنه
سبحانه قال: ﴿الطَّلاَقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ، أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ، وَلاَ يَحِلُّ لَكُم
أن تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً إلاَّ أنْ يَخَافَا أنْ لاَ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ، فَإِنْ خِفْتُم أنْ لاَ
يُقِيمَا حُدُودَ اللّهِ، فلا جُنَاحَ عَلَيْهمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ [البقرة: ٢٢٩]، وهذا وإن لم
يختص بالمطلقة تطليقتين، فإنه يتناولُها وغيرَهما، ولا يجوزُ أن يعودَ الضميرُ إلى
من لم يذكر، ويُخلى منه المذكور، بل إما أن يختصَّ بالسابق أو يتناوله وغيره، ثم
قال: ﴿فَإِنْ طَلَّقَها فَلاَ تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ﴾، وهذا يتناولُ مَنْ طلقت بعد فديةٍ
وطلقتين قطعاً لأنها هي المذكورة، فلا بُدَّ من دخولها تحت اللفظ، وهكذا فَهِمَ
ترجُمانُ القرآن الذي دعا له رسولُ اللهِ يََّ أن يُعلِّمَه اللّهُ تأويلَ القُرآن، وهي دعوة
مستجابة بلا شكِّ.
وإذا كانت أحكامُ الفدية غيرَ أحكام الطَّلاقِ، دَلَّ على أنها من غيرِ جِنسه،
فهذا مقتضى النصِّ، والقياس، وأقوالِ الصحابة، ثم من نظر إلى حقائقِ العقود
ومقاصِدها دون ألفاظها يَعُدُّ الخلع فسخاً بأي لفظٍ كان حتى بلفظ الطَّلاقِ، وهذا
أحد الوجهين لأصحاب أحمد، وهو اختيارُ شيخنا. قال: وهذا ظاهرُ كلام
أحمد، وكلامٍ ابن عباس وأصحابه. قال ابنُ جريج: أخبرني عمرُو بنُ دينار، أنه
سمع عكرمة مولى ابن عباس يقول: ما أجازَه المالُ، فليسَ بطلاقٍ. قال
١٨١
الدليل على أن الخلع ليس
بطلاق

عبدُ الله بنُ أحمد: رأيتُ أبي كان يذهبُ إلى قول ابن عباس. وقال عمرو، عن
طاووس عن ابن عباس: الخلعُ تفريقٌ وليس بطلاق، وقال ابنُ جريج، عن ابن
طاووس: كان أبي لا يرى الفداء طلاقاً ويُخيِّرُه.
ومن اعتبر الألفاظ ووقفَ معها، واعتبرها في أحكام العُقودِ، جعله بلفظ
الطلاق طلاقاً، وقَواعِدُ الفقه وأصولُه تشهد أن المَرْعِيَّ في العقود حقائقُها
ومعانيها لا صورُها وألفاظُها، وبالله التوفيق.
ومما يَدُكُّ على هذا، أن النبيَّ ◌َّ أمر ثابتَ بنَ قيس أن يُطلِّق امرأتَه في
الخُلعِ تطليقةً، ومع هذا أمرها أن تعتدَّ بحيضة، وهذا صريحٌ في أنه فسخ، ولو
وقع بلفظ الطلاق.
وأيضاً فإنه سبحانه علَّق عليه أحكامَ الفِدية بكونه فدية، ومعلومٌ أنَّ الفِدية لا
تختص بلفظ، ولم يُعين الله سبحانه لها لفظاً معيَّناً، وطلاقُ الفداء طلاقٌ مقيَّد،
ولا يدخل تحت أحكام الطلاق المطلق، كما لا يدخلُ تحتها في ثبوت الرجعة
والاعتداد بثلاثة قروء بالسنة الثابتة، وبالله التوفيق.
ذكرُ أحكام رسولِ الله ◌ِ﴾ في الطلاق
ذكر حكمه في طلاق الهازل، وزائل العقل،
والمكرَه والتطليق في نفسه
في ((السنن)): من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، ((ثَلاَثٌ جِدُّهُنَّ جِدٌّ،
وهَزْلُهُنَّ جِدٌّ: النِّكَاحُ، وَالطَّلاَقُ، والرَّجْعَةُ))(١).
(١) أخرجه أبو داود (٢١٩٤) في الطلاق: باب في الطلاق على الهزل، والترمذي
(١١٨٤) في الطلاق: باب ما جاء في الجد والهزل، والدارقطني ص ٤٣٢، وفي
سنده عبد الرحمن بن حبيب قال الحافظ في ((التلخيص)): وهو مختلف فيه، قال
النسائي: منكر الحديث، ووثقه غيره، فهو على هذا حسن، وصححه الحاكم
١٩٧/٢، ١٩٨، وأقره صاحب ((الإمام)) وله شواهد يتقوى بها انظرها في ((تلخيص
الحبير)) ٢٠٩/٣.
١٨٢

وفيها: عنه من حديث ابن عباس (١): ((إنَّ الله وَضَعَ عَنْ أُمَّتِي الخَطَأَ
والنِّسْيَانَ وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ»(٢).
وفيها: عنه بََّ، ((لا طَلاَقَ ولا عتاق في إِغْلاقٍ))(٣).
وصح عنه أنه قال للمُقِرِّ بالزنى: ((أَبِكَ جُنُونُ))؟ (٤).
وثبت عنه أنه أمرَ بِهِ أن يُستنكم(٥) .
وذكر البخاري في ((صحيحه)): عن علي، أنه قال لِعُمَر: ألم تعلم أَنَّ القلم
رُفِعَ عن ثلاث: عن المجنونِ حتى يُفيقَ، وعن الصَّبِيِّ حتى يُدرِكَ، وعن النائم
حتى يستيقظ (٦).
(١) في الأصل عائشة، وهو وهم من المؤلف، فلم يروه عنها أحد فيما نعلم.
(٢) أخرجه ابن ماجه (٢٠٤٥) في الطلاق: باب طلاق المكره، والناسي، والطحاوي في
((معاني الآثار)) ٥٦/٢، والدار قطني ٧٩٧، والحاكم ١٩٨/٢ وابن حبان (١٤٩٨)
والبيهقي ٣٥٦/٧، كلهم من حديث الأوزاعي عن عطاء، عن عبيد بن عمير، عن
ابن عباس سوى ابن ماجه، فإنه لم يذكر عبيداً ورجاله ثقات، وسنده قوي، وحسنه
النووي.
(٣) حديث حسن أخرجه أحمد ٢٧٦/٦، وأبو داود (٢١٩٣) في الطلاق: باب في
الطلاق على غلط، وابن ماجه (٢٠٤٦) في الطلاق: باب طلاق المكره والناسي،
والحاكم ١٩٨/٢، والبيهقي ٣٥٧/٧ وفي سنده محمد بن عبيد بن أبي صالح، وهو
ضعيف، وباقي رجاله ثقات، ورواه الحاكم من طريق آخر وكذا البيهقي.
(٤) تقدم تخريجه ص٢٧ .
(٥) تقدم تخريجه.
(٦) أخرجه البخاري ٣٤٤/٩ في الطلاق: باب الطلاق في الإغلاق تعليقا قال الحافظ :
ءِ
وصله البغوي في ((الجعديات)) عن علي بن الجعد، عن شعبة، عن الأعمش، عن
أبي ظبيان، عن ابن عباس أن عمر أتي بمجنونة قد زنت وهي حبلى، فأراد أن
يرجمها، فقال له علي أما بلغك أن القلم وضع عن ثلاثة فذكره وتابعه ابن نمير،
ووكيع وغير واحد عن الأعمش، ورواه جرير بن حازم عن الأعمش، فصرح فيه =
١٨٣

وفي ((الصحيح)) عنه وَّة، ((إنَّ اللّهَ تَجَاوَزَ لْأُمَّتِي عَمَّا حَذَّئْت بِهِ أَنفُسَها مَا لَمْ
تَكَلَّمْ، أَو تَعْمَلْ بِهِ (١).
النية والقصد عفو غير
لازم إن لم ينطق بها
اللسان
فتضمَّنت هذه السنن، أن ما لم يَنْطِقْ به اللسان مِن طلاق أو عِتاق، أو
يمين، أو نذر ونحوِ ذلك، عفوٌ غيرُ لازم بالنية والقصد، وهذا قولُ الجمهور،
وفي المسألة قولان آخرانٍ.
أحدهما: التوقف فيها، قال عبد الرزاق، عن معمر: سئل ابنُ سيرين عمن
طلَّق في نفسه، فقال: أليس قد عَلِمَ الله ما في نفسك؟ قال: بلى، قال: فلا أقولُ
فيها شيئاً.
والثاني: وقوعُه إذا جزَم عليه، وهذا روايةُ أشهب عن مالك، ورُوي عن
الزهري، وحجةُ هذا القول قوله ◌َّ: ((إنَّما الأعمال بالنِّيَّاتِ))، وأن من كفر في
نفسه، فهو كفر، وقوله تعالى: ﴿وإنْ تُبْدُوا مَا في أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ
اللّهُ﴾ [البقرة: ٢٤٨]، وأن المصرَّ على المعصية فاسق مؤاخذ وإن لم يفعلها،
بالرفع أخرجه أبو داود (٤٣٩٩) وابن حبان (١٤٩٧) من طريقه، وأخرجه النسائي
من وجهين آخرين عن أبي ظبيان مرفوعاً وموقوفاً، ورجح الموقوف على المرفوع،
وفي الباب عن عائشة عند أحمد ٦/ ١٠٠، ١٠١ و١٤٤، والدارمي ١٧١/٢،
والنسائي ١٥٦/٦، وأبي داود (٤٣٩٨) وابن ماجه (٢٠٤١) وصححه الحاكم
٥٩/٢، وأقره الذهبي، وعن أبي قتادة أخرجه الحاكم ٣٨٩/٤، وعن أبي هريرة
أخرجه البزار في ((مسنده)) من حديث حمدان بن عمر، عن سعد بن عبد الحميد، عن
عبد الرحمن بن عبد الله بن عمر، عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي
هريرة، وعن ثوبان وشداد رواه الطبراني في ((مسند الشاميين)) من حديث
عبد الرحمن بن مسلم الرازي، عن عبد المؤمن بن علي الزعفراني، عن
عبد السلام بن حرب، عن برد بن سنان، عن مكحول، عن أبي إدريس الخولاني
قال: أخبرني غير واحد من أصحاب رسول الله صل منهم ثوبان وشداد بن أوس.
(١) أخرجه البخاري ٩/ ٣٤٥ في الطلاق: باب الطلاق في الإغلاق، ومسلم (١٢٧) في
الإيمان: باب تجاوز الله عن حديث النفس والخواطر من حديث أبي هريرة.
١٨٤

وبأن أعمالَ القلوب في الثواب والعقاب كأعمالِ الجوارح، ولهذا يُثاب على
الحبِّ والبُغض، والموالاة والمعاداة في الله، وعلى التوكُّل والرِّضى، والعزم على
الطاعة، ويُعاقَبُ على الكِبر والحَسَدِ، والعُجب والشكِّ، والرِّياءِ وظنِّ السوء
بالأبرياء.
ولا حُجة في شيء من هذا على وقوع الطلاق والعتاق بمجرد النيةٍ مِن غير
تلفظ، أما حديثُ ((الأعمال بالنيات)): فهو حجةٌ عليهم، لأنه أخبر فيه أن العملَ
مع النية هو المعتبرُ، لا النية وحدَها، وأما من اعتقد الكُفْرَ بقلبه أو شكَّ، فهو كافر
لِزوال الإِيمان الذي هو عقدُ القلب مع الإِقِرار، فإذا زالَ العقدُ الجازمَ، كان نفسُ
زواله كفراً، فإن الإِيمان أمر وجودي ثابتٌ قائم بالقلب، فما لم يَقُمْ بالقلب،
حَصَلَ ضده وهو الكفر، وهذا كالعلم والجهل إذا فقد العلم، حصل الجهل،
وكذلك كُلُّ نقيضين زال أحدُهما خلفه الآخر.
وأما الآية فليس فيها أن المحاسبةَ بما يُخفيه العبدُ إلزامه بأحكامه بالشرع،
وإنما فيها محاسبتُه بما يُبديه أو يُخفيه، ثم هو مغفور له أو معذَّب، فأين هذا من
وقوع الطلاق بالنية. وأما أن المصرَّ على المعصية فاسقٌ مؤاخذ، فهذا إنما هو
فيمن عَمِلَ المعصية، ثم أصرَّ عليها، فهُنا عمل اتصل به العزمُ على معاودته، فهذا
هو المُصِرُّ، وأما مَنْ عزم على المعصية ولم يَعْمَلْها، فهو بين أمرينٍ، إما أن لا
تُكتب عليه، وإما أن تُكتب له حسنة إذا تركها لله عز وجل. وإما الثوابُ والعقابُ
على أعمال القلوب فحقٌّ، والقرآنُ والسنة مملوآن به، ولكن وقوعُ الطلاق
والعتاق بالنية من غير تلقُّط أمر خارج عن الثواب والعقاب، ولا تلازم بين
الأمرين، فإن ما يُعاقب عليه من أعمال القلوب هو معاصٍ قلبية يستحقُّ العقوبة
علَيها، كما يستحقُّه على المعاصي البدنية إذ هي مُنافية لعبودية القلب، فإن الكِبر
والعُجب والرياء وظنّ السوء محرَّمات على القلب، وهي أمور اختيارية يمكن
اجتنابُها فيستحق العقوبة على فعلها، وهي أسماءٌ لمعان مسمياتها قائمةٌ بالقلب.
وأما العِتاق والطلاق، فاسمان لمسميين قائمين باللسان، أو ما نابَ عنه من
١٨٥

إشارة أو كتابة، وليسا اسمين لما في القلب مجرداً عن النطق.
كلام الهازل بالطلاق
والنكاح والرجعة معتبر
وتضمنت أن المكلف إذا هَزَلَ بالطلاق، أو النكاح، أو الرجعة، لَزِمَهُ ما
هَزَلَ به، فدل ذلك على أن كلامَ الهازل معتبر وإن لم يُعتبر كلامُ النائم والناسي،
وزائِل العقل والمكرَه، والفرقُ بينهما أن الهازِلَ قاصدٌ للفظ غيرُ مريد لحكمه،
وذلك ليس إليه، فإنما إلى المكلِّف الأسباب، وأما ترثُّبُ مسيّباتها وأحكامها،
فهو إلى الشارع قصده المكلفُ أو لم يقصِدْه، والعبرةُ بقصده السبب اختياراً في
حال عقله وتكليفه، فإذا قصده، رتَّبَ الشارعُ عليه حُكمه جدَّ به أو هَزَلَ، وهذا
بخلاف النائم والمُبَرْسَمِ، والمجنون والسكرانِ وزائل العقل، فإنهم ليس لهم
قصد صحيح، وليسوا مكلفين، فألفاظُهم لغو بمنزلة ألفاظِ الطفل الذي لا يعقِلُ
معناها، ولا یقصِدُه.
وسِرُّ المسألة الفرقُ بين من قصد اللفظ، وهو عالِم بِهِ ولم يُرد حكمه، وبین
من لم يَقصِدْ اللفظ ولم يعلم معناه، فالمراتبُ التي اعتبرها الشارع أربعةٌ.
إحداها: أن لا يَقْصِدَ الحكم ولا يَتَلَفَّط به .
الثانية: أن لا يَقْصِدَ اللفظ ولا حُكمَه.
الثالثة: أن يَقصِدَ اللفظَ دُون حكمه.
الرابعة: أن يقصِدَ اللفظ والحكم، فالأوليان لغو، والآخرتان معتبرتان.
هذا الذي استُفِيدَ مِن مجموع نصوصه وأحكامِه، وعلى هذا فكلامُ المكرَه كُلُّه لغو
لا عِبرةَ به، وقد دلّ القرآن على أن من أُكْرِهَ على التكلم بكلمة الكفر لا يَكْفُرُ،
ومن أُكره على الإِسلام لا يصيرُ به مسلماً، ودلَّتِ السنةُ على أن الله سبحانه تجاوز
عن المكره، فلم يُؤَاخِذْه بما أُكْرِهَ عليه، وهذا يُراد به كلامه قطعاً، وأما أفعالُه،
ففيها تفصيلٌ، فما أبيح منها بالإكراه فهو متجاوز عنه، کالأكل في نهار رمضان،
والعملِ في الصلاة، ولبس المخيط في الإِحرام ونحو ذلك، وما لا يُباح بالإِكراه،
فهو مُؤَاخذ به، كقتل المعصوم، وإتلاف ماله، وما اختلف فيه كشُرب الخمر
ما يباح للمكره و ما
لا يباح
١٨٦

والزنى والسرقة هل يُحَدُّ به أو لا؟ فالاختلافُ، هل يباح ذلك بالإكراه أو لا؟ فمن
لم يُبِحْه حدَّه به، ومن أباحه بالإكراه لم يخُذَّه، وفيه قولان للعلماء، وهما روايتان
عن الإمام أحمد.
والفرق بين الأقوال والأفعال في الإكراه، أن الأفعالَ إذا وقعت، لم
ترتفعْ مفسدتُها، بل مفسدتُها معها بخلاف الأقوال، فإنها يمكن إلغاؤها.
وجعلُها بمنزلة أقوالِ النائم والمجنون، فمفسدةُ الفعل الذي لا يُباح بالإكراه
ثابتة بخلاف مفسدة القول، فإنها إنما تثبت إذا كان قائلُه عالماً به مختاراً له.
وقد روى وكيع عن ابن أبي ليلى، عن الحكم بن عتيبة، عن خيثمة بن عدم وقوع الطلاق بلفظ
عبد الرحمن، قال: قالت امرأةٌ لزوجها: سمني، فسمَّاها الظبية، فقال: ما
لم يقصد به الطلاق
قلت شيئاً، قال: فهاتِ ما أُسميك به، قالت: سمني خليةً طالقاً، قال: أنت
خَلِيَّةٌ طالق، فأتت عمر بن الخطاب، فقالت: إن زوجي طلَّقني، فجاء
زوجُها، فقصَّ عليه القصة، فأوجع عمر رأسَها، وقال لزوجها: خذ بيدها،
وأوجعْ رأسها.
فهذا الحكمُ من أمير المؤمنين بعدم الوقوع لما لم يقصد الزوجُ اللفظ
الذي يقع به الطلاقُ، بل قصد لفظاً لا يُريد به الطلاق، فهو كما لو قال لأمتِه
أو غُلامِه: إنها حرة، وأراد أنها ليست بفاجرة، أو قال لامرأته: أنت
مسرَّحة، أو سرحتُك، ومرادُه تسريح الشعر ونحو ذلك، فهذا لا يقع عتقُه
ولا طلاقُه بينه وبينَ الله تعالى، وإن قامت قرينةٌ أو تصادقا في الحكم لم يقع
به .
فإن قيل: فهذا من أي الأقسام؟ فإنكم جعلتم المراتبَ أربعة، ومعلومٌ
أن هذا ليس بمكرَه ولا زائل العقل، ولا هازل، ولا قاصدٍ لحكم اللفظ؟
قيل: هذا متكلم باللفظ مريد به أحدَ معنييه، فلزم حكم ما أراده بلفظه دون
ما لم يرده، فلا يلزم بما لم يرده، باللفظ إذا كان صالحاً لما أراده، وقد
استحلف النبيُّ ◌َِّ رُكانَة لما طلَّق امرأته البتة، فقال: ما أردتَ؟ قال:
١٨٧

الحلف بالطلاق
واحدة، قال: آللّهِ، قال: اللّهِ، قال: هو ما أردتَ(١)، فقبل منه نيَّته في
اللفظ المحتمل. وقد قال مالك: إذا قال: أنت طالق البتة، وهو يُريد أن
يحلِفَ على شيء ثم بدا له، فترك اليمين، فليست طالقاً، لأنه لم يُرد أن
يطلقها، وبهذا أفتى الليث بن سعد، والإِمامُ أحمد، حتى إن أحمد في رواية
عنه: يُقبل منه ذلك في الحكم.
وهذه المسألة لها ثلاثُ صور.
إحداها: أن يرجع عن يمينه ولم يكن التنجيزُ مرادَه، فهذه لا تطلُق عليه
في الحال، ولا يكون حالفاً.
الثانية: أن يكون مقصودُه اليمينَ لا التنجيزَ، فيقول: أنت طالق،
ومقصودُه: إن كلمت زيداً.
الثالثة: أن يكونَ مقصودُه اليمينَ مِن أول كلامه، ثم يرجعُ عن اليمين
في أثناء الكلام، ويجعل الطلاق منجزاً، فهذا لا يقعُ به، لأنه لم ينو به
الإيقاع، وإنما نوى به التعليق، فكان قاصراً عن وقوع المنجز، فإذا نوى
التنجيزَ بعد ذلك لم يكن قد أتى في التنجيز بغير النية المجردة، وهذا قولُ
أصحاب أحمد. وقد قال تعالى: ﴿لاَ يُؤَاخِذُكُمُ اللّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُم ولكِنْ
يُؤْاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَّتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٥].
واللغو: نوعان، أحدهما: أن يحِلفَ على الشيء يظنُّه كما حلف عليه،
فيتبينُ بخلافه. والثاني: أن تجري اليمين على لسانه من غير قصد للحلف،
كَلاَ واللّهِ، وبَلَى واللّهِ في أثناء كلامه، وكلاهما رفع الله المؤاخذة به، لعدم
اللغو في اليمين
(١) أخرجه الشافعي ٢/ ٣٧٠، ٣٧١، وأبو داود (٢٢٠٦) وابن حبان (١٣٢١) والحاكم
١٩٩/٢، ٢٠٠، والدار قطني ص ٤٣٨ من حديث عبد الله بن علي بن السائب، عن
نافع بن حجير بن عبد الله، عن ركانة ... وأخرجه أحمد (٢٣٨٧) من طريق داود بن
الحصين، عن عكرمة ...
١٨٨

قصد الحالف إلى عقد اليمين وحقيقتها، وهذا تشريعٌ منه سبحانَه لعباده ألا
يرتِّبوا الأحكامَ على الألفاظ التي لم يقصِدِ المتكلمُ بها حقائقَها ومعانيها،
وهذا غيرُ الهازل حقيقةً وحكماً.
وقد أفتى الصحابة بعدم وقوع طلاق المكره وإقرارِهِ، فصحَّ عن عمر أنه لا يقع طلاق المكره
قال: ليس الرجلُ بأمينٍ على نفسه إذا أوجعتَه أو ضربته أو أوثقته، وصحَّ عنه
وإقراره
أن رجلاً تدلَّى بحبل ليَشْتَارَ عسلاً، فأتت امرأته فقالت: لأقطعنَّ الحبل، أو
لتُطلِّقني، فناشدها الله، فأبت، فطلَّقَها، فأتى عمر فذكر له ذلك، فقال له:
ارجع إلى امرأتك، فإن هذا ليس بطلاق. وكان علي لا يُجيز طلاقَ المكره،
وقال ثابت الأعرج: سألت ابنَ عمر، وابن الزبير عن طلاق المكره، فقالا
جميعاً: ليس بشيءٍ.
فإن قيل: فما تصنعون بما رواه الغازي بن جَبَلة، عن صفوان بن عمران
الأصم، عن رجلٍ من أصحاب رسولِ الله وَلِّ، أن رجلاً جلست امرأتُه على
صدره، وجعلت السكين على حلقه، وقالت له: طلقني أو لأذبحنَّك،
فناشدها، فأبت، فطلقها ثلاثاً، فذُكِرَ ذلك للنبيِ، فقال: ((لا قَيْلُولَة في
الطَّلاق))(١) رواه سعيد بن منصور في ((سننه)). وروى عطاء بن عجلان، عن
عكرمة، عن ابن عباس، عن النبي ◌َّ قال: («كُلُّ الطَّلاقِ جَائِزٌ إلاَّ طَلَاقَ
المَعْتُوهِ والمَغْلُوبِ عَلَى عَقْلِهِ)).
وروى سعيد بن منصور: حدثنا فرج بن فضَالة، حدثني عمرو بن
شراحيل المعافري، أن امرأة استلَّتْ سيفاً، فوضعته على بطن زَوْجِهَا،
وقالت: والله لأنفذنَّك، أو لتُطلِّقْنِّي، فطلقها ثلاثاً فرُفِعَ ذلِك إلى عمر بن
الخطاب، فأمضى طلاقها. وقال علي. كل الطلاقِ جائزٌ إلا طلاقَ المعتوه.
(١) الغازي بن جبلة، قال البخاري: حديثه منكر في طلاق المكره، وصفوان بن عمران
قال أبو حاتم: ليس بقوي، وقال البخاري: حديثه منكر لا يتابع عليه.
١٨٩

قيل: أما خبر الغازي بن جبلة، ففيه ثلاث علل. إحداها: ضعف
صفوان بن عمرو، والثانية: لين الغازي بن جبلة، والثالثة: تدليس بقية الراوي
عنه، ومثل هذا لا يحتج به. قال أبو محمد بن حزم: وهذا خبر في غاية
السقوط .
وأما حديث ابن عباس: ((كل الطلاق جائز)) فهو من رواية عطاء بن
عجلان، وضعفُه مشهور، وقد رُمي بالكذب. قال أبو محمد بن حزم: وهذا
الخبر شر من الأول.
وأما أثر عمر، فالصحيح عنه خلافه كما تقدم، ولا يُعلم معاصرة
المعافري لعمر، وفرج بن فضالة فيه ضعف.
وأما أثر علي، فالذي رواه عنه الناس أنه كان لا يُجيز طلاق المكره
وروى عبد الرحمن بن مهدي، عن حماد بن سلمة، عن حُميد، عن الحسن،
أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه، كان لا يُجيز طلاق المكره. فإن صح
عنه ما ذكرتم، فهو عام مخصوص بهذا(١).
فصل
طلاق السكران
وأما طلاق السَّكرانِ، فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاَةَ
وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ [النساء: ٤٣]، فجعل سبحانه قول
السكران غيرَ معتبر، لأنه لا يَعْلَمُ ما يقولُ، وصحَّ عنه ◌َّ أَنَّه أمر بالمُقِرِّ بالزِّنى أن
يُسْتَنْكَهَ لِيعتبر قولُه الذي أقرَّ به أو يُلغى.
وفي ((صحيح البخاري)) في قصة حمزة، لما عَقَرَ بَعِيْرَيْ عَلي، فجاء
النبيُّ ◌ٌَّ، فَوَقَفَ عليه يَلُومُه، فصعَّدَ فيه النَّظْرَ وصوَّبَه وهو سكران، ثم قال: هلْ
(١) انظر ((المصنف)) (١١٤١٥) و((المحلى)) ٢٠٢/١٠، ٢٠٣، و(سنن البيهقي)) ٣٥٨/٧،
٣٥٩.
١٩٠

أَنْتُمْ إلا عَبِيدٌ لأبي، فنكص النبيُّ مََّ علي عَقِبِيةٍ (١). وهذا القولُ لو قاله غيرُ
سكران، لكان رِدةً وكُفراً، ولم يُؤاخذ بذلك حمزة.
وصح عن عُثمانَ بنِ عفان رضي الله عنه أنه قال: ليس لِمجنون، ولا
سكران طلاق. رواه ابن أبي شيبة، عن وكيع، عن ابن أبي ذئب، عن الزهري،
عن أبان بن عثمان، عن أبيه (٢) .
وقال عطاء: طلاقُ السكران لا يجوزُ، وقال ابنُ طاووس عن أبيه: طلاقُ
السكران لا يجوز (٣). وقال القاسم بن محمد: لا يجوزُ طلاقه.
وصحَّ عن عمر بنِ عبد العزيز أنه أُتي بِسَكْرَان طلَّق، فاستحلفه باللّهِ الذي
لا إله إلا هو: لقد طلَّقها وهو لا يَعْقِلُ، فحلف، فرَدَّ إليه امرأته، وضربه
الحد(٤).
وهو مذهبُ يحيى بن سعيد الأنصاري، وحمُيدٍ بن عبد الرحمن، وربيعة،
والليثِ بن سعد، وعبدِ الله بن الحسن، وإسحاق بن راهويه، وأبي ثور،
والشافعي في أحد قوليه، واختاره المزني وغيرُه من الشافعية، ومذهب أحمد في
إحدى الروايات عنه، وهي التي استقرَّ عليها مذهبُه، وصرَّح برجوعه إليها، فقال
في رواية أبي طالب: الذي لا يأمر بالطلاق، إنما أتى خصلةً واحدة، والذي يأمر
بالطلاق، فقد أتى خصلتيْنِ حرَّمها عليه، وأحلَّها لغيره، فهذا خيرٌ مِن هذا، وأنا
أتقي جميعاً. وقال في رواية الميموني: قد كنتُ أقولُ: إن طلاق السكران يجوزُ
حتى تبينتُه، فغلب علي: أنه لا يجوزُ طلاقه، لأنه لو أقر، لم يلزمه، ولو باع، لم
(١) أخرجه البخاري ٢٤٤/٧، ٢٤٥ في المغازي: باب شهود الملائكة بدراً من حديث
علي رضي الله عنه.
(٢)
رجاله ثقات.
أخرجه عبد الرزاق في ((المصنف» (١٢٣٠٩) وسنده صحيح.
(٣).
ذكره في ((المحلى)) ٢١٠/١٠ من طريق أبي عبيد، عن هشيم، عن يحيى بن سعيد
(٤)
الأنصاري ...
١٩١

يجز بيعُه، قال: وألزمه الجناية، وما كان مِن غير ذلك، فلا يلزمُه. قال أبو بكر
عبد العزيز: وبهذا أقولُ، وهذا مذهبُ أهلِ الظاهر كُلِّهم، واختاره من الحنفية أبو
جعفر الطحاويُّ، وأبو الحسن الكرخيُّ.
حجج من أوقع طلاق
السكران
والذين أوقعوه لهم سبعة مآخذ.
أحدُها: أنه مكلّف، ولهذا يُؤاخذ بجنایاته.
والثاني: أن إيقاع الطلاق عقوبةٌ له.
والثالث: أنَّ ترتب الطلاق على التطليق مِن باب ربط الأحكام بأسبابها، فلا
يُؤثر فيه السكر .
والرابع: أنَّ الصحابة أقاموه مقام الصَّاحي في كلامه، فإنهم قالوا: إذا
شرب، سَكِرَ، وإذا سَكِرَ، هذى، وإذا هَذَى، افترى، وحَدُّ المفتري ثمانون.
والخامس: حديث: ((لا قيلولة في الطلاق)) وقد تقدم.
السادس: حديث: ((كُلُّ طلاقٍ جائز إلا طلاق المعتوه))، وقد تقدم.
والسابع: أن الصحابة أوقعوا عليه الطلاق، فرواه أبو عبيد عن عمر،
ومعاوية، ورواه غيرُه عن ابن عباس. قال أبو عبيد: حدثنا يزيد بن هارون، عن
جرير بن حازم، عن الزبير بن الحارث، عن أبي لَبيد، أن رجلاً طلَّق امرأتَه وهو
سكران، فَرُفِعَ إلى عمر بن الخطاب، وشهد عليه أربعُ نِسوة ففرق عمر بينهما (١).
قال: وحدثنا ابنُ أبي مريم، عن نافع بن يزيد، عن جعفر بن ربيعة، عن
ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب، أن معاوية أجاز طلاقَ السكران(٢). هذا
جمیعُ ما احتجوا به، وليس في شيء منه حجةٌ أصلاً.
(١) رجاله ثقات، وأبو لبيد: إسمه لمازة بن زبّار الأزدي الجهضمي، والأثر في
((المحلى؟ ٢٠٩/١٠، و((سنن البيهقي)) ٣٥٩/٧.
(٢) رجاله ثقات، وهو في ((المحلى)) ٢٠٩/١٠.
١٩٢

فأما المأخذُ الأوَّلُ، وهو. أنه مكلف، فباطل، إذ الإِجماع منعقِدٌ على أن الرد على حجج من أوقع
شرطَ التكليفِ العقلُ، ومن لا يعقِلُ ما يقول، فليس بمكلَّف.
طلاق السكران
وأيضاً فلو كان مكلفاً، لوجب أن يقع طلاقه إذا كان مكرهاً على شُربها، أو
غیرَ عالم بأنها خمر، وهم لا یقولون به.
وأما خطابُه، فيجب حملُه على الذي يعقِلُ الخطاب، أو على الصاحي،
وأنه نُهي عن السكر إذا أراد الصلاة، وأما من لا يَعْقِلُ، فلا يُؤمر ولا ینھی.
وأما إلزامُه بجناياته، فمحلُّ نزاع لا محل وفاق، فقال عثمان البَتِّي: لا
يلزمُه عقدٌ ولا بيع، ولا حدٌّ إلا حذَّ الخمر فقط، وهذا إحدى الروايتين عن أحمد
أنه كالمجنون في كُلِّ فعل يُعتبر له العقلُ.
والذين اعتبروا أفعالَه دونَ أقواله، فرَّقوا بفرقين، أحدهما: أن إسقاطَ
أفعاله ذريعةٌ إلى تعطيل القصاص، إذ كُلُّ من أراد قتل غيره أو الزنى أو السرقة أو
الحِراب، سَكِرَ وفعل ذلك، فيُقام عليه الحدُّ إذا أتى جرماً واحداً، فإذا تضاعف
جُرمُه بالسكر كيف يسقط عنه الحدُّ؟ هذا مما تأباه قواعدُ الشريعة وأصولها، وقال
أحمد منكراً على من قال ذلك: وبعضُ من يرى طلاق السكران ليس بجائز، يزعم
أن سكران لو جنى جناية، أو أتى حداً، أو تركَ الصيام أو الصلاةَ، كان بمنزلة
المُبَرْسَمِ والمجنون، هذا كَلام سوء.
والفرق الثاني: أن إلغاء أقواله لا يتضمَّن مفسدة، لأن القول المجردَ مِن
غير العاقل لا مفسدة فيه بخلاف الأفعال، فإن مفاسدها لا يُمكن إلغاؤها إذا
وقعت، فإلغاءُ أفعاله ضررٌ محض، وفسادٌ منتشر بخلاف أقواله، فإن صحّ هذان
الفرقان، بطلَ الإِلحاق، وإن لم يصحا، كانت التسويةُ بين أقواله وأفعاله متعينة.
وأما المأخذ الثاني ــ وهو أن إيقاع الطلاق به عقوبةٌ له - ففي غاية
الضعف، فإن الحدَّ يكفيه عقوبة، وقد حصل رضى الله سُبحانه من هذه العقوبة
١٩٣
زاد المعاد ج٥-م٧

بالحد، ولا عهد لنا في الشريعة بالعُقوبة بالطلاق، والتفريق بين الزوجين.
وأما المأخذُ الثالث: أن إيقاع الطلاق به من ربط الأحكام بالأسباب، ففي
غاية الفساد والسقوط، فإن هذا يُوجب إيقاعَ الطلاق ممن سكر مُكرهاً، أو جاهلاً
بأنها خمر، وبالمجنون والمُبَرْسَم، بل وبالنائم، ثم يُقال: وهل ثبت لكم أن
طلاقَ السكران سببٌ حتى يُربط الحكمُ به، وهل النزاعُ إلا في ذلك؟ .
وأما المأخذ الرابع: وهو أن الصحابة جعلوه كالصاحي في قولهم: إذا
شرب، سَكِرَ، وإذا سَكِرَ، هذى(١). فهو خبر لا يصح البتة.
قال أبو محمد بن حزم: وهو خبر مكذوب قد نزه الله علياً وعبد الرحمن بن
عوف منه، وفيه من المناقضة ما يدل على بُطلانه، فإن فيه إيجابَ الحد على من
هذى، والهاذي لا حدَّ علیه.
وأما المأخذُ الخامس، وهو حديث: ((لا قيلولة في الطلاق»، فخبر لا
يَصِحُّ، ولو صحَّ، لوجب حملُه على طلاق مكلّف يعقِلُ دون من لا يعقِل، ولهذا
لم يدخل فيه طلاقُ المجنون والمُبرْسَم والصبي.
وأما المأخذ السادس، وهو خبر: ((كلُّ طلاق جائز إلا طلاق المعتوه))،
فمثله سواء لا يصح، ولو صح، لكان في المكلف، وجواب ثالث: أن السكران
الذي لا يَعْقِلُ إما معتوه، وإما مُلحق به، وقد ادعت طائفة أنه معتوه. قالوا:
المعتوه في اللغة: الذي لا عقل له، ولا يدري ما یتکلم به.
وأما المأخذ السابعُ: وهو أن الصحابة أوقعوا عليه الطلاقَ، فالصحابةُ
(١) أخرجه عبد الرزاق (١٣٥٤٢) من حديث معمر، عن أيوب، عن عكرمة أن عمر بن
الخطاب شاور الناس في جلد الخمر وقال: إن الناس قد شربوها، واجترؤوا عليها،
فقال له علي رضي الله عنه: إن السكران إذا سكر، هذى، وإذا هذى، افترى،
فاجعله حد الفرية، فجعله عمر حد الفرية ثمانين. ورواه مالك ٢/ ٨٤٢ عن ثور بن
زيد الديلي، وأخرجه البيهقي ٣٢١/٨ عن ثور بن زيد، عن عكرمة، عن ابن عباس.
١٩٤

مختلفون في ذلك، فصح عن عثمان ما حکیناه عنه.
وأما أثرُ بن عباس، فلا يَصِحُّ عنه، لأنه من طريقين، في أحدهما
الحجاج بن أرطاة، وفي الثانية إبراهيم بن أبي يحيى، وأما ابنُ عمر ومعاوية، فقد
خالفهما عثمان بن عفان.
فصل
وأما طلاق الإغلاق، فقد قال الإِمام أحمد في رواية حنبل: وحديثُ عائشة
رضي الله عنها: سمعت النبي ◌ِّ يَقول: ((لا طَلاقَ ولا عتاق في إغلاق))(١)، يعني
الغضبَ، هذا نصُّ أحمد حكاه عنه الخلال، وأبو بكر في ((الشافي)) و((زاد
المسافر)». فهذا تفسير أحمد.
طلاق الإغلاق
وقال أبو داود في ((سننه)): أظنه الغضب، وترجم عليه: ((باب الطلاق على
غلط))(٢). وفسره أبو عُبيد وغيرُه: بأنه الإكراه، وفسره غيرهما: بالجنون، وقيل:
هو نهيٌ عن إيقاع الطلقات الثلاث دفعةً واحدة، فيُغْلَقُ عليه الطلاقُ حتى لا يبقى
منه شيء، کغَلَقِ الرهن، حكاه أبو عُبيد الهروي.
قال شيخُنا، وحقيقةُ الإِغلاق: أن يُغلق على الرجل قلبُه، فلا يقصِدُ
الكلام، أو لا يعلم به، كأنه انغلق عليه قصدُه وإرادته. قلت: قال أبو العباس
المبرِّد: الغَلَق: ضيقُ الصدر، وقلةُ الصبر بحيث لا يجد مخلصاً قال شيخنا:
ويدخل في ذلك طلاقُ المكرَه والمجنون، ومن زال عقله بسُكر أو غضب، وكُلُّ
من لا قصد له ولا معرفة له بما قال.
والغضب على ثلاثة أقسام.
(١) تقدم قريباً ص ١٨٣.
(٢) ((سنن أبي داود)) (٢١٩٣) ٦٤٢/٢، ٦٤٣.
١٩٥

أحدها: ما يُزيل العقل، فلا يشعُرُ صاحبُه بما قال، وهذا لا يقعُ طلاقه بلا
نزاع.
والثاني: ما يكون في مباديه بحيث لا يمنع صاحِبَه مِن تصور ما يقولُ
وقصده، فهذا يقع طلاقُه.
الثالث: أن يستحكِمَ ويشتدَّ به، فلا يُزيل عقله بالكلية، ولكن يحولُ بينه
وبين نيته بحيث يندَمُ على ما فرط منه إذا زال، فهذا محلٌّ نظر، وعدمُ الوقوع في
هذه الحالة قوي متجه.
حكم رسول الله ولة في الطلاق قبل النكاح
في ((السنن)): من حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، قال: قال
رسول الله صَّةٍ: ((لا نَذْرَ لابْن آدَمَ فِيمَا لاَ يَمْلِكُ، ولاَ عِثْقَ لَهُ فِيمَا لاَ يَمْلِكُ، ولا
طَلَاَقَ لَهُ فِيمَا لاَ يَمْلِكُ)(١). قال الترمذي: هذا حديث حسن، وهو أحسنُ شيءٍ
في هذا الباب، وسَألت محمد بن إسماعيل، فقلت: أيُّ شيء أصحُّ في الطلاق
قبل النكاح؟ فقال: حديثُ عمرو بن شعيب، عن أبيه عن جده.
وروى أبو داود: ((لا بَيْعَ إلاَّ فِيمَا يَمْلِكُ، ولا وَفَاءَ نَذْرٍ إلاَّ فِيمَا يَمْلِكُ)(٢).
وفي ((سنن ابن ماجه)): عن المسور بنِ مَخْرَمَة رضي الله عنه، أن
رسول الله ◌َّةٍ قَال: ((لاَ طَلَاَقَ قَبْلَ النَّكَاحِ وَلاَ عِثْقَ قَبْلَ مِلْكِ(٣).
وقال وكيع: حدثنا ابنُ أبي ذئب، عن محمد بنِ المنكدر، وعطاء بن أبي
(١) أخرجه الترمذي (١١٨١) في الطلاق: باب لا طلاق قبل النكاح، وسنده حسن وهو
في مسند أحمد ١٨٩/٢، ١٩٠، ٢٠٧.
أخرجه أبو داود (٢١٩٠) في الطلاق: باب في الطلاق قبل النكاح، وسنده حسن.
(٢)
(٣)
أخرجه ابن ماجه (٢٠٤٨) في الطلاق: باب لا طلاق قبل النكاح، وسنده حسن.
١٩٦

رياح، كلاهما عن جابر بن عبد الله يرفعه: ((لاَ طَلاَقَ قَبْل نكاح))(١) .
وذكر عبدُ الرزاق، عن ابن جريج، قال: سمعتُ عطاءً يقول: قال ابنُ
عباس رضي الله عنه: لا طلاقَ إلا من بعدِ نكاح.
قال ابنُ جريج: بلغ ابن عباس أن ابن مسعود يقول: إن طلَّق ما لم ينكِخْ
فهو جائز، فقال ابن عباس: أخطأ في هذا، إن الله تعالى يقول: ﴿إِذَا نَكَحْتُمُ
المُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ﴾ [الأحزاب: ٤٩]، ولم يقل: إذا طلقتم المؤمنات ثم
نکحتموهن(٢) .
وذكر أبو عُبيد: عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه، أنه سُئِل عن رجل
قال: إن تزوجت فلانة، فهي طالق، فقال علي: ليس طلاقٌ إلا من بعد ملك.
وثبت عنه رضي الله عنه أنه قال: لا طلاق إلا من بعد نكاح وإن سماها،
وهذا قولُ عائشة، وإليه ذهب الشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأصحابُهم، وداود
وأصحابُه، وجمهورُ أهل الحديث.
ومِن حجة هذا القول: أن القائل: إن تزوجتُ فلانة، فهي طالق مُطَلِّقٌ
الأجنبية، وذلك محال، فإنها حِينَ الطلاق المعلَّق أجنبية، والمتجدِّدُ هو نِكاحُها،
والنكاح لا يكون طلاقاً، فعُلِمَ أنها لو طلقت، فإنما يكون ذلك استناداً إلى الطلاق
المتقدِّم معلقاً، وهي إذ ذاك أجنبية، وتجدُّدُ الصفة لا يجعلُه متكلماً بالطلاق عند
وجودها، فإنه عند وجودها مختار للنكاح غیرُ مريد للطلاق، فلا يَصِحُّ، كما لو
(١) رجاله ثقات.
(٢) أخرجه عبد الرزاق (١١٤٦٨)، وأخرجه البيهقي ٣٢٠/٧ من حديث يزيد النحوي،
عن عكرمة، عن ابن عباس قال: ما قالها ابن مسعود رضي الله عنه، وإن يكن قالها،
فإنها زلة من عالم في الرجل يقول: إن تزوجت فلانة، فهي طالق، قال الله تبارك
وتعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات، ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن﴾
ولم يقل: إذا طلقتم المؤمنات ثم نکحتموهن. وسنده حسن.
١٩٧

قال لأجنبية: إن دخلت الدار فأنت طالق، فدخَلتْ وهي زوجتُه، لم تطلق بغير
خلاف .
الفرق بين تعليق الطلاق
وتعليق العتق
فإن قيل: فما الفرقُ بين تعليق الطلاق وتعليق العِتق؟ فإنه لو قال: إن
ملكتُ فلاناً، فهو حر، صَحَّ التعليقُ، وعتق بالملك؟ .
قيل: في تعليق العِتق قولان، وهما روايتان عن أحمد، كما عنه روايتان في
تعليق الطلاق، والصحيحُ من مذهبه الذي عليه أكثرُ نصوصه، وعليه أصحابه:
صحةُ تعليق العتق دون الطلاق، والفرقُ بينهما أن العِتقَ له قوة وسراية، ولا يعتمِدُ
نفوذ الملك، فإنه ينفذ في ملك الغير، ويَصِحُّ أن يكون الملك سبباً لزواله بالعتق
عقلاً وشرعاً، كما يزولُ ملكه بالعتق عن ذي رحمه المحرَمِ بشرائه، وكما لو
اشترى عبداً لِيعتقه في كفارة أو نذر، أو اشتراه بشرط العتق، وكُلُّ هذا يُشرع فيه
جعل الملك سبباً للعتق، فإنه قُربة محبوبة لله تعالى، فشرع الله سبحانه التوسلَ
إليه بكل وسيلة مفضية إلى محبوبه، وليس كذلك الطلاقُ، فإنه بغيضٌ إلى الله،
وهو أبغضُ الحلال إليه، ولم يجعل ملك البُضع بالنكاح سبباً لإِزالته البتة، وفرقٌ
ثانٍ أن تعليق العتق بالملك من باب نذر القُرَبِ والطاعات والتبرر، كقوله: لئن
آتانيَ الله مِن فضله، لأتصدقن بكذا وكذا، فإذا وُجِدَ الشرطُ، لزمه ما علقه به من
الطاعة المقصودة، فهذا لونٌ، وتعليقُ الطلاق على الملك لونٌ آخر.
حُكْمُ رسولِ الله ◌َّ في تحريم طلاق الحائض والنفساء والموطوءةِ في
طَهرها، وتحريم إيقاع الثلاث جملة
في ((الصحيحين)): أن ابن عمر رضي الله عنه طلق امرأته وهي حائض على
عهد رسول الله وَ ل﴿، فسأل عمرُ بن الخطاب رضي الله عنه عن ذلك رسولَ الله ◌َل
فقال: ((مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْها ثُمَّ ليمْسِكْها حَتَّى تَطْهُرَ ثُمَّ تَحيضَ، ثُمَّ تَطْهُرَ، ثُمَّ إنْ شَاءَ
أَمْسَكَ بَعْدَ ذلِكَ، وإِنْ شَاءَ يُطلِّقُ قَبْلَ أَنْ يَمَسَّ، فَتِلْكَ العِدَّةُ التي أَمَرَ اللّهُ أَنْ تُطَلَّقَ
لَها النِّسَاءُ)».
١٩٨

ولمسلم: ((مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْها، ثُمَّ لِيُطَلِّقْها طاهِراً أو حامِلاً)) .
وفي لفظ: ((إنْ شَاءَ طلَّقَها طاهِراً قَبْلِ أنْ يَمسَّ، فذلِكَ الطَّلاقُ لِلْعِدَّةِ كَمَا
أمَرَهُ اللّهُ تَعالى)). وفي لفظ للبخاري: ((مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْها ثُمَّ ليُطَلِّقْها في قُبُلٍ
عِدَّتِها))(١) .
وفي لفظ لأحمد، وأبي داود، والنسائي، عن ابن عمر رضي الله عنهما:
قال: طلق عبد الله بن عمر امرأتَه وهي حائِض، فردَّها عليه رسول الله ◌ِصَّةِ، ولم
يرها شيئاً، وقال: إذَا طَهُرَتْ فَلْيُطَلِّقْ أَوْ لِيُمْسِكْ)).
وقال ابن عمر رضي الله عنه: قرأ رسول الله ◌َّ: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ
النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ﴾ في قُبُلٍ عِدَّتِهِنَّ [الطلاق: ١](٢).
فتضمَّن هذا الحكمُ أن الطلاقَ على أربعة أوجه: وجهان حلال، ووجهان
حرام.
أنواع الطلاق من حيث
الحل والحرمة
فالحلالان: أن يطلِّق امرأته طاهراً مِن غير جماع، أو يُطلِّقها حاملاً مستبيناً
حملها .
(١) أخرجه البخاري ٣٠١/٩، ٣٠٢، ٣٠٣، ٣٠٤، ٣٠٥، ٣٠٦ في أول الطلاق، وباب
إذا طلقت الحائض تعتد بذلك الطلاق، وباب من طلق، وهل يواجه الرجل امرأته
بالطلاق، وباب وبعولتهن أحق بردهن في العدة، وباب مراجعة الحائض، وفي
تفسير سورة الطلاق في فاتحتها، وفي الأحكام: باب هل يقضي الحاكم أو يفتي
وهو غضبان، وأخرجه مسلم (١٤٧١) في الطلاق: باب تحريم طلاق الحائض بغير
رضاها.
(٢) أخرجه أحمد (٥٥٢٤) وأبو داود (٢١٨٥) في الطلاق: باب طلاق السنة، من
حديث عبد الرزاق، أخبرنا ابن جريج، أخبرني أبو الزبير أنه سمع عبد الرحمن بن
أيمن مولى عروة يسأل ابن عمر ... ورجاله ثقات، وسيفصل القول فيه المؤلف
قريباً.
١٩٩

والحرامان: أن يُطَلِّقها وهي حائض، أو يُطلِّقها في طهرٍ جامعها فيه هذا في
طلاق المدخول بها .
وأما من لم يدخل بها، فيجوز طلاقُها حائضاً وطاهراً، كما قال تعالى: ﴿لاَ
جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَغْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ [البقرة:
٢٣٦].
وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ المُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ
قَبْلِ أَنْ تَمَشُّوهُنَّ فَمَالِكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَها﴾ [الأحزاب: ٤٩](١)، وقد دل
على هذا قولُه تعالى: ﴿فَطَلَّقُوهُنَّ لِعِذَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١] وهذه لا عِدة لها، ونبَّه
عليه رسولُ اللهِ بَّه بقوله: ((فَتِلْكَ العِدَّةُ الَّتي أَمَرَ اللَّهُ أَنْ تُطَلَّقْ لَهَا النِّسَاء)»، ولولا
هاتان الآيتانِ اللتان فيهما إباحةُ الطلاق قبل الدخول، لمنع مِن طلاق مَنْ لا عِدة له
علیھا .
وفي (سنن النسائي)) وغيره: من حديث محمود بن لبيد، قال: أُخْبِرَ
رسول الله وَّ عن رجُلٍ طَلَّق امرأته ثلاثَ تطليقاتٍ جميعاً، فقامَ غضبان، فقال:
(أَيُلْعَبُ بِكِتَابِ اللّهِ وَأَنَا بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ))، حتى قام رجلٌ، فقال: يا رسولَ الله! أفلا
أقتُلُه(٢).
وفي ((الصحيحين)): عن ابنِ عُمَرَ رضي الله عنه، أنه كان إذا سئل عن
الطلاق قال: أَمَّا أَنْتَ إِن طَلَّقْتَ امْرَأَتَكَ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَين))، فإِنَّ رسول الله ◌َّ أمرني
بهذا، وإِنْ كُنْتَ طلَّقتها ثلاثاً، فقد حَرُمَتْ عَلَيْكَ حتى تَنْكِحَ زوجاً غيرَكَ، وعصيتَ
(١) أخرجه النسائي ١٤٤/٦ في الطلاق: باب الثلاث المجموعة وما فيه من التغليظ
ورجاله ثقات، ونقل الشوكاني عن ابن كثير أنه قال: إسناده جيد، وقال ابن حجر
في ((بلوغ المرام)) رواته موثقون، وقال في ((الفتح)) رجاله ثقات.
(٢) أخرجه النسائي ١٤٢/٦، ورجاله ثقات.
٢٠٠