Indexed OCR Text

Pages 101-120

رسولُ الله ◌َِّ: ((أَلاَ أُخْبِرُكُمْ بِالتَّيْسِ المُسْتَعَارِ))؟ قالُوا: بلى يا رَسُولَ اللّهِ. قال:
(هُوَ المُحَلِّلُ لَعَنَ اللَّهُ الْمُحَلِّلَ والمَحَلَّلَ لَهُ))(١).
فهؤلاء الأربعةُ مِن سادات الصحابة رضي الله عنهم، وقد شهدُوا على
رسول الله ◌َ﴾ بلعنه أصحابَ التحليل، وهم: المُحَلِّلُ والمُحَلَّلُ لَه وهذا إما خبرٌ
عن الله فهو خبرُ صِدق، وإما دُعاء فهو دُعاء مستجاب قطعاً، وهذا يُفيد أنه مِن
الكبائر الملعون فاعِلُها، ولا فرقَ عند أهل المدينة وأهلِ الحديث وفُقهائهم بين
اشتراط ذلك بالقول أو بالتواطؤ، والقصدِ، فإن القُصود في العقود عندهم معتبرة،
والأعمالُ بالنيّات، والشرطُ المتواطَأُ عليه الذي دخل عليه المتعاقدان كالملفوظِ
عندهم، والألفاظُ لا تُراد لعينها، بل للدلالة على المعاني، فإذ ظهرت المعاني
والمقاصدُ، فلا عِبْرَة بالألفاظ، لأنها وسائل، وقد تحقَّقت غاياتُها، فترتَّبَتْ عليها
أحکامُها .
فصل
وأما نِكاحُ المُتعة، فثبت عنه أنه أحلَّها عامَ الفتح، وثبت عنه أنَّه نهى عنها
عَامَ الفتح(٢) واختُلِفَ هل نهى عنها يومَ خيبر؟ على قولين، والصحيح: أن النهي
إنما كان عامَ الفتح، وأن النهي يومَ خيبر إنما كان عن الحُمُرِ الأهلية، وإنما قال
علي لابن عباس: إنَّ رسولَ اللّهِ مَّ نهى يومَ خيبرَ عن مُتعة النساء، ونهى عن
النهي عن نكاح المتعة
(١) أخرجه ابن ماجه (١٩٣٦) والحاكم ١٩٩/٢، والبيهقي ٢٠٨/٧، وسنده حسن،
وصححه الحاكم ووافقه الذهبي: وفي الباب عن ابن عباس عند ابن ماجه (١٩٣٤)
وفي سنده زمعة بن صالح وهو ضعيف وعن جابر عند الترمذي (١١١٩) وفي سنده
مجالد بن سعيد وهو ضعيف، وكلها شواهد تقوي الحديث وتصححه.
(٢) أخرج مسلم (١٤٠٦) (٢٢) في النكاح: باب نكاح المتعة عن سبرة بن معبد الجهني
أنه كان مع رسول الله ◌َّة عام الفتح، فقال رسول الله مَّ: ((يا أيها الناس إني قد
كنت أذنت لكم في الاستمتاع من النساء، وإن الله قد حرم ذلك إلى يوم القيامة،
فمن كان عنده منهن شيء فليخل سبيله)) وفي رواية: أمرنا رسول الله مَله بالمتعة
عام الفتح حين دخلنا مكة، ثم لم نخرج منها حتى نهانا عنها.
١٠١

الحمر الأهلية محتجاً عليه في المسألتين، فظنَّ بعضُ الرواة أن التقييدَ بيوم خيبر
راجع إلى الفَصْلَين، فرواه بالمعنى، ثم أفرد بعضُهم أحدَ الفصلين وقيَّده بيومٍ
خيبر، وقد تقدَّم بيانُ المسألة في غزاة الفتح(١) .
وظاهِرُ كلام ابن مسعود إباحتُها، فإن في ((الصحيحين)): عنه: كنا نغزو مع
رسولِ الله ◌َّ وليس معنا نِساء، فقلنا: يا رسولَ الله! ألا نَسْتخْصِي؟ فنهانا عن
ذلك، ثم رخَّصَ لنا بعدُ أن نَنْكِحُ المرأة بالثَّوْبِ إِلى أجَلٍ، ثم قرأ عبدُ الله: ﴿يَا
أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُم وَلاَ تَعْتَدُوا إِنَّ اللّهَ لاَ يُحبُّ
المُعْتَدِينَ﴾(٢) [المائدة: ٨٧]. ولكن في ((الصحيحين)): عن علي رضي الله عنه،
أن رسولَ الله وََّ حرَّم مُتْعَةَ النِّسَاءِ.
وهذا التحريمُ: إنما كان بعد الإباحة، وإلا لزم منه النسخُ مرتين، ولم
يحتج به على علي ابن عباس رضي الله عنهم، ولكن النظر: هل هو تحريمُ بَنَاتٍ،
أو تحريمٌ مِثْلُ تحريم الميتة والدم وتحريم نكاح الأمة فيُباح عند الضرورة وخوفٍ
العنت؟ هذا هو الذي لحظه ابنُ عباس، وأفتى بِحِلِّها للضرورة، فلما توسَّع الناسُ
فيها، ولم يقتصِرُوا على موضع الضرورة، أمسك عن فُتياه، ورجع عنها.
فصل
وأما نكاحُ المُحْرِمِ، فثبت عنه في ((صحيح مسلم)) من رواية عثمان بن عفان
رضي الله عنه قال: قال رسول الله وَّهُ: ((لا يَنْكِحُ المُحْرِمُ وَلاَ يُنْكَحُ)) (٣).
نكاح المحرم في حج أو
عمرة
واختُلِفَ عنه ◌َّةَ، هل تزوَّج ميمونةَ حلالاً أو حراماً؟ فقال ابنُ عباس:
هل تزوج ميمونة وهو
مسترم؟
(١)
انظر ٣/ ٤٠٣، ٤٠٧.
أخرجه البخاري ٢٠٧/٨ في تفسير سورة المائدة: باب لا تحرموا طيبات ما أحل الله
(٢)
لكم، وفي النكاح: باب تزويج المعسر الذي معه القران والاسلام، وباب ما يكره
من التبتل والخصاء، ومسلم (١٤٠٤) في النكاح: باب نكاح المتعة.
(٣) أخرجه مالك في ((الموطأ)) ٣٤٨/١ و٣٤٩ في الحج: باب نكاح المحرم، ومسلم
(١٤٠٩) في الحج: باب تحريم نكاح المحرم.
١٠٢

تزوَّجها مُحْرِمَاً، وقال أبو رافع: تزوَّجها حلالاً، وكنتُ الرسولَ بينهما (١) . وقولُ
أبي رافع أرجح لعدة أوجه.
أحدها: أنه إذ ذاك كان رجلاً بالغاً، وابنُ عباس لم يكن حينئذ ممن بلغ
الحُلم، بل كان له نحو العشر سنين، فأبو رافع إذ ذاك كان أحفظَ منه.
الثاني: أنه كان الرسولَ بين رسولِ الله ◌َِّ وبينها، وعلى يده دارَ الحديثُ،
فهو أعلم به مِنه بلا شك، وقد أشار بنفسه إلى هذا إشارة متحقّق له، ومتيقن ولم
ينقله عن غيره، بل باشره بنفسه.
الثالث: أن ابن عباس لم يكن معه في تلك العُمرة، فإنها كانت معُمرةً
القضية، وكان ابنُ عباس إذ ذاك من المستضعفين الذين عَذَرَهُمُ اللّهُ مِن الولدان،
وإنما سمع القِصَّة مِن غير حضور منه لها.
الرابع: أنه مَ لج حين دخل مكة، بدأ بالطواف بالبيت، ثم سعى بينَ الصفا
والمروة، وحلق، ثم حَلَّ.
ومن المعلوم: أنه لم يتزوج بها في طريقه، ولا بدأ بالتزويج بها قبلَ
الطواف بالبيت، ولا تزوَّج في حال طوافه، هذا من المعلوم أنه لم يقع، فصحَّ
قولُ أبي رافع يقيناً.
الخامس: أن الصحابة رضي الله عنهم غَلَّطُوا ابنَ عباس، ولم يُغلِّطُوا أبا
رافع.
السادس: أن قولَ أبي رافع موافِقٌ لنهي النبيِّ ◌َ لَ عن نِكاح المُحْرِمِ، وقول
ابن عباس يُخالفه، وهو مستلزِم لأحد أمرين، إما لنسخه، وإما لتخصيص
النبيِّ ◌ِل بجواز النِّكاحِ محرماً، وكلا الأمرين مخالف للأصل ليس عليه دليل، فلا
يُقبل.
(١) أخرجه أحمد ٣٩٣/٦، والترمذي (٨٤١) وحسنه.
١٠٣

السابع: أن ابنَ أختها يزيد بن الأصم شهد أن رسولَ الله ◌َّة تزوَّجها حلالاً
قال: وكانت خالتي وخالة ابنِ عباس. ذكره مسلم(١).
فصل
تحريم نكاح الزانية
وأما نكاحُ الزانية، فقد صرَّح الله سبحانه وتعالى بتحريمه في سُورة النور،
وأخبر أن مَنْ نكحها، فهو إما زانٍ أو مشرك، فإنه إما أن يلتزِمَ حُكمَه سبحانه
ويعتقد وجوبه عليه، أولا، فإن لم يلتزِمْه ولم يعتقده، فهو مشرك. وإن التزمه
واعتقد وجوبه وخالفه، فهو زانٍ، ثم صرَّح بتحريمه فقال: ﴿وحُرَّمَ ذلِكَ عَلى
المؤمنينَ﴾ [النور: ٣].
ولا يخفى أن دعوى نسخ الآية بقوله: ﴿وَأَنْكِحُوا الأَّيَامِى مِنْكُمْ﴾ [النور:
٣٤] مِن أضعفِ ما يُقال: وأضعفُ منه حملُ النكاح على الزنى إذ يصير معنى
الآية: الزاني لا يزني إلا بزانية أو مشركة، والزانية لا يزني بها إلا زانٍ أو مشرك،
وکلام الله ينبغي أن يُصان عن مثل هذا.
الرد على من حمل معنى
الزانية في الآية على بغي
مشركة
وكذلك حملُ الآية على امرأة بغي مشركة في غاية البعد عن لفظها وسياقها،
كيف وهو سبحانه إنما أباح نكاحَ الحرائر والإِماءِ بشرط الإِحصان، وهو العِفَّة،
فقال: ﴿فانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بالمَعْرُوفِ مُحصَنَاتٍ غَيْرَ
مُسَافِحَاتٍ وَلاَ مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ﴾ [النساء: ٢٥] فإنما أباح نكاحَها في هذه الحالة
دُون غيرها، وليس هذا من باب دلالة المفهوم، فإن الأبضاع في الأصل على
التحريم، فيُقتصرُ في إباحتها على ما ورد به الشرعُ، وما عداه، فعلى أصل
التحريم.
وأيضاً، فإنه سبحانه قال: ﴿الخَبِئَاتُ لِلْخَبِيثِينَ والخَبِيْثُونَ لِلْخَبِيِّئَاتِ﴾
(١) (١٤١١) وأخرجه أبو داود (١٨٤٣) والترمذي (٨٥٤) وابن ماجه (١٩٦٤).
١٠٤

[النور: ٢٦] والخَبِيثَاتُ: الزواني. وهذا يقتضي أن من تزوَّج بهن، فهو خبيثٌ
مثلهن.
وأيضاً. فمن أقبح القبائح أن يكون الرجلُ زوجَ بغي، وقُبْحُ هذا مستقر في
فطر الخلق، وهو عندهم غاية المسبّة.
وأيضاً: فإن البَغِيَّ لا يُؤْمَن أن تُفْسِدَ على الرجل فِرَاشه، وتعلِّق عليه
أولاداً مِن غيره، والتحريم يثبت بدون هذا.
وأيضاً: فإن النبي ◌َّه فرق بين الرجل وبين المرأة التي وجدها حُبلى
من الزنى.
وأيضاً فإن مرثد بن أبي مرثد الغنوي استأذن النبي ◌ّيّ أن يتزوج عَنَاق
وكانت بغيَّاً، فقرأ عليه رسول الله وَّل آية النور وقال: ((لا تَنْكِحْهَا))(١).
فصل
في حكمه ◌َّة فيمن أسلم على أكثر مِن أربع نسوة أو على أختين
في الترمذي عن ابن عمر رضي الله عنهما: أن غَيلان(٢) أسلم وتحتَه عَشْرُ
نِسوةٍ، فقال له النبي ◌َّهُ: ((اختر مِنْهُنَّ أَرْبَعَا)). وفي طريق أخرى: ((وفَارِقْ
سَائِرَهُنَّ))(٣) .
(١) أخرجه أبو داود (٢٠٥١) في النكاح: باب في قوله تعالى: ﴿الزاني لا ينكح إلا
زانية﴾ والنسائي ٦٦/٦، ٦٧ في النكاح: باب تزويج الزانية، والترمذي (٢١٧٦) في
التفسير، والبيهقي ١٥٣/٧ من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، وسنده
حسن، وحسنه الترمذي، وصححه الحاكم ١٦٦/٢، ووافقه الذهبي.
(٢) هو غيلان بن سلمة الثقفي من أشراف ثقيف ووجهائهم، أسلم بعد فتح الطائف هو
وأولاده، قال المرزباني في ((معجم الشعراء)): شريف شاعر كان أحد حكام قيس في
الجاهلية. له ترجمة في ((طبقات ابن سعد)) ٣٧١/٥، وأخرى في ((الإصابة)) برقم
(٦٩١٨).
(٣) أخرجه الشافعي ٣٥١/٢، وأحمد (٤٦٠٩) و(٤٦٣١)، والترمذي (١١٢٨)، وابن =
١٠٥

وأسلم فيروز الدَّيلمي وتحته أختان، فقال له النبيُّ مَ: ((اخْتَرْ أَيَّتَهُما
شِئتَ)) (١).
فتضمن هذا الحكم صِحةً نكاح الكفار، وأنه له أن يختار مَنْ شاء مِن
السوابق واللواحق لأنه جعل الخيرة إليه، وهذا قول الجمهور. وقال أبو حنيفة :
إن تزوجهن في عقد واحد، فسد نكاحُ الجميع، وإن تزوجهن مترتباتٍ، ثبت
ماجه (١٩٥٣) وصححه ابن حبان (١٢٧٧) وقال الحافظ ابن كثير في ((الإِرشاد)»
=
فيما نقله عنه الصنعاني في ((سبل السلام)) ١٧٥/٣، ١٧٦: رواه الإمامان أبو عبد الله
محمد بن إدريس الشافعي، وأحمد بن حنبل، والترمذي، وابن ماجه، وهذا الإسناد
رجاله على شرط الشيخين إلا أن الترمذي يقول: سمعت البخاري يقول: هذا حديث
غير محفوظ، والصحيح ما روى شعيب وغيره عن الزهري قال: حدثت عن
محمد بن شعيب الثقفي أن غيلان ... فذكره، قال البخاري: وإنما حديث الزهري
عن سالم عن أبيه أن رجلاً من ثقيف طلق نساءه، فقال له عمر: لتراجعن
نساءك ... الحديث، قال ابن كثير: قلت: قد جمع الإِمام أحمد في روايته لهذا
الحديث بين هذين الحديثين بهذا السند (يريد الحديث ٤٦٣١) فليس ما ذكره
البخاري قادحاً، وساق رواية النسائي له برجال ثقات ... وقد ساق الحافظ في
((التلخيص)) ١٦٩/٣ سند النسائي، فقال: فائدة: أخبرنا أبو بريد عمرو بن يزيد
الجرمي، أخبرنا سيف ابن عبيد الله، عن سرّار بن مجشِّر، عن أيوب، عن نافع
وسالم، عن ابن عمر أن غيلان الثقفي أسلم وعنده عشر نسوة ... الحديث،
وفيه .. فأسلم وأسلمن معه .. وفيه: فلما كان زمن عمر، طلقهن، فقال له عمر:
راجعهن. ورجال إسناده ثقات، ومن هذا الوجه أخرجه الدارقطني ص ٤٠٤. وفي
الباب عن نوفل بن معاوية قال: أسلمت وتحتي خمس نسوة، فسألت النبي ◌َّ،
فقال: ((فارق واحدة وأمسك أربعاً) ... أخرجه الشافعي ٢٥١/٢، ومن طريقه
البيهقي ١٨٤/٧، وسنده ضعيف لجهالة شيخ الشافعي فيه، وباقي رجاله ثقات،
وهو يصلح شاهدا لما قبله، وعن الحارث بن قيس الأسدي، أو قيس بن الحارث
قال: أسلمت وعندي ثمان نسوة فذكرت ذلك لرسول الله جية، فقال النبي
(«اختر منهنّ أربعاً» ولا بأس بسنده في الشواهد.
(١)
١٠٦

نکاح الأربع، وفسد نكاح من بعدهن ولا تخییر.
فصل
وحكم ◌َ﴾: أن العبد إذا تزوَّج بِغَيْرِ إِذْنِ مَوَالِيه، فهو عَاهِرٌ. قال الترمذي: إذا تزوج العبد بغير إذن
حديث حسن(١).
مواليه فهو عاهر
فصل
واستأذنه بنو هشام بن المُغيرة أن يُزُوِّجوا علي بن أبي طالب رضي الله عنه
ابنةَ أبي جهل، فلم يأذن في ذلك، وقال: ((إلاَّ أَنْ يُرِيدَ ابْنُ أبي طَالِبٍ أَنْ يُطَلِّقَ
ابْنَتَي، ويَنْكِحَ ابْنَتَهُم، فإِنَّمَا فَاطِمَة بَضْعَةٌ مِنِّي يَرِيبُي ما رَابَها، ويُؤْذِيني ما آذاها،
إِنِّي أَخَافُ أَنْ تُفْتَنَ فَاطِمَةُ فِي دِينِها، وإني لَسْتُ أُحَرِّمُ حَلَاَاَ، ولاَ أُحِلُّ حَراماً،
ولكِنْ واللّهِ لا تَجْتَمِعُ بِنْتُ رَسُولِ اللّهِ وبِنْتُ عدوِّ الله في مَكانٍ وَاحِدٍ أَبَداً.
منعه * علياً أن يجمع
بين فاطمة وبنت أبي
جھل
وفي لفظ فذكر صهراً له فأثنى عليه، وقال: حَدَّثَنِي فَصَدَقَنِي، وَوَعَدَني
فوفى لي(٢).
فتضمَّن هذا الحكمُ أموراً.
أحدُها: أن الرجل إذا شرط لزوجته أن لا يتزوج عليها، لزمه الوفاءُ
بالشرط، ومتى تزوَّج عليها، فلها الفسخ، ووجه تضمن الحديث لذلك أنه وصلاليه
أخبر أن ذلك يُؤذي فاطمة ويَريبها، وأنه يؤذيه بَّه ويريبه، ومعلوم قطعاً أنه مَله.
إنما زوجه فاطمة رضي الله عنها على أن لا يُؤذيها ولا يَريبها، ولا يؤذي أباها واَّه
ولا يَريبه، وإن لم يكن هذا مشترطاً في صُلب العقد، فإنه مِن المعلوم بالضرورة
أنه إنما دخل عليه، وفي ذكره ◌َ لّ صِهره الآخر، وثناءَه عليه بأنه حذَّثه فصدقه،
ما تضمنه هذا الحكم من
الأمور
إذا شرط الرجل لزوجته
أن لا يتزوج عليها لزمه
الوفاء ...
(١) أخرجه الترمذي (١١١١) وأبو داود (٢٠٧٨) من حديث جابر.
(٢) أخرجه البخاري ٦٧/٧، ٦٨، ومسلم (٢٤٤٩) وأبو داود (٢٠٧١) من حديث
المسور بن مخرمة.
١٠٧

ووعده فوفى له تعريضٌ بعلي رضي الله عنه، وتهييجٌ له على الاقتداء به، وهذا
يُشعر بأنه جرى منه وعد له بأنه لا يَريبها ولا يُؤذيها، فهيَّجه على الوفاء له، كما
وفى له صهرُه الآخر.
المشروط عرفاً
كالمشروط لفظاً
فيُؤخذ مِن هذا أن المشروطَ عُرفاً كالمشروطِ لفظاً، وأن عدمَه يُملِّك الفسخ
المشترطه، فلو فُرِضَ من عادة قوم أنهم لا يُخرجون نساءهم من ديارهم ولا
يُمكنون أزواجَهم من ذلك البتة، واستمرت عادتُهم بذلك كان كالمشروط لفظاً،
وهو مطَّرد على قواعد أهل المدينة، وقواعد أحمد رحمه الله: أن الشرط العرفي
كاللفظي سواء، ولهذا أوجبوا الأجرةَ على من دفع ثوبه إلى غسَّال أو قصار، أو
عجينَه إلى خباز، أو طعامَه إلى طباخ يعملُون بالأجرة، أو دخل الحمامَ، أو
استخدم من يغسله ممن عادته يغسل بالأجرة ونحو ذلك، ولم يشرط لهم أجرة أنه
يلزمه أجرة المثل. وعلى هذا، فلو فُرِضَ أن المرأة من بيت لا يتزوجُ الرجلُ على
نسائهم ضرةً، ولا يُمكنونه مِن ذلك، وعادتهم مستمرة بذلك، كان كالمشروط
لفظاً.
وكذلك لو كانت ممن يعلم أنها لا تُمكِّن إدخالَ الضرةِ عليها عادةً لشرفها
وحسبها وجَلالتها، كان تركُ التزوّج عليها كالمشروط لفظاً سواء.
وعلى هذا فسيِّدةُ نساء العالمين، وابنةُ سيد ولد آدمَ أجمعين أحقُّ النساء
بهذا، فلو شرطه علي في صُلب العقد كان تأكيداً لا تأسيساً.
حكمة منع عليّ من هذا
الجمع
وفي منع علي من الجمع بين فاطمة رضي الله عنها، وبين بنتِ أبي جهل
حِكمةٌ بديعة، وهي أن المرأة مع زوجها في درجته تبعٌ له، فإن كانت في نفسها
ذاتَ درجة عالية، وزوجُها كذلك، كانت في درجة عالية بنفسها وبزوجها، وهذا
شأنُ فاطمة وعلي رضي الله عنهما، ولم يكن اللّهُ عز وجل ليجعل ابنةَ أبي جهل
مع فاطمة رضي الله عنها في درجة واحدة لا بنفسها ولا تبعاً، وبينَهما من الفرق ما
بينهما، فلم يكن نكاحُها على سيدة نساء العالمين مستحسناً لا شرعاً ولا قدراً،
١٠٨

وقد أشار ◌َّل إلى هذا بقوله: ((والله لا تَجْتَمِعُ بِنتُ رَسُولِ اللّهِ وبيت عَدُوِّ اللّهِ في
مَكَانٍ وَاحِدٍ أَبداً))، فهذا إما أن يتناولَ درجة الآخر بلفظه أو إشارته.
فصل
فيما حَكَم اللّهُ سبحانه بتحريمه مِن النساء على لسان نبيه
حرَّم الأمهاتِ، وهن كل من بينك وبينه إيلاد مِن جهة الأمومة أو الأبوة،
كأُمهاته، وأمهاتِ آبائه وأجدادِه من جهة الرجال والنساء وإن علون.
تحريم الأمهات
وحرَّم البناتِ وهُنَّ كُلُّ من انتسب إليه بإيلاد، كبناتِ صُلبه، وبناتِ بناته،
وأبنائِهن وإن سَفُلْنَ .
تحريم البنات
وحرَّم الأخواتِ مِن كل جهة، وحرَّم العَّماتِ وهُنَّ أخواتُ آبائه وإِن عَلَوْنَ تحريم الأخوات والعمات
مِن كل جهة.
التفصيل في عمة العم
وأما عمةُ العمِّ، فإن كان العمُّ لأبٍ، فهي عمة أبيه، وإن كان لأم، فعمتُه
أجنبية منه، فلا تدخُل في العمات، وأما عمةُ الأم، فهي داخلة في عماته، كما
دخلت عمةُ أبيه في عماته.
وحرَّم الخالاتِ وهُنَّ أخواتُ أمهاتِه وأمهات آبائه وإن عَلَوْنَ، وأما خالةٌ
العمة، فإن كانت العمةُ لأب فخالتُها أجنبية، وإن كانت لأم فخالتها حرامٌ، لأنها
خالة، وأما عمةُ الخالة، فإن كانت الخالةُ لأم، فعمتُها أجنبية، وإن كانت لأبٍ،
فعمتها حرام، لأنها عمة الأم.
تحريم الخالات
التفصيل في خالة العمة
وعمة الخالة
وحرَّم بناتِ الأخ، وبناتِ الأخت، فيعُمُّ الأخَ والأخت مِن كل جهة وبناتهما تحريم بنات الأخ وبنات
الأخت
وإن نزلت درجتُهن.
وحرَّم الأمّ مِن الرضاعة، فيدخُل فيه أمهاتُها مِن قبل الآباء والأمهاتِ وإن
علون، وإذا صارت المرضعةُ أمَّه، صار صاحب اللبن - وهو الزوجُ أو السيد إن
كانت جارية - أباه، وآباؤه أجداده، فنبّه بالمرضعة صاحبة اللبن التي هي مُودع
التفصيل في تحريم
الرضاعة
١٠٩

فيها للأب، على كونه أباً بطريق الأولى، لأن اللبن له، وبوطئه ثابَ، ولهذا حكم
رسولُ الله ◌َّ بتحريم لبن الفحل، فثبت بالنص وإيمائه انتشارُ حرمة الرضاع إلى
أم المرتضع وأبيه مِن الرضاعة، وأنه قد صار ابناً لهما، وصارا أبوين له، فلزم من
ذلك أن يكون إخوتهما وأخواتُهما خالاتٍ له وعماتٍ، وأبناؤهما وبناتُهما إخوة له
وأخوات، فنبه بقوله: ﴿وَأَخَوَاتُكُم مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾ [النساء: ٢٢] على انتشار
حرمة الرضاع إلى إخوتهما وأخواتهما، كما انتشرت منهما إلى أولادهما فكما
صاروا إخوةً وأخوات للمرتضع، فأخوالُهما وخالاتُهما أخوالٌ وخالاتٌ له،
وأعمامٌ وعمات له: الأول بطريق النص، والآخر بتنبيهه، كما أن الانتشار إلى الأم
بطريق النص، وإلى الأب بطريق تنبيهه .
وهذه طريقة عجيبة مطَّردة في القرآن لا يقعُ عليها إلا كُلُّ غائص على
معانيه، ووجوهِ دلالاته، ومن هنا قضى رسولُ الله ◌ِ ◌ّ أنه ((يَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعِ مَا
يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ»(١) ولكن الدلالة دلالتان: خفيَّةٌ وجليَّةٌ، فجمعهما للأمة، ليتم
البيانُ ويزول الالتباسُ، ويقع على الدلالة الجلية الظاهرة مَنْ قَصُرَ فهمُه عن
الخفية .
وحَرَّم أمهاتِ النساء، فدخل في ذلك أمُّ المرأة وإن علت مِن نسب أو
رضاع، دخل بالمرأة أو لم يدخل بها، لصدق الاسم على هؤلاء كلِّهن.
تحريم أمهات الزوجات
وحرَّم الربائِبَ اللاتي في حجُور الأزواج وهُنَّ بناتُ نسائهم المدخول بهن،
فتناول بذلك بناتِهن، وبنات بناتهن، وبنات أبنائهن، فإنهنّ داخلاتٌ في اسم
الربائب، وقيد التحريم بقيدين، أحدُهما: كونُهن في حجور الأزواج. والثاني:
تحريم بنات الزوجات
(١) أخرجه البخاري ١١٩/٩، ١٢٠ في النكاح: باب ﴿وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم﴾
ومسلم (١٤٤٤) في الرضاع: باب يحرم من الرضاعة ما يحرم من الولادة،
و((الموطأ)) ٦٠١/٢ من حديث عائشة، وأخرجه البخاري ١٢١/٩، ومسلم (١٤٤٧)
من حديث ابن عباس، وأخرجه الترمذي (١١٤٦) من حديث علي.
١

الدخولُ بأمهاتهن. فإذا لم يُوجد الدخول لم يثبت التحريم، وسواء حصلت الفرقةٌ
بموت أو طلاق، هذا مقتضى النص.
وذهب زيد بن ثابت، ومَن وافقه، وأحمد في رواية عنه: إلى أن موتَ الأم
في تحريم الربيبة كالدخول بها، لأنه يُكمل الصداق، ويُوجب العدة والتوارث،
فصار كالدخول، والجمهور أبَوْا ذلك، وقالوا: الميتة غير مدخول بها، فلا تحرم
ابنتها، والله تعالى قيَّد التحريم بالدخول، وصرح بنفيه عند عدم الدخول.
وأما كونها في حَجره، فلما كان الغالبُ ذلك ذكره لا تقييداً للتحريم به، بل
هو بمنزلة قوله: ﴿وَلاَ تَقْتُلُوا أَوْلاَدَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ﴾ [الإسراء: ٣١] ولما كان مِن
شأن بنت المرأة أن تكون عند أمِّها، فهي في حجر الزوج وقوعاً وجوازاً، فكأنه
قال: اللاتي من شأنهن أن يكُنَّ في حُجوركم، ففي ذكر هذا فائدة شريفة، وهي
جوازُ جعلها في حَجره، وأنه لا يجب عليه إبعادُها عنه، وتجنب مؤاكلتها،
والسفر، والخلوة بها، فأفاد هذا الوصفُ عدمَ الامتناع مِن ذلك.
ولما خفي هذا على بعض أهلِ الظاهر، شرط في تحريم الربيبة أن تكون في
حَجر الزوج، وقيّد تحريمها بالدخول بأمها، وأطلق تحريمَ أمِّ المرأة ولم يُقيده
بالدخول، فقال جمهورُ العلماء من الصحابة ومن بعدهم: إن الأم تحرم بمجرد
العقد على البنت، دخل بها أو لم يدخل، ولا تحرم البنتُ إلا بالدخول بالأم،
وقالوا: أبهِمُوا ما أبهمَ الله. وذهبت طائفة إلى أن قوله: ﴿الَّلاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾
وصف لنسائكم الأولى والثانية، وأنه لا تحرم الأم إلا بالدخول بالبنت، وهذا يردُّه
نظمُ الكلام، وحيلولة المعطوف بين الصفة والموصوف، وامتناعُ جعل الصفة
للمضاف إليه دون المضاف إلا عند البيان، فإذا قلت: مررت بغلام زيد العاقلِ،
فهو صفة للغلام لا لزید إلا عند زوال اللبس، كقولك: مررت بغلام هند الكاتبة،
ويردُّه أيضاً جعله صفة واحدة لموصوفين مختلفي الحكم والتعلُّق والعامل، وهذا
لا يُعرف في اللغة التي نزل بها القرآنُ.

وأيضاً فإن الموصوف الذي يلي الصفَة أولى بها لجواره، والجارُ أحق
بصَقَبه(١) ما لم تدعُ ضرورةٌ إلى نقلها عنه، أو تخطّها إياه إلى الأبعد.
فإن قيل: فمن أين أدخلتم ربيبَته التي هي بنتُ جاريته التي دخل بها،
وليست مِن نسائه؟ .
وجه دخول بنت جاريته
في التحريم
قلنا: السرية قد تدخل في جملة نسائه، كما دخلت في قوله: ﴿نِسَاؤُكُم
حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْئُكُمْ أَنَّى شِئْتُم﴾ [البقرة: ٢٢٣] ودخلت في قوله: ﴿أُحِلَّ لَكُم
لَيْلَةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ إلى نِسَائِكُم﴾ [البقرة: ١٨٧] ودخلت في قوله: ﴿وَلاَ تَنْكِحُوا
مَا نَكَحَ آبَاؤُكُم مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٢٢].
فإن قيل: فَيَلْزمُكم على هذا إدخالها في قوله: ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ﴾
[النساء: ٢٣] فتحرم عليه أمُّ جاريته؟.
دخول أم الجارية
المدخول بها في التحريم
قلنا: نعم وكذلك نقول: إذا وطىء أمته، حَرُمَتْ عليه أمُّها وابنتها .
فإن قيل: فأنتم قد قررتم أنه لا يُشترط الدخولُ بالبنت في تحريم أمِّها
فكيف تشترطونه ها هنا؟.
قلنا: لتصير من نسائه، فإن الزوجة صارت من نسائه بمجرد العقد، وأما
المملوكة، فلا تصيرُ مِن نسائه حتى يطأها، فإذا وطئها، صارت من نسائه،
فحرمت علیه أمُّها وابنتُها.
فإن قيل: فكيف أدخلتم الشُّرِّيَّةَ في نسائه في آية التحريم، ولم تُدخلوها في
نسائه في آية الظهار والإيلاء؟.
وجه عدم دخول الجواري
في الظهار والإيلاء
قيل: السياقُ والواقع يأبى ذلك، فإن الظهار كان عندهم طلاقاً، وإنما محلُّه
الأزواج لا الإِماء، فنقله الله سبحانه من الطلاق إلى التحريم الذي تُزيله الكفَّارة،
(١) الصقب: القرب والملاصقة.
١١٢

ونقل حُكمَه وأبقى محله، وأما الإِيلاء، فصريح في أن محله الزوجات، لقوله
تعالى: ﴿لِلَّذِينِ يُؤْلُون مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةٍ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاؤُوا فَإِنَّ اللّهَ غَفُورٌ
رحِيمٌ وإِنْ عَزَمُوا الطَّلاَقَ فَإِنَّ اللّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾. [البقرة: ٢٢٦ -٢٢٧].
وحرَّم سبحانه حلائل الأبناء، وهن موطواتُ الأبناء بنكاح أو ملك يمين، تحريم حلائل الأبناء
فإنها حليلة بمعنى محلَّلة، ويدخل في ذلك ابنُ صلبه، وابن ابنه، وابن ابنته،
ويخرج بذلك ابن الثَّبِيِّ، وهذا التقييدُ قُصِدَ به إخراجُه.
الاختلاف في حلائل
الأبناء من الرضاع
وأما حليلةُ ابنه من الرضاع، فإن الأئمة الأربعة ومَنْ قال بقولهم يدخلونها
في قوله: ﴿وحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمْ﴾، [النساء: ٢٣] ولا يخرجونها بقوله: ﴿الَّذِينَ مِنْ
أَصْلَائِكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] ويحتجون بقول النبي ◌ََّ: ((حَرِّمُوا مِنَ الرَّضَاعِ مَا
تُحَرِّمُونَ مِنَ النَّسَبِ))، (١) قالوا: وهذه الحليلة تحرم إذا كانت لابن النسب،
فتحرم إذا كانت لابن الرضاع. قالوا: والتقييد لإِخراج ابن التبنِّي لا غير، وحرموا
من الرضاع بالصهر نظيرَ ما يَحْرُمُ بالنسب. ونازعهم في ذلك آخرون، وقالوا: لا
تحرُم حليلةُ ابنه مِن الرضاعة، لأنه ليس مِن صُلبه، والتقييد كما يُخرج حليلة ابن
التبِّي يُخرج حليلةَ ابن الرضاع سواء، ولا فرق بينهما. قالوا: وأما قولُه ◌ِلّه :
(يَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعِ مَا يَخْرُمُ مِنَ النَّسَبِ)) فهو من أكبر أدلتنا وعمدتنا في المسألة،
فإن تحريمَ حلائلِ الآباء والأبناء إنما هو بالصِّهر لا بالنَسب، والنبيُّ ◌ٌَّ قد قصر
تحريمَ الرضاع على نظيره مِن النسب لا على شقيقه من الصهر، فيجبُ الاقتصارُ
بالتحریم علی مورد النص.
قالوا: والتحريمُ بالرضاع فرع على تحريم النسب، لا على تحريم
المصاهرة، فتحريمُ المصاهرة أصلٌ قائم بذاته، والله سبحانه لم ينُصَّ في كتابه
(١) أخرجه البخاري ٤٠٩/٨ ومسلم (١٤٤٥) من قول عائشة، وأخرجاه أيضاً مرفوعاً
بلفظ ((الرضاعة تحرم ما تحرِّم الولادة)) وفي لفظ لمسلم «فإنه يحرم من الرضاعة ما
يحرم من النسب)).
١١٣

على تحريم الرضاع إلا من جهة النسب، ولم ينبه على التحريم به مِن جهة الصهر
البتة، لا بنص ولا إيماءٍ ولا إشارة، والنبيُّ ◌َّ أمر أن يُحرم به ما يحرُم من
النسب، وفي ذلك إرشاد وإشارة إلى أنه لا يحرم به ما يحرم بالصهرِ، ولولا أنه
أراد الاقتصار على ذلك لقال: ((حَرِّمُوا مِنَ الرَّضَاعِ ما يحرم من النَّسَبِ والصِّهر)).
قالوا: وأيضاً فالرَّضاع مشبَّه بالنسب، ولهذا أخذ منه بعض أحكامه وهو
الحرمةُ والمحرمية فقط دون التوارث، والإنفاق وسائر أحكام النسب، فهو نسبٌ
ضعيف، فأخذ بحسب ضعفه بعضَ أحكام النسب، ولم يقو على سائر أحكام
النسب، وهو ألصق به من المصاهرة، فكيف يقوى على أخذ أحكام المصاهرة مع
قصوره عن أحكام مشبهه وشقيقه؟ ! .
وأما المصاهرة والرضاع، فإنه لا نسبَ بينهما ولا شبهة نسب، ولا بعضية،
ولا اتصال. قالوا: ولو كان تحريمُ الصهرية ثابتاً لبينه الله ورسوله بياناً شافياً يُقيم
الحجة ويقطع العذر، فَمِنَ الله البيانُ، وعلى رسولِه البلاغُ، وعلينا التسليمُ
والانقياد، فهذا منتهى النظر في هذه المسألة، فمن ظفر فيها بحجة، فليرشد إليها
وليدل عليها، فإنا لها منقادون، وبها معتصِمون، والله الموفق للصواب.
فصل
تحريم نكاح من نكحهن
الآباء
وحرَّم سبحانه وتعالى نكاح من نكحهُنَّ الآباء، وهذا يتناولُ منكوحاتِهِم
بملك اليمين أو عقد نكاح، ويتناول آباء الآباء، وآباء الأمهات وإن عَلَوْن،
والاستثناء بقوله: ﴿إِلَّ مَا قَدْ سَلَفَ﴾، من مضمون جملة النهي، وهو التحريم
المستلزم للتأثيم والعقوبة، فاستثنى منه ما سلف قبل إقامة الحجة بالرسول
والكتاب.
فصل
وحرَّم سبحانه الجمعَ بين الأختينِ، وهذا يتناولُ الجمعَ بينهما في عقدِ
النكاح، وملكِ اليمين، كسائر محرَّمات الآية، وهذا قولُ جمهور الصحابة ومَن
تحريم الجمع بين
الأختين
الاختلاف في الجمع بين
الأختين من ملك اليمين
١١٤

بعدهم، وهو الصوابُ، وتوقفت طائفةٌ في تحريمه بملك اليمين لمعارضة هذا
العموم بعموم قوله سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ إِلاَّ على أَزْوَاجِهِمْ أَوْ
مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ [المؤمنون: ٥، ٦] و[المعارج: ٢٩، ٣٠]
ولهذا قال أميرُ المؤمنين عثمان بن عفانَ رضي الله عنه: أحلَّتهما آية، وحرَّمتهما
آیة .
وقال الإمام أحمد في رواية عنه: لا أقول: هو حرام، ولكن ننهى عنه،
فمن أصحابه من جعل القولَ بإباحته رواية عنه. والصحيح: أنه لم يُبحه، ولكن
تأذَب مع الصحابة أن يُطلق لفظ الحرامِ على أمرٍ توقَّفَ فيه عثمانُ، بل قال: ننهى
عنه .
والذين جزموا بتحريمه، رجَّحوا آيَةَ التحريم من وجوه.
أحدها: أن سائرَ ما ذُکِرَ فیها من المحرَّمات عام في النكاح وملك الیمین،
فما بالُ هذا وحدَه حتى يخرُجَ منها، فإن كانت آيةُ الإِباحة مقتضيةً لِحلِّ الجمع
بالملك، فلتكن مقتضيةً لِحل أمّ موطوءته بالملك، ولموطوءة أبيه وابنه بالملك،
إذ لا فرق بينهما البتة، ولا يُعلم بهذا قائل.
أدلة من رجح تحريم
الجمع بين الأختين من
ملك اليمين
الثاني: أن آيَةَ الإِباحة بملك اليمين مخصوصةٌ قطعاً بصورٍ عديدة لا يختلِفُ
فيها اثنان، كأمه وابنته، وأختِهِ وعمتِه وخالتِه من الرضاعة، بل كأختِه وعمته مِن
النسب عند من لا يرى عتقهن بالملك، كمالك والشافعي، ولم يكن عموم قوله :
﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُم﴾، معارضاً لعموم تحريمهن بالعقد والملك، فهذا حُكْمُ
الأختين سواء.
الثالث: أن حِلَّ الملك ليس فيه أكثرُ من بيان جهة الحل وسببه، ولا تعرُّض
فيه لشروط الحِلِّ، ولا لموانعه، وآيةُ التحريم فيها بيانُ موانع الحِلِّ من النسب
والرضاع والصهر وغيره، فلا تعارض بينهما البتة، وإلا كان كُلُّ موضع ذكر فيه
شرطُ الحل وموانعه معارضاً لمقتضى الحل، وهذا باطل قطعاً، بل هو بيان لما
١١٥

سكت عنه دليلُ الحِل من الشروط والموانع.
الرابع: أنه لو جاز الجمعُ بين الأختين المملوكتين في الوطء، جاز الجمعُ
بين الأم وابنتها المملوكتين، فإن نص التحريم شامِلٌ للصورتين شمولاً واحداً،
وأن إباحة المملوكات إن عمت الأختين، عمَّت الأم وابنتها.
الخامس: أن النبيَّ بَّه قال: ((مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللّهِ واليَوْمِ الآخِرِ، فَلاَ يجْمعْ
مَاءَهُ فِي رَحِمٍ أُخْتَيْنِ))(١) ولا ريب أن جمع الماء كما يكون بعقد النكاح يكون
بملك الیمین، والاپمان یمنع منه.
فصل
تحريم الجمع بين المرأة
وعمتها والمرأة وخالتها
((وقضى رسولُ اللّهِ رَّ بتحريم الجمعِ بينَ المرأة وعمتها، والمرأةِ
وخالتها))(٢) وهذا التحريمُ مأخوذ من تحريم الجمع بينَ الأختين، لكن بطريق
خفيٍّ، وما حرَّمه رسولُ الله ◌َّهَ مثلُ ما حرَّمه الله، ولكن هو مستنبط مِن دلالة
الكتاب.
حرص الصحابة على
استنباط الأحاديث من
القرآن
وكان الصحابةُ رضي الله عنهم أحرصَ شيء على استنباطِ أحاديثٍ
رسول الله رََّ من القُرآن، ومَن ألزم نفسَه ذلك، وقرعَ بابه، ووجَّه قلبه إليه،
واعتنى به بفطرةٍ سليمة، وقلب ذكي، رأى السنة كُلَّها تفصيلاً للقرآن، وتبييناً
(١) لم نقف عليه، وأورده صاحب ((الهداية)) من الحنفية، وقال الزيلعي في ((نصب
الراية)) ١٦٨/٣: حديث غريب يريد بهذا الاصطلاح أنه لم يجده كما نبه على ذلك
الحافظ ابن قطلوبغا في مقدمة ((منية الألمعي))، وأخرج البخاري ومسلم من حديث
أم حبيبة قالت: يا رسول الله انكح أختي، قال: أو تحبين ذلك؟ قلت: نعم لست
لك بمخلية، وأحب من شركني في خير أختي، قال: فإنها لا تحل لي)) ...
(٢) أخرجه مالك في ((الموطأ)) ٥٣٢/٢، والبخاري ١٣٨/٩، ١٣٩ في النكاح: باب لا
تنكح المرأة على عمتها، ومسلم (١٤٨٠) في النكاح: باب تحريم الجمع بين المرأة
وعمتها أو خالتها، وأبو داود (٢٠٦٥) و(٢٠٦٦)، والترمذي (١١٢٦) والنسائي
٩٦/٦، ٩٨ من حديث أبي هريرة.
١١٦

لدلالته، وبياناً لمراد اللّهِ منه، وهذا أعلى مراتب العلم، فمن ظفر به، فليحمد
الله، ومن فاته، فلا يلومَنَّ إلا نفسه وهِمِثَّه وعَجْزَه.
واستُفِيدَ من تحريم الجمع بين الأختين وبينَ المرأة وعمتها، وبينها وبين
خالتها، أن كل امرأتين بينهما قرابة لو كان أحدُهما ذَكَراً، حَرُمَ على الآخر، فإنه
يحرُم الجمعُ بينهما، ولا يُستثنى من هذا صورةٌ واحدة، فإن لم يكن بينهما قرابةٌ،
لم يحرم الجمع بينهما، وهل يكره؟ على قولين، وهذا كالجمع بين امرأةٍ رجل
وابنته من غيرها.
واستُفِيدَ مِن عموم تحريمه سبحانه المحرَّماتِ المذكورة: أنَّ كل امرأة حَرُمَ تحريم نكاح امرأة يحرم
نكاحُها، حَرُمَ وطؤها بملك اليمين إلا إماءَ أهلِ الكتاب، فإن نكاحَهُنَّ حرام عند
وطأها بملك اليمين إلا
إماء أهل الكتاب
الأكثرين، ووطؤهن بملك اليمين جائز، وسؤَّى أبو حنيفة بينهما، فأباح نكاحهن
كما يُباح وطؤهن بالملك.
والجمهور: احتجوا عليه بأن الله سُبْحَانه وتعالى إنما أباح نِكاح الإِماء
بوصف الإِيمان. فقال تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلاً أَنْ يَنْكِحَ المُحْصَنَاتِ
المُؤمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ واللّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ﴾
[النساء: ٢٥]. وقال تعالى: ﴿ولا تَنْكِحُوا المُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ [البقرة:
٢٢١]. خصَّ ذلك بحرائرِ أهل الكتاب، بقي الإِماءُ على قضية التحريم، وقد فهم
عمر رضي الله عنه وغيرُه من الصحابة إدخال الكتابيات في هذه الآية، فقال: لا
أعلم شِركاً أعظَم من أن تقول: إن المسيح إلّهُها.
وأيضاً فالأصلُ في الأبضاعِ الحرمة، وإنما أبيح نِكاحُ الإِماءِ المؤمناتِ،
فَمَن عداهُنَّ على أصل التحريم، وليس تحريمُهنَّ مستفاداً مِن المفهوم.
واستُفِيدَ مِن سياق الآية ومدلولِها أن كُلَّ امرأةٍ حرمت، حرمت ابنتها إلا
العمة والخالة، وحليلةَ الابن، وحليلَةَ الأب، وأمّ الزوجة، وأن كُلَّ الأقارب
١١٧
أمور تستفاد من سياق
الآية

حرام إلا الأربعة المذكوراتِ في سورة الأحزاب، وهن بناتُ الأعمام والعمات،
وبناتُ الأخوال والخالات.
فصل
ومما حرَّمه النص، نِكاحُ المزوَّجات، وهُنَّ المحصنَاتُ، واستثنى من ذلك
مُلك اليمين، فأشكل هذا الاستثناء على كثير من الناس، فإن الأمَةَ المزوَّجَةَ يحرم
وطؤُها على مالكها، فأين محلُّ الاستثناء؟.
الإشكال الوارد في
استثناء ملك اليمين من
تحريم المتزوجات
شرح لمعنى الاستثناء
المنقطع وضوابطه والرد
هذا النوع
فقالت طائفة: هو منقطع، أي لكن ما ملكت أيمانكم، ورُدَّ هذا لفظاً،
ومعنى، أما اللفظُ فإن الانقطاعَ إنما يقعُ حيث يقعُ التفريغ، وبابهُ غير الإِيجاب مِن
النفي والنهي والاستفهام، فليس الموضعُ موضع انقطاع، وأما المعنى: فإن
المنقطع لا بد فيه من رابط بينه وبين المستثنى منه بحيث يخرج ما تُوهِّمَ دخولُه فيه
بوجهٍ ما، فإنك إذا قلت: ما بالدار مِن أحد، دل على انتفاء من بها بدوابِّهم
وأمتعتهم، فإذا قلت: إلا حماراً، أو إلا الأثافيَّ ونحو ذلك، أزلت توهَّمَ دخولٍ
المستثنى في حكم المستثنى منه. وأبْيَنُ من هذا قولُه تعالى: ﴿لا يَسْمَعُونَ فِيَها
لَغْواً إلا سلاماً﴾ [مريم: ٦٢] فاستنثاءُ السلام أزال توقُّمَ نفي السماعِ العام، فإن
عدم سماع اللغو يجوزُ أن يكونَ لعدم سماع كلام ما، وأن يكونَ مع سماع غيره،
وليس في تحريم نكاحِ المزوَّجة ما يُوهم تحريم وطء الإِماء بملك اليمين حتى
يُخرجه.
من قال بأن ملك الرجل
الأمة المزوجة طلاق لها
وقالت طائفة: بل الاستثناء على بابه، ومتى ملك الرجلُ الأمة المزوَّجة كان
ملكه طلاقاً لها، وحلَّ له وطؤها، وهي مسألةُ بيع الأمة: هل يكون طلاقاً لها، أم
لا؟ فيه مذهبان للصحابة، فابنُ عباس رضي الله عنه يراه طلاقاً، ويحتج له بالآية،
وغيرُه يأبى ذلك، ويقول: كما يُجامع الملكُ السابق للنكاح اللاحقَ اتفاقاً ولا
يتنافيان، كذلكَ الملكُ اللاحق لا يُنافي النكاحَ السابقَ، قالوا: وقد خيَّرَ
١١٨

رسولُ اللهِ بَلَ بَرِيَرةَ لما بِيعت (١) ولو انفسخ نِكاحُها لم يُخيِّرها. قالوا: وهذا حجة
على ابن عباس رضي الله عنه، فإنه هو راوي الحديث، والأخذُ برواية الصحابي لا
برأيه .
من قال: إن كان المشتري
امرأة لم ينفسخ النكاح
وقالت طائفة ثالثة: إن كان المشتري امرأة لم ينفسخ النكاح، لأنها لم
تمِلكِ الاستمتاع ببُضع الزوجة، وإن كان رجلاً انفسخ، لأنه يملك الاستمتاعَ به،
وملكُ اليمين أقوى مِن مُلك النكاح، وهذا الملك يُبطل النكاح دون العكس،
قالوا: وعلى هذا فلا إشكال في حديث بريرة.
وأجاب الأولون عن هذا بأن المرأةً وإن لم تملك الاستمتاع ببُضع أمتها،
فهي تملكُ المعاوضة عليه، وتزويجَها، وأخذَ مهرها، وذلك كملك الرجل، وإن
لم تستمتع بالبُضع .
الرد على من قال به
وقالت فرقة أخرى: الآية خاصة بالمسبيَّاتِ، فإن المسبية إذا سُبِيَتْ،
حَلَّ وطؤها لِسابيها بعد الاستبراء، وإن كانت مزوجة، وهذا قولُ الشافعي
وأحدُ الوجهين لأصحاب أحمد، وهو الصحيح، كما روى مسلم في
((صحيحه) عن أبي سعيد الخُدري رضي الله عنه، أن رسولَ الله ◌َّل بعث جيشاً
إلى أوطاس، فلقي عدواً، فقاتلُوهم، فظهرُوا عليهم، وأصابُوا سبايا، وكأنَّ
ناساً مِن أصحاب رسولِ الله وَّهَ تحرَّجُوا مِن غِشيَانِهِنَّ مِنْ أَجْلِ أزواجِهِنَّ مِن
المشركين، فأنزل الله عز وجل في ذلك: ﴿وَالمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إلاَّ مَا
من قال: الآية خاصة
بالمسبيات
(١) أخرجه البخاري ٣٥٦/٩ من حديث عائشة قالت: كان في بريرة ثلاث سُنن، إحدى
السنن أنها أعتقت، فخيرت في زوجها ... وأخرج أيضاً ٣٥٩/٩، ٣٦٠ من حديث
ابن عباس أن زوج بريرة كان عبداً يقال له مغيث كأني أنظر إليها يطوف خلفها
ويبكي ودموعه تسيل على لحيته، فقال النبي ◌ّ لعباس: ((يا عباس ألا تعجب من
حب مغيث بريرة، من بغض بريرة مغيثاً) فقال النبي رَّ: ((لو راجعته)) قالت: يا
رسول الله تأمرني؟ قال: إنما أنا أشفع، قالت: فلا حاجة لي فيه.
١١٩

ملَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: ٢٤] أي: فهن لكم حلال إذا انقضت عدتهنَّ(١).
فتضمَّن هذا الحكمُ إباحةَ وطء المسبيَّةِ وإن كان لها زوجٌ من الكفار،
وهذا يدل على انفساخِ نكاحه، وزوالِ عصمة بُضع امرأته، وهذا هو
الصوابُ، لأنه قد استولى على محلٌّ حقه، وعلی رقبة زوجته، وصار سابیھا
أحقَّ بها منه، فكيف يَحْرُمُ بُضعها عليه، فهذا القولُ لا يُعارِضُه نصٌ ولا
قیاس.
الرد على من قال بان
وطاها إنما يباح إذا
سبيت وحدها
والذين قالوا من أصحاب أحمد وغيرهم: إن وطأها إنما يُباح إذا سُبِيَتْ
وحدَها. قالوا: لأن الزوجَ يكون بقاؤه مجهولاً، والمجهول کالمعدوم،
فيجوز وطؤها بعد الاستبراء، فإذا كان الزوجُ معها، لم يجز وطؤُها مع بقائه،
فأُورِدَ عليهم ما لو سُبِيَتْ وحدَها وتيقنًا بقاءَ زوجها في دار الحرب، فإنهم
يُجْوِّزُون وطأها، فأجابُوا بما لا يُجدي شيئاً، وقالوا: الأصل إلحاقُ الفرد
بالأعم الأغلب، فيُقال لهم: الأعمُّ الأغلبُ بقاءُ أزواج المسبيات إذا سُبين
منفرداتٍ، وموتُهم كلُّهم نادر جداً، ثم يُقال: إذا صارت رقبةُ زوجها وأملاكُه
مِلكاً للسابي، وزالَت العصمةُ عن سائر أملاكه وعن رقبته، فما الموجبُ
لثبوت العصمة في فرج امرأته خاصة وقد صارت هي وهو وأملاكُهما
للسابي؟ .
جواز وطء الوثنيات
بملك اليمين
ودلَّ هذا القضاءُ النبويُّ على جواز وطء الإماء الوثنيات بملك اليمين،
فإن سبايا أوطاس لم يكنَّ كتابيات، ولم يشترِطْ رسولُ الله ◌ٍَّ في وطئهن
إسلامَهن، ولم يجعل المانع منه إلا الاستبراء فقط، وتأخيرُ البيان عن وقت
الحاجة ممتنع مع أنهم حديثوا عهدٍ بالإِسلام حتَّى خفيَ عليهم حُكمُ هذه
المسألة، وحصولُ الإِسلام من جميع السبايا وكانوا عدةَ آلافٍ بحيثُ لم
يتخلَّفْ منهم عن الإِسلام جاريةٌ واحدة مِما يُعلم أنه في غاية البُعد، فإنهن لم
(١) أخرجه مسلم (١٤٥٦) في الرضاع: باب جواز وطء المسبية بعد الاستبراء.
١٢٠