Indexed OCR Text
Pages 81-100
بيده إلا الدعوى المجردة، وقد تقدم بيان ذلك في قصة الحُديبية .
وقال تعالى: ﴿وإمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمِ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلى سَوَاءٍ إِنَّ اللّهَ لا
يُحبُّ الخَائِنِينَ﴾ [الأنفال: ٥٨].
وقال ◌َِّ: ((مَنْ كَانَ بَيْنَهُ وبَيْنَ قَوْمٍ عَهْدٌ فَلاَ يَحُلَّنَّ عَقْداً، ولاَ يُشُدَّنَّهُ حَتَّى
يَمْضِيَ أَمَدُهُ، أَوْ يَنْبِذَ إِلَيْهِمْ عَلى سَوَاء)». قال الترمذي: حديث حسن صحيح(١) .
ولما أسرت قريشٌ حذيفة بن اليمان وأباه أطلقوهما، وعاهدوهما أن لا
يقاتلاهم معَ رسول الله ◌َّهِ، وكانوا خارجَيْن إلى بدر، فقال رسول الله ◌َل :
(انْصَرِفا، نَفَيَ لَهُمْ بِعَهْدِهِمْ، ونَسْتَعِينُ اللّهَ عَلَيْهِمْ)(٢) .
فصل
في حكمه وليه في الأمان الصادر من الرجال والنساء
ثبت عنه ◌َّ أنه قال: ((الْمُسْلِمُونَ تَتَكَافَأُ دِمَاؤُهُم ويَسْعَى بِذِمَّتِهِمْ
أَدْنَاهُمْ))(٣) .
وثبت عنه أنه أجارَ رجلينٍ أجارتْهُما أم هانىء ابنة عمه(٤)، وثبت عنه أنه
(١) أخرجه الترمذي (١٥٨٠) في السير: باب ما جاء في الغدر، وأبو داود (٢٧٥٩)
وأحمد ١١١/٤ و١١٣ و٣٨٦ من حديث عمرو بن عبسة، وإسناده صحيح.
(٢)
أخرجه مسلم (١٧٨٧) في الجهاد: باب الوفاء بالعهد.
أخرجه أحمد (٦٦٩٢) وأبو داود (٢٧٥١) وابن ماجه (٢٦٨٥) من حديث عمرو بن
(٣)
شعيب عن أبيه، عن جده، وسنده حسن، وله شاهد من حديث ابن عباس،
ومعقل بن يسار عند ابن ماجه (٢٦٨٣) و(٢٦٨٤).
(٤) أخرجه البخاري ٣٣١/١ في الغسل: باب التستر في الغسل عند الناس، وفي
الجهاد: باب أمان النساء وجوارهن، ومسلم (٣٣٦) ٤٩٨/١ ومالك ١٥٢/١ وفيه
أنها أجارت فلان ابن هبيرة، فقال رسول الله بيدٍ: ((قد أجرنا من أجرت يا أم هانىء))
وأخرجه الترمذي (١٥٧٩) بلفظ أجرت رجلين من أحمائي، فقال رسول الله مَلٍ :
((قد أمَّنا من أمَّنت)) وهو في ((المسند)) ٣٤٣/٦.
٨١
أجار أبا العاص بن الربيع لما أجارته ابنتُه زينب، ثم قال: ((يُجِيرُ عَلَى المُسْلِمِينَ
أَذْنَاهُمْ)) (١). وفي حديث آخر: ((يُجِيرُ عَلى المُسْلِمِينَ أَذْنَاهُم وَيَرُدُّ عَلَيْهِمْ
أَقَصَاهُمْ)» (٢).
فهذه أربع قضايا كلية، أحدها: تكافؤ دمائهم، وهو يمنع قتل مسلمهم
بکافرهم.
والثانية: أنه يسعى بذمتهم أدناهم، وهو يُوجب قبول أمان المرأة والعبد.
وقال ابن الماجشون. لا يجوز الأمان إلا لوالي الجيش، أو والي السرية.
قال ابنُ شعبان: وهذا خلافُ قولِ النَّاس كُلِّهم .
والثالثة: أن المسلمين يد على من سواهم، وهذا يمنعُ مِن تولية الكفار شيئاً
من الولايات، فإن للوالي يداً على المولَّى عليه.
والرابعة: أنه يرد عليهم أقصاهم، وهذا يُوجب أن السَّرِيَّة إذا غنمت غنيمة
بقوة جيش الإِسلام كانت لهم، وللقاصي من الجيش إذ بقوته غنموها، وأن ما
صار في بيت المال من الفيء كان لقاصيهم ودانيهم، وإن كان سبب أخذه دانیھم،
فهذه الأحكام وغيرها مستفادة من كلماته الأربعة صلوات الله وسلامه عليه.
فصل
في حكمه # في الجزية ومقدارها وممن تقبل
قد تقدم أنَّ أول ما بعث الله عز وجل به نبيَّه ◌َ لِّ الدعوة إليه بغير قتال ولا
جزية، فأقام على ذلك بِضْعَ عشرة سنة بمكة، ثم أذِنَ له في القتال لما هاجر من
(١) أخرجه أحمد ١٩٧/٤ من حديث عمرو بن العاص، وفي سنده مجهول، وأخرجه
أحمد ٣٦٥/٢ من حديث أبي هريرة بلفظ: ((يجير على أمتي أدناهم)) وسنده حسن،
وصححه الحاكم.
(٢) سنده حسن أخرجه أحمد وأبو داود وابن ماجه انظر التعليق رقم (٣) من الصفحة
التي قبلها .
٨٢
غير فرض له، ثم أمره بقتال من قاتله، والكفِّ عمن لم يقاتله، ثم لما نزلت
(براءة) سنة ثمان أمره بقتال جميع من لم يُسلم من العرب: من قاتله، أو كفَّ عن
قتاله إلا من عاهده، ولم يَنْقُصْهُ من عهده شيئاً، فأمره أن يفيَ له بعهده، ولم يأمره
بأخذ الجزية من المشركين، وحارب اليهود مراراً، ولم يُؤمر بأخذ الجزية منهم.
الأمر بأخذ الجزية
ثمَّ أمره بقتال أهل الكتاب كلهم حتى يسلموا أو يعطوا الجزية، فامتثل أمر
ربه، فقاتلهم، فأسلم بعضهم، وأعطى بعضُهم الجزية، واستمرَّ بعضُهم على
محاربته، فأخذها ◌ََّ مِن أهل نجران وأيلة، وهم من نصارى العرب، ومِن أهل
دُومَة الجندل وأكثرُهم عرب، وأخذها مِن المجوس، ومن أهل الكتاب باليمن،
وكانوا يهوداً.
ولم يأخذها من مشركي العرب، فقال أحمد، والشافعي: لا تؤخذ إلا من هل تقبل الجزية من غير
الطوائف الثلاث التي أخذها رسول الله وَي منهم، وهم: اليهود، والنصارى، والمجوس وهل تقبل من
اليهود والنصارى
والمجوس. ومن عداهم فلا يُقبل منهم إلا الإِسلامُ أو القتل. وقالت طائفة: في
العرب؟
الأمم كلها إذا بذلوا الجزية، قُبِلَتْ منهم: أهل الكتابين بالقرآن، والمجوس
بالسنة، ومن عداهم ملحَقٌ بهم لأن المجوس أهل شرك لا كتاب لهم، فأخذُها
منهم دليل على أخذها من جميع المشركين، وإنما لم يأخذها* مِن عبدة
الأوثان من العرب لأنهم أسلموا كلهم قبل نزول آية الجزية، فإنها نزلت بعدَ
تبوك، وكان رسول الله ◌َّ﴾ قد فرغ من قتال العرب، واستوثقت کُلُّها له بالإِسلام،
ولهذا لم يأخذها مِن اليهود الذين حاربوه، لأنها لم تكن نزلت بعد، فلما نزلت،
أخذها من نصارى العرب، ومن المجوس، ولو بقي حينئذ أحدٌ من عبدة الأوثان
بذلها لقبلها منه، كما قبلها من عبدة الصلبان والنيران، ولا فرق ولا تأثير لتغليظ كفر
بعض الطوائف على بعض، ثم إن كفر عبدة الأوثان ليس أغلظ مِن كفر المجوس،
وأيُّ فرق بين عبدة الأوثان والنيران، بل كفرُ المجوس أغلظ، وعبادُ الأوثان كانوا
يُقرون بتوحيد الربوبية، وأنه لا خالق إلا الله، وأنهم إنما يعبدون آلهتهم لِتقربهم إلى
الله سبحانه وتعالى، ولم يكونوا يُقِرُون بصانعَيْنِ للعالم، أحدهما: خالق للخير،
٨٣
والآخر للشر، كما تقوله المجوس، ولم يكونوا يستحلون نكاح الأمهات والبنات
والأخوات، وكانوا على بقايا من دِين إبراهيم صلوات الله وسلامه عليه.
وأما المجوس، فلم يكونوا على كتاب أصلاً، ولا دانوا بدين أحد من
الأنبياء لا في عقائدهم ولا في شرائِعهم، والأثر الذي فيه أنه كان لهم كتاب فَرُفعَ،
ورُفِعَت شريعتُهم لما وقع مَلِكُهم على ابنته لا يَصِحُّ البتة، ولو صحَّ لم يكونوا
بذلك من أهل الكتاب، فإن كتابَهم رُفِعَ، وشريعتهم بطلت، فلم يبقوا على شيء
منها .
ومعلوم أن العربَ كانوا على دين إبراهيم عليه السلام، وكان له صحف
وشريعة، وليس تغييرُ عبدة الأوثان لدينٍ إبراهيم عليه السلام وشريعته بأعظم من
تغيير المجوس لدين نبيهم وكتابهم لو صحَّ، فإنه لا يُعرف عنهم التمسك بشيء من
شرائع الأنبياء عليهم الصلوات والسلام، بخلاف العرب، فكيف يجعل المجوس
الذين دينُهم أقبحُ الأديان أحسنَ حالاً من مشركي العرب، وهذا القول أصحُّ في
الدلیل كما ترى.
وفرقت طائفة ثالثة بين العرب وغيرهم، فقالوا: تُؤخذ مِن كل كافر إلا
مشركي العرب.
ورابعة: فرقت بين قريش وغيرهم، وهذا لا معنى له، فإن قريشاً لم يبق
فيهم كافر يحتاج إلى قتاله وأخذ الجزية منه البتة، وقد كتب النبي ◌َّة إلى أهل
هَجَر، وإلى المنذر بن ساوى، وإلى ملوك الطوائف يدعوهم إلى الإِسلام أو
الجزية، ولم يفرق بين عربي وغيره.
وأما حُكمُه في قدرها، فإنه بعث معاذاً إلى اليمن، وأمره أن يأخذ مِن كُلِّ
حالم ديناراً أو قِيمته مَعَافِر (١)، وهي ثياب معروفة باليمن. ثم زاد فيها عمر
مقدار الجزية
(١) أخرجه الترمذي (٦٢٣) وأبو داود (٣٠٣٩) وأحمد ٢٣٠/٥ و٢٣٣ و٢٤٧، والنسائي
٢٥/٥، ٢٦ وابن ماجه (١٨٠٣) من حديث الأعمش عن أبي وائل، عن مسروق، =
٨٤
رضي الله عنه، فجعلها أربعةَ دنانير على أهل الذهب، وأربعينَ درهماً على أهل
الوَرِقِ(١) في كل سنة، فرسول الله ◌َّ علم ضعفَ أهل اليمن، وعمرُ رضي الله عنه
علم غِنى أهل الشام وقوتهم.
فصل
في حكمه ملا في الهدنة وما ينقضها
مصالحته أهل مكة
ثبت عنه ◌َّ أنه صالح أهلَ مكة على وضع الحرب بينه وبينهم عشرَ سنين،
ودخل حلفاؤهم من بني بكر معهم، وحلفاؤه من خزاعة معه، فَعَدَتْ حلفاءُ
قريش على حلفائه، فغدروا بهم، فرضيت قريش ولم تُنكره، فجعلهم بذلك
ناقضين للعهد، واستباح غزوهم مِن غير نبذ عهدهم إليهم، لأنهم صاروا محاربين
له، ناقضين لعهده برضاهم وإقرارهم لحلفائهم على الغدر بحلفائه، وألحق
ردأهم في ذلك بمباشرهم .
وثبت عنه أنه صالح اليهود، وعاهدهم لما قَدِمَ المدينة، فغدروا به،
ونقضوا عهده مراراً، وكل ذلك يُحاربهم ويظفر بهم، وآخرُ ما صالح يهود خيبر
على أن الأرض له، ويُقرهم فيها عمالاً له ما شاء، وكان هذا الحكمُ منه فيهم
حجةً على جواز صلح الإِمام لعدوه ما شاء مِن المدة، فيكون العقدُ جائزاً، له
فسخه متى شاء، وهذا هو الصواب، وهو موجب حكم رسول الله بلد الذي لا
ناسخَ له.
مصالحته اليهود
عن معاذ بن جبل، وصححه ابن حبان (٧٩٤) والحاكم ٣٩٨/١، وأقره الذهبي،
=
وقال الحافظ في ((التلخيص)) ١٥٢/٢: يقال: إن مسروقاً لم يسمع من معاذ، وقد
بالغ ابن حزم في تقرير ذلك، وقال ابن القطان: هو على الاحتمال، وينبغي أن
يحكم لحديثه بالاتصال على رأي الجمهور، وقال ابن عبد البر في ((التمهيد)»: إسناده
متصل صحيح ثابت، وفي الباب عن عروة بن الزبير عند أبي عبيد في ((الأموال))
ص ٢٧.
(١) أخرجه مالك في ((الموطأ)) ٢٧٩/١ وسنده صحيح.
٨٥
فصل
وكان في صلحه لأهل مكة أن من أحبّ أن يدخل في عهد محمد وعقده
دخل، ومن أحب أن يدخل في عهد قريش وعقدهم دخل، وأن من جاءهم من
عنده لا يردُّونه إليه، ومن جاءه منهم رده إليهم، وأنه يدخل العام القابل إلى مكة،
فيخلونها له ثلاثاً، ولا يدخلها إلا بِجُلُبَّانِ السلاح(١)، وقد تقدم ذِكرُ هذه القصة
وفقهها في موضعه.
ما كان في صلحه لأهل
مكة من دخول بعضهم
في عهده
(١) السيف والقوس ونحوه، يريد ما يحتاج في إظهاره والقتال به إلى معاناة، لا كالرماح
لأنها مظهرة يمكن تعجيل الأذى بها.
٨٦
ذكرٌ أقضيته وأحكامه ◌ّ في النكاح وتوابعه
فصل
في حكمه ◌ََّ في الثَّيِّبِ والبكر يُزوَّجُهما أبوهما
ثبت عنه في ((الصحيحين)): أن خنساء بنت خِدَام(١) زوَّجَها أبوها وهي
كارِهةٌ وكانت ثيباً، فَأَتَتْ رَسُولَ اللهَِ، فردّ نِكَاحَهَا (٢).
إذن البكر والثيب
وفي ((السنن)): من حديث ابنِ عباس: أن جاريةً بكراً أتتِ النَّبِيَّ لَه
فذكرت لَهُ أنَّ أباها زوَّجها وَهِيَ كَارِهَةٌ، فخيرها النبي ◌ََّ(٣). وهذه غير خنساء،
(١) ضبطه الحافظ في ((الفتح)) والتقريب)) بالدال المهملة، وهو كذلك في ((الموطأ)) وعند
أبي داود والنسائي بالذال المعجمة.
(٢) أخرجه البخاري ١٦٧/٩، ١٦٨ في النكاح: باب إذا زوج الأب ابنته وهي كارهة
وفي الإكراه: باب لا يجوز نكاح المكره، وفي الحيل: باب في النكاح، و((الموطأ)»
٥٣٥/٢، وأبو داود (٢١٠١) والنسائي ٨٦/٦ وقد وهم المصنف رحمه الله في عزوه
إلى مسلم، فإنه لم يخرجه.
(٣) أخرجه أبو داود (٢٠٩٦) في النكاح: باب في البكر يزوجها أبوها ولا يستأمرها
وابن ماجه (١٨٧٥) في النكاح: باب من زوج ابنته وهي كارهة، وأحمد في
((المسند)» ٢٧٣/١ من حديث جرير بن حازم عن أيوب عن عكرمة، عن ابن عباس،
وهذا سنده صحيح، وإعلال أبي داود والبيهقي للحديث بالإِرسال غير مقبول عند
المحققين، قال المؤلف رحمه الله في ((تهذيب السنن)) ٤٠/٣: وعلى طريقة البيهقي
وأكثر الفقهاء وجميع أهل الأصول هذا حديث صحيح، لأن جرير بن حازم ثقة ثبت
وقد وصله، وهم يقولون: زيادة الثقة مقبولة فما بالها تقبل في موضع، بل في أكثر
المواضع التي توافق مذهب المقلد، وترد في موضع يخالف مذهبه؟! وقد قبلوا
زيادة الثقة في أكثر من مائتي حديث رفعاً ووصلاً وزيادة لفظ ونحوه. هذا لو انفرد
به جرير، فكيف وقد تابعه على رفعه عن أيوب زيد بن حبان ذكره ابن ماجه في
((سننه)) وفي الباب حديث عائشة عند النسائي ٨٧/٦، وأحمد ١٣٦/٦ أن فتاة دخلته
٨٧
فهما قضيتان قضى في إحداهما بتخيير الثِيب، وقضى في الأخرى بتخيير البكر.
وثبت عنه في ((الصحيح)) أنه قال: لا تُنْكَحُ البِكْرُ حَتَّى تُسْتَأْذَنَ، قالوا: يا
رسولَ الله: وكيف إذنُها؟ قال: ((أَنْ تَسْكُتَ))(١).
وفي (صحيح مسلم)): ((البِكْرُ تُستأذن في نَفْسِهَا، وإذْنُهَا صُمَاتُها))(٢).
وموجب هذا الحكم أنه لا تُجبر البِكرُ البالغُ على النكاح، ولا تُزوج إلا
برضاها، وهذا قولُ جمهور السلف، ومذهب أبي حنيفة وأحمد في إحدى
الروايات عنه، وهو القولُ الذي ندين الله به، ولا نعتقِدُ سواه، وهو الموافقُ لحكم
رسول الله ﴾ وأمره ونهيه، وقواعد شريعته، ومصالح أمته.
موافقة الإذن لحكمه ئل
أما موافقتُه لِحكمه، فإنه حَكَم بتخيير البِكرِ الكارِهة، وليس روايةُ هذا
الحديث مرسلةً بعلة فيه، فإنه قد روي مسنداً ومرسلاً، فإن قلنا بقول الفقهاء: إن
الاتصال زيادة، ومَنْ وصله مقدّمٌ على من أرسله، فظاهر وهذا تصرفهم في غالب
الأحاديث، فما بالُ هذا خرج عن حکم أمثاله، وإن حكمنا بالإِرسال، كقول كثير
من المحدثين، فهذا مرسل قوي قد عضدته الآثارُ الصحيحة الصريحة، والقياسُ
وقواعِدُ الشرع كما سنذكره، فيتعين القولُ به .
عليها، فقالت: إن أبي زوجني من ابن أخيه ليرفع بي خسيسته وأنا كارهة، قالت:
=
اجلسي حتى يأتي رسول الله # فجاء رسول الله محله، فأخبرته، فأرسل إلى أبيها،
فدعاه، فجعل الأمر إليها، فقالت: يا رسول الله قد أجزت ما صنع أبي، ولكن
أردت أن أعلم الناس أن ليس للآباء من الأمر شيء. وسنده صحيح، وأخرجه ابن
ماجه (١٨٧٤) من حديث عبد الله بن بريدة عن أبيه، قال البوصيري في ((الزوائد))
إسناده صحيح، وقد رواه غير ابن ماجه من حديث عائشة وغيرها.
(١) أخرجه البخاري ١٦٤/٩، ١٦٥، ومسلم (١٤١٩) والترمذي (١١٠٧) و(١١٠٩)
وأبو داود (٢٠٩٢) و(٢٠٩٣) والنسائي ٦/ ٨٥ من حديث أبي هريرة.
(٢) أخرجه مسلم (١٤٢١) و((الموطأ)) ٥٢٤/٢، والترمذي (١١٠٨) وأبو داود (٢٠٩٨)
والنسائي ٨٤/٦ من حديث ابن عباس.
٨٨
موافقة الإذن لأمره {ر﴾
وأما موافقة هذا القول لأمره، فإن قال: «والمگرُ تُستأذن، وهذا أمر مؤكّد،
لأنه ورد بصيغة الخبرِ الدال على تحقّق المخبر به وثبوتِه ولزومِه، والأصل في
أوامره بَّة أن تكون للوجوب ما لم يَقُمْ إجماع على خلافه.
وأما موافقته لنهيه، فلقوله: ((لاَ تُنْكَحُ البِكْرُ حَتَّى تُسْتَأَذَنَ))، فأمر ونهى، موافقة الإذن لنهيه يكو
وحكم بالتخيير، وهذا إثبات للحكم بأبلغ الطرق.
موافقة الإذن لقواعد
الشرع
وأما موافقته لِقواعد شرعِه، فإنَّ البِكر البالغة العاقلة الرشيدة لا يتصرّف
أبوها في أقلِّ شيء من مالها إلا برضاها، ولا يُجبرها على إخراج اليسيرِ منه بدون
رضاها، فكيف يجوز أن يُرِقَّها، ويُخرِجَ بُضعها منها بغير رضاها إلى من يُریده
هو، وهي مِن أكره الناس فيه، أبغض شيء إليها؟ ومع هذا فيُنكِحها إياه قهراً بغير
رضاها إلى من يُريده، ويجعلُها أسيرةً عنده، كما قال النبيُّ ◌َُّ: ((اتَّقُوا اللّهَ في
النِّسَاءِ فَإِنَّهُنَّ عَوَانٍ عِنْدَكُمْ)) (١) أي: أسرى، ومعلومٌ أن إخراجَ مالها كُلَّه بغير
رضاها أسهلُ عليها من تزويجها بمن لا تختارُه بغير رضاها، ولقد أبطلَ مَنْ قال:
إنها إذا عينت كُفْئاً تُحبه، وعيَّن أبوها كُفْئاً، فالعبرةُ بتعيينه، ولو كان بغيضاً إليها،
قبيحَ الخِلقة.
وأما موافقتُه لمصالح الأمة، فلا يخفى مصلحة البنت في تزويجها بمن
تختاره وترضاه، وحصولُ مقاصد النكاح لها به، وحصولٌ ضد ذلك بمن تُبغِضُه
وتنفِرُ عنه، فلو لم تأت السنة الصريحة بهذا القول، لكان القياسُ الصحيح،
وقواعدُ الشريعة لا تقتضي غيره، وبالله التوفيق.
موافقة الإذن لمصالح
الأمة
فإن قيل: فقد حكم رسولُ الله ◌َّ بالفرق بين البکر والثيب، وقال: ((ولا
تُنكَحُ الأيِّم حتى تُستأمر، ولا تُنكح البِكرُ حتى تُستأذن)) وقال: ((الأَيِّمُ أَحَقُّ بِنَفْسِها
الحجة على من استمسك
بحديث: «الأيم أحق
بنفسها من وليها» في
إجبار البكر
(١) عوان جمع عانية بمعنى الأسيرة، والحديث أخرجه الترمذي (١١٦٣) في الرضاع:
باب حق المرأة على زوجها و(٣٠٨٧) وابن ماجه (١٨٥١) من حديث عمرو بن
الأحوص، وقال الترمذي: حسن صحيح، وله شاهد عند أحمد ٧٢/٥، ٧٣.
٨٩
مِنْ وَلِيِّها، والبِكْرُ يَسْتَأْذِنُها أَبُوهَا))(١) فجعل الأَيِّمَ أحقَّ بنفسها من وليِّها، فعلم أن
وليَّ البكرِ أحقُّ بها مِن نفسها، وإلا لم يكن لتخصيصِ الأيِّم بذلك معنى.
وأيضاً فإنه فرَّق بينهما في صفة الإذن، فجعل إذنَ الثَّيِّبِ النطقَ، وإذن
البِكرِ الصَّمتَ، وهذا كُلُّه يدل على عدم اعتبار رضاها، وأنها لا حقَّ لها مع أبيها.
فالجواب: أنه ليس في ذلك ما يَدُلُّ على جواز تزويجها بغير رضاها مع
بلوغها وعقلها ورُشدها، وأن يزوجها بأبغضِ الخلق إليها إذا كان كُفْئاً،
والأحاديث التي احتججتُم بها صريحةٌ في إبطال هذا القول، وليس معكم أقوى
مِن قوله: ((الأيِّم أحق بنفسها من وليّها)»، هذا إنما يدلُ بطريق المفهوم،
ومُنازِعوكم يُنازعونكم في كونه حجة، ولو سلم أنه حجة، فلا يجوز تقديمُه على
المنطوق الصريح، وهذا أيضاً إنما يدل إذا قلت: إن للمفهوم عموماً، والصواب
أنه لا عموم له، إذ دلالتُه ترجعُ إلى أن التخصيصَ بالمذكور لا بُدَّ له من فائدة،
وهي نفيُ الحكم عما عداه، ومعلوم أن انقسام ما عداه إلى ثابت الحكم ومنتفيه
فائدة، وأن إثبات حكم آخرَ للمسكوت عنه فائدة وإن لم يكن ضِدَّ حكم
المنطوق، وأن تفصيله فائدة، كيف وهذا مفهومٌ مخالفٌ للقياس الصريح، بل
قياس الأولى كما تقدم، ويُخالف النصوصَ المذكورة.
وتأمل قوله ◌َله: ((والبكر يستأذنها أبوها)) عقيبَ قوله: ((الأيّم أحق
بنفسها من وليها))، قطعاً لتوهم هذا القول، وأن البكر تُزوج بغير رضاها ولا
إذنها، فلا حق لها في نفسها البتة، فوصل أحدى الجملتين بالأخرى دفعاً لهذا
التوهم. ومن المعلوم أنه لا يلزمُ مِن كون الثِّيب أحق بنفسها من وليها أن لا
يكون للبكر في نفسها حق البتة.
مناط الإجبار
وقد اختلف الفقهاء في مناط الإِجبار على ستة أقوال.
(١) أخرجه مسلم (١٤٢١) والترمذي (١١٠٨) ومالك ٥٢٤/٢، وأبو داود (٢٠٩٨)
والنسائي ٨٤/٦ من حديث ابن عباس.
٩٠
أحدُها: أنه يُجبر بالبكارة، وهو قولُ الشافعي ومالك وأحمد في
رواية .
الثاني: أنه يُجبر بالصغر، وهو قولُ أبي حنيفة، وأحمد في الرواية
الثانية .
الثالث: أنه يجبر بهما معاً، وهو الروايةُ الثالثة عن أحمد.
الرابع: أنه يُجبر بأيِّهما وجد وهو الرواية الرابعة عنه .
الخامس: أنه يُجبر بالإِيلاد، فتُجْبَرُ الثيب البالغ، حكاه القاضي
إسماعيل عن الحسن البصري قال: وهو خلاف الإجماع. قال: وله وجه
حسن من الفقه، فيا ليتَ شعري ما هذا الوجه الأسودُ المظلمُ؟ !.
السادس: أنه يُجبر من يكون في عياله، ولا يَخفى عليك الراجحُ مِن
هذه المذاهب.
فصل
وقضى رَّ بأن إذن البكر الصُّمات، وإذن الثيب الكلام، فإن نطقت البكر
بالإذن بالكلام فهو آكد، وقال ابنُ حزم: لا يَصِحُ أن تزوج إلا بالصمات، وهذا
هو اللائق بظاهریته .
إذن البكر الصمات وإذن
الثيب الكلام
فصل
وقضى رسولُ الله ◌ََّ أن اليتيمةَ تُستأمر في نفسها، ولا يُتْمَ بَعْدَ احْتِلام (١)، " جواز نكاح اليتيمة قبل
فدلَّ ذلك على جوازٍ نكاح اليتيمة قبل البلوغ، وهذا مذهبُ عائشة رضي الله عنها،
البلوغ
وعليه يَدُلُّ القرآن والسنة، وبه قال أحمد وأبو حنيفة وغيرُهما.
قال تعالى: ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُقْتِيَكُم فيهنَّ وَمَا يُتْلِى عَلَيْكُمْ
(١) أخرجه أبو داود (٢٨٧٣) في الوصايا: باب متى ينقطع اليتم من حديث علي، وله
شاهد من حديث جابر وأنس يتقوى بهما.
٩١
في الكِتَاب في يَتَامَى النِّسَاءَ الَّلاتي لا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ
تَنْكِحُوهُنَّ﴾ [النساء: ١٢٧].
قالت عائشةُ رضي الله عنها: هي اليتيمةُ تكون في حَجر وليها، فيرغبُ في
نكاحها، ولا يُقْسِطُ لها سُنَّةَ صَدَاقِها، فَنُهوا عن نكاحهن إلا أن يُقْسِطُوا لهن سُنَّةَ
صداقِهن(١).
وفي السنن الأربعة: عنه ◌ََّ الْيَتِيمَةُ تُسْتَأْمَرُ فِي نَفْسِهَا فَإِنْ صَمَتَتْ فَهُوَ إذْنُها
وإنْ أَبتْ، فَلاَ جَوَازَ عَلَيْها))(٢).
فصل
في حكمه ◌َيّد في النكاح بلا ولي
في ((السنن)) عنه من حديث عائشة رضي الله عنها: ((أَيُّمَا امْرَأَةٍ نَكَحَتْ نَفْسَها
بِغَيْرِ إِذْن وَلِّيِها فَنِكَاحُها بَاطِلٌ، فَنِكَاحُها باطِلٌ، فَنِكَاحُها بَاطِلٌ، فَإِن أَصَابَها فَلَها
مَهْرُهَا بِمَا أَصَابَ مِنْها، فَإِنْ اشْتَجَرُوا فَالسُّلْطَانُ وَلِي مَنْ لاَ وَلِيَّ لَهُ)) (٣). قال
الترمذي حديث حسن.
وفي السنن الأربعة: عنه: ((لاَ نِكَاحَ إلاَّ بِوَلي)) (٤).
(١) أنظر ((صحيح مسلم)) (٣٠١٨) في كتاب التفسير، وتفسير ابن كثير ١/ ٥٦١.
(٢) أخرجه أبو داود (٢٠٩٣) في النكاح: باب الاستثمار، والترمذي (١١٠٩) في النكاح
من حديث أبي هريرة، وسنده حسن وحسنه الترمذي، وصححه ابن حبان (١٢٣٩)
والحاكم ١٦٦/٢، ووافقه الذهبي، وأخرجه أحمد ٣٩٤/٤ و٤٠٨ و٤١١، والدارمي
١٣٨/٢ من حديث أبي موسى الأشعري بلفظ ((تستأمر اليتيمة في نفسها، فإن
سكتت، فقد أذنت، وإن أبت لم تكره)) وصححه ابن حبان (١٢٣٨) والحاكم،
ووافقه الذهبي.
(٣) حديث صحيح أخرجه أبو داود (٢٠٨٣) والترمذي (١١٠٢) وابن ماجه (١٨٧٩)
وصححه ابن حبان (١٢٤٨) والحاكم ١٦٨/٢، وقد بسط الكلام عليه البيهقي في
((السنن)) ١٠٥/٧، ١٠٧، والحافظ في ((التلخيص)) ١٥٦/٢، ١٥٧.
(٤) حديث صحيح بطرقه وشواهده أخرجه أحمد ٣٩٨/٤ و٤١٣ و٤١٨، والترمذي =
٩٢
وفيها عنه: ((لاَ تُزُوِّجُ المَرْأَةُ المرأةَ، ولا تُزَوِّجُ المَرْأَةُ نَفْسَها، فَإِن الزَّانِيَةَ هِيَ
الَّتِي تَزُوِّجُ نَفْسَهَا))(١).
فصل
وحكم أن المرأة إذا زوجها الوليانِ، فهي للأول منهما، وأن الرجل إذا باع
للرجلين، فالبيعُ للأول منهما (٢).
إذا زوج المرأة الوليان
فهي للأول منهما
فصل
في قضائه في نكاح التفويض
ثبت عنه أنه قضى في رجل تزوَّج امرأة، ولم يَفْرِضْ لها صداقاً ولم يدخل
(١١٠١) و(١١٠٢) وأبو داود (٢٠٨٥) والبيهقي ١٠٧/٧ من حديث أبي موسى
=
الأشعري، وصححه ابن حبان (١٢٤٣) و(١٢٤٤) و(١٢٤٥) والحاكم ١٦٩/٢ ،
وأطال في تخريج طرقه، وقد اختلف في وصله وإرساله، وقال الحاكم: وقد صحت
الرواية فيه عن أزواج النبي ◌َلّ: عائشة وأم سلمة وزينب بنت جحش، قال: وفي
الباب عن علي، وابن عباس، ومعاذ، وعبد الله بن عمر، وأبي ذر، والمقداد، وابن
مسعود، وجابر، وأبي هريرة، وعمران بن حصين، وعبد الله بن عمرو، والمسور بن
مخرمة، وأنس بن مالك، وانظر ((نصب الراية)) ١٨٣/٣، ١٩٠.
(١)
أخرجه ابن ماجه (١٨٨٢) من حديث أبي هريرة، وسنده حسن.
(٢)
أخرجه أحمد ٨/٥ و١١ و١٢ و١٨، وأبو داود (٢٠٨٨) والترمذي (١١١٠)
والنسائي ٣١٤/٧، من حديث الحسن عن سمرة بن جندب، وحسنه الترمذي،
وصححه أبو زرعة وأبو حاتم والحاكم ١٧٤/٢، ١٧٥، ووافقه الذهبي. قال الحافظ
في ((التلخيص)) ١٦٥/٣: وصحته متوقفة على ثبوت سماع الحسن من سمرة، لأن
رجاله ثقات، لكن قد اختلف فيه على الحسن، ورواه الشافعي (٢٩) وأحمد
١٤٩/٤، والنسائي من طريق قتادة عن الحسن عن عقبة بن عامر، قال الترمذي:
الحسن عن سمرة في هذا أصح، وقال ابن المديني: لم يسمع الحسن من عقبة
شيئاً، وأخرجه ابن ماجه من طريق شعبة عن قتادة عن الحسن، عن سمرة أو
عقبة بن عامر.
٩٣
بها حتَّى ماتَ أن لها مَهْرَ مِثْلِهَا، ولا وَكْسَ ولا شَطَطَ، ولها الميراثُ، وعليها
العِدةٌ أربعة أشهر وعشراً (١).
وفي ((سنن أبي داود)) عنه: أنه قال الرجل: «أَتَرْضى أَنْ أُزَوْجَكَ فلانَة)»؟
قال: نعم، وقال للمرأة: ((أَتَرْضَيْنَ أَنْ أَزَوَّجَكِ فُلانا))؟ قالت: نعم، فزوَّج
أحدهما صاحبه، فدخل بها الرجلُ، ولم يَفْرِضْ لها صَداقاً، ولم يُعطِها شيئاً،
فلما كان عند موته عوَّضَها مِن صداقها سهماً له بخيبر (٢).
وقد تضمَّنت هذه الأحكام جوازَ النكاح مِن غير تسمية صداق، وجوازَ
الدخول قبل التسمية، واستقرارَ مهر المثل بالموت، وإن لم يدخُلْ بها، ووجوبَ
عِدة الوفاةِ بالموت، وإن لم يدخُلْ بها الزوج، وبهذا أخذ أبنُ مسعود وفقهاءُ
العراق، وعلماءُ الحديث، منهم: أحمد، والشافعي في أحد قوليه.
(١) أخرجه أحمد (٤٠٩٩) و(٤١٠٠) و(٤٢٧٦) وأبو داود (٢١١٤) و(٢١١٥)
و(٢١١٦) والنسائي ١٢١/٦، ١٢٣، والترمذي (١١٤٥) وابن ماجه (١٨٩١) عن
ابن مسعود أنه سئل عن رجل تزوج امرأة ولم يفرض لها صداقاً، ولم يدخل بها
حتى مات، فقال: («لها صداق نسائها ولا وكس ولا شطط، وعليها العدة ولها
الميراث)) فقال معقل بن سنان: سمعت رسول الله محل﴾ قضى به في بَرْوع بنت واشق
امرأة منها مثل ما قضيت، ففرح بها ابن مسعود، وإسناده صحيح، وصححه
الترمذي، وابن حبان (١٢٦٣) و(١٢٦٤) والحاكم ٢/ ١٨٠، ووافقه الذهبي، وروى
الحاكم عقب هذا الحديث من حديث حرملة بن يحيى أنه قال: سمعت الشافعي
يقول: إن صح حديث بَرْوَع بنت واشِق، قلت به، قال الحاكم: سمعت أبا عبد الله
محمد بن يعقوب الحافظ - وهو شيخ الحاكم - يقول: لو حضرت الشافعي، لقمت
على رؤوس أصحابه، وقلت: قد صح الحديث، فقل به. والوكس: النقصان،
والشطط: العدوان وهو الزيادة على قدر الحق، قال الخطابي: وفي الحديث من
الفقه جواز الاجتهاد في الحوادث من الأحكام فيما لم يوجد فيه نص مع إمكان أن
یکون فيها نص وتوقيف .
(٢) أخرجه أبو داود (٢١١٧) من حديث عقبة بن عامر، وسنده حسن، وكان في الأصل
وفي الترمذي وهو وهم من المصنف رحمه الله، فإنه لم يخرجه.
٩٤
وقال علي بن أبي طالب، وزيد بن ثابت رضي الله عنهما: لا صداقَ لها،
وبه أخذَ أهلُ المدينة، ومالك، والشافعي في قوله الآخر(١).
وتضمنت جواز تولِّي الرجل طَرَفي العقد، كوكيل مِن الطرفين، أو ولي
فيهما، أو لي وكَّلَه الزوجُ، أو زوجٍ وَكَّلَه الولي، ويكفي أن يقول: زوجتُ فلاناً
فلانة مقتصراً على ذلك، أو تزوجتُ فلانة إذا كان هو الزوج، وهذا ظاهر مذهب
أحمد. وعنه رواية ثانية: لا يجوز ذلك إلا للولي المجبر، كمن زوج أمته أو ابنته
المجبرة بعبده المجبر، ووجه هذه الرواية أنه لا يُعتبر رضى واحد من الطرفين.
وفي مذهبه قول ثالث: أنه يجوز ذلك إلا للزوج خاصة، فإنه لا يصِحُّ منه
تولي الطرفين لتضاد أحكام الطرفين فيه.
فصل
في حكمه ◌َّ فيمن تزوج امرأةً فوجدها في الحَبَلِ
في ((السنن)) ((والمصنَّف)): عن سعيد بن المسيب، عن بصرة بن أكثم،
قال: تزوجتُ امرأة بكراً في سترها، فدخلتُ عليها، فإذا هي حُبلى، فقال
النبيُّ ◌َّةٍ: ((لَهَا الصَّدَاقُ بِمَا اسْتَحْلَلْتَ مِنْ فَرْجِهَا وَالوَلَدُ عَبْدٌ لَكَ، وإذا وَلَدَتْ
فَاجْلِدوُهَا))، وفرَّق بينَهما(٢) .
(١) وحجتهم ما أخرجه مالك في ((الموطأ)) ٥٢٧/٢ بسند صحيح عن نافع أن ابنة
عبيد الله بن عمر. وأمها بنت زيد بن الخطاب. وكانت تحت ابن لعبد الله بن عمر،
فمات ولم يدخل بها، ولم يسم لها صداقاً، فابتغت أمها صداقها، فقال عبد الله بن
عمر: ليس لها صداق، ولو كان لها صداق لم نمسكه، ولم نظلمها، فأبت أن تقبل
ذلك، فجعلوا بينهما زيد بن ثابت، فقضى ألاّ صداق لها، ولها الميراث.
(٢) أخرجه أبو داود (٢١٣١) و(٢١٣٢) وعبد الرزاق، قال المؤلف رحمه الله في
((تهذيب السنن)) حديث (٢٠٤٤): هذا الحديث قد اضطرب في سنده وحكمه واسم
الصحابي راويه، فقيل بصرة، وقيل: نضرة، وقيل نضلة، وقيل: بسرة، وقيل =
٩٥
وقد تضمَّن هذا الحكم بطلانَ نِكاح الحامل مِن زنى، وهو قولُ أهل
المدينة، والإمام أحمد، وجمهور الفقهاء، ووجوبُ المهر المسمى في النكاح
الفاسد، وهذا هو الصحيح من الأقوال الثلاثة. والثاني: يجب مهر المثل، وهو
قول الشافعي رحمه الله. والثالث: يجبُ أقلُّ الأمرين.
وتضمنت وجوبَ الحد بالحَبَل وإن لم تقُمْ بينة ولا اعتراف، والحبل من
أقوى البينات، وهذا مذهبُ عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وأهل المدينة،
وأحمد في إحدى الروایتین عنه.
وأما حكمه بكون الولد عبداً للزوج، فقد قيل: إنه لما كان ولد زنى لا أب
له، وقد غرَّته من نفسها، وغرِمَ صداقها أخدمه ولدها، وجعله له بمنزلة العبد لا
أنه أرقّه، فإنه انعقد حراً تبعاً لحرية أمه، وهذا محتمل، ويحتمِلُ أن يكون أرقَّه
عقوبة لأمه على زناها وتغريرها للزوج، ويكون هذا خاصاً بالنبيِّ نَّه، وبذلك
الولد لا يتعدَّى الحكم إلى غيره، ويحتمِلُ أن يكون هذا منسوخاً. وقد قيل: إنه
نضرة بن أكثم الخزاعي وقيل: الأنصاري وذكر بعضهم أنه بصرة بن أبي بصرة
الغفاري، ووهم قائله، وقيل: بصرة هذا مجهول، وله علة عجيبة وهي أنه يرويه ابن
جريج عن صفوان بن سليم، عن سعيد بن المسيب، عن رجل من الأنصار، وابن
جريج لم يسمعه من صفوان إنما رواه عن إبراهيم بن محمد بن أبي يحيى الأسلمي،
عن صفوان، وإبراهيم هذا متروك الحديث تركه أحمد بن حنبل، ويحيى بن معين،
وابن المبارك، وأبو حاتم، وأبو زرعة الرازيان وغيرهم، وسئل عنه مالك بن أنس:
أكان ثقة؟ فقال: لا، ولا في دينه. وله علة أخرى وهي أن المعروف أنه إنما يروى
مرسلاً عن سعيد بن المسيب، عن النبي ◌َّوهكذا رواه قتادة ويزيد بن نعيم وعطاء
الخراساني كلهم عن سعيد عن النبي ◌َّ، ذكر هاتين العلتين عبد الحق الاشبيلي ثم
قال: والإِرسال هو الصحيح. وقال الخطابي: هذا الحديث لا أعلم أحداً من الفقهاء
قال به، وهو مرسل، ولا أعلم أن أحداً من العلماء اختلف في أن ولد الزنى حر إذا
كان من حرة، فكيف يستعبده؟ !.
٩٦
كان في أول الإِسلام يُسترق الحر في الدَّين، وعليهِ حمل بيعُهُ وَّ لسُرَّقٍ في دَينه.
والله أعلم.
فصل
في حُكمه ◌ٍَّ في الشُّروط في النِّكاح
في «الصحيحين)): عنه: ((إنَّ أَحَقَّ الشُّرُوطِ أَنْ تُوَقُّوا ما اسْتَحْلَلْتُم بِهِ
الفُرُوجَ))(١).
وفيهما عنه: ((لا تَسْألِ المَرْأَةُ طَلاَقَ أُخْتُها لِتَسْتَفْرِغَ صَحْفَتَها وَلِتَنْكِحَ، فإنَّما
لَهَا ما قُدِّرَ لهَا)»(٢) .
وفيهما: أنه نهى أن تَشْترِطَ المرأةُ طلاقَ أختها(٣).
وفي «مسند أحمد)»: عنه: ((لا يَحِلُّ أَنْ تُنْكَحَ امْرَأَةٌ بِطَلَاقٍ أُخْرى)) (٤).
فتضمن هذا الحكمُ وجوبَ الوفاء بالشروط التي شُرِطَتْ في العقد إذا لم
تتضمّن تغييراً لحكم الله ورسوله.
وقد اتّفق على وجوب الوفاء بتعجيل المهر أو تأجيله والضمين والرهن به،
ونحو ذلك، وعلى عدم الوفاء باشتراط ترك الوطء، والإنفاق، والخلو عن
المهر، ونحو ذلك.
(١) أخرجه البخاري ٢٣٧/٥ في الشروط: باب الشروط في المهر عند عقدة النكاح،
و٢١٨/٩ في النكاح ومسلم (١٤١٨) في النكاح: باب الوفاء بالشروط والنكاح من
حديث عقبة بن عامر.
(٢) أخرجه البخاري ٢٣٧/٥ و٤٣٢/١١ و١٩٠/٩، ومسلم (١٤٠٨) في النكاح: باب
تحريم الجمع بين المرأة وعمتها أو خالتها في النكاح، ومالك ٢/ ٩٠٠ من حديث
أبي هريرة. وقوله: (لِتَسْتَفرغ صحفتها)) مثل يريد به الاستئثار عليها بحظها.
(٣) أخرجه البخاري ٢٣٨/٥ ومسلم (١٤١٣) من حديث أبي هريرة.
(٤) أخرجه أحمد ١٧٦/٢ و١٧٧ من حديث عبد الله بن عمرو، وفيه ابن لهيعة.
٩٧
زاد المعاد ج٥-م٤
واختُلِفَ في شرط الإقامة في بلد الزوجة، وشرط دار الزوجة، وأن لا
يتسَّرى عليها، ولا يتزوجَ عليها، فأوجب أحمدُ وغيرُه الوفاء به، ومتى لم يَِّ به
فلها الفسخُ عند أحمد.
واختُلِفَ في اشتراط البكارة والنسب، والجمال والسَّلامة من العيوب التي
لا يُفسخ بها النكاحُ، وهل يؤثِّرُ عدمُها في فسخه؟ على ثلاثة أقوال. ثالثها:
الفسخ عند عدم النسب خاصة.
بطلان اشتراط المرأة
طلاق أختها
وتضمن حكمُه ◌َِّ بطلانَ اشتراط المرأة طلاقَ أختها، وأنه لا يجب الوفاءُ
به، فإن قيل: فما الفرق بين هذا وبين اشتراطها أن لا يتزوج عليها حتى صححتم
هذا، وأبطلتم شرط طلاق الضرة؟ قيل: الفرقُ بينهما أن في اشتراط طلاقِ الزوجة
من الإِضرار بِها، وكسرٍ قلبها، وخرابٍ بيتها، وشماتةِ أعدائها ما ليس في اشتراط
عدمٍ نكاحها، ونكاحٍ غيرها، وقد فرق النصُّ بينهما، فقياس أحدهما على الآخر
فاسد .
فصل
في حكمه ◌َّ في نكاح الشِّغارِ والمُحلِّل، والمُتعَةِ
ونِكاح المُحرِم، ونِكاح الزانيةِ
النهي عن نكاح الشغار
أما الشِّغار: فصحَّ النهي عنه مِن حديث ابن عمر، وأبي هريرة، ومعاوية.
وفي ((صحيح مسلم)): عن ابن عمر مرفوعاً (لا شِغَارَ في الإِسْلاَمِ))(١).
وفي حديث ابن عمر: والشِّغار: أن يُزُوِّجَ الرجلُ ابنتَه على أن يُزُوِّجَه الآخر
ابنتَه وليس بينهما صداق(٢).
(١) أخرجه مسلم (١٤١٥) (٦٠) وأحمد ٣٥/٢.
(٢) أخرجه البخاري ١٣٩/٩ في النكاح: باب الشغار، وفي الحيل: باب الحيلة في
النكاح، ومسلم (١٤١٥) في النكاح: باب تحريم الشغار وبطلانه، و((الموطأ)) =
٩٨
وفي حديث أبي هُريرة: والشِّغارُ: أن يقولَ الرجُلُ لِلرجل: زوجني ابنتَك
وأُزوَّجُك ابنتي، أو زوّجني أختك وأزوجُك أختي(١) .
وفي حديث معاوية: أنَّ العباسَ بنَ عبد الله بن عباس أنكحَ عبد الرحمن بن
الحكم ابنته، وأنكحه عبدُ الرحمن ابنتَه، وكانا جعلا صَدَاقاً، فكتب معاويةٌ
رضي الله عنه إلى مروان يأمره بالتفريقِ بينهما، وقال: هذا الشِّغَارُ الذي نهى عنه
رسولُ الله ◌َّ﴾ (٢) .
فاختلف الفقهاء في ذلك، فقال الإِمام أحمد: الشِّغار الباطل أن يزوِّجه
وليته على أن يزوِّجه الآخر وليته، ولا مهر بينهما على حديثٍ ابن عمر، فَإِن سمَّوا
مع ذلك مهراً، صحَّ العقدُ بالمسمَّى عنده. وقَال الخرقي: لاَ يصِحُّ ولو سمَّوا مهراً
على حديث معاوية. وقال أبو البركات ابن تيمية وغيرُه مِن أصحاب أحمد: إن
سمَّوْا مهراً وقالوا: مع ذلك: بُضع كل واحدة مهر الأخرى لم يَصِحَّ، وإن لم
یقولوا ذلك، صح.
واختُلِفَ في علة النهي، فقيل: هي جعلُ كل واحدٍ من العقدين شرطاً في
الآخر، وقيل: العلة التشريك في البُضع، وجعلُ بُضع كلِّ واحدة مهراً للأخرى،
وهي لا تنتفعُ به، فلم يرجع إليها المهر، بل عاد المهرُ إلى الولي، وهو مُلكه
لُبُضع زوجته بتمليكه لبُضع مُولِّيته، وهذا ظلم لكل واحدة مِنَ المرأتين، وإخلاءٌ
النكاحهما عن مهر تنتفع به، وهذا هو الموافق للغة العرب، فإنهم يقولون: بلد
شاغر مِن أمير، ودار شاغرة مِن أهلها: إذا خلت، وشغر الكلبُ: إذا رفع رجله،
وأخلى مكانَها. فإذا سمَّوا مهراً مع ذلك زال المحذور، ولم يبق إلا اشتراطُ كلِّ
علة النهي عنه
٢/ ٥٣٥ عن عبد الله بن عمر أن رسول الله رحلة نهى عن الشغار والشغار: أن يزوج
=
الرجل ابنته ....
(١) أخرجه مسلم (١٤١٦) والنسائي ٦/ ١١٢ .
(٢) أخرجه أبو داود (٢٠٧٥) وأحمد ٩٤/٤، وسنده قوي.
٩٩
واحد على الآخر شرطاً لا يُؤثر في فساد العقد، فهذا منصوص أحمد.
وأما من فرق، فقال: إن قالوا مع التسمية: إن بُضع كُل واحدة مهرٌ
للأخرى، فسد، لأنها لم يرجعْ إليها مهرُها، وصار بُضعها لغير المستحق، وإن لم
يقولوا ذلك، صحَّ، والذي يجيء على أصله أنهم متى عقدُوا على ذلك وإن لم
يقولوه بألسنتهم أنه لا يصح، لأن القصود في العقود معتبرة، والمشروط عرفاً
كالمشروط لفظاً، فيبطل العقدُ بشرط ذلك، والتواطؤ عليه ونيته، فإن سمَّی لِكل.
واحدة مهرَ مثلها، صح، وبهذا تظهر حكمةُ النهي واتفاقُ الأحاديث في هذا
الباب.
فصل
وأما نكاح المُحَلِّلِ، ففي ((المسند)) والترمذي من حديث ابن مسعود
رضيَ الله عنه قال: ((لَعَنَ رَسُولُ اللّهِ ◌ِّ المُحَلِّلَ والمُحَلَّلَ له)) (١). قال الترمذي
هذا حديث حسن صحيح.
نكاح التحليل
وفي ((المسند)): من حديث أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعاً: ((لَعَنَ اللّهُ
المُحَلِّلَ والمُحَلَّلَ لَهُ»(٢) وإسناده حسن.
وفيه: عن علي رضي الله عنه، عن النبي مَنٍ مثله(٣).
وفي ((سنن ابن ماجه)): مِن حديث عُقبة بن عامر رضي الله عنه قال: قال
أخرجه أحمد (٤٢٨٢) و(٤٢٨٤) و(٤٣٠٨) و(٤٤٠٣)، والنسائي ١٤٩/٦ في
(١)
النكاح: باب إحلال المطلقة، والترمذي (١١٢٠) والدارمي ١٥٨/٢، والبيهقي
٢٠٨/٧، وسنده صحيح، وصححه الترمذي، وابن القطان، وابن دقيق العيد.
أخرجه أحمد ٣٢٣/٢، والبيهقي ٢٠٨/٧ وسنده حسن كما قال المؤلف.
(٢)
أخرجه أحمد (٦٦٠) و(٦٧١) وأبو داود في النكاح: باب التحليل، والترمذي
(٣)
(١١١٩) في النكاح: باب ما جاء في المحلل والمحلل له، وابن ماجه (١٩٣٥) في
النكاح: باب المحلل والمحلل له، والبيهقي ٢٠٨/٧، وفي سنده الحارث الأعور
وهو ضعيف لکن یشهد له ما قبله فيتقوی به.
١٠٠