Indexed OCR Text

Pages 1-20

زَازُ المعتاد
في هدي خير العباد
لابن قيم الجوزية
الإمَام المُحُدِّثِ المِفَسِالفَقِيِ شُمِ الدِّينِ أبِي عَبْدِالله محمدبن أبي بكر الزرعي الدَّمْشِفِي
( ٦٩١ - ٧٥١ هـ )
حَقَّ نصُوصَه، وفَرََّ أماديَهُ، وَعَلََّ عَلَيه
شُعَيَبُ الأرْنَؤُوطِ عَبْدُ القَادِرِ الأرنَوُوط
الجزء الْخَامِسْ
مؤسسة الرسالة

.
-

زَارُ المِعَاذ
في هدي خير العباد
٥

موستنة الرسالة
للطباعة والنشر والتوزيع
وطى المصيعطية
شارع حبيب لي شهلا
بناء المسكن
تلفاكس: (٩٦١١)
٨١٥١١١ - ٢١٩٠٢٩ - ٦٠٢٢٤٢
ص.ب . :١١٧٤٦٠
برقياً: بيوشران
بيروت - لبنان
Al-Resalah
PUBLISHERS
BEIRUT
LEBANON
Telefax: (9611)
815112 319039 603243
P.O. Box: 117460
E-mail!
Resalahiat epherid.net.th
Web Location:
3
١٠٤
سے
ــ
جميع الحقوق محفوظة لِلنّاشِرْ
الطَّعَة الثّالِثَة
طبعّة جَديدَة مُنقَّحَّة وَمَزِيْدَة
١٤١٨ هـ / ١٩٩٨م
حقوق الطبع محفوظة (١٩٧٩Cم. لا يُسمح بإعادة نشر هذا الكتاب أو
أي جزء منه بأي شكل من الأشكال أو حفظه ونسخه في أي نظام
میکانیکي أو إلكتروني یمكّن من استرجاع الكتاب أو أي جزء منه.
ولا يُسمح باقتباس أي جزء من الكتاب أو ترجمته إلى أي لغة أخرى
دون الحصول على إذن خطي مسبق من الناشر.

فصل
في هديه في الأقِضية والأنكِحَة والبُيُوع
وليس الغرضُ من ذلك ذكر التشريع العام وإن كانت أقضيتُه الخاصةُ تشريعاً
عاماً، وإنما الغرضُ ذكرُ هديه في الحكومات الجزئية التي فصل بها بينَ الخصوم،
وكيف كان هديُه في الحكم بين الناس، ونذكُر مع ذلك قضايا مِن أحكامه الكلية.
فصل
ثبت عنه بِّ من حديث بهزِ بن حكيم، عن أبيه، عن جده، أن النبي
حَبَسَ رجلاً في تُهْمةٍ. قال أحمد وعلي بن المديني: هذا إسناد صحيح(١).
جواز الحبس
وذکر ابنُ زیادٍ عنه مێ﴾ في ((أحكامه)): أنه پڅ سجن رجلاً أعتق شِرْكاً له في
عبد، فوجب عليه استتمام عتقه حتى باع غُنَيْمَةٌ له(٢).
فصل
في حكمه فيمن قَتَلَ عبده
روى الأوزاعي، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدِّه، أن رجلاً قتل
عبدَه متعمِّداً، فجلده النبيُّ ﴿ مائة جلدةٍ، ونفاه سنةً وأمره أن يعتِقَ رقبةً ولم يُقِدْهُ
به (٣).
(١) أخرجه الترمذي (١٤١٧) في الديات: باب ما جاء في الحبس في التهمة، وأبو داود
(٣٦٣٠) في الأقضية: باب في الحبس في الدين وغيره، والنسائي ٦٧/٨ في
السارق: باب امتحان السارق، وسنده حسن.
(٢) وأخرجه عبد الرزاق في ((المصنف» (١٦٧١٦) والبيهقي. ٢٧٦/١ عن الثوري عن
ابن أبي ليلى عن القاسم بن أبي عبد الرحمن عن أبي مجلز أن أخوين من جهينة كان
بينهما عبد، فأعتق أحدهما نصيبه، فحبسه رسول الله پيچ حتى باع غنيمة له.
(٣) وأخرجه الدارقطني ١٤٣/٣، ١٤٤ من حديث محمد بن عبد العزيز الرملي، عن =
٥

وروى الإِمام أحمد: من حديث الحسن، عن سَمُرَةَ رضيَ اللهُ عنه،
عنهَِّ: ((مَنْ قَتَلَ عَبْدَهُ قَتَلْنَاهُ(١))) فإن كان هذا محفوظاً، وقد سمعه منه الحسن،
كان قتلُه تعزيراً إلى الإمام بحسب ما يراه من المصلحة.
وأمَر رجلاً بملازمة غريمه، كما ذكر أبو داود، عن النَّضر بن شُميل، عن
الهرماس بن حبيب، عن أبيه، عن جدِّه رضي اللهُ عنه قال: أتيتُ النبيَّ ◌َلْ بغريم
لي، فقال لي: ((الْزَمْهُ)) ثم قال لي: ((يا أخا بني سَهْم مَا تُريدُ أَنْ تَفْعَلَ بأَسِيرِك؟)٢٧،
وروى أبو عبيدٍ، أنه سي. أمر بقتل القاتل، وصبْرِ الصابر(٣). قال أبو عبيد: أي:
بحبسه للموت حتى يموت.
وذكر عبدُ الرزاق في ((مصنفه)) عن علي: يُحبس المُمْسِكُ في السِّجْنِ حتى
يَموتَ(٤).
فصل
في حكمه في المحاربين
حَكم بقطع أيدِيهم، وأرجُلهِم، وسَمْلِ أعينهم، كما سملُوا عينَ الرِّعاء،
إسماعيل بن عياش، عن الأوزاعي وسنده حسن.
=
أخرجه أحمد ١١/٥، وأبو داود (٤٥١٥) في الديات: باب من قتل عبده أو مثل به أيقاد
(١)
منه، والترمذي (١٤١٤) في الديات، والنسائي ٢٠/٨، ٢١ في القسامة، والحسن
البصري موصوف بالتدلیس، وقد عنعن.
أخرجه أبو داود (٣٦٢٩) في الأقضية: باب في الحبس في الدين، وابن ماجه (٢٤٢٨) في
(٢)
الصدقات: باب الحبس في الدين، والهرماس مجهول، وكذا أبوه وجده.
أخرجه عبد الرزاق في «المصنف» (١٧٨٩٢) و(١٧٨٩٥) ومن طريقه الدار قطني ١٤٠/٣
(٣)
عن معمر، وابن جريج، عن إسماعيل بن أمية رفع الحديث أن النبي_®. قال: ((يُحبس
الصابر للموت كما حبس، ويقتل القاتل)) ورجاله ثقات لكنه مرسل، وأخرجه الدار قطني
١٤٠/٣ من حديث إسماعيل بن أمية عن نافع عن ابن عمر، عن النبي ،﴿﴿ "إذا أمسك
الرجل الرجل، وقتله الآخر يقتل الذي قتل، ويحبس الذي أمسك)) ورجاله ثقات، لكن
رجح البيهقي المرسل، وقال: إن الموصول غير محفوظ.
(٤) أخرجه عبد الرزاق في ((المصنف)) (١٧٨٩٣) ورجاله ثقات.
٦

وتركهم حتى ماتُوا جوعاً وعطشاً كما فعلوا بالرِّعاء(١) .
فصل
في حكمه بين القاتل وولي المقتول
ثبت في ((صحيح مسلم)): عنه ◌َّ: أن رجلاً اذَّعى على آخرَ أنه قتل أخاهُ،
فاعترف، فقال: دُونَكَ صَاحِبَكَ))، فلما ولَّى، قال: ((إنْ قَتَلَهُ، فهو مِثْلُه))، فرجعَ
فقال: إنما أخذتُه بأمرك، فقال ◌َِّ: ((أمَا تُرِيدُ أَن يَبوءَ بِثْمِكَ وإِثْم صَاحِبِكَ؟))
فقال: بلى، فخلّى سبيلَه(٢).
وفي قوله: ((فهو مثلُه))، قولان، أحدهما: أن القاتل إذا قيد منه، سقط ما
عليه، فصار هو والمستقيدُ بمنزلةٍ واحدة، وهو لم يقل: إنه بمنزلته قبل القتل،
وإنما قال: إن قتله فهو مثلُه))، وهذا يقتضي المماثلةَ بعد قتله، فلا إشكالَ في
الحديث، وإنما فيه التعريضُ لصاحب الحقّ بترك القود والعفو.
والثاني: أنه إن كان لم يُرد قتلَ أخيه فقتلَه به، فهو متعدٍّ مثله إذ كان القاتل
متعدياً بالجناية، والمقتصُّ متعدٍ بقتل من لم يتعمدِ القتلَ، ويدلُّ على هذا التأويل
ما روى الإِمام أحمد في ((مسنده)): من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قُتِلَ
رجل على عهد رسول الله بَّةَ، فَرُفِعَ إلى رسول الله ◌َهلة، فدفَعه إلى وليٍّ
المقتول، فقال القاتلُ: يا رسولَ الله! ما أردتُ قتلَه، فقال رسولُ الله ◌َّ الولي:
(١) حديث المحاربين أخرجه البخاري ٩٨/١٢ في أول المحاربين و٩٩: باب لم يسق
المرتدون المحاربون حتى ماتوا، وباب سمل النبي بقَّ أعين الرعاة، ومسلم
(١٦٧١) (٩) و(١٠) و(١١) و(١٢) و(١٤) في القسامة: باب حكم المحاربين
والمرتدين، وأبو داود (٤٣٦٤) والترمذي (٥٥) والنسائي ٧/ ٩٣، ٩٤، وابن ماجه
(٢٥٧٨) وأحمد ١٦٣/٣ و١٧٧ و١٩٨ كلهم من حديث أنس بن مالك رضي الله
عنه .
(٢) أخرجه مسلم (١٦٨٠) في القسامة: باب صحة الإقرار بالقتل وتمكين ولي القتيل
من القصاص، واستحباب طلب العفو منه.

أَمَا إِنَّهُ إِذَا كَانَ صَادِقاً، ثم قَتَلْتَهِ دَخَلْتَ النَّار))، فخلَّى سبيله(١). وفي كتاب ابن
حبيب في هذا الحديث زيادةٌ، وهي: قال النبيُّ ◌َ: «عَمْدُ يَدٍ، وخَطَأْ قَلْبٍ».
فصل
في حكمه بالقَوَدِ على من قتل جاريةً، وأنه يُفْعَلُ به كما فَعَلَ
ثبت في «الصحيحين)): أن يهودياً رضَّ رأسَ جاريةٍ بينَ حجريْنِ على
أوضاحٍ لها، أي: حُلِيٍّ، فَأُخِذَ، فَاعْتَرَفَ، فأمر رسولُ الله ◌َّهِ أن يُرَضَّ رأسُه بين
حَجَرَيْنِ(٢).
وفي هذا الحديثِ دليلٌ على قتلِ الرجل بالمرأة، وعلى أن الجانيَ يُفعل به
كمَا فَعَلَ، وأن القتل غيلة لا يُشترط فيه إذنُ الولي، فإنَّ رسولَ الله ◌ِيّ لم يدفعه
إلى أوليائها، ولم يقل: إن شِئْتُم فاقتلُوه، وإن شئتم فاعفوا عنه، بل قتله حتماً،
وهذا مذهبُ مالك، واختيارُ شيخ الإسلام ابن تيمية، ومن قال: إنه فعل ذلك
لِنقض العهد، لم يَصِحّ، فإن ناقض العهد لا تُرضخ رأسُه بالحجارة، بل يُقتل
بالسيف.
فصل
في حکمه (ێ﴾ فیمن ضرب امرأةً حامِلاً فَطرحها
في ((الصحيحين)): أن امرأتينٍ مِن هُذيل رمت إحداهما الأخرى بحجرٍ
فقتلتها وما في بطنها، فقضى فيها رسولُ الله ◌ِ﴿ٍ بِغُرَّةٍ: عَبْدٍ أَو ولِيدَةٍ في الجنين،
(١) لم نجده في ((مسند أحمد))، وأخرجه الترمذي (١٤٠٧) في الديات: باب ما جاء في
حكم ولي القتيل في القصاص والعفو، وأبو داود (٤٤٩٨) في الديات: باب الإمام
يأمر بالعفو، والنسائي ١٣/٨، وابن ماجه (٢٦٩٠) في الديات: باب العفو عن
القاتل، وإسناده صحيح، وقال الترمذي: حسن صحيح.
(٢) أخرجه البخاري ٢٧٨/٥ في الوصايا: باب إذا أومأ المريض برأسه إشارة بينه تعرف
و١٨٠/١٢ في الديات: باب من أقاد بالحجر، ومسلم (١٦٧٢) في المساقاة: باب
ثبوت القصاص في القتل بالحجر من حديث أنس بن مالك.
٨

وجعل دِيةَ المقتولةِ على عَصبَة القاتِلةِ، هكذا في ((الصحيحين)) (١). وفي النسائي:
فقضى في حملها بغُرَّة، وأن تُقُتل بها(٢)، وكذلك قال غيره أيضاً: إنه قتلها
مکانها، والصحيح: أنه لم يقتلها(٣) لما تقدم. وقد روى البخاريُّ في «صحيحه»
عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسولَ الله ◌ِ ◌ّدً؛ قضى في جنينِ امرأةٍ من بني لَحيان
بِغُرَّةِ: عبدٍ أو وليدةٍ، ثم إن المرأة التي قضى عليها بالغُرة تُوفيت، فقضى
رسول الله # أن ميراثها لبنيها وزوجها، وأن العقلَ على عصبتها (٤).
وفي هذا الحكم أن شِبهَ العمدِ لا يُوجب القود، وأن العاقِلَة تحمل الغُرَّةَ تبعاً
للدية، وأن العاقلة هم العصبةُ، وأن زوجَ القاتلة لا يدخُلُ معهم، وأن أولادهَا
أيضاً ليسوا مِن العاقِلة.
؛
فصل
في حكمه ◌َّ بالقَسامة(٥) فيمن لم يُعرف قاتِلُه
ثبت في «الصحيحين)): أنه * حكم بها بين الأنصار واليهود، وقال
لِحُوَيِّصَةَ ومُحَيِّصَةَ وعَبْدِ الرحمن: ((أَتَحْلِفُونَ وتَسْتَحِقُونَ دَمَ صَاحِبِكُم؟)) وقال
(١) أخرجه البخاري ٢٢٣/١٢ في الديات: باب جنين المرأة، ومسلم (١٦٨١) في
القسامة: باب دية الجنين ووجوب الدية في قتل الخطأ من حديث أبي هريرة.
(٢) أخرجه النسائي ٢١/٨، ٢٢ في القسامة: باب قتل المرأة بالمرأة، وأبو داود
(٤٥٧٢) في الديات: باب دية الجنين، وابن ماجه (٢٦٤١) والدارمي ١٩٦/٢ ،
١٩٧، وأحمد ٣٦٤/١، وإسناده صحيح.
(٣) انظر ((أقضية رسول الله)) ص ١٦، ١٧ لابن فرج المالكي المتوفى سنة ٤٩٧ هـ.
(٤) أخرجه البخاري ٢٢٣/١٢ في الديات: باب جنين المرأة.
(٥) القسامة - بفتح القاف وتخفيف السين - مصدر: أقسم قسماً وقسامة، وهي الأيمان
تقسم على أولياء القتيل إذا ادعوا الدم، أو على المدعى عليهم الدم، وخص القسم
على الدم بلفظ القسامة، وقال في ((المحكم)): القسامة الجماعة يقسمون على الشيء
أو يشهدون به، ويمين القسامة منسوب إليهم، ثم أطلقت على الأيمان نفسها.
٩

البخاري: ((وتستحقون قَاتِلَكُم أو صاحِبَكُم))، فقالوا: أمرٌ لم نشهده ولم نره،
فقال: ((فَتَبْرِئُكُمْ يَهُودُ بأَيْمَانِ خَمْسِينَ))، فَقَالُوا: كيف نقبلُ أيمان قَوْمِ كفار؟ فوداه
رسولُ اللهِثَّ مِن عنده.
وفي لفظ: ((ويُقْسِمُ خمسون منكم على رجل منهم، فيُدْفَعُ بِرُمَّتِهِ إليه))(١)
واختلف لفظُ الأحاديث الصحيحة في محل الدِّية، ففي بعضها أنه ◌َ ﴾. وداه مِن
عنده، وفي بعضها وداه من إبل الصدقة .
وفي ((سنن أبي داود)): أنه ﴾﴿ ألقى ديتَه على اليهود، لأنه وُجِدَ بينهم(٢).
وفي ((مصنف عبد الرزاق)): أنه بدأ بيهود، فأبَوْا أن يحلِفُوا، فردَّ
القسامَة على الأنصار، فأبوا أن يحلِفُوا فجعل عَقلَه على يهود(٢) .
وفي ((سنن النسائي)): فجعل عقله على اليهود، وأعانهم ببعضِها (٤) وقد
تضمنت هذه الحكومة أموراً:
ما تضمنه هذا الحكم من
الأمور
منها: الحكمُ بالَسامة، وأنها مِن دين الله وشرعه.
(١) أخرجه البخاري ٢٠٣/١٢، ٢٠٦ في الديات: باب القسامة، وفي الصلح: باب
الصلح مع المشركين، وفي الجهاد: باب الموادعة، وفي الأدب: باب إكرام الكبير،
وفي الأحكام: باب كتاب الحاكم إلى عماله، ومسلم (١٦٦٩) في القسامة: باب
القسامة من حديث سهل بن أبي حثمة، ورافع بن خديج.
(٢) أخرجه أبو داود (٤٥٢٦) في الديات: باب في ترك القود بالقسامة من حديث
عبد الرزاق عن معمر، عن الزهري، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، وسليمان بن
يسار، عن رجال من الأنصار، وإسناده صحيح، وهو في ((المصنف)) (١٨٢٥٢)
و ((سنن البيهقي)) ١٢١/٨.
(٣) ((المصنف)) (١٨٢٥٢) وقد تقدم في التعليق السابق.
(٤) أخرجه النسائي ١٢/٨ في القسامة: باب ذكر اختلاف ألفاظ الناقلين لخبر سهل فيه،
وسنده حسن .
١٠

ومنها: القتلُ بها لِقوله: ((فيدفع بُرُمَّتِهِ إليه))، وقوله في لفظ آخر:
((وتستحقُّونَ دمَ صاحبكم))، فظاهرُ القرآن والسنة القتلُ بأيمان الزوج الملاعن
وأيمانِ الأولياء في القسامة، وهو مذهبُ أهل المدينة. وأما أهلُ العراق، فلا
يقتلُونَ في واحد منهما، وأحمدُ يقتل في القسامةِ دون اللعان، والشافعي عكسه.
ومنها: أنه يبدأ بأيمانِ المُدَّعِينَ في القَسامة بخلاف غيرِها من الدَّعاوى.
ومنها: أن أهلَ الذِّمة إذا منعوا حقاً عليهم، انتقضَ عهدُهم لِقوله بَّ: ((إما
أن تدوه، وإما أن تأذنُوا بحرب».
ومنها: أن المدَّعىَ عليه إذا بَعُدَ عن مجلس الحكم، كَتَبَ إليه، ولم
يُشْخِصْهُ.
ومنها: جوازُ العملِ والحُكم بكِتابِ القاضي وإن لم يُشهد عليه.
ومنها: القضاءُ على الغائب.
ومنها: أنه لا يُكتفى في القَسامة بأقلَّ من خمسين إذا وجدوا.
ومنها: الحكمُ على أهل الذمة بحكم الإِسلام، وإن لم يتحاكموا إلينا إذا
كان الحكمُ بينهم وبينَ المسلمين.
ومنها : - وهو الذي أشكل على كثيرٍ من الناس - إعطاؤه الدية مِن إبل
الصدقةِ، وقد ظنَّ بعضُ الناس أن ذلك مِن سهم الغارمين، وهذا لا يصِح، فإن
غارِمَ أهلِ الذمة لا يُعطى من الزكاة، وظن بعضُهم أن ذلك مما فَضَل مِن الصدقة
عن أهلها، فللإِمام أَن يصرِفه في المصالح، وهذا أقربُ مِن الأول، وأقربُ منه:
أنه مَخل وداه مِن عنده، واقترضَ الدية من إبل الصدقة، ويدل عليه: ((فوداه من
عنده)) وأقربُ من هذا كُلِّه أن يُقال: لما تحمَّلَها النبيُّ ◌َ لإصلاح ذات البين بين
الطائفتين، كان حكمُها حكمَ القضاء على الغارم لما غرمه لإِصلاح ذاتِ البين،
ولعل هذا مرادُ من قَال: إنه قضاها مِن سهم الغارمين، وهو ◌َّ لم يأخذ منها
الإشكال في محل الدية

لنفسه شيئاً، فإن الصدقةً لا تحِلُّ له، ولكن جرى إعطاءُ الدية منها مجرى إعطاء
الغارم منها لإصلاح ذات البين. والله أعلم.
فإن قيل: فكيف تصنعون بقوله ((فجعل عقلَه على اليهود))؟ فيقال: هذا
مجمل لم يحفظ راويه كيفيةَ جعله عليهم، فإنه مَّ لما كتب إليهم أن يدوا القتيلَ،
أو يأذنوا بحربٍ، كان هذا كالإلزام لهم بالدِّية، ولكن الذي حفظوا أنهم أنكروا أن
يكونوا قتلوا، وحلفوا على ذلك، وأن رسولَ الله ◌َّ وداه من عنده، حفِظُوا زيادة
على ذلك، فهم أولى بالتقديم.
فإن قيل: فكيف تصنعون برواية النسائي: ((أنه قسمها على اليهود، وأعانهم
ببعضها)»؟ قيل: هذا ليس بمحفوظ قطعاً، فإن الدية لا تلزم المدّعى عليهم بمجرد
دعوى أولياءِ القتيل، بل لا بُد من إِقرار أو بينة، أو أيمان المدعين، ولم يُوجد هنا
شيء من ذلك، وقد عرضَ النبيُّ ◌َّ أيمانَ القسامة على المدعين، فَأَبَوْا أن
يحلِفُوا، فكيف يلزم اليهود بالدية بمجرد الدعوى.
فصل
في حُكمه ◌َهَ في أربعةٍ سقطوا في بئر، فتعلَّق بعضُهم ببعض، فهلكُوا
ذكر الإِمام أحمد، والبزار، وغيرُهما، أن قوماً احتفروا بئراً باليمن، فسقط
فيها رجلٌ، فتعلَّق بآخر، والثاني بالثالث، والثالث بالرابع، فسقطُوا جميعاً،
فماتُوا، فارتفع أولياؤُهم إلى علي بن أبي طالب رضي الله عنه، فقال: اجمعُوا مَنْ
حفر البئر مِن النَّاس، وقضى للأول برُيع الدية، لأنه هلك فوقَه ثلاثة، وللثاني
بُثُلثها لأنه هلك فوقه اثنان، وللثالث بنصفها لأنه هلك فوقَه واحد، وللرابع بالدية
تامة، فأَتوا رسولَ الله ◌ََّ العامَ المقبلَ، فقصُّوا عليه القِصَّة، فقال: ((هُوَ مَا قضَى
بینگم»، هكذا سياقُ البزار.
وسياق أحمد نحوه، وقال: إنهم أَبَوْا أَن يرضوا بقضاء علي، فَأَتْوا
رسولَ اللّهِ مَّة وهو عند مقام إبراهيم عليه السلام، فقصُّوا عليه القِصة، فأجازه
١٢

رسولُ الله بَّة، وجعل الدية على قبائل الذين ازدحموا(١).
فصل
في حُكمه ◌َّ فيمن تزوَّج امرأةً أبيه
روى الإمام أحمد، والنسائي وغيرُهما: عن البراء رضي الله عنه، قال:
لقيتُ خالي أبا بُردة ومعه الراية، فقال: أرسلني رسولُ الله ◌َّه إلى رجلٍ تزوَّجَ
امرأة أبيه أن أقتُله وآخذ ماله(٢).
وذكر ابن أبي خيثمة في ((تاريخه))، من حديث معاوية بن قُرة، عن أبيه،
عن جده، رضي الله عنه، أن رسولَ اللهِ لَّه بعثه إلى رجل أَعْرسَ بامرأةٍ أبيه،
فضرب عنقه، وخمَّس ماله. قال يحيى بن معين: هذا حديث صحيح.
وفي ((سنن ابن ماجه)) من حديث ابن عباس قال: قال رسولُ اللهَِّ: ((مَنْ
وَقَعَ عَلَى ذَاتِ مَحْرَمٍ فَاقْتُلُوهُ»(٣).
(١) أخرجه أحمد ٧٧/١ و١٥٢ من حديث علي، وفي سنده حنش بن المعتمر، وهو
ضعيف، وذكره الهيثمي في ((المجمع)) ٢٨٧/٦، ونسبه لأحمد البزار، وقال: وفيه
حنش وثقه أبو داود، وفيه ضعف، وبقية رجاله رجال الصحيح.
(٢) أخرجه أحمد ٢٩٥/٤، والنسائي ١٠٩/٦، ١١٠ في النكاح: باب نكاح ما نكح
الآباء، والترمذي (١٣٦٢) في الأحكام: باب ما جاء فيمن تزوج امرأة أبيه، وأبو
داود (٤٤٥٧) في الحدود: باب الرجل يزني بحريمه، وسنده حسن، وأخرجه أبو
داود (٤٤٥٦) من حديث مسدَّد، عن خالد بن عبد الله، عن مطرف، عن أبي الجهم
عن البراء قال: ((بينا أنا أطوف على إبل لي ضلَّت إذ أقبل ركب أو فوارس معهم
لواء، فجعل الأعراب يطيفون بي لمنزلتي من النبي اله إذ أتوا قبة، فاستخرجوا منها
رجلاً، فضربوا عنقه، فسألت عنه، فذكروا أنه أعرس بامرأة أبيه)) وإسناده صحيح،
وهو في («المسند» ٢٩٥/٤ من طريق أسباط عن مطرف عن أبي الجهم، عن البراء.
(٣) أخرجه ابن ماجه (٢٥٦٤) في الحدود: باب من أتى ذات محرم ومن أتى بهيمة،
وفي سنده إبراهيم بن إسماعيل بن أبي حبيبة الأنصاري، وهو ضعيف، لكن يشهد له
ما قبله.
١٣

وذكر الجوزجاني، أنه رُفِعَ إلى الحجاجِ رجلٌ اغتصبَ أختَه على نفسها،
فقال: احبِسُوهُ، وسلوا مَنْ ها هنا من أصحابٍ رسول الله (َّة، فسألوا عبد الله بن
أبي مطِّرفٍ رضي الله عنه، فقال: سمعتُ رسول الله بََّ يقول: ((مَنْ تَخَطَّى حُرَمَ
المُؤْمِنِينَ، فَخُطُوا وَسَطَه بالسَّيفِ))(١).
وقد نص أحمد في رواية إسماعيل بن سعيد، في رجل تزوَّج امرأة أبيه أو
بذاتِ محرم، فقال: يُقتل، ويُدخل مالُه في بيت المال.
وهذا القولُ هو الصحيح، وهو مقتضى حكمِ رسولِ الله
وقال الشافعي ومالك وأبو حنيفة: حدُّه حدُّ الزاني، ثم قال أبو حنيفة: إن
وطئها بعقد، عُزِّرَ، ولا حد عليه، وحكمُ رسول الله ◌َّه وقضاؤه أحق وأولى.
فصل
في حُكمه ◌َّه بقتل من اتُّهِمَ بأم ولده فلما ظهرت براءتُه، أمسك عنه
روى ابن أبي خيثمة وابن السكن وغيرهما من حديث ثابت، عن أنس
رضي الله عنه، أن ابنَ عمِّ ماريةَ كان يُتَّهمُ بها، فقال النبيُّ رَّ لعلي بن أبي طالب
رضي الله عنه: ((اذْهَبْ فَإِنْ وَجَدْتَهُ عِنْدَ مَارِيَةَ، فاضْرِبْ عُنُقَهُ»، فأتاهُ عليٍّ فإذا هو
فِي رَكِيٍّ يتبَرَّدُ فيها، فقال له علي: اخرج، فناوله يده، فأخرجه، فإذا هو مجبوبٌ
ليس له ذكر، فكفَّ عنه علي، ثم أتى النبيَّ بََّ، فقال: يا رسول الله: إنه
مجبوب، ما له ذكر. (٢) وفي لفظ آخر: أنه وجده في نخلة يجمع تمراً، وهو
(١) أورده الهيثمي في ((المجمع)) ٢٦٩/٦، وقال: رواه الطبراني، وفيه رفدة بن قضاعة،
وثقه هشام بن عمار، وضعفه الجمهور، وقال الذهبي في («الميزان)): قال البخاري:
لا يتابع على حديثه، وقال النسائي: ليس بالقوي، وانظر ((الإصابة)) (٤٩٦١).
(٢) لقد أبعد المؤلف رحمه الله النجعة، فنسبه لابن السكن وابن أبي خيثمة مع أنه في
(صحيح مسلم)) (٢٧٧١) في التوبة: باب براءة حرم النبينَ﴾ من الريبة، و((المسند))
٢٨١/٣.
٠
١٤

ملفوفٌ بخرقة، فلما رأى السيفَ، ارتعد وسقطت الخِرقة، فإذا هو مجبوبٌ لا
ذکر له .
وقد أشكلَ هذا القضاءُ على كثيرٍ من الناس، فطعن بعضُهم في الحديث،
ولكن ليس في إسناده من يتعلَّق عليه، وتأوَّله بعضُهم على أنه ◌ََّ لم يُرِدْ حقيقةَ
القتل، إنما أرادَ تخويفَه ليزدجِرَ عن مجيئه إليها. قال: وهذا كما قال سليمان
للمرأتين اللتين اختصمتا إليه في الولد: ((علي بالسِّكين حتى أشُقَّ الولد بينهما)»،
ولم يرد أن يفعل ذلك، بل قصد استعلامَ الأمر من هذا القول، ولذلك كان مِن
تراجم الأئمة على هذا الحديث: باب الحاكم يُوهم خلاف الحق لِيتوصل به إلى
معرفة الحق، فأحبَّ رسولُ الله ◌َ أن يَعرِفَ الصحابة براءته، وبراءة مارية، وعلم
أنه إذا عاين السيفَ، كشف عن حقيقة حاله، فجاء الأمرُ كما قدَّره رسول الله ◌َله .
وأحسنُ من هذا أن يقال: إن النبي ◌َّ أمر علياً رضي الله عنه بقتله تعزيراً
لا قدامه وجرأته على خلوته بأم ولده، فلما تبيَّن لعلي حقيقة الحال، وأنه بريء من
الريبة، كفَّ عن قتله، واستغنى عن القتل بتبيين الحال، والتعزيرُ بالقتل ليس بلازم
كالحدِّ، بل هو تابعٌ للمصلحة دائرٌ معها وجوداً وعدماً.
فصل
في قضائه ◌ٍَّ في القتيل يُوجد بينَ قريتين
روى الإمام أحمد، وابن أبي شيبة، من حديث أبي سعيد الخدري رضيَ الله
عنه قال: وُجدَ قتيلٌ بَيْنَ قريتينٍ، فأمر النبيُّ ◌َ لَ فَذَرَعَ ما بينهما، فُوجِدَ إلى
أحدهما أقرب، فكأني أنظر إلى شِبر رسول الله وَّةَ، فألقاهُ عَلَى أقربِهِمَا(١).
وفي ((مصنف عبد الرزاق)) قال عمرُ بن عبد العزيز: قضى رسولُ الله ◌َِّه
فيما بلغنا في القتيل يُوجد بين ظهراني دِيار قومٍ: أنَّ الأيمانَ على المدَّعى عليهم،
(١) أخرجه أحمد في ((المسند)) ٣٩/٣. و٨٩، وفي سنده عطية العوفي راويه عن أبي
سعيد الخدري، وهو ضعيف.
١

فإن نَكَلُوا، حُلِّفَ المدعون، واستحقُّوا، فإن نكل الفريقانِ، كانت الديةُ نِصفُها
على المدَّعى عليهم، وبطل النصفُ إذا لم يحلِفُوا(١).
وقد نص الإمام أحمد في رواية المروزي على القول بمثل رواية أبي سعيد،
فقال: قلت لأبي عبد الله: القومُ إذا أعطوا الشيء، فتبينوا أنه ظُلِمَ فيه قوم؟ فقال:
يُرد عليهم إن عُرِفَ القوم. قلت: فإن لم يُعرفوا؟ قال: يُفرَّق على مساكين ذلك
الموضع، فقلت: فما الحُجة في أن يُفرَّق على مساكين ذلك الموضع؟ فقال:
عمر بنُ الخطاب رضي الله عنه جعل الديةَ على أهل المكانِ يعني القرية التي وُجِدَ
فيها القتيل، فأراه قال: كما أن عليهم الدية هكذا يُفْرَّقُ فيهم، يعني: إذا ظُلِمَ قوم
منهم ولم يُعرفوا، فهذا عمر بن الخطاب رضي الله عنه قد قضى بموجب هذا
الحديث، وجعل الديةَ على أهل المكان الذي وُجِدَ فيه القتيلِ، واحتج به أحمد،
وجعل هذا أصلاً في تفريق المال الذي ظُلم فيه أهلُ ذلك المكان عليهم إذا لم
يُعرفوا بأعیانھم.
وأما الأثر الآخر، فمرسل لا تقومُ بمثله حجة، ولو صحَّ تعيَّن القولُ بمثله،
ولم تَجُز مخالفته، ولا يُخالف باب الدعاوي، ولا باب القسامة، فإنه ليس فيهم
لَوْتٌ (٢) ظاهر يُوجب تقديم المدعين، فيقدم المدَّعى عليهم في اليمين، فإذا
نَكَلُوا، قويَ جانبُ المدَّعين من وجهين: أحدهما: وجودُ القتيل بين ظهرانيهم.
والثاني: نكولُهم عن براءة ساحتهم باليمين، وهذا يقومُ مقامَ اللوثِ الظاهر،
فَيَحْلِفُ المدَّعون، ويستحقون، فإذا نكل الفريقانِ كلاهما، أورث ذلك شبهةً
مركبة من نكول كُلِّ واحد منهما، فلم ينهض ذلك سبباً لإِيجاب كمال الدية عليهم
(١) أخرجه عبد الرزاق في ((المصنف)) (١٨٢٩٠) عن ابن جريج قال: أخبرني
عبد العزيز بن عمر أن عمر ...
(٢) وفي حديث القسامة ذكر اللوث: وهو أن يشهد شاهد واحد على إقرار المقتول قبل
أن يموت: أن فلاناً قتلني، أو يشهد شاهدان على عداوة بينهما، أو تهديد منه له أو
نحو ذلك.
١٩

إذا لم يحلِف غرماؤهم، ولا إسقاطُها عنهم بالكلية حيث لم يحلِفُوا، فجعلت
الدية نصفين، ووجب نصفُها على المذَّعى عليهم لثبوت الشبهة في حقهم بترك
اليمين، ولم تَجِب عليهم بكمالها، لأن خُصومَهم لم يحلِفُوا، فلما كان اللوثُ
متركباً من يمين المدعين، ونكول المذَّعى عليهم، ولم يتمَّ، سقط ما يقابل أيمان
المدعين وهو النصفُ، ووجب ما يُقابل نكول المدَّعى عليهم وهو النصف، وهذا
مِن أحسن الأحكام وأعدلِها، وبالله التوفيق.
فصل
في قضائه ◌ِّ بتأخير القِصاصِ من الجُرح حتى يَنْدَمِلَ
ذكر عبد الرزاق في «مصنفه)) وغيرُه: من حديث ابن جريح، عن عمرو بن
شعيب قال: قضى رسولُ الله ◌ِّة في رجل طعن آخر بقرن في رجله، فقال: يا
رسول الله: أقِدْني، فقال: ((حَتَّى تَبْرَأَ جِرَاحُكَ))، فأبى الرجل إلاَّ أن يستقيده،
فأقاده النبيُّ ◌َّةَ، فصحَّ المستقادُ منه، وعرج المستقيد، فقال: عرجتُ وبرأ
صاحبي، فقال النبيُّ بَّهِ: ((أَلَمْ آَمُرْكَ أَن لا تَستَقْيدَ حَتَّى تَبْرأَ جِراحُكَ فَعَصَيْتَنِي،
فَأَبعدَكَ اللهُ وبطل عَرجك))، ثم أمر رسولُ الله ◌َّ من كان به جُرح بعد الرجل الذي
عَرَجَ أن لا يُستقاد منه حتى يبرأ جرح صاحبه. فالجراح على ما بلغ حتى يبرأ، فما
كان مِن عَرَج أو شللَ، فلا قود فيه، وهو عقل، ومن استقاد جرحاً فأصيب
المستقادُ منه، فعقل ما فضل من دِیته علی ◌ُرح صاحبه له(١).
قلت: الحديثُ في ((مسند الإمام أحمد)) من حديث عمرو بن شعيب، عن
أبيه، عن جدِّه متصل، أن رجلاً طعن بِقَرْن في رُكْبَتِهِ، فجاء إلى النبيِّ ◌َلّ فقال:
أقدني. فقال: ((حَتَّى تَبْرَأَ))، فقال: أَقِدْني. فأقاده، ثم جاء إليه، فقال: يا
(١) أخرجه عبد الرزاق في ((المصنف)) (١٧٩٩١) وأخرجه البيهقي ٦٨/٨، والدار قطني
٨٨/٣ من طريق محمد بن حمران عن ابن جريج، عن عمرو بن شعيب عن أبيه
عن جده وسنده حسن.
١٧

رسولَ الله! عرجتُ، فقال: ((قَدْ نَهَيْتُكَ فَعَصَيْتَنِي، فَأَبْعَدَكَ اللهُ وبَطَّلَ عَرْجَتَكَ))، ثم
نهى رسول الله ◌َّ أن يُقتصَّ مِن جُرح حتى يبَرأ صاحبه(١).
وفي سنن الدارقطني: عن جابر رضي الله عنه، أن رجلاً جُرِحَ، فأرادَ أَن
يستقيدَ، فنهى رسولُ اللهِّرَ أن يُستقاد مِن الجارِحِ حتى يبرَأْ المجروحُ(٢).
وقد تضمنت هذه الحكومةُ، أنه لا يجوز الاقتصاصُ مِن الجُرح حتى يستقرَّ
أمُرُه، إما باندمالٍ، أو بسِراية مستقرة، وأنَّ سراية الجناية مضمونة بالقود، وجوازٍ
القصاص في الضربة بالعصا والقَرن ونحوهما، ولا ناسخ لهذه الحكومة، ولا
مُعارِضَ لها، والذي نسخ بها تعجيلُ القصاص قبل الاندمال لا نفسُ القصاص
فتأمله، وأن المجني عليه إذا بادر واقتصَّ من الجاني، ثم سرتِ الجناية إلى عُضو
من أعضائه، أو إلى نفسه بعد القصاص، فالسرایةٌ هدر.
وأنه يُكتفى بالقصاص وحدَه دون تعزير الجاني وحبسِه، قال عطاء:
الجروحُ قِصاص، وليس للإِمام أن يضرِبَه ولا يسجِنه، إنما هو القصاص، وما
كان ربك نسياً، ولو شاء، لأمر بالضرب والسجن. وقال مالك: يُقتص منه
بحقِّ الآدمي، ويُعاقب لجرأته.
والجمهور يقولون: القصاصُ يُغني عن العقوبة الزائدة، فهو كالحدِّ إذا
أُقيم على المحدود، لم يحتج معه إلى عقوبة أخرى.
والمعاصي ثلاثة أنواع: نوعٌ عليه حدٍّ مقدّر، فلا يُجمع بينه وبين
أنواع المعاصي من حيث
العقوبة
(١) أخرجه أحمد ٢١٧/٢ ورجاله ثقات، وذكره الهيثمي في ((المجمع)) ٢٩٥/٦، ٢٩٦،
وقال: ورواه أحمد ورجاله ثقات، ويشهد له حديث جابر الآتي.
(٢) أخرجه الدارقطني ٨٨/٣ من حديث عبد الله بن عبد الله الأموي، عن ابن جريج
وعثمان بن الأسود، ويعقوب بن عطاء، عن أبي الزبير عن جابر، وهذا سند حسن
في الشواهد، وذكره الهيثمي في ((المجمع)) ٢٩٦/٦، وقال: رواه الطبراني في
((الأوسط)) وفيه محمد بن عبد الله بن نمران، وهو ضعيف، وضعفه ابن أبي حاتم في
((الجرح والتعديل)) ٣٠٧/٧ .
١٨

التعزير. ونوٌ لا حدَّ فيه، ولا كفارة، فهذا يُردع فيه بالتعزير، ونوع فيه
كفارة، ولا حد فيه، كالوطء في الإِحرام والصيام، فهل يُجمع فيه بين الكفارة
والتعزير؟ على قولي للعلماء، وهما وجهان لأصحاب أحمد، والقصاص
يجري مجرى الحدِّ، فلا يُجمع بينه وبين التعزير.
فصل
في قضائِهِ مَ﴾ بالقصاص في كسرِ السن
في ((الصحيحين)): من حديث أنس، أن ابنة النضر أختَ الرُّبَيِّعِ لطمَتْ
جَارِية، فكسرت سِنَّها، فاختصمُوا إلى النبيِّ يَّةَ، فأمر بالقِصَاصِ، فقالت أُم
الرُّبَيِّعِ: يا رسول الله! أَيقتص مِن فُلانة، لا والله لا يُقْتَصُ منها، فقال النبي أ :
((سُبْحَانَ اللهِ يَا أُمَّ الرُّبيِّعِ كِتَابُ اللهِ القِصَاصُ)»، فقالت: لا والله لا يُقتص منها أبداً،
فعفا القومُ، وقَبِلُوا الدية. فقال النبي ◌ََّ: ((إِنَّ مِنْ عِبَادِ اللهِ مَنْ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللهِ
لِأَبَرَُّ))(١).
فصل
في قضائه ﴿ ﴿ فيمن عضَّ يدَ رَجُلٍ، فانتزع يده من فيه،
فسقطت ثنية العاض بإهدارها
ثبت في ((الصحيحين)) أن رجلاً عضَّ يدَ رجل، فنزع يده من فيه، فوقعت
ثناياه، فاختصمُوا إلى النبيِّ وَّةَ، فقال: ((يَعَضُ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ كما يَعَضُّ الفَحْلُ، لا
دِيةَ لَكَ))(٢).
وقد تضمَّنتْ هذه الحكومةُ أن مَنْ خلَّص نَفسَه مِن يدِ ظالمٍ له، فَتَلِفَتْ نَفْسُ
(١) أخرجه البخاري ٢٢٤/٥ في الصلح: باب الصلح في الدية، ومسلم (١٦٧٥) في
القسامة: باب إثبات القصاص في الأسنان.
(٢) أخرجه البخاري ١٢/ ١٩٣، ١٩٤ في الديات: باب إذا عض الرجل فوقعت ثناياه،
ومسلم (١٦٧٣) من حديث عمران بن الحصين.
١٩

الظالم، أو شيءٌ مِنْ أطرافه أو مَالِهِ بذلك، فهو هَدْرٌ غَيْرُ مضمون.
فصل
في قضائه {قل﴾ فيمن اطلع في بيت رجُلِ بغير إذنه، فَحذَفَهُ
بِحَصَاةٍ أَو عُود، ففقأ عينه، فلا شيء عليه
ثبت في ((الصحيحين)) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي
قال: (لَوْ أَنَّ امرءاً اطَّلَعَ عَلَيْكَ بِغَيْرِ إِذْنِ، فَحَذَفْتَهُ بِحَصَاةٍ، فَفَقََّتْ عَيْنَهُ، لَمْ يَكُنْ
عَلَيْكَ جُنَاحٌ))(١).
وفي لفظ فيهما: ((مَنِ الطَّلَعَ في بَيْتِ قَوْمٍ بِغَيْرِ إِذْنِهِمْ، فَفَقَؤُوا عَيْنَهُ، فَلاَ دِيةَ
لَهُ ولا قِصَاص)»(٢).
وفيهما: أن رجلاً اطلعَ من جُحْرٍ في بعضِ حُجَرِ النبيِّ وَّةِ، فقام إليهِ
بِمِشْقَصٍ، وجعلَ يختِلهُ لِيطعنَه (٣)، فذهب إلى القول بهذه الحكومة، وإلى التي
قبلها فقهاءُ الحديث، منهم: الإِمامُ أحمد، والشافعي ولم يقل بها أبو حنيفة
ومالك.
فصل
وقضَى رسولُ اللهِ وَّل أن الحامِلَ إذا قَتَلَت عمداً لا تُقُتل حتى تضَعَ ما في
بطنها وحتَى تُكَفِّلَ وَلَدَهَا. ذكره ابن ماجه في ((سننه))(٤).
ما يفعل بالحامل إذا قتلت
عمداً
(١) أخرجه البخاري ٢١٦/١٢ في الديات: باب من اطلع في بيت قوم ففقؤوا عينه فلا
دية له، ومسلم (٢١٥٨) في الآداب: باب تحريم النظر في البيت وغيره.
(٢) هذا وهم من المؤلف رحمه الله، فإن هذه الرواية ليست في ((الصحيحين)) ولا في
أحدهما، وقد أخرجها أحمد في ((المسند)) ٣٨٥/٢، والنسائي ٦١/٨، وسندها
صحيح، صححها ابن حبان، وأخرجه مسلم في ((صحيحه)) (٢١٥٨) بلفظ ((من اطلع
في بيت قوم بغير إذنهم، فقد حل لهم أن يفقؤوا عينه)).
(٣) أخرجه البخاري ٢١/١١ و٢١٥/١٢، ومسلم (٢١٥٧).
(٤) أخرجه ابن ماجه (٢٦٩٤) في الديات: باب الحامل يجب عليها القود، وتمامه ((وإن=
٢٠