Indexed OCR Text

Pages 341-360

الطِّعَامِ))(١). والثريد: الخبز واللحم، قال الشاعر:
إِذَا مَا الخُبْزُ تَأْدِمُهُ بِلَحْم فَذَاكَ أَمَانَةَ اللهِالثَّرِيدُ(٢)
وقال الزهري: أَكلُ اللحم يَزِيدُ سبعين قوة. وقال محمد بن واسع: اللحم
يزيد في البصر، ويُروى عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه: ((كُلُوا اللَّحْمَ)) فَإِنَّهُ
يُصَفِّي اللَّوْنَ ويُخْمِصُ البَطْنَ، ويُحَسِّنُ الخُلُقَ) وقال نافع: كان ابن عمر إذا كان
رمضان لم يفته اللحم، وإذا سافر لم يفته اللحم، ويُذكر عن علي: من تركه
أربعين ليلة ساء خلقه.
وأما حديث عائشة رضي الله عنها، الذي رواه أبو دواد مرفوعاً: ((لاَ تَقْطَعُوا
اللَّحْمَ بالسّكِّين، فَإِنَّهُ مِنْ صَنِيعِ الأَعَاجِم، وانْهسُوهُ، فَإِنَّهُ أهناً وأمرأُ)(٣). فرده
الإمام أحمد بما صحَّ عنه ◌َُّ مِنْ قَطْعِهِ بالسُّکین في حدیثین، وقد تقدما.
واللحم أجناس یختلفُ باختلافِ أصوله وطبائعه، فنذکر حکم کل جنس
وطبعه ومنفعته و مضرته.
لحم الضأن: حار في الثانية، رطب في الأولى، جيده الحولي، يُولِّدُ الدم
المحمود القوي لمن جاد هضمه، يصلح لأصحاب الأمزجة الباردة والمعتدلة،
ولأهل الرياضات التامة في المواضع والفصول الباردة، نافع لأصحاب المِرة
السوداء، يُقوي الذهن والحفظ. ولحم الهَرِمِ والعجيفِ رديء، وكذلك لحمُ
لحم الضأن
(١) أخرجه البخاري ٣٢٠/٦، ٣٢١ و٨٣/٧ و٤٧٩/٩، ومسلم (٢٤٣١) من حديث أبي
موسى الأشعري رضي الله عنه.
(٢) لا يعرف قائله وأنشده سيبويه في ((الكتاب)) ٤٣٤/١ و١٤٤/٢ وهو في شرح
((المفصل)) ٩٢/٩ و١٠٢ و١٠٤ وفي ((اللسان)) أدم. ومعنى تأدمه: تخلطه، ونصب
((أمانة الله)) بإسقاط حرف الجر، والمعنى: أحلف بأمانة الله؟ وقال الزمخشري في
((المفصل)): وتحذف الباء فينصب المقسم بالفعل المضمر وأنشد البيت ..
(٣)
أخرجه أبو داود (٣٧٧٨) في الأطعمة: باب في أكل اللحم، وفي سنده أبو معشر
نجيح بن عبد الرحمن السندي، وهو ضعيف.
٣٤١

النِّعاج، وأجوده: لحمُ الذكر الأسود منه، فإنه أخف وألذ وأنفع، والخصي أنفعُ
وأجود، والأحمر من الحيوان السمين أخفُّ وأجودُ غذاءً، والجَذَعُ مِن المعز أقل
تغذية، ويطفو في المعدة.
وأفضل اللحم عائذه بالعظم، والأيمن أخف وأجود من الأيسر، والمقدم
أفضل من المؤخر، وكان أحبُّ الشاة إلى رسول الله وَّ مقدمها، وكل ما علا منه
سوى الرأس كان أخفَّ وأجود مما سَفَل، وأعطى الفرزدقُ رجلاً يشتري له لحماً
وقال له: خذ المقدم، وإياك والرأسَ والبطن، فإن الداء فيهما. ولحم العنق جيد
لذيذ، سريعُ الهضم خفيف، ولحم الذراع أخفُّ اللحم وألذُّه وألطفه وأبعدُه من
الأذى، وأسرعُه انهضاماً.
وفي (الصحيحين)): أنه كان يُعجب رسول الله وٍَّ(١): ولحم الظهر كثير
الغذاء، يولد دماً محموداً. وفي ((سنن ابن ماجه)) مرفوعاً: ((أَطْيَبُ اللَّحْمِ لَحْمُ
الظَّهْرِ))(٢) .
لحم المعز: قليل الحرارة، يابس، وخلطه المتولد منه ليس بفاضل وليس
بجيد الهضم، ولا محمود الغذاء. ولحم التيس رديء مطلقاً، شديد اليس، عَسِرُ
الانهضام، مولِّد للخلط السوداوي.
لحم المعز
قال الجاحظ: قال لي فاضل من الأطباء: يا أبا عثمان! إياك ولحمَ المعز،
فإنه يُورث الغم، ويُحرك السوداءَ، ويُورث النسيان، ويُفسد الدم، وهو والله يَخْبِلُ
الأولاد.
(١) أخرجه البخاري ٢٦٥/٦ في الأنبياء: با ، قول الله عز وجل (ولقد أرسلنا نوحاً إلى
قومه) ومسلم (١٩٤) في الإيمان: باب أدنى أهل الجنة منزلة فيها، وابن ماجه
(٣٣٠٧) في الأطعمة: باب أطايب اللحم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
(٢) أخرجه ابن ماجه (٣٣٠٨) في الأطعمة: باب أطايب اللحم، وأحمد ٢٠٤/١،
والحاكم ١١١/٤ وأبو الشيخ في ((أخلاق النبي ◌َّة)) ص ٢٠٠ وفي سنده مجهول.
٣٤٢

وقال بعض الأطباء: إنما المذمومُ منه المسن، ولا سيما للمسنين، ولا
رداءة فيه لمن اعتاده. وجالينوس جعل الحولي منه من الأغذية المعتدلة المعدّلة
للکیموس المحمود، وإناثه أنفعُ من ذكوره.
وقد روى النسائي في ((سنته)) عن النبي ◌َّله: «أَحْسِنُوا إلى المَاعِزِ وأَمِيطُوا
عَنْهَا الأَذَى فَإِنَّهَا مِنْ دَوَابِّ الجَنَّةِ))(١). وفي ثبوت هذا الحديث نظر. وحكم
الأطباء عليه بالمضرة حكم جزئي ليس بكلي عام، وهو بحسب المعدة الضعيفة،
والأمزجة الضعيفة التي لم تعتده، واعتادت المأكولات اللطيفة، وهؤلاء أهل
الرفاهية من أهل المدن، وهم القليلون من الناس.
لحم الجدي
لحم الجدي: قريب إلى الاعتدال، خاصةً ما دام رضيعاً، ولم يكن قريبَ
العهد بالولادة، وهو أسرعُ هضماً لِمَا فيه مِن قوة اللبن، ملين للطبع، موافق لأكثر
الناس في أكثر الأحوال، وهو ألطفُ مِن لحم الجمل، والدم المتولد عنه معتدل .
لحم البقر: بارد يابس، عَسِرُ الانهضام، بطيءُ الانحدار، يُولِّدُ دماً
سوداوياً، لا يصلُح إلا لأهلِ الكدِّ والتعب الشديد، ويُورث إدمانُه الأمراضَ
السوداوية، كالبهق والجرب، والقُوباء والجُذام، وداء الفيل، والسرطان،
والوسواس، وحمى الرِّبع، وكثير من الأورام، وهذا لمن لم يعتده، أو لم يدفع
ضرَره بالفُلفل والثُّوم والدارصيني، والزنجبيل ونحوه، وَذَكَرُه أقلُّ بُرودةَ، وأنثاه
أقلُّ ببساً. ولحم العجل ولا سيما السمينَ مِن أعدل الأغذية وأطيِها وألذها
وأحمدِهَا، وهو حار رطب، وإذا انهضم غذى غذاءً قوياً.
لحم البقر
لحم الفرس: ثبت في ((الصحيح)) عن أسماء رضي الله عنها قالت: نحرنا
فرساً فأكلناه على عهد رسول الله صل﴾(٢). وثبت عنه ◌َل﴾ أنه أذن في لحوم الخيل،
لحم الفرس
(١) لم نقف عليه، ولعله في ((سننه الكبرى)).
(٢) الأطعمة: باب لحوم الخيل، ومسلم (١٩٤٢) في الصيد: باب في أكل لحوم الخيل.
٣٤٣

ونهى عن لحوم الحُمُرِ أخرجاه في ((الصحيحين))(١).
ولا يثبت عنه حديثُ المقدام بن معدي كرب - رضي الله عنه - أنه نهى
عنه. قاله أبو داود وغيره من أهل الحديث(٢).
سبب اقتران الخيل معٍ
البغال والحمير في القران
واقترانه بالبغال والحمير في القرآن لا يدل على أن حكم لحمه حكمٌ
لحومها بوجه من الوجوه، كما لا يدُلُّ علَى أن حكمَها في السهم في الغنيمة حكم
الفرس، والله سبحانه يَقْرِنُ في الذِّكْرِ بين المتماثلات تارةً، وبينَ المختلفات،
وبين المتضادات، وليس في قوله: ﴿ لتركبوها﴾ [النحل: ٨]، ما يمنع مِن أكلها،
كما ليس فيه ما يمنعُ مِن غير الركوب من وجوه الانتفاع، وإنما نصَّ على أجل
منافعها، وهو الركوبُ، والحديثان في حِلها صحيحان لا مُعارضَ لهما، وبعد:
فلحمُهَا حار يابس، غليظٌ سوداوي مضر لا يصلح للأبدان اللطيفة.
لحم الجمل
لحم الجمل: فرق ما بين الرافضة وأهل السنة، كما أنه أحد الفروق بين
اليهود وأهل الإسلام، فاليهود والرافضة تَذُُّه ولا تأكله، وقد عُلِمَ بالاضطرار مِن
دين الإسلام حِلُّه، وطالما أكله رسولُ الله ◌ٍِ وأصحابه حضراً وسفراً.
ولحم الفصيل منه مِن ألذ اللحوم وأطيبها وأقواها غِذاءً، وهو لمن
اعتاده بمنزلة لحم الضأن لا يضرُّهم البتة، ولا يُولِّد لهم داء، وإنما ذمَّه بعضُ
الأطباء بالنسبة إلى أهل الرفاهية مِن أهل الحضر الذين لم يعتادوه، فإن فيه
علة الوضوء من أكل لحم حرارةً ويُيْساً، وتوليداً للسوداء، وهو عَسِرُ الانهضام، وفيه قوةٌ غيرُ محمودة،
الجمل
لأجلها أمر النبي عليه بالوضوء مِن أكله في حديثين صحيحين(٣) لا معارض
لهما، ولا يصح تأويلهُمَا بغسل اليد، لأنه خلافُ المعهود من الوضوء في
أخرجه البخاري ٥٥٩/٩، ومسلم (١٩٤١) من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنه.
(١)
(٢)
أخرجه أبو داود (٣٧٩٠) في الأطعمة: باب في أكل لحوم الخيل، وفي سنده بقية بن
الوليد، وهو كثير التدليس عن الضعفاء، وفيه صالح بن يحيى بن المقدام بن معدي
کرب، وهو لین، وقد عنعن.
(٣) تقدم تخريجهما.
٣٤

كلامه وَيّة، لتفريقه بينه وبين لحم الغنم، فخيَّر بين الوضوء وتركه منها،
وحثَّم الوضوء من لحوم الإبل. ولو حمل الوضوء على غسل اليد فقط،
لحمل على ذلك في قوله: ((مَنْ مَسَّ فَرْجَهُ فَلْيَتَوَضَّأْ))(١).
وأيضاً: فإن آكِلَهَا قد لا يباشر أكلها بيده بأن يوضع في فمه، فإن كان
وضؤوه غسلَ يده، فهو عبث، وحمل لكلام الشارع على غير معهوده وعرفه،
ولا يَصِحُّ معارضته بحديث: ((كان آخر الأمرين من رسول الله مَّ ترك الوضوء
مما مست النار)) لعدة أوجه :
الرد على من لم ير
الوضوء منه
أحدها: أن هذا عام، والأمر بالوضوء، منها خاص.
الثاني: أن الجهة مختلفة، فالأمر بالوضوء منها بجهة كونها لحم إبل
سواء كان نِيئاً، أو مطبوخاً، أو قديداً، ولا تأثيرَ للنار في الوضوء وأما تركُ
الوضوء مما مسَّتِ النار، ففيه بيانُ أن مَسَّ النارِ ليس بسبب للوضوء، فأينَ
أحدُهما مِن الآخر؟ هذا فيه إثباتُ سبب الوضوء، وهو كونُه لحمَ إبل، وهذا
فيه نفي لسبب الوضوء، وهو كونُه ممسوسَ النار، فلا تعارض بينهما بوجه.
الثالث: أن هذا ليس فيه حكايةُ لفظ عام عن صاحب الشرع، وإنما هو
إخبارٌ عن واقعة فعل في أمرين، أحدهما: متقدم على الآخر، كما جاء ذلك
مبيناً في نفس الحديث، أنهم قربوا إلى النبي ◌َّه لحماً، فأكل، ثم حضرتٍ
(١) أخرجه مالك ٤٢/١ وأحمد ٤٠٦/٦ وأبو داود (١٨١) والنسائي ١/ ١٠٠ وابن ماجه
(٤٧٩) والترمذي (٨٢) من حديث بسرة بنت صفوان وقال الترمذي: حسن صحيح،
وهو كما قال، وقد صححه غير واحد من الحفاظ، لكن الأمر في هذا الحديث
يحمل على الندب كما هو مذهب الحنفية لوجود الصارف عن الوجوب في حديث
طلحة بن علي أن النبي ◌َّ سئل عن مس الرجل ذكره، فقال: ((هل هو إلا مضغة أو
بضعة منه)) أخرجه أحمد ٢٢/٤، ٢٣ وأبو داود (١٨٢) والترمذي (٨٥) والنسائي
٣٨/١ وابن ماجه (٤٨٣) وإسناده صحيح، وصححه عمرو بن علي الفلاس، وابن
المديني، والطحاوي، وابن حبان (٢٠٧) وابن حزم.
٣٤٥

الصلاة، فتوضأ فصلى، ثم قرَّبوا إليه فأكل، ثم صلَّى، ولم يتوضأ، فكان
آخِرُ الأمرين منه تركَ الوضوءِ مما مسَّت النارُ، هكذا جاء الحديثُ، فاختصره
الراوي لمكان الاستدلالِ، فأين في هذا ما يصلُح لنسخ الأمر بالوضوء منه،
حتى لو كان لفظاً عاماً متأخراً مقاوماً، لم يصلح للنسخ، ووجب تقديمُ
الخاص عليه، وهذا في غاية الظهور.
لحم الضب: تقدَّم الحديثُ في حِله، ولحمه حار يابس، يُقوي شهوة
الجماع .
لحم الضب
لحم الغزال
لحم الغزال: الغزال أصلحُ الصيد وأحمدُه لحماً، وهو حارٌ يابس،
وقيل: معتدل جداً، نافع للأبدان المعتدلة الصحيحة، وجيده الخِشْف.
لحم الظبي
لحم الظبي: حار يابس في الأولى، مجفِّف للبدن، صالح للأبدان
الرطبة. قال صاحب ((القانون)): وأفضلُ لحومِ الوحش لحمُ الظبي مع ميله
إلى السوداوية .
لحم الأرانب
لحم الأرانب: ثبت في ((الصحيحين)): عن أنس بن مالك قال أنفجنا
أرنباً فَسَعَوْا في طلبها، فأخذوها، فبعث أبو طلحة بِوَرِكِهَا إلى رسول الله ◌ِيّ.
فَقَبِلَهُ(١).
لحم الأرنب: معتدل إلى الحرارة واليبوسة، وأطيبُهَا وَرِكُهَا، وأحمدُهُ
أكلُ لحمها مشوياً، وهو يعقِل البطن، ويُدِرُّ البول، ويُفِّت الحصى، وأكل
رؤوسها ينفعُ مِن الرعشة.
لحم حمار الوحش: ثبت في ((الصحيحين)): من حديث أبي قتادة
رضي الله عنه، أنهم كانُوا مع رسولِ اللهِ رَّ في بعض عُمَرِهِ، وأنه صادَ حِمَارَ
لحم حمار الوحش
(١) أخرجه البخاري ٩/ ٥٧٠ في الصيد: باب الأرنب، ومسلم (١٩٥٣) في الصيد: باب
إباحة الأرنب .
٣٤٦

وحش، فأمرَهُم النبيُّ ◌َلَ بأكله وكانُوا محرمين، ولم يكن أبو قتادة
محرماً(١).
وفي ((سنن ابن ماجه)): عن جابر قال: أكلنا زمنَ خيبرَ الخيلَ وحُمُرَ
الوحش(٢) .
لحمه حار يابس، كثيرُ التغذية، مولد دماً غليظاً سوداوياً، إلا أن شحمَه
نافع مع دُهن القُسط لوجع الظهر والريح الغليظة المرخية للكُلى، وشحمُه
جيد لِلكَلَفِ طِلاء، وبالجملة فلحومُ الوحوش كُلُّهَا تولد دماً غليظاً سوداوياً
وأحمدُه الغزال، وبعده الأرنب.
لحم الوحوش
لحوم الأجِنَّةِ: غير محمودة لاحتقان الدم فيها، وليست بحرام،
لقوله مَ ◌ّ: ((ذَكَاةُ الجَنِين ذَكَاةُ أُمِّهِ))!(٣).
لحوم الأجنة وحكم أكلها
ومنع أهلُ العِراقِ مِن أكله إلا أن يُدْرِكَه حيّاً فيُذَّكيه، وأوَّلوا الحديثَ
على أن المراد به أن ذكاته كذكاة أمه. قالوا: فهو حجة على التحريم، وهذا
فاسد، فإن أول الحديث أنهم سألوا رسولَ اللهِ﴿ فقالُوا: يا رسولَ اللَّهِ! نذبح
الشاة، فنجد في بطنها جنيناً أفنأكلهُ؟ فقال: ((كُلُوهُ إنْ شِئْتُمْ فَإِنَّ ذَكَاتَهُ ذَكَاةُ
أُمِِّ».
وأيضاً: فالقياسُ يقتضي حِلَّهُ، فإنه ما دامَ حَمْلاً فهو جزء من أجزاء
الأم، فذكاتُهَا ذكاةٌ لجميع أجزائها، وهذا هو الذي أشار إليه صاحبُ الشرع
(١) تقدم تخريجه في هديه الر في الحج.
(٢) أخرجه ابن ماجه (٣١٩١) في الذبائح: باب لحوم الخيل، وإسناده قوي.
(٣) حديث صحيح بطرقه وشواهده، أخرجه من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه
أبو داود (٢٨٢٧) وأحمد ٣١/٣ و٣٩ و٤٥ و٥٣ وابن ماجه (٣١٩٩) والترمذي
(١٤٧٦) وحسنه، وصححه ابن حبان (١٠٧٧) وفي الباب عن جابر، وأبي هريرة،
وابن عمر، وأبي أيوب، وابن مسعود وابن عباس، وكعب بن مالك، وأبي الدرداء،
وأبي أمامة، خرجها كلها في ((نصب الراية)) ١٨٩/٤ - ١٩١ الحافظ الزيلعي.
٣٤٧

بقوله: ((ذكاتُه ذكاةُ أمه)) كما تكون ذكاتها ذكاةَ سائر أجزائها، فلو لم تأتِ عنه
السنة الصريحة بأکله، لکان القیاسُ الصحیحُ يقتضي حِله.
لحم القديد
لحم القديد: في ((السنن)) من حديث ثوبان رضي الله عنه قال: ذبحت
لرسولِ اللهِ﴾ شاةً ونحن مسافرون، فقال: ((أَصْلِحْ لَحْمَهَا)) فلم أزل أطعِمُه
منه إلى المدينة (١).
القديدُ: أنفع من النمكسود، ويُقوي الأبدان، ويُحدثُ حِكة، ودفع
ضرره بالأبازير الباردة الرطبة، ويصلُح الأمزجة الحارة والنمكسود(٢): حار
يابس مجفُّف، جيّدُه من السمين الرطب، يضرُّ بالقولنج، ودفع مضرته طبخه
باللبن والدهن، ويصلح للمزاج الحار الرطب.
فصل
في لحوم الطير
قال الله تعالى: ﴿وَلَحْم ◌َطَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ﴾ [الواقعة: ٢١].
وفي ((مسند البزار)) وغيره مرفوعاً ((إِنَّكَ لَتَنْظُرُ إِلىَ الطَّيْرِ في الجَنَّةِ، فَتَشْتَهِيهِ،
فَيَخِرُ مَشْوِيّاً بَيْنَ يَدَيْكَ))(٣).
ومنه حلال، ومنه حرام. فالحرام: ذو المخلب، كالصَّقرِ والبَازي
الحرام من الطيور
(١) أخرجه أبو داود (٢٨١٤) في الأضاحي: باب في المسافر يضحي، ومسلم (١٩٧٥)
في الأضاحي: باب بيان ما كان من النهي عن لحوم الأضاحي ...
(٢) انظر صفحة ٣١٦.
(٣) أخرجه المؤلف في ((حادي الأرواح)) ص ١١٩، وابن كثير ٢٨٧/٤ من طريق
الحسن بن عرفة، حدثنا خلف بن خليفة، عن حميد الأعرج، عن عبد الله بن
الحارث، عن ابن مسعود. وحميد بن الأعرج هو ابن عطاء ضعفه غير واحد، وقال
ابن حبان: يروي عن ابن الحارث، عن ابن مسعود نسخة كأنها كلها موضوعة.
٣٤٨

والشَّاهين، وما يأكلُ الجيف كالنَّسْرِ والرَّخَم واللَّقْلَقَ والعَقْعَقِ والغُراب الأبقع
والأسود الكبير، وما نُهي عن قتله كالهُدْهُدِ والصُّرَدِ، وما أُمِرَ بقتله كالحدَأة
والغُراب.
والحلال أصناف كثيرة، فمنه الدجاجُ، ففي ((الصحيحين)): من حديث أبي
موسى، أن النبيَّ ◌َ﴿ أكل لحمَ الدَّجَاجِ(١).
لحم الدجاج
وهو حار رطب في الأولى، خفيفٌ على المعدة، سريعُ الهضم، جيدُ
الخَلْطِ، يزيد في الدماغ والمني، ويُصفي الصوت، ويَحسِّنُ اللون، ويُقوي
العقل، ويُولد دماً جيداً، وهو مائل إلى الرطوبة، ويقال: إن مداومَة أكله تُورث
النِّقرس، ولا يثبت ذلك.
لحم الديك
ولحم الديك أسخن مزاجاً، وأقلُّ رطوبة، والعتيق منه دواء ينفع القُولنج
والربو والرِّياح الغليظة إذا طُبِخَ بماء القُرْطُم(٢) والشِّبْث، وخصيُّهَا محمودُ الغِذَاء،
سريعُ الانهضام، والفراريج سريعة الهضم، ملينة للطبع، والدّمُ المتولد منها دمٌ
لطيف جید .
لحم الدُّرَّاج: حار يابس في الثانية، خفيفٌ لطيف، سريعُ الانهضام، مولِّد
للدم المعتدل، والإكثارُ منه يُحِدُّ البصر.
لحم الدراج
لحم الحَجَل: يولد الدم الجيد، سريع الانهضام.
لحم الحجل
لحم الإِوزِّ: حار يابس، رديء الغذاء إذا اعتيد وليس بكثير الفضول.
لحم الاوز
لحم البط
لحم البَطُّ: حار رطب، كثيرُ الفضول، عَسِرُ الانهضام، غيرُ موافق للمعدة.
لحم الحُبارى: في ((السنن)). من حديث بُرَيْهِ بن عمر بن سفينة، عن أبيه،
لحم الحبارى
(١) أخرجه البخاري ٥٥٦/٩، ٥٥٧ في الذبائح: باب الدجاج، ومسلم (١٦٤٩) (٩)
في الأيمان: باب ندب من حلف يميناً فرأى غيرها خيراً منها.
(٢) القرطم: هو حب العصفر، والشبت: بقلة.
٣٤٩

عن جدِّه رضي الله عنه قال: أَكلتُ مع رسول الله ◌َّ لَحْمَ حُبارى(١).
وهو حار يابس، عَسِرُ الانهضامِ، نافعٌ لأصحاب الرياضة والتعب.
لحم الكركي
لحم الكركي: يابس خفيف، وفي حرِّه وبرده خلاف، يولِّد دماً سوداوياً،
ويصلُح لأصحاب الكد والتعب، وينبغي أن يُترك بعد ذبحه يوماً أو يومين، ثم
يؤكل.
لحم العصافير والقنابر
لحم العصافير والقَنَابر: روى النسائي في ((سننه)): من حديث عبد الله بن
عمرو رضي الله عنه، أن النبي ◌َّه قال: ((مَا مِنْ إنْسَانِ يَقْتُلُ عُصْفُوراً فَمَا فَوْقَهُ بِغَيْرِ
حقِّهِ إِلَّ سَأَلَهُ الله عَزَّ وجَلَّ عنها. قيل: يا رسول الله! وما حقه؟ قال: ((تَذْبَحُه
فَتَأْكُلُهُ، ولا تَقْطَعُ رَأْسهُ وتَرْمي به))(٢).
وفي ((سننه)) أيضاً: عن عمرو بن الشريد، عن أبيه قال: سمعتُ
رسولَ الله ◌ُ له يقول: ((مَنْ قَتَلَ عُصْفُوراً عَبَثاً، عَج إلى اللهِ يَقُولُ: يَا رَبِّ إنَّ فُلاناً
قَتَلَنِي، عَبَثاً، ولَمْ يَقْتُلْنِي لِمَنْفَعَةٍ))(٣).
ولحمه حار يابس، عاقِلٌ للطبيعة، يزيدُ في الباه، ومرقُه يُلين الطبع، وينفع
المفاصِل، وإذا أُكِلَتْ أدمغتها بالزنجبيل والبصل، هيَّجَتْ شهوَة الجماع، وخَلطها
غیر محمود.
(١) أخرجه أبو داود (٣٧٩٧) والترمذي (١٨٢٩) وسنده ضعيف.
(٢) أخرجه النسائي ٧/ ٢٠٧ في الصيد: باب إباحة أكل العصافير، و٢٣٩/٧ باب من
قتل عصفوراً بغير حقها، والشافعي ٤٣٩/٢، ٤٤٠ وأحمد (٦٥٥٠) و(٦٥٥١)
والدارمي ٨٤/٢ والطيالسي (٢٢٧٩) من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص
رضي الله عنهما، وفي سنده صهيب مولى ابن عامر لم يوثقه غير ابن حبان، وباقي
رجاله ثقات. لكن يشهد له حديث عمرو بن الشريد عن أبيه الآتي فيتقوى به.
(٣) أخرجه أحمد ٣٨٩/٤ والنسائي ٢٣٩/٧ ورجاله ثقات، خلا صالح بن دينار، فإنه
لم يوثقه غير ابن حبان، لكن الحديث حسن بما قبله.
٣٥٠

لحم الحمام
لحم الحَمَام: حار رطب، وحشتُّه أقل رطوبة، وفراخه أرطب خاصية، وما
رُبِّي في الدور وناهضه أخف لحماً، وأحمدُ غذاء، ولحمُ ذكورها شفاءٌ من
الاسترخاء والخَدَرِ والسَّكتة والرِّعشة، وكذلك شَمُّ رائحة أنفاسها، وأكلُ فِراخها
معينٌ على النساء، وهو جيِّد للكُلى، يزيدُ في الدم، وقد روي فيها حديث باطل لا
أصل له عن رسول الله ص18: أن رجلاً شكى إليه الوحدة، فقال: «انَّخِذْ زَوْجاً مِنَ
الحَمَامِ))(١). وأجودُ من هذا الحديث أنه يََّ رأى رجلاً يتبعُ حمامة، فقال:
شيطان يَتْبَعُ شَيْطَانَةٌ(٢).
وكان عثمان بن عفان رضي الله عنه في خطبته يأمر بقتل الكلاب وذبح
الحمام.
لحم القطا
لحم القَطَا: يابس، يُولِّد السوداء، ويحبِسُ الطبع، وهو مِن شر الغذاء، إلا
أنه ينفع من الاستسقاء.
لحم السمانى
لحم السُّمَانى: حار يابس، ينفعُ المفاصل، ويضُرُّ بالكبد الحار، ودفعُ
مضرته بالخل والكُسْفُرَة، وينبغي أن يُجتنب مِن لحوم الطير ما كان في الآجام
والمواضِعِ العفنة، ولحومُ الطير كلها أسرُ انهضاماً من المواشي، وأسرعُها
انهضاماً، أقلُّهَا غذاءً، وهي الرقاب والأجنحة، وأدمغتها أحمد من أدمغة
المواشي.
الجراد
الجراد: في ((الصحيحين)): عن عبد الله بن أبي أوفى قال: غزونا مع
رسول الله ◌َّ سَبْعَ غَزواتٍ نَأكُلُ الجَرَادَ(٣).
(١) انظر ((المنار المنيف)) للمؤلف ص ١٠٦ .
(٢) أخرجه أبو داود (٤٩٤٠) في الأدب: باب اللعب بالحمام، وابن ماجه (٣٧٦٥)
وأحمد ٣٤٥/٢ والبخاري في ((الأدب المفرد)) رقم (١٣٠٠) من حديث أبي هريرة
رضي الله عنه، وسنده حسن وصححه ابن حبان (٢٠٠٦).
(٣) تقدم تخريجه.
٣٥١

ز
وفي ((المسند)) عنه: ((أُحِلَّتْ لَنَا مَيْتَتَانِ ودَمانِ: الحُوتُ والجَرَادُ، والكَبِدُ
والطحال)). يُروى مرفوعاً وموقوفاً على ابن عمر رضي الله عنه (١).
وهو حار يابس، قليل الغذاء، وإدامة أكله تُورث الهزال، وإذا تُبُخِّرَ به نفع
من تقطير البول وعُسرِهِ، وخصوصاً للنساء، ويُتبخّر به للبواسير، وسِمانه يُشوى
ويؤكل للسع العقرب، وهو ضار لأصحابِ الصَّرع، رديء الخَلط، وفي إباحة
ميتته بلا سبب قولان، فالجمهور على حِلِّه، وحرمه مالك، ولا خلافَ في إباحة
ميتته إذا مات بسبب، كالكبس والتحريق ونحوه(٢).
فصل
ضرر المداومة على اللحم
وينبغي أن لا يُداوم على أكل اللحم، فإنه يُورث الأمراض الدموية
والامتلائية، والحميات الحادَّة، وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: إياكم
واللحم، فإن له ضَراوةً كضراوة الخمر، ذكره مالك في ((الموطأ)» عنه(٣). وقال
أبقراط: لا تجعلُوا أجوافَكم مقبرةً للحيوان.
اللبن
اللبن: قال اللَّهُ تعالى: ﴿وَإِنَّ لَكُمْ فِي الأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا في بُطُونِهِ
مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنَا خَالِصاً سَائغاً لِلشَّارِبِينَ﴾ [النحل: ٦٦] وقال في الجنة:
﴿فيها أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آَسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ﴾ [محمد: ١٥]. وفي
((السنن)) مرفوعاً: ((مَنْ أَطْعَمَهُ اللهِ طَعَاماً فَلْيَقُلْ: اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِيهِ، وارْزُقْنَا خَيْراً
مِنْهُ، ومَنْ سَقَاهُ الله لَبَناً، فَلْيَقُلْ: اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِيهِ، وزِدْنَا مِنْهُ، فَإِنِّي لاَ أَعْلَمُ ما
(١) تقدم تخريجه ص٢٩٩، وأن الصحيح وقفه، وله حكم المرفوع، لأنه مما لا يقال
مثله بالرأي.
(٢) انظر ((المغني)) ٥٧٢/٨ و٥٧٣ لابن قدامة المقدسي.
(٣) أخرجه مالك في ((الموطأ)) ٩٣٥/٢ في صفة النبي ◌َّ: باب ما جاء في أكل اللحم،
وفي سنده انقطاع.
٣٥٢

يُجْزِىء مِنَ الطَّعَامِ والشَّرَابِ إِلاَّ اللَّبَن)(١) .
اللبن: وإن كان بسيطاً في الحس، إلا أنه مركب في أَصل الخِلقة تركيباً
طبيعياً مِن جواهر ثلاثة: الجبنية، والسمنية، والمائية، فالجبنية: باردة رطبة،
مغذِّية للبدن، والسمنية: معتدلة الحرارة والرطوبة ملائمة للبدن الإنساني
الصحيح، كثيرةُ المنافع، والمائية: حارة رطبة، مطلقة للطبيعة، مرطِّبة للبدن،
واللبنُ على الإطلاق أبردُ وأرطبُ مِن المعتدل.
وقيل: قوته عند حلبه الحرارةُ والرطوبةُ، وقيل: معتدل في الحرارة
والبرودة.
وأجودُ ما يكون اللبن حين يُحلب، ثم لا يزال تنقصُ جودتُه على ممر
الساعات، فيكونُ حين يُحلب أقلَّ برودة، وأكثرَ رطوبة، والحامض بالعكس،
ويُختار اللبن بعد الولادة بأربعين يوماً، وأجودُه ما اشتد بياضُه، وطاب ريحُه،
ولذَّ طعمُه، وكان فيه حلاوةٌ يسيرة، ودُسومةٌ معتدلة، واعتدل قِوامه في الرِّقة
والغِلَظِ، وحُلِبَ من حيوان فتي صحيح، معتدل اللحم، محمودِ المرعى
والمشرب.
وهو محمودٌ يولِّد دماً جيداً، ويرطِّب البدنَ اليابس، ويغذو غِذاءً حسناً،
وينفع مِن الوسواس والغم والأمراض السوداوية، وإذا شُرِبَ مع العسل نقى
القروح الباطنة من الأخلاط العفنة، وشُربه مع السكر يحسّنُ اللون جداً،
والحليب يتدارك ضرر الجماع، ويُوافق الصدر والرئة، جيد لأصحاب السل،
رديء للرأس والمعدة، والكبد والطحال، والإكثار منه مضر بالأسنان واللّثَة،
ولذلك ينبغي أن يتمضمض بعدَه بالماء، وفي ((الصحيحين)): أن النبي صلّ شرب
لبناً، ثم دعا بماء فتمضمض وقال: ((إنَّ لَهُ دَسَمَاً)(٢).
(١) تقدم تخريجه ص٢١٧، وهو حسن، أخرجه أحمد وغيره.
(٢) أخرجه البخاري ٢٧٠/١ في الوضوء: باب هل يمضمض من اللبن، ومسلم (٣٥٨)=
٣٥٣
زاد المعاد ج ٤-م١٢

وهو رديء للمحمومين، وأصحاب الصُّداع، مؤذٍ للدماغ، والرأس
الضعيف، والمداومةُ عليه تُحدث ظلمة البصر والغشاء، ووجع المفاصل،
وسُدة الكبد، والنفخ في المعدة والأحشاء، وإصلاحُه بالعسل والزنجبيل
المربى ونحوه، وهذا كُلُّهُ لمن لم يعتده.
لبن الضان
لبن الضأن: أغلظُ الألبان وأرطبُهَا، وفيه من الدسُومة والزُّهومة ما ليس
في لبن الماعِز والبقر، يُولِّدُ فضولاً بلغميّاً، ويُحدِث في الجلد بياضاً إذا أدمن
استعماله، ولذلك ينبغي أن يُشاب هذا اللبُن بالماء ليكون ما نالَ البدنُ منه
أقل، وتسكينُه للعطش أسرع، وتبريدُه أكثر.
لبن المعز: لطيف معتدل، مطلق للبطن، مرطُّب للبدن اليابس، نافع
مِن قروح الحلق، والسعال اليابس، ونفث الدم.
لبن المعز
واللبن المطلقُ أنفعُ المشروبات للبدن الإنساني لما اجتمع فيه من
التغذية والدَّموية، ولاعتياده حالَ الطفولية، وموافقته للفطرة الأصلية، وفي
(الصحيحين)): أن رسولَ الله ◌َ﴿ أُتِي لَيْلَةَ أُسْريَ بِهِ بِقَدَحٍ مِنْ خَمْرٍ، وقَدَحٍ مِنْ
لَبَنٍ، فنظر إليهما، ثم أخذ اللبنَ، فقال جبريل: الحمدُ لِلّهِ الَّذِي هَدَاكَ
لِلْفِطْرَةِ، لَوْ أَخَذْتَ الخَمْرَ، غَوَتْ أُمَنُكَ)) (١). والحامض منه بطيء الاستمراء،
خامُ الخِلط، والمعدة الحارة تهضِمُهُ وتنتفعُ به.
لبن البقر
لبن البقر: يغذو البدن، ويُخصبه، ويطلق البطن باعتدال، وهو من
أعدل الألبان وأفضلها بين لبن الضأن، ولبن المعز في الرقة والغِلظ والدَّسم،
وفي ((السنن)): من حديث عبد الله بن مسعود يرفعه: ((﴿عَلَيْكُم بِاَلْبَانِ البَقَر،
==
في الحيض: باب نسخ الوضوء مما مست النار، من حديث ابن عباس رضي الله
عنه .
(١) تقدم تخريجه.
٣٥٤

فَإِنَّهَا تَرُمُ مِنْ كُلِّ الشَّجَرِ﴾(١).
لبن الإبل
لبن الإبل: تقدم ذكره في أول الفصل، وذكر منافعه، فلا حاجة
لإعادته.
لُبَان: هو الكُنْدُرُ: قد ورد فيه عن النبي ◌ََّ: ((بَخِّرُوا بُيُوتَكُم باللبان
والصَّعْتَرِ)) ولا يصِحُّ عنه، ولكن يُروى عن علي أنه قال لرجل شكا إليه
النسيانَ: عليكَ باللُّبان، فإنه يُشَجِّع القلبَ، ويَذْهَبُ بالنِّسيان. ويُذكر عن ابن
عباس رضي الله عنهما أن شُربه مع السُّكَّر على الريق جيدٌ للبول والنِّسيان.
ويُذكر عن أنس رضي الله عنه، أنه شكا إليه رجل النسيان، فقال: عليكَ
بالكُنْدُر وانقَعْهُ مِن الليل، فإذا أصبحت، فَخُذْ مِنه شربةً على الريق، فإنه جَيِّدٌ
للنسيان .
بيان فائدته لطرد
النسيان
ولهذا سبب طبيعي ظاهر، فإن النسيانَ إذا كان لِسوء مزاج بارد رطب
يغلبُ على الدماغ، فلا يحفَظُ ما ينطبعُ فيه، نفع مِنه اللُّبان، وأما إذا كان
النسيانُ لغلبة شيء عارض، أمكن زوالُه سريعاً بالمرطبات. والفرق بينهما أن
اليبوسيَّ يتبعه سهر، وحفظ الأمور الماضية دون الحالية، والرُّطوبي بالعكس.
وقد يُحدِثُ النسيانَ أشياءُ بالخاصية، كحجامة نُقْرة القفا، وإدمانٍ أكل
الكُسْفُرَة الرطبة، والتفاحِ الحامض، وكثرةِ الهمِّ والغم، والنظرِ في الماء
الواقف، والبولِ فيه، والنظر إلى المصلوب، والإكثار من قراءة ألواح القُبور،
والمشي بين جملين مقطورين، وإلقاء القملِ في الحياض وأكل سؤر الفأر،
وأكثُر هذا معروف بالتجربه(٢).
(١) لم يخرجه أحد من أصحاب السنن، فهو وهم من المؤلف رحمه الله، وإنما هو في
((المستدرك)» ١٩٧/٤ وهو حديث حسن.
(٢) هذا من طب المشعوذين الذي يروج عند العوام، ولشدة غلبة الوهم عليهم يظنونه =
٣٥٥

والمقصود: أن اللُّبان مسخِّن في الدرجة الثانية، ومجفِّف في الأولى،
وفيه قبض يسير، وهو كثير المنافع، قليل المضار، فمن منافعه: أن ينفع مِن
قذف الدم ونزفه، ووجع المعدة، واستطلاق البطن، ويهضِمُ الطعام، ويطْرُدُ
الرياح، ويجلُو قروح العين، ويُثبت اللحم في سائر القروح، ويُقوي المعدة
الضعيفة، ويُسخنها، ويُجفف البلغم، وينشف رطوبات الصدر، ويجلو ظلمة
البصر، ويمنع القروح الخبيثة من الانتشار، وإذا مُضِغَ وحدَه، أو مع الصَّعتر
الفارسي جلب البلغم، ونفع من اعتقال اللسان، ويزيدُ في الذهن ويُذکیه،
وإن بُخِّرَ به ماء، نفع من الوباء، وطيَّبَ رائحة الهواء.
حرف الميم
ماء : مادةُ الحياة، وسيِّدُ الشراب، وأحدُ أركان العالم، بل ركنُه الأصلي،
فإن السماواتِ خُلِقَت من بُخَارِهِ، والأرض مِن زبده، وقد جعل الله منه كُلَّ شيء
حي.
وقد اختُلِفَ فيه: هل يغذو، أو يُنفذ الغذاء فقط؟ على قولين، وقد تقدما،
وذكرنا القول الراجح ودليله.
وهو بارد رطب، يقمعُ الحرارة، ويحفظ على البدن رطوباته، ويرد عليه
بدلَ ما تحلَّل منه، ويُرقِّق الغذاء، ويُنفذه في العروق.
وتعتبر جودةُ الماء من عشرة طرق :
اختبار جودة الماء
أحدها: من لونه بأن يكون صافياً.
الثاني: من رائحته بأن لا تكون له رائحة البتة.
=
تجارب، ورحم الله المؤلف فقد طالما حذر من مثل هذا.
٣٥٦

الثالث: من طعمه بأن يكون عذبَ الطعم حُلوَه، كماء النيل والفرات.
الرابع: من وزنه بأن يكون خفيفاً رقيقَ القوام.
الخامس: من مجراه. بأن يكون طيِّبَ المجرى والمسلك.
السادس: من منبعه بأن يكون بعيدَ المنبع .
السابع: من بُروزه للشمس والريح، بأن لا يكون مختفياً تحت الأرض، فلا
تتمكن الشمس والريح من قُصارته.
الثامن: من حركته بأن يكونَ سريع الجري والحركة.
التاسع: مِن كثرته بأن يكون له كثرة يدفع الفضلاتِ المخالطة له.
العاشر: مِن مصبه بأن يكون آخذاً مِن الشمال إلى الجنوب، أو مِن المغرب
إلى المشرق .
وإذا اعتبرت هذه الأوصاف، لم تجدها بكمالها إلا في الأنهار الأربعة:
النيلِ، والفرات، وسيحونَ، وجيحونَ.
وفي ((الصحيحين)): من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال
رسولُ الله ◌َّ: ((سَيْحَانُ، وجَيْحَانُ، والنِّيلُ، والفُراتُ، كُلٌّ من أنْهَارِ الجَنَّةِ)) (١).
وتعتبر خِفة الماء مِن ثلاثة أوجه، أحدها: سرعة قبوله للحر والبرد، قال
أبقراط: الماء الذي يسخُن سريعاً، ويبرُد سريعاً أخف المياه. الثاني: بالميزان،
الثالث: أن تُبَل قُطنتان متساويتا الوزنِ بماءين مختلفين، ثم يُجففا بالغاً، ثم
توزنا، فأيتهما كانت أخفَّ، فماؤها كذلك.
اختبار خفة الماء
(١) أخرجه مسلم (٢٨٣٩) في الجنة وصفة نعيمها: باب ما في الدنيا من أنهار الجنة،
وقد وهم المصنف رحمه الله في عزوه إلى البخاري، فإنه لم يخرجه.
٣٥٧ .

والماء وإن كان في الأصل بارداً رطباً، فإن قوته تنتقِلُ وتتغيّرُ لأسباب
عارضة تُوجب انتقالها، فإن الماءَ المكشوفَ للشّمال المستورَ عن الجهات الأخر
يكون بارداً، وفيه يبس مكتسب من ريح الشمال، وكذلك الحكمُ على سائر
الجهات الأخر .
والماءُ الذي ينبُع مِن المعادن يكونُ على طبيعة ذلك المَعْدِنِ، ويُؤْثِّر في
البدن تأثيره، والماءُ العذب نافع للمرضى والأصحاء، والباردُ منه أنفعُ وألذ، ولا
ينبغي شربُه على الريق، ولا عقيبَ الجماع، ولا الانتباه مِن النوم، ولا عقيبَ
الحمَّام، ولا عقيبَ أكل الفاكهة، وقد تقدم. وأما على الطعام، فلا بأس به إذا
اضطر إليه، بل يتعيَّنُ ولا يُكثر منه، بل يتمصَّصُه مصّاً، فإنه لا يضرُّه البتة، بل
يقوي المعدة، ويُنهض الشهوة، ويُزيل العطش.
والماء الفاتر ينفخ ويفعل ضِدَّ ما ذكرناه، وبائتُه أجودُ مِن طريِّه وقد تقدم.
والباردُ ينفع من داخل أكثرَ مِن نفعه من خارج، والحارُّ بالعكس، وينفعُ الباردُ مِن
عفونة الدم، وصعود الأبخرة إلى الرأس، ويدفع العفوناتِ، ويُوافق الأمزجةَ
والأسنان والأزمانَ والأماكنَ الحارة، ويضر على كل حالة تحتاج إلى نضج
وتحليل، كالزكام والأورام، والشديدُ البرودة منهُ يُؤذي الأسنان، والإدمانُ عليه
يُحدث انفجارَ الدم والنزلات، وأوجاعَ الصدر.
والبارد والحار بإفراط ضاران للعصب ولأكثر الأعضاء، لأن أحدَهما
محلل، والآخر مُكثِّف، والماء الحار يسكن لذع الأخلاط الحادة، ويُحلِّل
ويُنضج، ويُخرج الفضول، ويرطِّب ويُسَخن، ويُفسد الهضم شربُه، ويطفو
بالطعام إلى أعلى المعدة ويُرخيها، ولا يُسرع في تسكين العطش، ويُذبل البدن،
ويُؤدي إلى أمراض رديئة، ويضرُّ في أكثر الأمراض على أنه صالح للشيوخ،
وأصحاب الصَّرْعِ، والصُّداع البارد، والرمد. وأنفعُ ما استعمل مِن خارج.
ولا يَصِحُّ في الماء المسخَّن بالشمس حديث ولا أثر، ولا كرهه أحدٌ مِن
الماء المشمس
٣٥٨

قدماء الأطباء، ولا عابوه، والشديدُ السخونة يُذيب شحم الكُلى، وقد تقدم
الكلام على ماء الأمطار فى حرف العين.
ماء الثلج والبرد: ثبت في ((الصحيحين)): عن النبي ﴾ أنه كان يدعو في
الاستفتاح وغيره: ((اللَّهُمَّ اغْسِلْنِي مِن خَطَايَايَ بِمَاءِ الثَّلْجِ والبَرَدِ»(١).
الثلج له في نفسه كيفية حادة دُخانية، فماؤه كذلك، وقد تقدم وجهُ الحِكمة
في طلب الغسل مِن الخطايا بمَائه لما يحتاج إليه القلبُ مِن التبريد والتَّصليب
والتقوية، ويُستفاد من هذا أصلُ طبِّ الأبدان والقلوب، ومعالجة أدوائها بضدها.
وماء البرد ألطف وألُّّ من ماء الثلج، وأما ماء الجمد وهو الجليد، فبحسب
أصله .
والثلج يكتسب كيفية الجبالِ والأرضِ التي يسقُط عليها في الجودة
والرداءة، وينبغي تجنُّب شرب الماء المثلوج عقيبَ الحمام والجماع، والرياضة
والطعام الحار، ولأصحاب السُّعال، ووجع الصدر، وضعف الكبد، وأصحاب
الأمزجة الباردة .
ماء الآبار والقُنِيِّ: مياه الآبار قليلة اللطافة، وماء القُنِيِّ المدفونة تحت
الأرض ثقيل، لأن أحدهما محتقِنٌ لا يخلو عن تعفن، والآخر محجوبٌ عن
الهواء، وينبغي ألا يشرب على الفور حتى يصمدَ للهواء، وتأتيَ عليه ليلة، وأردؤه
ما كانت مجاريه مِن رصاص، أو كانت بئره معطّلة، ولا سيما إذا كانت تربتُهَا
رديئةً، فهذا الماء وبيءٌ وخيم.
ماء زمزم: سيِّدُ المياه وأشرفُهَا وأجلُهَا قدراً، وأحبُّهَا إلى النفوس وأغلاها
ثمناً، وأنفسُهَا عند الناس، وهو هَزْمَةُ جِبريل وسُقيا الله إسماعيل (٢).
(١) تقدم تخريجه.
(٢) أخرجه الدارقطني ٢٨٩/٢ والحاكم ٤٧٣/١ من حديث ابن عباس من طريق =
٣٥٩

وثبت في ((الصحيح)) عن النبي ◌َّر، أنه قال لأبي ذَرٍّ وقد أقام بين الكعبة
وأستارهَا أربعينَ ما بين يومٍ وليلة، ليس له طعامٌ غيره، فقال النبيُّ ◌َّ: ((إِنَّهَا
طَعَام طَعْمٍ)(١) . وزاد غيرُ مسلم بإسناده: وشِفَاءُ سقم)(٢) .
تحسين المصنف لحديث
«ماء زمزم لما شرب له»
وفي ((سنن ابن ماجه)). من حديث جابر بن عبد الله، عن النبي ◌َّ- أنه قال:
(مَاءُ زَمْزَمَ لِمَا شُرِبَ لَهُ)(٣) . وقد ضعَّف هذا الحديثَ طائفةٌ بعبد الله بن المؤمَّل
راويه عن محمد بن المنكدر. وقد روينا عن عبد الله بن المبارك، أنه لما حجَّ،
أتى زمزم، فقال: اللهم إن ابنَ أبي الموالي حدثنا عن محمد بن المنكدر، عن
محمد بن حبيب الجارودي عن سفيان بن عيينة عن ابن أبي نجيح عن مجاهد عن
=
ابن عباس. قال الحافظ في ((التلخيص)): والجارودي، صدوق، إلا أن روايته شاذة،
فقد رواه حفاظ أصحاب ابن عينية، كالحميدي، وابن أبي عمر، وغيرهما، عن ابن
عيينة، عن ابن أبي نجيح عن مجاهد من قول ابن عباس. وقوله: هزمة جبريل. أي
ضربها برجله فنبع الماء، والهزمة: النقرة في الصدر، وفي التفاحة: إذا غمزتها
بيدك، وهزمت البئر: إذا حفرتها، وقوله: وسقيا الله إسماعيل: أي أظهره الله ليسقي
به إسماعيل في أول الأمر.
(١)
أخرجه مسلم (٢٤٧٣) في فضائل الصحابة: باب من فضائل أبي ذر رضي الله عنه.
(٢) أخرجه البزار والبيهقي ١٤٨/٥ والطيالسي ١٥٨/٢ والطبراني في ((الكبير))
و((الأوسط)) وإسناده صحيح كما قال الحافظ المنذري في ((الترغيب والترهيب))
١٣٣/٢، والهيثمي في ((المجمع)) ٢٨٦/٣.
(٣) أخرجه ابن ماجه (٣٠٦٢) وأحمد، والبيهقي ١٤٨/٥ وعبد الله بن المؤمل وإن كان
ضعيفاً، فإنه لم ينفرد به، بل تابعه ابن أبي الموالي واسمه عبد الرحمن كما ذكر
المؤلف، وإبراهيم بن طهمان عن أبي الزبير عند البيهقي ٢٠٢/٥ في باب الرخصة
في خروج ماء زمزم بسند جيد، فالحديث صحيح. وقد صححه الحاكم، والمنذري
والدمياطي، وحسنه الحافظ ابن حجر. وقد أخرج الترمذي (٩٦٣) والبيهقي ٢٠٢/٥
عن عائشة رضي الله عنها أنها كانت تحمل من ماء زمزم وتخبر أنهم 8. كان يحمله،
وحسنه الترمذي، وهو كما قال. وأخرجه البخاري في ((التاريخ الكبير)) ١٨٩/٣
بلفظ ((أنها حملت ماء زمزم في القوارير وقالت: حمله رسول الله 3 18 في الأداوى
والقرب، فكان يصب على المرضى ويسقيهم.
٣٦٠