Indexed OCR Text

Pages 241-260

وأيضاً: فإن ذلك مضر بالرجل، ولهذا ينهى عنه عُقلاء الأطباء مِن
الفلاسفة وغيرهم، لأن للفرج خاصية في اجتذاب الماء المحتقَن وراحة
الرجل منه، والوطءُ في الدبر لا يعين على اجتذاب جميع الماء، ولا يخرج
كل المحتقن لمخالفته للأمر الطبيعي.
وأيضاً: يضر مِن وجه آخر، وهو إحواجُه إلى حركات متعبة جداً
لمخالفته للطبيعة .
وأيضاً فإنه محل القذر والنجو، فيستقبله الرجل بوجهه ويلابسه.
وأيضاً: فإنه يضرّ بالمرأة جداً، لأنه وارد غريب بعيد عن الطباع، منافر
لها غاية المنافرة.
وأيضاً: فإنه يُحدِثُ الهم والغم، والنفرة عن الفاعل والمفعول.
وأيضاً: فإنه يُسَوِّدُ الوجه، ويظلم الصدر، ويطمِسُ نورَ القلب، ويكسو
الوجه وحشة تصير عليه كالسيماء يعرِفُها من له أدنى فراسة.
وأيضاً: فإنه يُوجب النُّرة والتباغض الشديد، والتقاطع بين الفاعل
والمفعول، ولا بد.
وأيضاً فإنه يُفسد حال الفاعل والمفعول فساداً لا يكادُ يُرجى بعده
صلاح، إلا أن يشاء الله بالتوبة النصوح.
وأيضاً: فإنه يذهب بالمحاسن منهما، ويكسوهما ضِدَّها، كما يذهب
بالمودة بينهما، ويبدلهما بها تباغضاً وتلاعناً.
وأيضاً: فإنه من أكبر أسباب زوال النعم، وحُلول النقم، فإنه يوجب
اللعنة والمقتَ مِن الله، وإعراضه عن فاعله، وعدم نظره إليه، فأيُّ خير
٢٤١

يرجوه بعد هذا، وأيُّ شر يأمنُه، وكيف حياة عبد قد حلت عليه لعنة الله
ومقته، وأعرض عنه بوجهه، ولم ينظر إليه.
وأيضاً: فإنه يذهب بالحياء جملة، والحياءُ هو حياة القلوب، فإذا
فقدها القلبُ، استحسن القبيح، واستقبح الحسن، وحينئذ فقد استحكم
فسادُه.
وأيضاً: فإنه يحيل الطباع عما ركبها الله، ويُخرج الإِنسان عن طبعه إلى
طبع لم يُركب الله عليه شيئاً مِن الحيوان، بل هو طبع منكوس، وإذا نُكِسَ
الطبعُ انتكس القلب، والعمل، والهدى، فيستطيبُ حينئذ الخبيث من الأعمال
والهيئات، ويفسد حاله وعملُه وكلامه بغير اختياره.
وأيضاً: فإنه يورث مِن الوقاحة والجُرأة ما لا يُورثه سواه.
وأيضاً: فإنه يُورث مِن المهانة والسِّفال والحَقارة ما لا يورثه غيره.
وأيضاً: فإنه يكسو العبد من حلة المقت والبغضاء، وازدراء الناس له،
واحتقارهم إياه، واستصغارهم له ما هو مشاهد بالحِسِّ، فصلاة الله وسلامه
على من سعادة الدنيا والآخرة في هديه واتباع ما جاء به، وهلاكُ الدنيا
والآخرة في مخالفة هديه وما جاء به.
فصل
أنواع الجماع الضار
والجماع الضار: نوعان: ضار شرعاً، وضار طبعاً. فالضار شرعاً:
المحرَّم، وهو مراتب بعضُها أشدُّ من بعض. والتحريم العارض منه أخفُّ من
اللازم، كتحريم الإِحرام، والصيام، والاعتكاف، وتحريم المُظاهِرِ منها قبل
التكفير، وتحريم وطء الحائض ونحو ذلك، ولهذا لا حدَّ في هذا الجماع.
٢٤٢

وأما اللازم: فنوعان. نوع لا سبيل إلى حِلِّه البتة، كذواتِ المحارم، فهذا
من أضر الجماع، وهو يُوجب القتل حداً عند طائفة من العلماء، كأحمد بن حنبل
رحمه الله وغيره، وفيه حديث مرفوع ثابت(١).
والثاني: ما يمكن أن يكون حلالاً، كالأجنبية، فإن كانت ذاتَ زوج، ففي
وطئها حقان. حقُّ للَّهِ، وحق للزوج. فإن كانت مكرهة، ففيه ثلاثة حقوق، وإن
كان لها أهل وأقارب يلحقهم العارُ بذلك صار فيه أربعة حقوق، فإن كانت ذات
محرم منه، صار فيه خمسة حقوق. فمضرة هذا النوع بحسب درجاته في
التحريم.
وأما الضار طبعاً، فنوعان أيضاً: نوع ضار بکیفیته، کما تقدم، ونوع ضار
بكميته كالإكثار منه، فإنه يُسقط القوة، ويضر بالعصب، ويُحدث الرعشة،
والفالج، والتشنج، ويُضعف البصر وسائر القوى، ويُطفىء الحرارة الغريزية،
(١) أخرج أحمد ٢٩٥/٢، وأبو داود (٤٤٥٧)، والترمذي (١٣٦٢)، والنسائي ١٠٩/٦ ،
وابن ماجه (٢٦٠٧)، عن البراء بن عازب قال: لقيت خالي ومعه راية، فقلت له:
أين تريد، قال: بعثني رسول الله مَّل إلى رجل نكح امرأة أبيه، فأمرني أن أضرب
عنقه وآخذ ماله، وسنده حسن، وأخرج أبو داود أيضاً (٤٤٥٦) من حديث مسدد
عن خالد بن عبد الله عن مطرّف عن أبي الجهم عن البراء بن عازب قال: بينا أنا
أطوف على إبل لي ضلت إذ أقبل ركب أو فوارس معهم لواء، فجعل الأعراب
يطيفون بي لمنزلتي من النبي يغير إذ أتوا قبة استخرجوا منها رجلاً فضربوا عنقه،
فسألت عنه، فذكروا أنه أعرس بامرأة أبيه، وإسناده صحيح، وهو في ((المسند))
٢٩٥/٤ من طريق أسباط عن مطرف عن أبي الجهم عن أبي البراء، وقوله: ((أعرس))
قال الخطابي: هو كناية عن النكاح والبناء على الأهل، وحقيقته الإلمام بالعرس،
وفيه بيان أن نكاح ذوات المحارم بمنزلة الزنى، وأن اسم العقد فيه لا يسقط الحد،
وأخرج ابن ماجه (٢٦٠٨) بسند صحيح عن معاوية بن قرة عن أبيه قال: بعثني
رسول الله وَل إلى رجل تزوج امرأة أبيه أن أضرب عنقه وأصفي ماله.
٢٤٣

ويُوسع المجاري، ويجعلها مستعدة للفضلات المؤذية.
أنفع أوقاته
وأنفع أوقاته، ما كان بعد انهضام الغذاء في المعدة وفي زمان معتدل لا على
جوع، فإنه يُضعف الحار الغريزي، ولا على شبع، فإنه يُوجب أمراضاً شديدةً،
ولا على تعب، ولا إِثْرَ حمام، ولا استفراغ، ولا انفعال نفساني كالغم والهمِّ
والحزنٍ وشدة الفرح.
وأجود أوقاته بعد هزيع من الليل إذا صادف انهضام الطعام، ثم يغتسل أو
يتوضأ، وينامُ عليه، وينامُ عقبه، فَتَرَاجَعُ إليه قواه، وليحذرِ الحركة والرياضة
عقبه، فإنها مضرة جداً.
فصل
في هديه ◌َّر في علاج العِشق
هذا مرض من أمراض القلب، مخالف لسائر الأمراض في ذاته وأسبابه
وعِلاجه، وإذا تمكَّنَ واستحكم، عزَّ على الأطباء دواؤه، وأعيى العليل داؤُه،
وإنما حكاه اللَّهُ سبحانه في كتابه عن طائفتين مِن الناس: من النساء، وعشاق
الصبيان المُردان، فحكاه عن امرأة العزيز في شأن يوسف، وحكاه عن قوم لوط،
فقال تعالى إخباراً عنهم لما جاءت الملائكة لوطاً: ﴿وجَاءَ أَهْلُ المَدِينِةِ يَسْتَبَشِرُونَ
قَالَ إِنَّ هُؤُلاَءِ ضَيْفِي فَلاَ تَفْضَحُونِ واتَّقُوا اللَّهَ وَلاَ تُخْزُونِ قَالُوا أَوَ لَمْ نَنْهَكَ عَنِ
العَالَمِينَ قَالَ هُؤُلاَءِ بَنَاتِي إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لفي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾
[الحجر: ٦٨، ٧٣].
سبب طلاق زيد لزينب
وأما ما زعمه بعضُ من لم يَقْدِرْ رسولَ اللَّهِ وَلَ حقَّ قدره أنه ابتُلي به في شأن
زينب بنت جحش، وأنه رآها فقال: ((سُبْحَانَ مُقَلِّب القُلُوبِ)). وأخذت بقلبه،
وجعل يقول لِزيد بن حارثة: أمسكها حتى أنزل الله عليه: ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ
اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكَ عَلَيْكَ زَوْجَكَ واتِّقِ اللَّهَ وتُخْفِي فِي نَفْسِكَ، مَا اللَّهُ
٢٤٤

مِبْدِيهِ وتَخْشَى النَّاسَ واللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ﴾(١) [الأحزاب: ٣٧]، فظن هذا الزاعم
أن ذلك في شأن العشق، وصنَّف بعضهم كتاباً في العشق، وذكر فيه عشق الأنبياء،
وذكر هذه الواقعة، وهذا من جهل هذا القائل بالقرآن وبالرسل، وتحميلهِ كلام الله
ما لا يحتمِلُه، ونسبته رسول الله صلّه إلى ما برأه الله منه، فإن زينبَ بنتَ جحش
كانت تحتَ زيد بن حارثة، وكان رسولُ اللَّهِ ◌َّه قد تبناه، وكان يُدعى زيد بن
محمد، وكانت زينبُ فيها شمم وترقُّع عليه، فشاور رسول الله محمَّ في طلاقها،
فقال له رسولُ الله بِّه: ((أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ واتَّقِ اللَّهَ)) وأخفى في نفسه أن
يتزوَّجَها إن طلقها زيد، وكان يخشى مِن قالة الناس أنه تزوَّج امرأة ابنه، لأن زيداً
كان يدعى ابنه، فهذا هو الذي أخفاه في نفسه، وهذه هي الخشية من الناس التي
وقعت له، ولهذا ذكر سبحانه هذه الآية يُعدد فيها نعمه عليه لا يُعاتبه فيها، وأعلمه
أنه لا ينبغي له أن يخشى الناسَ فيما أحل الله له، وأن الله أحقُّ أن يخشاه، فلا
يتحرَّج ما أحله له لأجل قول الناس، ثم أخبره أنه سبحانه زوجه إياها بعد قضاء
زيد وطره منها لتقتدي أمَّتُه به في ذلك، ويتزوج الرجل بامرأةٍ ابنه من التبني، لا
امرأة ابنه لِصُلبه، ولهذا قال في آية التحريم: ﴿وحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمْ الَّذِينَ مِنْ
(١) خبر باطل أخرجه ابن سعد في ((الطبقات)) ١٠١/٨، ١٠٢، والحاكم ٢٣/٤ من
طريق محمد بن عمر الواقدي وهو متروك وبعضهم اتهمه بالوضع، عن عبد الله بن
عامر الأسلمي وهو ضعيف، عن محمد بن يحيى بن حبان الثقة لكنه تابعي وروايته
عن النبي ◌َيّة مرسلة، وقد نبه على بطلان هذا الخبر غير واحد من الأئمة المحققين،
وقالوا: إن الناقلين له، المحتجين به على مَزَاعمهم في فهم الآية لم يقدروا مقام
النبوة حق قدره، ولم تصب عقولهم من معنى العِصمة كنهها، وإن الذي أسرَّهَ وَّل،
وأخفاه في نفسه، ثم أبداه الله تعالى هو إخبار الله إياه أنها ستصير زوجته، والذي كان
يحمله على إخفاء ذلك خشية قول الناس: تزوج امرأة ابنه وأراد الله إبطال ما كان
أهل الجاهلية عليه من أحكام التبني بأمر لا أبلغ في الإبطال منه، وهو تزوج امرأة
الذي يدعى ابناً، ووقوع ذلك من سيِّد الناس وإمامهم ليكون أدعى لقبولهم. انظر
((أحكام القرآن)) ٣/ ١٥٣٠، ١٥٣٢ لابن العربي، و ((فتح الباري)) ٤٠٤/٨، ((وتفسير
ابن كثير) ٤٩٢،٤٩٠/٣ و(روح المعاني)) ٢٤/٢٢، ٢٥.
٢٤٥

أَصْلَابِكُم﴾ [النساء: ٢٣]. وقال في هذه السورة: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ
رِجَالِكُمْ﴾ [الأحزاب: ٤٠] وقال في أولها: ﴿وَمَا جَعَلَ أَدْعِياءُكُمْ أَبْنَاءَكُم ذُلِكُمْ
قَوْلُكُم بِأَفْواهِكُمْ﴾ [الأحزاب: ٤]، فتأمَّل هذا الذبَّ عن رسول الله وَّة، ودفع
طعن الطاعنين عنه، وبالله التوفيق.
نعم كان رسولُ الله ◌ِّهِ يُحِبُّ نساءه، وكان أحبَّهن إليه عائشةُ رضي الله
عنها، ولم تكن تبلُغُ محبته لها ولا لأحد سوی ربه نهاية الحب، بل صح أنه قال:
(لَوْ كُنْتُ مُتَّخِذَاً مِنْ أهْلِ الأرضِ خَلِيلاً لاتَّخَذْتُ أبا بَكْرٍ خَليلاً))(١). وفي لفظ:
((وإنَّ صَاحِبَّكُمْ خَلِيلُ الرَّحْمُنِ))(٢).
فصل
الإخلاص سبب لدفع
العشق
وعشق الصور إنما تُبتلى به القلوبُ الفارغة مِن محبة الله تعالى، المُعرِضة
عنه، المتعوِّضة بغيره عنه، فإذا امتلأ القلبُ من محبة الله والشوق إلى لقائه، دفع
ذُلك عنه مرضَ عشق الصور، ولهذا قال تعالى في حقِّ يوسف: ﴿كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ
عَنْهُ السُّوءَ والفَحْشَاء إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا المُخْلَصِين﴾ [يوسف: ٢٤]، فدل على أن
الإِخلاص سبب لدفع العشق وما يترتَّبُ عليه من السوء والفحشاء التي هي ثمرتُه
ونتيجتُهُ، فصرفُ المسبب صرفٌ لسببه، ولهذا قال بعضُ السلف: العشقُ حركة
قلب فارغ، يعني فارغاً مما سوى معشوقه. قال تعالى: ﴿وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى
فَارِغاً إنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ﴾ [القصص: ١١] أي: فارغاً مِن كل شيء إلا مِن موسى
لفرط محبتها له، وتعلُّق قلبها به .
(١) أخرجه البخاري ١٥/٧ في فضائل أصحاب النبي ◌َ له: باب لو كنت متخذاً خليلاً،
من حديث عبد الله بن عباس، ورواه مسلم (٢٣٨٣) في فضائل الصحابة: باب من
فضائل أبي بكر، من حديث عبد الله بن مسعود، واتفقا على إخراجه من حديث أبي
سعيد الخدري.
(٢) أخرجه مسلم (٢٣٨٣) (٧) في فضائل الصحابة، من حديث ابن مسعود، والترمذي
(٣٦٥٦) بلفظ ((ولكن صاحبكم خليل الله)).
٢٤٦

والعشق مركب من أمرين: استحسانٍ للمعشوق، وطمع في الوصول إليه،
فمتى انتفى أحدهُما انتفى العشقُ، وقد أعيت عِلَّةُ العشق على كثير من العقلاء،
وتكلم فيها بعضهم بكلام يُرغبُ عن ذكره إلى الصواب.
علة العشق
فنقول: قد استقرت حكمة الله - عز وجل - في خلقه وأمره على وقوع
التناسب والتآلف بين الأشباه، وانجذاب الشيء إلى مُوافقه ومجانسه بالطبع،
وهُروبه من مخالفه، ونُفرته عنه بالطبع، فسِرُّ التمازج والاتصال في العالم العلوي
والسفلي، إنما هو التناسبُ والتشاكلُ، والتوافقُ، وسِرُّ التباين والانفصال، إنما
هو بعدم التشاكل والتناسب، وعلى ذلك قام الخلق والأمر، فالمثل إلى مثله
مائل، وإليه صائر، والضد عن ضده هارب وعنه نافر، وقد قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي
خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْس وَاحِدَةٍ وجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَها لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا﴾ [الأعراف: ١٨٩]،
فجعل سُبحانه عِلةَ سكون الرجل إلى امرأته كونَها مِن جنسه وجوهره، فعلةٌ
السكون المذكور - وهو الحب - كونُها منه، فدل على أن العِلة ليست بحُسن
الصورة، ولا الموافقة في القصد والإرادة ، ولا في الخلق والهدي، وإن كانت
هذه أيضاً من أسباب السكون والمحبة.
وقد ثبت في ((الصحيح)) عن النبيِّ وَُّ أنه قال: ((الأرْواحُ جُنُودٌ مُجَنَّدَةٌ، فَمَا
تَعَارَفَ مِنْهَا ائتلف، وَمَا تَنَكَرَ مِنْهَا اخْتَلَفَ))(١). وفي ((مسند الإمام أحمد)) وغيره
في سبب هذا الحديث: أن امرأة بمكة كانت تُضحِكُ الناس، فجاءت إلى المدينة،
فنزلت على امرأة تُضحِكُ الناسَ، فقال النبيُّ وَّةَ: ((الأرْوَاحُ جُنُودٌ مُجَنَّدَةٌ))
الحديث(٢).
(١) أخرجه البخاري ٢٦٣/٧ في الأنبياء: باب الأرواح جنود مجندة، من حديث عائشة
رضي الله عنها تعليقاً، ورواه مسلم (٢٦٣٨) في البر والصلة: باب الأرواح جنود
مجندة من حديث أبي هريرة موصولاً .
(٢) أخرجه أحمد ٢٩٥/٢ و٥٢٧، وأبو داود (٤٨٣٤) وإسناده صحيح، لكن لم يذكر
فيه سبب ورود الحديث، ورواه أبو يعلى الموصلي عن عمرة بنت عبد الرحمن =
٢٤٧

وقد استقرت شريعتُه سُبحانه أن حُكم الشيء حُكْمُ مثله، فلا تُفَرِّقُ شريعته
بين متماثلين أبداً، ولا تجمعُ بين متضادين، ومن ظنَّ خِلاف ذلك، فإما لِقلة
علمه بالشريعة، وإما لِتقصيره في معرفة التماثل والاختلاف، وإما لنسبته إلى
شريعته ما لم ينزل به سلطاناً، بل يكون مِن آراء الرجال، فبحكمته وعدله ظهر
خلقُه وشرعه، وبالعدل والميزان قام الخلقُ والشرع، وهو التسويةُ بين
المتماثلين، والتفريق بين المختلفين.
وهذا كما أنه ثابت في الدنيا، فهو كذلك يوم القيامة. قال تعالى: ﴿احْشُرُوا
الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْواجَهُم وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ نَاهْدُوهُم إلى صِراطٍ
الجَحِيمِ﴾ [الصافات: ٢٢].
قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه وبعده الإمام أحمد رحمه الله: أزواجهم
أشباههُم ونُظراؤهم.
وقال تعالى: ﴿وَإِذَا النُّفُوسُ زُوَّجَتْ﴾ [التكوير: ٧] أي: قرن كلّ صاحب
عمل بشكله ونظيره، فقُرن بين المتحابين في الله في الجنة، وقرن بين المتحابين
في طاعة الشيطان في الجحيم، فالمرء مع من احب شاء أو أبى، وفي ((مستدرك
الحاكم)) وغيره عن النبي ◌ََّ: ((لا يُحِبُّ المَرْءُ قَوْماً إلا حُشِرَ مَعَهُم))(١).
قالت: كانت امرأة بمكة فراحة، فنزلت على امرأة مثلها في المدينة فبلغ ذلك عائشة
فقالت: صدق حبّي، سمعت رسول الله جلّ يقول: الأرواح جنود مجندة.
(١) أخرجه أحمد ١٤٥/٦، ١٦٠، والنسائي، من حديث عائشة أن رسول الله وَل﴾. قال:
((ثلاث أحلف عليهن، لا يجعل الله عز وجل من له سهم في الإسلام كمن لا سهم
له، فأسهم الإسلام ثلاثة: الصلاة والصوم والزكاة، ولا يتولى الله عز وجل عبداً في
الدنيا فيُولِّيه غيره يوم القيامة، ولا يحب رجل قوماً إلا جعله الله عز وجل معهم،
والرابعة لو حلفت عليها رجوت أن لا آئم، لا يستر الله عز وجل عبداً في الدنيا إلا
ستره يوم القيامة)) ورجاله ثقات خلا شيبة الخُضري (وقد حرف في ((المسند)) إلى
الحضرمي) راويه عن عروة، فإنه لم يوثقه غیر ابن حبان، لکن یشهد له حديث ابن =
٢٤٨

والمحبة أنواع متعددة: فأفضلها وأجلها: المحبة في الله و الله، وهي تستلزِمُ
محبةَ ما أحبَّ اللَّهُ، وتستلزِمُ محبةَ الله ورسوله.
أنواع المحبة
ومنها محبة الاتفاق في طريقة، أو دين، أو مذهب، أو نحلة أو قرابة، أو
صناعة، أو مرادٍ ما.
ومنها: محبة لنيل غرض من المحبوب، إما مِن جاهه أو من ماله أو مِن
تعليمه وإرشاده، أو قضاء وطر منه، وهذه هي المحبة العرضية التي تزول بزوال
موجبها، فإنَّ من ودَّك لأمر، ولَّى عنك عند انقضائه.
وأما محبةُ المشاكلة والمناسبة التي بين المحب والمحبوب، فمحبةُ لازمة
لا تزولُ إلا لعارض يُزيلها، ومحبةُ العشق مِن هذا النوع، فإنها استحسانٌ
روحاني، وامتزاج نفساني، ولا يعرض في شيء من أنواع المحبةٍ من الوسواس
والنحول، وشغلِ البال، والتلفِ ما يعرضُ مِن العشق.
فإن قيل: فإذا كان سببُ العشق ما ذكرتم من الاتصال والتناسب الروحاني، سبب كون العشق أحياناً
من طرف واحد
فما بالُه لا يكون دائماً مِن الطرفين، بل تجده كثيراً من طرف العاشق وحده، فلو
كان سببُه الاتصالَ النفسي والامتزاجَ الروحاني، لكانت المحبةُ مشتركة بينهما.
فالجواب: أن السبب قد يتخلَّفُ عنه مسبِبه لفوات شرط، أو لوجود مانع،
وتخلُّف المحبة من الجانب الآخر لا بد أن يكون لأحد ثلاثة أسباب:
الأول: عِلة في المحبة، وأنها محبة عرضية لا ذاتية، ولا يجب الاشتراكُ
في المحبة العرضية، بل قد يلزمها نُفرة من المحبوب.
الثاني: مانع يقوم بالمحب يمنع محبة محبوبه له، إما في خُلُقه، أو في
خلْقِه أو هدیه أو فعله، أو هيئته أو غير ذلك.
=
مسعود عن أبي يعلى، والطبراني عن أبي أمامة، وهو بهما صحيح.
٢٤٩

الثالث: مانع يقوم بالمحبوب يمنعُ مشاركته للمحب في محبته، ولولا ذلك
المانعُ، لقام به من المحبة لمحبه مثلَ ما قام بالآخر، فإذا انتفت هذه الموانعُ،
وكانت المحبة ذاتيةً، فلا يكون قط إلا من الجانبين، ولولا مانعُ الكِبر والحسد،
والرياسة والمعاداة في الكفار، لكانت الرسلُ أحبَّ إليهم من أنفسهم وأهليهم
وأموالهم، ولما زال هذا المانعُ من قلوب أتباعهم، كانت محبتُهم لهم فوق محبة
الأنفس والأهل والمال.
فصل
علاج العشق بالزواج
بالمعشوق
والمقصود: أن العشق لما كان مرضاً مِن الأمراض، كان قابلاً للعلاج، وله
أنواع مِن العلاج، فإن كان مما للعاشق سبيل إلى وصل محبوبه شرعاً وقدراً، فهو
علاجه، كما ثبت في ((الصحيحين)). من حديث ابن مسعود رضي الله عنه، قال:
قال رسولُ الله ◌ََّ: ((يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمُ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ، ومَنْ لَمْ
يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ، فَإِنَّه لهُ وجَاء))(١). فدل المحبَّ على علاجين: أصلي،
وبدلي. وأمره بالأصلي، وهو العلاج الذي وضع لهذا الداء، فلا ينبغي العدولُ
عنه إلی غیره ما وجد إليه سبيلاً.
وروى ابن ماجه في ((سننه)) عن ابن عباس رضي الله عنهما، عن النبي ◌َّة
أنه قال: (لَمْ نَرَ لِلْمُتَحَابَّيْنِ مِثْلَ النَّكَاحِ)»(٢). وهذا هو المعنى الذي أشار إليه
سبحانه عقيب إحلال النساء حرائرهن وإمائهن عندَ الحاجة بقوله: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ
يُخَفِّفَ عَنْكُم وخُلِقَ الإِنْسَانُ ضَعِيفاً﴾ [النساء: ٢٨]. فذكرُ تخفيفه في هذا
الموضع، وإخباره عن ضعف الإنسان يدل على ضعفه عن احتمال هذه الشهوة،
وأنه - سبحانه - خفَّف عنه أمرها بما أباحه له من أطايب النساء مثنى وثلاث
ورباع، وأباح له ما شاء مما ملكت يمينُه، ثم أباح له أن يتزوَّج بالإِماء إن احتاج
(١) تقدم تخريجه ص ٢٣٠.
(٢) تقدم تخريجه، وهو صحيح ص ٢٣٠.
٢٥٠

إلى ذلك علاجاً لهذه الشهوة، وتخفيفاً عن هذا الخلق الضعيف، ورحمة به .
فصل
وإن كان لا سبيلَ للعاشق إلى وصال معشوقه قدراً أو شرعاً، أو هو ممتنع ومن علاجه إشعار النفس
عليه من الجهتين، وهو الداء العُضال، فمِن علاجه إشعارُ نفسه اليأسَ منه، فإن
اليأس منه إن كان
الوصال متعذراً قدراً
وشرعاً
النفسَ متى يئست مِن الشيء، استراحت منه، ولم تلتفت إليه، فإن لم يَزُلْ مرضُ
العشق مع اليأس، فقد انحرف الطبعُ انحرافاً شديداً، فينتقل إلى علاج آخر، وهو
علاجُ عقله بأن يعلم بأن تعلُّق القلب بما لا مطمع في حصوله نوعٌ من الجنون،
وصاحبه بمنزلة من يعشق الشمس، وروحُه متعلقة بالصعود إليها والدورانِ معها
في فلكها، وهذا معدودٌ عند جميع العقلاء في زُمرة المجانين.
وإن كان الوصال متعذراً شرعاً لا قدراً، فعلاجه بأن ينزله منزلة المتعذر إن كان الوصال متعذراً
قدراً، إذ ما لم يأذن فيه الله، فعلاجُ العبد ونجاتُه موقوف على اجتنابه، فليشعر منزلة المتعذر قدرا وذكر
شرعاً فعلاجه إنزاله
علاجات أخرى
نفسَه أنه معدوم ممتنع لا سبيلَ له إليه، وأنه بمنزلة سائر المحالات، فإن لم تُجبه
النَّفْسُ الأمارة، فليتركه لأحد أمرين: إما خشيةٍ، وإما فواتٍ محبوب هو أحبُ
إليه، وأنفع له، وخير له منه، وأدومُ لذة وسروراً، فإن العاقل متى وازن بين نيل
محبوب سريع الزوال بفوات محبوب أعظمَ منه، وأدوم، وأنفع، وألذ أو
بالعكس، ظهر له التفاوتُ، فلا تَبعْ لذة الأبد التي لا خطر لها بلذة ساعة تنقلبُ
آلاماً، وحقيقتُها أنها أحلام نائم، أو خيالٌ لا ثبات له، فتذهبُ اللذة، وتبقى
التبعة، وتزول الشهوة، وتبقى الشِّقوة.
الثاني: حصولُ مكروه أشقَّ عليه مِن فوات هذا المحبوب، بل يجتمع له
الأمران، أعني: فوات ما هُو أحبُ إليه من هذا المحبوب، وحصولُ ما هو أكره
إليه من فوات هذا المحبوب، فإذا تيقن أن في إعطاء النفس حظها من هذا
المحبوب هذين الأمرين، هان عليه تركه، ورأى أن صبره على فوته أسهل من
صبره عليهما بكثير، فعقلُه ودينه، ومروءته وإنسانيته، تأمرُه باحتمال الضرر
٢٥١

اليسير الذي ينقلبُ سريعاً لذةً وسروراً وفرحاً لدفع هذين الضررين العظيمين.
وجهله وهواه، وظلمه وطيشه، وخفته يأمره بإيثار هذا المحبوب العاجل بما فيه
جالباً عليه ما جلب، والمعصومُ من عصمه الله.
فإن لم تقبل نفسُه هذا الدواء، ولم تُطاوعه لهذه المعالجة، فلينظر ما تجلبُ
عليه هذه الشهوةُ مِن مفاسد عاجِلته، وما تمنعه مِن مصالحها، فإنها أجلبُ شيء
المفاسد الدنيا، وأعظمُ شيء تعطيلاً لمصالحها، فإنها تحول بين العبد وبين رُشده
الذي هو ملاك أمره، وقوام مصالحه.
فإن لم تقبل نفسُه هذا الدواء، فليتذكر قبائحَ المحبوب، وما يدعوه إلى
النُّقرة عنه، فإنه إن طلبها وتأملها، وجدها أضعافَ محاسنه التي تدعو إلى حبه،
وليسأل جيرانَه عما خفي عليه منها، فإنها المحاسن كما هي داعيةُ الحب
والإرادة، فالمساوىء داعيةُ البغض والثُّفرة، فليوازن بين الداعيين، وليحب
أسبقَهما وأقرَبَهما منها باباً، ولا يكن ممن غره لونُ جمال على جسم أبرصَ
مجذوم وليُجاوِزْ بصره حسنَ الصورة إلى قبح الفعل، وليَعْبُرْ مِن حسن المنظر
والجسم إلى قبح المخبر والقلب.
فإن عجزت عنه هذه الأدوية كلها لم يبق له إلا صِدق اللجأ إلى من يُجيب
المضطَر إذا دعاه، وليطرح نفسه بين يديه على بابه، مستغيئاً به، متضرعاً،
متذللاً، مستكيناً، فمتى وُفِّقَ لذلك، فقد قرع باب التوفيق، فليعِفَّ وليكتُم، ولا
يُشَبِّبْ بذكر المحبوب، ولا يفضحْه بين الناس ويُعرِّضه للأذى، فإنه يكون ظالماً
معتدياً.
بطلان حديث «من عشق
فعف ... )»
ولا يغترَّ بالحديث الموضوع على رسول الله #الذي رواه سوید بن سعيد،
عن علي بن مسهر، عن أبي يحيى القتات، عن مجاهد، عن ابن عباس رضي الله
عنهما، عن النبي ◌َّ. ورواه عن أبي مسهر أيضاً، عن هشام بن عروة، عن أبيه،
عن عائشة، عن النبي ◌َّ، ورواه الزبير بن بكار، عن عبد الملك بن عبد
٢٥٢

العزيز بن الماحِشُون، عن عبد العزيز بن أبي حازم، عن ابن أبي نجيح، عن
مجاهد، عن ابن عباس رضي الله عنهما، عن النبي ◌َّ أنه قال: ((مَنْ عَشِقَ،
فَعَفتَّ، فَمَاتَ فَهُوَ شَهِيدٌ)) وفي رواية: ((منْ عَشِقَ وكتم وعفَّ وصبرَ، غفر اللَّهُ لَهُ،
وأدْخَلَهُ الجَنَّةَ))(١).
فإن هذا الحديثَ لا يصِحُّ عن رسول الله مَّةٍ، ولا يجوز أن يكونَ من
كلامه، فإن الشهادة درجة عالية عند الله، مقرونةٌ بدرجة الصِّدِّيقية، ولها أعمال
وأحوال، هي شرط في حُصولها، وهي نوعان: عامة وخاصة، فالخاصة:
الشهادةُ في سبيل الله.
والعامة خمس مذكورة في ((الصحيح))(٢) ليس العشق واحداً منها.
(١) أخرجه الخطيب البغدادي في ((تاريخه)) ١٥٦/٥ ٢٦٢ و٥٠/٦، ٥١، و١٨٤/١٣
وابن عساكر وغيرهما من طرق عن سويد بن سعيد الحدثاني، ثنا علي بن مسهر،
عن أبي يحيى القتات، عن مجاهد، عن ابن عباس، وسنده ضعيف لضعف سويد
وأبي يحيى القتات، واتفق الأئمة المتقدمون من أهل الحديث على تضعيف هذا
الحديث، وأعلوه بسويد كما سيبسطه المؤلف، وله طريق آخر عند الخرائطي في
((اعتلال القلوب)) قال المؤلف في ((روضة المحبين)) ص ١٨٢: وهي من رواية
يعقوب بن عيسى، وهو ضعيف لا تقوم به حجة، فقد ضعفه أهل الحديث، ونسبوه
إلى الكذب.
(٢)
أخرج البخاري ٣٣،٣٢/٦ في الجهاد: باب الشهادة سبع سوى القتل،
ومسلم (١٩١٤) في الإمارة: باب بيان الشهداء، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه،
أن رسول اللّه ◌َلي قال: ((الشهداء خمسة: المطعون، والمبطون، والغرق، وصاحب
الهدم، والشهيد في سبيل الله)) وأخرج مالك في ((الموطإ)) ٢٣٤،٢٣٣/١: وأبو داود
(٣١١١)، والنسائي ١٣/٤، ١٤، وابن ماجه (٢٨٠٣)، من حديث جابر بن عتيك
مرفوعاً: ((الشهداء السبعة، سوى القتل في سبيل الله: المطعون شهيد، والغَرق
شهيد، وصاحب ذات الجنب شهيد، والمبطون شهيد، والحَرق شهيد، والذي
يموت تحت الهدم شهيد، والمرأة تموت بجمع شهيدة))، وصححه ابن حبان
(١٦١٦)، والحاكم ٣٥٢/١، ووافقه الذهبي، وفي الباب عن عمر عن الحاكم
١٠٩/٢، وعن أبي مالك الأشعري عند أبي داود(٢٤٩٩)، والحاكم ٧٨/٢، وعن =
٢٥٣

وكيف يكون العشق الذي هو شِرك في المحبة، وفراغ القلب عن الله،
وتمليكُ القلب والروح، والحب لغيره تُنال به درجةُ الشهادة، هذا من المحال،
فإن إفساد عشق الصور للقلب فوقَ كل إفساد، بل هو خمرُ الروح الذي يُسكرها،
ويصدُّها عن ذكر الله وحبه، والتلذذ بمناجاته، والأنس به، ويُوجب عبودية القلب
لغيره، فإن قلبَ العاشق متعبِّدٌ لمعشوقه، بل العشقُ لب العبودية، فإنها كمال
الذل، والحب والخضوع والتعظيم، فكيف يكون تعبُّد القلب لغير الله مما تُنال به
درجة أفاضل الموحدين وساداتهم، وخواص الأولياء، فلو كان إسناد هذا
الحديث كالشمس، كان غلطاً ووهماً، ولا يُحفظ عن رسول الله وي لفظُ العشق
في حديث صحيح البتة .
ثم إن العشق مِنه حلالٌ، ومنه حرام، فكيف يُظن بالنبي ◌َّ أنه يحكم على
كُلِّ عاشقٍ يكتُم ويَعِفُّ بأنه شهيد، فترى من يعشق امرأة غيره، أو يعشق المردان
والبغايا، ينال بعشقه درجة الشهداء، وهل هذا إلاَّحلافُ المعلوم من دينه وَمِيه
بالضرورة؟ كيف والعشقُ مرض من الأمراض التي جعل الله سبحانه لها الأدوية
شرعاً وقدراً، والتداوي منه إما واجب إن كان عشقاً حراماً، وإما مستحب.
وأنت إذا تأملت الأمراض والآفاتِ التي حكم رسول الله ◌َّ لأصحابها
بالشهادة، وجدتها من الأمراض التي لا علاج لها، كالمطعون والمبطون،
والمجنوب(١) والغِريقِ، وموتِ المرأة يقتلها ولدها في بطنها، فإن هذه
أنس وعائشة عند البخاري ١٦٢/١٠ و١٦٣ و١٦٤، وعن عبادة بن الصامت عند
=
أحمد ٢٠١/٤ و٣٢٣/٥، والدارمي ٢٠٨/٢، وعن عقبة بن عامر عند أحمد
١٥٧/٤.
(١) أي: المصاب بذات الجنب ويعود الفضل في تصحيح هذه اللفظة إلى الشيخ أبي بن
محمد الزمزمي، فقد بعث إلي برسالة لفت نظري فيها إلى هذا الخطأ، وقال في
رسالته: وقد نبه على هذا الخطأ عمي أحمد بن الصديق في كتابه ((درء الضعف عن
حديث من عشق فعف)).
٢٥٤

بلايا من الله لا صُنع للعبد فيها، ولا عِلاج لها، وليست أسبابُها محرمة،
ولا يترتب عليها مِن فساد القلب وتعبده لغير الله ما يترتب على العشق،
فإن لم يكفِ هذا في إبطال نسبة هذا الحديثِ إلى رسول الله وَلِّ، فقلِّدْ
أئمة الحديث العالمين به وبعلله، فإنه لا يُحفظ عن إمام واحد منهم قطُ
أنه شهد له بصحة، بل ولا بحسن، كيف وقد أنكروا على سويد هذا
الحديث، ورموه لأجله بالعظائم، واستحل بعضُهم غزوَه لأجله. قال
أبو أحمد بن عدي في ((كامله)): هذا الحديث أحد ما أنكر على سويد،
وكذلك قال البيهقي: إنه مما أُنكِر عليه، وكذلك قال ابن طاهر في
((الذخيرة)) وذكره الحاكم في ((تاريخ نيسابور)) وقال: أنا أتعجب من هذا
الحديث، فإنه لم يحدث به عن غير سويد، وهو ثقة، وذكره أبو الفرج
ابن الجوزي في كتاب ((الموضوعات))، وكان أبو بكر الأزرق يرفعه أولاً
عن سويد، فعُوتب فيه، فأسقط النبيَّ ◌َّ وكان لا يُجاوز به ابنَ عباس
رضي الله عنهما .
ومن المصائب التي لا تُحتمل جعلُ هذا الحديث مِن حديث
هشام بن عروة عن أبيه، عن عائشة رضي الله عنها، عن النبي وصله. ومن
له أدنى إلمام بالحديث وعلله، لا يحتملُ هذا البتة، ولا يحتمِلُ أن
يكونَ من حديث الماجشون عن ابن أبي حازم، عن ابن أبي نجيح، عنٍ
مجاهد، عن ابن عباس رضي الله عنهما مرفوعاً، وفي صحته موقوفاً
على ابن عباس نظر، وقد رمى الناس سويد بن سعيد راوي هذا الحديث
بالعظائم، وأنكره عليه يحيى بن معين وقال: هو ساقط كذاب، لو كان
لي فرس ورمح كنت أغزوه، وقال الإمام أحمد: متروك الحديث، وقال
النسائي: ليس بثقة، وقال البخاري: كان قد عمي فيلقن ما ليس من
حديثه، وقال ابن حبان: يأتي بالمعضلات عن الثقات يجبُ مجانبةُ ما
روى. انتهى. وأحسن ما قيل فيه قول أبي حاتم الرازي: إنه صدوق
كثير التدليس، ثم قول الدارقطني: هو ثقة غير أنه لما كَبِرَ كان ربما
قُرىء عليه حديث فيه بعضُ النكارة فيُجيزه انتهى. وعيب على مسلم
٢٥٥

إخراج حديثه، وهذه حالُه، ولكن مسلم روى من حديثه ما تابعه عليه
غيره، ولم ينفِرذ به، ولم يكن منكراً ولا شاذاً بخلاف هذا الحديث، والله أعلم.
فصل
في هديه ◌َّ في حفظ الصحة بالطيب
لما كانت الرائحةُ الطيبة غذاءَ الروح، والروح مطيةٌ القوى، والقوى تزداد
بالطيب، وهو ينفعُ الدماغ والقلب، وسائر الأعضاء الباطنية، ويُفرِّح القلب،
ويسُرُّ النفس ويبسُطُ الروح، وهو أصدقُ شيء للروح، وأشدُّه ملاءمة لها، وبينه
وبين الروح الطيبة نسبة قريبة. كان أحدَ المحبوبين من الدنيا إلى أطيب الطَّيِّين
صلوات الله عليه وسلامه .
وفي ((صحيح البخاري) أنه بَّ كان لا يَرُدُّ الطِّيبَ (١).
وفي ((صحيح مسلم) عنه ◌َُّ: ((مَنْ عُرِضَ عَلَيْهِ رَيْحَان، فَلا يَرُدَّهُ فَإِنَّهُ طَيِّبُ
الرِّيحِ، خَفِيفُ الَمحْمِلِ»(٢).
وفي ((سنن أبي داود)) والنسائي، عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن
النبي ◌َّةُ: ((مَنْ عُرِضَ عَلَيْهِ طِيبٌ، فلا يَرُدَّهُ، فَإِنَّهُ خَفِيفُ الَمحْمِلِ طَيْبُ
الرَّائِحَةِ»(٣).
وفي (مسند البزار)): عن النبي ◌َّهُ أنه قال: ((إنَّ الله طَيِّبٌ يُحِبُّ الطِّيبَ،
نَظِيف يُحِبُّ النَّظَافَةَ، كَرِيمٌ يُحِبُّ الكَرَمَ، جَوادٌ يُحِبُّ الجُودَ، فَتَظُفُوا أَفْنَاءَكُم
(١) أخرجه البخاري ٣١٢/١٠ في اللباس: باب من لم يرد الطيب، من حديث أنس بن
مالك.
(٢) أخرجه مسلم (٢٢٥٣) في الألفاظ من الأدب: باب استعمال المسك.
(٣) أخرجه أبو داود (٤١٧٢) في الترجل: باب في رد الطيب، والنسائي ١٨٩/٨ في
الزينة: باب الطيب، وإسناده صحيح، وصححه ابن حبان (١٤٧٣).
٢٥٦

وسَاحَاتِكُم، ولا تَشَبَّهوا بِاليَهُودِ يَجْمَعُونَ الأَكُبَّ في دُورِهِمْ))(١). الأكب: الزبالة.
وذكر ابن أبي شيبة، أنه بَ ◌ّه كان لهُ سُكَّةٌ يتطيّب منها.
وصح عنه أنه قال: ((إن لِلَّهِ حَقًّا عَلى كُلِّ مُسْلِمٍ أَنْ يَغْتَسِلَ في كُلِّ سَبْعَةِ أَيَّامِ،
وَإِنْ كَانَ لَهُ طِيبٌ أَنْ يَمَسَّ مِنْهُ))(٢) . وفي الطيب من الخاصية، أن الملائكة تُحبه،
والشياطين تنفِرُ عنه، وأحبُّ شيءٍ إلى الشياطين الرائحةُ المنتنة الكريهة، فالأرواحُ
الطيبة تُحِبُّ الرائحة الطيبة، والأرواحُ الخبيثة تُحِبُّ الرائحة الخبيثة، وکل روح
تميل إلى ما يناسبها، فالخبيثات للخبيثين، والخبيثون للخبيئات، والطيباتُ
للطيبين، والطيبون للطيبات، وهذا وإن كان في النساء والرجال، فإنه يتناولُ
الأعمالَ والأقوالَ، والمطاعم والمشارب، والملابس والروائح، إما بعموم لفظه،.
أو بعموم معناه.
فصل
في هديه ◌َّ في حفظ صحة العين
روى أبو داود في ((سننه)) عن عبد الرحمن بن النعمان بن معبد بن هَوذة
الأنصاري، عن أبيه، عن جده رضي الله عنه، أن رسول الله ◌َ ﴿ أَمَرَ بالإِثْمِدِ
حفظ صحة العين
بالاكتحال
(١) وأخرجه الترمذي (٢٨٠٠) من حديث سعد بن أبي وقاص، وفي سنده خالد بن
إلياس، قال في ((التقريب)): متروك الحديث، لكن أخرج الطبراني في ((الأوسط))
١١/٢ من ((مجمع البحرين)) عن سعد مرفوعاً قوله: ((طهروا أفنيتكم فإن اليهود لا
تطهر أفنيتها)) وسنده حسن، وفي الباب عند مسلم (٩١) والترمذي (١٩٩٩) عن ابن
مسعود مرفوعا: ((إن الله تعالى جميل يحب الجمال))، وعن طلحة بن عبيد الله عند
البيهقي، وعن ابن عباس عند أبي نعيم في «الحلية)) ٢٩/٥ مرفوعاً: ((إن الله تعالى
جواد يحب الجود، ويحب معالي الأخلاق ويكره سفسافها)).
(٢) أخرجه البخاري ٣٠٢/٢ من حديث أبي سعيد الخدري بلفظ: ((الغسل يوم الجمعة
واجب على كل محتلم، وأن يستنّ، وأن يمسّ طيباً إن وجد)).
٢٥٧
زاد المعاد ج ٤ -م٩

المُرؤَّحِ عِنْدَ النَّوْمِ وقال: ((لِيَتَّقِهِ الصَّائِمُ))(١). قال أبو عبيد: المرؤَّح: المطيب
بالمسك.
وفي ((سنن ابن ماجه)) وغيره عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كانت
للنبي ◌ََّ مُكْحُلَةٌ يكتحِلُ مِنها ثلاثاً في كُلِّ عينٍ (٢).
وفي الترمذي: عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: كان رسول الله وَّة إذا
اكتحل يجعل في اليمنى ثلاثاً، يبتدىء بها، ويختم بها، وفي اليسرى ثنتين (٣) ..
وقد روى أبو داود عنه بَّه: ((مَنْ اكْتَحَلَ فَلْيُوتِرْ)) (٤). فهل الوتر بالنسبة إلى
العينين كلتيهما، فيكون في هذه ثلاث، وفي هذه ثنتان، واليمنى أولى بالابتداء
(١) أخرجه أبو داود (٢٣٧٧) في الصوم: باب في الكحل عند النوم للصائم،
والنعمان بن معبد بن هوذة هو مجهول، وقال أبو داود: قال لي يحيى بن معين: هو
حديث منكر، يعني حديث الكحل.
(٢) أخرجه ابن ماجه (٣٤٩٩) والترمذي (١٧٥٧) وأحمد ٣٥٤/١، والترمذي في
((الشمائل)) ١٢٥/١ و١٢٦ وإسناده ضعيف لضعف عباد بن منصور لسوء حفظه
وتدليسه وتغيره.
(٣) حديث الترمذي عن ابن عباس. وهو الذي تقدم فيه أنه كان يكتحل ثلاثاً في كل
عين، وأما هذه الرواية، فقد أخرجها أبو الشيخ في ((أخلاق النبي ◌َّ)) صفحة ١٨٣
من حديث أنس أن رسول الله وَّة كان يكتحل في عينه اليمنى ثلاثاً، وفي اليسرى
إثنتين بالإثمد. وسنده جيد ورجاله ثقات: وأخرج الطبراني في ((الكبير)) (١٣٣٥٣)
من حديث ابن عمر مرفوعاً: كان إذا اكتحل جعل في العين اليمنى ثلاثاً، وفي
اليسرى مرودين، فجعلها وتراً، وفي سنده ضعيفان.
(٤) أخرجه أبو داود (٣٥) في الطهارة: باب الاستتار في الخلاء، والدارمي ١٦٩/١
و١٧٠، وابن ماجه (٣٣٧) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، وفي سنده الحسين
الحبراني، قال الحافظ عنه في ((التقريب)»: مجهول، وكذا الراوي عنه، وهو أبو
سعيد، ومع ذلك فقد صححه ابن حبان (١٣٢) والعيني في ((عمدته)) ٧٣٢/١، وأما
الحافظ ابن حجر، فقد اضطرب فيه، فحسنه في ((الفتح)) ٢٢٥/١، وضعفه في
((التلخيص)) ١٠٣/١.
٢٥٨

والتفضيل، أو هو بالنسبة إلى كلِّ عين، فيكون في هذه ثلاث، وفي هذه ثلاث،
وهما قولان فى مذهب أحمد وغيره.
فوائد الكحل للعين
وفي الكحل حفظ لصحة العين، وتقويةٌ للنور الباصر، وجِلاءٌ لها، وتلطيف
للمادة الرديئة، واستخراجٌ لها مع الزينة في بعض أنواعه، وله عند النوم مزيدُ فضل
لاشتمالها على الكُحل، وسكونها عقيبه عن الحركة المضرة بها، وخدمة الطبيعة
لها، وللإثمد مِن ذلك خاصية .
وفي ((سنن ابن ماجه)) عن سالم عن أبيه يرفعه: ((عَلَيْكُم بِالإِثْمِدِ، فَإِنَّهُ يَجْلُو
البَصَر، ويُنْبِتُ الشَّعَرَ))(١).
وفي ((كتاب أبي نعيم)): ((فإنه منبتة للشعر، مذهبة للقذى، مصفاة
للبصر)»(٢) .
وفي ((سنن ابن ماجه)) أيضاً: عن ابن عباس - رضي الله عنهما - يرفعه: ((خير
أكحالكم الإثمد، يجلو البصر، وينبت الشعر))(٣).
(١) أخرجه ابن ماجه (٣٤٩٥) وفي سنده عثمان بن عبد الملك، وهو لين الحديث وباقي
الإسناد رجاله ثقات، ويشهد له حديث ابن عباس الآتي.
أخرجه أبو نعيم في ((الحلية)) ١٧٨/٣ والطبراني في ((الكبير)) رقم (١٨٣) من حديث
(٢)
علي رضي الله عنه، وإسناده حسن وجود إسناده الحافظ العراقي، وحسنه الحافظان
المنذري وابن حجر، وحديث ابن عمر السابق، وحديث ابن عباس اللاحق يشهدان
له.
(٣) أخرجه ابن ماجه (٣٤٩٧)، وأحمد (٣٠٣٦) و(٣٤٢٦)، وأبو داود (٣٨٧٨)
والبيهقي ٢٤٥/٣ وإسناده صحيح، وصححه ابن حبان (١٤٣٩) و(١٤٤٠).
٢٥٩

فصل
في ذكر شيء من الأدوية والأغذية المفردة التي جاءت على لسانه وَ ل
مرتبة على حروف المعجم
حرف الهمزة
إثمد: هو حجر الكحل الأسود، يُؤتى به من أصبهان، وهو أفضلُه ويُؤتى به
من جهة المغرب أيضاً، وأجودُه السريعُ التفتيت الذي لفتاته بصيص، وداخله
أملس ليس فيه شيء من الأوساخ.
ومزاجُه بارد يابس ينفعُ العين ويُقويها، ويشد أعصابَها، ويحفظُ صِحتها،
ويذهب اللحم الزائد في القُروح ويُدملها، وينقي أوساخها، ويجلوها، ويُذهب
الصداع إذا اكتحل به مع العسل المائي الرقيق، وإذا دُقَّ وخُلِطَ ببعض الشحوم
الطرية، ولُطخ على حرق النار، لم تعرض فيه خشكريشة، ونفع مِن التنفط
الحادث بسببه، وهو أجود أكحال العين لا سيما للمشايخ، والذين قد ضعفت
أبصارُهم إذا جُعِلَ معه شيء من المسك.
أترج: ثبت في ((الصحيح)): عن النبي ◌َّ أنه قال: ((مَثَلُ المُؤْمِنِ الَّذِي يَقْرَأُ
القُرْآن كمَثَلِ الأُتْرُجَّةِ، طعْمُها طَيِّبٌ، وريحُها طَيِّبٌ)) (١).
في الأترج منافع كثيرة، وهو مركب من أربعة أشياء: قشر، ولحم،
وحمض، وبزر، ولكل واحد منها مِزاج يخصُّه، فقِشره حار يابس، ولحمُه حار
رطب، وحمضُه بارد یابس، وبزره حار يابس.
(١) أخرجه البخاري ٥٩/٨ في فضائل القرآن: باب فضل القرآن على سائر الكلام،
ومسلم (٧٩٧) في صلاة المسافرين: باب فضيلة حافظ القرآن، من حديث أبي
موسى الأشعري رضي الله عنه.
٢٦٠