Indexed OCR Text

Pages 161-180

وفي ((صحيح مسلم)) عن أبي سعيد الخُدري، أن جبريل - عليه السلام -
أتى النبيَّ ◌َ جَ فقال: يا محمدُ! أشتكيتَ؟ فقال: ((نعم))، فقال جبريلُ - عليه
السلام - : ((باسْمِ اللَّهِ أرقيكَ مِنْ كُلِّ شَيءٍ يُؤْذِيكَ مِنْ شرِّ كُلِّ نَفْسٍ أَوْ عَيْن حَاسِدٍ
اللَّهُ يَشْفِيكَ باسْمِ اللَّهِ أَرْقِيك)) (١).
فإن قيل: فما تقولون في الحديث الذي رواه أبو داود: ((لا رُقْيَةَ إلاَّ مِنْ
عَيْنٍ، أَوْ حُمَةٍ، )) والحمةُ: ذواتُ السموم كلها.
فالجوابُ أنه لم يُرِدْ به نفيَ جواز الرُّقية في غيرها، بل المرادُ به: لا التوفيق بين جواز الرقية
رُقیة أولی وأنفعُ منها في العین والحُمة، ویدل علیه سیاقُ الحدیث، فإن سهل بن
لكل شكوى وبين:
«لا رقية إلا من عين أو
حمة»
حُنيف قال له لما أصابته العينُ: أو في الرُّقى خير؟ فقال: ((لا رُقية إلا في نَفْسٍ أو
حُمة)) ويدل عليه سائرُ أحاديث الرقى العامة والخاصة، وقد روى أبو داود من
حديث أنس قال: قالَ رسولُ اللَّهِ :. : ((لاَ رُقْيَةَ إلاَّ مِنْ عَيْنٍ أَوْ حُمَةٍ أَوْ دَمِ
یزْقاً»٢).
في الرُّقية مِنَ العَیْنِ
وفي ((صحيح مسلم)) عنه أيضاً: رخّص رسولُ اللَّهِ
والحُمَةِ والنمْلَةِ (٣) .
متروك، وقال ابن عدي: الغالب على حديثه الغرائب، وقلما يوافقه الثقات.
=
أخرجه مسلم (٢١٨٦) في السلام: باب الطب والمرض والرقى.
(٢)
أخرجه أبو داود (٣٨٨٩) وفي سنده شريك القاضي وهو سيء الحفظ، وباقي رجاله
ثقات، وأخرج مسلم (٢٢٠) عن بريدة بن الحصيب قوله: ((لا رقية إلا من عين أو
حمة)) وأخرجه ابن ماجه (٣٥١٣) مرفوعاً، وسنده ضعيف، وفي الباب عن
عمران بن الحصين عند أحمد، وأبي داود (٣٨٨٤) والترمذي (٢٠٥٨) بلفظ ((لا
رقية إلا من عين أو حمة)) وإسناده صحيح.
(١٠) تقدم تخريجه ص١٤٩.
زاد المعاد ج ٤-م٦

فصل
في هديه ◌َّ فِي رُقية اللَِّيغ بالفاتحة
أخرجا في ((الصحيحين)) من حديث أبي سعيد الخدري، قال: انطلق نفرٌ
مِن أصحابِ النبيِّ ◌ََّ في سفرةٍ سافرُوها حتى نزلوا على حيٍّ مِن أحياءِ العرب،
فاستضافوهم، فَأَبَوا أن يُضيِّقُوهم، فَلُدِغَ سيِّدُ ذلك الحي، فَسَعوا له بكُلِّ شيءٍ لاَ
يَنْفَعُه شيء، فقال بعضهم: لو أتيتُم هؤلاءِ الرهطَ الذين نزلوا لعلهم أن يكون عند
بعضهم شيء، فأتوهم، فقالوا: يا أيها الرهطُ! إن سيِّدَنَا لُدِغَ، وسَعينا له بِكُلِّ
شيءٍ لا يَنْفَعُهُ، فَهَلْ عِنْدَ أحدٍ منكم من شيء؟ فقال بعضُهم: نعم والله إني لأَرْقِي،
ولكن استَضَفْنَاكُم، فلم تُضيِّفُونَا، فما أنا بَرَاقٍ حتى تَجْعَلُوا لنا جُعلاً، فصالَحُوهم
على قَطيعٍ مِن الغنم، فانطلق يَتْفُل عليه، ويقرأ: الحمدُ للهِ ربِّ العالمين، فكأنما
أُنْشِطَ مِنْ عِقَال، فانطلق يمشي وما به قَبَةٌ، قال: فَأَوْفَوْهُم جُعْلَهُم الذي
صالحوهم عليه، فقال بعضُهم: اقتسِمُوا، فقال الذي رَفَى: لا تفعلوا حتى نأتيَ
رَسُولَ اللهِ وَّةِ، فنذكُرَ له الذي كان، فننظُرَ ما يأمُرُنا، فَقَدِمُوا على رسول الله ◌َ،
فذكروا له ذلك، فقال: ((ومَا يُدْرِيكَ أنَّها رُقْيَةٌ؟))، ثم قال: ((قَدْ أَصَبْتُم، اقسِمُوا
واضْرِبُوا لِي مَعَكُمْ سَهْماً)(١).
وقد روى ابن ماجه في ((سننه)) من حديث علي قال: قال رسول الله مَله :
((خَيْرُ الدَّوَاءِ القُرْآنُ))(٢).
ومن المعلوم أن بعض الكلام له خواصٌّ ومنافعُ مجربة، فما الظنُّ بكلام
ربّ العالمين، الذي فَضْلُهُ على كل كلامِ كفضلِ الله على خلقه الذي هو الشفاء
فائدة الرقية بالقرآن
وبخاصة فاتحة الكتاب
(١) أخرجه البخاري ١٧٨/١٠ في الطب: باب النفث في الرقية، ومسلم (٢٢٠١) في
السلام: باب جواز أخذ الأجرة على الرقية.
(٢) أخرجه ابن ماجه (٣٥٠١) في الطب: باب الاستشفاء بالقرآن، وفي سنده الحارث
الأعور، وهو ضعيف.
١٦٢

التام، والعِصمةِ النافعة، والنورُ الهادي، والرحمة العامة، الذي لو أنْزلَ على جبل
لتَصَدَّعَ مِن عظمته وجلالته. قال تعالى: ﴿ونُنَزِّلُ مِنَ القُرْآنِ مَا هو شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ
لِلْمُؤْمِنِينِ﴾ [الإسراء: ٨٢]، و((من)) ها هنا لبيان الجنس لا للتبعيض، هذا أَصَحُ
القولين، كقوله تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً
وأجْراً عَظِيماً﴾ [الفتح: ٢٩] وكلُّهُمْ مِن الذين آمنوا وعملوا الصالحات، فما الظنُّ
بفاتحة الكتاب التي لم يُنزل في القرآن، ولا في التوراة، ولا في الإنجيل، ولا في
الزبور مِثْلُها، المتضمنة لجميع معاني كتب الله، المشتملة على ذكر أصول أسماء
الرب - تعالى - ومجامعها، وهي الله، والرب، والرحمن، وإثبات المعاد،
وذكرِ التوحيدين: توحيد الربوبية، وتوحيدِ الإلهية، وذكر الافتقار إلى الربِّ
سُبحانه في طلبِ الإِعانة وطلب الهداية، وتخصيصه سبحانه بذلك، وذكر أفضل
الدعاء على الإطلاق وأنفعه وأفرضه، وما العبادُ أحوج شيءٍ إليه، وهو الهدايةُ
إلى صراطه المستقيم، المتضمن كمال معرفته وتوحيده وعبادته - بفعل ما أَمَر
به، واجتنابٍ ما نهَى عنه، والاستقامة عليه إلى الممات، ويتضمن ذِكْر أصنافٍ
الخلائق وانقسامهم إلى مُنْعم عليه بمعرفة الحق، والعمل به، ومحبته، وإيثاره،
ومغضوب عليه بعدُوله عن الحق بعد معرفته له، وضال بعدم معرفته له. وهؤلاء
أقسامُ الخليقة مع تضمنها لإثبات القدر، والشرع، والأسماء، والصفات،
والمعاد، والنبوات، وتزكية النفوس، وإصلاح القلوب، وذكر عدل الله
وإحسانه، والرد على جميع أهل البدع والباطل، كما ذكرنا ذلك في كتابنا الكبير
((مدارج السالكين)) في شرحها. وحقيقٌ بسورةٍ هذا بعضُ شأنها، أن يُستشفى بها
من الأدواء، ويُرقى بها اللدیغُ.
وبالجملة فما تضمنته الفاتحةُ مِن إخلاص العبودية والثناء على اللهِ،
وتفويض الأمر كُلِّه إليه، والاستعانة به، والتوكل عليه، وسؤاله مجامع النِّعم
كلها، وهي الهداية التي تجلبُ النعم، وتدفَعُ النِّهم، من أعظم الأدوية الشافية
الكافية .
١٦٣

وقد قيل: إن موضع الرُّقية منها: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِين﴾، ولا ريبَ أن
هاتين الكلمتين من أقوى أجزاء هذا الدواء، فإن فيهما من عموم التفويض
والتوكل، والالتجاء والاستعانة، والافتقارِ والطلبِ، والجمع بين أعلى الغايات،
وهي عبادةُ الربِّ وحده، وأشرف الوسائل وهي الاستعانةُ به على عبادته ما ليس
في غيرها، ولقد مرَّ بي وقت بمكة سَقِمْتُ فيه، وفَقَدْتُ الطبيبَ والدواء، فكنت
أتعالج بها، آخذ شربةً من ماء زمزم، وأقرؤها عليها مراراً، ثم أشربه، فوجدتُ
بذلك البرءَ التام، ثم صِرت أعتمد ذلك عند كثير من الأوجاع، فأنتفع بها غايةً
الانتفاع.
قراءة المصنف الفاتحة
على ماء زمزم وذلك عند
سقمه في مكة
فصل
نفس الراقي تفعل في
نفس المرقي فتدفع عنه
المرض بإذن الله
وفي تأثير الرُّقى بالفاتحة وغيرها في علاج ذواتِ السُّموم سِر بديع، فإن
ذوات السموم أثرت بكيفيات نفوسِها الخبيثة، كما تقدم، وسِلاحها حُماتها التي
تلدَغُ بها، وهي لا تلدغ حتى تغضَب، فإذا غضبت، ثار فيها الشُّمُّ، فتقذفه بالتها،
وقد جعل اللَّهُ سبحانه لكل داءٍ دواءً، ولكل شيء ضِداً، ونفس الراقي تفعلُ في
نفس المرقي، فيقعُ بين نفسيهما فعل وانفعال، كما يقع بين الداء، والدواء،
فتقوى نفسُ الراقي وقوته بالرقية على ذلك الداء، فيدفعُه بإذن اللَّهِ، ومدارُ تأثير
الأدوية والأدواء على الفعل والانفعال، وهو كما يقع بين الداء والدواء الطبيعيين،
يقع بين الداء والدواء الروحانيين، والروحاني، والطبيعي، وفي النفث والتّفل
استعانة بتلك الرطوبة والهواء، والنفس المباشر للرقية، والذكر والدعاء، فإن
الرُّقية تخرُج مِن قلب الراقي وفمه، فإذا صاحبها شيءٌ من أجزاء باطنه من الريق
والهواء والنفس، كانت أتمَّ تأثيراً، وأقوى فعلاً ونفوذاً، ويحصُل بالازدواج بينهما
كيفية مؤثرة شبيهة بالكيفية الحادثة عند تركيب الأدوية .
وبالجملة: فنفس الراقي تُقابل تلك النفوس الخبيثة، وتزيدُ بكيفية نفسه،
النفث له تأثير في دفع
المرض
١٦٤
2

وتستعين بالرقية وبالنفث على إزالة ذلك الأثر، وكلما كانت كيفية نفس الراقي
أقوى، كانت الرقية أتم، واستعانته بنفثه كاستعانة تلك النفوس الرديئة بلسعها.
وفي النفث سِر آخر، فإنه مما تستعين به الأرواح الطيبة والخبيثة، ولهذا
تفعلُه السحرةُ كما يفعله أهلُ الإِيمان. قال تعالى: ﴿وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ في
العقدُ، وذلك لأن النفس تتكيَُّ بكيفية الغضب والمحاربة، وتُرسِلُ أنفاسها
سِهاماً لها، وتمدُّها بالنفث والتفل الذي معه شيء مِن الرِّيق مصاحب لكيفية
مؤثرة، والسواحِرُ تستعين بالنفث استعانةً بينة، وإن لم تتصل بجسم المسحور،
بل تنفث على العُقدة وتعقِدها، وتتكلم بالسحر، فيعمل ذلك في المسحور بتوسط
الأرواح السفلية الخبيثة، فتقابلُها الروح الزكية الطيبة بكيفية الدفع والتكلم
بالرقية، وتستعينُ بالنفث، فأيُّهُما قوي كان الحكم له، ومقابلة الأرواح بعضها
لبعض، ومحاربتُها والتها مِن جنس مقابلة الأجسام، ومحاربتها والتها سواء، بل
الأصل في المحاربة والتقابل للأرواح والأجسام آلتها وجندها، ولكن من غلب
عليه الحِسُّ لا يشعرُ بتأثيرات الأرواح وأفعالِهَا وانفعالاتِهَا لاستيلاء سُلطان الحِسِّ
عليه، وبُعْدِهِ من عالم الأرواح، وأحكامها، وأفعالها.
والمقصود: أن الروح إذا كانت قويةً وتكيَّفت بمعاني الفاتحة، واستعانت
بالنفث والتفل، قابلت ذلك الأثر الذي حصل من النفوس الخبيثة، فأزالته والله
أعلم.
فصل
في هديه ﴾ في علاج لدغة العقرب بالرّقية
روى ابن أبي شيبة في ((مسنده))، من حديث عبد الله بن مسعود، قال: بينا
رسولُ اللهِّ يُصلي، إذ سجد فلدغته عقربٌ في أصبعه، فانصرفَ رسولُ الله ◌َيّ.
وقال: (لَعَنَ اللَّهُ العَقْرَبَ مَا تَدَعُ نَبِيَّاً وَلاَ غَيْرَه))، قال: ثمَّ دعا بإناء فيه ماء وملح،
١٦٥

فجعل يَضَعُ موضع اللدغة في الماء والملح، ويقرأ ﴿قُلْ هو الله أَحَدٌ﴾،
والمُعَوِّذَتَيْنِ حتى سَكَنَتْ(١) .
ما لسورة الإخلاص من
الفائدة في علاج اللدغة
ففي هذا الحديث العلاج بالدواء المركب مِن الأمرين: الطبيعي والإلهي،
فإن في سورة الإِخلاص مِن كمال التوحيد العِلمي الاعتقادي، وإثبات
الأحدية للّهِ، المستلزِمة نفيَ كُلِّ شركة عنه، وإثبات الصمدية المستلزمة لإثبات
كُلِّ كمال له مع كون الخلائق تصمُدُ إليه في حوائجها، أي: تقصِدُه الخليقةُ،
وتتوجه إليه، علويُّها وسُفليُّها، ونفي الوالد والولد، والكُفِ عنه المتضمن لنفي
الأصل، والفرع والنظير، والمماثل مما اختصَّت به وصارت تَعْدِلُ ثُلُثَ القرآن،
ففي اسمه الصمد إثباتُ كل الكمال، وفي نفي الكُفِ التنزيه عن الشبيه والمثال.
وفي الأحد نفيُ كلِّ شريك لذي الجلال، وهذه الأصول الثلاثة هي مجامعُ
التوحيد.
ما للمعوذتين من الفائدة
في علاج اللدغة
وفي المعوِّذتين الاستعاذةُ مِن كل مكروه جملة وتفصيلاً، فإن الاستعاذَة مِن
شر ما خلق تَعُمُّ كُلَّ شر يُستعاذ منه، سواء كان في الأجسام أو الأرواح،
والاستعاذة مِن شر الغاسق وهو الليل، وآيته وهو القمر إذا غاب، تتضمن
الاستعاذةَ مِن شر ما ينتشِرُ فيه من الأرواح الخبيثة التي كان نورُ النهار يحولُ بينها
وبين الانتشار، فلما أظلم الليل عليها وغاب القمرُ، انتشرت وعاثت.
والاستعاذة من شر النفاثات في العقد تتضمن الاستعاذة من شر السواحر
وسِحرهن.
والاستعاذة مِن شر الحاسد تتضمن الاستعاذة مِن النفوس الخبيثة المؤذية
بحسدها ونظرها.
والسورة الثانية: تتضمن الاستعاذة مِن شر شياطين الإنس والجن، فقد
(١) أخرجه الترمذي (٢٩٠٥) في ثواب القرآن: باب ما جاء في المعوذتين، وفي سنده
ابن لهيعة، وهو سيء الحفظ.
١٦٦

جمعت السورتان الاستعاذة من كل شر، ولهما شأنٌ عظيم في الاحتراس
والتحصن من الشرور قبل وقوعها، ولهذا أوصى النبيُّ مَثّل عُقبة بن عامر بقراءتهما
عَقِبَ كُلِّ صلاةٍ، ذكره الترمذي في ((جامعه))(١) وفي هذا سر عظيم في استدفاع
الشرور من الصلاة إلى الصلاة. وقال: ما تعوَّذ المتعوذون بمثلهما. وقد ذكر أنه
وَلَ﴿ سحر في إحدى عشرة عُقدة، وأن جبريل نزل عليه بهما، فجعل كُلَّما قرأ آية
منهما انحلَّت عُقدة، حتى انحلت العقد كُلُّها، وكأنما أنْشِطَ مِن عِقال.
وأما العلاج الطبيعي فيه، فإن في الملح نفعاً لكثير من الشُّموم، ولا سيما الفائدة في الملح في علاج
اللدغة
لدغة العقرب، قال صاحب ((القانون)): يُضمد به مع بزر الكتان للسع العقرب،
وذكره غيرُه أيضاً. وفي الملح من القوة الجاذبة المحلِّة ما يَجذِبُ السموم
ويُحللها، ولما كان في لسعها قوةٌ نارية تحتاج إلى تبريد وجذب وإخراج جمع بين
الماء المبرد لنار اللسعة، والملح الذي فيه جذب وإخراج، وهذا أتم ما يكون من
العلاج وأيسره وأسهله، وفيه تنبيه على أن علاج هذا الداء بالتبريد والجذب
والإِخراج والله أعلم.
وقد روى مسلم في ((صحيحه)) عن أبي هريرة قال: جاء رجل إلى النبيِّ لَله
فقال: يا رسول الله! ما لقيتُ مِنْ عقرب لَدَغتني البارحةَ فقال: ((أمَا لَوْ قُلْتَ حِين
أَمْسَيْتَ: أَعُوذَ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ الثَّامَّاتِ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ، لَمْ تَضُرَّك))(٢).
واعلم أن الأدوية الطبيعية الإلهية تنفعُ مِن الداء بعد حصوله، وتمنَعُ مِن
وقوعه، وإن وقع لم يقع وقوعاً مضراً، وإن كان مؤذياً، والأدوية الطبيعية إنما
تنفعُ، بعد حصول الداء، فالتعوُّذاتُ والأذكار، إما أن تمنعَ وقوعَ لهذه الأسباب،
وإما أن تحول بينها وبين كمالٍ تأثيرها بحسب كمال التعوذ وقوته وضعفه، فالرُّقی
(١) أخرجه أحمد ١٥٥/٤، والترمذي (٢٩٠٥) وأبو داود (١٥٢٣) والنسائي ٦٨/٣ من
طرق عن علي بن رباح اللخمي، عن عقبة بن عامر ... وسنده صحيح.
(٢) أخرجه مسلم (٢٧٠٩) في السلام: باب الذكر والدعاء.
١٦٧

والعُوَذ تُسْتَعمل لحفظ الصحة، ولإزالة المرض، أما الأول: فكما في ((الصحيحين))
من حديث عائشة كان رسولُ الله ◌ِّ إذا أوى إلى فراشه نَفَثَ في كفَّيْهِ ﴿قُلَّ هُوَ الله
أَحَذَ﴾ُ والمُعَوِّذَتَيْن. ثم يمسحُ بهما وجهَه، وما بلغت يدُه مِن جسده(١).
وكما في حديث عُوذة أبي الدرداء المرفوع («اللَّهُمَّ أنْتَ رَبِّي لاَ إله إلاَّ أَنْتَ
عَلَيْكَ تَوَكَّلْتُ وَأَنْتَ رَبُّ العَرْشِ العَظيم))، وقد تقدَّم وفيه: مَنْ قَالها أوَّل نهاره
لم تُصِبْهُ مُصيبة حتى يُمسي، ومن قالها آخر نهاره لم تُصبه مصيبة حتى يُصبح(٢) .
وكما في ((الصحيحين)): ((مَنْ قَرَأَ الآيَتَيْنِ مِنْ آخِرِ سُورَةِ البَقَرَةِ فِي لَيْلَةٍ
كَفَتَاهُ))(٣).
وكما في ((صحيح مسلم)) عن النبي : ((مَنْ نَزَلَ مَنْزِلاً فَقَالَ: أَعُوذُ
بِكَلِمَاتِ اللَّهِ الثَّمَّاتِ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ، لَمْ يَضُرَّهُ شَيءٌ حَتَّى يَرْتَحِلَ مِنْ مَنْزِلِهِ
ذُلِكَ)(٤).
وكما في ((سنن أبي داود)) أن رسول الله كان في السفر يقول بالليل: ((يَا
أَرْضُ، رَبّي وربُّكِ اللَّهُ، أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شَرِّكِ وشَرِّ مَا فِيكِ، وشَرِّ مَا يَدُبُّ عَلَيْكِ،
أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ أَسَدٍ وَأَسْودٍ، ومن الحَيَّةِ والعَقْرَبِ، ومِنْ سَاكِنِ البَلَدِ، ومنْ وَالِدٍ
وَمَا وَلَدَ))
(١) أخرجه البخاري ١٠٧/١١ في الدعوات: باب التعوذ والقراءة عند النوم، ومسلم
(٢١٩٢) في السلام: باب رقية المريض بالمعوذات.
(٢)
أخرجه ابن السني في ((عمل اليوم والليلة)) ص ٢٠، ٢١، وإسناده ضعيف، ثم رواه
بنحوه من طريق آخر ضعيف، ونسبه العراقي في تخريجه إلى الطبراني بسند ضعيف.
أخرجه البخاري ٥٠/٩ في فضائل القرآن: باب فضل سورة البقرة، ومسلم (٨٠٨)
(٣٠)
في المسافرين: باب فضل الفاتحة وخواتيم سورة البقرة.
(٤)
أخرجه مسلم (٢٧٠٨) في الذكر والدعاء: باب التعوذ من سوء القضاء.
أخرجه أبو داود (٢٦٠٣) وأحمد ١٣٢/٢، وفي سنده الزبير بن الوليد الشامي
١٠٠

وأما الثاني: فكما تقدَّم مِن الرُّقية بالفاتحة، والرقية للعقرب وغيرها مما
يأتي.
فصل
في هديه في# فى رقية العمالة
قد تقدّم مِن حديث أنس الذي في ((صحيح مسلم)) أنه رخص في الرقية
من الحُمَّةِ والعَيْنِ والنَّمْلَة.
وفي ((سنن أبي داود)) عن الشِّفَاء بنت عبد الله، دخل عليَّ رسول الله
وأنا عِند حَفْصَة، فقال: ((ألا تُعَلِّمِينَ هُذِهِ رُقية الثَّملةِ كما عَلَّمْتِيِها الكِتَابَةَ)(١.
النملة: قُروح تخرج في الجنبين، وهو داء معروف، وسمي نملةً، لأن
صاحِبَه يُحس في مكانه كأن نملة تدب عليه وتعضُّه، وأصنافها ثلاثة، قال ابن قتيبة
وغيرُه: كان المجوسُ يزعمون أن ولد الرجل مِن أخته إذا خُطَّ على النملة، شفى
صاحبها، ومنه قول الشاعر :
وَلاَ عَيْبَ فِينَا غَيْرَ عُرْفٍ لِمِعْشَرٍ كِرَامٍ وأنَّا لاَ نَخُطُّ عَلَى النَّمْلِ
(٢)
وروى الخلال: أن الشِّفَاء بنتَ عبد الله كانت تَرقي في الجاهلية من النملة،
فلما هاجرت إلى النبيِّ وكانت قد بايعته بمكة، قالت: يا رسول الله! إني كنت
أرقي في الجاهليةِ من النملة، وإني أريدُ أن أَغْرِضَهَا عليكَ، فعرضت عليه
فقالت: بسم اللّهِ ضَلَّت حتى تعود مِن أفواهها، ولا تضُرُّ أحَدَاً، اللهم اكشف
البأس ربَّ الناس، قال: ترقي بها على عود سبعَ مرات، وتقصِدُ مكاناً نظيفاً،
لم یوثقه غیر ابن حبان، وباقي رجاله ثقات.
(١) أخرجه أبو داود (٣٨٨٧) وأحمد ٣٧٢/٦، وإسناده صحيح.
رواية البيت في ((اللسان)): نمل: ولا عيب فينا غير نسل لمعشر.
(٢)

وتدلُكُهُ على حجر بخل خمرٍ حاذق، وتطليه على النملة. وفي الحديث: دليل
على جوازٍ تعليم النساء الكِتابة.
جواز تعليم النساء
الكتابة
فصل
في هديه وََّ فِي رُقية الحيّة
قد تقدم قوله: ((لا رُقيةَ إلا في عَيْنٍ، أو حُمةٍ))، الحمة: بضم الحاء وفتح
الميم وتخفيفها. وفي ((سنن ابن ماجه)) من حديث عائشة: رخص رسول الله صل.
في الرقية من الحيَّةِ والعقرب(١). ويُذكر عن ابن شهاب الزهري قال: لَدَغَ بعض
أصحاب رسول الله ◌َ لٍ حيةٌ، فقال النبي ◌ِّهِ: ((هَلْ مِنْ رَاق؟)) فقالوا: يا
رسول الله! إن آل حزم كانوا يَرْقُون رُقية الحية، فلما نَهَيْتَ عن الرُّقى تركوها،
فقال: ((ادْعُو عُمارة بنَ حزم))، فدعوه، فَعَرَضَ عليه رقاه، فقال: ((لاَ بَأْسَ بِهَا))
فأذن له فيها فرقاه(٢) .
فصل
في هديه ◌َّ في رُقية القَرحة والجُرْح
أخرجا في ((الصحيحين)) عن عائشة قالت: كان رسول الله وَ﴾ إذا اشتكى
(١) أخرجه ابن ماجه (٣٥١٧) في ((الطب)): باب رقية الحية والعقرب، ورجاله ثقات،
وأخرج البخاري ١٧٥/١٠ في الطب: باب رقية الحية والعقرب، ومسلم (٢١٩٣)
في السلام: باب استحباب الرقية، من حديث عائشة قالت: رخص النبي ◌َّس الرقية
من كل ذي حُمَة. والحمة - بضم الحاء وتخفيف الميم - هي السم، والمراد بها
ذوات السموم.
(٢) ذكره الحافظ في ((الإصابة)) ٢٧٥/٤ في ترجمة عمارة وقال: رواه البخاري في
((التاريخ الصغير)) بإسناد جيد، وأخرج مسلم في «صحيحه)) (٢١٩٩) (٦٣) عن جابر
قال: نهى رسول الله الله عن الرقى، فجاء ال عمرو بن حزم إلى رسول الله له
فقالوا: يا رسول الله! إنه كانت عندنا رقية نرقي بها من العقرب، وإنك نهيت عن
الرقى، قال: فعرضوها عليه، فقال: ((ما أرى بأساً، مَن استطاع منكم أن ينفع أخاه
فلینفعه)) .
١٧٠

الإنسانُ أو كانت به قرحة أو جُرح، قال بأصبعه: هكذا ووضع سفيان سبَّابَتَهُ
ءِ
بالأرض، ثم رفعها، وقال: ((بِسْمِ اللَّهِ، تُرْبَةُ أَرْضِنَا بِرِيقَةِ بَعْضِنَا، يُشْفَى سَقِيمُنَا
بِإِذْنِ رَبّنا))(١).
علة استعمال التراب في
هذه الرقية
هذا مِن العلاج الميسر النافع المركَّب، وهي معالجة لطيفة يُعالج بها
القروحُ والجِراحات الطرية، لا سيما عند عدم غيرِها من الأدوية إذ كانت موجودة
بكل أرض، وقد عُلِمَ أن طبيعة التراب الخالص بادرةٌ يابسة مجفِّفة لرطوبات
القروح والجراحات التي تمنع الطبيعة من جودة فعلها، وسرعة اندمالها، لا سيما
في البلاد الحارة، وأصحاب الأمزجة الحارة، فإن القُروح والجِراحات يتبعُها في
أكثر الأمر سوءُ مزاجٍ حارٍ، فيجتمعُ حرارة البلد والمزاجُ والجِراحُ، وطبيعةُ التراب
الخالص باردة يابسة أشدُّ مِن برودة جميع الأدوية المفردة الباردة، فتُقابِلُ برودةٌ
الترابٍ حرارةَ المرض، لا سيما إن كان الترابُ قد غُسِلَ وجُفِّفَ، ويتبعها أيضاً
كثرةُ الرطوبات الرديئة، والسيلان، والتُّراب مجفف لها، مزيل لشدة يبسه
وتجفيفه للرطوبة الرديئة المانعة من برئها، ويحصل به - مع ذلك - تعديلُ مزاج
العضو العليل، ومتى اعتدل مزاج العضو قويت قواه المدبرة، ودفعت عنه الألم
بإذن الله .
كيفية استعمال هذه
الرقية
ومعنى الحديث: أنه يأخذ مِن رِيق نفسه على أصبعه السبابة، ثم يضعها
على التراب، فيعلَق بها منه شيء، فيمسح به على الجُرح، ويقول هذا الكلام لما
فيه من بركة ذكر اسم الله، وتفويض الأمر إليه، والتوكل عليه، فينضَمُ أحد
العلاجين إلى الآخر، فيقوی التأثير.
وهل المراد بقوله: ((تربة أرضنا)) جميع الأرض أو أرضُ المدينة خاصة؟ فيه هل المقصود باستعمال
قولان، ولا ريبَ أن مِن التربة ما تكون فيه خاصية ينفع بخاصيته من أدواء كثيرة،
التراب تربة جميع الأرض
أو أرض المدينة
(١) أخرجه البخاري ١٧٦/١٠، ١٧٧ في الطب: باب رقية النبي ◌َّة، ومسلم (٢١٩٤)
في السلام: باب استحباب الرقية من العين والنملة.
١٧١

ويشفي به أسقاماً رديئة. قال جالينوس: رأيت بالاسكندرية مطحُولين،
ومستسقين، كثيراً يستعملون طين مصر، ويطلُون به على سوقهم، وأفخاذهم،
وسواعدهم، وظهورهم، وأضلاعهم، فينتفعون به منفعة بينة. قال: وعلى هذا
النحو فقد ينفع هذا الطلاء للأورام العفنة والمترهِّلة الرخوة، قال: وإني لأعرف
قوماً ترهَّلَت أبدانُهم كُلُّهَا من كثرة استفراغ الدم من أسفل، انتفعوا بهذا الطين نفعاً
بيناً، وقوماً آخرين شَفَوْا به أوجاعاً مزمنة كانت متمكنة في بعض الأعضاء تمكناً
شديداً، فبرأت وذهبت أصلاً. وقال صاحب الكتاب المسيحي: قوة الطين
المجلوب من كنوس - وهي جزيرة المصطكى - قوة تجلو وتغسل، وتُنبت
اللحمَ في القروح، وتختم القُروح. انتهى.
وإذا كان هذا في هذه التربات، فما الظنُّ بأطيبِ تُربة على وجه الأرض
وأبركها، وقد خالطت ريقَ رسولِ الله، وقارنت رقيته باسم ربه، وتفويضٍ
الأمر إليه، وقد تقدم أن قُوى الرُّقية وتأثيرها بحسب الراقي، وانفعال المرقي عن
رُقيته، وهذا أمر لا يُنكره طبيب فاضل عاقل مسلم، فإن انتفى أحدُ الأوصاف،
فلیقل ما شاء.
في عدية يفيد في علاج الوجع بالرقية
روى مسلم في ((صحيحه)) عن عثمان بن أبي العاص، أنه شكى إلى
رسول الله﴿ وجعاً يجده في جسده منذ أسلم، فقال النبيُّ فقل له: ((ضَعْ يَدَكَ عَلَى
الَّذِي تَأَلَّمَ مِنْ جَسَدِكَ وَقُلْ: بِسْمِ اللَّهِ ثَلاثَاً، وقُلْ سبع مرات: أعُوذُ بِعِزَّةِ اللَّهِ
وقُدْرَتِهِ مِنْ شَرِّ مَا أَجِدُ وأحَاذِرُ)) ففي هذا العلاج من ذكر الله، والتفويض إليه،
والاستعاذة بعزته وقدرته مِن شر الألم ما يَذهب به، وتكراره ليكون أنجعَ وأبلغ،
كتكرار الدواء لأخراج المادة، وفي السبع خاصيةٌ لا تُوجد في غيرها، وفي
(١) أخرجه مسلم (٢٢٠٢) في السلام: باب استحباب وضع يده على موضع الألم.
١٧٢

((الصحيحين)): أن النبي ◌ََّ، كان يُعَوَّذُ بعضَ أهله، يمسح بيده اليُمْنَى، ويقول:
(اللَّهُمَّ رَبَّ النَّاس، أذْهِبِ البَاسَ، واشْفِ أَنْتَ الشَّافي، لاَ شِفَاءَ إلاَّ شِفَاؤُكَ، شِفَاءً
لاَ يُغَادِرُ سَقَماً)) (٤). ففي هذه الرُقية توسل إلى الله بكمال ربوبيته، وكمال رحمته
بالشفاء، وأنه وحدَه الشافي، وأنه لا شِفَاءَ إلا شِفاؤُه، فتضمنت التوسلَ إليه
بتوحيده وإحسانه وربوبيته.
تضمنت هذه الرقية
التوسل إلى أن: توحيده
وإحسانه وربوبيته
فصل
في هديه ◌َّ في علاج حدٍّ المصيبة وحُزنها
قال تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا: إِنَّ اللَّهِ وإِنَّا
إِلَيْهِ رَاجِعُونَ أُوْنِئِكَ عَلَيْهِمْ صَنَوَاتٌ مِنْ رَبَّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ المُهْتَدُّونَ﴾
[البقرة: ١٥٥]. وفي ((المسند)) عنه أنه قال: ((مَا مِنْ أَحَدٍ تُصِيبُهُ مُصِيبةٌ
فَقُولُ: إِنَّ اللَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ، اللَّهُمَّ أُجُرْني في مُصِيبتَي وأخْلِفْ لي خيراً مِنْهَا،
إِلَّ أَجَارَهُ اللَّهُ فِي مُصِيبَتِهِ، وَأَخْلَفَ لَهُ خَيْرَاً مِنْهَا)) (٢).
وهذه الكلمة من أبلغ علاج المصاب، وأنفعه له في عاجلته واجلته، فإنها إنها تحقق العبد بأنه ذه
تتضمن أصلين عظيمين إذا تحقق العبد بمعرفتهما تسلَّى عن مصيبته.
وأن مصيره الب تصني
أحدهما: أن العبد وأهله وماله ملك لله عز وجلَّ حقيقة، وقد جعله عند
العبد عارية، فإذا أخذه منه، فهو كالمعير يأخذ متاعه من المستعير، وأيضاً فإنه
محفوف بِعَدَمَيْنِ: عدمٍ قبلَه، وعدمٍ بعده، وملك العبد له متعة معارة في زمن
يسير، وأيضاً فإنه ليس الذي أوجده عن عدمه، حتى يكون ملكه حقيقةً، ولا هو
(١) أخرجه البخاري ١٧٨/١٠ في الطب: باب النفث في الرقية، ومسلم (٢١٩١) في
السلام: باب استحباب رقية المريض.
(٢) أخرجه أحمد ٢٧/٤ من حديث أم سلمة عن أبي سلمة، وهو في (صحيح مسلم))
(٩١٨) (٤) في الجنائز: باب ما يقال عند المصيبة، من حديث أم سلمة.
١٧٣

الذي یحفظه من الآفات بعد وجوده، ولا يُبقي علیه وجوده، فليس له فیه تأثیر،
ولا ملك حقيقي، وأيضاً فإنه متصرف فيه بالأمر تصرُّفَ العبد المأمور المنهي، لا
تصرف الملاك، ولهذا لا يباح له من التصرفات فيه إلا ما وافق أمر مالكه
الحقيقي.
والثاني: أن مصير العبد ومرجعه إلى الله مولاه الحق، ولا بد أن يُخلِّفَ
الدنيا وراءَ ظهره، ويجيء ربه فرداً كما خلقه أوّل مرة بلا أهل ولا مال ولا عشيرة،
ولكن بالحسنات والسيئات، فإذا كانت هذه بداية العبد وما خُوِّله ونهايته، فكيف
يفرح بموجود، أو يأسى على مفقود، ففكره في مبدئه ومعاده من أعظم علاج هذا
الداء، ومن علاجه أن يعلم علم اليقين أن ما أصابه لم يكن ليُخطئه، وما أخطأه
لم يكُن لِيُصيبه. قال تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلاَ في أَنْفُسِكُم ألاَّ
في كتابٍ مِنْ قَبْلِ أنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذُلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرٌ لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلى مَا فَاتَكُمْ وَلاَ
تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ واللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُور﴾ [الحديد: ٢٢].
ذكر بعض العلاجات منها
النظر إلى ما أبقى الله
عليه من النعم ...
ومن علاجه أن ينظر إلى ما أصيب به، فيجد ربه قد أبقى عليه مثله، أو
أفضل منه، وادّخر له ـــ إن صبر ورضي - ما هو أعظمُ مِن فوات تِلك المصيبةِ
بأضعافٍ مُضاعفة، وأنه لو شاء لجعلها أعظم مما هي.
التأسي بأهل المصائب
وذكر قصص في ذلك
ومن عِلاجه أن يُطفىء نارَ مصيبته ببرد التأسي بأهل المصائب، وليعلم أنه
في كل وادٍ بنو سعد(١)، ولينظر يَمنة، فهل يرى إلا محنة؟ ثم ليعطف يَسرة، فهل
:
يرى إلا حسرة؟(٢)، وأنه لو فتش العالم لم يرَ فيهم إلا مبتلى، إما بفوات
محبوب، أو حصول مكروه، وأن شرورَ الدنيا أحلامُ نوم أو كظل زائلٍ، إن
أضحكت قليلاً، أبكت كثيراً، وإن سرت يوماً، ساءت دهراً، وإن مثَّعت قليلاً،
(١) مقتبس من المثل للأضبط بن قریع: في کل وادٍ سعد بن زيد.
(٢) اقتباس من رسالة بديع الزمان الهمذاني إلى أبي عامر الضبي يعزيه ببعض أقاربه،
انظر ((الرسائل)) ص ٩٣ طبع الجوائب.
١٧٤

منعت طويلاً، وما ملأت داراً خيرةً إلا ملأتها عَبْرة، ولا سرته بيومٍ سرور إلا
خبأت له يومَ شرور، قال ابن مسعود - رضي الله عنه - : لكل فرحةٍ ترحة، وما
مُلىء بيتٌ فرحاً إلا ملىء ترحاً. وقال ابن سيرين: ما كان ضحك قطُّ إلا كان من
بعده بكاء.
وقالت هند بنت النعمان: لقد رأيتُنا ونحن مِن أعزِّ الناس وأشدهم ملكاً، ثم
لم تغِبِ الشمسُ حتى رأيتُنا ونحن أقلُّ الناس، وأنه حقٌّ على الله ألاَّ يملأ داراً خيرة
إلا ملأها عبرة.
وسألها رجلٌ أن تحدثه عن أمرها، فقالت: أصبحنا ذا صباح، وما في
العرب أحد إلا يرجونا، ثم أمسينا وما في العرب أحد إلا يرحمُنا.
وبكت أختها حُرْقَة بنت النعمان يوماً، وهي في عزها، فقيل لها: ما
يُبكيك، لعل أحداً آذاك؟ قالت: لا، ولكن رأيتُ غَضارة (١) في أهلي، وقلما
امتلأت دارٌ سروراً إلا امتلأت حُزنا.
قال إسحاق بنُ طلحة: دخلتُ عليها يوماً، فقلتُ لها: كيف رأيتِ عبراتٍ
الملوك؟ فقالت: ما نحنُ فيه اليومَ خيرٌ مما كنا فيه الأمس، إنا نجِدُ في الكتب أنه
ليس مِن أهل بيت يعيشون في خيرة إلا سيُعقَبون بعدها عبرة، وأن الدهر لم يظهر
لقوم بيوم يحبونه إلا بَطَن لهم بيوم يكرهونه، ثم قالت:
إِذَا نَحْنُ فِيهِمْ سوقة نَتَنَصَّفُ
فَيْنَا نَسُوسُ النَّاسَ والأمْرُ أَمْرُنَا
تَقَلَّبُ تَارَاتِ بِنَا وَتَصَرَّفُ(٢)
فَأُفِّ لِدُنْيا لا يَدُومُ نَعِيمُهَا
(١) الغضارة: طيب العيش، قال ابن عبد ربه صاحب ((العقد)):
ألا إنما الدنيا غضارة أيكة
إذا اخضرّ منها جانب جفَّ جانب
(٢) البيتان في ((المؤتلف والمختلف)) ص ١٤٥، و((الحماسة)) ص ١٢٠٣ بشرح المرزوقي،
و ((خزانة الأدب)) ١٧٨/٣، وقولها: الأمر أمرنا، أي: لا يد فوق أيدينا، والسوقة: من
دون الملك، ونتنصف: نخدم، والناصف: الخادم.
١٧٥

الجزع يضاعف العرض
ومن علاجها أن يعلم أن الجزع لا يردها، بل يُضاعفها، وهو في الحقيقة
من تزايد المرض.
فوت ثواب الصبر اعتظم
من المعيبة
ومن علاجها أن يعلم أن فوت ثواب الصبر والتسليم، وهو الصلاةُ والرحمة
والهداية التي ضمنها الله على الصبر، والاسترجاع أعظمُ مِن المصيبة في الحقيقة.
الجزع يشمت الأعداء ..
ومِن علاجها أن يعلم أن الجَزَعَ يُشمت عدوه، ويسوء صديقه، ويُغضب
ربه، ويسرُّ شيطانه، ويُحبط أجره، ويُضعف نفسه، وإذا صبر واحتسب أنضى
شيطانه، ورده خاسئاً، وأرضى ربه، وسر صديقه، وساء عدوه، وحمل عن
إخوانه، وعزَّاهم هو قبل أن يُعَزُّوه، فهذا هو الثباتُ والكمال الأعظم، لا لطمُ
الخدودِ، وشقُّ الجيوب، والدعاءُ بالويل والثبور، والسخط على المقدور.
لذة الصبر ومنجا بيت
الحمد
ومن علاجها: أن يعلم أن ما يُعقبه الصبرُ والاحتساب من اللذة والمسرة
أضعاف ما كان يحصُل له ببقاء ما أُصيبَ به لو بقي عليه، ويكفيه من ذلك بيتُ
الحمد الذي يُبنى له في الجنة على حمده لربه واسترجاعه، فلينظر: أيُّ المصيبتين
أعظمُ؟: مصيبةُ العاجلة، أو مصيبةُ فواتٍ بيت الحمد في جنة الخلد. وفي
الترمذي مرفوعاً: ((يَوَدُّ نَاسٌ يَوْمَ القِيَامَةِ أَنَّ جُلُودَهُمْ كَانَتْ تُفْرَضُ بِالَمَقَارِيضِ في
الدُّنيا لِمَا يَرَوْنَ مِنْ ثَوابِ أَهْلِ البَلاَءِ»(١).
وقال بعضُ السلف: لولا مصائب الدنيا لوردنا القيام مفاليس.
ومن علاجها: أن يروِّح قلبه بروح رجاء الخَلَفِ من الله، فإنه من كل شيء
عوض إلا الله، فما مِنه عوض کما قيل :
ترويج القلب برجاء
الخلف من الله
(١) أخرجه الترمذي (٢٤٠٤) في الزهد: باب ما يود أهل العافية في الجنة، من حديث
عبد الرحمن بن معزاء عن الأعمش عن أبي الزبير عن جابر، وعبد الرحمن بن معزاء
ضعيف، أنكرت عليه أحاديث يرويها عن الأعمش لا يتابعه عليها الثقات، وفيه عنعنة
الأعمش وأبي الزبير.
١٧٩

مِنْ كُلِّشَيء إذاضَيَّعْتَهُ عِوَضٌ وَمَا مِنَ اللَّهِ إِنْ ضَيَّعْتَهُ عِوَضُ
ومِن علاجها: أن يعلم أن حظه من المصيبة ما تُحدثه له، فمن رضي، فله الحظ من العصيبة شا
الرِّضى، ومن سخط، فله السخط، فحظُّك منها ما أحدثته لك، فاختر خيرَ
تحدثه نه
الحظوظ أو شرها، فإن أحدثت له سخطاً وكفراً، كتب في ديوان الهالكين، وإن
أحدثت له جزءاً وتفريطاً في ترك واجب، أو فعل محرم، كتب في ديوان
المفرِّطين، وإن أحدثت له شكاية، وعدم صبر، كتب في ديوان المغبونين، وإن
أحدثت له اعتراضاً على الله، وقدحاً في حكمته، فقد قرع باب الزندقة أو ولجه،
وإن أحدثت له صبراً وثباتاً لله، كتب في ديوان الصابرين، وإن أحدثت له الرضى
عن الله، كتب في ديوان الراضين، وإن أحدثت له الحمد والشكر، كتب في ديوان
الشاكرين، وكان تحتَ لواء الحمد مع الحمَّادين، وإن أحدثت له محبة واشتياقاً
إلى لقاء ربه، كُتِبَ في ديوان المحبّين المخلصين.
وفي «مسند الإمام أحمد) والترمذي، من حدیث محمود بن لبید یرفعه:
(إِنَّاللَّهَ إذا أَحَبَّ قَوْماً ابْتَلاَهُم، فَمِن رَضِيَ فَلَهُ الرِّضىُ، وَمَنْ سَخِطَ فَلَهُ السُّخْطُ)).
زاد أحمد: ((وَمَنْ جَزِعَ فله الجَزَعُ»(١) .
ومن علاجها: أن يعلم أنه وإن بلغ في الجزع غايته، فَآخِرُ أمره إلى صبر آخر أمره الجزع إلى عسير
الاضطرار، وهو غيرُ محمود ولا مُثاب، قال بعض الحكماء: العاقلُ يفعل في أوَّل
الاضطرار
يوم من المصيبة ما يفعله الجاهل بعد أيام، ومَنْ لم يصبر صَبْرَ الكِرام، سلا سُلُوَّ
البهائم. وفي ((الصحيح)) مرفوعاً: ((الصَبْرُ عِنْدَ الصَّدْمَةِ الأولىُ))(٣). وقال
(١) حديث صحيح، أخرجه أحمد في ((المسند)) ٤٢٧/٥ و٤٢٩ من طريقين بلفظ: ((إن الله
عز وجل إذا أحب قوماً ابتلاهم، فمن صبر فله الصبر، ومن جزع فله الجزع)) وأخرجه
الترمذي (٢٣٩٨)، وابن ماجه (٤٠٣١) من حديث أنس بلفظ: ((إن عظم الجزاء من عظم
البلاء، وإن الله أذا أحب قوماً ابتلاهم، فمن رضي فله الرضى، ومن سخط فله السخط)»
و سنده حسن .
(٢) أخرجه البخاري ١٣٨/٣ في الجنائز: باب الصبر عند الصدمة الأولى، ومسلم (٩٢٦) ..

الأشعث بن قيس: إنك إن صبرت إيماناً واحتساباً، وإلا سَلَوْتَ سُلُوَّ البهائِم.
أنفع الأدوية موافقة الله
فيما أحبه
ومِن علاجها: أن يعلم أن أنفع الأدوية له موافقةُ ربه وإلهه فيما أحبه ورضيه
له، وأَن خاصية المحبة وِرَّها موافقةُ المحبوب، فمن ادعى محبة محبوب، ثم
سَخِطَ ما يُحِبُّه، وأحبَ ما يُسخطه، فقد شهد على نفسه بكذبه، وتَمقَّتَ إلى
محبوبه .
وقال أبو الدرداء: أن الله إذا قضى قضاء، أحب أن يرضى به، وكان
عمران بن حصين يقول في علته: أَحَبُّهُ إِليَّ أَحَبُّهُ إِلَيْهِ، وكذلك قال أبو العالية.
وهذا دواء وعِلاج لا يعمل إلا مع المحبّين، ولا يُمكن كُلّ أحد أن يتعالج
به .
لذة التمتع بثواب الله
أعظم من لذة التمتع بما
أصيب به
ومن عِلاجها: أن يُوازن بين أعظم اللذتين والمتعتين، وأدومِهما: لذَّةِ
تمتعه بما أُصيب به، ولذةٍ تمتُّعه بثواب الله له، فإن ظهر له الرجحان، فآثر
الراجِحَ، فليحمدِ الله على توفيقه، وإن آثر المرجوحَ مِن كل وجه، فليعلم أن
مصيبتَه في عقله وقلبه ودينه أعظمُ مِن مصيبته التي أُصيب بها في دنياه.
ابتلاء الله العبدَ لامتحان
صبره
ومن علاجها أن يعلم أن الذي ابتلاه بها أحكمُ الحاكمين، وأرحمُ
الراحمين، وأنه سبحانه لم يرسل إليه البلاءَ ليهلكه به، ولا ليعذبه به، ولا
ليجتاحَه، وإنما افتقده به ليمتحن صبره ورضاه عنه وإيمانه، وليسمع تضرّعه
وابتهاله، وليراه طريحاً ببابه، لائذاً بجنابه، مكسورَ القلب بين يديه، رافعاً قصصَ
الشکوی إلیه .
قال الشيخ عبد القادر: يا بني! إن المصيبةَ ما جاءت لِتُهلِكَكَ، وإنما جاءت
لتمتحِنَ صبرك وإيمانَك، يا بني! القَدَرُ سَبُعٌ، والسَّبُع لا يأكلُ الميتةَ.
والمقصود: أن المصيبة كِير العبدِ الذي يُسبك به حاصله، فإما أن يخرج
في الجنائز: باب في الصبر في المصيبة عند الصدمة الأولى، من حديث أنس بن مالك.
١٧٨

ذهباً أحمر، وإما أن يخرج خبثاً کله، کما قيل :
سَبَكْنَاهُ وَنَحْسِبُه لُجَيْنَاً فَأَبْدَىُ الكِيرُ عَنْ خَبَثِ الحَدِيدِ
فإن لم ينفعه هذا الكير في الدنيا، فبين يديه الكِير الأعظم، فإذا علم العبد
أن إدخاله كير الدنيا ومسبكها خيرٌ له من ذلك الكير والمسبك، وأنه لا بد مِن أحد
الكيرين، فليعلم قدرَ نعمة الله عليه في الكِير العاجل.
المصيبة كاسرة لداء
الكبر وقسوة القلب ...
ومن علاجها: أن يعلم أنه لولا مِحَنُ الدنيا ومصائبُها، لأصاب العبدَ - مِن
أدواء الكِبْرِ والعجب والفرعنة وقسوة القلب - ما هو سببُ هلاكه عاجلاً وآجلاً،
فمن رحمة أرحم الراحمين أن يتفقَّده في الأحيان بأنواع من أدوية المصائب،
تكون حِمية له من هذه الأدواء، وحِفظاً لصحة عُبوديته، واستفراغاً للمواد الفاسدة
الردیئة المهلكة منه، فسبحان من یرحمُ ببلائه، ويبتلي بنعمائه کما قيل:
ويَبْتَلِي اللَّهُ بَعْضَ القَوْمِ بِالنِّعَمِ
قَدْ يُنْعِمُ بِالْبَلْوِىُ وإِنْ عَظُمَت
فلولا أنه - سبحانه - يداوي عباده بأدوية المحن والابتلاء، لطغوا،
وبَغَوْا، وعَتَوْا، والله - سبحانه - إذا أراد بعبد خيراً سقاه دواء من الابتلاء
والامتحان على قدر حاله يستفرغُ به من الأدوء المهلكة، حتى إذا هذَّبه ونقَّاه
وصفَّاه، أهَّلَه لأشرف مراتب الدنيا، وهي عبوديتُه، وأرفع ثواب الآخرة، وهو
رؤیتُه وقربه.
ومن علاجها: أن يعلم أن مرارةَ الدنيا هي بعينها حلاوةُ الآخرة، يقلبها اللَّهُ
سبحانه كذلك، وحلاوة الدنيا بعينها مرارة الآخرة، ولأن ينتقل من مرارة منقطعة
إلى حلاوة دائمة خيرٌ له من عكس ذلك، فإن خفي عليك هذا، فانظر إلى قول
الصادق المصدوق: ((حُفَّتِ الجَنَّةُ بالمَكَارِهِ وحُفَّتِ النَّارُ بالشَّهَوَاتِ)) (١).
مرارة الدنيا حلاوة
الاخرة
وفي هذا المقام تفاوتت عقولُ الخلائق، وظهرت حقائقُ الرجال، فأكثرُهم
(١) أخرجه مسلم (٢٨٢٢) في الجنة: باب صفة الجنة ونعيمها.
١٧٩

آثرَ الحلاوةَ المنقطعة على الحلاوة الدائمة التي لا تزول، ولم يحتمل مرارة ساعة
لِحلاوة الأبد، ولا ذُلَّ ساعةٍ لعز الأبد، ولا مِحنة ساعة لعافية الأبد، فإن الحاضر
عنده شهادة، والمنتظر غيب، والإِيمان ضعيف، وسلطانُ الشهوة حاكم، فتولد
من ذلك إيثارُ العاجلة، ورفضُ الآخرة، وهذا حال النظر الواقع على ظواهر
الأمور، وأوائلها ومبادئها، وأما النظر الثاقب الذي يخرق حجب العاجلة،
ويجاوزه إلى العواقب والغايات، فله شأن آخر .
فادع نفسك إلى ما أعد الله لأوليائه وأهل طاعته من النعيم المقيم، والسعادة
الأبدية، والفوز الأكبر، وما أعدَّ لأهل البطالة والإضاعة مِن الخزي والعقاب
والحسرات الدائمة، ثم اختر أيُّ القسمين أليقُ بك، وكلٌّ يعمل على شاكلته،
وكُلُّ أحد يصبو إلى ما يُناسبه، وما هو الأولى به، ولا تستطِلْ هذا العلاج، فشدة
الحاجة إليه من الطبيب والعليل دعت إلى بسطه، وبالله التوفيق.
فصل
في هديه فيّة في علاج الكرب والهم والغم والحزن
) كان يقول
أخرجا في «الصحيحين)) من حديث ابن عباس، أن رسول الله
عند الكرب: ((لاَ إلهَ إلاَّ اللَّهُ العَظِيمُ الحَلِيمُ، لاَ إلهَ إلاَّ اللَّهُ رَبُّ العَرْشِ العَظِيمُ، لاَ
إلهَ إلاَّ اللَّهُ رَبُّ السَّماواتِ السَّبْعِ، وَرَبُّ الأرْض رَبُّ العَرْشِ الكَرِيمُ))(١).
وفي ((جامع الترمذي)) عن أنس، أن رسولَ الله ◌َ، كان إذا حَزَبَه أمر،
قَال: ((يَا حَيُّ يَا قَيُّومُ بِرَحْمَتِكَ أَسْتَغِيثُ)) (٢).
وفيه: عن أبي هريرة، أن النبي
، كان إذا أهمَّهُ الأَمْرُ، رفع طرفه إلى
(١) أخرجه البخاري ١٢٢/١١، ١٢٣ في الدعوات: باب الدعاء عند الكرب، ومسلم
(٢٧٣٠) في الذكر والدعاء: باب دعاء الكرب.
(٢) أخرجه الترمذي (٣٥٢٢) في الدعوات، وفي سنده يزيد بن أبان الرقاشي، وهو ضعيف.
١٨٠