Indexed OCR Text

Pages 501-520

وإنما منعه مَن فيها من النساء والذرية الذين لا تجبُ عليهم كما أخبر هو عن
ذلك.
ومنها: أن الوقف لا يصح على غير برِّ ولا قُربة، كما لم يصحّ وقفُ هذا الوقف لا يصح على غير
المسجد، وعلى هذا: فيُهدم المسجد إذا بني على قبر، كما يُنبش الميتُ إذا دُفِنَ
برولا قربة ومنها هدم
المساجد المبنية على
القبور
في المسجد، نص على ذلك الإِمام أحمد وغيرهُ، فلا يجتمع في دين الإِسلام
مسجدٌ وقبر، بل أيُّهما طرأ على الآخر، منع منه، وكان الحكم للسابق، فلو
وضعا معاً، لم يجز، ولا يصح هذا الوقف ولا يجوز، ولا تَصِحُّ الصلاة في هذا
المسجد لنهي رسولِ الله عن ذلك، ولعنه من اتخذ القبر مسجداً أو أوقد عليه
سراجاً، فهذا دينُ الإِسلام الذي بعث الله به رسوله ونبيه، وغربتُه بينَ الناس كما
ترى .
فصل
ومنها: جواز إنشادِ الشعر للقادم فرحاً وسروراً به ما لم يكن معه محرم من جواز إنشاد الشعر للقادم
لهو، كمزمار، وشبابة، وعود، ولم يكن غناءً يتضمن رُقية الفواحش، وما حرَّم
فرحاً به
الله، فهذا لا يُحَرِّمُه أحد، وتَعَلُّقُ أربابِ السماع الفِسقي به كتعلق من يستحِلُّ
شُربَ الخمر المسكر قياساً على أكل العنب، وشرب العصير الذي لا يُسكر،
ونحو هذا من القياسات التي تشبه قياس الذين قالوا: إنما البيع مثل الربا.
ومنها: استماعُ النبي ◌َِّ مدحَ المادحين له، وتركُ الإِنكار عليهم، ولا
يَصِحُّ قياسُ غيره عليه في هذا، لما بين المادحين والممدوحين من الفروق، وقد
قال: ((احْتُوا فِي وُجُوه المَذَّاحِينَ الثُّرابَ)) (١).
استماعه # مدح
المادحين له
=
عند أحمد ٣٦٧/٢ وفي سنده أبو معشر المدني، واسمه نجيح بن عبد الرحمن وهو
ضعيف .
(١) أخرجه مسلم (٣٠٠٢) وأحمد ٥/٦، وأبو داود (٤٨٠٤) والبخاري في ((الأدب
المفرد)» (٣٣٩) والترمذي (٣٣٩٥)، وابن ماجه (٣٧٤٢) في الزهد: باب النهي عن
المدح من حديث المقداد بلفظ ((إذا رأيتم المداحين فاحثوا في وجوههم التراب)) =
٥٠١

الفوائد المستنبطة من
قصة المتخلفين الثلاثة
جواز إخبار الرجل عن
تفريطه
فمنها: جوازُ إخبار الرجل عن تفريطه وتقصِيرِه في طاعة الله ورسوله، وعن
سببِ ذُلك، وما آل إليه أمرُه، وفي ذلك مِن التحذير والنصيحة، وبيانِ طُرُقِ الخير
والشر، وما يترتب عليها ما هو من أهم الأمور.
ومنها: جوازُ مدح الإنسان نفسه بما فيه من الخير إذا لم يكن على سبيل
الفخر والترفع.
جواز مدح الرجل نفسه
ومنها: تسلية الإِنسان نفسَه عما لم يُقدر له من الخير بِما قدر له مِن نظيره أو
خير منه.
بيعة العقبة من أفضل
مشاهد الصحابة
ومنها: أن بيعةَ العَقَبَةِ كانت مِن أفضل مشاهد الصحابة، حتى إن كعباً كان
لا یراها دون مشهد بدر .
لم يكن ديوان للجيش
ومنها: أن الإِمام إذا رأى المصلحة في أن يستر عن رعيته بعضَ ما يهم به
ويقصِدُه من العدو، ويُورِّي به عنه، استُحِبَّ له ذلك، أو يتعين بحسب المصلحة.
المبادرة إلى انتهاز
فرصة الطاعة
ومنها: أن السِّترَ والكتمان إذا تضمن مفسدة، لم يجز.
ومنها: أن الجيشَ في حياة النبي ◌َّ- لم يكن لهم دِیوان، وأول من دوَّن
الدِّيوان عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وهذا مِن سنته التي أمر النبي ◌َّة
باتباعها، وظهرت مصلحتُها، وحاجةُ المسلمين إليها.
ومنها: أن الرجلَ إذا حضرت له فُرصةُ القُربة والطاعة، فالحزمُ كُلُّ الحزم
في انتهازها، والمبادرة إليها، والعجزُ في تأخيرها، والتسويف بها، ولا سيما إذا
لم يثق بقدرته وتمكنه من أسباب تحصيلها، فإن العزائم والهمم سريعةُ الانتقاض
قلما ثبتت، والله سُبحانه يُعاقب مَنْ فتح له باباً من الخير فلم ينتهزه، بأن يحول
=
ولفظ المصنف أخرجه ابن حبان (٢٠٠٨) وأبو نعيم ١٢٧/٦ والخطيب ٣٣٨/٧ من
حديث ابن عمر.
٥٠٢
ومنها: ما اشتملت عليه قصةُ الثلاثة الذين خُلِّقُوا مِن الحِكَم والفوائد
الجمَّة، فنشیرُ إلى بعضها :

بين قلبه وإرادته، فلا يُمكنه بعد من إرادته عقوبةً له، فمن لم يَستجِبْ لله ورسوله
إذا دعاه، حالَ بينه وبين قلبه وإرادته، فلا يمكنه الاستجابةُ بعد ذلك. قال تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا اللَّهِ وَلِلرَّسُولِ إذا دَعَاكُمْ لمَا يُحْيِيكُمْ وَأَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ
يَحُولُ بينَ المَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾ [الأنفال: ٢٤]، وقد صرَّح الله سبحانه بهذا في قوله:
﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [الأنعام: ١١٠]، وقال
تعالى: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف: ٥]. وقال: ﴿ومَا كَانَ اللَّهُ
لِيُضِلَّ قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَذَاهُم حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُون﴾ [التوبة: ١١٥] وهو كثير في
القرآن.
ومنها: أنه لم يكن يتخلَّفُ عن رسول الله بَّ إلا أحد رجال ثلاثة، إما لم يكن يتخلف عنه بيه
مغموصٌ عليه في النفاق، أو رجلٌ من أهل الأعذار، أو من خلَّفَهُ رسولُ اللهِ إِ له
واستعمله على المدينة، أو خلفه لمصلحة .
إلا منافق أو معذور أو من
خلفه النبي ێ﴾
ومنها: أن الإِمام والمطاعَ لا ينبغي له أن يُهمِلَ مَنْ تخلَّفَ عنه في بعض
الأمور، بل يذكِّرِه ليراجع الطاعة ويتوب، فإن النبيِ نَّه قال بتبوك: ((مَا فَعَلَ
كَعْب؟)) ولم يذكر سِواه من المخلَّفين استصلاحاً له، ومُراعاةً وإهمالاً للقوم
المنافقين.
ومنها: جوازُ الطعنِ في الرجل بما يغلِبُ على اجتهادِ الطاعن حميةً، أو ذبّاً
عن الله ورسوله، ومن هذا طعنُ أهل الحديث فيمن طعنوا فيه من الرواة، ومن هذا
طعنُ ورثة الأنبياء وأهل السنة في أهل الأهواء والبدع لله لا لحظوظهم
وأغراضهم.
تذكير الإمام والمطاع
المتخلفين بالتوبة
ومنها: جوازُ الرد على الطاعن إذا غلب على ظن الرادِّ أنه وهم وغلط، كما جواز الطعن اجتهاداً
قال معاذ للذي طعن في كعب: بئس ما قلتَ، والله يا رسولَ الله ما علمنا عليه إلاَّ
خيراً، ولم يُنكِرْ رسولُ الله بِّ على واحد منهما.
ومنها: أن السنةَ للقادم من السفر أن يدخل البلد على وضوء، وأن يبدأَ
٥٠٣

ببيت الله قبل بيته، فيُصَلِّي فيه ركعتين، ثم يجلس للمسلِّمين عليه، ثم ينصرفُ إلى
أهله .
الحكم بالظاهر
ومنها: أن رسول الله ◌َّ كان يقبل علانية من أظهر الإِسلام من المنافقين،
ويَكِلُ سريرته إلى الله، ويُجري عليه حكم الظاهر، ولا يُعاقبه بما لم يعلم مِن
سِرِّ.
ترك رد السلام على من
أحدث حدثاً ...
ومنها: تركُ الإِمام والحاكم ردَّ السلام على من أحدث حدثاً تأديباً له،
وزجراً لغيره، فإنه ◌ّ لم ينقل أنه رد على كعب، بل قابل سلامه بتبسم
المُغْضَبِ .
تبسم الغضب
ومنها: أن التبسم قد يكون عن الغضب، كما يكون عن التعجب والسرور،
فإن كلاً منهما يُوجب انبساط دم والقلب وثورانه، ولهذا تظهر حمرةُ الوجه لسرعة
ثورانِ الدم فيه، فينشأ عن ذلك السرور، والغضب تعجّبٌ يتبعُه ضحك وتبسم،
فلا يغتر المغتر بضحك القادر عليه في وجهه، ولا سيما عند المَعتَبَةِ كما قيل :
إذا رَأَيْتَ نُيُوبَ اللَّيثِ بَارِزَة فَلا تَظُنَّنَّ أَنَّ اللَّيْثَ مُبْتَسِمُ(١)
جواز معاتبة الإمام
والمطاع أصحابه
ومنها: معاتبةُ الإِمام والمطاع أصحابه، ومن يعز عليه، ويَكْرُم عليه، فإنه
عاتَب الثلاثة دونَ سائِر من تخلّف عنه، وقد أكثر الناسُ من مدح عتاب الأحبة،
واستلذاذه، والسرور به، فكيف بعتاب أحبِّ الخلق على الإِطلاق إلى المعتوب
عليه، ولله ما كان أحلى ذلك العتاب، وما أعظم ثمرتَه، وأجلَّ فائدتَه، ولله ما نال
به الثلاثةُ مِن أنواع المسرات، وحلاوةِ الرضى، وخِلَعِ القبول.
توفيق الله لكعب
وصاحبيه
ومنها: توفيقُ اللَّهِ لكعب وصاحبيه فيما جاؤوا به من الصدق، ولم يخذلهم
حتى كذبوا واعتذروا بغير الحق، فصلُحت عاجلتهم، وفسدت عاقبتُهم كلَّ
الفساد، والصادقون تعبوا في العاجلة بعضَ التعب، فأعقبهم صلاح العاقبة،
والفلاح كُلَّ الفلاح، وعلى هذا قامت الدنيا والآخرة، فمراراتُ المبادي حلاوات
(١) هو للمتنبي من قصيدة يعاتب بها سيف الدولة. انظر (ديوان)) ٨٥/٤.
٥٠٤

في العواقب، وحلاوات المبادي مرارات في العواقب. وقول النبيِّ ◌َيّ لكعب:
((أما هذا، فقد صدق))، دليلٌ ظاهر في التمسك بمفهوم اللقب عند قيام قرينة
تقتضي تخصيص المذكور بالحكم، كقوله تعالى: ﴿ودَاوُدَ وَسُلَيْمَان إذْ يَحْكُمَانِ
في الحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فيه غَنَمُ القَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شِاهِدِينَ فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ﴾
[الأنبياء: ٧٨ و٧٩]، وقوله ◌ٍَّ: «جعلت لسي الأرضُ مسجداً وتُرْبَتُها
طهوراً)) (١)وقوله في هذا الحديث: ((أما لهذا فقد صدق))، وهذا مما لا يشك
السامع أن المتكلم قصد تخصيصه بالحكم .
ينبغي للرجل أن يردحر
المصيبة بروح التأسي
بمن لقي مثل ما لقي
وقول كعب: هل لقي هذا معي أحد؟ فقالوا: نعم، مرارة بن الربيع،
وهلال بن أمية، فيه أن الرجل ينبغي له أن يردَّ حرَّ المصيبة بروح التأسي بمن لقي
مثل ما لقي، وقد أرشد سبحانه إلى ذلك بقوله تعالى: ﴿وَلاَ تَهنوا في أَيْتِغَاءِ القَوْمِ
إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كما تَأْلَمون وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَ يَرْجُونَ﴾
[النساء: ١٠٤]، ولهذا هو الروح الذي منعه الله سبحانه أهلَ النارِ فيها بقوله:
﴿وَلَنْ يَنْفَعَكُمْ اليَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي العَذَابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ [الزخرف: ٣٩].
وقوله: ((فذكروا لي رجلين صالحين قد شهدا بدراً لي فيهما أسوة)) هذا الموضع
مما عُدَّ من أوهام الزهري، فإنه لا يُحفظ عن أحد من أهل المغازي والسير البتة
ذِكرُ هذين الرجلين في أهل بدر، لا ابن إسحاق ولا موسى بن عقبة، ولا الأموي،
ولا الواقدي، ولا أحد ممن عدَّ أهل بدر، وكذلك ينبغي أَلاَّ يكونا من أهل بدر،
فإن النبي ◌َّهه لمْ يَهْجُرْ حاطباً، ولا عاقبه وقد جس عليه، وقال لعمر لما هم
بقتله: ((وما يُدريكَ أن الله اطلع على أهْلِ بدرٍ فقال: اعملوا ما شِئْتُم فقد غفرتُ
لكم))، وأين ذنبُ التخلف من ذنب الجسِّ.
وهم الزهري في جعله
صاحبي كعب ممن شهد
بدراً ولم يغلط إلا في هذا
الموضع
قال أبو الفرج بن الجوزي: ولم أزل حريصاً على كشف ذلك وتحقيقه حتى
رإيتُ أبا بكر الأثرم قد ذكر الزهري، وذكر فضله وحفظه وإتقانه، وأنه لا يكاد
يحفظ عليه غلط إلا في هذا الموضع، فإنه قال: إن مرارة بن الربيع، وهلال بن
(١) صحيح وقد تقدم.
٥٠٥

أمية شهدا بدراً، وهذا لم يقله أحدٌ غيره، والغلط لا يعصم منه إنسان.
فصل
وفي نهي النبيِّ مَّ عن كلام هؤلاء الثلاثة من بين سائر من تخلَّف عنه دليلٌ
على صدقهم وكذب الباقين، فأراد هجرَ الصادقين وتأديبهم على هذا الذنب، وأما
المنافِقون، فجُرمهم أعظمُ من أن يُقابل بالهجر، فدواء هذا المرض لا يعمل في
مرض النفاق، ولا فائدةَ فيه، وهكذا يفعلُ الرب سبحانه بعباده في عقوبات
جرائمهم، فيؤدِّبُ عبده المؤمن الذي يحبهُ وهو کریم عنده بأدنى زلة وهفوة، فلا
يزال مستيقظاً حَذِراً، وأما من سقط من عينه وهان عليه، فإنه يُخلي بينَه وبين
معاصيه، وكلما أحدث ذنباً أحدث له نِعمة، والمغرورُ يظن أن ذُلك مِن كرامته
عليه، ولا يعلم أن ذلك عينُ الإهانة، وأنه يُريد به العذابَ الشديد، والعقوبةَ التي
لا عاقبة معها، كما في الحديث المشهور: ((إِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِعَبْدٍ خَيْراً عَجَّلَ لَهُ عُقُوبَتَهُ
في الدُّنْيَا، وإِذَا أَرادَ بِعَبْدٍ شَراً، أَمْسَكَ عَنْهُ عُقُوبَتَهُ فِي الدُّنْيَا، فَيَرِدُ يَوْمَ القِيَامَةِ
بِذُنُوبِه))(١).
جواز الهجر للتأديب
وفيه دليل أيضاً على هِجران الإِمام، والعالمٍ، والمطاعِ لمن فعل ما
يستوجِبُ العَتب، ويكون هِجرانه دواء له بحيث لا يضعُف عن حصولِ الشفاء به،
ولا يزيدُ في الكمية والكيفية عليه فيهلكه، إذ المرادُ تأديبُه لا إتلافُه.
التنكر والوحشة دليل
على حياة القلب
وقوله: ((حتى تنكرت لي الأرض، فما هِيَ بالتي أعرِفُ)) هذا التنكرُ يجده
الخائفُ والحزينُ والمهمومُ في الأرض، وفي الشجر، والنبات حتی یجدّہ فیمن
لا يعلم حاله من الناس، ويجده أيضاً المذنبُ العاصي بحسب جرمه حتى في خُلُقٍ
زوجته وولده، وخادمه ودابته، ویَجِدُه في نفسه أیضاً، فتتنكر له نفسُه حتى ما
(١) أخرجه الترمذي (٢٣٩٨) في الزهد: باب ما جاء في الصبر على البلاء والحاكم من
حديث أنس، وسنده قابل للتحسين، وله شاهد من حديث عبد الله بن مغفل عند
أحمد ٨٧/٤ والطبراني والحاكم ٣٧٧،٣٧٦/٤ وعن عمار بن ياسر عند الطبراني،
وعن أبي هريرة عند ابن عدي.
٥٠٦
نهيه # عن كلام هؤلاء
الثلاثة لتأديبهم دليل
على صدقهم

كأنَّه هو، ولا كأنَّ أهلَه وأصحابَه، ومَن يُشْفِقُ عليه بِالَّذِينَ يعرِفُهم، وهذا سر من
الله لا يخفى إلا على من هو ميتُ القلب، وعلى حسب حياة القلب، يكون إدراكُ
هذا التنكر والوحشة. وما لجرح بميت إيلام.
ومن المعلوم، أن هذا التنكرَ والوحشة كانا لأهل النفاق أعظم، ولكن
لموت قلوبهم لم يكونوا يشعرون به، وهكذا القلبُ إذا استحكم مرضُه، واشتد
ألمُه بالذنوب والإِجرام، لم يجد هذه الوحشة والتنكر، ولم يحس بها، وهذه
علامةُ الشقاوة، وأنه قد أيسَ من عافية هذا المرض، وأعيا الأطباء شِفاؤه،
والخوفُ والهمُّ مع الريبة، والأمنُ والسرورُ مع البراءةِ مِن الذنب.
فَمَا في الأرْضِ أَشْجَعُ مِنْ بريء وَلا فِي الأَرْضِ أَخْوَفُ مِنْ مُرِيبٍ
وهذا القدرُ قد ينتفع به المؤمنُ البَصيرُ إذا ابتُلِيَ به ثم راجع، فإنه ينتفع به
نفعاً عظيماً مِن وجوه عديدة تفوتُ الحصرَ، ولو لم يكن منها إلا استثمارُه من ذلك
أعلام النبوة، وذوقُه نفس ما أخبر به الرسولُ فيصير تصديقه ضرورياً عنده، ويصيرُ
ما ناله مِن الشر بمعاصيه، ومن الخير بطاعاته من أدلة صدق النبوة الذوقية التي لا
تتطرقُ إليها الاحتمالات، وهذا كمن أخبرك أن في هذه الطريق من المعاطب
والمخاوف كيت وكيتَ على التفصيل، فخالفته وسلكتها، فرأيتَ عين ما أخبرَك
به، فإنك تَشْهَدُ صِدقَه في نفس خِلافك لَهُ، وأما إذا سلكت طريقَ الأمن وحدها،
ولم تجد من تلك المخاوف شيئاً، فإنه وإن شهد صدق المخبر بما ناله من الخير
والظفر مفصلاً، فإن علمه بتلك يكون مجملاً.
فصل
ومنها: أن هلال بن أمية ومرارة قعدا في بيوتهما، وكانا يُصليان في علة تخلف صديقي كعب
بيوتهما، ولا يحضُران الجماعة، وهذا يدل على أن هِجران المسلمين للرجل عذر
عن صلاة الجماعة
يُبيح له التخلف عن الجماعة، أو يقال: من تمام هجرانه أن لا يحضر جماعة
المسلمين، لكن يقال: فكعب كان يحضر الجماعة ولم يمنعه النبي ◌َّ، ولا عتب
عليهما على التخلف، وعلى هذا فيقال: لما أُمِرَ المسلمون بهجرهم تركوا:
٥٠٧

لم يُؤمروا، ولم يُنهوا، ولم يُكلموا، فكان من حضر منهم الجماعة لم يمنع، ومن
تركها لم يُكلَّم، أو يقال: لعلهما ضَعُفَا وعَجَزا عن الخروج، ولهذا قال كعب:
وكنت أنا أجلدَ القوم وأشبَّهم، فكنتُ أخرج فأشهدُ الصلاة مع المسلمين.
رد السلام على من
يستحق الهجر غير واجب
وقوله: وآتي رسول الله ﴾ فأسلم عليه، وهو في مجلسه بعد الصلاة،
فأقول: هل حرك شفتيه برد السلام علي أم لا؟ فيه دليل على أن الرد على من
يستحق الهجرَ غیرُ واجب، إذ لو وجب الرد لم يكن بد من إسماعه.
دخول دار الصاحب من
غير إذن ...
وقوله: حتى إذا طال ذلك علي، تسورتُ جدار حائط أبي قتادة، فيه دليل
على دخول الإِنسان دارَ صاحبه وجاره إذا علم رضاه بذلك، وإن لم يستأذِنْه .
قول: الله ورسوله أعلم
ليس بخطاب
وفي قول أبي قتادة له: الله ورسوله أعلم، دليل على أن هذا ليس بخطاب
ولا كلام له، فلو حلف لا يكلمه، فقال مثلَ هذا الكلام جواباً له لم يحنث، ولا
سيما إذا لم ينو به مكالمته، وهو الظاهر من حال أبي قتادة.
إشارة الناس إلى النبطي
على كعب دون نطقهم
وفي إشارة الناس إلى النّبطي الذي كان يقول: من يدل على كعب بن
تحقيق لمقصود الهجران مالك دون نطقهم له تحقيقٌ لمقصود الهجر، وإلا فلو قالوا له صريحاً: ذاك
كعب بن مالك، لم يكن ذلك كلاماً له، فلا يكونون به مخالفين للنهي، ولكن
لفرط تحرِّيهم وتمسكهم بالأمر، لم يذكروه له بصريح اسمه. وقد يقال: إن
في الحديث عنه بحضرته وهو يسمع نوع مكالمة له، ولا سيما إذا جعل ذلك
ذريعة إلى المقصود بكلامه، وهي ذريعةٌ قريبة، فالمنع من ذلك من باب منع
الحيل وسد الذرائع، وهذا أفقه وأحسن.
ابتلاء الله لكعب بمكاتبة
ملك غسان له
وفي مكاتبة ملك غسان له بالمصير إليه ابتلاء من الله تعالى، وامتحان
لإيمانه ومحبته لله ورسوله، وإظهار للصحابة أنه ليس ممن ضعف إيمانُه بهجر
النبي ◌َّ والمسلمين له، ولا هو ممن تحمِلُه الرغبة في الجاه والملك مع
هجران الرسول والمؤمنين له على مفارقة دينه، فهذا فيه من تبرئة الله له مِن
النفاق، وإظهار قوة إيمانه، وصدقه لرسوله وللمسلمين ما هو من تمام
نعمة الله عليه، ولطفه به، وجبره لكسره، وهذا البلاءُ يُظهر لُبَّ الرجل وسره،
٥٠٨

وما ينطوي عليه، فهو كالكِير الذي يخرج الخبيث من الطيب.
وقوله: فتيممت بالصحيفة التنورَ، فيه المبادرة إلى إتلاف ما يُخشى منه
الفساد والمضرة في الدين، وأن الحازم لا ينتظر به ولا يُؤخره، وهذا
كالعصير إذا تخمّر، وكالكتاب الذي يُخشى منه الضررُ والشر، فالحزم
المبادرة إلى إتلافه وإعدامه.
إتلاف ما يخشى منه
المضرة في الدين
عداوة غسان
لرسول الله (9يخ
وكتابه # لهم
وكانت غسان إذ ذاك ــ وهُم ملوك عرب الشام - حرباً
لرسول الله ◌َّ، وكانوا ينعلُون خيولَهم لمحاربته، وكان هذا لما بعث
شجاع بن وهب الأسدي إلى ملكهم الحارث بن أبي شمر الغساني يدعوه إلى
الإِسلام، وكتب معه إليه، قال شجاع: فانتهيتُ إليه وهو في غوطة دمشق،
وهو مشغول بتهيئة الأنزال والألطاف لِقيصر، وهو جاءٍ من حمصَ إلى إيلياء،
فأقمتُ على بابه يومين أو ثلاثة، فقلتُ لِحاجبه: إني رسول رسولِ الله ◌ِّ﴾
إليه، فقال: لا تَصِلُ إليه حتى يخرُجَ يومَ كذا وكذا، وجعل حاجبُه ــ وكان
رومياً اسمه مري - يسألُني عن رسول الله ◌َّ، وكنتُ أحدِّثُه عن
رسول الله ◌َ﴾ وما يدعو إليه، فيرقُ حتى يغلِبَ عليه البكاء، ويقول: إني
قرأتُ الإِنجيل، فأجدُ صفة هذا النبي بعينه، فأنا أؤمن به وأصدِّقه، فأخافُ
من الحارث أن يقتلني وكان يُكرمني، ويُحسن ضيافتي. وخرج الحارث يوماً
فجلس، فوضع التاجَ على رأسه، فأذن لي عليه، فدفعتُ إليه كتابَ
رسول الله ◌َّ﴾، فقرأه، ثمّ رمى به، قال: من ينتزِعُ مِني ملكي، وقال: أنا
سائر إليه، ولو كان باليمن جئتُه، عليَّ بالناس، فلم تزل تُعرض حتى قام،
وأمر بالخيول تُنْعل، ثم قال: أخبر صاحِبَكَ بما ترى، وكتب إلى قيصر يخبره
خبري، وما عزم عليه، فكتب إليه قيصر: أن لا تَسِرْ، ولا تَعْبُرْ إليه، والهُ
عنه، ووافني بإيلياء، فلما جاءه جوابُ كتابه، دعاني فقال: متى تُريد أن
تخرُج إلى صاحبك؟ فقلت: غداً، فأمر لي بمائةِ مثقالٍ ذهباً، ووصلني
حاجبُه بنفقة وكُسوةٍ، وقال: اقرأ على رسول الله مَ ل﴿ل مني السلام، فقدمتُ
٥٠٩

على رسول الله وَّةِ، فأخبرته، فقال: ((بَادَ مُلْكُه))، وأقرأتُه من حاجبه السلام،
وأخبرته بما قال، فقال رسولُ الله بِمَّ: ((صدق))، ومات الحارث بن أبي شمر
عام الفتح، ففي هذه المدة أرسل ملكُ غسان يدعو كعباً إلى اللحاق به، فأبت
له سابقة الحسنى أن يرغب عن رسول الله مَّ ودِینه.
فصل
في أمر رسول الله ◌َيّ لهؤلاء الثلاثة أن يعتزلوا نساءهم لما مضى لهم
أربعون ليلة، كالبشارة بمقدمات الفَرَج والفتح مِن وجهين:
أمره ية لهؤلاء الثلاثة
باعتزال نسائهم
كالبشارة بمقدمات الفرج
من حيث إرساله لهم بذلك
والجد في العبادة
باعتزال النساء
أحدهما: كلامُه لهم، وإرساله إليهم بعد أن كان لا يكلمهم بنفسه ولا
برسوله.
الثاني: مِن خصوصية أمرهم باعتزال النساء، وفيه تنبيه وإرشاد لهم إلى
الجد والاجتهاد فى العبادة، وشد المئزر، واعتزال محل اللهو واللذة، والتعوض
عنه بالإقبال على العبادة، وفي هذا إيذان بقرب الفرج، وأنه قد بقي من العتب أمر
يسير .
وفقه لهذه القصة، أن زمن العبادات ينبغي فيه تجنبُ النساء، كزمن
الإحرام، وزمن الاعتكاف؛ وزمن الصيام، فأراد النبيُّ وٍَّ أن يكون آخرُ هذه
المدة في حق هؤلاء بمنزلة أيام الإِحرام والصيام في توفرها على العبادة، ولم
يأمرهم بذلك من أول المدة رحمةً بهم، وشفقةً عليهم، إذ لعَلهم يضعف صبرهم
عن نسائهم في جميعها، فكان من اللطف بهم والرحمة، أن أمروا بذلك في آخر
المدة، كما يؤمر به الحاج من حين يحرم، لا من حين يعزم على الحج.
لفظ الطلاق والعتاق
لا يقع إذا لم يرده
وقول كعب لامرأته: الحقي بأهلك، دليل على أنه لم يقطع بهذه اللفظة
وأمثالها طلاق ما لم ينوه. والصحيح: إن لفظ الطلاق والعتاق والحرية كذلك إذا
أراد به غير تسييب الزوجة، وإخراج الرقيق عن ملكه، لا يقع به طلاقٌ ولا عتاق،
هذا هو الصواب الذي ندينُ الله به، ولا نرتابُ فيه البتة. فإذا قيل له: إن غلامك
٥١٠

فاجر أو جاريتك تزني، فقال: ليس كذلك، بل هو غلام عفيف حر، وجارية
عفيفة حرة، ولم يُرد بذلك حرية العتق، وإنما أراد حرية العفة، فإن جاريته وعبده
لا يعتقان بهذا أبداً، وكذا إذا قيل له: كم لغلامك عندك سنة؟ فقال: هو عتيق
عندي، وأراد قدم ملكه له، لم يعتق بذلك، وكذلك إذا ضرب امرأته الطلق،
فسئل عنها، فقال: هي طالق، ولم يخطر بقلبه إيقاع الطلاق وإنما أراد أنها في
طلق الولادة، لم تطلق بهذا، وليست هذه الألفاظ مع لهذه القرائن صريحة إلا فيما
أريد بها، ودلّ السياق عليها، فدعوى أنها صريحة في العتاق والطلاق مع هذه
القرائن مكابرة، ودعوى باطلة قطعاً.
فصل
وفي سجود كعب حين سمع صوت المبشِّر دليل ظاهر أن تلك كانت عادة
الصحابة، وهي سجودُ الشكر عند النعم المتجدّدة، والنقم المندفعة، وقد سجد
أبو بكر الصديق لما جاءه قتلُ مسيلمة الكذاب(١)، وسجد علي بن طالب لما وجد
ذا الثُّديَّةِ مقتولاً في الخوارج(٢)، وسجد رسول الله ◌ََّ حين بشَّره جبريلُ أنه من
صلى عليه مرة صلى الله عليه بها عشراً، وسجد حين شفع لأمته، فشفعه الله فيهم
ثلاث مرات، وأتاه بشير فبشره بظفر جند له على عدوهم ورأسه في حجر عائشة،
فقام فخرَّ ساجداً، وقال أبو بكرة: كان رسول الله ◌َّ إذا أتاه أمر يسُرُّه خرَّ لله
ساجداً(٣)، وهي آثار صحيحة لا مطعن فيها.
كان سجود الشكر من
عادة الصحابة
وفي استباق صاحب الفرس والراقي على سلع ليبشرا كَعباً دليل على حرص حرص الصحابة على
الخير
القوم على الخير، واستباقهم إليه، وتنافُسهم في مسرة بعضهم بعضاً.
وفي نزع كعب ثوبيه وإعطائهما للبشير، دليل على أن إعطاء المبشرين من
إعطاء البشير من مكارم
الأخلاق
(١) أخرجه البيهقي ٣٧١/١.
(٢) حديث حسن أخرجه أحمد (٨٤٨)و(١٢٥٤).
(٣) أخرجه أبو داود(٢٧٧٤) والترمذي(١٥٧٨) وابن ماجه(١٣٩٤) وسنده حسن.
٥١١

مكارم الأخلاق والشيم، وعادة الأشراف، وقد أعتق العباس غلامه لما بشَّره أن
عند الحجاج بن علاط من الخبر عن رسول الله بما يسره.
وفيه دليل على جواز إعطاء البشير جميع ثيابه .
استحباب تهنئة من
تجددت له نعمة دينية
وفيه دليل على استحباب تهنئة من تجدّدت له نعمة دينية، والقيام إليه إذا
أقبل، ومصافحته، فهذه سنة مستحبة، وهو جائز لمن تجدّدت له نِعمةٌ دنيوية،
وأن الأولى أن يقال له: لِيهنك ما أعطاك الله، وما منَّ الله به عليك، ونحو هذا
الكلام، فإن فيه تولية النعمة ربَّها، والدعاء لمن نالها بالتهني بها .
يوم توبة المسلم خير
الأيام
وفيه دليل على أن خير أيام العبد على الإِطلاق وأفضلها يومُ توبته إلى الله،
وقبول الله توبته، لقول النبي بية: ((أَبْشِرْ بِخَيْرِ يَوْمٍ مَرَّ عَلَيْكَ مُنْذُ وَلَدَتْكَ أُقُكَ)) .
فإن قيل: فكيف يكون لهذا اليوم خيراً من يوم إسلامه؟ قيل: هو مكمل ليوم
إسلامه، ومن تمامه، فيومُ إسلامه بداية سعادته، ويومُ توبته كمالها وتمامها، والله
المستعان.
سروره # بتوبة الله
على المخلفين دليل على
شفقته على أمته
وفي سرور رسول الله : بذلك وفرحه به واستنارة وجهه دليل على ما
جعل الله فيه من كمال الشفقة على الأمة، والرحمة بهم والرأفة، حتى لعل فرحه
کان أعظم مِن فرح کعب وصاحبيه.
استحباب الصدقة عند
التوبة
وقول كعب: يا رسول الله إن من توبتي أن أنخلع من مالي. دليل على
استحباب الصدقة عند التوبة بما قدر عليه من المال.
من نذر الصدقة بكل ماله
لم يلزمه إخراج جميعه
وقول رسول الله ◌ِّ: ((أَمْسِكْ عَلَيْكَ بَعْضَ مَالِكَ، فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ))، دليل
على أن من نذر الصدقة بكُلِّ ماله، لم يلزمه إخراجُ جميعه، بل يجوز له أن يبقي
له منه بقية، وقد اختلفت الرواية في ذلك، ففي ((الصحيحين)) أن النبي ◌َّل: قال
له: ((أمْسِكْ عَلَيْكَ بَعْضَ مَالِكَ)) ولم يعين له قدراً، بل أطلق ووكله إلى اجتهاده في
قدر الكفاية، وهذا هو الصحيح، فإن ما نقص عن كفايته وكفاية أهله لا يجوز له
التصدق به، فنذره لا یکون طاعة، فلا يجب الوفاء به، وما زاد على قدر كفايته
وحاجته، فإخراجه والصدقة به أفضل، فيجب إخراجُه إذا نذره، هذا قياسُ
٥١٢

التفليس
المذهب، ومقتضى قواعد الشريعة، ولهذا تقدم كفاية الرجل، وكفايةُ أهله على
أداء الواجبات المالية، سواء كانت حقاً لله كالكفاراتِ والحجِّ، أو حقاً للآدميين
كأداء الديون، فإنا نترك للمفلس ما لا بُدَّ منه من مسكن، وخادم، وكسوة، وآلةٍ
حِرفة، أو ما يتَّجِرُ به لمؤنته إن فقدت الحرفة، ويكون حق الغرماء فيما بقي. وقد
نص الإِمام أحمد على أن من نذر الصدقة بمالِه كُلِّه، أجزأه ثُلُه، واحتج له
أصحابُه بما رُوي في قصة كعب لهذه، أنه قال: يا رسول الله! إن من توبتي إلى الله
ورسوله أن أخرُجَ من مالي كُلُّه إلى الله ورسوله صدقة، قال: ((لا)) قلت: فنصفُه؟
قال: ((لا)) قلت: فثلثه قال: ((نعم)) قلت: فإني أمسك سهمي الذي بخيبر. رواه
أبو داود(١) . وفي ثبوت لهذا ما فيه، فإن الصحيح في قصة كعب لهذه ما رواه
أصحاب الصحيح من حديث الزهري، عن ولد كعب بن مالك عنه أنه قال:
((أَمْسِكْ عَلَيْكَ بَعْضَ مَالِك)) من غير تعيين لِقدره، وهم أعلمُ بالقصة مِن غيرهم،
فإنهم ولده، وعنه نقلوها.
فإن قيل: فما تقولون فيما رواه الإمام أحمد في ((مسنده» أن أبا لُبابَة بن
عبد المنذر لما تابَ اللَّهُ عليه، قال: يا رسولَ الله! إنَّ مِنْ تَوْبَتِي أَنْ أَهْجُرَ دَارَ
قَوْمِي وأُساكِنَكَ، وأَنْ أَنْخَلِعَ مِنْ مَالِي صَدَقَةً للَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَلِرَسُولِهِ، فَقَالَ
رَسُولُ اللَّهِ ◌َ: ((يُجْزِىءُ عَنْكَ الثُّلُثُ))(٢). قيل: هذا هو الذي احتج به أحمد، لا
بحديث كعب، فإنه قال في رواية ابنه عبد الله: إذا نذر أن يتصدَّق بماله كُلِّه أو من نذر صدقة وعليه دين
ببعضه، وعليه دينٌ أكثر مما يملكه، فالذي أذهبُ إليه أنه يُجزئه من ذلك الثلثُ،
لأن النبي ◌َّ أمر أبا لُبابة بالثلث، وأحمد أعلمُ بالحديث أن يحتج بحديث كعب
(١) أخرجه أبو داود (٣٣٢١) في الأيمان والنذور: باب فيمن نذر أن يتصدق بماله،
وإسناده صحيح.
(٢)
أخرجه أحمد ٤٥٣/٣ و٥٠٢، والدارمي ٣٩١،٣٩٠/١، ورجاله ثقات، وأخرجه أبو
داود(٣٣١٩) عن كعب بن مالك أنه قال للنبي و أو أبو لبابة أو من شاء الله: ((إن
من توبتي ... )) وسنده صحيح، ورواه (٣٣٢٠) عن ابن كعب بن مالك قال: كان أبو
لبابة فذكر معناه، والقصة لأبي لبابة.
زاد المعاد ج ٣-م١٧
٥١٣

لهذا الذي فيه ذكر الثلث، إذ المحفوظ في هذا الحديث ((أمسك عليك بعضَ
مالك)) وكأنّ أحمد رأى تقييد إطلاق حديثٍ كعبٍ هذا بحديث أبي لبابة .
وقوله فيمن نذر أن يتصدَّق بماله كله أو ببعضه وعليه دين يستغرِقه: إنه
يجزئه من ذلك الثلث، دليل على انعقاد نذره، وعليه دين يستغرِقُ ماله، ثم إذا
قضى الدين، أخرج مقدار ثلث ماله يومَ النذر، وهكذا قال في رواية ابنه عبد الله :
إذا وهب ماله، وقضى دينه، واستفاد غيره، فإنما يجبُ عليه إخراجُ ثلث ماله يوم
حِنثه، یرید بیوم حنثه یوم نذره، فينظر قدر الثلث ذلك الیوم، فيخرجه بعد قضاء
دينه .
وقوله: أو ببعضه. يُريد أنه إذا نذر الصدقة بمعين مِن ماله، أو بمقدار كألْفٍ
ونحوها، فيجزئه ثُلُه كنذر الصدقة بجميع ماله، والصحيح من مذهبه لزومُ
الصدقة بجميع المعين. وفيه روايةٌ أُخرى، أن المعين إن كان ثلث ماله فما دونه،
لزمه الصدقةُ بجميعه، وإن زاد على الثلث، لزمه منه بقدر الثلث، وهي أصحُّ عند
أبي البركات(١).
وبعد: فإن الحديثَ ليس فيه دليل على أن كعباً وأبا لبابة نذراً نذرا منجّزاً،
وإنما قالا: إن مِن توبتنا أن ننخلِعَ مِن أموالنا، وهذا ليس بصريح في النذر، وإنما
فيه العزمُ على الصدقة بأموالهما شكراً لله على قبول توبتهما، فأخبر النبيُّ وَّ أن
بعضَ المال يُجزىء من ذلك، ولا يحتاجان إلى إخراجه كله، وهذا كما قال لسعد
وقد استأذنه أن يُوصيَ بماله كلِّه، فأذن له في قدر الثلث.
(١) هو الشيخ العلامة عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم الحراني المعروف بابن
تيمية، وهو جد شيخ الإسلام أحمد بن تيمية، كان عجباً في حفظ الأحاديث
وسردها، وحفظ مذاهب الناس بلا كلفة، ونقل الذهبي عن ابن مالك النحوي قوله:
ألين للشيخ المجد الفقه كما ألين لداود الحديد، توفي سنة ٦٥٢هـ من مؤلفاته
((المنتقى)) في أحاديث الأحكام، وهو مطبوع مفرداً، وبشرح العلامة الشوكاني
و((المحرر) في الفقه، وانظر(شذرات الذهب)) ٢٥٧/٥.
٥١٤

فإن قيل: هذا يدفعُه أمران. أحدهما: قوله: ((يجزئك))، والإِجزاء إنما
يستعمل في الواجب، والثاني: أن منعه مِن الصدقة بما زاد على الثلث دليل على
أنه ليس بقربة، إذ الشارع لا يمنع من القرب، ونذر ما ليس بقربة لا يلزم الوفاءُ
به .
قيل: أما قوله: ((يُجزئك))، فهو بمعنى يكفيك، فهو من الرباعي، وليس
من ((جزى عنه)) إذا قضى عنه، يقال: أَجزأني: إذا كفاني، وجزى عني: إذا قضى
عني، وهذا هو الذي يستعمل في الواجب، ومنه قوله بَّ لأبي بُردة في الأضحية:
((تَجْزِي عَنْكَ وَلَنْ تَجْزِيَ عَنْ أَحَدٍ بَعْدَكَ(١)) والكفاية تُستعمل في الواجب
والمستحب.
وأما منعُه مِن الصدقة بما زاد على الثلث، فهو إشارة منه عليه بالأرفق به،
وما يحصل له به منفعة دينه ودنياه، فإنه لو مكَّنه من إخراج ماله كُلِّه لم يصبِرْ على
الفقر والعدم، كما فعل بالذي جاءه بالصُّرة ليتصدق بها، فضربه بها(٢)، ولم
يقبلها منه خوفاً عليه من الفقر، وعدم الصبر. وقد يقال ـــ وهو أرجحُ إن شاء الله
تعالى -: إن النبي ◌َّ عامل كُلَّ واحدٍ ممن أراد الصدقة بماله بما يعلم من
حاله، فمكَّن أبا بكر الصديق من إخراج مالِه كُلِّه، وقال: ((ما أَبْقَيْتَ لِأَهْلِكَ؟»
(١) متفق عليه من حديث البراء وقد تقدم.
(٢) أخرجه أبو داود (١٦٧٣) من حديث جابر بن عبد الله قال: كنا عند رسول الله إذ
جاءه رجل بمثل بيضة من ذهب فقال: يا رسول الله أصبت هذه من معدن، فخذها،
فهي صدقة ما أملك غيرها، فأعرض عنه رسول الله مثير، ثم أتاه من قبل ركنه
الأيمن، فقال مثل ذلك، فأعرض عنه، ثم أتاه من قبل ركنه الأيسر، فأعرض عنه
رسول الله وَ﴾، ثم أتاه من خلفه، فأخذها رسول الله مَّره، فحذفه بها، فلو أصابته،
لأوجعته، أو لعقرته، فقال رسول الله م # («يأتي أحدكم بما يملك، فيقول: هذه
صدقة، ثم يقعد يستكف الناس خيرُ الصدقة ما كان عن ظهر غنى)) ورجاله ثقات،
وفي الباب عن أبي هريرة ((خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى، وأبدأ بمن تعول))
أخرجه البخاري في «صحيحه».
٥١٥

فقال: أبقيتُ لهم اللَّهَ ورسوله (١)، فلم يُنكر عليه، وأقرَّ عمر على الصدقة بِشَطْرٍ
ماله، ومنع صاحب الصُّرةِ من التصدُّق بها، وقال لكعب: ((أَمْسِكْ عَلَيْكَ بَعْضَ
مَالِك))، وهذا ليس فيه تعيين المخرج بأنه الثلثُ، ويبعُد جداً بأن يكون الممسَك
ضِعفي المخرج في هذا اللفظ، وقال لأبي لبابة: يُجزئك الثلث، ولا تناقض بين
هذه الأخبار، وعلى هذا، فمن نذر الصدقة بماله كُلِّه، أمسك منه ما يحتاجُ إليه
هو وأهلُه، ولا يحتاجون معه إلى سؤال الناس مدةَ حياتِهم من رأس مال أو عَقار،
أو أرض يقومُ مَغَلُها بكفايتهم، وتصدَّق بالباقي. والله أعلم.
وقال ربيعة بن أبي عبد الرحمن: يتصدَّقُ منه بقدر الزكاة، ويُمسك الباقي.
وقال جابر بن زيد: إن كان ألفين فأكثرَ، أخرج عُشْرَهُ، وإن كان ألفاً، فما دون
فسُبْعَهُ، وإن كان خمسمائة فما دُون فخُمْسَهُ. وقال أبو حنيفة رحمه الله: يتصدَّق
بكلِّ ماله الذي تجبُ فيه الزكاةُ، وما لا تجب فيه الزكاة، ففيه روايتان: أحدهما:
يُخرجه والثانية: لا يلزمه منه شيء.
وقال الشافعي: تلزمه الصدقةُ بماله كله، وقال مالك، والزهري، وأحمد :
يتصَّدقُ بثلثه، وقالت طائفة: يلزمه كفارة يمين فقط .
فصل
ومنها: عظم مقدارِ الصِّدق، وتعليقُ سعادة الدنيا والآخرة، والنجاة مِن
شرهما به، فما أنجى الله من أنجاه إلا بالصدق، ولا أهلك من أَهلَكه إلا
:نظمة الصدق
(١) أخرجه أبو داود (١٦٧٨) والترمذي (٣٦٧٦)، والدارمي ٣٩٢،٣٩١/١ من حديث
زيد بن أسلم عن أبيه، قال: سمعت عمر بن الخطاب يقول: أمرنا رسول الله صل﴿ أن
نتصدق، فوافق ذلك مالاً عندي، فقلت: اليوم أسبق أبا بكر إن سبقته يوماً، قال: فجئت
بنصف مالي، فقال رسول الله ◌ٍَّ: ما أبقيت لأهلك؟ قال: مثله، وأتى أبو بكر بكل ما
عنده، فقال: يا أبا بكر ما أبقيت لأهلك؟ فقال، أبقيت لهم الله ورسوله، قلت: لا أسبقه
إلى شيء أبداً، وسنده حسن، وقال الترمذي: حسن صحيح، وصححه الحاكم
٤١٤/١، ووافقه الذهبي.
٥١٦

بالكذب، وقد أمر اللَّهُ سبحانه عباده المؤمنين أن يكونوا مع الصادقين، فقال:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾، [التوبة: ١١٩].
وقد قسم سبحانه الخلق إلى قسمين: سعداء وأشقياء، فجعل السعداء هم
أهلَ الصدق والتصديق، والأشقياء هم أهلَ الكذب والتكذيب، وهو تقسيم حاصِر
مطَّرد، منعكِس. فالسعادةُ دائرة مع الصدق والتصديقِ، والشقاوةُ دائرة مع الكذب
والتكذيب.
وأخبر سبحانه وتعالى: أنه لا ينفعُ العبادَ يومَ القيامة إلا صدقهم، وجعل
علم المنافقين الذي تميزوا به هو الكذبَ في أقوالهم وأفعالهم، فجميعُ ما نعاه
عليهم أصلُه الكذبُ في القول والفعل، فالصدقُ بريدُ الإِيمان، ودليله، ومركبه،
وسائقه، وقائدُه، وحِليته، ولباسُه، بل هو لبه وروحه. والكذب: بريدُ الكفر
والنفاق، ودليلهُ، ومركبه، وسائقه، وقائدُه، وحليته، ولباسه، ولبه، فمضادة
الكذبِ للإيمان كمضادة الشرك للتوحيد، فلا يجتمعُ الكذب والإِيمان إلا ويطرُد
أحدهما صاحبه، ويستقِرُّ موضعه، والله سبحانه أنجى الثلاثَةَ بصدقهم، وأهلكَ
غيرَهم من المخلَّفين بكذبهم، فما أنعم اللَّهُ على عبدٍ بعد الإِسلام بنعمةٍ أفضلَ من
الصدق الذي هو غذاء الإِسلام وحياتُه، ولا ابتلاء ببلية أعظمَ من الكذب الذي هو
مرضُ الإِسلام وفساده، والله المستعان.
وقوله تعالى: ﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلى النَّبيُّ والمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ الَّذِينَ
اتَّبَعُوه في سَاعَةِ العُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلوب فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ
بِهِمْ رَؤُفِّ رَحيم﴾ [التوبة: ١١٧]، هذا من أَعظَم ما يُعَرِّفُ العبد قدرَ التوبة
وفضلها عند الله، وأَنها غاية كمال المؤمن، فإنَّه سبحانه أعطاهم لهذا الكمال
بعد آخر الغزواتِ بعد أن قَضَوْا نحبهم، وبذلوا نفوسهم، وأموالهم،
وديارهم لله، وكان غايةً أمرهم أن تاب عليهم، ولهذا جعل النبي ◌َّ يومَ
توبة كعب خيرَ يوم مر عليه منذ ولدته أمه، إلى ذلك اليوم، ولا يعرِفُ هذا
حق معرفته إلا من عرف الله، وعرف حقوقَه عليه، وعرف ما ينبغي له من
فضل التوبة
٥١٧

عُبوديته، وعرف نفسَه وصفاتِها وأفعالها، وأن الذي قام به مِن العبودية بالنسبة
إلى حق ربه عليه، كقطرة في بحرٍ، لهذا إذا سلم من الآفات الظاهرة
والباطنة، فسُبحان من لا يسعُ عبادَه غيرُ عفوه ومغفرته، وتغمده لهم بمغفرته
ورحمته، وليس إلا ذلك أو الهلاك، فإن وضع عليهم عدله، فعذَّب أهلَ
سماواته وأرضه عذبهم، وهو غيرُ ظالم لهم، وإن رحمهم، فرحمتُه خير لهم
من أعمالهم، ولا يُنجي أحداً منهم عملُه.
فصل
معنى تكرير الله للفظ
التوبة في الآية
وتأمل تكريَره سبحانه توبتَه عليهم مرتين في أول الآية وآخرها، فإنه تاب
عليهم أولاً بتوفيقهم للتوبة، فلما تابوا، تاب عليهم ثانياً بقبولها منهم، وهو الذي
وفقهم لِفعلها، وتفضل عليهم بقبولها، فالخير كله منه وبه، وله وفي يديه، يعطيه
من يشاءُ إحساناً وفضلاً، ويحرمه من يشاء حكمةً وعدلاً.
فصل
معنى كلمة خلفوا في
الآية
وقوله تعالى: ﴿وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا﴾ [التوبة: ١١٨]، قد فسرها
كعبٌ بالصواب، وهو أنهم خُلِّفُوا من بين حلف لرسول الله بَّةِ، واعتذر من
المتخلفين، فخلَّف هؤلاء الثلاثة عنهم، وأرجأ أمرهم دونهم، وليس ذلك تخلُفهم
عن الغزو، لأنه لو أراد ذلك، لقال: تخلفوا، كما قال تعالى: ﴿مَا كَانَ لِأَهْلِ
المَدِينَةِ ومَنْ حَوْلَهُم مِنَ الأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّقُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ١٢٠]،
وذلك لأنهم تخلفوا بأنفسهم بخلاف تخليفهم عَن أمر المتخلفين سواهم، فإن الله
سبحانه هو الذي خلفهم عنهم، ولم يتخلفوا عنه بأنفسهم. والله أعلم.
فصل
في حجة أبي بكر الصديق رضي الله عنه سنة تسع بعد مقدمه من تبوك (١)
(١) ابن هشام ٥٤٣/٢، ٥٤٨، وابن سعد١٦٩،١٦٨/٢، و((شرح المواهب))
٨٩/٣، ٩٤، وابن كثير ٦٨/٤، ٧٥.
٥١٨

قال ابن إسحاق: ثم أقام رسولُ الله ◌ََّ منصرفَه مِن تبوك بقيةَ رمضانَ
وشوالاً وذا القَعدة، ثم بعث أبا بكر أميراً على الحج سنةً تسع لِيقيم للمسلمين
حَجَّهم، والناس من أهل الشرك على منازلهم من حجهم، فخرج أبو بكر
والمؤمنون.
قال ابن سعد: فخرج في ثلاثمائة رجل من المدينة، وبعث معه
رسول الله ◌َّ بعشرين بدنة، قلَّدها وأشعرها بيده، عليها ناجية بن جُندب
الأسلمي، وساق أبو بكر خمس بدنات.
قال ابن إسحاق: فنزلت براءة في نقضٍ مما بين رسول الله وَّل﴾ وبين
المشركين مِن العهد الذي كانوا عليه، فخرج عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه على
ناقة رسول الله بجدية العضباء.
قال ابن سعد: فلما كان بالعَرْج - وابن عائذ يقول: بضَجَنان - لحقه
علي بن أبي طالب رضي الله عنه على العضباء، فلما رآه أبو بكر قال: أميرٌ أو
مأمورٌ قال: لا بل مأمور، ثم مضیا.
وقال ابن سعد: فقال له أبو بكر: أستعملك رسولُ اللَّهِ بَلّ على الحج؟
قال: لا، ولكن بعثني أقرأ براءة على الناس، وأَنبذ إلى كل ذي عَهدٍ عهده، فأقام
أبو بكر للناس حَجَّهم، حتى إذا كان يومُ النحر، قام علي بن أبي طالب، فأذن في
الناس عند الجمرة بالذي أمره رسول الله مَّةٍ، ونبذ إلى كل ذي عهد عهده، وقال:
أيها الناس! لا يدخُلُ الجنة كافر، ولا يحُّ بعد العام مشرك، ولا يطوفُ بالبيت
عُريان، ومن كان له عهد عِند رسول الله بَِّ، فهو إلى مُدَّته.
وقال الحميدي: حدثنا سفيان، قال: حدّثني أبو إسحاق الهَمْدَاني، عن
زيد بن يُثَيْع، قال: سألنا علياً، بأي شيء بُعِثْتَ في الحجة؟ قال: بُعثتُ بأربع:
لا يَدْخُلُ الجَنَّةَ إلا نفس مُؤمِنة، ولا يَطُوفُ بالبيت عُريان، ولا يجتمعُ مُسلم وَكافر
في المسجد الحرام بعد عامِه هذا، ومَنْ كان بينَه وبَيْن النبيِّ ◌َّ عهد، فعهده إلى
٥١٩

مدته، ومن لم يكن له عهد، فأجلُه إلى أربع أشهرٍ (١).
وفي ((الصحيحين)): عن أبي هريرة، قال: بعثني أبو بكر في تلك الحجة في
مُؤذِّنِينَ بعثهم يومَ النحر يؤذنون بمِنى: أَلاَ يَحُجَّ بعدَ هذا العامِ مُشرِك، ولا يَطُوفَ
بالبيت عُريان، ثم أردف النبيُّ ◌َّ أبا بكر بعليٍّ بنِ أبي طالب رضِي الله عنهما،
فأمره أن يُؤذن ببراءة، قال: فأذن معنا علي في أهل مِنى يَوْمَ النحرِ ببراءة، وأَلاَّ
يَحُجَّ بَعْدَ العَامِ مُشْرِكٌ، ولا يَطُوفَ بالبَيْتِ عُرْيان (٢) .
هل كانت حجة الصديق
قبل فرضية الحج وإلغاء
النسيء
وفي هذه القصة دليل على أن يومَ الحج الأكبر يومُ النحر، واختلف في
حجة الصديق لهذه، هل هي التي أسقطت الفرضَ، أو المسقطة هي حجة الوداع
مع النبي ◌ٍَّ؟ على قولين: أصحهما: الثاني، والقولان مبنيان على أَصلين،
أحدُهما: هل كان الحج فُرضَ قَبْلَ عام حجة الوداع أو لا؟ والثاني: هل كانت
حَجَّةُ الصِّدِّيق رضي الله عنه في ذي الحجة، أو وقعت في ذي القَعدَة من أجل
النسيء الذي كان الجاهليةُ يؤخرون له الأشهر ويُقَدِّمونها؟ على قولين. والثاني:
قولُ مجاهد وغيره. وعلى هذا، فلم يُؤْخِّر النبي ◌ِّ الحج بعد فرضه عاماً واحداً،
بل بادر إلى الامتثال في العام الذي فرض فيه، وهذا هو اللائق بهدیه وحاله ێ ،
وليسَ بِيدِ من ادَّعى تقدُّم فرض الحج سنةَ ست أو سبع أو ثمانٍ أو تسع دليل
واحد. وغايةُ ما احتج به من قال: فُرِضَ سنة ست قوله تعالى: ﴿وَأَتِمّوا الحَجَّ
والعُمْرَةَ للَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦]، وهي قد نزلت بالحُديبية سنة ست، ولهذا ليس فيه
ابتداءُ فرض الحج، وإنما فيه الأمر بإتمامه إذا شرع فيه، فأين هذا مِن وجوب
ابتدائه، وآيةُ فرض الحج وهي قوله تعالى: ﴿وللَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ البَيْتِ مَنِ
(١) رواه الحميدي في ((مسنده)) (٤٨) وأخرجه أحمد ٧٩/١ (٥٩٤)، والترمذي (٣٠٩١)،
والدارمي ٦٨/٢، من حديث علي، وسنده قوي، وحسنه الترمذي.
(٢) أخرجه البخاري ٤٠٣/١ في الصلاة في الثياب: باب ما يستر العورة، وفي الحج:
باب لا يطوف بالبيت عريان، وفي الجهاد: باب كيف ينبذ إلى أهل العهد، وفي
تفسير سورة براءة، وفي المغازي: باب حج أبي بكر بالناس، وأخرجه
مسلم (١٣٤٧) في الحج: باب لا يحج البيت مشرك.
٥٢٠