Indexed OCR Text

Pages 401-420

والثانية: أنه لا يشترط في الاستثناء أن ينويَه من أول الكلام، ولا قبل لا يشترط في الاستثناء
فراغه، لأن النبي ◌َّ لو كان ناوياً لاستثناء الاذخر من أول كلامه، أو قبلَ تمامه،
نيته من أول الكلام
ولا قبل فراغة
لم يتوقف استثناؤه له على سؤال العباس له ذلك، وإعلامِه أنهم لا بدَّ لهم منه
لِقَيْنِهِمْ وبيوتهم، ونظير هذا استثناؤهِ لّهِ، لِسهيل بن بيضاء من أسارى بدر بعد أن
ذكَّرَهُ به ابنُ مسعود، فقال: ((لاَ يَنْفَلِتَنَّ أَحَدٌ مِنْهُم إلا بِفِدَاء أَوْ ضَرْبَةِ عُنُقٍ)) فقال ابنُ
مسعود: إلا سهيلَ بْنَ بيضاء، فإني سمعتُه يذكر الإِسلام، فقال: ((إِلاَّ سُهَيْلَ بْنَ
بَيْضَاء))(١) ومن المعلوم أنه لم يكن قد نوى الاستثناء في الصورتين من أول كلامه.
ونظيره أيضاً قولُ المَلَك لِسليمان لما قال: ((لأَّطُوفَنَّ اللَّيْلَةَ عَلَى مِائَةِ امْرَأَةٍ
تَلِدُ كُلُّ امرأةٍ غُلاَماً يُقَاتِلُ في سَبيلِ الله))، فقال له المَلَكُ: قُلْ: إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى،
فَلَمْ يَقُلْ، فَقَالَ النَّبِيُّ ◌َهِيَ: (لَوْ قَالَ: إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، لَقَاتَلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ
أَجْمَعُون)) وفي لفظ ((لَكَانَ دَرَكاً لِحَاجَتِهِ))(٢) فأخبر أن هذا الاستثناء لو وقع منه في
هذه الحالة لنفعه، ومن يشترط النية يقول: لا ينفعُه.
ونظيرُ هذا قولُه ◌َِّ : ((واللَّهِ لأَغْزُوَنَّ قُرَيْشاً، والله لأَغْزُوَنَّ قُرَيْشاً» ثلاثاً، ثم
سكت، ثم قال: ((إنْ شَاءَ الله)(٣)، فهذا استثناء بعد سكوت، وهو يتضمن إنشاء
الاستثناء بعد الفراغ من الكلام والسكوت عليه، وقد نص أحمد على جوازه، وهو
الصوابُ بلا ريب، والمصيرُ إلى موجب هذه الأحاديث الصحيحة الصريحة
أولى. وبالله التوفيق.
(١) أخرجه أحمد ٣٨٣/١ ضمن حديث مطول عن عمرو بن مرة عن أبي عبيدة، عن
عبد الله بن مسعود، ورجاله ثقات إلا أن أبا عبيدة لم يسمع من أبيه.
(٢) أخرجه البخاري ٥٢٤/١١، ٥٢٦ في الأيمان، ومسلم (١٦٥٤) في الأيمان كلاهما
في باب الاستثناء في الأيمان.
(٣) أخرجه أبو داود (٣٢٨٥) في الأيمان: باب الاستثناء في اليمين بعد السكوت،
وسنده ضعيف.
٤٠١

فصل
الدليل على كتابة العلم
وفي القصة: أن رجلاً مِن الصحابة يقال له: أبو شاه، قام، فقال: اكتُبوا
لي، فقال النبي ◌َّةِ: ((اكْتُبُوا لأَبِي شَاه))(١)، يُريدُ خطبته، ففيه دليل على كتابة
العلم، ونسخ النهي عن كتابة الحديث، فإن النبي ◌َّ قال: ((مَنْ كَتَبَ عَنِّي شَيْئاً
غَيْرَ القُرْآنِ، فَلْيَمْحُهُ)) (٢) وهذا كان في أول الإِسلام خشية أن يختلط الوحيُّ الذي
يُتلی بالوحي الذي لا يُتُلى، ثم أذِن في الكتابة لحديثه.
وصح عن عبد الله بن عمرو أنه كان يكتُب حديثه (٣)، وكان مما كتبه صحيفة
تُسمَّى الصادقة، وهي التي رواها حفيده عمرو بن شعيب، عن أبيه عنه، وهي من
أصح الأحاديث، وكان بعض أئمة أهل الحديث يجعلها في درجة أيوب عن نافع
عن ابن عمر، والأئمة الأربعة وغيرهم احتجوا بها.
فصل
وفي القصة: أن النبي رَّم دخل البيت، وصلَّى فيه، ولم يدخله حتى مُحيت
الصورُ منه. ففيه دليل على كراهة الصلاة في المكان المصوّرِ، وهذا أحقُّ بالكراهة
من الصلاة في الحمام، لأن كراهة الصلاة في الحمام، إما لكونه مَظِنَّة النجاسة،
وإما لكونه بيتَ الشيطان، وهو الصحيح، وأما محلُّ الصور، فَمَظِنَّةُ الشِّرْكِ،
غالِبُ شرك الأمم كان من جهة الصور والقبور.
الصلاة في المكان
المصور أشد كراهة من
الصلاة في الحمام
فصل
وفي القصة: أنه دخل مكة، وعليه عمامة سوداء، ففيه دليل على جواز لبس
جواز لبس السواد
أخرجه البخاري ٦٤/٥ في اللقطة: باب إذا وجدتموه في الطريق.
(١)
أخرجه مسلم (٣٠٠٤) في الزهد: باب التثبت في الحديث وحكم كتابة العلم.
(٢)
أخرج البخاري في ((صحيحه)) ١٨٤/١ في العلم: باب كتابة العلم عن أبي هريرة
(٣)
قال: ما من أصحاب النبي ◌ّر أحد أكثر حديثاً عنه مني إلا ما كان من عبد الله بن
عمرو، فإنه کان یکتب ولا أكتب.
٤٠٢

السواد أحياناً، ومِنْ ثَمَّ جعل خلفاء بني العباس لبس السواد شعاراً لهم،
ولِولاتهم، وقضاتهم، وخطبائهم، والنبي ◌َّ لم يلبسه لباساً راتباً، ولا كان
شعارَه في الأعياد، والجمع، والمجامع العظام البتة، وإنما اتفق له لبسُ العمامة
السوداء يومَ الفتح دون سائر الصحابة، ولم يكن سائِرُ لباسه يومئذ السواد، بل
كان لواؤه أبيض .
فصل
ومما وقع في هذه الغزوة، إباحةُ مُتعة النساء، ثم حرَّمها قبلَ خروجه مِن
مكة، واخْتُلِفَ في الوقت الذي حرمت فيه المتعة، على أربعة أقوال:
متى حرمت متعة
النساء؟
أحدها: أنه يوم خيبر، وهذا قولُ طائفة من العلماء. منهم: الشافعي
وغيره.
والثاني: أنه عامَ فتح مكة، وهذا قولُ ابن عيينة، وطائفة.
والثالث: أنه عام حنين، وهذا في الحقيقة هو القولُ الثاني، لاتصال غزاة
حنين بالفتح .
والرابع: أنه عامَ حجة الوداع، وهو وهم من بعض الرواة، سافر فيه وهمُه
من فتح مكة إلى حَجَّةِ الوداع، كما سافر وهم معاوية من عمرةِ الجعرانة إلى حَجَّةٍ
الوداع حيث قال: قصرت عن رسول الله يَالل بمشقص على المروة في حجته، وقد
تقدم في الحج، وسفرُ الوهم مِن زمان إلى زمان، ومِن مكان إلى مكان، ومِن
واقعة إلى واقعة، كثيراً ما يعرض للحفاظ فمن دونهم.
والصحيح: أن المتعة إنما حرمت عام الفتح، لأنه قد ثبت في ((صحيح ترجيح المصنف تحريم
مسلم)) أنهم استمتعوا عامَ الفتح مع النبي ◌ََّ بإذنه(١)، ولو كان التحريمُ زمنَ
المتعة عام الفتح
خيبر، لزم النسخُ مرتين، وهذا لا عهد بمثله في الشريعة البتة، ولا يقعُ مثلُه فيها،
وأيضاً: فإن خيبر لم يكن فيها مسلمات، وإنما كُنَّ يهوديات، وإباحة نساء أهل
(١) تقدم تخريجه ص٣٠٤.
٤٠٣

الكتاب لم تكن ثبتت بِعد، إنما أُبحْنَ بعد ذلك في سورة المائدة بقوله: ﴿اليَوْمَ
أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ، وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ
والمُحْصَنَاتُ مِنَ المُؤْمِنَاتِ والمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾
[المائدة: ٥]، وهذا متصل بقوله: ﴿اليَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُم دِينَكُمْ﴾ [المائدة: ٣]،
وبقوله: ﴿الْيَوْمَ بَيْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ﴾ [المائدة: ٣]، وهذا كان في آخِرِ
الأمر بعد حجة الوداع، أو فيها، فلم تكن إباحةُ نساء أهل الكتاب ثابتة زمنَ
خيبر، ولا كان للمسلمين رغبةٌ في الاستمتاع بنساء عدوهم قبل الفتح، وبعد
الفتح استُرِقَّ من استُرِقَّ منهن، وصِرْنَ إماءً للمسلمين.
فإن قيل: فما تصنعون بما ثبت في «الصحيحين)) من حديث علي بن أبي
طالب: ((أن رسولَ الله وَّنهى عن متعة النساء يوم خيبر، وعن أكْلٍ لُحُوم الحُمُر
الإنسية))(١)، وهذا صحيح صريح؟ .
قيل: هذا الحديثُ قد صحَّت روايتُه بلفظين: هذا أحدُهما. والثاني:
الاقتصار على نهي النبي ◌َّر عن نِكاح المُتعة، وعن لحوم الحمر الأهلية يومَ
خيبر، لهذه رواية ابن عُيينة عن الزهري. قال قاسم بن أصبغ: قال سفيان بن
عيينة: يعني أنه نهى عن لحوم الحمر الأهلية زمنَ خيبر، لا عن نكاح المتعة،
ذكره أبو عمر. وفي ((التمهيد)): ثم قال: على هذا أكثرُ الناس، انتهى، فتوهم
بعضُ الرواة أن يومَ خيبر ظرفٌ لتحريمهن فرواه: حرم رسول الله وَّ المتعة زمن
خيبر، والحُمُرَ الأهلية، واقتصر بعضهم على رواية بعض الحديث، فقال: حرم
رسول الله وَ﴿ المتعة زَمن خيبر، فجاء بالغلط البِّين.
فإن قيل: فأي فائدة في الجمع بين التحريمين، إذا لم يكونا قد وقعا في
وقت واحد، وأين المتعةُ مِن تحريم الحُمُرِ؟ قيل: هذا الحديثُ رواه علي بن أبي
طالب - رضي الله عنه - محتجاً به على ابن عمه عبد الله بن عباس في
(١) تقدم تخريجه ص٣٠٤.
٤٠٤

المسألتين، فإنه كان يُبيح المتعة ولحوم الحُمر، فناظره علي بن أبي طالب في
المسألتين، وروى له التحريمين، وقيّد تحريمَ الحمر بزمن خيبر، وأطلق تحريمَ
المُتعة وقال: إنك امرؤ تائه، إن رسول الله مَّ حرَّم المتعة، وحرَّم لحوم الحمر
الأهلية يومَ خيبر كما قاله سفيانُ بنُ عُيينة، وعليه أكثرُ الناس، فروى الأمرين
محتجاً عليه بهما، لا مقيِّداً لهما بيوم خيبر والله الموفق.
ولكن هاهنا نظر آخر، وهو أنه: هَلْ حرمها تحريمَ الفواحش التي لا تُباح
بحال، أو حرمها عند الاستغناء عنها، وأباحها للمضطر؟ هذا هو الذي نظر فيه ابنُ
عباس وقال: أنا أبحثُها للمضطر كالميتة والدم، فلما توسّع فيها مَنْ توسع، ولم
يقف عند الضرورة، أمسك ابنُ عباس عن الإِفتاء بحلها، ورجع عنه. وقد كان ابنُ
مسعود يرى إباحتها ويقرأ: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أحَلَّ اللَّهُ
لَكُمْ﴾ [المائدة: ٨٧]، ففي ((الصحيحين)) عنه قال: كنّا نغزو مع رسول الله صل
وليس لنا نِساء، فقلنا: ألا نختصِي؟ فنهانا، ثم رخَّص لنا أن ننكح المرأة بالثوبِ
إلى أجل، ثم قرأ عبد الله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أحَلَّ اللَّهُ لَكُم
وَلاَ تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ المَعْتَدِينَ﴾(١) [المائدة: ٨٧].
وقراءة عبد الله لهذه الآية عقيب هذا الحديث يحتمل أمرين أحدهما: الردُّ
على من يحرمها، وأنها لو لم تكن مِن الطيبات لما أباحها رسولُ الله ◌ِّ.
والثاني: أن يكونَ أراد آخِرَ هُذِه الآية، وهو الرد على من أباحها مطلقاً،
وأنه معتد، فإن رسولَ الله ◌ِّ إنما رخص فيها للضرورة، وعند الحاجة في الغزو،
وعند عدم النساء، وشدة الحاجة إلى المرأة. فمن رخص فيها في الحضر مع كثرة
النساء، وإمكان النكاح المعتاد، فقد اعتدى، والله لا يحب المعتدين.
فإن قيل : فیکف تصنعون بما روى مسلم في ((صحیحه)) من حديث جابر،
(١) أخرجه البخاري ٩/ ١٠٢ في النكاح: باب ما يكره من التبتل والخصاء، ومسلم
(١٤٠٤) في النكاح: باب نكاح المتعة.
٤٠٥

وسلمة بن الأكوع، قالا: خرج علينا منادي رسول الله ﴿ فقال: إنَّ
رسول الله ◌َ﴾ قد أذن لكم أن تستمتعوا، يعني: متعة النساء(١)، قيل: هذا كان
زمنَ الفتح قبل التحریم، ثم حرَّمها بعد ذلك بدليلٍ ما رواه مسلم في ((صحیحه))،
عن سلمة بن الأكوع قال: رخّص لنا رسولُ الله ◌َِّ عامَ أوطاس في المُتعة ثلاثاً،
ثم نهى عنها(٢). وعام أوطاس: هو عام الفتح، لأن غزاة أوطاس متصلة بفتح
مكة .
فإن قيل: فما تصنعون بما رواه مسلم في ((صحيحه))، عن جابر بن
عبد الله، قال: كنا نستمتع بالقَبْضَةِ مِن التمر والدقيق الأيامَ على عهدٍ
رسول الله ◌َّ، وأبي بكر حتى نهى عنها عُمرُ في شأن عمرو بن حريث(٣). وفيما
ثبت عن عمر أنه قال: مُتعتانِ كانتا على عهدِ رسول الله ◌َِّ، أنا أنهى عنهما: متعةٌ
النساءِ ومتعةُ الحجّ(٤).
قيل: الناس فى هذا طائفتان: طائفة تقول: إن عمر هو الذي حرَّمها ونهی
عنا، وقد أمر رسولُ الله ◌َ﴿ باتباع ما سنَّه الخلفاءُ الراشدون، ولم تر هذه الطائفة
تصحيحَ حديث سَبْرة بن معبد في تحريم المتعة عامَ الفتح، فإنه من رواية
عبد الملك بن الربيع بن سبرة عن أبيه، عن جده، وقد تكلم فيه ابنُ معین، ولم ير
البخاريُّ إخراجَ حديث في ((صحيحه)) مع شدة الحاجة إليه، وكونه أصلاً من
أصول الإِسلام، ولو صح عنده، لم يصبر عن إخراجه والاحتجاج به، قالوا: ولو
(١) أخرجه مسلم (١٤٠٥).
(٢) أخرجه مسلم (١٤٠٥) (١٨).
(٣)
أخرجه مسلم (١٤٠٥) (١٦).
(٤) أخرجه أحمد ٣٢٥/٣ من حديث جابر، وسنده حسن، وأخرج مسلم في ((صحيحه))
(١٢١٧) من حديث جابر قال: تمتعنا مع رسول الله بح لية، فلما قام عمر، قال:
((إن الله كان يحل لرسوله ما شاء بما شاء، وإن القرآن قد نزل منازله، فأتموا الحج
والعمرة كما أمركم الله، وأبتُّوا نكاح هذه النساء فلن أوتى برجل نكح امرأة إلى أجل
إلا رجمته بالحجارة».
٤٠٦
٤

صح حديثُ سبرة، لم يخفَ على ابن مسعود حتى يروي أنهم فعلوها، ويحتجّ
بالآية، وأيضاً ولو صح، لم يقل عمر: إنها كانت على عهد رسول الله اص له وأنا
أنهى عنها، وأعاقب عليها، بل كان يقول: إنه وَّ حرَّمها ونهى عنها. قالوا: ولو
صح، لم تفعل على عهد الصديق وهو عهدُ خلافة النبوة حقاً.
والطائفة الثانية: رأت صحةَ حديثِ سَبْرَة، ولو لم يصح، فقد صحَّ حديثُ
علي - رضي الله عنه - أن رسولَ الله لَّلَهُ حرَّم متعة النساء، فوجب حملُ حديث
جابر على أن الذي أخبر عنها بفعلها لم يبلغه التحريمُ، ولم يكن قد اشتهر حتى
كان زمنُ عمر رضي الله عنه، فلما وقع فيها النزاعُ، ظهر تحريمُها واشتهر، وبهذا
تأتَلِفُ الأحاديثُ الواردة فيها. وبالله التوفيق.
فصل
وفي قصة الفتح من الفقه: جوازُ إجارة المرأةِ وأمانِها للرجل والرجلين،
كما أجاز النبيُّ ◌َیّ( أمانَ امِّ هانىء لِحموَيْها.
جواز إجارة المرأة
وأمانها للرجلين
وفيها من الفقه جوازُ قتل المرتد الذي تغلظت رِدَّتُه من غير استتابة، فإن جواز قتل المرتد الذي
عبد الله بن سعد بن أبي سرح كان قد أسلم وهاجر، وكان يكتُب الوحيّ
تغلظت ردته من غير
استتابة
لرسول الله وَّ، ثم ارتدَّ، ولحق بمكة، فلما كان يومُ الفتح، أتى به عثمان بن
عفان رسولَ الله لَّ ليبايعه، فأمسك عنه طويلاً، ثم بايعه، وقال: إنما أمسكت
عنه ليقوم إليه بعضُكُم، فيضربَ عنقه، فقال له رجل: هلأَّ أومأت إليَّ يا
رسول الله؟ فقال: ((مَا يَنْبَغِي لِنَبِيِّ أَنْ تَكُونَ لَهُ خَائِنَةُ الأَعْيُن))(١) فهذا كان قد تغلّظ
كفرُه بردته بعد إيمانه، وهجرته، وكتابةِ الوحي، ثم ارتدَّ ولَحِقَ بالمشركين يطعن
على الإِسلام ويعيبُه، وكان رسولُ الله ◌َِّ يُريدُ قتله، فلماء جاء به عثمانُ بنُ عفان
(١) أخرجه أبو داود (٢٦٨٣) في الجهاد: باب قتل الأسير ولا يعرض عليه الإِسلام
و (٤٣٥٩) في الحدود: باب الحكم فيمن ارتد، والنسائي ٧/ ١٠٥، ١٠٦ في
التحريم: باب في حكم المرتد من حديث سعد بن أبي وقاص، وصححه الحاكم
٤٥/٣، ووافقه الذهبي.
٤٠٧

وكان أخاه مِن الرضاعة، لم يأمر النبيُّ ◌َّل بقتله حياءً مِن عثمان، ولم يُبايعه ليقوم
إليه بعضُ أصحابه فيقتله، فهابُوا رسولَ الله ◌ََّ أن يُقْدِمُوا على قتله بغير إذنه،
واستحيى رسولُ الله ◌َِّ من عثمان، وساعدَ القدرُ السَّابقُ لما يريد الله سبحانه
بعبد الله مما ظهر منه بعد ذلك من الفتوح فبايعه، وكان ممن استثنى الله بقوله:
﴿كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْماً كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجَاءَهُم البَيِّنَاتُ
واللَّهُ لاَ يَهْدِي القَوْمَ الظَّالِمِينَ أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ وَالمَلائِكَةِ وَالنَّاس
أَجْمَعِينَ خَالِدِينَ فِيهَا لاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمُ العَذَابُ وَلاَ هُمْ يُنْظَرُونَ إِلَّ الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ
ذُلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [آل عمران: ٨٦ -٨٩]، وقوله ◌َّ: ((مَا
يَنْبَغِي لِنَبِّ أَنْ تَكُونَ لَهُ خَائِنَةُ الأَعْيُنِ))، أي: أن النبي ◌ََّ لا يُخالِفُ ظاهِرُهُ باطِنَه،
ولا سِرُّه علانِيتَه، وإذا نفذ حكمُ اللَّهِ وأمرُه، لم يُومٍ به، بل صرَّحَ به، وأَعلَنه،
وأظهره.
فصل
في غزوة حنين(١) وتُسمی غزوةً أوطاس
وهما موضعان بينَ مكة والطائف، فسُمِّيت الغزوةُ باسم مكانها، وتُسمى
غزوةَ هَوازن، لأنهم الذين أَتَوْا لِقِتال رسول اللَّهِ ◌َِّ .
قال ابن إسحاق: ولما سمعت هوازنُ برسولِ اللهَِّ، وما فتح اللَّهُ عليه مِن
مكة، جمعها مالكُ بنُ عوف النَّصْري(٢)، واجتمع إليه مع هوازن ثقيفٌ كُلُّها،
واجتمعت إليه مُضَرُ وجُشَمُ كُلُّها، وسعدُ بن بكر، وناسٌ مِن بني هلال، وهم
قليل، ولم يشهدها من قيس عَيلان إلا هؤلاء، ولم يحضُرْهَا مِن هَوازِن كعبٌ، ولا
(١) انظر خبرها في ابن هشام ٤٣٧/٢، ٥٠٠، وابن سعد ١٤٩/٢، ١٥٨، والطبري
١٢٥/٣، وابن سيد الناس ١٨٧/٢، وابن كثير ٦١٠/٣، ٦٥١، و((شرح المواهب))
٢٨،٥/٣.
(٢) بالصاد المهملة نسبة إلى جده الأعلى نصر بن معاوية، أسلم بعد غزوة الطائف،
وصحب وشهد القادسية وفتح دمشق.
٤٠٨

كِلاب، وفي جشم دريدُ بنُ الصِّمة شيخ كبير ليس فيه إلا رأيُهُ ومعرفتُه بالحرب،
وكان شجاعاً مجرَّباً، وفي ثقيف سيِّدَانِ لهم، وفي الأحْلاف قاربُ بن الأسود،
وفي بني مالك سُبيع بن الحارث وأخوه أحمر بن الحارث، وجِمائُ أمر الناس إلى
مالك بن عوف النَّصري، فلما أجمع السيرَ إلى رسول الله ◌َّة، ساق مع الناس
أموالَهم ونساءَهم وأبناءهم، فلما نزل بأوطاس، اجتمع إليه الناسُ وفيهم دُرَيْدُ بن
الصِّمة، فلما نزل قال: بأي واد أنتم؟ قالوا: بأَوطاس. قال: نِعْمَ مَجَالُ الخيل،
لا حَزْنٌ ضِرْس، ولا سَهْلٌ دَهْسٌ (١)، مالي أسمع رُغاء البعير، ونُهاق الحمير،
وبكاء الصبي، ويُعار الشاء؟ قالوا: ساق مالِكُ بن عوفٍ مع الناسِ نِساءَهُم
وأموالَهم وأبناءهم. قال: أَيْنَ مالك؟ قيل: هذا مالك، ودُعي له. قال: يا مالك
إنك قد أصبحتَ رئيسَ قومك، وإن هذا يومٌّ كائن له ما بعده من الأيام، مالي
أسمع رُغاء البعير، ونُهاق الحمير، وبُكاء الصغير، ويُعار الشاء؟ !. قال: سقتُ
مع الناس أبناءهم، ونساءَهم، وأموالَهم. قال: ولِمَ؟ قال: أردت أن أجعل خلفَ
كُلِّ رجل أهله وماله ليقاتل عنهم. فقال: راعي ضأنٍ (٢) واللَّهِ، وهل يردُّ المنهزمَ
شيء، إنها إن كانت لك لم ينفعْك إلا رجلٌ بسيفه ورمحه، وإن كانت عليكَ،
فُضِحْتَ في أهلك ومالك، ثم قال: ما فعلت كعبٌ وكِلاب؟ قالوا: لم يشهدْها
أحدٌ منهم. قال: غاب الحَدُّ(٣) والجِدُّ، لو كان يوم علاءٍ ورِفعة، لم تَغِبْ عنه
كعبٌ ولا كِلاب، ولَودِدْت أنكم فعلتم ما فعلت كعبٌ وكلاب، فمن شهدها
منكم؟ قالوا: عمرو بن عامر، وعوف بن عامر؟ قال: ذَانِكَ الجَذَعَانِ(٤) من
عامر، لا ينفعان ولا يضران. يا مالك! إنك لم تصنع بتقديم البيضةِ بيضةِ هوازن
(١) الحزن: ما ارتفع من الأرض، والضرس: الذي فيه حجارة محددة، والدهس: ما
سهل ولان من الأرض، ولم يبلغ أن يكون رملاً.
(٢) يجهله بذلك كما قال الشاعر:
أصبحت هزءاً لراعي الضأن أعجبه
ماذا يريبك مني راعيَ الضأنِ
(٣) الحد: النشاط والسرعة والمضاء في الأمور.
(٤) يريد: أنهما ضعيفان في الحرب بمنزلة الجذع في سنه .
٤٠٩

إلى نحورِ الخيل شيئاً، ارفعهم إلى مُتمنَّع بلادهم وعُليا قومهم، ثم الق الصُّباة(١)
على متون الخيل، فإن كانت لك، لحقَ بك مَنْ وراءَك، إن كانت عليك، ألْفاك
ذلك، وقد أحرزتَ أهلك ومالك. قال: واللهِ لا أفعلُ، إنك قد كَبِرْت وَكَبِرَ
عقلُكَ، واللهِ لتُطِيعُنَني يا معشَرَ هوازن، أو لأنَّكِئْنَّ على هذا السيف حتى يخرُجَ
مِن ظهري، وكره أن يكون لِدُريد فيها ذِكر ورأي، فقالوا: أطعناك، فقال دُريد:
هذا یوم لم أشهده ولم يَقُتْني .
أَخُبُّ فِيهَا وَأَضَغْ
يَا لَيْتَنِي فِيهَا جَذَعْ
كَأَنَّهَا شَاةٌ صَدَعْ(٢)
أَقُودُ وَطْفَاءَ الزَّمَعْ
ثم قال مالك للناس: إذا رأيتمُوهم فاكسروا جُفون سيوفكم، ثم شُدُّوا شدةَ
رجل واحد، وبعث عيوناً مِن رجاله، فأَتَوْه وقد تفرَّقت أوصالُهم، قال: ويلكم ما
شأنكم؟ قالوا: رأينا رِجالاً بيضاً على خيل بُلقٍ، واللهِ ما تماسكنا أن أصابَنَا ما
ترى، فواللهِ ما ردَّه ذلك عن وجهه أن مَضَى على ما يُريدُ.
ولما سمع بهم نبيُّ اللّه ◌ِِّ، بعث إليهم عبد الله بن أبي حَدْرَدِ الأسلمي،
وأمره أن يدخُل في الناس، فيُقيم فيهم حتى يعلَم علمهم، ثم يأتيه بخبرهم،
فانطلق ابن أبي حدرد، فدخل فيهم حتى سمعَ وعلم ما قد جمعوا له من حرب
رسول الله ◌َّ، وسَمِعَ مِن مالك وأمر هوازن ما هُم عليه، ثم أقبل حتى أتى
رسولَ الله ◌َيِّ فأخبره الخبر.
فلما أجمع رسولُ اللَّهِ ◌ِِّ السير إلى هوازن، ذُكِرَ له أن عند صفوان بن أمية
أدراعاً وسلاحاً، فأرسل إليه، وهو يومئذ مشرك، فقال: يا أبا أمية! أعِرْنا سِلاحك
(١) جمع صابي غير مهموز كقاض وقضاة، وهم المسلمون عندهم، كانوا يسمونهم بهذا
الاسم، لأنهم صبؤوا من دينهم، أي: خرجوا من دين الجاهلية إلى الإِسلام.
الجذع: الشاب، وأخب وأضع: ضربان من السير، والوطفاء: طويلة الشعر، والزمع:
(٢)
الشعر فوق مربط قيد الدابة يريد فرساً صفتها هكذا، وهو محمود في وصف الخيل،
والشاة هنا: الوعل، وصدع أي: وعل بين وعلين ليس بالعظيم ولا بالحقير.
٤١٠

هذا نلقى فيه عدونا غداً، فقال صفوان: أغصباً يا محمد؟ قال: ((بَلْ عَارِيَّةٌ
مَضْمُونَةٌ حَتَّى نُؤَدِّيَهَا إِلَيْكَ))(١)، فقال: ليس بهذا بأس، فأعطاه مائة درع بما
يكفيها مِن السلاح، فزعموا أن رسول الله وَّ سأله أن يكفيهم حملها، ففعل.
ثم خرج رسولُ الله ◌َّ معه ألفان مِن أهل مكة، مع عشرة آلاف مِن أصحابه
الذين خرجوا معه، ففتح الله بهم مكة، وكانوا اثني عشر ألفاً، واستعمل عثَّبَ بن
أسيد على مكة أميراً، ثم مضى يُريد لقاء هوازن.
قال ابن إسحاق: فحدثني عاصم بن عمر بن قتادة، عن عبد الرحمن بن
جابر، عن أبيه جابر بن عبد الله، قال: لما استقبلنا وادي حنين، انحدرنا في
وادٍ من أودية تِهامة أجوفَ حَطُوط (٢)، إنما ننحدر فيه انحداراً. قال: وفي
عَماية الصبح، وكان القومُ سبقونا إلى الوادي، فَكَمَنُوا لنا في شِعابه وأَخْنائه
ومضايقه، قد أجمعوا، وتهيؤوا، وأعدوا فوالله ما راعنا - ونحن منحطُون -
إلا الكتائبُ، قد شدُّوا علينا شَدَّةَ رجل واحد، وانشمر الناسُ راجعين لا يَلْوِي
أحدٌ منهم على أحد، وانحاز رسولُ اللهِ وَّل ذاتَ اليمين، ثم قال: ((إلى أَيْنَ
أَيُّهَا النَّاسُ؟ هَلُمَّ إِلِيَّ أنا رَسُولُ اللهِ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ)، وبقي مع
رسول الله وَّ نفرٌ من المهاجرين والأنصارِ وأهلِ بيته، وفيمن ثبت معه من
المهاجرين أبو بكر وعمر، ومن أهل بيته علي والعباس وأبو سفيان بن
الحارث وابنه، والفضل بن العباس، وربيعةُ بن الحارث، وأسامةُ بن زيد،
وأيمن ابن أم أيمن، وقُتِلَ يومئذ. قال: ورجل من هوازن على جمل له أحمر
بيده راية سوداء في رأس رُمح طويل أمامَ هوازن، وهوازنُ خلفه، إذا أدرك،
طعن برمحه، وإذا فاته الناسُ، رفع رمحه لمن وراءه فاتبعوه، فبينا هو كذلك
(١) حديث صحيح، أخرجه الحاكم ٤٨/٣، والبيهقي ٨٩/٦ من طريق ابن إسحاق حدثني
عاصم بن عمر بن قتادة، عن عبد الرحمن بن جابر، عن أبيه جابر بن عبد الله، وهذا
سند صحيح، وله طريق اخر أخرجه أبو داود (٣٥٦٢) وأحمد ٤٠١/٣ و٤٦٥/٦،
والحاكم ٤٧/٢ والبيهقي ٨٩/٦، وهو حسن في الشواهد.
(٢) تهامة: ما انخفض من أرض الحجاز، وأجوف: متسع، وخطوط: منحدر.
٤١١

إذ أهوى عليه علي بن أبي طالب، ورجل من الأنصار يُريدانه، قال: فأتى
علي مِنْ خَلْفِهِ، فضرب عرقوبي الجمل، فوقع على عجزه، ووثب الأنصاريُّ
على الرجل، فضربه ضربةً أطن قدمه بنصف ساقه، فانجعفَ عن رحله، قال:
فاجتلد الناسُ. قال: فوالله ما رجعت راجعةُ الناس مِن هزيمتهم حتى وجدوا
الأسارى عند رسول الله ◌َ﴾ (١) .
قال ابن إسحاق: ولما انهزم المسلمون، ورأى مَن كان معَ
رسول الله ﴿ مِن جُفاة أهل مكة الهزيمة، تكلّم رجال منهم بما في أنفسهم
من الضُّغنِ، فقال أبو سفيان بن حرب: لا تنتهي هزيمتُهم دونَ البحر، وإن
الأزلامَ لمعه في كِنانته، وصرخ جَبَلة بن الحنبل - وقال ابن هشام: صوابه
كَلَدَة -: ألا بطل السِّحْرُ اليوم، فقال له صفوانُ أخوه لأمه وكان بعدُ مشركاً:
اسكت فضَّ اللَّهُ فاك، فوالله لأن يَرُبَنِي رَجُلٌ مِن قريش، أحبُ إليَّ من أن
يربَّني رجلٌ مِن هوازن(٢).
وذكر ابنُ سعد عن شيبة بن عُثمان الحَجَبي، قال: لما كان عامُ الفتح،
دخل رسول الله وَّ مكة عَنوة، قلت: أسيرُ مع قريش إلى هوازن بخُنين،
فعسى إن اختلطوا أن أُصيب مِن محمد غِرَّة، فأثأرَ منه، فأكون أنا الذي قمتُ
بثأر قريش كُلِّها، وأقولُ: لو لم يبقَ مِن العرب والعجم أحد إلا اتبع محمداً،
ما تبعتُه أبداً، وكنت مُرْصداً لما خرجتُ له لا يزدادُ الأمر في نفسي إلا قوةً،
فلما اختلط الناس، اقتحمَ رسولُ الله ◌َّ عن بغلته، فأصلت السيف، فدنوتُ
أريدُ ما أريدُ منه، ورفعتُ سيفي حتى كِدتُ أشعره إياه، فرُفِعَ لي شُواظٌ مِن
نار كالبرق كاد يمحشُني، فوضعتُ يدي على بصري خوفاً عليه، فالتفتَ إلي
رسول الله ◌ٍَّ، فناداني: ((يَا شَيْبُ ادْنُ مِنِّي)) فَدَنَوْتُ مِنْهُ، فَمَسَحَ صَدْرِي، ثم
قال: ((اللَّهُمَّ أَعِذْهُ مِنَ الشَّيْطَانِ)) قال: فواللَّهِ لهو كان ساعتَئِذٍ أحبَّ إِلَيَّ مِنْ
(١) أخرجه ابن هشام ٢/ ٤٤٢، ٤٤٥، وسنده صحيح.
(٢) ابن هشام ٢/ ٤٤٣، ٤٤٤.
٤١٢

سمعي، وبصري، ونفسي، وأذهبَ اللَّهُ ما كان في نفسي، ثم قال: ((ادْنُ
فقاتلْ))، فتقدمت أمامَه أضربُ بسيفي، الله يعلمُ أني أحب أن أقيَه بنفسي كُلَّ
شيء، ولو لقيتُ تلك الساعة أبي لو كان حياً لأوقعتُ به السيف، فجعلت
ألزمُه فيمن لزمه حتى تراجعَ المسلمون، فكرُّوا كرةَ رجل واحد، وقُرِّبَتْ بغلةٌ
رسولِ الله ◌ََّ، فاستوى عليها، وخرج في أثرهم حتى تفرَّقوا في كُلِّ وجه،
ورجع إلى معسكره، فدخل خِباءه، فدخلتُ عليه، ما دخل عليه أحدٌ غيري
حباً لرؤية وجهه، وسروراً به، فقال: ((يا شَيْبُ! الذي أرادَ اللَّهُ بِكَ خَيْرٌ ممَّا
أَرَدْتَ لِنَفْسِكَ))، ثم حدثني بكلِّ ما أضمرتُ في نفسي ما لم أكن أذكره لأحد
قط، قال: فقلتُ: فإني أشهدُ أن لا إله إلا اللَّهُ، وأنكَ رسولُ الله ◌َ، ثم
قلت: استغفر لي. فقال: ((غَفَرَ اللَّهُ لَكَ))(١).
وقال ابن إسحاق: وحدثني الزهري، عن كثير بن العباس، عن أبيه
العباس بن عبد المطلب، قال: إني لمعَ رسولِ اللهِمَ﴾ آخذٌ بِحَكَمَةِ بغلته
البيضاء، قد شَجَرْتُها بها، وكنت امرءاً جسيماً شديدَ الصوت، قال:
رسُولُ الله ◌َّهِ يقول حين رأى ما رأى من الناس: ((إِلى أَيْنَ أَيُّهَا النَّاسُ؟)) قال:
فلم أرَ الناس يَلْوُون على شيء، فقال: ((يا عَبّاسُ اصْرَخْ: يَا مَعْشَرِ الأَنْصَارِ،
يَا مَعْشَرَ أَصْحَابِ السَّمُرَةِ»، فأجابوا: لَبَيْكَ لَيْكَ. قال: فيذهبُ الرجلُ ليثني
بعيرَه، فلا يقدِرُ على ذُلك، فيأخذ دِرعه فيقذفها في عُنُقُه، ويأخذ سيفَه
وقوسه وتُرْسَه، ويقتحِمُ عن بعيره، ويخلي سبيله، ويؤم الصوت حتى ينتهيَ
إلى رسول الله ◌َّ، حتى إذا اجتمع إليه منهم مائة، استقبلُوا النَّاس، فاقتتلُوا
فكانت الدعوة أوَّلَ ما كانت: يا للأنصار، ثم خلصت آخراً: يا للخزرج،
وكانوا صُبُرَاً عند الحرب، فأشرف رسولُ الله ◌ِ﴾ في ركائبه، فنظر إلى مُجْتَلَدِ
القومِ، وهم يَجْتَلِدُونَ، فقال: ((الآنَ حَمِيَ الوَطيسُ))(٢) وزَاد غيره.
(١) انظر ((الإصابة)) ت ٣٩٤٠.
(٢) أخرجه ابن هشام ٤٤٤/٢، ٤٤٥ عن ابن إسحاق وسنده صحيح، والشعر في =
٤١٣

أنا ابْنُ عَبْدِ المُطَّلِبْ
أنَا النَّبِيُّ لاَكَذِبُ
وفي ((صحيح مسلم)): ثم أخذ رسولُ الله ◌َِّ حَصِيَاتٍ، فرمى بها. في
وجوه الكُفَّارِ، ثم قال: ((انْهَزَمُوا وَرَبِّ مُحَمَّدٍ»، فما هو إلا أن رماهم، فما زِلْتُ
أرى حَذَّهُم كليلاً، وأمَرهم مُذْبِرَاً (١).
وفي لفظ له: إنه نزل عن البغلة، قم قبضَ قَبضة مِن تُراب الأرض، ثم
استقبل بها وجوههم، وقال: ((شَاهَتِ الوُجُوهُ)»، فما خلق اللَّهُ منهم إنساناً إلا ملأ
عينيه تراباً بتلك القبضة، فولوا مدبرين(٢).
وذكر ابن إسحاق عن جُبير بن مطعم، قال: لقد رأيت - قبل هزيمة القوم،
والناس يقتتلون يومَ حُنينٍ - مثلَ البَجادِ الأسود، أقبل مِن السماء حتى سقط بيننا
بينَ القوم، فنطرتُ فإذا نمل أسودُ مبثوث قد ملأ الوادي، فلم يكن إلا هزيمة
القوم، فلم أشك أنها الملائكة.
قال ابن إسحاق: ولما انهزم المشركون، أتوا الطائف، ومعهم مالكُ بن
عوف، وعسكر بعضُهم بأوطاس، وتوجَّه بعضُهم نحو نخلةَ، وبعثَ
رسولُ اللهِ وَيه في آثار من توجّه قِبل أوطاس أبا عامر الأشعريَّ، فأدرك مِن الناس
بعضَ من انهزم، فناوشُوه القِتَال، فُرُمِي بسهم فقتل، فأخذ الراية أبو موسى
الأشعري، وهو ابن أخيه فقاتلهم، ففتح الله عليه، فهزمهم اللَّهُ، وقتل قاتل أبي
عامر، فقال رسولُ الله ◌َّةٍ: ((اللَّهُمَّ اغْفِرْ لعُبَيْدٍ أبي عَامِرٍ وَأَهْلِه، واجْعَلْهُ يَوْمَ
القِيَامَةِ فَوْقَ كَثِيرٍ مِنْ خَلْقِكَ)) واستغفر لأبي موسى (٣).
=
البخاري ٢٤/٨، ومسلم (١٧٧٦).
(١) أخرجه مسلم (١٧٧٥) في الجهاد: باب غزوة حنين. وعبد الرزاق (٩٧٤١) وأحمد
٢٠٧/١ والحاكم ٣٢٧/٣.
(٢) أخرجه مسلم (١٧٧٧).
(٣) ((سيرة ابن هشام)) ٤٥٤/٢، ٤٥٥ وأخرجه البخاري ٦/ ٦٠ في الجهاد: باب
٤١٤

ومضى مالكُ بن عوف حتى تحصَّن بحصن ثقيف، وأمر رسولُ الله ◌ِّ
بالسَّبِي والغنائمِ أن تُجْمَعَ فَجُمِعَ ذُلِكَ كُلُّهُ، ووجهوه إلى الجِعْرَانَةِ، وكان السَّبيُّ
ستةَ آلاف رأس، والإِبِلُ أربعةً وعشرين ألفاً، والغنم أكثرَ من أربعين ألف شاة،
وأربعة آلاف أوقية فضة، فاستأنى بهم رسولُ الله ◌ٍِّ أن يقدموا عليه مسلمين بِضْعَ
عشرة ليلة.
" ثم بدأ بالأموال فقسمها، وأعطى المؤلفةَ قلوبُهم أوَّلَ الناس، فأعطى أبا أعطى ◌َّ المؤلفة قلوبهم
سفيان بنَ حرب أربعين أوقية، ومائةً من الإبل، فقال: ابني يزيد؟ فقال: ((أعْطُوهُ سفيان وحكيم بن حزام
أول الناس منهم أبو
أَرْبَعِينَ أُوْفِيَّةً وَمائَةً مِنَ الإِل))، فقال: ابني معاوية؟ قال: ((أَعْطُوهُ أَرْبَعِينَ أُوْقِيَّةً،
وَمِائَةً من الإِبل))، وأعطى حكيم بن حِزام مائة من الإبل، ثم سأله مائة أخرى
فأعطاه، وأعطى النضر بن الحارث بن كلدة مائة من الإبل، وأعطى العلاء بن
حارثة الثقفي خمسين، وذكر أصحاب المائة - وأصحاب الخمسين - وأعطى
العباسَ بن مرداس أربعين، فقال في ذلك شعراً، فكمل له المائة.
ثم أمر زيد بن ثابت بإحصاءِ الغنائم والناس، ثم فضَّها على الناس، فكانت
سهامهُم لكل رجل أربعاً من الإِبل وأربعينَ شاة. فإن كان فارساً أخذ اثني عشر
بعيراً وعشرين ومائة شاة.
قال ابن إسحاق: وحدثني عاصم بن عمر بن قتادة، عن محمود بن لبيد، إرضاؤه ◌ّ الأنصار
عن أبي سعيد الخدري قال: لما أعطى رسولُ الله ◌ِّ ما أعطى مِن تلك العطايا في
قريش، وفي قبائل العرب، ولم يكن في الأنصار منها شيء، وجد هذا الحيُّ من
الأنصار في أنفسهم، حتى كَثُرت فيهم القالةُ، حتى قال قائلُهم: لقي واللَّهِ
رسولُ الله ◌ََّ قومَه، فدخل عليه سعدُ بنُ عبادة، فقال: يا رسول الله! إن هذا
الحيَّ من الأنصار قد وجدوا عليك في أنفسهم لِما صنعتَ في هذا الفيءِ الذي
نزع السهم من البدن، و٣٤/٨، ٣٥، ومسلم (٢٤٩٨) في فضائل الصحابة: باب
==
من فضائل أبي موسى وأبي عامر الأشعريين.
٤١٥

أصبتَ، قسمت في قومك، وأعطيت عطايا عظاماً في قبائل العرب، ولم يكن في
هذا الحيِّ من الأنصار منها شيء. قال: ((فَأَيْنَ أَنْتَ مِنْ ذُلِكَ يَا سَعْدُ» قال: يا
رسولَ الله! ما أنا إلا مِن قومِي. قال: فاجْمَعْ لي قَومَكَ في هذِهِ الحَظِيرَةِ؟ قال:
فجاء رجالٌ من المهاجرينَ، فتركهم، فدخلوا، وجاء آخرون فردهم، فلما
اجتمعوا، أتى سعدٌ، فقال: قد اجتمع لك هذا الحيُّ من الأنصار، فأتاهم
رسولُ اللهِ وَّةَ، فَحَمِدَ اللَّهَ، وأثنى عليه بما هو أهله، ثم قال: ((يَا مَعْشَرَ الأنْصَار
مَا قَالَةٌ بَلَغَتْنِي عَنْكُم، وجِدَةٌ وَجَدْتُمُوهَا في أَنْفُسِكُمْ، أَلَمْ آَتِكُمْ ضُلاَلاً فهَدَاكُمُ اللَّهُ
بي، وعَالَةً فَأَغْنَاكُمُ اللَّهُ بِي، وَأَعْدَاءً فَلَّفَ اللَّهُ بَيْنَ قُلُوبِكُم؟)) قالوا: الله ورسولُه
أمنُّ وأفضلُ. ثم قال: ((أَلاَ تُجِيبُوني يا مَعْشَرَ الأَنْصَارِ؟ قالوا: بماذَا نجيبُك يا
رسولَ اللَّهِ، لِلَّهِ ولِرسُولِه المنّ والفَضْلُ. قال: (أَمَا واللَّهِ لَوْ شِئْتُم، لَقُلْتُم،
فَلَصَدَقْتُمْ وَلَصُدِّقْتُمْ: أَتَيْتَنَا مُكَذَّباً فَصَدَّقْنَاكَ، ومَخْذُولاً فَنَصَرْنَاكَ، وَطَرِيداً
فاَوَيْنَاكَ، وعائِلاَ فَأَسيناكَ، أوجَدْتم عليَّ يَا مَعْشَرَ الأنصارِ في أَنْفُسِكُمْ فِي لُعَاعَةٍ مِنَ
الدُّنْيَا تَأَلَّفْتُ بِهَا قوماً لِيُسْلِمُوا، وَوَكَلْتُكُمْ إِلى إِسْلامِكُم، ألا تَرْضَوْنَ يا مَعْشَرَ
الأنْصَارِ أَنْ يَذْهَبَ النَّاسُ بالشَّاء والبَعيرِ، وتَرْجِعُونَ بِرَسُولِ اللَّهِ إلى رِحالِكم،
فَوَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَمَا تَنْقَلِبُون بِهِ خيرٌ مِمَّا يَنْقَلِبُونَ بِهِ، وَلَوْلاَ الهِجْرَةُ، لَكُنْتُ
امرءاً مِن الأَنْصَارِ، وَلَوْ سَلَكَ النَّاسُ شِعْباً وَوَادِياً، وسَلَكَت الأنصار شِعْباً وَوَادياً
لَسَلَكْتُ شِعْبَ الأنْصَارِ وواديها، الأنصارُ شِعَارٌ، والنَّاسُ دِثارٌ، اللَّهُمَّ ارْحَم
الأنْصَارَ وَأَبْنَاءَ الأَنْصارِ، وأبناءَ أبناءِ الأنْصار)) قال: فبكى القومُ حتَّى أخضلُوا
لِحاهم، وقالوا: رَضينَا برسُولِ اللهِوَ ◌ّ قَسْمَاً وحظاً، ثم انصرف رسولُ الله ◌ِّ
وتفرقوا (١).
قدوم أخته گلے من
الرضاعة
وقدمت الشَّيماءُ بنت الحارث بن عبد العُزى أختُ رسولِ الله وَّر من
(١) إسناده صحيح، وهو في ((سيرة ابن هشام)) ٤٩٨/٢، ٤٩٩، و((المسند)) ٧٦/٣ عن
ابن إسحاق، وفي الباب عن عبد الله بن زيد عند البخاري ٣٨/٨، ٤٢، ومسلم
(١٠٦١) وأحمد ٤٢/٤.
٤١٦

الرّضاعة، فقالت: يا رسول الله! إني أختُك مِن الرضاعة، قال: وما علامَةُ ذلك؟
قالت: عضَّةٌ عَضَضتنيها في ظهري، وأنا متورِّكَتُك. قال: فعرف رسولُ الله ◌ِّ
العلامة، فبسط لها رِداءَهُ، وأجلسها عليه وخيَّرها، فقال: ((إِنْ أَحْبَيْتِ الإِقامَةَ
فَعِنْدِي مُحَيَِّةً مُكَرَّمَةً، وإنْ أحْبَيْتِ أنْ أمتِّعَكِ فَتَرْجِعِي إلى قَوْمِكِ))؟ قالت: بل
تُمَتِّعني وتردُّني إلى قومي، ففعل، فزعمت بنو سعد أنه أعطاها غُلاماً يقال له:
مكحول وجارية، فزوجت إحداهما مِن الآخر، فلم يزل فيهم مِن نسلهما بقية.
وقال أبو عمر: فأسلمت، فأعطاها رسولُ اللهِ بَّه ثلاثةَ أعبد وجارية، ونعماً،
وشاءً، وسماها حذافة. وقال: والشيماء لقب(١).
فصل
قدوم وفد هوازن .
وقدم وفد هوازنَ على رسول الله بَّر، وهم أربعةَ عشر رجلاً، ورأسُهم
زهيرُ بن صرد، وفيهم أبو بُرقان عمُّ رسول الله وَّهُ مِن الرضاعة، فسألوه أن يَمُنَّ
عليهم بالسَّبي والأموال، فقال: ((إنَّ مَعِي مَنْ تَرَوْنَ، وإنَّ أحَبَّ الحَدِيث إِليَّ
أَصْدَقُهُ، فَأَبْنَاؤُكُمْ ونِساؤُكُمْ أَحَبُ إِلَيْكُمْ أَمْ أَمْوَالُكُمْ؟)) قالوا: ما كنا نعدِلُ
بالأحساب شيئاً. فقال: إذا صَلَّيْتُ الغَدَاةَ فَقُومُوا فقولوا: إنَّا نَسْتَشْفِعُ
بِرَسُولِ اللّهِنَّه إلى المُؤْمِنِينَ، وَنَسْتَشْفِعُ بِالمُؤمنين إلى رَسُولِ اللَّهِوَ لَأَنْ يَرُدُّوا
عَلَيْنَا سَبْنَا))، فلما صلَّى الغداة، قاموا فقالُوا ذُلِكَ، فقال رسولُ اللَّهِ يَّةِ: ((أمَّا مَا
كَانَ لي ولبني عَبْدِ المُطَّلِبِ، فَهُوَ لَكُمْ، وَسَأَسْأَلُ لَكُمُ النَّاسَ))، فقال المهاجِرُونَ
والأنصار: ما كان لنا فهو لِرسول اللَّهِ بَلَه، فقال الأقرعُ بنُ حابس: أما أنا وبنو
تميم، فلا، وقال عُيينة بن حصن: أما أنا وبنو فَزارة فلا. وقال العباسُ بنُ
مرداس: أما أنا وبنُو سليم، فلا، فقالت بنو سليم: ما كان لنا، فهو
لرسول الله صل﴾، فقال العباسُ بنُ مرداس: وهَّنتموني، فقال رسولُ اللهِ وَلَه: ((إِنَّ
هُؤُلاءِ القَّوْمَ قَدْ جَاؤُوا مُسْلِمِينَ، وَقَدْ كُنْتُ اسْتَأْتَيْتُ سَبِيَهُم، وقَد خَيَّرْتُهم، فَلَمْ
(١) ابن هشام ٤٥٨/٢ عن ابن إسحاق: حدثني يزيد بن عبيد السعدي، ورجاله ثقات
لكنه منقطع، وانظر («أسد الغابة» (٧٠٤٩) و((الإصابة)) ٣٣٥/٤.
٤١٧
زاد المعاد ج ٣ -م١٤

يَعْدِلُوا بالأبناء والنِّساءِ شَيْئاً، فمَنْ كَانَ عِنْدَهُ مِنْهُنَّ شيءٍ، فَطَابَتْ نَفْسُهُ بأن يَرُدَّه،
فسبيلُ ذلكَ، وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يَسْتَمْسِكَ بِحَقِّهِ، فليرُدَّ عليهِمْ، ولَهُ بِكُلِّ فَرِيضَةٍ ستُ
فرائضَ منْ أَوَّلِ ما يفيء اللَّهُ علينا))، فقال الناسُ: قد طيبنا لرسول الله تَّةٍ. فقال:
(إنا لا نعرِفُ مَنْ رَضِيَ مِنْكُم مِمَّنْ لَمْ يَرْضَ، فَارْجِعُوا حَتّى يَرفَعَ إلينا عرفاؤُكم
أَمْرَكُم))، فردوا عليهم نساءهم وأبناءهم(١) .
ولم يتخلف منهم أحد غير عُيينة بن حصن، فإنه أبى أن يرد عجوزاً صارت
في يديه، ثم ردَّها بعد ذلك، وكسا رسولُ الله ◌َّهِ السَّبي قُبطية قُبطية.
فصل
في الإِشارة إلى بعض ما تضمنته هذه الغزوة
من المسائل الفقهية والنّكت الحكمية
تسببت حرب هوازن
له ◌َ* في إظهار أمر الله
كان اللَّهُ عز وجل قد وعد رسوله، وهو صادقُ الوعد، أنه إذا فتح مكَّة،
دخل النَّاسُ في دينه أفواجاً، ودانت له العربُ بأسرها، فلما تمَّ له الفتحُ المبين،
اقتضت حِكمتُه تعالى أن أمسك قلوبَ هوازِنَ ومن تَبِعَهَا عن الإِسلام، وأن
يجمعوا ويتألَّبوا لحرب رسول الله بَّه والمسلمين، لِيظهر أمرُ الله، وتمامُ إعزازه
لرسوله، ونصره لدينه، ولِتكون غنائمُهم شكراناً لأهل الفتح، وليُظهرَ اللَّهُ
- سبحانه - رسولَه وعِبادَه، وقهرَه لهذه الشوكة العظيمة التي لم يلق المسلمون
مثلها، فلا يُقاومهم بعدُ أحدٌ من الغرب، ولغير ذلك مِن الحكم الباهرة التي تلوحُ
للمتأملين، وتبدو للمتوسمين.
واقتضت حكمتُه سبحانه أن أذاق المسلمين أولاً مرارة الهزيمة والكسرة مع
كثرة عَددهم، وعُددهم، وقوةِ شوكتهم لِيُطَامِنَ رُؤوساً رُفِعَت بالفتح، ولم تدخل
كانت هزيمة المسلمين
في أول المعركة
لتعليمهم عدم الاغترار
بقوتهم
(١) أخرجه ابن هشام ٤٨٩/٢ عن ابن إسحاق حدثني عمرو بن شعيب عن أبيه عن
جده، وهذا سند حسن. وأخرجه بنحوه البخاري ٢٤/٨، ٢٧، وأحمد ٣٢٦/٤ عن
مروان والمسور بن مخرمة معاً.
٤١٨

بلدَه وحرمه كما دخله رسولُ اللهِ وَ﴾ واضعاً رأسه منحنياً على فرسه، حتى إن ذقنه
تكادُ تَمَسُّ سرجه تواضعاً لربه، وخضوعاً لعظمته، واستكانةً لعزته، أن أحلَّ له
حَرَمهُ وبلده، ولم يَحِلَّ لأحد قبله ولا لأحد بعدَه، ولِيبين سُبحانه لمن قال: ((لَنْ
نُغْلَبَ اليَوْمَ عن قِلَةٍ)) أن النصرَ إنما هو من عنده، وأنه من ینصرُه، فلا غالب له،
ومن يخذُله، فلا ناصر له غيره، وأنه سبحانه هو الذي تولَّى نصر رسوله ودينه، لا
كثرتُكم التي أعجبتكم، فإنها لم تُغن عنكم شيئاً، فوليتُم مُدبرين، فلما انكسرت
قلوبُهم، أرسلت إليها خِلَعُ الجبر مع بَرِيدِ النصر، فأنزل الله سكينته على رسوله
وعلى المؤمنين، وأنزل جنوداً لم تروها، وقد اقتضت حكمتُه أن خِلَعَ النصرِ
وجوائزَه إنما تفِيضُ على أهل الانكسار، ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا في
الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أئِمَّةٌ، ونَجْعَلَهُمُ الوارِثِينَ ونُمَكِّنَ لَهُمْ في الأرضِ، وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ
وهَامَانَ وجُنُودَهُما مِنْهُم مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ﴾ [القصص: ٦].
ومنها: إن اللَّهَ سبحانه لما منع الجيش غنائمَ مكة، فلم يغنمُوا منها ذهباً،
ولا فضةً، ولا متاعاً، ولا سبياً، ولا أرضاً كما روى أبو داود، عن وهب بن منبِّه،
قال: سألت جابراً: هَلْ غَنِمُوا يَوْمَ الفَتْحِ شَيْئاً؟ قال: لاَ (١). وكانوا قد فتحوها
بإيجافِ الخيل والركاب، وهُم عشرةُ آلاف، وفيهم حاجة إلى ما يحتاج إليه
الجيشُ مِن أسباب القوة، فحرَّك سبحانَه قلوبَ المشركين لغزوهم، وقذفَ في
قلوبهم إخراجَ أموالهم، ونَعمهم، وشائهم، وسَبيهم معهم نُزُلاً، وضِيافةً،
وكرامةً، لِحزبه وجنده، وتمَّمَ تقديرَه سبحانه بأن أطمعهم في الظفر، وألاح لهم
مبادىء النصر، ليقضي اللَّهُ أمراً كان مفعولاً، فلما أنزل اللَّهُ نصرَهُ على رسوله
وأوليائه، وبردت الغنائمُ لأهلها، وجرت فيها سهامُ الله ورسوله، قيل: لا حاجةً
لنا في دمائكم، ولا في نسائكم وذراريكم، فأوحى اللَّهُ سبحانه إلى قلوبهم التوبةَ
والإنابةَ، فجاؤوا مسلمين. فقيل: إن مِن شُكْرٍ إسلامِكم وإتيانكم، أن نَرُدَّ عليكم
الإكرام بالغنائم الكثيرة
بعد أن منعوا غنائم مكة
-
(١) أخرجه أبو داود (٣٠٢٣) في الخراج والإمارة: باب ما جاء في خبر مكة. ورجاله
ثقات.
٤١٩

نِسَاءَكُمْ وَأَبْنَاءَكُمُ وسَبْيَكُمْ و ﴿إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرَاً يُؤْتِكُم خيراً ممَّا أُخِذَ
مِنْكُمْ ويَغْفِرْ لَكُم واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الأنفال: ٧٠].
اشتراك الملائكة في
غزوتي بدر وحنين
ومنها: إن اللَّهَ سبحانه افتتح غزو العرب بغزوةٍ بدر، وختم غزوهم بغزوة
حنين، ولهذا يُقْرَنُ بين هاتين الغزاتين بالذكر، فيقال: بدرٌ وحنين، وإن كان
بينهما سبعُ سنين، والملائكة قاتلت بأنفسها مع المسلمين في هاتين الغزاتين،
والنبيُّ ◌ََّ رمى في وجوه المشركين بالحصباء فيهما، وبهاتين الغزاتين طُفِئَت
جمرةُ العرب لغزو رسول الله ◌َّ والمسلمين، فالأولى: خوَّفتهم وكسرت مِن
حَدِّهم، والثانية: استفرغت قواهم، واستنفدت سهامَهم، وأذلَّت جمعهم حتى لم
يجدوا بُدَّاً من الدخول في دين الله .
ومنها: أن الله سبحانه جَبَرَ بها أهل مكة، وفرَّحهم بما نالُوه من النصر
والمغنم، فكانت كالدواء لما نالهم من كسرهم، وإن كان عينَ جبرهم، وعرفهم
تمامَ نعمته عليهم بما صرف عنهم من شر هوازن، فإنه لم يكن لهم بهم طاقة،
وإنما نُصِرُوا عليهم بالمسلمين، ولو أفردوا عنهم، لأكلهم عدؤُهم، إلى غير ذلك
من الحكم التي لا يُحيط بها إلا الله تعالى.
فصل
وفيها: من الفقه أن الإِمام ينبغي له أن يبعث العيونَ ومَنْ يدخلُ بين عدوه
لِيأتيه بخبرهم، وأن الإِمام إذا سمع بقصد عدوِّه له، وفي جيشه قوة ومنَعَة لا يقعُد
ينتظرهم، بل يسيرُ إليهم، كما سار رسولُ الله ◌ِلٍّ إلى هوازن حتى لقيهم بحُنين.
ومنها: أن الإِمام له أن يستعيرَ سلاحَ المشركين وعُدتهم لِقتال عدوه، كما
استعار رسولُ الله ◌ِ لِ أدراع صفوان، وهو يومئذ مشركٌ.
جواز استعارة سلاح
المشركين
ومنها: أن مِن تمام التوكل استعمالَ الأسبابِ التي نصبها الله لمسبباتها قدراً
وشرعاً، فإن رسولَ الله ◌َلٍ وأصحابَه أكملُ الخلق توكُّلاً، وإنما كانوا يَلْقَوْنَ
عدوَّهم، وهم متحصِّئُون بأنواع السِّلاح، ودخل رسولُ الله ◌ِةٍ مَكَّة، والبَيْضَةُ
إيجاب بعث العيون
والسير إلى العدو إذا
سمع بقصده له
من تمام التوكل استعمال
الأسباب
٤٢٠