Indexed OCR Text

Pages 381-400

وليس هذا الذي فعل عمرُ - رضي الله عنه ــ بمخالفٍ للقرآن، فإن الأرض
ليست داخلةً في الغنائم التي أمر الله بتخميسِها وقسمتها، ولهذا قال عمر : إنها غيرُ
المال، ويدل عليه أن إباحةَ الغنائم لم تكن لغير هذِه الأمة، بل هو مِن خصائصها،
كما قالٍ في الحديث المتفق على صحته: ((وَأُحِلَّتْ لِي الغَنَائِمُ، وَلَمْ تَحِلَّ
لِأَحد قَبْلِي)) وقد أحلَّ اللَّهُ سبحانه الأرض التي كانت بأيدي الكفارِ لمن قبلنا مِن
أتباع الرسل إذا استؤْلَوْا عليها عَنوة، كما أحلَّها لِقوم موسى، فلهذا قال موسى
لقومه: ﴿يَا قَوْم ادْخُلُوا الأَرْضَ المُقَدَّسَةَ التِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُم، ولاَ تَرْتَدُّوا عَلَى
أَذْبارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ﴾ [المائدة: ٢١] فموسى وقومُه قاتلوا الكفارَ،
واستولَوْا على دِيارهم وأموالهم، فجمعُوا الغنائِم، ثمَّ نزلت النارُ مِن السماء
فأكلتها، وسكنُوا الأرض والدِّيار، ولم تُحَرَّم عليهم، فعلم أنها ليست مِن الغنائِم،
وأنها لله يُورِثُها مَنْ يشاء.
فصل
وأما مكة، فإن فيها شيئاً آخر يمنع مِن قسمتها ولو وجبت قسمةُ ما عداها
مِن القُرى، وهي أنها لا تُملك، فإنها دارُ النسك، ومتعبَّدُ الخلق، وحَرَمُ الربِّ
تعالى الذي جعله للناس سواءَ العاكِفُ فيه والباد، فهي وقف من الله على
العالمين، وهم فيها سواء ومِنِى مُنَاخُ مَنْ سَبَقَ، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا
وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ، والمَسْجِدِ الحَرَامِ الذَّي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاس سَواءًّ العَاكِفُ فِيهِ
والباد وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِالْحَادٍ بِظُلْمِ نُذِقْهُ مِنْ عَذابٍ أليم﴾ [الحج: ٢٥]، والمسجد
الحرام هنا، المراد به الحرم كُلُّهُ، كقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الُمْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا
المَسْجِدَ الحَرامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هذا﴾ [التوبة: ٢٨]، فهذا المرادُ به الحرم كُلُّهُ، وقولُه
سبحانه: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أسرى بِعَبْدِهِ لَيْلاَ مِنَ المَسْجِدِ الحَرَامِ إِلَى المَسْجِدِ
الأَقْصَى﴾ [الإسراء: ١]، وفي الصحيح (١): إنه أسْرِيَ به مِنْ بيت أم هانىء وقال
يمنع قسمة مكة لأنها دار
نسك
(١) لقد وهم المؤلف رحمه الله في نسبة ذلك إلى الصحيح، فإنه لم يخرجاه ولا =
٣٨١

تعالى: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي المَسْجِدِ الحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٩٦]، وليس
المراد به حضورَ نفس موضع الصلاة اتفاقاً، وإنما هو حضورُ الحرم والقرب منه،
وسياقُ آية الحج تدُلُّ على ذلك، فإنه قال: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِالْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ
عَذَاب أليم﴾، وهذا لا يختصُّ بمقام الصلاةِ قطعاً، بل المراد به الحَرَمُ كُلُّه،
فالذي جعله للناس سواء العاكف فيه والباد، هو الذي توَّد مَنْ صَدَّ عنه، ومن
أراد الإلحادَ بالظلم فيه، فالحرمُ ومشاعرُه كالصَّفا والمروة، والمسعى ومِنى،
وعَرَفَة، ومُزْدَلِفَة، لا يختصُّ بها أحدٌ دونَ أحد، بل هي مشتركة بين الناس، إذ
هي مَحلُّ نسكهم ومتعبدهم، فهي مسجد من الله، وقفه ووضعه لخلقه، ولهذا
امتنع النبيُّ ◌ََّ أن يُبنى له بيت بمنى يُظِلُّه من الحر، وقال: ((مِنَى مُناخُ من
سَبَقَ)(١).
جمهور الأئمة على عدم
جواز بيع أراضي مكة
ولا إجارة بيوتها
ولهذا ذهب جمهورُ الأئمة مِن السلف والخلف، إلى أنه لا يجوزُ بيعُ
أراضي مكة، ولا إجارةُ بيوتها، هذا مذهبُ مجاهد وعطاء في أهل مكة، ومالك
في أهل المدينة، وأبي حنيفة في أهل العراق، وسفيان الثوري، والإِمام أحمد بن
حنبل، وإسحاق بن راهويه.
وروى الإمام أحمد رحمه الله، عن علقمة بن نضلة، قال: كانت رِباعُ مكة
تُدعى السَّوائب على عهد رسول الله وَّ وأبي بكر وعمر، من احتاج سكن، ومن
استغنی أسكن.
وروى أيضاً عن عبد الله بن عمر: ((مَن أكل أجورَ بيوتٍ مكة، فإنما يأكُلُ
في بطنه نار جهنم)) رواه الدار قطني مرفوعاً إلى النبيِ نَّةَ، وفيه ((إنَّ الله حَرَّمَ مَكَّة،
فَحَرَامٌ بَيْعُ رِبَاعِهَا وَأَكْلُ ثَمَنِهَا)) .
أحدهما، وإنما هو عند ابن هشام ٢/ ٤٠٢ من طريق ابن إسحاق، وعند الطبراني،
وفي سنده عبد الأعلى بن أبي المساور وهو متروك، وعند أبي يعلى، وفي سنده أبو
صالح باذام وهو ضعيف. وانظر ((الفتح)) ١٥٥/٧ و ((مجمع الزوائد)) ٧٦/١.
(١) تقدم تخريجه في الحج في الجزء الثاني.
٣٨٢

وقال الإِمام أحمد: حدثنا معمر، عن لَيْثِ، عن عطاء، وطاووس
ومجاهد، أنهم قالوا: يُکره أن تُباع رِبائُ مگّة أو تُکری بيوتها .
وذكر الإمام أحمد، عن القاسم بن عبد الرحمن، قال: من أكل من كِراء
بيوتٍ مكة، فإنما يأكُلُ في بطنه ناراً.
وقال أحمد: حدثنا هُشيم، حدثنا حجَّاج، عن مجاهد، عن عبد الله بن
عمر، قال: نَهَى عَنْ إجارَةِ بُيُوتِ مَكَّةٍ وعَنْ بَيْعِ رَباعِهَا. وذكر عن عطاء، قال:
نھی عن إجارة بيوتٍ مكة.
وقال أحمد: حدثنا إسحاق بن يوسف قال: حدثنا عبد الملك، قال: كتب
عُمَرُ بنُ عبد العزيز إلى أمير أهل مكة ينهاهم عن إجارة بيوتٍ مكة، وقال: إنه
حرام. وحكى أحمد عن عمر، أنه نهى أن يَتَّخِذَ أهلُ مَّة للدورِ أبواباً، لِينزِلَ
البادي حيث شاء، وحكى عن عبد الله بن عمر، عن أبيه، أنه نهى أن تُغْلَقَ أبوابُ
دورِ مكة، فنهى من لا باب لداره أن يتَّخِذَ لها باباً، ومن لداره باب أن يُغْلِقَه،
وهذا في أيام المَوْسِمِ.
قال المجوِّزون للبيع والإِجارة: الدليلُ على جواز ذلك، كتابُ الله وسنةُ
رسولِهِ، وعملُ أصحابه وخُلفائه الراشدين. قال الله تعالى: ﴿لِلْفُقَرَاء المَهَاجِرِينَ
الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ﴾ [الحشر: ٨]، وقال: ﴿فَالَّذِينَ هَاجَرُوا
وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٩٥]، وقال: ﴿إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الذِينَ
قَاتَلُوكُم في الدِّين وأَخْرَ جوكُمْ مِنْ دِيَارِكُم﴾ [الممتحنة: ٩] فأضاف الدورَ إليهم،
وهذه إضافة تمليك، وقال النبي ◌ََّ، وقد قيل له: أين تنزِلُ غداً بدارك بمكة؟
فقال: ((وَهَلْ تَرَكَ لَنَا عَقِيلٌ مِنْ رِباعٍ)(١)؟، ولم يقل: إنه لا دار لي، بل أقرَّهم على
الإضافة، وأخبر أن عقيلاً استولى عليها ولم يَنْزِعْهَا مِن يده، وإضافةٌ دورهم إليهم
في الأحاديث أكثرُ من أن تذكر، كدار أم هانىء، ودار خديجة، ودار أبي أحمد بن
(١) أخرجه البخاري ٣٦٠/٣ في الحج: باب توريث دور مكة وبيعها وشرائها.
٣٨٣

•
ضهاالله
جحش وغيرها، وكانوا يتوارثُونها كما يتوارثون المنقولَ، ولهذا قال النبي
((وَهَلْ تَرَك ◌َنَا عَقِيلٌ مِنْ مَنْزِلٍ))، وكان عقيل هو ورث دورَ أبي طالب، فإنه كان
كافراً، ولم يرثه علي رضي الله عنه، لاختلاف الدينِ بينهما، فاستولى عَقِيلٌ على
الدور. ولم يزالوا قبل الهجرة وبعدها، بل قبل المبعث وبعده، من مات، وَرِثَّته
داره إلى الآن، وقد باع صفوانُ بنُ أمية داراً لعمر بن الخطاب - رضي الله عنه -
بأربعة الآف درهم، فاتخذها سجناً، وإذا جاز البيعُ، والميراثُ، فالإِجارة أجْوزُ
وأجوز، فهذا موقف أقدام الفريقين كما ترى، وحججُهم في القوة والظهور لا
تُدفع، وحُجج الله وبيناتُه لا يُبطِلُ بعضُها بعضاً بل يُصَدِّقُ بعضُها بعضاً، ويجبُ
العملُ بموجبها كُلِّهَا، والواجبُ اتباعُ الحق أين كان.
ترجيح المصنف منع
الإجارة وجواز البيع
فالصوابُ القولُ بموجب الأدلة مِن الجانبين، وأنَّ الدورَ تملك، وتُوهب،
وتُورث، وتُباع، ويكون نقلُ الملك في البناء لا في الأرض والعرصة، فلو زال
بناؤه، لم يكن له أن يبيعَ الأرض، وله أن يَبنيها ويُعيدَها كما كانت، وهو أحقُّ بها
يسكنها ويُسْكِنُ فيها من شاء، وليس له أن يُعاوض على منفعة السكنى بعقد
الإجارة، فإن هذه المنفعة إنما يستحق أن يقدّم فيها على غيره، ويختصُ بها لسبقه
وحاجته، فإذا استغنى عنها، لم يكن له أن يُعاوض عليها، كالجلوس في
الرِّحاب، والطرقِ الواسعة، والإِقامة على المعادن وغيرها من المنافع والأعيان
المشتركة التي من سبق إليها، فهو أحق بها ما دام ينتفع، فإذا استغنى، لم يكن له
أن يُعاوض، وقد صرح أربابُ هذا القول بأن البيعَ ونقلَ الملك في رباعها إنما يقع
على البناء لا على الأرض، ذكره أصحاب أبي حنيفة .
نظائر في الشريعة لمنع
الإجارة وجواز البيع
فإن قيل: فقد منعتم الإِجارة، وجوزتُم البيع، فهل لهذا نظيرٌ في الشريعة،
والمعهود في الشريعة أن الإِجارة أوسعُ من البيع، فقد يمتنع البيع، وتجوز
الإِجارة، كالوقف والحر، فأما العكس، فلا عهد لنا به؟ قيل: كُلُّ واحد من البيع
والإِجارة عقدٌ مستقل غيرُ مستلزم للآخر في جوازه وامتناعه، وموردهما مختلف،
وأحكامُهما مختلفة، وإنما جاز البيعُ، لأنه وارد على المحل الذي كان البائعُ
٣٨٤

أخصَّ به من غيره، وهو البناء، وأما الإِجارة فإنما ترد على المنفعة، وهي
مشتركة، وللسابق إليها حقُّ التقدم دون المعاوضة، فلهذا أجزنا البيع دون
الإِجارة، فإن أبيتم إلا النظيرَ، قيل: هذا المكاتبُ يجوزُ لسيده بيعُه، ويصيرُ
مكاتباً عند مشتريه، ولا يجوزُ له إجارتُه إذ فيها إبطالُ منافعه وأكسابه التي ملكها
بعقد الكتابة والله أعلم. على أنه لا يمنعُ البيع، وإن كانت منافع أرضها ورباعها
مشتركةً بين المسلمين، فإنها تكون عند المشتري كذلك مشتركة المنفعة، إن
احتاج سكن، وإن استغنى، أسكن كما كانت عند البائع، فليس في بيعها إبطالُ
اشتراك المسلمين في هذه المنفعة، كما أنه ليس في بيع المكاتب إبطالُ ملكه
لمنافعه التي ملكها بعقد المكاتبة، ونظيرُ هذا جوازُ بيع أرض الخراج التي وقفها
عمر رضي الله عنه على الصحيح الذي استقر الحال عليه من عمل الأمة قديماً
وحديثاً، فإنها تنتقل إلى المشتري خراجية، كما كانت عند البائع، وحق المقاتلة
إنما هو في خِرَاجها، وهو لا يَبْطُلُ بالبيع، وقد اتفقت الأمة على أنها تُورث، فإن
كان بطلان بيعها لكونها وقفاً، فكذلك ينبغي أن تكون وقفيتها مبطلة لميراثها، وقد
نصّ أحمد على جواز جعلها صداقاً في النكاح، فإذا جاز نقلُ الملك فيها بالصداق
والميراث والهبة، جاز البيعُ فيها قياساً وعملاً، وفقهاً. والله أعلم.
فصل
فإذا كانت مكةُ قد فُتِحَتْ عنوة، فهل يُضرب الخراجُ على مزارعها كسائر
أرض العَنوة، وهل يجوز لكم أن تفعلوا ذلك أم لا؟ قيل: في هذه المسألة قولان
لأصحاب العنوة:
هل يضرب الخراج على
مزارع مكة كسائر أرض
العنوة؟
أحدهما: المنصوصُ المنصور الذي لا يجوز القولُ بغيره، أنه لا خراج
على مزارعها وإن فتحت عَنوة، فإنها أجلُّ وأعظم من أن يُضرب عليها الخراج، لا
سيما والخراجُ هو جزية الأرض، وهو على الأرض كالجزية على الرؤوس، وحرَمُ
الرَّبِّ أجلّ قدراً وأكبرُ من أن تضرب عليه جزية، ومكة بفتحها عادت إلى ما
٣٨٥
زاد المعاد ج ٣-م١٣

وضعها الله عليهِ مِن كونها حرماً آمناً يشترِكُ فيه أهلُ الإِسلام، إذ هو موضع
مناسكهم ومتعبدهم وقبلةُ أهل الأرض.
والثاني - وهو قول بعض أصحاب أحمد - أن على مزارعها الخراج، كما
هو على مزارع غيرها من أرض العنوة، وهذا فاسد مخالف لنص أحمد رحمه الله
ومذهبه، ولفعل رسول الله ◌َّله وخلفائه الراشدين مِن بعده رضي الله عنهم، فلا
التفات إليه، والله أعلم.
وقد بنى بعضُ الأصحاب تحريمَ بيع رِباع مكَّة على كونها فُتِحَتْ عنوة،
وهذا بناء غيرُ صحيح، فإن مساكن أرض العَنوة تُباع قولاً واحداً، فظهر بطلان هذا
البناء والله أعلم.
تعيين قتل السابّ له ◌ِلاآر
وفيها: تعيينُ قتلِ السَّابِّ لرسول الله وَّةِ، وأن قتله حدٌّ لا بُدَّ من استيفائه،
فإن النبيِّ ◌َِّ لم يُؤمِّن مقيسَ بنَ صُبابة، وابن خطل، والجاريتين اللتين كانتا
تُغنِيان بهجائه، مع أن نساء أهل الحرب لا يُقتلن كما لا تُقُتل الذرية، وقد أمر بقتل
هاتين الجاريتين، وأهدر دم أمِّ ولد الأعمى لما قتلها سيدُها لأجل سبِّها
النبي ◌َّ﴾(١)، وقتل كعب بن الأشرف اليهودي، وقال: ((مَنْ لِكَعْب فإنَّهُ قَدْ آذى
اللَّهَ وَرَسُولَهُ» (٢)، وكان يسبه، وهذا إجماعٌ من الخلفاء الراشدين، ولا يُعلم لهم
في الصحابة مخالفٌ، فإن الصِّدِّيقَ - رضي الله عنه - قال لأبي برزة الأسلمي وقد
هم بقتل من سبَّه: لم يكن هذا لأحد غير رسولِ الله ◌َّ، ومرَّ عمر - رضي الله
عنه - براهب، فقيل له: هذا يسبُّ رسول الله ◌َّ. فقال: لو سمعتُه لقتلتُه، إنا لم
نعطهم الدِّمَّة على أن يسبُّوا نبينا ◌َِّهِ.
(١) أخرجه أبو داود (٤٣٦١) في الحدود، والنسائي ٧/ ١٠٧، ١٠٨ في تحريم الدم
كلاهما في باب حكم من سب النبي ◌َّ من حديث ابن عباس، وسنده قوي، وقال
الحافظ في ((بلوغ المرام)» رجاله ثقات، وراجع ما كتبه شيخ المؤلف ابن تيمية
رحمه الله في كتابه ((الصارم المسلول على شاتم الرسول)) في هذا الموضوع فإنه قد
وفاه حقه، ولم يدع زيادة لمستزيد.
(٢) تقدم تخریجه، وهو صحيح ص١٧٢ .
٣٨٦

ولا ريبَ أن المحاربة بسَبِّ نبينا أعظمُ أذيَّةً ونِكاية لنا من المحاربة باليد،
ومنعٍ دينار جزيةٍ في السنة، فكيف يُنقض عهدُه ويُقتل بذلك دون السبِّ، وأيُّ
نسبة لمفسدة منعه ديناراً في السنة إلى مفسدة منع مجاهرته بسَبِّ نبينا أقبحَ سبٍّ
على رؤوس الأشهاد، بل لا نسبة لمفسدة محاربته باليد إلى مفسدة محاربته
بالسبِّ، فأولى ما انتقض به عهدُه وأمانُه سبُّ رسول الله وَّةَ، ولا ينتقض عهدُه
بشيء أعظمَ مِنه إلا سبَّه الخالق سبحانه، فهذا محضُ القِياس، ومقتضى
النصوص، وإجماعُ الخلفاء الراشدين - رضي الله عنهم - وعلى هذه المسألة
أکثرُ من أربعين دليلاً.
فإن قيل: فالنبيُّ نَّه لم يقتُلْ عبد الله بن أبي وقد قال لئن رجعنا إلى المدينة له # الخيار في حياته
ليُخرِجَنَّ الأعزّ منها الأذلَّ، ولم يقتل ذَا الخُويصرة التميمي وقد قال له: اعْدِلْ،
لقتل من سبه
فإِنَّكَ لم تَعْدِلْ، ولم يقتل من قال له: يقولون: إنك تنهى عن الغي وتستخلي به(١)
ولم يقتل القائل له: إِنَّ هُذِهِ القِسْمَةَ ما أُرِيدَ بِهَا وجْهُ اللَّهِ، ولم يقتل من قال له لما
حكم للزبير بتقديمه في السقي: أن كان ابنَ عمتك، وغيرُ هؤلاء ممن كان يبلغُه
عنهم أذى له وتنقُّص.
قيل: الحقُّ كان له فله أن يستوفِيَهِ، وله أن يُسْقِطَه، وليس لمن بعده أن
يُسْقِطَ حقّه، كما أن الربَّ تعالى له أن يَستوفي حقَّه، وله أن يُسقِطَ، وليس لأحد
أن يُشْقِطَ حقَّه تعالى بعد وجوبه، كيف وقد كان في ترك قتل من ذكرتُم وغيرهم
مصالحُ عظيمة في حياته زالت بعد موته مِن تألیف الناس، وعدم تنفیرهم عنه،
فإنه لو بلغهم أنه يقتُلُ أصحابَه، لنفروا، وقد أشار إلى هذا بعينه، وقال لعمر لما
أشار عليه بقتل عبد الله بن أبي: ((لاَ يَبْلُغُ النَّاسَ أَنَّ مُحَمَّداً يَقْتُلُ أصْحَابِه))(٢).
من أسباب عدم قتله ◌َير
مَن سبه تأليف الناس
وعدم بلوغهم أنه يقتل
أصحابه
(١) أخرجه أحمد ٢/٥ و ٤ من حديث بهز بن حكيم عن أبيه عن جده، وسنده حسن،
وتستخلي به، أي: تستقل به وتنفرد.
(٢) أخرجه البخاري ٤٩٨/٨ في التفسير، باب تفسير سورة المنافقين، ومسلم (٢٥٨٤)
(٦٣) في البر والصلة: باب نصر الأخ ظالماً أو مظلوماً، والترمذي (٣٣١٢) في =
٣٨٧

ولا ريب أن مصلحةَ هذا التأليف، وجمعَ القلوب عليه كانت أعظمَ عنده
وأحبَ إليه مِن المصلحة الحاصلة بقتل من سبَّه وآذاه، ولهذا لما ظهرت مصلحة
القتل، وترجَّحت جداً، قتل السابَّ، كما فعل بكعب بن الأشرف، فإنه جاهر
بالعداوة والسَّبِّ فكان قتلُه أرجحَ من إبقائه، وكذلك قتلُ ابنِ خَطَلَ، ومقيس،
والجاريتين، وأم ولدِ الأعمى، فَقَتَلَ للمصلحة الراجحة، وكفَّ للمصلحة
الراجحة، فإذا صار الأمر إلى نُؤَّابه، وخلفائه، لم يكن لهم أن يُسقطوا حقه .
فصل
فيما في خطبته العظيمة ثاني يوم الفتح من أنواع العلم
تحريم الله لمكة
فمنها قوله: ((إنَّ مَكَّة حَرَّمَها اللَّهُ، وَلَمْ يُحَرِّمْهَا النَّاسُ))(١)، فهذا تحريمٌ
شرعي قَدَري سبق به قدرُه يومَ خلق هذا العالم، ثم ظهر به على لسان خليله
إبراهيم، ومحمد صلوات الله وسلامه عليهما كما في ((الصحيح)) عنه، أنه ◌َليل
قال: ((اللَّهُمَّ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ خَليلَكَ حَرَّمَ مَكَّةَ، وإنِّي أُحرِّمُ المِدِينَة))(٢)، فهذا إخبارٌ
عن ظهور التحريم السابق يومَ خلق السماواتِ والأرضَ على لسان إبراهيم، ولهذا
لم يُنازع أحد من أهل الإِسلام في تحريمها، وإن تنازعُوا في تحريم المدينة،
والصوابُ المقطوعُ به تحريمُها، إذ قد صحَّ فيه بضعةٌ وعشرونَ حديثاً عن
رسولِ الله ◌َوَ لا مطعن فيها بوجه(٣).
التفسير: باب تفسير سورة المنافقين، وأحمد في ((المسند)) ٣٩٣/٣ بلفظ ((لا
=
يتحدث الناس أن محمداً يقتل أصحابه)).
(١) أخرجه البخاري ١٧٧/١ في العلم: باب ليبلغ العلم الشاهد الغائب، و ٣٧/٤ في
الحج: باب لا يعضد شجر الحرم و١٧/٨ في الغزوات: باب غزوة الفتح، ومسلم
(١٣٥٤) في الحج: باب تحريم مكة وصيدها وخلاها وشجرها.
(٢) أخرجه مسلم (١٣٧٤) في الحج: باب الترغيب في سكنى المدينة والصبر على
لأوائها .
(٣) انظر البخاري ٧٢/٤ و٧٧ و٢٩٠ و٦٤/٦ و٢٩٢ و١٤٩/١١ و ٢٣٨/١٣،
ومسلم رقم (١٣٦٠) و (١٣٦١) و (١٣٦٢) و (١٣٦٣) و (١٣٦٥) و (١٣٦٦) =
٣٨٨

ومنها: قوله: ((فلا يَحلُّ لِأَحَدٍ أَنْ يَسْفِكَ بِهَا دَمَاً»، هذا التحريمُ لسفك الدم تحريم سفك الدم فيها
المختصِّ بها، وهو الذي يُباح في غيرها، ويُحرم فيها لكونها حرماً، كما أن
تحريمَ عَضْدِ الشجر بها، واختلاءِ خلائها، والتقاط لُقطتها، هو أمر مختصِّ بها،
وهو مباحٌ في غيرها، إذ الجميعُ في كلام واحد، ونظام واحد، وإلا بطلت فائدة
التخصيص، وهذا أنواعٌ:
أحدها - وهو الذي ساقه أبو شريح العدوي لأجله -: أن الطائفة الممتنعة لا تقاتل الطائفة الممتنعة
بها من مبايعة الإِمام لا تُقَاتَل، لا سيما إن كان لها تأويل، كما امتنع أهلُ مكة مِن
بها من مبايعة الإمام
مبايعة يزيد، وبايعُوا ابنَ الزبير، فلم يكن قِتالهُم، ونصبُ المنجنيق عليهم،
وإحلالُ حَرَمِ الله جائزاً بالنص والإِجماع، وإنما خالف في ذلك عمرو بن سعيد
الفاسق(١) وشيعتُه، وعارض نصَّ رسول الله ◌َّ﴾ برأيه وهواه، فقال: إنَّ الحَرَمَ لا
يُعِيذُ عَاصِياً، فيقال له: هو لا يُعيذ عاصياً مِن عذاب الله، ولو لم يُعِذْه من سفك
دمه، لم يكن حرماً بالنسبة إلى الآدميين، وكان حرماً بالنسبة إلى الطير والحيوان
البهيم، وهو لم يزل يُعيذُ العصاةَ مِن عهد إبراهيم صلوات الله عليه وسلامُه، وقام
الإِسلام على ذلك، وإنما لم يُعِذ مقيس بن صُبابة، وابن خَطَل، ومن سُمِّيَ
معهما، لأنه في تلك الساعة لم يكن حَرَماً، بل حِلاَّ، فلما انقضت ساعةُ الحرب،
عاد إلى ما وضع عليه يوم خلق الله السماوات والأرضَ. وكانت العربُ في
و (١٣٧٢). وأبو داود (٢٠٣٤) و (٢٠٣٥) و (٢٠٣٦) و (٢٠٣٧) و (٢٠٣٨)
=
و (٢٠٣٩) والترمذي (٣٩١٧) و (٣٩١٨) وابن ماجة (٣١١٣) و ((الموطأ))
٨٨٩/٢، وأحمد في ((المسند) ١١٩/١ و١٦٩ و١٨١ و١٨٥ و١٤٩/٣ و١٥٩
و٢٤٠ و٢٤٣ و٣٣٦ و٣٩٣ و٤٠/٤ و٧٧ و١٤١ و٣٠٩/٥ و٣١٨ و٣٢٩.
(١) هو عمرو بن سعيد بن العاصي بن أمية القرشي الأموي، يعرف بالأشدق، قال
الحافظ في ((الفتح)) ١٧٦/١ ليست له صحبة، ولا كان من التابعين بإحسان، وهو
والي يزيد على المدينة، فكان يرسل الجيوش إلى مكة لقتال عبد الله بن الزبير لكونه
امتنع من مبايعة يزيد بن معاوية، واعتصم عبد الله بن الزبير ببيت الله فسمي عائذ
البيت.
٣٨٩

جاهليتها يرى الرجلُ قاتِلَ أبيه، أو ابنه في الحرم، فلا يَهيجُه، وكان ذلك بينهم
خاصية الحرم التي صار بها حرماً، ثم جاء الإِسلام، فأكَّدَ ذُلك وقواه، وعلم
النبيُّ نَّهَ أن مِن الأمة من يتأسَى به في إحلاله بالقتال والقتل، فقطع الإلحاق،
وقال لأصحابه: ((فإِنْ أَحَدٌ تَرَخَّصَ لِقَتَالِ رَسُولِ اللَّهِ لَّهَ، فقولوا: ((إِنَّ اللَّهَ أَذِنَ
لِرَسُولِهِ، وَلَمْ يَأْذَنْ لَكَ))(١)، وعلى هذا فَمَن أتى حداً أو قِصاصاً خارِجَ الحرم
يُوجِبُ القتل، ثم لجأ إليه، لم يَجُزْ إقامتُه عليه فيه. وذكر الإِمام أحمد عن
عمرَ بنِ الخطاب رضي الله عنه أنه قال: لو وجدتُ فيه قاتِلَ الخطاب ما مَسِسْتُه
حتَّى يخُرِجَ منه. وذكر عن عبد الله بن عمر أنه قال: لو لقيتُ فيه قاتِلَ عمر مَا
نَدَهْتُهُ(٢)، وعن ابن عباس، أنه قال: لو لقيتُ قاتِلَ أبي في الحرم ما هِجتُه حتى
يخرُجَ منه، وهذا قولُ جمهورِ التابعين ومَنْ بعدهم، بل لا يُحفظ عن تابعي ولا
صحابي خلافُه، وإليه ذهب أبو حنيفةَ ومَنْ وافقه من أهل العراق، والإِمامُ أحمد
ومن وافقه من أهل الحديث.
وذهب مالك والشافعيُّ إلى أنه يُستوفى منه في الحرم، كما يُستوفى منه في
الحِلِّ، وهو اختيارُ ابن المنذر، واحتج لهذا القول بعمومِ النُّصوص الدالة على
استيفاء الحدودِ والقِصاص في كُلِّ مكانٍ وزمانٍ، وبأن النبيَّ ◌َّ قتل ابن خطل،
وهو متعلَّق بأستار الكعبة. وبما يُروى عن النبي ◌َّ أنه قال: ((إنَّ الحَرَمَ لاَ يُعِيذُ
عَاصِيَاً وَلاَ فَاراً بِدَمٍ وَلاَ بِخَرْبَةٍ))(٣)، وبأنه لو كان الحدودُ والقِصاصُ فيما دونَ
النفس، لم يُعِذْهُ الحرم، ولم يمنعه من إقامته عليه، وبأنه لو أتى فيه بما يُوجب
حداً أو قصاصاً، لم يعذه الحرم، ولم يَمنع من إقامته عليه، فكذلك إذا أتاه
خارِجه، ثم لجأ إليه، إذ كونُه حَرَماً بالنسبة إلى عصمته، لا يختلفُ بين الأمرين،
(١) تقدم تخريجه ص ٣٦٣.
(٢) أخرج الأثرين عبد الرزاق في ((المصنف)) (٩٢٢٨) و (٩٢٢٩) وقوله: ما ندهته،
أي: ما زجرته.
(٣) هو من قول عمرو بن سعيد الأشدق، وليس من قول النبي 1 كما في البخاري
١٧/٨، ومسلم (١٣٥٤) وسيبينه المؤلف رحمه الله.
٣٩٠

وبأنه حيوان أُبيح قتلُه لِفساده، فلم يفترِق الحالُ بين قتله لاجئاً إلى الحرم، وبين
كونه قد أوجب ما أبيح قتلُه فيه، كالحية، والحِدَأَةِ، والكَلْبِ العَقُور، ولأن
النبي ◌َّ قال: ((خَمْسٌ فَواسِقُ يُقْتَلْنَ في الحِلِّ والحَرَم)) (١)، فنبه بقتلهن في الحل
والحرم على العِلة، وهي فسقُهن، ولم يجعل التجاءَهن إلى الحرم مانِعاً مِن
قتلهن، وكذلك فاسق بني آدم الذي قد استوجب القتلَ.
قال الأولون: ليس في هذا ما يُعارِضُ ما ذكرنا من الأدلة ولا سيما قوله
تعالى: ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنَاً﴾ [آل عمران: ٩٧]، وهذا إما خبر بمعنى الأمر
لاستحالة الخُلْفِ في خبره تعالى، وإما خبرٌ عن شرعه ودينه الذي شرعه في
حرمه، وإما إخبارٌ عن الأمر المعهود المستمِرِّ في حرمه في الجاهلية والإِسلام،
كما قال تعالى: ﴿أَوَ لَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَماً آمِنَاً وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ﴾
[العنكبوت: ٦٧] وقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا إِنْ نَتَبع الهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا
أَوَ لَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمَاً آمِنَاً يُجْبى إليه ثمراتُ كُلِّ شيءٍ ﴾ [القصص: ٥٧] وما عدا
هذا من الأقوال الباطلة، فلا يُلتفت إليه، كقول بعضهم: ومن دخله كان آمناً مِن
النار، وقول بعضهم: كان آمناً مِن الموت على غير الإِسلام، ونحو ذلك، فكم
ممن دخله، وهو في قعر الجحيم.
وأما العمومات الدالة على استيفاء الحدودِ والقصاص في كل زمان ومكان،
فيقال أولاً: لا تعرُّضَ في تلك العموماتِ لِزمان الاستيفاء، ولا مكانه، كما لا
تعرُّضَ فيها لشروطه وعدم موانعه، فإن اللفظ لا يدل عليها بوضعه ولا بتضمُّنه،
فهو مطلَقٌ بالنسبة إليها، ولهذا إذا كان للحكم شرط أو مانع، لم يُقَلْ: إن توقف
الحكم عليه تخصيص لذلك العام فلا يقول محَصِّل: إن قوله تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ
مَا وَرَاءَ ذُلِكُم﴾ [النساء: ٢٤] مخصوص بالمنكوحة في عِدتها، أو بغير إذن
وليها، أو بغير شهود، فهكذا النصوصُ العامة في استيفاء الحدود والقصاص لا
تعرض فيها لزمنه، ولا مكانه، ولا شرطه، ولا مانعه، ولو قدر تناول اللفظ
(١) متفق عليه، وقد تقدم انظر كتاب الحج.
٣٩١

لذلك، لوجب تخصيصهُ بالأدلة الدالة على المنع، لئلا يبطُل موجبها، ووجب
حملُ اللفظ العام على ما عداها كسائِر نظائره، وإذا خصصتُم تلك العموماتِ
بالحامل، والمرضِعِ، والمريضِ الذي يُرجى برؤه، والحال المحرمةِ للاستيفاء،
كشِدَّةِ المرض، أو البردِ، أو الحر، فما المانع من تخصيصها بهذه الأدلة؟ وإن
قلتم: ليس ذلك تخصيصاً، بل تقييداً لمطلقها، كلنا لكم بهذا الصاع سواء بسواء.
وأما قتلُ ابن خطل، فقد تقدم أنه كان في وقت الحِلِّ، والنبي ◌ِّ قطع
الإلحاق، ونصَّ على أن ذلك مِن خصائصه، وقوله وَ لَ: ((وإنَّمَا أُحِلَّت لي سَاعَةً
مِنْ نَهَارٍ)) صريح في أنه إنما أحِلَّ له سفكُ دمٍ حلال في غيرِ الحرم في تلك الساعة
خاصة، إذ لو كان حلالاً في كل وقت، لم يختصَّ بتلك الساعة، وهذا صريحٌ في
أن الدم الحلالَ في غيرها حرام فيها، فيما عدا تلك الساعة، وأما قوله: «الحَرَمُ لا
يُعِيذُ عَاصِياً)) فهو مِن كلام الفاسِق عمرو بن سعيد الأشدق، يردّ به حديثَ
رسول الله رَّ حِين روى له أبو شُريح الكعبي هذا الحديث، كما جاء مبيناً في
(الصحيح)) فكيف يُقَدَّمُ عَلَى قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ◌ِ﴾.
وأما قولُكم: لو كان الحدّ والقِصاصُ فيما دون النفس، لم يُعِذْهُ الحرمُ منه،
فهذه المسألةُ فيها قولان للعلماء، وهما روايتان منصوصتان عن الإِمام أحمد،
فمن منع الاستيفاء نظر إلى عموم الأدلة العاصمة بالنسبة إلى النفس وما دونها،
ومن فرَّق، قال: سفكُ الدم إنما ينصرِفُ إلى القتل، ولا يلزمُ من تحريمه في
الحرم تحريمُ ما دونَه، لأن حرمة النفس أعظم، والانتهاك بالقتل أشدُّ، قالوا:
ولأن الحد بالجلد أو القطع يجري مجرى التأديب، فلم يمنع منه كتأديب السَّيِّدِ
عبدَه، وظاهرُ هذا المذهب أنه لا فرق بين النفس وما دُونها في ذلك، قال أبو
بكر: لهذه مسألة وجدتها لحنبل عن عمِّه، أن الحدود كلَّها تُقام في الحرم إلا
القتل، قال: والعمل على أن كل جانٍ دخل الحرمَ لم يقُم عليه الحدُّ حتى يخُرجَ
منه، قالوا: وحينئذ فنجيبُكم بالجواب المركَّب، وهو أنه إن كان بينَ النفس وما
دونَها في ذلك فرق مؤثر، بطل الإلزام، وإن لم يكن بينهما فرق مؤثر، سوَّينا
٣٩٢

بينهما في الحكم، وبطل الاعتراض، فتحقق بطلانُه على التقديرين.
قالوا: وأما قولكم: إن الحرمَ لا يُعيذ مَن انتهكَ فيه الحرمةَ إذ أتى فيه ما
يُوجب الحد، فكذلك اللاجىء إليه، فهو جمعُ بينَ ما فَرَّقَ اللَّهُ ورسُوله والصحابةُ
بينهما، فروی الاِمام أحمد، حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر، عن ابن طاووس،
عن أبيه، عن ابنِ عباس قال: مَنْ سَرَقَ أو قَتَلَ في الحِلِّ ثُمَّ دَخَلَ الحَرَمَ، فإنّه لا
يُجَالَسُ ولا يُكَلَّمُ، ولا يُؤوى، ولكنَّهُ يُناشدُ حَتَّى يَخْرُجَ، فَيُؤْخَذَ، فَيُقَامَ عَلَيْهِ
الحَدُّ، وَإِنْ سَرَقَ أَو قَتَلَ في الحَرَمِ، أُفِيمَ عَلَيْهِ فِي الحَرَمِ)) (١). وذكر الأثرم، عن
ابن عباس أيضاً: منْ أحدَثَ حَدَثاً في الحَرَمِ، أُقِيمَ عليهِ ما أَحْدَثَ فيهِ من شيءٍ.
وقد أمر الله سبحانه بقتل مَنْ قاتل في الحرم، فقال: ﴿وَلاَ تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ المَسْجِدِ
الحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ﴾ [البقرة: ١٩١].
والفرق بين اللاجىء والمنهتك فيه من وجوه:
أحدها: أن الجاني فيه هاتِكٌ لحرمته بإقدامه على الجِنَاية فيه، بخلاف مَنْ
جَنَى خارِجَه ثم لجأ إليه، فإنَّه معظِّمٌ لحُرمته مستشعِرٌ بها بالتجائه إلیه، فقياس
أحدهما على الآخر باطلٌ.
الفرق بين اللاجىء
والمنتهك
الثاني: أن الجاني فيه بمنزلة المفسد الجاني على بساطِ الملك في دارِهِ
وحَرَمِهِ، ومَنْ جنى خارِجَه، ثم لجأ إليه، فإنَّه بمنزلة من جَنَى خارِجَ بِساط
السلطانِ وحَرَمِه، ثم دخل إلى حَرَمِه مستجيراً .
الثالث: أن الجاني في الحرم قد انتهك حُرمة الله سبحانه، وحُرمة بيته
وحرمه، فهو هاتِك لحرمتین بخلاف غيره.
الرابع: أنه لو لم يُقَم الحدُّ على الجُنَاة في الحرم، لعمَّ الفسادُ، وعَظُمَ الشَّرُ
في حرم الله، فإن أهل الحرم كغيرهم في الحاجة إلى صيانة نفوسهم، وأموالهم،
وأعراضهم، ولو لم يُشرع الحد في حقِّ من ارتكب الجرائمَ في الحرم، لتعطلت
حدودُ الله، وعمَّ الضررُ للحرم وأهله.
(١) إسناده صحيح، وهو في ((المصنف)) (٩٢٢٦).
٣٩٣

والخامس: أن اللاجىء إلى الحرم بمنزلة التائب المتنصل، اللاجىء إلى
بيت الرب تعالى، المتعلق بأستاره فلا يُناسب حالُه ولا حالُ بيته وحرمه أن يُهاج،
بخلاف المُقْدِم على انتهاك حرمته، فظهر سِرُّ الفرق، وتبيَّن أن ما قاله ابن عباس
هو محضَ الفقه.
وأما قولُكم: إنه حيوان مفسد، فأبيحَ قتلُه في الحلِّ والحَرَمِ كالكلبِ
العَقور، فلا يَصِحُّ القياسُ، فإِن الكلبَ العقور طبعُه الأذى، فلم يُحرمه الحرم
ليدفع أذاه عن أهله، وأما الآدميُّ فالأصل فيه الحرمةُ، وحرمتُه عظيمة، وإنما
أُبيح لِعارض، فأشبه الصائلَ مِن الحيوانات المباحة مِن المأكولات، فإن الحرم
يَعْصِمُهَا .
وأيضاً فإن حاجةَ أهلِ الحرم إلى قتل الكلب العَقُور، والحية، والحِدَأة
كحاجة أهل الحِلِّ سواء، فلو أعاذها الحرم لَعظُمَ عليهم الضررُ بها.
فصل
ومنها: قوله ◌َّه: ((ولا يُعْضَدُ بِهَا شَجَرٌ))، وفي اللفظ الآخر: ((ولا يُعْضَدُ
شَوْكُهَا))(١)، وفي لفظ في ((صحيح مسلم): ((وَلاَ يُخْبَطُ شَوْكُها))(٢) لا خلاف بينهم
أن الشجر البريَّ الذي لم يُنْبِتْهُ الآدميُّ على اختلاف أنواعه مراد من هذا اللفظ،
واختلفوا فيما أنبته الآدميُّ مِن الشجر في الحرم على ثلاثة أقوال، وهي في مذهب
أحمد :
هل يجوز قلع شجر مكة
الذي أنبته الادمي؟
أحدها: أن له قلعَه، ولا ضمانَ عليه، وهذا اختيارُ ابن عقيل، وأبي
الخطاب، وغيرهما.
والثاني: أنه ليس له قلعُه، وإن فعل، ففيه الجزاءُ بكل حال، وهو قولُ
(١) أخرجه البخاري ٣٥٩/٣ في الحج: باب فضل الحرم، ومسلم (١٣٠٤) في الحج:
باب تحریم مکة وصیدها من حديث ابن عباس.
(٢) أخرجه مسلم (١٣٥٥).
٣٩٤

الشافعي، وهو الذي ذكره ابن البناء في ((خصاله)).
الثالث: الفرق بين ما أنبته في الحِل، ثم غرسَه في الحرم، وبين ما أنبته في
الحَرم أوَّلاً، فالأول: لا جزاء فيه، والثاني: لا يُقلع وفيه الجزاء بكل حال، وهذا
قول القاضي.
وفيه قول رابع: وهو الفرقُ بين ما ينبت الآدمي جنسه كاللوز والجوز،
والنخل، ونحوه، وما لا ينبت الآدمي جنسه، كالذَّوح، والسَّلَم، ونحوه، فالأول
يجوز قلعُه ولا جزاء فيه، والثاني: لا يجوزُ، وفيه الجزاء.
قال صاحب ((المغني)): والأولى الأخذ بعُموم الحديث في تحريم الشجر
كُلِّه، إلا ما أنبتَ الآدميُّ مِن جنس شجرهم بالقياس على ما أنبتوه من الزرع،
والأهلي من الحيوان، فإننا إنما أخرجنا مِن الصيد ما كان أصلُه إنسياً دون ما تأنّسَ
مِن الوحشي، كذا ها هنا، وهذا تصريح منه باختيار هذا القول الرابع، فصار في
مذهب أحمد أربعةُ أقوال.
والحديث ظاهر جداً في تحريم قطع الشوك والعَوْسَج، وقال الشافعي: لا
يحرُم قطعه، لأنه يُؤذي الناس بطبعه، فأشبه السباع، وهذا اختيارُ أبي الخطاب،
وابن عقيل، وهو مروي عن عطاء ومجاهد وغيرهما.
وقوله ◌َّ: لا يُعْضَدُ شَوْكُهَا))، وفي اللفظ الآخر: ((لا يُخْتَلَى شَوْكُهَا))
صريح في المنع، ولا يَصِحُّ قياسُه على السباع العادِية، فإن تلك تَقْصِدُ بطبعها
الأذى، وهذا لا يُؤذي من لم يَدْنُ منه.
والحديثُ لم يفرق بين الأخضر واليابس، ولكن قد جوَّزُوا قَطْعَ اليابس،
قالوا: لأنه بمنزلة الميت، ولا يُعرف فيه خلاف، وعلى هذا فسياقُ الحديث يدل
على أنه إنما أراد الأخضر، فإنه جعله بمنزلة تنفيرِ الصيد، وليس في أخذ اليابس
انتهاكُ حرمة الشجرة الخضراء التي تُسبِّحُ بحمدِ ربِّها، ولهذا غرس النبيُّ بَّرَ على
٣٩٥

القبرين غُصنين أخضرين، وقال: ((لَعَلَّهُ يُخَفَّفُ عَنْهُمَا مَا لَم يَبْبَسَا))(١).
وفي الحديث دليل على أنه إذا انقلعت الشجرةُ بنفسها، أو انكسر الغصنُ،
جاز الانتفاعُ به، لأنه لم يَعْضُدْهُ هو، وهذا لا نزاع فيه.
هل يجوز الانتفاع بما
انقلع بنفسه أو بقلع
قالع؟
فإن قيل: فما تقولون فيما إذا قلعها قالع، ثم تركها، فهل يجوز له أو لغيره
أن ينتفع بها؟ قيل: قد سئل الإِمام أحمد عن لهذه المسألة، فقال: من شبهه
بالصيد، لم ينتفع بحطبها، وقال: لم أسمع إذا قطعه ينتفعُ به. وفيه وجه آخر، أنه
يجوز لغير القاطع الانتفاعُ به، لأنه قطع بغير فعله، فأبيح له الانتفاعُ به كما لو
قلعته الريح، وهذا بخلاف الصيد إذا قتله محرم حيث يَحْرُمُ على غيره، فإنَّ قَتْلَ
المحرم له جعله ميتةً. وقوله في اللفظ الآخر: ((ولا يُخْبَطُ شَوْكُها)) صريح، أو
كالصريح في تحريم قطع الورق، وهذا مذهبُ أحمد - رحمه الله - وقال
الشافعي: له أخذه، ويُروى عن عطاء، والأول أصحُ لظاهر النصِّ والقياس، فإن
منزلته من الشجرة منزلةُ رِيش الطائر منه، وأيضاً فإن أخذ الورق ذريعة إلى ييس
الأغصان، فإنه لباسُها ووقايتها .
فصل
لا يقلع حشيش مكة ما
دام رطباً
وقوله وَّ: ((ولا يُخْتَلَى خلاها)) لا خلاف أن المراد مِن ذلك ما يَنْبُتُ بنفسه
دون ما أنبته الآدميون، ولا يدخل اليابسُ في الحديث، بل هو للرَّطِب خاصة،
فإن الخلا بالقصر: الحشيش الرطب ما دام رطباً، فإذا يبس، فهو حشيش،
وأخلتِ الأرض، كَثُرَ خَلاها، واخْتلاء الخَلَى: قطعه، ومنه الحديث: كان ابن
عمر يَخْتَلِي لِفرسه، أي: يقطع لها الخلى، ومنه سميت المِخلاة: وهي وعاء
الخلى، والإِذخر: مستثنى بالنص، وفي تخصيصه بالاستثناء دليل على إرادة
(١) أخرجه البخاري ١٧٩/٣ في الجنائز: باب الجريدة على القبر، ومسلم (٢٩٢) في
الطهارة: باب الدليل على نجاسة البول ووجوب الاستبراء منه من حديث ابن
عباس.
٣٩٦

العموم فيما سواه.
فإن قيل: فهل يتناول الحديثُ الرعي أم لا؟ قيل: هذا فيه قولان، أحدهما:
لا يتناولُه، فيجوز الرعيُّ، وهذا قولُ الشافعي. والثاني: يتناولُه بمعناه، وإن لم
يتناوله بلفظه، فلا يجوز الرعي، وهو مذهب أبي حنيفة، والقولان لأصحاب
أحمد .
قال المحرِّمون: وأيُّ فرق بين اختلائه وتقديمه للدابة، وبين إرسالِ الدابة
علیه ترعاه؟
قال المبيحون: لما كانت عادةُ الهدايا أن تدخل الحرم، وتكثُر فيه، ولم
يُنقل قطُّ أنها كانت تُسَدُّ أفواهُها، دل على جواز الرعي.
قال المحرمون: الفرقُ بين أن يُرسلها ترعى، ويُسلطها على ذلك، وبين أن
تَرعى بطبعها مِن غير أن يُسلِّطَها صاحِبُهَا، وهو لا يجب عليه أن يَسُدَّ أفواهها، كما
لا يجب عليه أن يَسُدَّ أنفَه في الإِحرام عن شمِّ الطيب، وإن لم يجز له أن يتعمَّد
شعَّه، وكذلك لا يجبُ عليه أن يمتنع من السير خشية أن يُوطىء صيداً في طريقه،
وإن لم يجز له أن يقصد ذلك، وكذلك نظائرُه. فإن قيل: فهل يدخُلُ في الحديث
أخذ الكمأة والفقع، وما كان مغيباً في الأرض؟ قيل: لا يدخل فيه، لأنه بمنزلة
الثمرة، وقد قال أحمد: يُؤكل من شجر الحرم الضغابيسُ والعِشْرِق(١).
فصل
وقوله ◌َّه: ((ولا يُنَفَّرُ صَيْدُهَا)) صريحٌ في تحريم التسبُّب إلى قتل الصيد
واصطيادِهِ بكل سبب، حتى إنه لا يُنفِّره عن مكانه، لأنه حيوان محترَم في هذا
لا ينفر صيدها
(١) الضغابيس: صغار القثاء، واحدها ضغبوس، والعشرق: قال أبو حنيفة الدينوري:
شجر ينفرش على الأرض عريض الورق وليس له شوك، ولا يكاد يأكله شيء إلا أن
يصيب المعزى منه شيئاً قليلاً.
٣٩٧

المكان، قد سبق إلى مكان، فهو أحقُّ به، ففي هذا أن الحيوان المحترم إذا سبق
إلی مکان، لم يُزعج عنه.
فصل
لا تملك نقطة الحرم
وقوله ◌َله: (ولا يَلْتَقِطُ سَاقِطَتَها إلا مَنْ عَرَّفَهَا)). وفي لفظ: وَلاَ تَحِلُّ
سَاقِطَتُهَا إِلاَّ لِمُنْشِدٍ))، فيه دليل على أن لُقْطَة الحرم لا تُملك بحال، وأنها لا تُلتقط
إلا للتعريف لا للتمليكِ، وإلا لم يكن لِتخصيص مكة بذلك فائدة أصلاً، وقد
اختُلِفَ في ذلك، فقال مالك وأبو حنيفة: لُقَطَةُ الحِلِّ والحَرم سواء، وهذا إحدى
الروايتين عن أحمد، وأحدُ قولي الشافعي، ويُروى عن ابن عمر، وابن عباس،
وعائشة رضي الله عنهم، وقال أحمد في الرواية الأخرى، والشافعي في القول
الآخر: لا يجوز التقاطُها للتمليك، وإنما يجوزُ لِحفظها لِصاحبها، فإن التقطها،
عرَّفها أبداً حتى يأتي صَاحبُها، وهذا قول عبد الرحمن بن مهدي، وأبي عبيد،
وهذا هو الصحيح، والحديثُ صريحٌ فيه، والمُنشِدُ: المعرِّف، والناشد:
الطالب، ومنه قوله:
إِصَاحَة النَّاشِدِ لِلمُنْشِدِ.
وقد روى أبو داود في ((سننه)): أن النبي ◌َِّ ((نَهَى عَنْ لُقَطَةِ الحَاجِّ)»، وقال
ابنُ وهب: يعني يترُكُها حتى يَجِدَها صاحبُها (١) .
قال شيخنا: وهذا من خصائص مكة، والفرقُ بينها وبين سائر الآفاق في
ذلك، أن الناس يتفرَّقون عنها إلى الأقطار المختلفة، فلا يتمكن صاحبُ الضالةِ
مِن طلبها والسؤال عنها، بخلاف غيرها من البلاد.
(١) أخرجه بتمامه أبو داود (١٧١٩) في اللقطة من حديث عبد الرحمن بن عثمان
التيمي، وإسناده صحيح، وأخرجه مسلم في ((صحيحه)) (١٧٢٤) دون قول ابن
وهب.
٣٩٨

فصل
وقوله ◌ََّ في الخطبة: ((ومَنْ قُتِلَ لَهُ قَتِيلٌ، فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ، إِمَّ أَنْ يَقْتُلَ،
وَإِمَّا أَنْ يَأْخُذَ الدِّيَّةَ)) فيه دليل على أن الواجب بقتل العمدِ لا يتعيَّن في القصاص،
بل هُو أحدُ شيئين: إما القصاصُ، وإما الديةُ.
لا يتعين في قتل العمد
القصاص
وفي ذلك ثلاثة أقوال، وهي روايات عن الإمام أحمد.
أحدها: أن الواجب أحد شيئين، إما القصاصُ، وإما الديةُ، والخيرةُ في
ذلك إلى الولي بين أربعة أشياء: العفوِ مجاناً، والعفوِ إلى الدية، والقصاصٍ، ولا
خلاف في تخييره بين هذه الثلاثة. والرابع: المصالحة على أكثر من الدية، فيه
وجهان. أشهرهما مذهباً: جوازه. والثاني: ليس له العفو على مال إلا الدية أو
دونها، وهذا أرجحُ دليلاً، فإن اختار الدية، سقط القودُ، ولم يملِكْ طلبَه بعد،
وهذا مذهبُ الشافعي، وإحدى الروايتين عن مالك.
والقول الثاني: أن موجِبَه القود عيناً، وأنه ليس له أن يعفو إلى الدية إلا
برضى الجاني، فإن عدل إلى الدية ولم يرض الجاني، فقودُه بحاله، وهذا مذهبُ
مالك في الرواية الأخرى وأبي حنيفة .
والقولُ الثالث: أن موجِبَه القودُ عيناً مع التخيير بينه وبين الدية، وإن لم
يرض الجاني، فإذا عفا عن القصاص إلى الدية، فرضيَ الجاني، فلا إشكالَ، وإن
لم يرض، فله العودُ إلى القِصاص عيناً، فإن عفا عن القود مطلقاً، فإن قلنا:
الواجبُ أحدُ الشيئين، فله الدية، وإن قلنا: الواجبُ القصاص عيناً، سقط حقُّه
منها .
فإن قيل: فما تقولون فيما لو مات القاتل؟ قلنا: في ذلك قولان: أحدهما:
تسقطُ الدية، وهو مذهبُ أبي حنيفة، لأن الواجبَ عندهم القصاصُ عيناً، وقد
زال محلُّ استيفائه بفعل الله تعالى، فأشبه ما لو مات العبدُ الجاني، فإن أرشَ
الجناية لا ينتقِلُ إلى ذِمَّة السيدِ، وهذا بخلافِ تلف الرهن وموت الضامن، حیثُ
٣٩٩ ٠

لا يسقُطُ الحقُّ لثبوته في ذِمة الراهن والمضمونِ عنه، فلم يسقط بتلف الوثيقة.
وقال الشافعي وأحمد: تتعينُ الديةُ في تركته، لأنه تعذّر استيفاءُ القصاصِ
من غير إسقاط، فوجب الديةُ لئلا يذهب الورثة من الدم والدية مجاناً. فإن قيل:
فما تقولون لو اختار القِصَاص، ثم اختار بعده العفو إلى الدِّية، هل له ذلك؟ قلنا:
هذا فيه وجهان، أحدهما: أن له ذلك، لأن القصاص أعلى، فكان له الانتقالُ إلى
الأدنى. والثاني: ليس له ذلك، لأنه لما اختار القصاص، فقد أسقط الدية
باختياره له، فليس له أن يعودَ إليها بعد إسقاطها .
فإن قيل: فكيف تجمعون بين هذا الحديث، وبينَ قوله ◌ََّ: «مَنْ قَتَلَ
عَمْداً، فَهُوَ قَوَدٌ)(١) .
قيل: لا تعارُضَ، بينهما بوجه، فإن هذا يدل على وجوبِ القود بقتل
العمد، وقوله: ((فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ)» يدل على تخييره بين استيفاء هذا الواجب له
وبين أخذ بدله، وهو الديةُ، فأيُّ تعارض؟! وهذا الحديثُ نظيرُ قوله تعالى:
﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِصَاصُ﴾ [البقرة: ١٧٨]، وهذا لا ينفي تخيير المستحق له بين
ما كُتِبَ له، وبين بدله. والله أعلم.
فصل
وقوله ◌َّر في الخطبة: ((إلاَّ الاذْخِرَ))، بعد قولِ العباس له: إلا الاذْخِرَ،
يدل على مسألتين :
إباحة قطع الإذخر
إحداهما: إباحة قطع الاذخر.
(١) أخرجه أبو داود (٤٥٣٩) في الديات: باب من قتل في عمياء بين قوم، والنسائي
٣٩/٨، وابن ماجه (٢٦٣٥) في الديات: باب من حال بين ولي المقتول وبين القود
أو الدية من حديث ابن عباس، وسنده صحيح ولفظه بتمامه: ((مَنْ قُتِلَ فِي عِمِّيّاً في
رميًّا يكون بينهم بحجارة أو بالسياط أو ضرب بعصاً، فهو خطأ، وعقله عقل الخطأ،
ومَنْ قَتَلَ عمداً فهو قودُ يدٍ، ومن حال دونه، فعليه لعنة الله وغضبه، لا يقبل منه
صرف ولا عدل)).
٤٠٠