Indexed OCR Text
Pages 101-120
وقد تكلَّمَ النَّاسُ، في أيِّ الرأيينِ كان أصوَب، فرجَّحتْ طائِفةٌ، قولَ عُمَرَ
لهذا الحديث، ورجَّحت طَائِفةٌ قولَ أبي بكر، لاستقرار الأمر عليه، وموافقتِهِ
الكِتابَ الذي سَبَقَ مِن اللَّهِ بإحلالِ ذلك لهم، ولِموافقته الرحمة التي غلبتِ
الغضب، ولتشبيه النبيِّ ◌َّر له في ذلك بإبراهيم وعيسى، وتشبيهه لعمر بنوح
وموسى(١) ولِحصول الخيرِ العظيم الذي حصل بإسلام أكثرِ أولئكَ الأسْرى،
والخروجٍ مَن خرج مِن أصلابهم مِن المسلمين، ولِحصولِ القوة التي حصلت
للمسلمين بالفِداء، ولموافقةِ رَسُولِ الله وََّ لأبي بكر أوَّلاً، ولِموافقةِ اللَّهِ له آخراً
حيثُ استقر الأمرُ على رأيه، ولِكمال نظر الصِّدِّيق، فإنه رأى ما يستقِرُّ علیه حُكُمُ
اللَّهِ آخِراً، وغلَّب جانبَ الرحمةِ على جانبِ العُقُوبِة.
قالوا: وأما بكاءُ النبيِّ ◌َِّ، فإنَّمَا كان رحمةً لِنزول العذابِ لمن أراد بذلك
عرضَ الدنيا، ولم يُرِدْ ذُلِكَ رسولُ الله ◌ِِّ، ولا أبو بكر، وإن أرادَه بعضُ
الصحابة، فالفتنةُ كانت تَعُمُّ ولا تُصيبُ من أرادَ ذلك خاصة، كما هُزِمَ العسكرُ يومَ
حُنَين بقول أحدهم: (لَنْ نُغْلَبَ الْيَوْمَ مِنْ قِلَّةٍ) (٢) وبإعجاب كثرتهم لِمن أعجبته
منهم، فهزم الجَيْشُ بذلك فِتنة ومحنة، ثم استقر الأمرُ على النصر والظفر والله
أعلم .
واستأذنه الأنصارُ أن يترُكُوا لِلعباس عَمِّهِ فِدَاءَه، فَقَالَ: ((لا تَدَعُوا مِنْهُ
دِرْهَمَاً))(٣).
الفداء
وأحمد ١/ ٣٠، ٣١ من حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وسنده حسن.
=
(١) أخرجه أحمد في ((المسند)) ٣٨٣/١، ٣٨٤، من طريق الأعمش عن عمرو بن مرة،
عن أبي عبيدة، عن ابن مسعود وانظر ابن كثير ٣٢٥/٢ .
(٢) انظر الطبري ٩٩/١٠، ١٠٠ و((الدر المنثور)) ٢٢٤/٣.
(٣) أخرجه البخاري ٢٤٧/٧، ٢٤٨ في المغازي: باب شهود الملائكة بدراً، وفي
العتق: باب إذا أسر أخ الرجل أو عمه هل يفادى إذا كان مشركاً، وفي الجهاد: باب
فداء المشركين من حديث أنس بن مالك.
١٠١
واستوهب مِن سلمة بن الأكوع جارية نَفَلَه إِيَّاها أبو بكر في بعض مغازيه،
فوهبها له، فبعثَ بها إلى مكَّة، ففدى بها ناساً مِن المسلمين(١)، وفدى رجلين من
المسلمين برجل من عقيل، ورد سبي هوازن عليهم بعد القِسْمَةِ، واستطابَ قلوبَ
الغانمين، فطيَّبوا له، وعوَّض من لم يُطيب من ذلك بِكُلِّ إنسانٍ سِتَّ فرائض(٢)،
وقتل عُقبةَ بن أبي معيط مِن الأسرى، وقتل النَّضرَ بنَ الحارث(٣) لشدة عداوتِهِما لله
ورسوله .
وذكر الإِمامُ أحمد عن ابن عباس قال: كانَ ناسٌ مِن الأسرى لم يَكُنْ لهم
مال، فجعلَ رسولُ اللهَ بَّرَ فِداءَهم أن يُعَلِّمُوا أولادَ الأنصارِ الكِتَابة(٤)، وهذا يدل
على جواز الفداء بالعمل، كما يجوز بالمال.
وكان هديُه أن مَن أسلم قبل الأسر، لم يُسترق، وكانَ يسترق سَبْيَ العربِ،
كما يَسْتَرِقُّ غيرَهم مِن أهل الكتاب، وكان عند عائشة سَبيَّةٌ منهم فقال ((أعْتِقيها
فَإِنَّهَا مِنْ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ»(٥).
الاسترقاق
(١) أخرجه مسلم في صحيحه (١٧٥٥) وقد تقدم.
(٢) أخرجه البخاري ٢٤/٨، ٢٧ في المغازي: باب قول الله تعالى: ((ويوم حنين إذ
أعجبتكم كثرتكم)) من حديث مروان، والمسور بن مخرمة، وأخرجه ابن هشام
٤٨٩/٢ من حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه عن جده، وسنده حسن.
(٣) ذكره ابن هشام في (السيرة)) ٦٤٤/١ عن ابن إسحاق، وأخرج أبو داود (٢٦٨٦)
بسند حسن عن ابن مسعود أن رسول الله وَّر لما أراد قتل عقبة بن أبي معيط، فقال:
من للصبية قال: ((النار)).
(٤) أخرجه أحمد ٢٤٧/١ (٢٢١٦) من حديث ابن عباس، وفي سنده علي بن عاصم بن
صهيب الواسطي، قال الحافظ في ((التقريب)»: صدوق يخطىء ويصر، وداود بن أبي هند
كان يهم بأخرة.
(٥) أخرجه البخاري ١٢٤/٥ في العتق: باب من ملك من العرب رقيقاً، فوهب وباع وجامع
وفدی وسبی الذرية، ومسلم (٢٥٢٥).
١٠٢
وفي الطبراني مرفوعاً: ((مَنْ كَانَ عَلَيْهِ رَقَبَةٌ مِنْ وَلَدِ إِسماعيلَ، فَلْيَعْتِقْ مِنْ
بَلْعَنْبَرَ))(١).
ولما قسم سبايا بني المُصْطَلِقِ، وقعت جُوَيْرِيَةُ بِنْتُ الحارث في السَّبي
الثابتِ بنِ قَيْس بنِ شمَّاس، فكاتبتْهُ على نفسها، فَقَضَى رسُولُ اللهَِّ كِتَابَتَها
وَتَزَوَّجَهَا، فَأُعْتِقَ بِتَزَؤُّجِهِ إِياها مثَّةً مِنْ أَهْلِ بَيْتِ بني المُصْطَلِقِ إِكراماً لصهرٍ
رسولِ الله ◌َيَ(٢). وهي من صريح العرب، ولم يكونوا يتوقَّقُون في وطء سبايا
العرب على الإِسلام، بل كانوا يطؤونهن بعد الاستبراء، وأباحَ اللَّهُ لهم ذلك، ولم
يشترط الإِسلام، بل قال تعالى: ﴿والمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾
[النساء: ٢٤]، فأباح وَطْءَ مُلكِ اليمين، وإن كانت محصنة إذا انقضت عدتُها
بالاستبراء، وقال له سلمة بن الأكوع، لما استوهبه الجارية الفزارية من السبي:
((والله يا رسول الله! لقد أعجبتني، وما كشفتُ لها ثوباً) (٣)، ولو كان وطؤها حراماً
قبل الإِسلام عندهم، لم يكن لهذا القول معنى، ولم تكن قد أسلمت، لأنه قد
فَدَى بها ناساً مِن المسلمين بمكة، والمسلِمُ لا يُقادى به، وبالجملةِ فلا نَعرِفُ في
أثر واحِدٍ قطُّ اشتراط الإسلام منهم قولاً أو فعلاً في وطء المسبية، فالصوابُ الذي
كان عليه هديُه وهديُ أصحابه استرقاقُ العرب، ووطء إمائهن المسبيات بمُلك
اليمين من غير اشتراط الإسلام.
فصل
وكان ◌َّ يمنعُ التفريقَ في السَّبي بين الوالدة وولدِها، ويقول: ((مَنْ فَرَّقَ
لا يُفرق في السبي بين
الوالدة وولدها
(١) أورده الهيثمي في ((المجمع)) ٤٧/١٠ من حديث زُبيب بن ثعلبة العنبري، وقال: رواه
الطبراني، وفيه عبد الله بن زبيب، وبقية رجاله ثقات، وعبد الله بن زبيب ترجمه ابن أبي
حاتم في ((الجرح والتعديل)) ٦٢/٥، ولم يذكر فيه جرحاً ولا تعديلاً.
أخرجه أحمد ٢٧٧/٦، وأبو داود (٣٩٣١) من حديث عائشة، وإسناده صحيح، فقد
(٢)
صرح ابن إسحاق بالتحديث عند أحمد.
(٣) أخرجه مسلم (١٧٥٥) وقد تقدم قريباً ص ١٠٢.
١٠٣
بَيْنَ وَالِدَةٍ وَوَلَدِهَا، فَرَّقَ اللَّهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَحِيَّتِهِ يَوْمَ القِيَامَة))(١) وكان يؤتى بالسبي،
فيعطي أهلَ البيت جميعاً كراهية أن يُفرَّق بينهم.
فصل
في هديه فيمن جَسَّ عليه
ثبت عنه أنه قتل جاسوساً مِن المشركين (٢). وثبت عنه أنه لم يقتُل حاطباً،
وقد جَسَّ عليه، واستأذنه عمرُ في قتله فقال: ((وما يُدْرِيكَ لَعَلَّ الله اطَّلَعَ عَلَى أَهْلِ
بَدْرٍ فقال: اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ)) (٣) فاستدلَّ به من لا يرى قتل المسلم
الجاسوس، كالشافعي، وأحمد، وأبي حنيفة رحمهم الله، واستدل به مَنْ يرى
قتله، كمالك، وابن عقيل مِن أصحاب أحمد - رحمه الله - وغيرهما قالوا: لأنه
علل بعلةٍ مانعة مِن القتل منتفيةٍ في غيره، ولو كان الإِسلامُ مانعاً من قتله، لم يُعلَّل
بأخصَّ منه، لأن الحكم إذا عُلِّلَ بالأعم، كان الأخص عديمَ التأثير، وهذا أقوى.
والله أعلم.
(١) حديث صحيح أخرجه أحمد ٤١٣/٥، ٤١٤، والترمذي (١٥٦٦) في السير: باب ما جاء
في كراهة التفريق بين السبي، والدارمي ٢٢٧/٢ من حديث أبي أيوب الأنصاري،
وصححه الحاكم ٢/ ٥٥، ووافقه الذهبي.
(٢) أخرجه البخاري ١١٦/٦، ١١٧، في الجهاد: باب الحربي إذا دخل الإسلام، وأبو داود
(٢٦٥٣) في الجهاد: باب الجاسوس المستأمن، وابن ماجه (٢٨٣٦) من حديث سلمة بن
الأكوع رضي الله عنه، قال: أتى رسول الله و 8وعين من المشركين، وهو في سفر، فجلس
عند أصحابه يتحدث ثم انفتل، فقال النبي ويتر: ((اطلبوه واقتلوه)) فقتلته، فنفلني سلبه .
(٣) أخرجه البخاري ٦/ ١٠٠ في الجهاد: باب الجاسوس، وباب إذا اضطر الرجل إلى النظر
في شعور أهل الذمة، والمؤمنات إذا عصين الله وتجريدهن، وفي المغازي: باب فضل من
شهد بدرا، وباب غزوة الفتح، وما بعث حاطب بن أبي بلتعة إلى أهل مكة يخبرهم بغزو
النبي ◌َّ، وفي تفسير سورة الممتحنة، وفي الاستئذان: باب من نظر في كتاب من يحذر
من المسلمين ليستبين أمره، وفي استتابة المرتدين: باب ما جاء في المتأولين، وأخرجه
مسلم (٢٤٩٤) في فضائل الصحابة: باب من فضائل أهل بدر، وأبو داود (٢٦٥٠)
والترمذي (٣٣٠٢) وأحمد ٨٠/١ و١٠٥.
١٠٤
فصل
وكان هديه وَ﴿ عِتقَ عبيدِ المشركين إذا خرجُوا إلى المسلمين وأسلموا،
ويقول: ((هُمْ عُتَقَاءُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ))(١).
من أسلم على شيء في
يده فهو له ولم ينظر إلى
سببه قبل الإسلام :
وكان هديُهُ أنَّ من أسلم على شيء في يده، فهو له، ولم ينظُرْ إلى سببه قبل
الإِسلام، بل يُقِرُّه في يدِهِ كما كان قبل الإِسلام، ولم يكن يُضَمِّنُ المشركينَ إذا
أسلموا ما أتلفُوه على المسلمين مِن نفس، أو مال حالَ الحرب ولا قبلَه، وعزم
الصِّدِّيقُ على تضمينِ المحاربينَ مِن أهل الرِّدة دياتِ المسلمينَ وأموالهم، فقال
عمر: تلك دماءٌ أُصيبت في سبيل الله، وأجورُهم على الله، ولا ديةَ لشهيد، فاتفق
الصحابةُ على ما قالَ عمر، ولم يكن أيضاً يَرُدُّ على المسلمين أعيان أموالهم التي
أخذها مِنهم الكفارُ قهراً بعد إسلامهم، بل كانوا يرونها بأيديهم، ولا يتعرَّضُون لها
سواء في ذلك العقار والمنقول، هذا هدیُه الذي لا شك فيه.
ولما فتح مكة، قام إليه رجال من المهاجرين يسألونه أن يرد عليهم دورهم
التي استولى عليها المشركون، فلم يردّ على واحد منهم داره، وذلك لأنهم تركوها
لله، وخرجوا عنها ابتغاءَ مرضاته، فأعاضهم عنها دوراً خيراً منها في الجنة، فليس
لهم أن يرجِعُوا فيما تركوه لله، بل أبلغُ من ذلك أنه لم يُرخِّصْ للمهاجر أن يُقيم
بمكة بعد نُسُكِه أكثرَ مِن ثلاثٍ(٢)، لأنه قد ترك بلده لله، وهاجر منه، فليس له أن
(١) أخرجه أبو داود (٢٧٠٠) في الجهاد: باب عبيد المشركين يلحقون بالمسلمين
فيسلمون، من حديث علي رضي الله عنه، ورجاله ثقات، إلا أن فيه تدليس ابن
إسحاق، وأخرجه الترمذي (٣٧١٦) من طريق آخر، وفي سنده سفيان بن وكيع،
وهو ضعيف، وفي الباب عن ابن عباس عند أحمد ٢٢٤/١، و٣٦٢، وعن الشعبي
عن رجل من ثقيف سألنا رسول الله و ط# أن يرد إلينا أبا بكرة، فأبى وقال: «هو
طليق الله، ثم طليق رسول الله (مثل)) أخرجه أحمد ١٦٨/٤ و٣١٠ ورجاله ثقات.
(٢) أخرج البخاري ٧/ ٢٠٧، ٢٠٨ في الهجرة: باب إقامة المهاجر بمكة بعد قضاء
نسكه، ومسلم (١٣٥٢) عن عمر بن عبد العزيز سأل السائب بن يزيد: ما سمعت في
سكنى مكة؟ قال: سمعت العلاء بن الحضرمي قال: قال رسول الله وَلقوله: ((ثلاث =
١٠٥
يعودَ يستوطِئُه، ولهذا رئى لسعد بن خولة، وسمَّاه بائساً أن ماتَ بمكة، ودُفِنَ بها
بعد هجرته منها(١).
فصل
في هديه في الأرض المغنومة
ثبت عنه أنه قسم أرضَ بني قُريظة وبني النَّضير وخيبر بينَ الغانمين، وأما
المدينة، ففتحت بالقرآن، وأسلم عليها أهلُها، فأقِرَّت بحالها. وأما مكة، ففتحها
عَنْوَةً، ولم يقسمها، فأشكل على كُلِّ طائفةٍ من العلماء الجمعُ بين فتحها عنوة،
وتركِ قسمتها، فقالت طائفة: لأنها دارُ المناسِكِ، وهي وقفٌ على المسلمين
كلِّهم، وهم فيها سواء، فلا يُمْكِنُ قِسمتُها، ثم من هؤلاء من منع بيعَها وإجارَتها،
ومنهم من جوَّز بيع رِباعها، ومنع إجارَتها، والشافعي لما لم يجمع بين العَنوةِ،
وبين عدم القسمة، قال: إنها فُتِحتْ صُلحاً، فلذلك لم تُقْسم. قال: ولو فُتِحَتْ
عَنْوة، لكانت غنيمة، فيجبُ قسمتها كما تجب قسمةُ الحيوان والمنقول، ولم يرَ
بأساً من بيع رباع مكة، وإجارتها، واحتج بأنها ملك لأربابها تُورث عنهم
وتُوهب، وقد أضافها اللَّهُ سبحانه إليهم إضافةً الملك إلى مالكه، واشترى
عمرُ بن الخطاب داراً مِن صفوان بن أمية، وقيل للنبي ◌َله: أين تنزل غداً في
دارك بمكة؟ فقال: ((وَهَلْ تَرَكَ لَنَا عَقِيلٌ مِنْ رِبَاعٍ أو دُورٍ))(٣) وكان عقيلٌ ورثَ أبا
طالب، فلمّا كان أصل الشافعي أن الأرضَ من الغنائم، وأن الغنائم تجبُ
للمهاجر بعد الصدر)) أي بعد الرجوع من منى، قال الحافظ: وفقه هذا الحديث أن
=
الإقامة بمكة كانت حراماً على من هاجر منها قبل الفتح، لكن أبيح لمن قصدها
منهم بحج أو عمرة أن يقيم بعد قضاء نسكه ثلاثة أيام لا يزيد عليها .
(١) أخرجه البخاري ١٣٢/٣ في الجنائز: باب رثاء النبي ◌َّةُ سعد بن خولة، ومسلم
(١٦٢٨) في الوصية: باب الوصية بالثلث من حديث سعد بن أبي وقاص.
(٢) أخرجه البخاري ٣٦٠/٣ في الحج: باب توريث دور مكة وبيعها وشرائها، وفي
الجهاد: باب إذا أسلم قوم في دار الحرب ولهم مال وأرضون فهي لهم، ومسلم
(١٣٥١) في الحج: باب النزول بمكة، للحجاج من حديث أسامة بن زيد.
١٠٦
قسمتُها، وأن مكَّةَ تُملك وتُباع، ورِباعها ودُورها لم تقسم، لم يجد بُداً من القولِ
بأنها فُتِحَتْ صُلْحاً.
لكن من تأمل الأحاديثَ الصحيحةَ، وجدها كلَّها دالة على قول الجمهور،
أنها فتحت عَنوة. ثم اختلفوا لأي شيء لم يقسمها؟ فقالت طائفة: لأنها دار
النُّسُك ومحلُّ العبادة، فهي وقف من الله على عباده المسلمين. وقالت طائفة:
الإِمام مُخَيّرٌ في الأرض بين قسمتها وبين وقفها، والنبيُّ ◌َلٍ قسم خيبرَ، ولم يقسم
مكة، فدل على جوازِ الأمرين. قالوا: والأرضُ لا تدخلُ في الغنائمِ المأمورِ
بقسمتها، بَل الغنائمُ هي الحيوانُ والمنقولُ، لأن الله تعالى لم يُحِلَّ الغنائم لأمة
غير هذه الأمة، وأحل لهم ديارَ الكفر وأرضهم كما قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسى
لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الأَرْضَ المُقَدَّسَةَ
التي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٢٠، ٢١]، وقال في ديارِ فرعون وقومِهِ وأرضهم:
﴿كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بني إِسْرَائِيلَ﴾ [الشعراء: ٥٩]، فعلم أن الأرض لا تدخل في
الغنائم، والإِمامُ مخيَّر فيها بحسب المصلحة، وقَد قَسَمَ رسولُ الله ◌َّةٍ وترك،
وعُمَرُ لم يقسم، بل أقرَّها على حالها وضرب عليها خراجاً مستمراً في رقبتها
يكون للمقاتلةِ، فهذا معنى وقفها، ليس معناه الوقف الذي يمنع مِن نقل الملك في
الرقبة، بل يجوزُ بيعُ هُذِهِ الأرض كما هو عملُ الأمة، وقد أجمعوا على أنها
تورث، والوقف لا يُورث، وقد نص الإِمامُ أحمد - رحمه الله تعالى - على أنها
يجوزُ أن تُجعل صداقاً، والوقفُ لا يجوز أن يكون مهراً في النكاح، ولأن الوقفَ
إنما امتنع بيعُه ونقل الملك في رقبته لما في ذلك من إبطال حقِّ البطون الموقوف
عليهم من منفعته، والمقاتلة حقهم في خراج الأرض، فمن اشتراها صارت عنده
خراجية، كما كانت عند البائع سواءً، فلا يبطُلُ حق أحدٍ من المسلمين بهذا البيع،
كما لم يبطل بالميراث والهبة والصّداق، ونظيرُ هذا بيعُ رقبة المكاتب، وقد انعقد
فيه سببُ الحرية بالكتابة، فإنه ينتقل إلى المشتري مكاتباً كما كان عند البائع، ولا
يبطل ما انعقد في حقِّه من سبب العتق ببيعه، والله أعلم.
هل الأرض تدخل في
الغنائم؟
١٠٧
٠
ومما يدلُّ على ذلك أن النبيَّ بَّه قسم نصفَ أرضٍ خيبر خاصة، ولو كان
حكمُها حكمَ الغنيمة، لقسمها كلها بعد الخمس، ففي ((السنن)) و ((المستدرك)):
أن رسولَ الله ◌ٌَّ لما ظهر على خيبر قسمَها على ستةٍ وثلاثين سهماً، جَمَعَ كُلُّ
سَهُم مِائَةَ سَهْمٍ، فكان لرسول الله وَّهُ وللمسلمين النّصفُ من ذلك، وعَزَلَ
النّصفَ الباقي لمن نزل به من الوفود والأمور ونوائبِ الناس. هذا لفظ أبي داود،
وفي لفظ: عزلَ رسولُ اللهِ وََّ ثمانيةَ عَشَرَ سهماً، وهو الشطرُ لِنوائِهِ، وما ينزلُ بِهِ
من أمر المسلمين، وكان ذُلِكَ الوَطِيحَ والكُتَيْبَةَ، والسُّلالِمَ وتَوَابِعَهَا. وفي لفظ له
أيضاً: عزلَ نِصفها لنوائبه وما نزل به: الوَطحية والكُتيبة، وما أُحِيزَ مَعَهُمَا، وعزل
النصفَ الآخر، فقسمه بين المسلمين: الشِّقَّ والنَّطَاةَ، وما أُحيزَ معهما، وكان
سهمُ رسول الله وَّ فيما أُحيز معهما(١).
فصل
والذي يدل على أن مكة فتحت عنوة وجوه:
الأدلة على أن مكة فتحت
عنوة
أحدها: أنه لم ينقُلْ أحدٌ قطُّ أن النبيَّ ◌َ صالح أهلها زمنَ الفتح، ولا جاءه
أحدٌ مِنهم صالحه على البلدِ، وإنما جاءَهُ أبو سفيان، فأعطاه الأمانَ لِمن دخل
دارَهُ، أو أغلقَ بابه، أو دخل المسجد، أو ألقى سلاحه(٢). ولو كانت قد فتحت
(١) أخرجه أبو داود (٣٠١١) من حديث بُشير بن يسار عن سهل بن أبي حثمة، وإسناده
صحيح، و (٣٠١١) و (٣٠١٢) من حديث بشير بن يسار عن رجال من أصحاب
النبي ◌َّسير، وسنده صحيح، وأخرجه (٣٠١٣) و(٣٠١٤) من حديث بشير بن يسار
مرسلاً، وسنده صحيح أيضاً، والوطيحة: حصن من حصون خيبر، والكتيبة: اسم
لبعض قرى خيبر، والشق: من حصون خيبر، والنطاة: عين بخيير تسقي بعض
النخيل، وقيل: حصن بخيبر، وقيل: اسم لأرض خيبر، والسلالم: حصن من
حصون خيبر، وأحيز معهما بالبناء للمجهول: ضم وجمع إليهما.
(٢) أخرجه أحمد ٢٩٢/٢ و٥٣٨ ومسلم (١٧٨٠) (٨٦) في الجهاد: باب فتح مكة من
حديث أبي هريرة، وأخرجه أبو داود (٣٠٢٢) و (٣٠٢١) من حديث ابن عباس، وفي
الأول راو لم يسمه، والثاني فيه عنعنة ابن إسحاق، وأورده الهيثمي في ((المجمع)) =
١٠٨
صُلحاً، لم يقل: من دخل داره، أو أغلق بابه، أو دخل المسجد فهو آمن، فإن
الصلح يقتضي الأمان العام.
الثاني: أن النبيِ نَّه قال: ((إنَّ الله حَبَسَ عَنْ مَكَّةَ الفِيلَ، وسَلَّطَ عَلَيْهَا
رَسُولَهُ والمُؤْمِنِينَ، وإِنَّهُ أَذِنَ لِي فِيهَا سَاعَةً مِنْ نَهَار)) وفي لفظ: ((إِنَّهَا لاَ تَحِلُّ لأحَدٍ
قَبْلِي، ولَنْ تَحِلَّ لأحَدٍ بَعْدِي، وَإِنَّمَا أُحِلَّتْ لِي سَاعَةً مِنْ نهارٍ)) (١) وفي لفظ: ((فَإِنْ
أَحَدٌ تَخَّصَ لِقِتَالِ رَسُولِ اللهِ وَّهِ، فَقُولُوا: إِنَّ اللَّهَ أَذِنَ لِرَسُولِهِ، وَلَمْ يَأْذَن لَكُمْ،
وَإِنَّمَا أَذِنَ لِي سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ، وقَدْ عَادَتْ حُرْمَتُها اليَوْمَ كحُرْمَتِهَا بالأمسِ))(٢).
وهذا صريح في أنَّها فتحت عنوة.
وأيضاً، فإنه ثبتَ في ((الصحيح)): أنه جعلَ يومَ الفتح خالدَ بْنَ الوليدِ على
المُجَنَّبَةِ الْيُمْنَى، وجعل الزُّبَيْرَ على المُجَنِّبة اليسرى، وجعَلَ أبا عُبيدة على الحُسَّرِ
وبَطْنِ الوَادِي، فَقَالَ: ((يَا أَبَا هُرَيْرَةَ ادْعُ لي الأَنْصار)) فجاؤوا يُهَرْوِلُونَ، فَقَالَ: ((يَا
مَعْشَرَ الأَنْصَارِ، هَلْ تَرَوْنَ أَوْبَاشَ قُرَيْش؟)) قالُوا: نعم، قال: ((انْظُرُوا إذا لَقِيتُمُوهُم
غَداً أَنْ تَحْصِدُوهُم حَصْداً، وَأَخْفَى بِيَدِهِ، وَوَضَعَ يَمِينَهُ على شِمَالِهِ، وقال:
((مَوْعِدُكُمْ الصَّفا))، قال: فما أشرفَ يَوْمَئِذٍ لهم أحدٌ إلا أناموه، وصَعِدَ
رسولُ الله ◌ََّ الصَّفا، وجَاءتِ الأَنْصَارُ، فأطافُوا بالصَّفَا، فجاء أَبُو سفيانَ فقال:
يا رَسُولَ اللَّهِ! أُبِيدَتْ خَضْرَاءُ قريشٍ، لا قُرَيْشَ بَعْدَ الْيَوْمِ. فَقَالَ
١٦٥/٦، ١٦٧ وقال: رواه الطبراني، ورجاله رجال الصحيح، وله إسناد ثالث عند ابن
=
جرير ٢/ ٣٣٠، ٣٣٢، وفي سنده حسين بن عبد الله بن عباس، وهو ضعيف.
(١) أخرجه البخاري ٦٣/٥، ٦٤ في اللقطة: باب كيف تعرف لقطة أهل مكة، وفي
العلم: باب كتابة العلم، وفي الديات: باب من قتل له قتيل، فهو بخير النظرين،
ومسلم (١٣٥٥) في الحج: باب تحريم مكة وصيدها، وأبو داود (٢٠١٧) والدارمي
٢٥٦/٢ من حديث أبي هريرة.
(٢) أخرجه البخاري ١٧٧/١ في العلم: باب ليبلغ العلم الشاهد الغائب، و١٧/٨ في
المغازي: باب منزل النبي ◌ّة يوم الفتح، ومسلم (١٣٥٤) في الحج: باب تحريم
مكة من حديث أبي شريح الخزاعي.
١٠٩
رسولُ الله ◌َّةٍ: ((مَنْ دَخَلَ دَارَ أبي سُفْيَانَ فَهُوَ آمِنٌ، ومَنْ أَلْقَى السَّلاَحَ فَهُوَ آمِنٌ،
وَمَنْ أَغْلَقَ بَابَهُ فَهُوَ آمِنٌ)(١).
وأيضاً، فإِنَّ أمّ هانىء أجارَتْ رجُلاً، فأراد عليٍّ بنُ أبي طالب قتله، فقالَ
رسولُ الله ◌َّةٍ: ((قَدْ أَجَرْنَا مَنْ أَجَرْتِ يا أُمَّ هانىء)) وفي لفظ عنها: لمَّا كان يومُ
فتح مكة، أجرتُ رجلين من أحمائي، فأدخلتهُما بيتاً، وأغلقتُ عليهما باباً، فجاء
ابنُ أمي عليٍّ فَتَفَلَّتَ عليهما بالسَّيْفِ، فذكرتُ حديثَ الأمانِ، وقول النبيِّ:
((قَدْ أَجَرْنَا مَنْ أَجَرْتِ يا أُمَّ هانىء)) وذلك ضُحى بجوفَ مكة بعد الفتح(٢).
فإجارتُها له، وإرادةُ علي رضي الله عنه قتله، وإمضاءُ النبي ◌ِِّ إجارتَها صريحٌ في
أنها فُتِحَتْ عنوةً.
وأيضاً فإنه أمر قتل مَقِيسٍ بْنِ صُبابة، وابنٍ خطل، وجاريتين، ولو كانت
فُتِحَتْ صُلْحاً، لم يأمر بقتل أحد من أهلها، ولكان ذكرُ هؤلاء مستثنى من عقد
الصلح، وأيضاً ففي ((السنن)) بإسناد صحيح: ((أن النبي ◌َّ لمَّا كان يَوْمُ فتح مكة،
قال: (أَمِّنُوا النَّاسَ إلاَّ امْرَأَتَيْن، وَأَرْبَعَة نَفَرٍ. اقْتُلُوهُم وإن وَجَدْتُمُوهُم مُتَعلِّقِينَ
بَأَسْتَارِ الكَعْبة)) (٣) والله أعلم.
(١) أخرجه مسلم (١٧٨٠) في الجهاد: باب فتح مكة، وأحمد ٥٣٨/٢ من حديث أبي
هريرة، والحسَّر: الذين لا دروع لهم.
(٢) أخرجه البخاري ١٩٦/٦ في الجهاد: باب أمان النساء وجوارهن، ومسلم ٤٩٨/١
(٨٢) في صلاة المسافرين: باب استحباب صلاة الضحى، و ((الموطأ)) ٢٥٢/١،
وأبو داود (٢٧٦٣) والدارمي ٢٣٤/٢، ٢٣٥، وأحمد ٣٤١/٦ و٤٢٣ و٤٢٥ من
حديث أم هانىء واللفظ الثاني لأحمد.
(٣) أخرجه أبو داود (٢٦٨٣) والنسائي ٧/ ١٠٥ من حديث سعد بن أبي وقاص، وفي
سنده أسباط بن نصر، وهو صدوق كثير الخطأ، وفي الباب عن سعيد بن يربوع عند
الدار قطني والحاكم أنه قال: ((أربعة لا أؤمنهم لا في حل ولا حرم: الحويرث بن
نقيد، وهلال بن خطل، ومقيس بن صبابة، وعبد الله بن أبي السرح ... وفي زيادات
يونس بن بكير في المغازي من طريق عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، وفي
((البخاري)) ٥١/٤، ومسلم (١٣٥٨) من حديث أنس بن مالك أن رسول الله محدثة دخل=
١١٠
فصل
ومنع رسولُ الله ◌َّه من إِقَامَةِ المُسْلِمِ بين المُشْرِكِينَ إِذَا قَدَرَ على الهِجْرَةِ من
بينهم، وقال: ((أنا بَرِيءٌ مِنْ كُلِّ مُسْلِمٍ يُقيمُ بَيْنَ أَظْهُرِ المُشْرِكِينَ)). قيل: يا
رسُول اللَّهِ! وَلِمَ؟ قَالَ: ((لا تَراءِى نَاراهُمَا))(١). وقال: ((مَنْ جامع المُشْرِكَ وَسَكَنَ
مَعَهُ فَهُوَ مِثْلُهُ)) (٢). وقال: ((لاَ تَنْقَطِعُ الهِجْرَةُ حَتَّى تَنْقَطِعَ الثَّوْبَةُ، ولا تَنْقَطِعُ الثَّوْبَةُ
حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِها))(٣)، وقال: ((سَتَكُونُ هِجْرَةٌ بَعْدَ هِجْرَة، فَخِيَارُ أَهْلِ
الإقامة بين المشركين
عام الفتح، وعلى رأسه المغفر، فلما نزعه، جاءه رجل، فقال: إن ابن خطل متعلق
بأستار الكعبة، قال: ((اقتلوه) وروى ابن أبي شيبة والبيهقي في ((الدلائل)) من طريق
الحكم بن عبد الملك، عن قتادة عن أنس: أمن رسول الله 5* الناس يوم فتح مكة
إلا أربعة من الناس: عبد العزى بن خطل، ومقيس بن صبابة الكناني، وعبد الله بن
أبي السرح وأم سارة ... وانظر ((فتح الباري)) ٤/ ٥٢.
(١) حديث صحيح، أخرجه أبو داود (٢٦٤٥)، والترمذي (١٦٠٤)، والنسائي ٣٦/٨
من حديث أبي معاوية عن إسماعيل بن خالد، عن قيس بن أبي حازم، عن جرير،
ورجاله ثقات، لكن اختلف في وصله وإرساله، وقد رجح البخاري والترمذي
وغيرهما إرساله، لكن يقويه ويشهد له ما أخرجه النسائي ٨٢/٥، ٨٣، وأحمد
٤/٥، ٥، وابن ماجه (٢٥٣٦) من حديث بهز بن حكيم عن أبيه عن جده أن
رسول الله وَّة قال: ((لا يقبل الله عز وجل من مشرك بعدما أسلم عملا، أو يفارق
المشركين إلى المسلمين)) وسنده حسن، وأخرج أحمد ١٦٠/٤ من حديث جرير بن
عبد الله أنه حين بايع النبي ◌َليّة أخذ عليه «أن لا يشرك بالله شيئاً، ويقيم الصلاة، ويؤتي
الزكاة، وينصح المسلم، ويفارق المشرك)) وإسناده صحيح، وحديث سمرة الآتي بعده
یشهد له أيضاً.
(٢) أخرجه أبو داود (٢٧٨٧) وسنده ضعيف، لكنه يتقوى بما قبله. ورواه الحاكم ١٤١/٢
من طريق همام عن قتادة عن حسن عن سمرة، ورجاله ثقات.
(٣) أخرجه أحمد ٩٩/٤، وأبو داود (٢٤٧٩)، والدارمي ٢٣٩/٢، ٢٤٠ من حديث
حريز بن عثمان، عن عبد الرحمن بن أبي عوف الجرشي، عن أبي هند البجلي، عن
معاوية، وأبو هند البجلي، قال عبد الحق: ليس بالمشهور، وقال ابن القطان: مجهول،
وباقي رجاله ثقات، ويشهد له حديث عبد الله بن السعدي عند أحمد (١٦٧١) بسند حسن
أن النبي ◌َّ قال: ((لا تنقطع الهجرة ما دام العدو يقاتل)) فقال معاوية وعبد الرحمن بن =
١١١
الأَرْضِ ألْزَمُهُم مُهَاجَرَ إِبْراهِيمَ، وَيَبْقَى فِي الأَرْضِ شِرَارُ أَهْلِهَا، تَلْفِظُهُمْ
أَرَضُوهُم، تَقْذَرُهُمْ نَفْسُ اللَّهِ، وَتَحْشُرُهُم النّارُ مَعَ القِرَدَةِ والخَنَازِيرِ)(١).
فصل
في هديه في الأمان، والصلح، ومعاملة رسل الكفار، وأخذِ الجزية،
ومعاملة أهل الكتاب، والمنافقين، وإجارة من جاءه من الكفار
حتى يسمع كلام الله، وردِّه إلى مأمنه، ووفائِه بالعهدِ،
وبراءته من الغدر
ثبت عنه أنه قال: ((ذِمَّةُ المُسْلِمِينَ وَاحِدَةٌ، يَسْعَى بِهَا أَدْنَاهُمْ، فَمَنْ أَخْفَرَ
مُسْلِماً، فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ والمَلائِكَةِ، والنَّاسِ أَجْمَعِينَ، لا يَقْبَلُ اللَّهُ مِنْهُ يَوْمَ القِيَامَةِ
صَرْفاً ولا عَدْلاً)(٢) .
وقال: ((المُسْلِمُون تَتَكَافَأُ دِمَاؤُهُم، وهُمْ يَدْ عَلى مَنْ سِواهُمْ، ويَسْعَى
بذِمَّتِهِمْ أَدْنَاهُم، لا يُقْتَلُ مُؤمِنٌ بِكَافِرٍ، ولا ذُو عَهْدٍ فِي عَهْدِهِ، مَنْ أَحْدَثَ حَدَثاً
عوف وعبد الله بن عمرو بن العاص: إن النبي ◌ٍَّ قال: ((إن الهجرة خصلتان، إحداهما:
=
أن تهجر السيئات، والأخرى أن تهاجر إلى الله ورسوله، ولا تنقطع الهجرة ما تقبلت
التوبة، ولا تزال مقبولة حتى تطلع الشمس من المغرب، فإذا طلعت، طبع على كل قلب
بما فيه، وكفي الناس العمل)). وأخرجه أحمد ٥/ ٢٧٠ بسند آخر حسن عن ابن السعدي
أنه قدم على النبي ◌َّ في ناس من أصحابه، فقالوا له: احفظ رحالنا ثم تدخل، وكان
أصغر القوم، فقضى من حاجتهم، ثم قالوا له: ادخل، فدخل، فقال: حاجتك، قال:
حاجتي تحدثني أنقضت الهجرة؟ فقال النبي ◌َّلي: ((حاجتك خير من حوائجهم، لا تنقطع
الهجرة ما قوتل العدو)).
(١) أخرجه أبو داود (٢٤٨٢) في الجهاد: باب في سكنى الشام، وأحمد ٢/ ٨٤، و١٩٩
و (٢٠٩) من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص، وفي سنده شهر بن حوشب، وهو
ضعيف.
(٢) أخرجه البخاري ٧٣/٤، ٧٤ في فضائل المدينة، ومسلم (١٣٧٠) في الحج: باب فضل
المدينة من حديث علي رضي الله عنه، والصرف: الفريضة، والعدل: النافلة، وعن
الأصمعي: الصرف: التوبة، والعدل: الفدية. وأخرجه مسلم (١٣٧١) من حديث أبي
هريرة.
١١٢
فَعَلى نَفْسِهِ، ومَنْ أَحْدَثَ حَدَثاً أَوْ آوىُ مُحْدِثاً، فَعَلَيْهِ لَعْنَهُ اللَّهِ والمَلاَئِكَةِ والنَّاسِ
أَجْمَعِين)»(١) .
وثبت عنه أنه قال: «مَنْ كَانَ بَيْنَهُ وبَيْنَ قَوْمِ عَهْدٌ فَلا يَحُلَّنَّ عُقْدَةً وَلاَ
يَشُدَّها حَتَّى يَمْضِي أَمَدُهُ، أَوْ يَنِْذَ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ»(٢).
وقال: ((مَنْ أَمَّنَ رَجُلاً عَلَى نَفْسِهِ فَقَتَلَهُ، فَأَنَا بَرِيء مِنَ القَائِلِ)). وفي
لفظ: ((أُعْطِي لِوَاءَ غَدْرَةُ)(٣) وقال: ((لِكُلِّ غَادِرٍ لِواءٌ عِنْدَ اسْتِهِ يَوْمَ القِيَامَةِ
يُعْرَفُ بِهِ يُقال: هَذِهِ غَدْرَهُ فُلانِ بْنِ فُلانٍ))(٤).
(١) أخرجه أبو داود (٤٥٣٠) من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة، عن الحسن، عن
قيس بن عباد، عن علي، وسنده قوي، وأخرجه النسائي ٢٤/٨ من طريق قتادة عن أبي
حسان الأعرج عن علي، قال في ((التنقيح)): سنده صحيح، وحسنه الحافظ في ((الفتح))
٢٣١/١٢ ومعنى اليد في قوله: ((وهم يد على من سواهم)): النصرة والمعونة من بعضهم
لبعض، وقوله: ((تتكافأ دماؤهم)) يريد أن دماء المسلمين متساوية في القصاص يقاد
الشريف منهم بالوضيع، والكبير بالصغير، والعالم بالجاهل، والرجل بالمرأة، وإذا كان
المقتول شريفاً أو عالماً، والقاتل وضيع أو جاهل لا يقتل به غير قاتله على خلاف ما كان
يفعله أهل الجاهلية كانوا لا يرضون في دم الشريف بالاستقادة من قاتله الوضيع حتى
يقتلوا عدة من قبيلة القاتل، وقوله: ((ويسعى بذمتهم أدناهم)) معناه أن واحداً من
المسلمين إذا أمن كافراً، حرم على عامة المسلمين دمه، وإن كان هذا المجير أدناهم كأن
يكون عبداً أو امرأة أو أجيراً، ولا تخفر ذمته.
(٢) أخرجه أبو داود (٢٧٥٩) في الجهاد: باب في الإمام يكون بينه وبين العدو عهد ...
والترمذي (١٥٨٠) في السير: باب ما جاء في الغدر من حديث عمرو بن عبسة،
وإسناده صحيح.
(٣) أخرجه أحمد ٢٢٣/٥، ٢٢٤ و٤٣٧، وابن ماجه (٢٦٨٨) والطحاوي في ((مشكل
الآثار)) ٧٧/١ و٧٨، والطبراني في ((الصغير)) ص ٩ و١٢١، وأبو نعيم في ((حلية
الأولياء)) ٢٤/٩ والطيالسي (١٢٨٥) من حديث عمرو بن الحمق الخزاعي، وسنده
صحیح، وصححه ابن حبان (١٦٨٢).
(٤) أخرجه البخاري ٢٠٢/٦ في الجهاد: باب إثم الغادر للبر والفاجر، و٤٦٤/١٠ في
الأدب: باب ما يدعى الناس بآبائهم، و٢٩٩/١٢ في الحيل: باب إذا غصب جارية
فزعم أنها ماتت، و١٦١/١٣ في الفتن: باب إذا قال عند قوم شيئاً ثم خرج فقال =
١١٣
ويُذكر عنه أنه قال: ((مَا نَقَضَ قَوْمٌ العَهْدَ إِلاَّ أُديلَ عَلَيْهِمُ العَدُوُّ))(١).
تقرير مصير الكفار مع
النبي
فصل
ولما قَدِمَ النبيُّ ◌َ﴿ المدينةَ، صارَ الكفارُ معه ثلاثة أقسام: قسم صالحهم
ووادعهم على ألا يُحاربوه، ولا يُظاهِروا عليه، ولا يُوالوا عليه عدوّه، وهم على
كُفرهم آمِنُونَ على دمائهم، وأموالهم. وقسم: حاربوه ونصبوا له العَدَاوة.
وقسم: تاركُوه، فلم يُصالِحوه، ولم يُحاربوه، بل انتظروا ما يؤول إليه أمرُه، وأمرُ
أعدائه، ثم مِن هؤلاء مَن كان يُحِبُّ ظهورَه، وانتصاره في الباطن، ومنهم: من
كان يُحِبُّ ظهورَ عدوه عليه وانتصارَهم، ومنهم: من دخل معه في الظاهر، وهو
مع عدوِّه في الباطن، ليأمن الفريقين، وهؤلاء هم المُنافقون، فعامَلَ كُلَّ طائفةٍ مِن
هذه الطوائف بما أمره به ربُّه تبارك وتعالى.
فصالح يهودَ المدينةِ، وكتب بينهم وبينه كتابَ أمن، وكانوا ثلاثَ طوائفَ
حولَ المدينة: بني قَيْنُقَاعِ، وبني النَّضير، وبني قريظة، فحاربته بنو قَيْنُقَاعِ بعد
محاربة بنو قينقاع
للمسلمين
بخلافه، ومسلم (١٧٣٥) في الجهاد: باب تحريم الغدر، وأبو داود (٢٧٥٦)،
==
والترمذي (١٥٨١)، وأحمد ١٦/٢ و٢٩ و٤٨ و٤٩ و٥٦ و٧٠ و٧٥ و٩٦ و١٠٣
و١١٢ و١١٦ و١٢٣ و١٢٦ و١٤٢ و١٥٦ من حديث عبد الله بن عمر. وأخرجه من
حديث أنس البخاري ٢٠٢/٦، ومسلم (١٧٣٧) وأحمد ١٤٢/٣ و١٥٠ و٢٥٠
و٢٧٠، وأخرجه من حديث ابن مسعود مسلم (١٧٣٦)، وابن ماجه (٢٨٧٢)،
وأحمد ٤١١/١ و٤١٧ و٤٤١، وأخرجه من حديث أبي سعيد الخدري مسلم
(١٧٣٨) وأحمد ٧/٣ و١٩ و٣٥، و٣٩ و٤٦ و٦١ و٦٤ و٧٠ و٨٤، وابن ماجه
(٢٨٧٣) ولفظه عند مسلم: ((لكل غادر لواء يوم القيامة يرفع له بقدر غدره ألا ولا
غادر أعظم غدراً من أمير عامة)).
(١) أخرجه الحاكم ١٢٦/٢ من حديث بريدة بلفظ: ((ما نقض قوم العهد قط إلا كان
القتل بينهم)) وفي سنده بشير بن المهاجر، وفيه لين، ومع ذلك فقد صححه، ووافقه
الذهبي، لكن يشهد له حديث عبد الله بن عمر عند ابن ماجة (٤٠١٩) وسنده حسن
في الشواهد، وآخر من حديث ابن عباس عند الطبراني في ((الكبير)): وسنده قريب
من الحسن، وله شواهد، قاله المنذري.
١١٤
ذلك بعدَ بدرٍ، وشَرَقُوا بوقعة بدرٍ، وأظهروا البغيَ والحَسَدَ فسارت إليهم
جُنود الله، يَقْدَمُهم عبدُ الله ورسولُه يومَ السبت للنصف من شوال على رأس
عشرين شهراً مِن مُهاجَرِهِ، وكان حُلَفاءَ عبدِ الله بنِ أبيّ بن سَلول رئيس المنافقين،
وكانوا أشجعَ يهودِ المدينة، وحامِلُ لواء المسلمين يومئذٍ حمزةُ بنُ عبد المطلب،
واستخلف على المدينة أبا لُبابة بنَ عبد المنذر، وحاصرهم خمسة عشر ليلةً إلى
هلال ذي القَعْدَةِ، وهم أَوَّلُ منْ حارب مِن اليهود، وتحصَّنُوا في حصونهم،
فحاصرهم أشدَّ الحِصار، وقذفَ اللَّهُ في قلوبهم الرُّعبَ الذي إذا أراد خذلان قوم
وهزيمتهم أنزله عليهم، وقذفَه في قلوبهم، فنزلوا على حُكمٍ رسولِ اللهٍِّ في
رِقابهم وأموالهم، ونِسائهم وذُرِّيَّتِهِم، فأمر بهم فكُتَّقُوا، وكلَّمَ عبدُ الله بنُ أبي
فيهِم رسولَ الله ◌ِّ، وألحَّ عليه، فوهبَهم له، وأمرهم أن يَخرجوا مِن المدينة،
ولا يُجاوِرُوه بها، فخرجوا إلى أَذْرِعَاتٍ من أرض الشام، فقلّ أن لَبِثُوا فيها حتى
هَلَكَ أكثرهُم، وكانوا صَاغة وتُجاراً، وكانوا نحوَ الستمائة مقاتل، وكانت دارُهم
في طرفِ المدينة، وقَبَض مِنهم أموالَهم، فأخذ منها رسولُ الله ◌ِهِ ثلاثَ قِسيٍّ
ودِرعين، وثلاثةَ أسياف، وثلاثَةَ رماح، وخَمَّس غَنَائِمهم، وكان الذي تولَّى جمع
الغنائم محمدُ بن مسلمة (١).
فصل
ثم نقض العهد بنُو النضير، قال البخاري: وكان ذُلِكَ بعد بدرٍ بستَّةِ أشهر، نقض بني النضير العهد
قاله عروة(٢) وسببُ ذلكَ أنه يٍَّ خرج إليهم في نَفْرٍ من أَصْحَابه، وكلَّمهم أن
يُعينُوهُ فِي دِية الكِلاَبِيَيْنِ اللَّذَيْنِ قَتلَهُمَا عمرُو بنُ أميَّةِ الضَّمْرِي، فقالوا: نفعلُ يا أبا
(١) انظر أمر بني قينقاع في ((سيرة ابن هشام)) ٤٧/٢، ٥٠، و((سيرة ابن كثير)) ٥/٣، ٧
و((شرح المواهب)» ٤٥٦/١، ٤٥٨، وابن سعد ٢٨/٢، ٢٩، وابن سيد الناس
٢٩٤/١، و((الإمتاع)) ص ١٠٣.
(٢) أخرجه البخاري ٢٥٣/٧ تعليقاً، وقد وصله عبد الرزاق في ((المصنف)) (٩٧٣٢) عن
معمر عن الزهري عن عروة.
١١٥
القاسم، اجلِس ها هنا حتى نَقْضِيَ حاجَتك، وخلا بعضُهم ببعض، وسؤَّلَ لهُم
الشيطانُ الشقاء الَّذِي كُتِبَ عليهم، فتآمروا بقتله بَّةَ، وقالوا: أيُّكُم يأخذ هذه
الرَّحا ويصعَدُ، فيُلقيها على رأسه يَشْدَخُه بها؟ فقال أشقاهم عمرو بْنُ جِحَاشٍ:
أنا، فقال لهم سلامُ بْنُ مِشْكم: لا تفعلوا فوالله ليُخَبَّرنَّ بما هممتُم به، وإنه لنقضُ
العهدِ الذي بيننا وبينَه، وجاء الوحيُّ على الفور إليه من ربه تبارك وتعالى بما همُّوا
به، فنهض مسرعاً، وتوجَّه إلى المدينة، ولَحِقَهُ أصحابُه، فقالُوا: نهضْتَ ولم
نَشْعُرْ بِكَ، فأخبرهم بما همَّتْ يهود به، وبعث إليهم رسولُ اللهِ وَّةَ: أن اخرجُوا
مِن المدِينةِ، ولا تساكِنُوني بها، وقد أجَّلتُكم عشراً، فمن وجدتُ بعد ذلك بها،
ضَرَبْتُ عُنُقَهُ، فأقاموا أياماً يتجهَّزُونَ، وأرسل إليهم المنافِقُ عبدُ الله بن أبي: أن لا
تَخْرُجُوا مِنْ دياركم، فإن معيَ ألفين يدخُلُونَ معكم حصنكم، فيموتون دُونكم،
وتنصُرُّكم قُريظةُ وحلفاؤكم مِن غَطَفَان، وطَمِعَ رئيسُهم حُبَي بنُ أخطَب فيما قال
له، وبعثَ إلى رسول الله وَّ يقول: إنا لا نَخْرُجُ مِن دِيَارِنَا، فَاصْنَعْ ما بَدَا لك،
فكبّر رسولُ اللهِ رَّ وأصحابُه، ونهضُوا إليه، وعليُّ بنُ أبي طالب يحمِل اللواء،
فلما انتهى إليهم، قامُوا على حُصونهم يرمُون بالنَّبل والحِجارة، واعتزلتهم
قُرِيظة، وخانهم ابنُ أبيٍّ وحُلفاؤُهم مِن غَطَفَان، ولهذا شبَّه سبحانه وتعالى
قِصتهم، وجعل مثلَهم ﴿كَمَثَلِ الشيطان إذ قالَ لِلإِنْسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ: إنِّي
بَرِيءٌ مِنك﴾ [الحشر: ١٦]، فإن سورة الحشر هي سورة بني النضير، وفيها مبدأ
قِصتهم ونهايتها، فحاصَرهُم رسولُ الله ◌َّهِ، وقَطَعَ نخلهم، وحرَّق(١)، فأرسلوا
إليها: نحن نخرج عن المدينة، فأنزلَهم على أن يخرجوا عنها بنفوسِهم
وذراريهم، وأن لهم ما حَمَلَتِ الإِبِلُ إلا السلاح، وقبض النبيُّ نَّ الأموالَ
(١) أخرجه البخاري ٤٨٣/٨، ومسلم (١٧٤٦) من حديث عبد الله بن عمر أن
رسول الله ◌َّ* حرق نخل بني النضير وقطع، وهي البويرة (موضع نخل بني النضير)
فأنزل تعالى: (ما قطعتم من لينة أو تركتموها قائمة على أصولها فبإذن الله وليخزي
الفاسقين).
١١٦
والحَلْقَةَ، وهي السلاح، وكانتْ بنو النضير خالصةً لرسول الله وَّ لِنوائبه ومصالح
المُسلمين، ولم يُخمِّسها لأن الله أفاءها عليه، ولم يُوجِفِ المُسْلِمُونَ عَلَيْهَا بِخَيْلٍ
وَلاَ رِكَابٍ. وخَمَّسَ قُرَيْظَةَ (١).
قال مالك: خمَّس رسولُ اللهِلَ ﴿ قُرِيظة، ولم يُخَمِّسْ بني النضير، لأن
المسلمين لم يُوجِفُوا بخيلهم ولا رِكابهم على بني النَّضِير، كما أوجفوا على قريظة
وأجلاهم إلى خيبر، وفيهم حُيي بنُ أَخْطَب كبيرُهم، وقبضَ السّلاح، واستولى
على أرضهم وديارِهم وأموالهم، فوجد من السِّلاح خمسينَ دِرعاً، وخمسينَ
بيضةً، وثلاثمائةٍ وأربعين سيفاً، وقالَ: هُؤلاءِ في قَوْمِهِمْ بِمَنْزِلَةِ بني المُغِيرَةِ في
قُرَيْشٍ) وكانت قصتُهم في ربيع الأول سنة أربعٍ مِن الهجرة(٢).
فصل
وأما قُريظة، فكانت أشدَّ اليهودِ عداوةً لرسول الله وَّةِ، وأغلظَهم كُفراً،
ولذلك جرى عليهم ما لم يجرِ على إخوانهم.
نقض قريظة العهد
وكان سببُ غزوهم أنَّ رسول الله ◌َّة لما خرج إلى غزوة الخندق والقوم
معه صُلْحٌ، جاء حُيي بن أخطَب إلى بني قريظة في ديارهم، فقال: قد جئتُكم بعزِّ
الدَّهر، جئتكم بقُريش على سادتها، وغَطَفَان على قادتها، وأنتم أهلُ الشَّوْكَةِ
والسلاح، فهلمَّ حتى نناجِزَ محمداً ونفرُغ منه، فقالَ لهُ رئيسُهم: بل جئتني والله
بذُلِّ الدهر، جئتني بسحاب قد أراق ماءه، فهو يرعُدُ ويبرُق، فلم يزل حُيي
(١) أخرجه البخاري ٨/ ٤٨٢ في تفسير سورة الحشر، ومسلم (١٧٥٧) في الجهاد: باب
حكم الفيء عن عمر قال: كانت أموال بني النضير مما أفاء الله على رسوله مما لم
يوجف عليه المسلمون بخيل ولا ركاب، فكانت للنبي تَّة، فكان ينفق على أهله
نفقة سنة، وما بقي يجعله في الكراع والسلاح عُدة في سبيل الله .
(٢) انظر خبر بني النضير في ابن هشام ١٩٠/٢، ١٩٤، وابن سعد ٢ / ٥٧، ٥٩،
والطبري ٣٦/٣، وابن كثير ١٤٥/٣، ١٥٠، وابن سيد الناس ٤٨/٢، و((شرح
المواهب)) ٧٩/٢، ٨٦، و((المصنف)) (٩٧٣٢).
١١٧
يُخادعه ويَعِده ويُمنيه حتى أجابه بشرط أن يدخل معه في حِصنه، يُصيبه ما
أصابهم، ففعل، ونقضُوا عهدَ رسول الله مَثَ، وأظهروا سبَّه، فبلغ رسولَ الله ◌ِ﴾
الخبرُ، فأرسلَ يستعلِمُ الأمرَ، فوجدهم قد نقضُوا العهد، فكبر وقال: ((أبْشِرُوا یا
مَعْشَرَ المسلمین)).
الاختلاف في قوله {قلاليه
« لا يصلين أحدكم العصر
إلا في بني قريظة»
فلما انصَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ بِ إلى المدينة، لم يكن إلا أن وضع سلاحه،
فجاءه جبريلُ، فقال: أوضعتَ السِّلاح، واللَّهِ إن الملائكةَ لم تضعْ أسلحتَها؟!
فانهض بمن معكَ إلى بني قريظة، فإني سائرٌ أمامك أزلزل بهم حصونَهم، وأقذِف
في قلوبهم الرُّعبَ، فسار جبريلُ في موكبه من الملائكة، ورسولُ الله ◌ٍَّ على أثره
في موكبه مِن المهاجرين والأنصار (١)، وقال لأصحابه يومئذ: ((لا يُصَلِّيَنَّ أَحَدُكُم
العَصْرَ إِلاَّ في بني قُرَيْظَةَ))، فبادروا إلى امتثال أمرِهِ، ونهضُوا مِن فورهم،
فأدركتهم العصرُ في الطريق، فقال بعضُهم: لا نُصليها إلا في بني قريظة كما
أمرنا، فصلَّوها بعد عشاء الآخرة، وقال بعضُهم: لم يُرِدْ منَّا ذلك، وإنما أراد
سُرعة الخروج، فَصَلَّوْها في الطريق، فلم يُعَنِّفْ واحدة من الطائفتين(٢) .
واختلف الفقهاء أَيُّهمَا كان أصوَب؟ فقالت طائفةٌ: الذين أخروها هم
المُصيبُون، ولو كُنَّا معهم، لأخرناها كما أخَّرُوها، ولما صلَّيْنَاها إلا في بني قريظة
(١) أخرجه البخاري ٣١٣/٧ في المغازي: باب مرجع النبي ﴾. من الأحزاب ومخرجه
إلى بني قريظة، وفي الجهاد: باب جواز قتل من نقض العهد، ومسلم (١٧٦٩)،
وأحمد ٥٦/٦ و١٣١ و١٤٢ و٢٨٠ من حديث عائشة رضي الله عنها ... فلما رجع
رسول الله يَّي من الخندق، وضع السلاح فاغتسل، فأتاه جبريل وهو ينفض رأسه من
الغبار، فقال: وضعت السلاح؟ والله ما وضعناه، أخرج إليهم، فقال رسول الله ملين :
((فأين؟)) فأشار إلى بني قريظة، فخرج النبي ◌َّ إليهم.
أخرجه البخاري ٣١٣/٧، وفي صلاة الخوف: باب صلاة الطالب والمطلوب راكبا
(٢)
وإيماء، ومسلم (١٧٧٠) من حديث ابن عمر، ووقع في جميع النسخ عند مسلم
((الظهر)) بدل ((العصر)) مع اتفاق البخاري ومسلم على روايته عن شيخ واحد بإسناد
واحد .
١١٨
امتثالاً لأمره، وتركاً للتأويل المخالف للظاهر.
وقالت طائفة أخرى: بل الذين صَلَّوْها في الطريق في وقتها حازوا قَصَبَ
السَّبْقِ، وكانوا أسعدَ بالفضيلتين، فإنهم بادروا إلى امتثال أمره في الخروج،
وبادرُوا إلى مرضاته في الصلاة في وقتها، ثم بادرُوا إلى اللحاق بالقوم، فحازوا
فضيلةَ الجهاد، وفضيلةَ الصلاة في وقتها، وفهِمُوا ما يُراد منهم، وكانوا أفقه من
الآخرين، ولا سيما تلك الصلاةَ، فإنها كانت صلاة العصر، وهي الصلاةُ الوسطى
بنصٍ رسول الله رَّ الصحيح الصريح الذي لا مدفعَ له ولا مطعن فيه، ومجيء
السنة بالمحافظة عليها، والمبادرة إليها، والتبكيرِ بها، وأن من فاتته، فقد وُتِرَ
أهله وماله، أو قد حَبِطَ عملُهُ(١)، فالذي جاء فيها أمر لم يجيء مثلُه في غيرها،
وأما المؤخِّرون لها، فغايتهم أنهم معذورون، بل مأجورون أجراً واحداً لتمشُّكِهِم
بظاهر النص، وقصدهم امتِثَال الأمر، وأما أن يكونوا هم المصيبين في نفس
الأمر، ومن بادر إلى الصلاة وإلى الجهاد مخطئاً، فحاشا وكلاً، والَّذينَ صلَّوْا في
الطريق، جمعوا بين الأدلة، وحصَّلُوا الفضيلتين، فلهم أجران، والآخرون
مأجورون أيضاً رضي الله عنهم.
فإن قيل: كان تأخيرُ الصلاة للجهاد حينئذ جائزاً مشروعاً، ولهذا كان عقِبَ
تأخير النبي ◌َّ العصر يوم الخندق إلى الليل، فتأخيرُهم صلاة العصر إلى الليل،
كتأخيره ◌َّ لها يَوم الخندق إلى الليل سواء، ولا سيما أن ذلك كان قبل شروع
صلاة الخوف.
قیل: هذا سؤال قوي، وجوابه من وجهین.
أحدهما: أن يقال: لم يثبت أن تأخير الصلاة عن وقتها كان جائزاً بعد بيانٍ
المواقيت، ولا دليلَ على ذُلِكَ إلا قصةُ الخندق، فإنها هي التي استدلّ بها مَنْ قال
(١) أخرجه البخاري ٢٦/٢ و٥٣ من حديث بريدة بلفظ ((من ترك صلاة العصر فقد حبط
عمله)) وأخرجه مسلم (٦٢٦) من حديث ابن عمر بلفظ: ((الذي تفوته صلاة العصر
كأنما وُتِرَ أهلُه ومالُه)) وهو في البخاري ٤/ ٢٤ .
١١٩
ذلك، ولا حُجَّةَ فيها لأنه ليس فيها بيانُ أن التأخير من النبي ◌َ ◌ّ كان عن عمد، بل
لعله كان نسياناً، وفي القصة ما يُشْعَرُ بذلك، فإن عمر لما قال له: يا رسول الله!
ما كِدْت أصَلّي العصر حتى كادت الشمس تغرُّبُ، قال رسول الله ◌َّةٍ: ((واللَّهِ مَا
صَلَّيْتُها)) ثم قام، فصلاها(١). وهذا مشعر بأنه ◌َّ كان ناسياً بما هو فيه مِن
الشغل، والاهتمام بأمر العدو المحيطِ به، وعلى هذا يكون قد أخَّرَها بعذر
النسيان، كما أخَّرها بعُذر النوم في سفره، وصلاها بعد استيقاظه، وبعد ذكره
لِتَّأَسَى أَمَّتُه به.
والجواب الثاني: أن هذا على تقدير ثبوته إنما هو في حال الخوفِ
والمُسايفة عند الدَّهش عن تعقُّلِ أفعالِ الصلاة، والإتيان بها، والصحابةُ في
مسيرهم إلى بني قريظة، لم يكونوا كذلك، بل كان حكمُهم حكمَ أسفارهم إلى
العدو قبل ذلك وبعده، ومعلومٌ أنهم لم يكونوا يؤخرون الصلاة عن وقتها، ولم
تكن قريظة ممن يخاف فوتهم، فإنهم كانوا مقيمين بدارهم، فهذا منتهى أقدام
الفريقين في هذا الموضع.
فصل
وأعطى رسول الله وَلّ الرايةَ عليَّ بن أبي طالب، واستخلفَ على المدينة
ابنَ أمِّ مكتومٍ، ونازل حصُون بني قريظة، وحصرهم خمساً وعشرين ليلةً، ولمّا
اشتد عليهم الحِصَارُ، عرض عليهم رئيسُهم كعبُ بن أسد ثلاثَ خِصال: إما أن
يُسْلِمُوا ويدخُلوا مع محمد في دينه، وإما أن يقتلوا ذراريَهم، ويخرجوا إليه
بالسيوف مُصلتة يناجِزُونه حتى يظفروا بهِ، أو يُقتلوا عن آخرهم، وإما أن يهجمُوا
(١) أخرجه البخاري ٣١٢/٧ في المغازي: باب غزوة الخندق، وفي مواقيت الصلاة:
باب من صلى بالناس جماعة بعد ذهاب الوقت، وباب قضاء الصلوات الأولى
فالأولى، وفي الأذان: باب قول الرجل ما صلينا، وفي صلاة الخسوف: باب
الصلاة عند مناهضة الحصون، ولقاء العدو، والترمذي (١٨٠) من حديث جابر
رضي الله عنه.
١٢٠