Indexed OCR Text

Pages 81-100

فصل
وَكَانَ يَسْتَحِبُّ الْقِتَالَ أَوَّلَ النَّهَارِ، كَمَا يَسْتَحِبُّ الخُرُوجَ لِلسَّفَرِ أَوَّلَه، فَإِنْ
لَم يُقَاتِلْ أَوَّلَ النَّهَارِ، أَخَّرَ الْقِتَالَ حَتَّى تَزُولَ الشَّمْسُ، وَتَهُبَّ الرِّياحُ وَيَنْزِلَ
النَّصْرُ. (١).
فصل
قَال: ((وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لاَ يُكْلَمُ أَحَدٌ فِي سَبيلِ اللَّهِ - والله أعْلَمُ بِمَنْ يُكْلَمُ
فِي سَبِيلِهِ - إِلَّ جَاءَ يَوْمَ القِيَامَةِ اللَّوْنُ لَوْنُ الدَّمِ، والرِّيحُ رِيحُ الْمِسْكِ(٢) .
وفي الترمذي عنه (لَيْسَ شَيءٌ أَحَبَّ إِلَى اللَّهِ مِنْ قَطْرَتَيْنِ أَوْ أَثَرَيْنِ، قَطْرَةِ
دَمْعَةٍ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ، وَقَطْرَةِ دَمٍ تُهْرَاقُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَأَمَّ الأَثْرانِ، فَأَثَرٌّ فِي سَبِيلِ
اللَّهِ، وَأَثَرٌ فِي فَرِيضَةٍ مِنْ فَرَائِضِ اللَّهِ)(٣).
وصحَّ عنه أنه قال: ((مَا مِنْ عَبْدٍ يَمُوتُ، لَهُ عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لاَ يَسُرُّهُ أَنْ يَرْجِعَ
إِلى الدُّنْيَا، وَأَنَّ لَهُ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا، إِلَّ الشَّهِيدَ لما يَرَى مِنْ فَضْلِ الشَّهَادَةِ، فَإِنَّهُ
يسُرُّهُ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى الدُّنْيَا، فَيُقْتَلَ مَرَّةً أُخْرَى)) وفي لفظ: ((فَيُقْتَلَ عَشْرَ مَرَّاتٍ لِمَا
فضل الشهيد
(١) أخرج أبو داود (٢٦٠٦) والترمذي (٢٢١٢) عن صخر بن وداعة الغامدي رضي الله
عنه أن رسول الله محمد قال: ((اللهم بارك لأمتي في بكورها)) وكان إذا بعث سرية أو
جيشاً بعثهم من أول النهار، وهو حديث صحيح بشواهده. وأخرج أبو داود (٢٦٥٥)
والترمذي (١٣) (١٦١٣) عن النعمان بن مقرّن رضي الله عنه قال: ((شهدت
رسول الله بَّ إذا لم يقاتل من أول النهار، أخر القتال حتى تزول الشمس، وتهب
الرياح، وينزل النصر)) وإسناده صحيح، وأخرج البخاري ٦/ ١٩٠ عن النعمان بن
مقرن .... ولكني شهدت القتال مع رسول الله مول). كان إذا لم يقاتل في أول النهار،
انتظر حتى تهب الأرواح، وتحضر الصلوات.
(٢) أخرجه مسلم (١٨٧٦) وأحمد ٢٣١/٢ من حديث أبي هريرة.
(٣) أخرجه الترمذي (١٦٦٩) في الجهاد: باب ما جاء في فضل الرباط من حديث أبي
أمامة، وسنده حسن.
٨١

يَّرَى مِنَ الكَرَامَةِ)) (١) .
وقالَ لِأُمِّ حَارِثَةَ بِنْتِ الثَّعْمَانِ، وَقَدْ قُتِلَ ابْنُهَا مَعَهُ يَوْمَ بَدْرٍ، فَسَأَتْهُ أَيْنَ هُوَ؟
قال: (إِنَّهُ في الْفِرْدَوْسِ الأَعْلَى)) (٢) .
وقال: ((إِنَّ أَرْوَاحَ الشُّهَدَاءِ فِي جَوْفِ طَيْرٍ خُضْرِ، لَهَا قَنَادِيلُ مُعَلَّقَةٌ بِالْعَرْشِ،
تَسْرَحُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ شَاءَتْ، ثمَّ تَأْوِي إِلى تِلْكَ القَنَادِيلِ، فَاطَّلَعَ إِلَيْهِمْ رَبَّهُمُ
الطُّلاَعَةٌ، فَقَالَ: هَلْ تَشْتَهُونَ شَيْئاً؟ فَقَالُوا: أَيَّ شَيءٍ نَشْتَهِي، وَنَحْنُ نَسْرَحُ مِنَ
الْجَنَّةِ حَيْثُ شِئْنَا، فَفَعَلَ بِهِمْ ذُلِكَ ثَلاثَ مَرَّاتٍ، فَلَمَّا رَأَوْا أَنَّهُمْ لَنْ يُتْرِكُوا مِنْ أَنْ
يُسْأَلُوا، قَالُوا: يَا رَبِّ نُرِيدُ أَنْ تَرِدَّ أَرْواحَنَا فِي أَجْسَادِنَا حَتَّى نُقْتَلَ فِي سَبِلِكَ مَرَّةً
أُخْرَى، فَلَمَّا رَأَى أَنْ لَيْسَ لَهُمْ حَاجَةٌ تُرِكُوا)(٣) .
وقال: ((إِنَّ لِلشَّهِيدِ عِنْدَ اللَّهِ خِصَالاً أَنْ يُغْفَرَ لَهُ مِنْ أَوَّل دَفْعَةٍ مِنْ دَمِهِ، ويُرَى
مَفْعَده مِنَ الجَنَّةِ، وَيُحَلَّى حِلْيَّةَ الإِنْمَانِ، وَيُزَوَّجَ مِنَ الحُورِ العَيْنِ، وَيُجَارَ مِنْ
عَذَابِ الْقَبْرِ، وَيَأْمَنَ مِنَ الْفَزَعِ الأَكْبَرِ، وَيُوضَعَ عَلَى رَأْسِهِ تَاجُ الْوقَارِ، الْيَاقُوتَةُ مِنْهُ
خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا. وَيُزَوَّجَ اثْنَتَيْنِ وَسَبْعِينَ مِنَ الْحُورِ الْعِينِ، وَيُشفعَ فِي سَبْعِينَ
إِنْسَاناً مِنْ أَقَارِبِهِ)) (٤) ذكره أحمد وصححه الترمذي.
وقال لجابر: ((أَلاَ أُخْبِرُكَ مَا قَالَ اللَّهُ لِأَبِيكَ؟)) قال: بَلَى، قَالَ: ((مَا كَلَّمَ اللَّهُ
أَحَدَاً إِلَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ، وَكَلَّمَ أَبَاكَ كِفَاحَاً، فَقَالَ: يَا عَبْدِي تَمَنَّ عَلَيَّ أُعْطِكَ،
(١) أخرجه البخاري ٢٥/٦ في الجهاد: باب تمني المجاهد أن يرجع إلى الدنيا، ومسلم
(١٨٧٧) في الإمارة: باب فضل الشهادة، والترمذي (١٧٦١) والنسائي ٣٦/٦ من
حديث أنس ورواه النسائي ٦/ ٣٥، ٣٦ من حديث عبادة بن الصامت.
(٢) أخرجه البخاري ٦/ ٢٠، ٢١ من حديث أنس بن مالك.
أخرجه مسلم (١٨٨٧) في الإمارة: باب بيان أن أرواح الشهداء في الجنة من حديث
(٣)
عبد الله بن مسعود.
(٤) أخرجه أحمد ١٣١/٤، والترمذي (١٦٦٣)، وابن ماجة (٢٧٩٩) من حديث
المقدام بن معد يكرب، وإسناده صحيح.
٨٢

قَالَ: يَا رَبّ تُحْيِيِنِي فَأَقْتَلَ فِيكَ ثَانِيةً، قال: إِنَّهُ سَبَقَ مِنَّي (أَنَّهُمْ إِلَيْهَا لاَ يُرْجِعُونَ)
قالَ: يَا رَبِّ فَأَبْلِغْ مَنْ وَرَائِي، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هذه الآية: ﴿وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِين
قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتاً، بَلْ أَحْيَاءٌ عَنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾(١) [آل عمران: ١٦٩].
وقَالَ: لَمَّا أُصِيبَ إِخْوَانُكُمْ، بِأُحُدٍ جَعَلَ اللَّهُ أَرْوَاحَهُمْ فِي أَجْوافِ طَيْرٍ
خُضْرٍ، تَرِدُ أَنْهَارَ الجَنَّةِ، وَتَأْكُلُ مِنْ ثِمَارِهَا، وَتَأْوِي إِلَى قَنَادِيلَ مِنْ ذَهَبٍ فِي ظِلِّ
الْعَرْشِ، فَلَمَّا وَجَدُوا طِيبَ مَأْكَلِهِمْ وَمَشْرَبِهِمْ وَحُسْنَ مَقِيلِهِمْ، قَالُوا: يَا لَيْتَ
إِخْوَانَنَا يَعْلَمُونَ مَا صَنَعَ اللَّهُ لَنَا لِثَلَا يَزْهَدُوا في الجِهَادِ، وَلاَ يَنْكُلُوا عَنِ الْحَرْب،
فَقَالَ اللَّهُ: أَنَّا أُبُلِّغُهُمْ عَنْكُم، فَأَنزل اللَّهُ على رسوله هذه الآيات: ﴿وَلاَ تَحْسَبَنَّ
الَّذِين قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتاً﴾(٢).
وفي ((المسند)) مرفوعاً: ((الشُّهَدَاءُ عَلَى بَارِقِ نَهْرٍ بِبَابِ الْجَنَّةِ، فِي قُبَّةِ
خَضْرَاء، يَخْرُجُ عَلَيْهِمْ رِزْقَهُمْ مِنَ الْجَنَّ بُكْرَةً وَعَشِيَّة)(٣).
وقال: ((لاَ تَجِفُ الأَرْضُ مِنْ دَمِ الشَّهيدِ حَتَّى يَبْتَدِرَهُ زَوْجَتَاهُ، كَأَنَّهُمَا طَيْرَانِ
أَضَلَّتَا فَصِيلَيْهِمَا بِبَرَاحِ مِنَ الأَرْضِ بِيدِ كُلِّ وَاحْدَةٍ مِنْهُمَا حُلَّةٌ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا ومَا
فِيهَا)»(٤) .
وفي ((المستدرك) والنسائي مرفوعاً: ((لأَنْ أُقْتَلَ في سَبيلِ اللَّهِ أَحَبُ إِلَيَّ مِنْ
أَنْ يَكُونَ لِي أَهْلُ المَدَرِ وَالْوَبَر)» (٥).
(١) أخرجه الترمذي (٣٠١٣)، وابن ماجة (٢٨٠٠) وسنده حسن.
(٢) أخرجه أحمد ٢٦٦/١ (٢٣٨٨) وأبو داود (٢٥٢٠) من حديث ابن عباس ورجاله
ثقات، وصححه الحاكم ٢٩٧/٢، ٢٩٨ ووافقه الذهبي. وهو كما قالا.
(٣) أخرجه أحمد ٢٦٦/١ من حديث ابن عباس، وإسناده صحيح، وصححه ابن حبان
(١٦١١) والحاكم ٧٤/٢، ووافقه الذهبي.
(٤) أخرجه أحمد ٢٩٧/٢، و٤٢٧، وابن ماجة (٢٧٩٨) من حديث أبي هريرة، وفي
سنده شهر بن حوشب، وهو ضعيف، وهلال بن أبي زينب وهو مجهول.
(٥) أخرجه أحمد في ((المسند)) ٢١٦/٤، والنسائي ٣٣/٦ في الجهاد: باب تمني القتل
في سبيل الله، عن عبد الرحمن بن أبي عميرة، ورجاله ثقات، وسنده قوي، وأهل =
٨٣

وفيهما: ((ما يَجِدُ الشَّهِيدُ مِنَ القَتْلِ إِلَّ كَمَا يَجِدُ أَحَدُكُمْ مِنْ مَسِّ
الْقَرْصَةِ»(١).
وفي (السنن)): ((يَشْفَعُ الشَّهِيدُ فِي سَبْعِينَ مِنْ أَهْلٍ بَيْتِهِ»(٢).
وفي («المسند»: ((أَفْضَلُ الشُّهَدَاءِ الَّذِينَ إِنْ يَلْقَوْا في الصَّفِ لاَ يَلْفِتُونَ
وجوهَهُمْ حَتَّى يُقْتَلُوا، أُولِئِكَ يَتَطُونَ فِي الْغُرَفِ العُلَى مِنَ الْجَنَّةِ، وَيَضْحَكُ إِلَيْهِمْ
رَبِّكَ، وَإِذَا ضَحِكَ رَبُّكَ إِلَى عَبْدٍ فِي الدُّنِيَا، فَلاَ حِسَابَ عَلَيْه))(٣).
وفيِهِ: ((الشُّهَدَاءُ أَرْبَعَةٌ: رَجُلٌ مُؤْمِنٌ جَيِّدُ الإِنْمَانِ لَقِيَ الَعَدُوَّ، فصدَقَ اللَّهَ
حَتَّى قُتِلَ، فَذَلِكَ الَّذِي يَرْفَعُ إِلَيْهِ النَّاسُ أَعْنَاقَهُمْ، ورفع رَسُولُ اللّهِ تَ رَأْسَهُ حَتَّى
وَقَعَتْ فَلَنْسُوَتُهُ، ورَجُلٌ مُؤْمِنٌ جَيِّدُ الإِنْمَانِ، لَفِيَ الْعَدُوَّ فَكَأَنَّمَا يُضْرَبُ جِلدُهُ بَشَوْكِ
الطَّلْحِ أَتَاهُ سَهْمُ غَرْبٍ، فَقَتَلَهُ، هُوَ فِي الدَّرَجَةِ الثَّانِيَةِ، وَرَجُلٌ مُؤْمِنٌ جَيِّدُ الإِنْمَانِ،
خَلَطَ عَمَلاً صَالِحَاً وَآخَرَ سَيّاً لَقِيَ الْعَدُوَّ فَصَدَقَ اللَّهَ حَتَّى قُتِلَ، فَذَاكَ في الدَّرَجَةِ
الثَّالِثَةِ، وَرَجُلٌ مُؤمِنٌ أَسْرَفَ عَلَى نَفْسِهِ إِسْرافاً كَثِيراً لَقِيَ الْعَدُوَّ فَصَدَقَ اللَّهَ حَتَّى
قُتِلَ، فَذلِكَ فِي الدَّرَجَةِ الرَّابِعَةِ))(٤).
الوبر والمدر، أي: أهل البوادي والمدن والقرى، وهو من وبر الإبل، لأن بيوتهم
=
يتخذونها منه، والمدر: جمع مدرة، وهي اللبنة.
(١) أخرجه أحمد في ((المسند» ٢٩٧/٢، والترمذي (١٦٦٨) في الجهاد: باب ما جاء
في فضل الرباط، والنسائي ٣٦/٦ في الجهاد: باب ما يجد الشهيد من الألم،
والدارمي ٢٠٥/٢ في الجهاد: باب في فضل الشهيد من حديث أبي هريرة، وسنده
حسن، وصححه ابن حبان (١٦١٣).
(٢) أخرجه أبو داود (٢٥٢٢) في الجهاد: باب في الشهيد يشفع من حديث أبي الدرداء،
وسنده قابل للتحسين، وصححه ابن حبان (١٦١٢).
(٣) أخرجه أحمد ٢٨٧/٥ من حديث إسماعيل بن عياش عن بحير بن سعد، عن
خالد بن معدان، عن كثير بن مرة، عن نعيم بن همار ... وهذا سند صحيح، فإن
إسماعيل بن عياش روايته عن أهل بلده مستقيمة، وهذا منها.
(٤) أخرجه أحمد ٢٢/١، ٢٣، والترمذي (١٦٤٤) في الجهاد: باب ما جاء في الشهداء
٨٤

وفي ((المسند)) و ((صحيح ابن حبان)): ((القَتْلَى ثَلاثَةٌ: رَجُلٌ مُؤْمِنٌ جَاهَدَ
بِمَالِهِ وَنَفْسِهِ في سَبِيلِ اللَّهِ حَتَّى إذا لَقِيَ الْعَدُوَّ قَاتَلَهُمْ حَتَّى يُقْتَلَ، فَذَاكَ الشَّهِيدُ
المُمْتَحَنُ في خَيْمَةِ اللَّهِ تَحْتَ عَرْشِهِ، لاَ يَفْضُلُهُ الشَّيُّونَ إِلاَّ بَدَرَجَةِ النُّبُوَّةِ، وَرَجُلٌ
مُؤْمِن فَرِقَ على نَفْسِهِ مِنَ الذُّنُوبِ وَالْخَطَايَا، جاهد بِنفسِهِ وَمَالِهِ في سَبِيلِ اللَّهِ حَتَّى
إِذَا لَقِيَ الْعَدُوَّ، قَاتَلَ حَتَّى يُقْتَلَ، فَتِلْكَ مُمَصْمِصَةٌ مَحَتْ ذُنُوبَهُ وَخَطَايَاهُ، إِنَّ
السَّيْفَ مَخَّاءُ الخَطَايَا، وَأُدْخِلَ مِنْ أَيِّ أَبْوَابِ الجَنَّةِ شَاءَ، فَإِنَّ لَهَا ثَمَانِيَةَ أَبْوابٍ،
وَلِجَهَنَّمْ سَبْعَةُ أَبْوَابٍ، وَبَعْضُهَا أَفْضَلُ مِنْ بَعْضٍ، وَرَجُلٌ مُنَافِقٌ جَاهَدَ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ،
حَتَّى إِذَا لَقِي العَدُوَّ، فَاتَلَ في سَبيلِ اللَّهِ حَتَّى يُقْتَلَ، فإِنَّ ذَلِكَ في النَّارِ، إِنَّ السَّيْفَ
لاَ يَمْحُوِ النَّفَاقَ)) (١).
وصحّ عنه: (أَنَّهُ لاَ يَجْتَمِعُ كَافِرٌ وَقَاتِلُهُ فِي النّارِ أَبَدَاً(٢)).
وسئل أَيُّ الْجِهَادِ أَفْضَلُ؟ فَقَالَ: ((مَنْ جَاهَدَ الْمُشْرِكِينَ بِمَالِهِ وَنَفْسِهِ) قيل:
فَأَيَّ القَتْلِ أَفْضَلُ؟ قال: ((مَنْ أُهْرِيقَ دَمُهُ، وعُقِرَ جَوَادُهُ في سَبيلِ اللَّهِ))(٣).
عند الله من حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وفي سنده ابن لهيعة، وهو
ضعيف.
(١) أخرجه أحمد ١٨٥/٤، والدارمي ٢٠٦/٢، ٢٠٧ من حديث عتبة بن عبد السلمي،
وسنده حسن، وصححه ابن حبان (١٦١٤) وقوله: فتلك مُمصْمِصَة أي: مطهرة
وغاسلة، وأصله من الموص، وهو الغسل، وقال الأزهري: وقد تكرر العرب
الحرف، وأصله معتل، ومنه: نخنخ بعيره، وأصله من الإناخة، وتعظعظ أصله من
الوعظ، وخضخضت الإناء، وأصله من الخوض.
(٢) أخرجه مسلم (١٨٩١) وأبو داود (٢٤٩٥) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه،
وصححه ابن حبان (١٦٠٠).
(٣) أخرجه أبو داود (١٤٤٩) والدارمي ٣٣١/١، والنسائي ٥٨/٥ من حديث عبد الله بن
حبشي، ورجاله ثقات، وله شاهد عند أحمد ١١٤/٤ من حديث عمرو بن عبسة،
ورجاله ثقات رجال إسناده رجال الشيخين، وآخر من حديث جابر في ((المسند))
٣٩١/٣، وثالث من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص في ((المسند)) أيضاً
١٩١/٢.
٨٥

وفي ((سنن ابن ماجة)): إِنَّ مِنْ أَعْظَم الجِهَادِ كَلِمَةَ عَدْلٍ عَنْدَ سُلْطَانٍ
جَائر (١)» وهو لأحمد والنسائي مرسلاً.
وصحَ عنه: ((أَنَّهُ لاَ تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِهِ يُقَاتِلُونَ عَلَى الْحَقِّ لاَ يَضُرُّهُم مَنْ
خَذَلَهُمْ، ولا مَنْ خَالَفَهُمْ حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ(٢)) وفي لفظ: (( حتَّى يُقَاتِلَ آخِرُهُمُ
الْمَسِيحَ الذَّجَالَ».
فصل
وكان النبيُّ ◌َّ يُبايعُ أصحابَه في الحربِ على ألا يفِرُوا، وربَّما بايعهم على
الموتِ، وبايعهم على الجهادِ كما بايعهم على الإِسلام، وبايعهم على الهِجرةِ قبل
الفتح، وبايَعُهُم على التوحيد، والتزامِ طاعةِ الله ورسوله، وبايع نفراً من أصحابه
ألا يسألوا الناس شيئاً.
مبايعته # أصحابه
(١) أخرجه ابن ماجه (٤٠١١) والترمذي (٢١٧٤) وأبو داود (٤٣٤٤) من حديث أبي
سعيد الخدري، وفي سنده عطية العوفي، وهو ضعيف، لكن له طريق آخر يتقوى به
عند أحمد ١٩/٣ و٦١، والحميدي في ((مسنده)) (٧٥٢)، والحاكم ٥٠٥/٤،
٥٠٦، وله شاهد من حديث أبي أمامة بسند حسن عند أحمد ٢٥١/٥ و٢٥٦، وابن
ماجة (٤٠١٢) وآخر من حديث طارق بن شهاب عند النسائي ١٦١/٧، وأحمد
٣١٥/٤، وسنده صحيح، وطارق بن شهاب صحابي رأى النبي ◌َّه ولم يسمع عنه،
لكن اتفق العلماء على أن مراسيل الصحابة حجة.
(٢) أخرجه البخاري ٤٦٤/٦ في علامات النبوة: باب سؤال المشركين أن يريهم
النبي ◌َلّ آية، و٢٥٠/١٣ في الاعتصام: باب قول النبي ◌َّ: لا تزال طائفة من
أمتي ظاهرين على الحق، وهم أهل العلم، ومسلم (١٠٣٧) في الإمارة: باب
لا تزال طائفة من أمتي من حديث معاوية، وأخرجه البخاري ٦/ ٤٦٤، و ٢٤٩/١٣
ومسلم (١٩٢١) من حديث المغيرة، وأخرجه مسلم (١٩٢٠) و (١٩٢٢) من حديث
ثوبان وجابر، واللفظ الثاني أخرجه أبو داود (٢٤٨٤) من حديث عمران بن حصین،
وسنده صحيح.
٨٦

وكانَ السَّوطُ يَسْقُطُ مِن يَدِ أَحَدِهِم، فينزلُ عن دابته، فيأخُذُهُ، ولا يَقُولُ
لأحدٍ: نَاولْني إيّاه(١) .
وكان يُشاور أصحابه في أمر الجهاد، وأمر العدو، وتخير المنازل، وفي مشورته ولا في الجهاد
((المستدرك)) عن أبي هريرة: ما رأيت أحداً أكثر مشورةً لأصحابه مِن رسول
الله لَالحية .
وكان يتخلَّفُ في ساقَتِهِم في المسير، فيُرجي الضعيفَ، ويُردِفُ المنقطعَ،
وكان أرفق النَّاسِ بهم في المسير (٢) .
وكان إذا أراد غزوة ورَّى بغيرها (٣) ، فيقول مثلاً إذا أراد غزوة حنين: كيف
طريقُ نجد ومياهُها ومَن بها من العدوِّ ونحو ذلك.
وكان يقولُ: ((الحَرْبُ خَدْعَةٌ)(٤).
وكان يبعث العيون يأتونه بخبر عدوِّه، ويُطلِعُ الطلائعَ، ويبيِّتُ
(١) أخرجه مسلم (١٠٤٣) في الزكاة: باب كراهة المسألة للناس وأبو داود (١٦٤٢) من
حديث عوف بن مالك الأشجعي رضي الله عنه .
أخرجه أبو داود (٢٦٣٩) في الجهاد: باب في لزوم الساقة من حديث جابر،
(٢)
ورجاله ثقات.
(٤)
أخرجه البخاري ٦/ ٨٠، ومسلم (٢٧٦٩) (٥٤) من حديث كعب بن مالك.
(٣)
أخرجه البخاري ١١٠/٦، ومسلم (١٧٣٩)، وأبو داود (٢٦٣٦)، والترمذي
(١٦٧٥) من حديث جابر. وقوله: ((خدعة)) يروى هذا الحرف على ثلاثة أوجه
أصوبها خدعة بفتح الخاء وسكون الدال، ومعناه: أنها مرة واحدة، أي إذا خدع
المقاتل مرة، لم يكن لها إقالة، ويقال: أي: ينقضي أمرها بخدعة واحدة، ويروى
((خُدْعَة)) بضم الخاء وسكون الدال، وهي الإسم من الخداع، كما يقال: هذه لعبة،
ويقال: ((خُدْعة)) ومعناها: أنها تخدع الرجال وتمنيهم، ثم لا تفي لهم. وفي
الحديث التحريض على أخذ الحذر في الحرب، والندب إلى خداع العدو، وأن من
لم يتيقظ لذلك لم يأمن أن ينعكس الأمر عليه، وفيه الإشارة إلى استعمال الرأي في
الحرب، بل الاحتياج إليه آكد من الشجاعة كما قال المتنبي:
الرأي قبل شجاعة الشجعان
هو أول وهي المحل الثاني
٨٧

الحرس (١).
وكان إذا لقي عدوَّه، وقف ودعا، واستنصرَ الله، وأكثر هو وأصحابُهُ مِن
ذكر الله، وخفضوا أصواتهم(٢).
وكان يرتِّبُ الجيش والمقاتلة، ويجعلُ في كل جنبةٍ كُفْتاً لَها، وكان يُبارَزُ
بين يديه بأمرِهِ، وكان يَلْبَسُ للحرب عُدَّتَه، ورُبَّما ظاهر بين دِرْعَيْنِ(٣)، وكان له
الألويةُ والراياتُ (٤).
وكان إذا ظهر على قوم، أقام بِعَرْصَتِهِمْ ثَلاثاً، ثم قفل(٥).
وكان إذا أراد أن يُغير، انتظر، فإن سمع في الحيِّ مؤذناً، لم يُغِرْ وإلا
أغارَ(٦). وكان ربما بيَّت عدوَّهُ، وربَّما فاجأهم نهاراً(٧) .
وكان يحب الخروج يوم الخميس(٨) بكرةَ النهار، وكان العسكرُ إذا نزل
(١) انظر ((المسند)) (٩٤٨) وصحيح مسلم (١٩٠١) وسنن أبي داود (٢٥٠١) و (٢٦١٨)
وسيرة ابن هشام ٦٥/٢، وصحيح البخاري ٣٩/٦.
(٢) انظر صحيح البخاري ٧/ ٢٢٥، ومسلم (١٧٦٣) و(١٧٤٣) و («المسند» (٢٠٨)
و (٢٢١) وسنن أبي داود (٢٦٥٦) و (٢٦٥٧).
(٣) أخرجه أبو داود (٢٥٩٠) وأحمد ٤٤٩/٣، والترمذي في ((الشمائل)) ١٩٧/١، وابن ماجه
(٢٨٠٦) من حديث السائب بن يزيد أن النبي صَ لٍ ظاهر بين درعين يوم أحد، ورجاله
ثقات، وله شاهد عند الحاكم ٢٥/٣ من حديث الزبير بن العوام، وصححه ووافقه
الذهبي.
(٤) انظر البخاري ٤/٨، ٨، و٨٩/٦، و((أخلاق النبي)) خلي ص ١٥٠، و١٥٢ والترمذي
(١٦٨١)، وابن ماجه (٢٨١٨) وسنن أبي داود (٢٥٩١) و (٢٥٩٢).
(٥) أخرجه البخاري ٧/ ٢٣٤، وأبو داود (٢٦٩٥).
(٦) أخرجه البخاري ٧٣/٢ في الأذان: باب ما يحقن بالأذان من الدماء، وفي الجهاد: باب
دعاء النبي ◌َلّه إلى الإسلام والنبوة، ومسلم (١٣٦٥) من حديث أنس.
(٧) أخرجه البخاري ١٢٢/٥، ١٢٣، ومسلم (١٧٣٠) من حديث ابن عمر، والبخاري
١٠٢/٦، ومسلم (١٧٤٥) من حديث الصعب بن جثامة.
(٨) البخاري ٦/ ٨٠ من حديث كعب بن مالك.
٨٨

انضمَّ بعضه إلى بعض حتى لو بُسطَ عليهم كساء لعمهم(١).
وكان يرتب الصفوف(٢) ويُعَبْتُهُم عند القتال بيده، ويقول: «تقدم يا فلان،
تأخر یا فلان».
وكان يستحب للرجُلِ منهم أن يُقاتل تحت راية قومِه .
وكان إِذا لَقِيَ العدوَّ، قال: ((اللَّهُمَّ مُنْزِلَ الكِتَاب، ومُجْريَ السَّحَاب،
وهَازِمَ الأَحْزَابِ، اهْزِمْهُمْ، وانصُرْنَا عَلَيْهِمْ(٣)، وربما قال: ((سَيُهْزَمُ الجَمْعُ
ويُوَلُّونَ الدُّبُرَ بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُم والسَّاعَةُ أَذْهَى وَأمُ))(٤) .
دعاء لقاء العدو
وكان يقُولُ: ((اللَّهُمَّ أَنْزِلْ نَصْرَكَ)) وكان يقولُ: ((اللهمَّ أَنْتَ عَضُدِي وَأَنْتَ
نَصِيرِي، وَبِكَ أُقَاتِلُ))(٥) . وكان إذا اشتد له بأسٌ، وَحَمِيَ الحربُ، وقصده العدوُّ،
یُعلِمُ بنفسه ويقولُ:
أنَا النَّبِيُّ لاَ كَذِبْ أَنَا ابْنُ عَبْدِ المُطَّلِبْ(٦)
وكانَ الناسُ إذا اشتدَّ الحَرْبُ اتَّقَوْا بِهَِّ(٧) وكانَ أقربَهم إلى العدوِّ.
(١) أخرجه أبو داود (٢٦٢٨) وأحمد ١٩٤/٤ من حديث أبي ثعلبة الخشني، وإسناده صحيح.
(٢) انظر البخاري ٧٦/٦ في الجهاد: باب من صف أصحابه عند الهزيمة ..
(٣) انظر البخاري ٣١٣/٧ في المغازي: باب غزوة الأحزاب، ومسلم (١٧٤٢) في الجهاد
والسير: باب استحباب الدعاء بالنصر عند لقاء العدو من حديث عبد الله بن أبي أوفى.
(٤) أخرجه البخاري ٢٢٦/٧ و٤٧٦/٨ من حديث ابن عباس قال: قال النبي مخلية يوم بدر
((اللهم إني أنشدك عهدك ووعدك، اللهم إن شئت لم تعبد)» فأخذ أبو بكر بيده، فقال:
حسبك، فخرج وهو يقول: ((سيهزم الجمع ويولون الدبر بل الساعة موعدهم والساعة
أدهى وأمر)).
(٥) أخرجه أبو داود (٢٦٣٢)، والترمذي (٣٥٨٤)، وأحمد ١٨٤/٣ عن أنس وسنده
صحيح، وصححه ابن حبان (١٦٦١) ولبعضه شاهد من حديث صهيب عند أحمد ١٦/٦
وسنده صحيح.
(٦) أخرجه البخاري ٧٦/٦ و٢٤/٨، ومسلم (١٧٧٦) من حديث البراء بن عازب.
(٧) أخرجه مسلم (١٧٧٦) من حديث البراء.
٨٩

وكان يجعلُ لأصحابه شِعَاراً في الحرب يُعْرَفُونَ به إذا تكلَّموا، وكَانَ
شِعَارُهُمْ مَرَّة: ((أَمِتْ أَمِتْ)) ومرةً: (يَا مَنْصُورُ)) ومرة: ((حُم لا يُنْصَرُونَ)) (١).
عدته * في الحرب
وكان يلبَسُ الدِّرعَ والخُوذَةَ، ويتقلَّدُ السيفَ، ويَحْمِلُ الرّمح والقوسَ
العربية، وكان يتترَّس بالُّرس، وكان يُحِبُّ الخُيلاء في الحربِ وقال: ((إِنَّ مِنْهَا مَا
يُحِبُّ اللَّهُ، وَمِنْهَا مَا يُبْغِضُهُ اللَّهُ فَأَمَّا الخُيَلاَءُ الَّتِي يُحِبُّها اللَّهُ، فَاخْتِيالُ الرَّجُلِ بِنَفْسِهِ
عِنْدَ اللِّقَاءِ، واخْتِيَالُهُ عِنْدَ الصَّدَقَةِ، وَأَمَّا الَّتِي يُبْغِضُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ، فَاخْتِيَالُهُ في
البَغِي وَالفخْرِ (٢).
وقاتل مرة بالمنجنيق نصبه على أهل الطائفِ. وكان ينهى عن قتلِ النساءِ
والولدانِ (٣) وكان ينظُرُ في المقاتِلَةِ، فمن رآهُ أَنْبَتَ، قَتَلُهُ، ومن لم يُنْبِتْ، استحياه (٤).
(١) أما الأول، فأخرجه أبو داود (٢٥٩٦) و (٢٦٣٨) وأبو الشيخ في ((أخلاق النبي) الر
ص ١٦٥ من حديث سلمة بن الأكوع، وسنده حسن، وصححه الحاكم ١٠٧/٢، ١٠٨
ووافقه الذهبي، وأخرج أحمد ٤٦/٤، والدارمي ٢١٩/٢ من حديث أبي عميس، عن
إياس بن سلمة بن الأكوع، عن أبيه قال: بارزت رجلاً، فقتلته، فنفلني رسول الله اح لاه
فكان شعارنا مع خالد بن الوليد: أمت. يعني: اقتل، وإسناده صحيح، وأما الثاني،
فأخرجه أبو الشيخ في ((أخلاق النبي)) مَ ر ص (١٥٥) من حديث يحيى الحماني، نا
سعيد بن خثيم، عن زيد بن علي بن الحسين قال: كان شعار النبي ◌َّالية: يا منصور أمت
وهو منقطع، وأما الثالث فأخرجه أحمد ٦٥/٤ و٣٧٧/٥، والترمذي (١٦٨٢) وأبو داود
(٢٥٩٧) من حديث المهلب بن أبي صفرة أخبرني من سمع النبي وَ لّ يقول: وسنده
حسن، وصححه الحاكم ١٠٧/٢، وذكره ابن كثير في ((التفسير)) ٦٩/٤ عن أبي داود
والترمذي، وقال: هذا إسناد صحيح.
(٢) أخرجه أبو داود (٢٦٥٩) والنسائي ٧٨/٥، ٧٩ والدارمي ١٤٩/٢، وابن حبان (١٦٦٦)
من حديث جابر بن عتيك، وفي سنده عبد الرحمن بن جابر بن عتيك، وهو مجهول،
لكن له شاهد يتقوى به من حديث عقبة بن عامر عند أحمد ١٥٤/٤ فهو حسن به .
(٣) أخرجه مالك في ((الموطأ)) ٢/ ٤٤٧، والبخاري ١٠٤/٦، ومسلم (١٧٤٤) من حديث
عبد الله بن عمر .
(٤) أخرجه أبو داود (٤٤٠٤)، والترمذي (١٥٨٤)، والنسائي ١٥٥/٦، وابن ماجه (٢٥٤١)
من حديث عطية القرظي، وسنده حسن.
م
٩٠

وكان إذا بعث سريّة يُوصيهم بتقوى اللَّهِ، ويقول: ((سيرُوا بِسْمِ اللَّهِ وفي
سَبِيلِ اللَّهِ، وقَاتِلُوا مَنْ كَفَرَ باللَّهِ، وَلاَ تُمَثِّلُوا، وَلاَ تَغْدُرُوا، وَلاَ تَقْتُلُوا وَلِيدا)(١).
وكان ينهى عن السَّفَرِ بالقُرآنِ إلى أرضِ العدوِّ.
الدعوة قبل القتال
وكان يأمر أميرَ سريَّته أن يدعوَ عدوَّه قبل القِتال إمَّا إلى الإِسلامِ والهِجرةِ،
أو إلى الإِسلام دون الهِجرة، ويكونون كأعرابِ المسلمين، ليس لهم في الفيء
نصيب، أو بذل الجِزية، فإن هُمْ أجابُوا إليه، قَبِلَ منهم، وإلا استعان بالله
وقاتلهم(٢).
الأسلاب والغنائم
وكان إذا ظفر بعدوِّه، أمر منادياً، فجمع الغنائمَ كلَّها، فبدأ بالأسلابِ
فأعطاها لأهلها، ثم أخرج خُمُسَ الباقي، فوضعه حيث أراه الله، وأمره به مِن
مصالح الإِسلام، ثم يَرْضَخُ(٣) من الباقي لمن لا سهم له مِن النساءِ والصِّبيانِ
والعبيدِ، ثم قسم الباقي بالسَّويَّة بين الجيش، للفارس ثلاثةُ أسهم: سهمٌ له،
وسهمانِ لفرسه، وللراجل سهم(٤) هذا هو الصحيح الثابت عنه.
وكان يُنَفِّلُ مِن صُلْب الغنيمةِ بحسب ما يراه مِن المصلحةِ، وقيل: بل كان
النَّفَلُ مِن الخمس، وقيل وهو أضعف الأقوال: بل كان من خُمُس الخُمُس.
وجمع لِسلمةَ بنِ الأكوع في بعض مغازيه بين سهم الراجل والفارس، فأعطاه
حكم الأنفال
(١) أخرجه مسلم (١٧٣١) في الجهاد: باب تأمير الإمام الأمراء على البعوث، والترمذي
(١٦١٧) في السير: باب ما جاء في وصيته ◌َّي في القتال، وأبو داود (٢٦١٣) في
الجهاد: باب دعاء المشركين من حديث بريدة بن الحصيب.
(٢)
هو قطعة من حديث بريدة بن الحصيب المتقدم.
الرضخ: العطية القليلة، وفي صحيح مسلم (١٨١٢) من حديث ابن عباس: كان
(٣)
رسول الله الَّ يغزو بالنساء، فيداوين الجرحى، ويحذين من الغنيمة، وأما بسهم، فلم
يضرب لهن، وفيه أيضاً حين سئل عن المرأة والعبد يحضران المغنم: هل يقسم لهما
شيء، فأجاب: إنه ليس لهما شيء إلا أن يُحذيا.
(٤) أخرجه البخاري ٥١/٦ في الجهاد: باب سهم الفرس، ومسلم (١٧٦٢) في الجهاد
والسير: باب كيفية قسمة الغنيمة بين الحاضرين من حديث ابن عمر .
٩١

أربعةً أسهم لِعظم غَنائِهِ في تلك الغزوة(١).
وكان يُسَوِّي الضعيف والقوي في القسمة ما عدا النفل(٢).
وكان إذا أغار في أرض العدوِّ، بعثَ سَرِيَّةً بين يديه، فما غَنِمِتْ، أخرج
خُمُسَهُ، وَنفَّلَهَا رُبُعَ الباقي، وقسم الباقي بينها وبين سائر الجيش، وإذا رجع، فعل
ذلك، ونفَّلها الثلث(٣) ومع ذلك، فكان يكرهُ النَّفَلَ ويقولُ: ((لِيَرُدَّ قَوِيُّ الْمُؤْمِنِينَ
عَلَى ضَعِيفِهِمْ)»(٤).
وكانَ له ◌َّ سَهْمٌّ من الغنيمة يُدْعَى الصَّفِيَّ، إن شاء عبداً، وإن شاء أمةً وإن
شاءَ فرساً يختارُه قبل الخمس(٥) .
الصفيّ
(١) أخرجه مسلم (١٨٠٧) في الجهاد والسير: باب غزوة ذي قرد، وأبو داود (٢٧٥٢) من
حديث سلمة بن الأكوع ... وفيه ((ثم أعطاني رسول الله مية سهمين: سهم الفارس،
وسهم الراجل، فجمعهما لي)).
(٢) أخرجه أبو داود (٢٧٣٩) من حديث ابن عباس، ورجاله ثقات، وفي الباب عن عبادة بن
الصامت أخرجه أحمد ٣٢٣/٥، ٣٢٤. وأخرج أحمد ١٧٣/١ من حديث مكحول عن
سعد قال: قلت: يا رسول الله الرجل يكون حامية القوم أيكون سهمه وسهم غيره سواء؟
قال: ((ثكلتك أمك ابن أم سعد، وهل ترزقون وتنصرون إلا بضعفائكم)) ورجاله ثقات إلا
أن مكحولاً لم يسمع من سعد، وأخرج البخاري ٦/ ٦٥ في الجهاد: باب من استعان
بالضعفاء والصالحين في الحرب، عن مصعب بن سعد قال: رأى سعد رضي الله عنه أن
له فضلاً على من دونه، فقال النبي ◌َّ: ((هل تنصرون وترزقون إلا بضعفائكم)) وأخرجه
النسائي ٤٥/٦ بلفظ ((إنما ينصر الله هذه الأمة بضعيفها، بدعوتهم، وصلاتهم
وإخلاصهم» وإسناده صحيح.
(٣) أخرجه أبو داود (٢٧٥٠) في الجهاد: باب فيمن قال: الخمس قبل النفل من حديث
حبيب بن مسلمة الفهري، شهدت النبي # نفْل الربع في البداءة، والثلث في الرجعة.
وإسناده صحيح، وصححه ابن حبان (١٦٧٢)، وله شاهد من حديث عبادة بن الصامت
عند أحمد ٣١٩/٥، ٣٢٠، وابن ماجه (٢٨٥٢)، والترمذي (١٥٦١).
(٤) أخرجه أحمد ٣٢٣/٥، ٣٢٤ من حديث عبادة بن الصامت، وفي سنده ضعف.
(٥) أخرجه أبو داود (٢٩٩١) عن الشعبي مرسلاً.
٩٢

قالت عائشةُ: ((وكَانَتْ صَفِيَّةُ مِنَ الصّفِيِّ)) (١) رواه أبو داود. ولهذا جَاءَ في
كتابه إلى بني زهير بن أُقَيْش ((إنَّكُمْ إِنْ شَهِدْتُمْ أَنْ لاَ إِلهَ إِلاَّ اللَّهُ، وأَنَّ محَمَّداً
رسُولُ اللَّهِ، وأَقَمْتُمُ الصَّلاَةَ، وآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ، وأَذَّيْتُمُ الخُمُسَ مِنَ المَغْنَمِ وَسَهُم
الَّبِيَّ ◌ِِّ، وَسَهْمَ الصَّفِيَّ أَنْتُمْ آمِنُونَ بِأَمَانِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ)(٢).
وكان سيفُهُ ذُو الفَقَارِ مِن الصَّفِيِّ(٣).
السهم لمن غاب لمصلحة
المسلمين
وكان يُسهِمُ لمن غاب عن الوقعةِ لمصلحةِ المُسلمينَ، كما أسهم لِعثمان
سهمَه مِن بدر، ولم يحضُرْها لِمكان تمريضه لامرأتِهِ رُقِيَّةَ ابنة رسولِ الله ◌ِّال
فقالَ: ((إِنَّ عُثْمَانَ انْطَلَقَ في حَاجَةِ اللَّهِ وحاجة رَسُولِهِ)) فَضَرَبَ لَهُ سَهْمَه
وَأَجْرَهُ(٤).
وكانوا يشترون معه في الغزو ويبيعونَ، وهو يراهم ولا ينهاهم، وأخبره
رجل أَنَّهُ رَبحَ ربحاً لم يَرْبحْ أحَدٌ مِثْلَهُ، فقال: ((ما هو؟)) قال: ما زلتُ أبيعُ وأبتاعُ
حتى رَبِحْتُ ثلاثَمائِ أُوقِيَّة، فقالَ: ((أَنَا أُنَُّكَ بِخَيْرِ رَجُلٍ رَبِحَ) قَالَ: مَا هُوَ يَا
رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: ((رَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الصَّلاة))(٥).
التجارة في الغزو
وكانُوا يستأجرون الأُجراء للغزو على نوعين، أحدُهما: أن يخرُج الرجلُ،
ويستأجِرَ مَنْ يَخْدِمه في سفرِهِ. والثاني: أن يستأجرَ من ماله من يخرج في
(١) أخرجه أبو داود (٢٩٩٤) بسند قوي، وصححه ابن حبان (٢٢٤٧)، وله شاهد من حديث
أنس عند أبي داود (٢٩٩٥) ورجاله ثقات.
(٢)
أخرجه أبو داود (٢٩٩٩) ورجاله ثقات.
أخرجه أحمد ٢٧١/١، والترمذي (١٥٦١)، وابن ماجه (٢٨٠٨) من حديث ابن عباس،
(٣)
وسنده حسن، وذو الفقار: سيف العاص بن منبه، قتل يوم بدر، فصار إلى النبي ، ثم
إلى علي.
(٤) أخرجه أبو داود (٢٧٢٦) في الجهاد: باب فيمن جاء بعد الغنيمة لا سهم له من حديث
ابن عمر، ورجاله ثقات.
(٥) أخرجه أبو داود (٢٧٨٥) في الجهاد: باب التجارة في الغزو من حديث رجل من
أصحاب النبي چچ، وفي سنده مجهول.
٩٣

◌َّة: («للغازي أجرُه، وللجاعِل
الجهاد، ويسمون ذلك الجعائل، وفيها قال النبي
أَجْرُهُ وَأَجْرُ الغَازِي)) (١).
التشارك في الغنيمة
وكانوا يتشاركون في الغنيمة على نوعين أيضاً. أحدهما: شركة الأبدان،
والثاني: أن يدفع الرَّجلُ بعيرَه إلى الرجل أو فرسه يغزُو عليه على النصف مما
يغنمُ حتى ربما اقتسما السَّهْمَ، فأصابَ أحدُهُما قِدْحَهُ، والآخر نصلَه ورِيشَه.
وقال ابنُ مسعود: اشتركتُ أَنَا وَعَمَّارٌ وسَعْدٌ فيما نُصِيبُ يَوْمَ بَدْرٍ، فَجَاءَ
سَعْدٌ بِأَسِيْرَيْنِ، وَلَمْ أَجِيءٍ أَنَا وَعَمَّارٌ بِشَيءٍ (٢).
وكان يبعثُ بالسريَّة فُرساناً تارةً، ورِجَالاً أُخْرى، وكان لا يُسْهِمُ لِمِن قَدِمَ
مِن المَدَدِ بعدَ الفتح(٣).
فصل
وكان يُعطي سهمَ ذي القُربى في بني هاشم وبني المطلب دون إخوتِهم من
بني عبدٍ شمس وبني نوفل، وقال: ((إِنَّمَا بَنُو المُطَّلِبِ وبَنُو هَاشِمٍ شَيْءٌ وَاحِدٌ»
وَشَبِّكَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ، وَقَالَ: ((إِنَّهُمْ لَمْ يُفَارِقُونَا فِي جَاهِلِيةٍ ولا إِسْلاَم»(٤).
سهم ذي القربى
(١) أخرجه أحمد ١٧٤/٢، وأبو داود (٢٥٢٦) في الجهاد: باب الرخصة في أخذ الجعائل
من حديث عبد الله بن عمرو، وإسناده صحيح.
(٢) أخرجه أبو داود (٣٣٨٨)، والنسائي ٥٧/٧، وابن ماجه (٢٢٨٨) من حديث أبي عبيدة،
عن عبد الله بن مسعود، ورجاله ثقات إلا أنه منقطع، فإن أبا عبيدة لم يسمع من أبيه ابن
مسعود.
(٣) أخرج البخاري ٣٧٦/٧، ٣٧٧ في المغازي: باب غزوة خيبر من حديث أبي هريرة أن
رسول الله ◌َّل بعث أبان بن سعيد بن العاص على سرية من المدينة قبل نجد، فقدم أبان
وأصحابه على رسول الله ثَّه بخيبر بعد أن فتحها، فلم یقسم لهم.
(٤) أخرجه البخاري ١٧٤/٦ و٣٨٩ و ٣٧١/٧، وأبو داود (٢٩٧٨) و (٢٩٧٩) و (٢٩٨٠)
من حديث جبير بن مطعم.
٩٤

فصل
لا يُخَفَّس الطعام
وكان المسلمون يُصيبُونَ معه في مغازِيهم العَسَلَ والعِنَبَ والطَّعَامَ فيأكلونه،
ولا يرفعُونه في المغانم (١)، قال ابنُ عمر: ((إِنَّ جَيْشَاً غَنِمُوا فِي زَمَانِ
رَسُولِ الله ◌ِّةٍ طَعَامَاً وَعَسَلاً، ولم يُؤْخَذْ مِنْهُمُ الخُمُسُ)) ذكره أبو داود (٢).
وانفرد عبدُ الله بنُ المغقَّل يَوْمَ خَيْبرَ بِجِرَابٍ شَحْمٍ، وقال: لا أُعْطِي اليومَ
أحداً مِنْ هذا شيئاً، فسمِعَهُ رسولُ الله ◌َّةٍ، فتبسَّم ولم يَقُلْ له شيئاً(٣).
وقيل لابن أبي أوفى: كُنتُم تُخمِّسُونَ الطعامَ في عهد رسول الله ◌َلاَ؟ فقال:
أصبنا طعاماً يومَ خيبر، وكان الرجلُ يجيء، فيأخذُ منه مِقدَارَ ما يكفيه، ثم
ينصرف))(٤).
وقال بعضُ الصحابةِ: ((كنا نأكُلُ الجَوْزَ في الغَزْوِ، ولا نَقْسِمُه حتى إنْ كُنَّا
لَنَرْجِعُ إلى رِحالِنا وأَجْرِبَتْنَا منه مملوءة)» (٥).
فصل
وكان ينهى في مغازيه عن الثُّهْبَة والمُثْلَةِ وقال: ((مَن انْتَهَبَ نُهْبَةً فَلَيْسَ منَّا)) (٦)
حكم النهبة والمثلة
(١) أخرجه البخاري ٦/ ١٨٢ في الخمس: باب ما يصيب من الطعام في أرض الحرب من
حديث ابن عمر .
(٢) رقم (٢٧٠١) في الجهاد: باب إباحة الطعام في أرض العدو، وإسناده صحيح.
(٣) أخرجه البخاري ١٨١/٦، ١٨٢، و٣٦٩/٧، و٥٤٩/٩، ومسلم (١٧٧٢) وأحمد
٨٦/٤ و٥٦/٥، وأبو داود (٢٧٠٢).
(٤)
أخرجه أبو داود (٢٧٠٤) وإسناده قوي.
(٥) أخرجه أبو داود (٢٧٠٦) وفي سنده مجهول.
(٦) أخرجه أحمد ٣/ ١٤٠ و١٩٧، والترمذي (١٦٠١) من حديث أنس، وسنده صحيح،
وأخرجه أحمد ٣١٢/٣ و٣٢٣ و٣٨٠ و٣٩٥، وأبو داود (٤٣٩١) وابن ماجه
(٣٩٣٥) من حديث جابر بن عبد الله، ورجاله ثقات، وأخرجه أحمد ٤٣٨/٤ و٤٣٩
و٤٤٣ و٤٤٦، وابن ماجه (٣٩٣٧) من حديث عمران بن الحصين، ورجاله ثقات . =
٩٥

(وأمرَ بالقُدُورِ التي طُبِخَتْ مِن النَُّى فَأُكْفِئَتْ))(١).
وذكر أبو داود عَنْ رجلٍ من الأنصار قال: خَرَجْنا مَعَ رَسُولِ اللهٌِّ في
سفرٍ، فأصَابَ النَّاسَ حاجَةٌ شديدٌ وجَهْدٌ، وأصابُوا غنماً، فانتَهُوها وإنَّ قُدورنَا
لتغلي إذا جَاءَ رَسُولُ الله ◌ََّ يمشي على قوسه، فَأَكْفَأَ قُدورَنَا بقوسِهِ، ثُمَّ جعلَ
يُزْمِلُ اللحمَ بالترابِ، ثمّ قال: ((إنَّ الثُّهْبَةَ لَيْسَتْ بِأَحَلَّ مِنَ المَيْنَةِ، أو إِنَّ المَيْنَةَ
لَيْسَتْ بِأَحَلَّ مِنَ الثُّهْبَةِ»(٢).
وكان ينهى أن يركبَ الرجلُ دابةً مِن الفيء حتَّى إذا أعجفَهَا، ردَّهَا فيه، وأن
يَلْبَسَ الرَّجُلُ ثوباً مِن الفيء حتى إذا أخلقَه، ردَّه فيه (٣) ولم يمنع من الانتفاع به
حال الحرب.
النهي عن استعمال الفيء
في غير حال الحرب
فصل
وكان يُشْدِّدُ في الغُلُولِ جداً، ويقول: ((هُوَ عارٌ ونَارٌ وشَنَارٌ عَلَى أَهْلِهِ يَوْمَ
القِيَامَةِ)»(٤) .
الغلول
والنهب: الأخذ على وجه العلانية والقهر، والنهبة بالفتح: مصدر، وبالضم: المال
=
المنهوب.
(١) أخرجه البخاري ٩٨/٥ و١٣١/٦، ومسلم (١٩٦٨)، (٢١)، والترمذي (١٦٠٠) من
حديث رافع بن خديج قال: ((كنا مع رسول الله﴾. بذي الحليفة من تهامة، فَأَصَبْنا
غنماً وإيلاً، فعجل القوم، فأغلوا بها القدور، فأمر بها فأكفئت».
(٢) أخرجه أبو داود (٢٧٠٥) في الجهاد: باب في النهي من حديث رجل من الصحابة
من الأنصار، وإسناده صحيح، وأخرجه ابن ماجه (٣٩٣٨) من طريق أبي الأحوص،
عن سماك عن ثعلبة بن الحكم قال: أصبنا غنماً للعدو فانتهبناها، فنصبنا قدورنا،
فمر النبي ◌َّ بالقدور، فأمر بها فأكفئت، ثم قال: ((إن النهبة لا تحل)) وإسناده
صحيح كما قال الحافظ في ((الإصابة)) والبوصيري في ((الزوائد)).
(٣) أخرجه أبو داود (٢٧٠٨) وأحمد ١٠٨/٤، ١٠٩، والدارمي ٢٣٠/٢ من حديث
رويفع بن ثابت، وإسناده صحيح، فقد صرح ابن إسحاق بالتحديث عند أحمد.
(٤) حديث صحيح أخرجه ابن ماجه (٢٨٥٠) والنسائي ٢٦٢/٦ في أول الهبة، وأحمد =
٩٦

ولما أُصيبَ غلامهُ مِدْعَمٌ قالوا: هنيئاً لَهُ الجَنَّهُ قال: ((كَلاَّ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ
إِنَّ الشَّمْلَةَ الَّتِي أَخَذَهَا يَوْمَ خَيْبَرَ مِنَ الغَنَائِمِ، لَمْ تُصِبْهَا المَقَاسِمُ لَتَشْتَعِلُ عَلَيْهِ نَارًا)»
فجاء رجل بِشَرَاكِ أو شِرَاكَيْنِ لما سمِعَ ذُلِك، فقال: ((شِرَاٌ أَوْ شِرَاكَانِ مِن
نارٍ))(١).
وقال أبو هريرة: قَامَ فِينَا رَسُولُ اللهِ وَ﴿َ فَذَكَرَ الغُلُولَ وَعَظَّمَهُ، وَعَظّمَ أَمْرَهُ،
فَقَالَ: ((لاَ أُلْفِيَنَّ أَحَدَكُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ عَلَى رَقَبَتِهِ شَاءٌ لَهَا ثُغَاءُ، عَلَى رَقَبَتِهِ فَرَسٌ لَهُ
حَمْحَمَةٌ يَقُولُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَغِثْنِي، فَأَقُولُ: لاَ أَمْلِكُ لَكَ شَيْئاً قَدْ أَبْلَغْتُكَ، عَلَى
رَقَبِهِ صَامتٌ، فَيَقُولُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَغِثْنِي، فَأَقُولُ: لا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً،
قَدْ أَبْلَغْتُكَ، عَلَى رَقَتِهِ رِفَاعْ تَخْفِقُ فَيَقُولُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَغِثْنِي، فَأَقُولُ: لاَ أَمْلِكُ
لَكَ شَيْئاً قَدْ أَبْلَغْتُكَ)) (٢).
وقال لمن كانَ عَلَى ثَقَلِهِ وقد مَات ((هُوَ فِي النَّارِ)) فَذَهَبُوا يَنْظُرُونَ فَوَجَدُوا
عَبَاءَةً قَدْ غَلَّهَا(٣).
وقالوا في بعضٍ غَزَواتِهِم: ((فُلانٌ شَهِيدٌ، وفُلانٌ شَهِيدٌ حتَّى مُّوا على
رجُلٍ، فَقَالُوا: وفُلانٌ شَهِيدٌ، فقال: ((كَلاَّ إِنِّي رَأَيْتُهُ فِي النَّارِ فِي بُرْدَةٍ غَلَّهَا أَوْ
١٨٤/٢ من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، ورجاله ثقات إلا أن فيه
=
عنعنة ابن إسحاق، وله شاهد من حديث العرباض بن سارية عند أحمد ١٢٦/٤،
وسنده حسن في الشواهد، ومن حديث عبادة بن الصامت عند ابن ماجه (٢٨٥٠)
وفي سنده عيسى بن سنان وهو لين، وباقي رجاله ثقات، فهو حسن بما قبله.
(١) أخرجه مالك في ((الموطأ) ٤٥٩/٢، والبخاري ٣٧٤/٧، ٣٧٥ و٥١٣/١١، ٥١٤،
ومسلم (١١٥)، وأبو داود (٢٧١١)، والنسائي ٢٤/٧ من حديث أبي هريرة.
(٢) أخرجه البخاري ١٢٩/٦ في الجهاد: باب الغلول، ومسلم (١٨٣١) في الإمارة:
باب غلظ تحريم الغلول، والثغاء: صوت الشاة، والحمحمة: صوت الفرس عند
العلف وهو دون الصهيل، والصامت: الذهب والفضة، وقوله: ((رقاع تخفق)) أي:
تتقعقع وتضطرب، والمراد بها الثياب التي غلها .
(٣) أخرجه البخاري ١٣٠/٦، وابن ماجه (٢٨٤٩)، وأحمد ١٦٠/٢ من حديث
عبد الله بن عمرو. والثقل بفتح الثاء والقاف: العيال، وما يثقل حمله من الأمتعة.
زاد المعاد ج٣-م٤
٩٧

عَبَاءَة)) ثمَّ قَالَ رسولُ اللهِهَ: ((اذْهَبْ يَا ابنَ الخَطَّابِ، اذْهَبْ فَنَادِ فِي النَّاسِ: إِنَّهُ
لاَ يَدْخُلُ الجَنَّةَ إِلَّ المُؤْمِنُونَ) (١).
وتُوفي رجلٌ يومَ خيبر، فذكرُوا ذُلِك لرسول الله ◌ِةٍ فقال: ((صَلُّوا عَلَى
صَاحِبِكُمْ فَتَغَيَّرَتْ وُجُوهُ النَّاسِ لِذْلِكَ، فَقَالَ: ((إِنَّ صَاحِبِكُمْ غَلَّ فِي سَبِيلِ اللَّهِ
شَيْئًا)) ففتَّشُوا متاعَه، فوجدُوا خَرزاً مِن خرزِ يَهودٍ لا يُساوي دِرْهَمَیْنِ))(٢).
وكَانَ إذا أصابَ غَنِيمَةً أمرَ بِلالاً، فنادَى في الناسِ، فيجيؤونَ بِغَنَائِمِهِم،
فَيُخَمِّسُه، ويَقْسمُه، فجاء رجلٌ بعد ذُلك بِزِمَامٍ مِن شَعر، فَقَالَ رَسُولُ الله ◌ِهِ :
(سَمِعْتَ بِلاَلاَ نَادَى ثَلاَثَاً؟)) قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: ((فَّمَا مَنَعَكَ أَنْ تَجِيءَ بِهِ؟)) فاعتذر،
فقالَ: ((كُنْ أَنْتَ تَجِيءُ بِهِ يَوْمَ القِيَامَةِ فَلَنْ أَقْبَلَهُ مِنْكَ)» (٣).
فصل
وأمر بتحريقِ متاعِ الغَالِّ وضربِهِ، وحَرَقَهُ الخليفتانِ الراشِدانِ بعده (٤)،
تحريق متاع الغال
وضربه
أخرجه مسلم (١١٤) في الإيمان: باب غلظ تحريم الغلول، والترمذي (١٥٧٤)،
(١)
والدارمي ٢٣٠/٢، ٢٣١، وأحمد ٣٠/١ و٤٧ من حديث عمر بن الخطاب
رضي الله عنه.
(٢) أخرجه مالك في ((الموطأ» ٤٥٨/٤ في الجهاد: باب ما جاء في الغلول، وأحمد
١١٤/٤ و١٩٢/٥ وأبو داود (٢٧١٠) والنسائي ٦٤/٤، وابن ماجه (٢٨٤٨) من
حديث يحيى بن سعيد عن محمد بن يحيى بن حبان، عن ابن أبي عمرة
- الأنصاري، عن زيد بن خالد الجهني، وهذا إسناد صحيح، وقد سقط من ((الموطأ))
رواية يحيى ((بن أبي عمرة) شيخ محمد بن يحيى، وهو غلط كما قال أبو عمر بن
عبد البر.
أخرجه أحمد ٢١٣/٢، وأبو داود (٢٧١٢) من حديث عبد الله بن عمرو، وسنده
(٣)
حسن، وصححه الحاكم ١٢٧/٢، ووافقه الذهبي.
(٤) أخرج الترمذي (١٤٦١) وأبو داود (٢٧١٣) من حديث عمر بن الخطاب عن
النبي ◌َّةٍ قال: ((إذا وجدتم الرجل قد غل، فاحرقوا متاعه واضربوه)) وفي سنده
محمد بن صالح بن زائدة، وهو ضعيف، وقال الترمذي: حديث غريب لا نعرفه إلا
من هذا الوجه، وسألت محمداً (يعني البخاري) عن هذا الحديث، فقال: إنما روى =
٩٨

فقيل: هذا منسوٌ بسائِرِ الأحاديثِ التي ذَكَرْتُ، فإنه لم يَجيء التحريقُ في شيءٍ
منها، وقيل - وهو الصواب (١) - إنَّ هذَا مِن باب التعزِيزِ والعقوباتِ المالية
الراجعةِ إلى اجتهاد الأئمة بحسَبِ المصلحة، فإنه حَرَقَ وتَرَكَ، وكذلِكَ خلفاؤهُ
مِن بعده، ونظيرُ هذا قتلُ شارِب الخمر في الثَّالثة أو الرَّابعة (٢) فليسَ بِحَدٍّ ولا
منسوخ، وإنما هو تعزيرٌ يتعلَّق باجتهادِ الإِمام.
فصل
في هديه ◌َّ في الأسارى
كان يَمُنُّ على بعضهم، ويقتُلُ بعضَهُم، ويُفادِي بعضَهم بالمال، وبعضهم
بأسرى المسلمينَ، وقد فعل ذلك كلَّه بِحَسَبِ المصلحة، ففادَی أساری بدرٍ
بمالٍ، وقَالَ: لَوْ كَانَ المُطْعِمُ بنُ عَدِيٍّ حَيّاً، ثُمَّ كَلَّمَنِي فِي هُؤْلاَءِ النَّثْنَى، لَتَرَكْتُهُم
هذا صالح بن محمد بن زائدة، وهو أبو واقد الليثي، وهو منكر الحديث، قال
=
محمد: وقد روي في غير حديث عن النبي ◌َلّ، فلم يأمر فيه بحرق متاعه، وأخرج
أبو داود (٢٧١٤) من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن ((رسول الله ◌َّ
وأبا بكر وعمر حرقوا متاع الغال وضربوه)) وفي سنده زهير بن محمد الخراساني،
ورواية أهل الشام عنه غير مستقيمة، فضعف بسببها، وهذا منها، فإنه رواه عنه
الوليد بن مسلم الدمشقي، ويقال: إنه غيره، وإنه مجهول، ورجح الحافظ في
((الفتح)» ١٣٠/٦ وقفه على عمرو بن شعيب.
(١) إنما يتجه هذا فيما إذا كان النص ثابتاً عن رسول الله وَله، أما إذا كان ضعيفاً كما
تقدم، فلا وجه له.
(٢) حديث: ((من شرب الخمر فاجلدوه، فإن عاد الثانية، فاجلدوه، فإن عاد الثالثة
فاجلدوه، فإن عاد الرابعة، فاقتلوه)) حديث صحيح، أخرجه أحمد وأبو داود
والنسائي والحاكم عن ابن عمر، وأبو داود والترمذي والحاكم عن معاوية، وأبو
داود والبيهقي عن ذؤيب، وأحمد وأبو داود والترمذي والحاكم عن أبي هريرة،
والطبراني والحاكم والضياء عن شرحبيل بن أوس، والطبراني والدارقطني والحاكم
والضياء عن جرير، وأحمد والحاكم عن عبد الله بن عمرو، وابن خزيمة، والحاكم
عن جابر، والطبراني عن غضيف، والنسائي والحاكم والضياء عن الشريد بن سويد.
٩٩

له)»(١).
وهبطَ عليه في صلح الحديبية ثمانون متسلِّحُونَ يُرِيدون غِرَّته، فأسرهم ثمَّ
مَنَّ عليهم(٢) .
وأسرَ ثُمامةَ بن أثال سيِّدَ بني حَنِيفَةَ، فَرَبِطَه بِسَارِيّةِ المَسْجِدِ، ثم أطلقه
فأسلم(٣).
أسارى بدر
واستشار الصحابةَ في أسارى بدر، فأشار عليه الصِّدِّيقُ أن يأخُذَ منهم فِديةً
تكونُ لهم قوةً على عَدوُهم ويُطلِقَهم، لعلَّ الله أن يَهدِيهم إلى الإِسلام، وقال
عمر: لا واللَّهِ، ما أرى الَّذِي رأى أبو بكر، ولكن أرى أن تُمَكِّننَا فَنَضرِبَ
أعناقهم، فإنَّ هؤلاء أئمةُ الكفرِ وصناديدُها، فَهَوِيَ رسولُ اللهَ يَّةِ ما قال أبُوبكر،
ولم يَهْوَ ما قال عُمَرُ، فلما كان مِن الغد، أقبلَ عُمَرُ، فإذا رسولُ الله ◌ِّهِ يَيكي هو
وأبو بكر، فقال: يا رَسُولَ الله! مِن أيِّ شيءٍ تبكي أنتَ وصاحِبُكَ، فإن وجدتُ
بُكاء بَكَيْتُ، وإن لم أَجِدْ بكاء، تباكَيْتُ لبكائكما؟ فَقَالَ رَسُولُ الله ◌ٍِ: ((أَبْكِي
◌ِلَّذِي عَرَضَ عَلَيَّ أَصْحَابُك مِنْ أَخْذِهِم الفِدَاءَ، لَقَدْ عُرِضَ عَلَيَّ عَذَابُهُم أذْنَى مِنْ
هذِهِ الشَّجَرَةِ، وَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿ما كان لِنِبِي أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرىُ حَتَّى يُؤْخَنَ في
الأرضِ﴾ (٤) [الأنفال: ٦٧].
(١) أخرجه البخاري ٦/ ١٧٣ و٢٤٩/٧، وأبو داود (٢٦٨٩) وأحمد ٤/ ٨٠.
(٢)
أخرجه مسلم (١٨٠٨) في الجهاد: باب قول الله تعالى: (وهو الذي كف أيديهم
عنكم) وأحمد ١٢٤/٣ من حديث حماد عن ثابت عن أنس، وأخرجه أبو داود
والترمذي ٣٢٦٤ والنسائي من طرق عن حماد بن سلمة به.
(٣) أخرجه البخاري ٤٦٢/١ في الصلاة: باب الاغتسال إذا أسلم، وربط الأسير أيضاً
في المسجد، وباب دخول المشرك المسجد، وفي الخصومات: باب التوثق ممن
تخشى معرته، وباب الربط والحبس في الحرم، وفي المغازي: باب وفد بني
حنيفة، ومسلم (١٧٦٤) في الجهاد: باب ربط الأسير وحبسه، وأبو داود (٢٦٧٩)
من حديث أبي هريرة.
(٤) أخرجه مسلم (١٧٦٣) في الجهاد والسير: باب الإمداد بالملائكة في غزوة بدر، =
١٠٠