Indexed OCR Text
Pages 41-60
الهيثم بن التَّيهان وعُويمر بن مالك هم اثنا عشر. وقال أبو الزبير: عن جابر إن النبي ◌ِّ لَبِثَ بِمَكَّةَ عشرَ سنين يَتَّعُ الناسَ في منازلهم في المواسم، ومَجَنَّة، وعُكَاظ، يقول: ((مَنْ يُؤْويني؟ مَنْ يَنْصُرُنِي؟ حَتَّى أُبَلِّغَ رِسَالاَتِ رَبِّي، ولَهُ الجَنَّةُ، فَلاَ يَجِدُ أَحَداً يَنْصُرُهُ وَلاَ يُؤْوِيِهِ، حَتَّى إِنَّ الرَّجُلَ لَيَرْخَلُ مِنْ مُضَرَ أَوْ الْيَمَنِ إِلَى ذِي رَحِمِهِ، فَأْتِهِ قَوْمُهُ فَيَقُولُونَ له: ((احْذَرْ غُلاَمَ قُرَيْشٍ لاَ يَفْتِنْكَ، وَيَمْشِي بَيْنَ رِجَالِهِمْ يَدْعُوهُمْ إلى اللَّهِ عزَّ وجَلَّ، وَهُم يشيرُونَ إِلَيْهِ بِالأَصَابِعِ، حَتَّى بَعَثْنَا اللَّهُ مِنْ يَثْرِبَ، فَيَأْتِيِ الرَّجُلُ مِنَّا فَيُؤْمِنُ بِه ويُقْرِتُهُ القُرْآنَ، فَيَنْقَلِبُ إلى أَهْلِهِ، فَيُسْلِمُونَ بِسْلاَمِهِ، حَتَّى لَمْ يَبْقَ دَارٌ مِنْ دورِ الأَنَّصَارِ إِلَّ وَفِيهَا رَهْطٌ مِنَ المُسْلِمِينَ، يُظْهِرُونَ الإِسْلاَمَ، وَبَعَثَ اللَّهُ إِلَيْهِ، فَائْتَمَرْنَا وَاجْتَمَعْنَا وقلنا: حتى مَتَّى رَسُولُ اللَّهِ بِهِ يُطرَّدِ فِي جِبَالِ مَكَّةَ وَيَخافُ، فَرَحْلَنَا حَتَّى قَدِمْنَا عَلَيْهِ في المَوْسِمِ، فَوَاعَدَنَا بَيْعَةَ العَقَبَةِ، فَقَالَ لَهُ عَمُّه العَبَّاسُ: يا ابنَ أَخِي مَا أَدْرِي مَا هُؤُلاءِ القَوْمُ الَّذِينَ جاؤوكَ، إِنِّي ذُو مَعْرِفَةٍ بِأَهْلِ يَثْرِبَ، فَاجْتَمَعْنَا عَنْدَهُ مِنْ رَجُلٍ وَرَجُلَيْنِ، فَلَمَّا نَظَرَ العَبَّاسُ فِي وُجُوهِنَا، قَالَ: هُؤُلاءِ قَوْمٌ لاَ نَعْرِفُهُم، هُؤُلاءٍ أَحْدَاثٌ، فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ الله عَلَامَ نُبَايِعُكَ؟ قَالَ: ((تُبَايِعُونِي عَلَى السَّمِعِ وَالطَّاعَةِ ، فِي النَّشَاطِ والكَسَلِ، وَعَلَى النَّفَقَةِ في العُسْرِ وَالْيُسْرِ، وَعَلى الأَمْرِ بِالمَعْرُوفِ، والنَّهِ عَنِ المُنكِر، وَعَلى أَنْ تَقُولُوا في اللَّهِ لا تَأْخُذُكُمْ لَوْمَةُ لاَئِمِ، وَعَلَى أَنْ تَنْصُرُوني إِذَا قَدِمْتُ عَلَيْكُمْ، وتَمْنَعُونِي مِمَّا تَمْنَعُونَ مِنْهُ أَنْفُسَكُمْ وَأَزْوَاجَكُمْ وَأَبْنَاءَكُمْ وَلَكُمُ الجَنَّةُ)) فَقُمْنَا نُبَايِعُهُ، فَأَخَذَ بِيَدِهِ أَسْعَدُ بْنُ زُرَارَةَ، وهُوَ أَصْغَرُ السَّبْعِينَ، فَقَالَ: رُوَيْداً يَا أَهْلَ يَثْرِبَ، إِنَّا لَمْ نَضْرِبْ إِلَيْهِ أَكْبَادَ المَطِيِّ إِلَّ وَنَحْنُ نَعْلُمْ أَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ، وإنَّ إِخْرَاجَهُ اليَوْمَ مُفَارَقَةُ العَرَبِ كَافَّةً، وقَتْلُ خِيَارِكُمْ، وَأَنْ تَعَضَّكُمْ السُّيُوفُ، فإِمَّ أَنْتُمْ تَصْبِرُونَ عَلَى ذُلِكَ، فَخُذُوهُ، وَأَجْرُكُمْ عَلَى اللَّهِ، وَإِمَّا أَنْتُمْ تَخَافُونَ مِنْ أَنْفُسِكُمْ خِيفَةً فَذَرُوهُ، فَهُوَ أَعْذَرُ لَكُمْ عِنْدِ اللَّهِ، فَقَالُوا: يَا أَسْعَدُ أَمِطْ عَنَّا يَدَكَ، فَواللّهِ لاَ نَذَرُ هُذِهِ البَيْعَة، ولا نَسْتَقِيلُها، فَقُمْنَا إِلَيْهِ رَجُلاً رَجُلاً، ٤١ فَأَخَذَ عَلَيْنَا وشرط، يُعْطِينَا بِذَلِكَ الجَنَّة (١). ثمَّ انصرفوا إلى المدينةِ، وبعثَ معهم رسولُ اللهِ وََّ عمروُ بنَ أُمِّ مكتوم، ومُصْعَبَ بْن عُمير يعلِّمان من أسلم منهم القرآن، ويدعوانِ إلى الله عز وجل، فنزلا على أبي أمامة أسعدَ بن زرارة، وكان مُصعبُ بن عمير يَؤْمُّهم، وجمَّع بهم لما بلغوا أربعين (٢) فأسلم على يديهما بشرٌ كثيرٌ، منهم أُسَيْدُ بنُ الحُضَيْرِ، وسعدُ بن معاذ(٣)، وأسلم بإسلامهما يومئذ جميع بني عبد الأشهل الرجالُ والنساء، إلا أُصيرم عمرو بن ثابت بن وقش، فإنه تأخر إسلامه إلى يوم أحد، وأسلم حينئذ، وقاتل فقتل قبل أن يَسجد للَّهِ سجدة، فَأُخبر عنه النبي ◌َ ﴾ فقال: ((عَمِلَ قَليلاً، وَأُجِرَ كَثِيراً (٤)). (١) أخرجه أحمد في ((المسند)) ٣٢٢/٣، ٣٢٩، والبيهقي في ((السنن)) ٩/٩ من طريق ابن خيثم عن أبي الزبير، عن جابر، ورجاله ثقات، وصححه الحاكم ٢/ ٦٢٤، ٦٢٥ ووافقه الذهبي، وقال ابن كثير في ((السيرة)) ١٩٦/٢: هذا إسناد جيد على شرط مسلم، وحسن إسناده الحافظ في ((الفتح)) ١٧٧/١٧. وصححه ابن حبان (١٦٨٦). (٢) أخرج ابن هشام ٤٣٥/١، وأبو داود (١٠٦٩)، والحاكم ٢٨١/١، والبيهقي ١٧٦/٣ عن ابن إسحاق: حدَّثني محمد بن أبي أمامة بن سهل بن حنيف، عن أبيه أبي أمامة، عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك، قال: كنت قائد أبي كعب بن مالك حين ذهب بصره، فكنت إذا خرجت به إلى الجمعة، فسمع النداء فترحم لأسعد بن زرارة، فقلت له: إذا سمعت النداء ترحمت لأسعد بن زرارة، قال: لأنه أول من جمع بنا في هزم النبيت من حرَّة بني بياضة في نقيع يقال له: نقيع الخضمات، قلت: كم أنتم يومئذ؟ قال: ((أربعون)) وسنده حسن، كما قال الحافظ، وليس فيه حجة على اشتراط الأربعين، لأنه اتفق أن عدتهم كانوا إذ ذاك أربعين، وليس فيه دليل على أن من دون الأربعين لا تنعقد بهم الجمعة . (٣) خبر إسلام معاذ وأسيد بن حضير، أخرجه ابن هشام في ((السيرة)) ٤٣٥/١، ٤٣٦ عن ابن إسحاق حدَّثني عبيد الله بن المغيرة بن معيقب، وعبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم ... (٤) أخرجه البخاري ١٩/٦ في الجهاد: باب عمل صالح قبل القتال، ومسلم (١٨٩٩) في الإمارة: باب ثبوت الجنة للشهيد، وأحمد في ((المسند)) ٢٩٠/٣ و٢٩١ و ٢٩٣ = ٤٢ بيعة العقبة الثانية وكثر الإِسلام بالمدينة، وظهر، ثم رَجَعَ مُصعبٌ إلى مكة، ووافى الموسِمَ ذلك العامَ خلقٌ كثير من الأنصار مِن المسلمين والمشركين، وزعيمُ القومِ البراء بنُ معرور، فلما كانت لَيْلَةُ العقبةِ الثلثَ الأول مِن الليل تسلَّل إلى رَسُولِ اللَّهِ بِ﴿ ثلاثةٌ وسبعونَ رجلاً وامرأتانٍ، فبايعُوا رسولَ اللَّهِ وَلَ خِفية مِن قومهم، ومِن كُفَّارِ مكة، على أن يمنعُوه مما يمنعونَ مِنه نساءهم وأبناءهم وأزُرَهم، فكانَ أَوَّلَ مَنْ بَايَعَهُ ليلتئذِ البَرَاءُ بن معرور، وكانت له اليدُ البيضاء، إذا أكَّدَ العقدَ، وبادر إليه، وحضرَ العباسُ عمُّ رسولِ الله ◌ِّ؛ مؤكداً لبيعته كما تقدم، وكان إذ ذاك على دينِ قومه، واختار رسولُ الله ◌َّ منهم تلك الليلةَ اثني عشر نقيباً، وهم: أسعدُ بن زرارة، وسعدُ بنُ الربيع، وعبدُ الله بن رواحة، ورافعُ بن مالك والبَراءُ بن مَعرور، وعبد الله بن عمرو بن حرام والد جابر، وكان إسلامُه تِلك الليلة، وسعدُ بنُ عبادة، والمنذرُ بن عمرو، وعبادةُ بن الصامت، فهؤلاء تِسعةٌ من الخزرج، وثلاثةٌ من الأوس: أُسَيْدُ بنُ الحضير، وسعدُ بن خيثمة، ورِفاعةُ بن عبد المنذر. وقيل: بل أبو الهيثم بن التیهان مكانه. وأما المرأتان: فأم عُمارة نُسيبة بنتُ كعبِ بنِ عمرو، وهي التي قَتَلَ مُسَيْلِمةُ ابَنْهَا حبيبَ بْنَ زيد، وأسماء بنت عمرو بن عدي. فلما تمت هذه البيعةُ استأذنوا رسول الله أن يميلوا على أهلِ العقبةِ الله بأسيافهم، فلم يأذَنْ لهم في ذلك، وصرخَ الشيطانُ عَلَى العَقَبَةِ بأنفَذِ صوت سُمع: يا أهل الجباجب هل لكم في مُذَمَّمٍ والصُّبَاةُ معه قد اجتمعوا على من حديث البراء رضي الله عنه قال: أتى النبي ◌َيّه رجل مقنع بالحديد، فقال: يا = رسول الله أقاتل أو أسلم؟ قال: ((أسلم ثم قاتل)) فأسلم ثم قاتل، فقتل، فقال رسول الله رَّة: ((عمل قليلاً وأجر كثيراً))، وقد بين في غير هذا الحديث أنه عمرو بن ثابت. ٤٣ حربكم؟ فقالَ رسولُ اللَّهِ مَلِ: «هذا أزَبُّ العقبة، هذا ابنُ أَزَيْب، أما واللَّهِ يا عدُوَّ اللَّهِ لأَتْفَرَ غَنَّ لَكَ (١). ثم أمرهم أن ينفضُّوا إلى رِحالهم، فلما أصبحَ القومُ، غدَتْ عليهم جِلَّةُ قريش وأشرافُهم حتى دخلوا شِعب الأنصارِ، فقالوا: يا معشرَ الخزرجِ، إنه بلغنا أنكم لَقِيتُم صاحِبَنَا البارحة، وواعدتمُوه أن تُبايعُوه على حربنا، وايمُ اللَّهِ ما حيٌّ مِن العرب أبغضَ إلينا من أن يَنْشَبَ بيننا وبينه الحربُ مِنكم، فانبعثَ مَن كان هُناك من الخزرج مِن المشركين، يحلِفُونَ لهم بالله: ما كان هذا وما عَلِمْنا، وجعل عبدُ اللَّهِ بنُ أبي بن سلول يقول: هذا باطل، وما كان هذا، وما كان قومي لِيفتاتُوا عَلَيَّ مِثل هذا، لو كنتُ بيثربَ ما صنع قومي هذا حتى يُؤامروني، فرجعتْ قريش مِن عندهم، ورحل البراءُ بن معرور، فتقدَّم إلى بطنٍ يَأْجَج، وتلاحق أصحابُه مِن المسلمين، وتطلَّتْهُم قريشٌ، فأدركوا سعدَ بْنَ عُبادة، فربطوا يديهِ إلى عُنقِهِ بِنسْعِ رحله، وجعلوا يضرِبُونه، ويَجُرُّونه، ويَجْذِبونَهُ بِجُمَّتِهِ حتى أدخلُوه مَكَّة، فجاء مُطْعِمُ بنُ عدي والحارث بن حرب بن أمية، فخلصاه من أيديهم، وتشاوَرَتِ الأنصارُ حين فقدُوه أَن يَكِرُوا إليه، فإذا سَعْدٌ قد طَلَعَ عليهم، فوصلَ القومُ جميعاً إلى المدينة . فأذِنَ رسولُ الله ◌َّهَ للمسلمين بالهِجْرةِ إلى المدينة، فبادرَ الناسُ إلى ذلك، فكان أوَّلَ مَنْ خرج إلى المدينة أبُو سلمة بن عبد الأسد، وامرأتُهُ أُ بدء الهجرة إلى المدينة (١) أخرجه ابن هشام في ((السيرة)) ١/ ٤٤٠، ٤٤٧، وأحمد ٤٦٠/٣، ٤٦٢ والطيالسي ٩٣/٢ من طريق ابن إسحاق، حدَّثني معبد بن كعب، عن أخيه عبد الله بن كعب، عن كعب بن مالك ... وسنده صحيح، وقوله: ((أزرهم)) أي: نساءهم، والمرأة قد يكنى عنها بالإزار، والجباجب: منازل منى، والمذمم: المذموم، والصباة: جمع صابىء، وكان يقال للرجل إذا أسلم في زمن النبي 185، وأزب العقبة: اسم شيطان. وأورده الهيثمي في ((المجمع)) ٤٢/٦، ٤٥، وقال: رواه أحمد والطبراني بنحوه، ورجال أحمد رجال الصحيح غير ابن إسحاق وقد صرح بالسماع. ٤٤ سلمة، ولكنها احتبست دونه، ومنعت من اللَّحَاق به سنة، وحِيلَ بينها وبين ولدِها سلمة، ثم خرجت بعد السَّنة بولدها إلى المدينة، وشيَّعها عثمانُ بنُ أبي طلحة(١) . ثم خَرجَ الناسُ أرسالاً يتبعُ بعضُهم بعضاً، ولم يبقَ بمكةَ مِن المسلمين إلا رسولُ الله ◌َّة، وأبو بكر وعلي، أقاما بأمره لهما، وإلا مَن احتبسه المشرِكُونَ كرهاً، وقد أعدَّ رسولُ اللهِ وَّةَ جهَازَه ينتظر متى يُؤمر بالخروج، وأعذَّ أبو بكر جَهَازَهُ. فصل فلما رأى المشركُون أصحابَ رسولِ اللهِ وَّة قد تجهّزُوا، وخرجُوا، انتمار قريش به تان لقتله وحملُوا، وساقوا الذَّرارِي والأطفالَ والأموالَ إلى الأوس والخزرَج، وعرفُوا أن الدارَ دَارُ مَنَعَةٍ، وَأَن القومَ أَهلُ حَلْقَةٍ وَشَوْكَةٍ وبأسٍ، فخافوا خروجَ رسولِ اللَّهِ يَُّ إليهم ولحوقَه بهم، فيشتدُّ عليهم أمره، فاجتمعوا في دار الندوة، ولم يتخلَّفْ أحدٌ من أهل الرأي والحجا منهم ليتشاوروا في أمره، وحضرهم وليُّهم وشيخُهم إبليسُ في صُورة شيخ كبير من أهل نجد مشتمل الصَّمَّاء في كِسائه، فتذاكَرُوا أمرَ رسول الله وَّهِ فأشار كُلُّ أحد منهم برأي، والشيخُ يردُّهُ ولا يرضاه، إلى أن قال أبو جهل: قد فُرِقَ لي فيه رأي ما أراكم قد وقعتُم عليه، قالوا: ما هو؟ قال: أرى أن نأخذ من كل قبيلة من قريش غلاماً نَهْداً جَلْداً، ثمَّ نعطيهِ سَيْفاً صارماً، فيضربونه (١) أخرجه ابن هشام في ((السيرة)) ٤٦٩/١ عن ابن إسحاق، عن أبيه، عن سلمة بن عبد الله بن عمر بن أبي سلمة عن جدته أم سلمة ... ورجاله ثقات. والنسع: الشراك الذي يشد به الرحل. وعثمان بن أبي طلحة كان يوم هجرته بأم سلمة على الكفر، وإنما أسلم في هدنة الحديبية، وهاجر قبل الفتح هو وخالد بن الوليد معاً، وقتل يوم أحد أبوه وإخوته الحارث وكلاب ومسافع وعمه عثمان بن أبي طلحة، ودفع إليه رسول الله رَّيّة يوم الفتح وإلى ابن عمه شيبة مفاتيح الكعبة أقرها عليهم في الإسلام كما كانت في الجاهلية، ونزل قول الله تعالى في ذلك: (إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها) واستشهد عثمان رحمه الله بأجنادين في أول خلافة عمر. ٤٥ ضربةَ رجلٍ واحد، فيتفرَّقُ دمه في القبائل، فلا تدري بنو عبد مناف بعد ذلك كيف تصنعُ، ولا يُمكِنُهَا معاداة القبائل كلها، ونسوقُ إليهم ديته، فقال الشيخ: لله دَرُّ الفتى، هذا واللَّهِ الرأيُّ، قال: فتفرَّقوا على ذلك، واجتمعوا عليه، فجاءه جبريلُ بالوحيٍ من عند ربه تبارك وتعالى، فأخبره بذلك، وأمره أن لا ينام في مَضجعهِ تلكَ الليلةِ(١). قصة هجرته ێ وجاء رسولُ الله ◌ٍِّ إلى أبي بكر نِصفَ النهارِ في ساعةٍ لم يكن يأتيه فيها مُتَقَنِعاً، فقالَ له: ((أخرِجْ مَنْ عِنْدَك)) فقَالَ: إنما هُم أهلُكَ يا رسولَ اللَّهِ، فقال: ((إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَذِنَ لِي في الخُروُجِ)) فقال أبو بكر: الصحابة يا رسولَ الله؟ فقال رسولُ الله ◌ٍَّ: (نعم)) فقال أبو بكر: فخذ بأبي وأمّ إحدَى راحلتيَّ هاتين، فقال رسولُ الله ◌ٍِّ: ((بالثمن))(٢). نوم علي في مضجعه ثل . وأمر علياً أن يبيت في مَضْجَعِهِ تلكَ الليلة، واجتمعَ أولئك النفرُ مِن قریش يتطلعون من صِيْرِ الباب ويرصُدُونه، ويُرِيدون بياتَه، ويأتمرونَ أيهم يكونُ أشقاها، فخرج رسول الله ◌َّ عليهم فأخذ حَفنةً من البطحاء، فجعل يَذُرُّهُ على رؤوسهم، وهم لا يرونه، وهو يتلو: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدَّاً وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدَّاً فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لاَ يُبْصِرُونَ﴾ [يس: ٩] ومضى رسولُ الله ◌ٍَّ إلى بيت أبي بكر، فخرجا مِن خَوْخَةٍ في دار أبي بكر ليلاً، وجاء رجلٌ، ورأى القوم ببابه، فقال: ما تنتظرون؟ قالوا: محمداً، قال: خِبْتُم وخَسِرْتُم قد واللهِ مرَّ بِكُمْ وذرّ على رؤوسكم الترابَ، قالوا: والله ما أبصرناه، وقاموا ينفضُون التراب عن رؤوسهم، وهم: أبو جهل، والحكمُ بنُ العاص، وعُقْبَةُ بن أبي معيط، (١) أخرجه ابن هشام في ((السيرة) ١/ ٤٨٠، ٤٨٣ عن ابن إسحاق: حدَّثني من لا أتهم من أصحابنا عن عبد الله بن أبي نجيح، عن مجاهد بن جبر أبي الحجاج وغيره ممن لا أتهم، عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما ... ورجاله ثقات غير شيخ ابن إسحاق، فإنه لا يعرف. (٢) أخرجه البخاري ١٨٣/٧ في الفضائل: باب هجرة النبي قال وأصحابه من حديث عائشة . ٤٦ والنَّضرُ بن الحارث، وأميَّةُ بن خلف، وزمعةُ بن الأسود، وطُعيمة بن عدي، وأبو لهب، وأُبيُّ بن خلف، ونبيه ومنبّه ابنا الحجاج، فلما أصبحوا، قام علي عن الفراش، فسأَلُّوه عن رسول الله ◌َّة، فقال: لا عِلم لي به(١). ثم مضى رسولُ الله ◌َّ وأبو بكر إلى غار ثورٍ، فدخلاه، وضربَ العنكبوتُ على بابه(٢). وكانا قد استأجرًا عبدَ اللهِ بن أُرَيْقِطِ الليثي، وكان هادِياً ماهِراً بالطريق، وكان على دِين قومه من قريش، وأمناه على ذلك، وسلَّما إليه راحلتيهما، وواعداه غارَ ثور بعد ثلاث(٣)، وجدَّت قريش في طلبهما، وأخذوا معهم القافَة، حتى انتهوا إلى بابِ الغار، فوقفوا عليه. ففي ((الصحيحين)) أن أبا بكر قال: يا رسولَ اللَّهِ لو أنَّ أحَدَهُم نظر إلى (١) أخرجه ابن سعد ٢٢٧/١، ٢٢٨ من طريق الواقدي، وأخرجه ابن هشام في ((السيرة)) ٤٨٣/١ عن ابن إسحاق حدَّثني يزيد بن زياد، عن محمد بن كعب القرظي ... وأخرج عبد الرزاق في ((المصنف)) ٣٨٩/٥، وأحمد ٣٤٨/١ من طريق عثمان بن عمرو بن ساج، عن مقسم مولى ابن عباس، أخبره ابن عباس في قوله تعالى: (وإذ يمكر بك ... ) قال: تشاورت قريش ليلة بمكة، فقال بعضهم: إذا أصبح فأثبتوه بالوثاق يريدون النبي ملّة، وقال بعضهم: بل اقتلوه، وقال بعضهم: بل أخرجوه، فأطلع الله عز وجل نبيه على ذلك، فبات عليّ على فراش النبي ◌َُّ تلك الليلة، وخرج النبي ◌َّر حتى لحق بالغار، وبات المشركون يحرسون علياً، يحسبونه النبي ◌َ*، فلما أصبحوا، ثاروا إليه، فلما رأوا علياً، رد الله مكرهم، فقالوا: أين صاحبك هذا؟ قال: لا أدري، فاقتصوا أثره، فلما بلغوا الجبل، خلط عليهم، فصعدوا في الجبل، فمروا بالغار، فرأوا على بابه نسج العنكبوت، فقالوا: لو دخل ها هنا لم يكن نسج العنكبوت على بابه، فمكث فيه ثلاث ليال)) وقد حسنه الحافظ أبن كثير وابن حجر في ((الفتح)» ٧/ ١٨٤، ١٨٥ مع أنه قال في عثمان بن عمرو بن ساج في ((التقريب)): فيه ضعف. تقدم تخريجه في التعليق السابق، وقد ذكر الحافظ في ((الفتح)) من مسند أبي بكر (٢) رقم (٧٣) للمروزي شاهداً لنسج العنكبوت من حديث الحسن مرسلاً ورجاله ثقات. (٣) أخرجه البخاري ٧/ ١٨٦ . ٤٧ ما تحت قَدَمَيْهِ لأبصرنا فقال: ((يَا أَبَا بَكْر مَا ظَنُكَ بِاثْنَيْنِ اللَّهُ ثَالِثُهُمَا لاَ تَحْزَنْ فإنَّ اللَّهَ مَعَنَا))(١) وكان النبيُّ نَّهِ وأبو بكر يسمعانِ كلامَهم فوقَ رؤوسهما، ولكن الله سُبحانه عمَّى عليهم أمرَهما، وكان عامِر بن فُهيرة يرعى عليهما غنماً لأبي بكر، ويتسمَّع ما يُقال بمكة، ثم يأتيهما بالخبر، فإذا كان السحر سَرَحَ مع الناسِ(٢). قالت عائشة: وجهَّزناهُما أحث الجِهازِ، ووضَعْنَا لهمَا سُفرة في جِرابٍ، فَقَطَعَتْ أسماءُ بنتُ أبي بكر قطعةً مِنْ نِطاقها، فأوْكَتْ بِهِ الجِراب، وقطعتِ الأُخرى فصيَّرتها عِصاماً لِفِم القِربة، فلذلك لُقُبَتْ، ذاتَ النطاقين(٣). وذكر الحاكم في ((مستدركه)) عن عمر قال: خرج رسولُ اللَّهِ مَّ إلى الغار، ومعه أبو بكر، فجعل يمشي ساعة بين يديه، وساعة خلفه، حتى فَطِنَ له رسولُ الله ◌َ﴿، فسأله، فقال له: يا رسول الله أذكُر الطلبَ، فأمشي خلفك، ثم أذكُر الرصَدَ، فأمشي بين يديك فقال: ((يا أبا بكر لو كان شيء أحببتَ أن يكون بِكَ (١) أخرجه البخاري ٨/٧ و٩ و١٠ في فضائل أصحاب النبي لة: باب مناقب المهاجرين وفضلهم، وباب هجرة النبي ◌ّ وأصحابه إلى المدينة، وفي تفسير سورة براءة: باب قوله تعالى: (ثاني اثنين إذ هما في الغار)، ومسلم (٢٣٨١) في فضائل الصحابة: باب من فضائل أبي بكر الصديق رضي الله عنه. (٢) الذي في البخاري ١٨٥/٧: ((إن عبد الله بن أبي بكر كان يبيت معهما في الغار، وهو شاب ثقف لقن، فيدلج من عندهما بسحر، فيصبح مع قريش بمكة كبائت، فلا يسمع أمراً يُكتادانِ به إلا وعاه حتى يأتيهما بخبر ذلك حين يختلط الظلام، وأما عامر بن فهيرة، فكان مولى لأبي بكر يرعى عليهما منحة من غنم، فيريحها عليهما حين تذهب ساعة من العشاء فيبيتان في رسل - وهو لبن منحتهما ورضيفهما - حتى ينعق بها عامر بن فهيرة بغلس يفعل ذلك كل ليلة من تلك الليالي الثلاث)) ووقع في حديث ابن عباس عند ابن عائذ في هذه القصة: ثم يسرح عامر بن فهيرة، فيصبح في رعيان الناس كبائت فلا يفطن به، وفي رواية موسى بن عقبة عن ابن شهاب: وكان عامر أميناً مؤتمناً حسن الإِسلام. (٣) أخرجه ابن سعد ٢٢٩/١، وأخرجه البخاري ١٨٣/٧، ١٨٤ ولفظه: قالت عائشة: فجهزناهما أحث الجهاز، وصنعنا لهما سفرة في جراب، فقطعت أسماء بنت أبي بكر قطعة من نطاقها، فربطت به على فم الجراب، فبذلك سميت ذات النطاقين. ٤٨ دوني؟)) قال: نعم والَّذي بعثك بالحقِّ، فلما انتهى إلى الغار قال أبو بكر: مكانَكَ يارسولَ الله حتى أستبرىءَ لك الغارَ، فدخل، فاستبرأه، حتى إذا كان في أعلاه ذكر أنه لم يستبرىء الجِحَرَةَ، فقال: مكانك يا رسول الله حتى أستبرىء الجِحَرَةَ ثم قال: انزلْ يا رسولَ الله، فنزل(١)، فمكثا في الغار ثلاث ليالٍ حتى خمدت عنهما نارُ الطلب، فجاءهما عبد اللَّهِ بن ◌ُريقط بالراحلتين، فارتحلا، وأردف أبو بكر عامر بن فُهيرة، وسار الدليلُ أمامهما، وعينُ الله تكلؤهما، وتأييدُه يصحبُهما، وإسعاده يرحلُهما ويُنزلهما. قصة سراقة ولما يئس المشركون مِن الظَّفر بهما، جعلُوا لمن جاء بهما دِيَةً كل واحد منهما، فجدَّ الناسُ في الطَّلب، والله غالبٌ على أمره، فلما مرُّوا بحي بني مُذْلجٍ مُصعدِين من قُديد، بَصُرَ بهم رجلٌ من الحيِّ، فوقف على الحيِّ فقال: لقد رأيتُ آنِفاً بالساحل أَسْوِدَةً ما أُراها إلا محمداً وأصحابَه، فَفَطِنَ بالأمر سراقة بن مالك، فأراد أن يكون الظفرُ له خاصة، وقد سبق له من الظَّفَرِ ما لم يكن في حسابه، فقال: بل هم فلان وفلان، خرجا في طلب حاجة لهما، ثم مكث قليلاً، ثم قام فدخل خِباءه وقال لخادمه: اخْرُجْ بالفرس من وراءِ الخِباء، وموعِدُك وراء الأكمة، ثم أخذ رُمحه، وخفض عَالِيِه يَخُطُّ به الأرض حتى رَكِبَ فرسه، فلما قَرُبَ منهم وسمع قِراءة رسولِ الله ◌ِنَّهَ، وأبو بكر يُكْثِرُ الالتفات، ورسول الله وَ له لا يلتفت، فقال أبو بكر: يا رسولَ الله هذا سراقة بن مالك قد رَهَقَنَا، فدعا عليه رسولُ اللهِيٌّ فساخت يدا فرسه في الأرضِ، فقال: قد علمتُ أن الذي أصابني بدعائكما، فادعوا الله لي، ولكما عليّ أن أردّ الناسَ عنكما، فدعا له رسول اللّهِ وَه، فأطلق، وسأل رسولَ اللَّهِ ◌َِّ أن يكتُب له كتاباً، فكتب له أبو (١) رواه الحاكم ٦/٣ عن محمد بن سيرين مرسلاً، وأورده الحافظ في ((الفتح)) ٧/ ١٨٥ عن ((دلائل النبوة)) للبيهقي من مرسل محمد بن سيرين، وقال: وذكر أبو القاسم البغوي من مرسل ابن أبي مليكة نحوه، وذكر ابن هشام من زياداته عن الحسن البصري بلاغاً نحوه. ٤٩ بكر بأمره في أديم(١) وكان الكتابُ معه إلى يوم فتح مكة، فجاءه بالكِتاب، فوقًّاه له رسولُ الله ◌َّةَ، وقال: يَوْمُ وَفَاءٍ وَبِرٍّ، وعرض عليهما الزاد والحِملان، فقالا: لا حاجة لنا به، ولكن عَمِّ عنَّا الطلبَ، فقالَ: قد كُفيتم، ورجع فوجَدَ الناسَ في الطلب، فجعل يقول: قد استبرأتُ لكم الخبر، وقد كفيتم ما ها هنا، وكان أول النهار جاهداً عليهما، وآخره حارساً لهما. فصل أم معبد ثُمَّ مَرَّ رسول الله ◌َّ في مسيره ذلك حتى مرَّ بخيمتي أُمَّ مَعْبَدِ الخُزَاعية، وكانت امرأة بَرْزَةً جَلْدَةً تحتبي بفناء الخيمة، ثم تُطعِمُ وتَسقي مَنْ مَرَّ بها، فسألاها: هل عندها شيء؟ فقالت: واللَّهِ لو كان عندنا شيء ما أَغْوَزَكُم القِرَى، والشَّاءُ عازِب، وكانت سنة شهباء، فنظَر رسولُ الله ◌ََّ إلى شاة في كِسْرِ الخيمة، فقال: ما هذه الشاة يا أمّ معبد؟ قالت: شاة خلفها الجَهْدُ عن الغنم، فقال: هل بِهَا مِنْ لبن؟ قالت: هي أجهدُ مِن ذلك، فقال: أتأذنين لي أن أَحلِبَها؟ قالت: نعم، بأبي وأمي، إن رأيتَ بها حَلْباً فاحلُبها، فمسحَ رسول الله ◌ٌَّ بِيدِهِ ضَرْعَها، وسمَّى الله ودعا، فتفاجَّت عليه، ودرَّت، فدعا بإناء لها يُربِضُ الرَّهطَ، فحلب فيه حتى علته الرَّغوة، فسقاها فشربت حتى رَوِيَت، وسقى أصحابه حتى رَووا، ثم شرب، وحلب فيه ثانياً، حتى ملأ الإِناء، ثم غادره عندها، فارتحلُوا، فقلَّما لَبِشَتْ أن جاء زوجُها أبو معبد يسوق أعنزاً عِجافاً، يتساوكن هُزالاً لا نِقِي بهن، فلما رأى اللّن، عَجِبَ، فقال: مِن أين لك هذا، والشاةُ عازب؟ ولا حَلُوبَةَ في البيت؟ فقالت: لا واللَّهِ إلا أنَّه مر بنا رجلٌ مبارك كان من حديثه كيت وكيت، ومِن حاله كذا وكذا. قال: واللهِ إني لأُراه صاحِبَ قريش الذي تطلُبه، صِفيه لي يا أمّ معبد، قالت: ظاهرُ الوَضَاءة، أبلجُ الوجه، حَسَنُ الخَلْقِ، لم تعبه ثُجْلَة، ولم تُزْر به (١) أخرجه البخاري ١٨٦/٧، ١٨٨، والحاكم ٦/٣، ٧ من حديث سراقة، وأخرج بعضه مسلم (٢٠٠٩) من حديث البراء، وأخرجه البخاري ١٩٦/٧، وأحمد ٢١١/٣ من حديث أنس. ٥٠ صُعْلَةٍ، وسيم قَسِيم، في عَيْنَيْهِ دَعَجٌ، وفي أَشْفَارِهِ وطَفٌ، وفي صوته صَحَل، وفي عُنُقِهِ سَطَعٌ، أحورُ، أكحل، أزجُ، أقرنُ، شديدُ سواد الشعر، إذا صمت علاه الوقارُ، وإن تكلم، علاه البهاءُ، أجملُ الناس وأبهاهُم مِن بعيد، وأحسنُه وأحلاه من قريب، حُلْوُ المنطق، فَصْلٌ، لا نَزْر وَلا هَذْر، كأنَّ منطقه خرزاتُ نَظُمِ يَتَحَدَّرْنَ، ربعةٌ، لا تقحمُه عينٌ مِن قصر، ولا تشنؤُهُ مِن طول، غصنٌ بين غُصنين، فهو أنضرُ الثلاثة منظراً، وأحسنُهم قَدْرَاً، له رُفقاء يحقُّون به، إذا قال: استمعوا لقوله، وإذا أمر، تبادرُوا إلى أمره، محفودٌ محشودٌ، لا عابسٌ ولا مُفْنِدٌ، فقال أبو معبد: واللَّهِ هذا صاحبُ قريش الذي ذكروا من أمره ما ذكروا، لقد هممتُ أن أصحبَه، ولأفعلنَّ إن وجدتُ إلى ذلك سبيلاً، وأصبح صوت بمكة عالياً يسمعونه ولا يرون القائل: رَفِيقَيْنِ حَلَّ خَيْمَتَيْ أُمّ مَعْبَدٍ جَزَى اللَّهُ ربُّ العَرْشِ خَيْرِ جَزَائِهِ وَأَفْلَحَ مَنْ أَمْسَى رَفِيقَ مُحَمَّدٍ هُمَانَزِلاَ بِالبِرِّوَارْ تَحَلابِهِ بِهِ مِنْ فَعَالٍ لاَيُجَازَى وَسُودَدِ فَيَا لَقُصَيٍّ مَا زَوَى اللَّهُ عَنْكُمُ وَمَفْعَدُهَا لِلْمُؤْمِنِينَ بِمَرْصَدِ لِيَهْن بَنِي كَعْبٍ مَكَانُ فَتَاتِهِمْ فَإِنَّكُمُ إِنْ تَسْأَلُوا الشَّاءَ تَشْهَدِ(١) سَلُوا أُخْتَكُمْ عَنْ شَاتِهَا وَإِنَائِها (١) حديث حسن، أخرجه الحاكم ١٠،٩/٣ من حديث هشام بن حبيش، وأورده الهيثمي في ((المجمع)) ٥٨/٦، ونسبه للطبراني وقال: وفي إسناده جماعة لم أعرفهم، وله شاهدان آخران من حديث جابر وأبي معبد الخزاعي، ذكرهما الحافظ ابن كثير في ((البداية)) ١٩٢/٣، ١٩٤، وأخرجه ابن سعد في ((الطبقات)) ٢٣٠/١، ٢٣١ وكسر الخيمة: جانبها، ويربض الرهط: يرويهم ويثقلهم حتى يناموا ويمتدوا على الأرض من ربض بالمكان: إذا لصق به وأقام، وتفاجت: فرجت ما بين رجليها، ويتساوكن: يتمايلن من شدة ضعفهن، والنقي: مخ العظم، والشاء عازب: أي بعيدة المرعى، وأبلج الوجه: مشرقه ومسفره، والثُّجلة: ضخامة البطن، والصعلة: صغر الرأس، والوسيم: الحسن، وكذلك القسيم، والدعج: سواد العين، وقوله: ((وفي أشفاره وطف)»، أي: في شعر أجفانه طول، والمحفود: الذي يخدمه أصحابه ويعظمونه ويسرعون في طاعته، والمحشود: هو الذي يجتمع إليه الناس، وقوله : = ٥١ قالت أسماء بنت أبي بكر: ما دَرَيْنَا أين توجه رسولُ الله ◌َّة، إذ أقبل رجل من الجن من أسفل مكة، فأنشد هذه الأبيات، والنَّاس يتَّبعونه ويسمعونَ صوته، ولا يرونه حتى خرج من أعلاها، قالت: فلما سَمِعْنَا قولَه، عرفنا حيثُ توجه رسولُ اللهِ بَ﴾، وأن وجههُ إلى المدينة. فصل وبلغ الأنصارَ مخرجُ رسولِ اللهِ بَّهُ مِن مَّةَ، وقصدُه المدينة، وكانوا يخرجونَ كُلَّ يومٍ إلى الحَرَّة ينتظرونه أول النهار، فإذا اشتد حرُّ الشمس، رجعُوا على عادتهم إلى منازلهم، فلما كان يومُ الاثنين ثاني عشر ربيع الأول على رأس ثلاث عشرة سنةً مِن النبوة، خرجُوا على عادتهم، فلما حَمِيَ حرُّ الشمس رجعوا، وصَعِدَ رجل من اليهود على أطم من آطام المدينة لبعض شأنه، فرأى وصوله ◌َّ إلى المدينة رسولَ الله ◌َّ وأصحابه مُبيِّضِينَ، يزولُ بهم السرابُ، فصرخ بأعلى صوته: يا بني قَيْلَةَ هذا صَاحِبُكم قد جاء، هذا جَدُّكُم الذي تنتظرونه، فبادر الأنصار إلى السلاح ليتلقَّوْا رسولَ اللهِبَّهَ، وسُمِعَتِ الرَّجَّةُ والتَّكْبِيرُ في بني عمرو بن عوف، وكَبَّر المسلمون فرحاً بقُدومه، وخرجوا للقائه، فتلقَّوْه وحيَّوْه بتحية النبوة، فأحدقوا به مطيفين حوله، والسَّكينة تغشاه، والوحي ينزل عليه ﴿فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلاَهُ وجبريلُ وَصَالِحُ المؤمنين والملائكةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ﴾ [التحريم: ٤]، فسار حتى نزل بقُباء في بني عمرو بن عوف، فنزل على كُلْتُومِ بْنِ الهِدْمِ، وقيل: بل على سَعْدِ بن خَيْثَمَةَ، والأول أثبت، فأقام في بني عمرو بن عوف أربع عشرةَ ليلةً وأسَّس مسجِدَ قُباء، وهو أوَّلُ مسجد، أُسِّسَ بعد النبوة(١). = ((لا عابس ولا مفند)) المفند: بكسر النون هو الذي يكثر لومه. (١) أخرجه ابن سعد في ((الطبقات)) ٢٣٣/١، وأخرجه البخاري بنحوه ١٨٩/٧، ١٩٠ من طريق ابن شهاب أخبرني عروة بن الزبير أن رسول الله وَ ◌ّر لقي الزبير ... قال الحافظ: وصورته مرسل، لكن وصله الحاكم ١١/٣ أيضاً من طريق معمر عن الزهري قال: أخبرني عروة بن الزبير أنه سمع الزبير، وأخرجه ابن هشام في = ٥٢ فلما كان يوم الجمعة رَكِبَ بأمر الله له، فأدركته الجمعةُ في بني سالم بن عوف، فجمَّع بهم في المسجد الذي في بطن الوادي. ثم رَكِبَ، فأخذوا بِخِطَام راحلته، هَلُمَّ إلى العدد والعُدَّة والسلاح والمنعة، فقال: ((خَلُوا سَبِيلَهَا، فَإِنَّهَا مَأْمُورَةٌ)) فلم تزل ناقته سائرة به لا تمرُّ بدارٍ من دُور الأنصار إلا رغِبُوا إليه في النزول عليهم، ويقول: ((دَعُوهَا فَإِنَّهَا مَأْمُورَةٌ)) فسارت حتَّى وصلت إلى موضع مسجده اليومَ، وبركت، ولم ينزل عنها حتى نَهَضَتْ وسَارَتْ قليلاً، ثم التفتت، فرجعت، فبركت في موضعها الأول، فنزل عنها، وذلك في بني النجار أخوالِهِ مَّ. وكان من توفيق الله لها، فإنه أحبَّ أن ينزِل على أخواله، يُكرمهم بذلك، فجعل الناس يُكلِّمون رسولَ الله ◌ِ﴾. في النزول عليهم، وبادر أبو أيوب الأنصاري إلى رحله، فأدخله بيته، فجعل رسولُ اللهِ إِ لا يقول: ((المَرْءُ مَعَ رَحْلِهِ)) وجاء أسعد بن زرارة، فأخذ بزمام راحلته، وكانت عنده(١) وأصبح كما قال أبو قيس صرمة الأنصاري، وكان ابن عباس يختلف إليه يتحقَّظُ منه هذه الأبيات: يُذَكِّرُ لَوْ يَلْقَى حَبِيباً مُوَاتِيَا ثَوَى في قُرَيْشٍ بِضْعَ عَشْرَةَ حِجَّةً فَلَمْ يَرَمَنْ يُؤْوِي وَلَمْ يَرَ دَاعِيَا وَيَعْرِضُ في أَهْلِ المَوَاسِمِ نَفْسَهُ وأَصْبَحَ مَسْرُورَاَبِطَيْيَةَ رَاضِيَا فَلَمَّا أَتَانًا وَاسْتَقِرّتْ بِهِ النَّوَى بَعِيدٍ وَلاَ يَخْشَى مِنَ النَّاسِ بَاغِيَا وَأَصْبَحَ لاَ يَخْشَى ظُلاَمَةَ ظَالِمٍ ((السيرة)) ٤٩٢/١ من حديث ابن إسحاق حدَّثني محمد بن جعفر بن الزبير، عن = عروة بن الزبير، عن عبد الرحمن بن عويمر بن ساعدة قال: حدَّثني رجال من قومي من أصحاب رسول الله بَّه به، وقوله: ((مبيضين)) أي: عليهم الثياب البيض، وقوله: ((هذا جدكم)) أي: حظكم وصاحب دولتكم الذي تتوقعونه، وفي رواية معمر: «هذا صاحبکم». (١) انظر ((صحيح مسلم)) ١٦٢٣/٣ رقم الحديث (١٧١) والبخاري ١٩٦/٧، ١٩٧، و ((الطبقات)) ٢٣٧/١، و((مجمع الزوائد)) ٦٣/٦، وسيرة ابن كثير ٢٧٩/٢ و٢٨٠، وسيرة ابن هشام ١ /٤٩٥، ٤٩٦. ٥٣ وَأَنْفُسَنَا عِنْدَ الوَغَى والتآسِيَا بَذَلْنَالَهُ الأَمْوَالَ مِنْ حِلِّمَالِنا جَمِيعاً وَإِنْ كَانَ الحَبِيبَ المُصَافِيَا نُعَادِي الَّذِي عَادَى مِنَ النَّاس كُلِّهِمْ وأَنَّ كِتَابَ اللَّهِ أَصْبَحَ هَادِيَا(١) وَنَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ لاَ رَبَّ غَيْرُهُ معنى: ﴿أدخلني مدخل صدق ... ﴾ قال ابنُ عباس: كان رسولُ الله ◌ِ﴾َ بمكة، فأمِرَ بالهِجْرَةِ وأُنزِلَ عَلَيْهِ: ﴿وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطاناً نَصِيراً﴾ [الإسراء: ٨٠](٢). قال قتادة: أخرجه اللَّهُ مِن مكَّة إلى المدينة مخْرَجَ صدق ونبيُّ اللَّهِ يعلم أنه لا طاقة له بهذا الأمر إلا بسلطان، فسأل الله سُلطاناً نصيراً، وأراه اللَّهُ عزَّ وجلَّ دار الهجرة، وهو بمكّة فَقَالَ: ((أُرِيتُ دَارَ هِجْرَتِكُمْ بِسَبْخَةٍ ذَاتِ نَخْلٍ بَيْنَ لابَتَيْنِ))(٣). وذكر الحاكم في ((مستدركه)) عن علي بن أبي طالب أن النبيَّ ◌َّ قال لجبريل: مَنْ يُهَاجِرُ مَعِي؟ قال: أَبُو بَكرِ الصِّدِّيقُ(٤). قال البراءُ: أَوَّلُ مَن قَدِمَ عَلَيْنَا مِنْ أَصحَابٍ رسولِ اللهِ وَّ مُصْعَبُ بنُ عُمير وابنُ أُمِّ مكتومٍ، فجعلا يُقْرِئانِ النَّاسَ القرآنَ، ثم جاء عمارٌ وبِلالٌ وسعدٌ، ثم جاء عمرُ بن الخطّاب رضي الله عنه في عشرين راكباً، ثُمَّ جاءَ رَسُولُ اللَّهِ ◌ََّ، فما (١) سيرة ابن هشام ١/ ٥١٢. (٢) أخرجه أحمد والترمذي (٣١٣٨) في التفسير: باب ومن سورة بني إسرائيل، وفي سنده قابوس بن أبي ظبيان، لينه الحافظ في ((التقريب)) ومع ذلك، فقد صححه الترمذي والحاكم في ((المستدرك)) ٣/٣ ووافقه الذهبي. (٣) أخرجه الحاكم في ((المستدرك)) ٣/٣، ٤ من حديث عائشة، وسنده جيد، وصححه الحاكم، ووافقه الذهبي، وفي البخاري ٣٨٩/٤ في الكفالة: باب جوار أبي بكر تعليقاً، وقال أبو صالح: حدَّثني عبد الله، عن يونس، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة وفيه: فقال رسول الله العلي: ((قد أريت دار هجرتكم رأيت سبخة ذات نخل بين لابتين، وهما الحرتان. وأخرجه أحمد ١٩٨/٦ من طريق عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن عروة، عن عائشة. وسنده صحيح. (٤) أخرجه الحاكم في ((المستدرك)) وصححه، ووافقه الذهبي. ٥٤ رأيتُ النَّاسَ فَرِحُوا بشيءٍ كَفَرِحِهِمْ بِهِ حَتَّى رَأَيْتُ النِّسَاءَ والصِّبْيَانِ والإِمَاءِ يَقُولُونَ: هذا رَسُولُ اللَّهِ قَدْ جَاءً (١). وقال أنس: شهدتُه يومَ دخلَ المدينة فما رأيتُ يوماً قطُّ، كان أحسنَ ولا أضوأَ مِن يوم دخلَ المدينة علينا، وشهدتُهُ يَوْمَ ماتَ، فما رأيتُ يوماً قطُّ، كان أقبحَ ولا أظلمَ مِن يومٍ مات (٢). فأقام في منزل أبي أيوب حتى بنى حُجَرَه ومسجدَه، وبعثَ رسولُ اللهِلَّه وهو في منزل أبي أيوب زَيْدَ بْنَ حارِثة وأبا رافع، وأعطاهما بَعِيرَيْنِ وخمسمائة درهم إلى مكة فَقَدِمَا عليه بفاطمة وأمِّ كلثوم ابنتيه، وسودةَ بنتِ زمعة زوجتِهِ، وأسامةَ بنِ زيد، وأُمِّه أم أيمن، وأما زينبُ بنت رسول الله تَّ فلم يُمكِّنْها زوجُها أبو العاص بن الربيع من الخروج، وخَرج عبدُ الله بن أبي بكر معهم بِعيال أبي بكر، ومنهم عائشة فنزلوا في بيت حارثة بن النعمان (٣). قدوم أهله فل من مكة فصل في بناء المسجد قال الزهري: بَرَكَتْ ناقةُ النبيِّ ◌ََِّ مَوْضِعَ مسجده وهو يومئذ يُصلِّي فيه رجالٌ من المسلمين، وكان مِرْبَداً لِسَهْلٍ وَسُهَيْل غلامين يتيمين من الأنصار، كانا في حَجْرِ أسعد بنِ زُرارة، فساوم رسولُ اللهَ﴿َ الغُلامَيْنِ بالمِرْبَدِ، لِيتخذَهُ مسجداً، فقالا: بل نَهَبُهُ لَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَأَبَى رَسُولُ الله ◌ِّه، فَابْتَاعَهُ مِنْهُمَا بِعَشْرَةِ دَانِيرَ، وكانَ جِدَاراً لَيْسَ لَهُ سَقْفٌ، وقِبلتهُ إلى بَيْتِ المقدِسِ، وكانَ يُصلِّي فيهِ ويُجَمِّعُ أسعدُ بن زرارة قبل مَقْدَمِ رَسُولِ الله ◌َيُّهَ، وكان فِيهِ شَجَرَةُ غَرْقَدٍ وخِرَبٌ وَنَخْلٌ وَقُبُورٌ لِلْمُشْرِكِينَ، فَأَمَرَ رسولُ اللهَِّ بالقبور فتُبِشَتْ، وبالخرب (١) أخرجه البخاري ٢٠٣/٧، ٢٠٤ في فضائل أصحاب النبي ◌َّر: باب مقدم النبي وأصحابه، وفي تفسير (سبح اسم ربك الأعلى) والطيالسي ٢/ ٩٤. (٢) أخرجه أحمد ١٢٢/٣، والدارمي ٤١/١، وأسناده صحيح. (٣) ((طبقات ابن سعد)) ٢٣٧/١، ٢٣٨. ٥٥ فَسُوِّيت وبالنَّخلِ والشَّجَرِ فقطعت وصفت في قِبلة المسجد، وجعلَ طولَه مما يلي القِبْلَةَ إلى مؤخره مائةَ ذراعِ، والجانبين مثلَ ذلك أو دونَهُ، وجعلَ أساسه قريباً من ثلاثة أذرع، ثم بنوه باللبن، وجعل رسولُ الله ◌ِّرُ يبني معهم، وَيَنْقُلُ اللَّبِنَ والحِجارَةَ بنفسه ويقول: اللهم لا عَيْشَ إِلاَّ عَيْشُ الآخِرَهُ فَاغْفِرْ لِلأَنْصَارِ وَالمُهَاجِرَةْ و کان یقول: هُذا الحِمَالُ لاَ حِمَالُ خَيْبَر هذا أَبَرُّ رَبَّنَا وَأَظْهَر (١) وجعلوا يرتَجِزُونَ، وهم ينقلُونَ اللَّبِنَ، ويقول بعضهم في رجزه: لَئِنْ قَعَدْنا وَالرَّسُولُ يَعْمَلُ لَذاكَ مِنَّا العَمَلُ المُضَلَّلُ وجعل قِبلته إلى بيتِ المقدس، وجعل له ثلاثةَ أبواب: باباً في مؤخره، وباباً يقال له: باب الرحمة، والباب الذي يدخل منه رسولُ الله ◌َّ، وجعل عمده الجذوع، وسَقفه بالجريد، وقيل له: ألا تُسَقِّفه، فقال: ((لا، عَرِيشٌ كَعَرِيشِ مُوسَى)) وبنى إلى جنبه بيوت أزواجه باللَّبِن، وسقفها بالجريدِ والجذوع، فلما فرغ من البناء بنى بعائشة في البيت الذي بناهُ لها شرقي المسجد قبليه، وهو مكان حُجرته اليوم، وجعل لسودة بنتِ زمعة بيتاً آخر (٢). فصل ثمَّ آخى رسولُ اللهٍِّ بين المهاجِرِينَ والأنصار في دار أنس بن مالك، وكانُوا تسعين رجلاً، نِصفهم مِن المهاجرينَ، ونِصفُهم مِن الأنصارِ، آخى بينهم على المواساة، يتوارثون بعدَ الموتِ دون ذوي الأرحام إلى حين وقعة بدر، فلما المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار (١) أخرجه ابن سعد في ((الطبقات)) ٢٣٩/١، وأخرجه بنحوه البخاري ٧/ ١٩٢، ١٩٣ في المناقب: باب هجرة النبي . وأصحابه إلى المدينة، وأخرجه ٤٣٨/١، ٤٣٩ و٢٠٧/٧، ومسلم (٥٢٤) من حديث أنس بن مالك .. (٢) ((طبقات ابن سعد)) ٢٤٠/١. ٥٦ أنزل اللَّهُ عزَّ وجلّ: ﴿وَأُولُوا الأَزْحَامِ بَعْضُهُم أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابَ اللَّهِ﴾ [الأحزاب: ٦] رد التوارث إلى الرَّحِم دون عقد الأخوة(١). وقد قيل: إنه آخى بين المهاجرين بعضهم مع بعض مؤاخاة ثانية، واتخذ فيها علياً أخاً لنفسه(٢) والثبت الأول، والمهاجرون كانوا مستغنين بأخوة الإِسلام، (١) أخرج البخاري ١٨٦/٨ عن ابن عباس في قوله تعالى: (ولكل جعلنا موالي) قال: ورثة (والذين عاقدت أيمانكم) كان المهاجرون لما قدموا المدينة يرث المهاجري الأنصاري دون ذوي رحمه، للأخوة التي اخى النبي # بينهم، فلما نزلت (ولكل جعلنا موالي) نسخت، ثم قال: (والذين عاقدت أيمانكم، فاتوهم نصيبهم) من النصر والرفادة والنصيحة، وقد ذهب الميراث، ويوصى له، وقال ابن كثير في تفسيره ٤٦٨/٣ قوله تعالى: (وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله) أي في حكم الله (من المؤمنين والمهاجرين) أي القرابات أولى بالتوارث من المهاجرين والأنصار، وهذه ناسخة لما كان قبلها من التوارث بالحلف والمؤاخاة التي كانت بينهم كما قال ابن عباس وغيره: كان المهاجري يرث الأنصاري دون قراباته وذوي رحمه للأخوة التي آخى بينهما رسول الله : *، وكذا قال سعيد بن جبير وغير واحد من السلف والخلف، وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدَّثنا أحمد بن أبي بكر المصعبي - من ساكني بغداد - عن عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن الزبير بن العوام رضي الله عنه قال: أنزل الله عز وجل فينا خاصة معشر قريش والأنصار (وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض) وذلك أنا معشر قريش لما قدمنا المدينة، قدمنا ولا أموال لنا، فوجدنا الأنصار نعم الإِخوان، فواخيناهم، ووارثناهم، فاخى أبو بكر رضي الله عنه خارجة بن زيد، واخى عمر رضي الله عنه فلاناً، وآخى عثمان رضي الله عنه رجلاً من بني زريق بن سعد الزرقي، ويقول بعض الناس غيره، قال الزبير رضي الله عنه: وواخيت أنا كعب بن مالك، فجئته فابتلعت، فوجدت السلاح قد أثقله فيما يرى، فوالله يا بني لو مات يومئذ عن الدنيا ما ورثه غيري حتى أنزل الله تعالى هذه الآية فينا معشر قريش والأنصار خاصة، فرجعنا إلى مو اریثنا . (٢) الأحاديث الواردة في مؤاخاة النبي لة علياً كلها ضعيفة، انظر ((المجمع)) ١١١/٩، و ((اللآلي المصنوعة)) ١٩١، ١٩٤، ٢٠١، والحديث الذي أخرجه الترمذي (٣٧٢٢) وفيه أنه ◌ُّ قال لعلي: ((أنت أخي في الدنيا والآخرة)) وفي سنده جميع بن عمير، اتهمه ابن حبان بالوضع، وقال ابن نمير: كان من أکذب الناس. ٥٧ وأخوة الدار، وقرابةِ النسب عن عقد مؤاخاة بخلاف المهاجرين مع الأنصار، ولو آخِى بَيْنَ المهاجرينَ، كان أحقَّ الناس بأخوته أحبُ الخلق إليه ورفيقُه في الهِجرةِ، وأنيسُه فِي الغارِ، وأفضلُ الصحابة وأكرمُهم عليهِ أبو بكر الصديق وقد قال: ((لَوْ كُنْتُ مُتَّخِذاً مِنْ أَهْلِ الأَرْضِ خَلِيلاً لاَتَّخَذْتُ أَبَا بَكْر خَلِيلاً، وَلَكِنْ أُخْوَةُ الإِسْلاَم أَفْضَلُ)) وفي لفظ ((وَلَكِنْ أَخِي وَصَاحِبي)) (١) وهذه الأخوة في الإِسلام وإن كانت عامة، كما قال: ((وَدِدْتُ أَنْ قَدْ رَأَيْنَا إِخْوَانَنَا قَالُوا: أَلَسْنَا إِخْوَانَكَ؟ قَالَ أَنْتُمْ أَصْحَابِي، وإِخْوَانِي قَوْمٌ يَأْتُونَ مِنْ بَعْدِي يُؤْمِنونَ بِي وَلَمْ يَرَوْنِي)) (٢) فَلِلصِّدِّيق من هذه الأخوة أعلى مراتبها، كما له من الصُّحبة أعلى مراتبها، فالصحابة لهم الأخوة، ومزيةُ الصحبة، ولأتباعه بعدهم الأخوة دون الصحبة. فصل ووادع رسولُ الله ◌َِّ مَن بالمدينة مِن اليهود، وكتب بينه وبينهم كتاباً، وبادر حَبْرَهم وعالمُهم عبدُ اللَّهِ بنُ سلام، فدخل في الإِسلام(٣)، معاهدته 345 مع يهود (١) أخرجه البخاري ١٥/٧ في فضائل أصحاب النبي و له: باب قول النبي يلي لو كنت متخذاً خليلاً، وفي المساجد: باب الخوخة والممر في المسجد، وفي الفرائض: باب ميراث الجد مع الأب والإخوة من حديث ابن عباس، وأخرجه مسلم (٢٣٨٢) في فضائل الصحابة: باب من فضائل أبي بكر رضي الله عنه من حديث أبي سعيد و (٢٣٨٣) من حديث عبد الله بن مسعود و (٥٣٢) في المساجد: باب النهي عن بناء المساجد على القبور من حديث جندب. (٢) أخرجه مسلم (٢٤٩) من حديث أبي هريرة وتمامه: فقالوا: كيف تعرف من لم يأتِ بعد من أمتك يا رسول الله، فقال: ((أرأيت لو أن رجلاً له خیل غرِّ مُحجلة بین ظهري خیل دُهم بُهم ألا يعرف خيله؟)) قالوا: بلى يا رسول الله، قال: ((فإنهم يأتون غرّاً محجلين من الوضوء، وأنا فرطهم على الحوض، ألا ليُذَادَن رجال عن حوضي، كما يذاد البعير الضال أناديهم: ألا هُلمَّ، فيقال: إنهم قد بدّلوا بعدك، فأقول: سحقاً سحقاً). (٣) أخرجه البخاري ٧/ ١٩٥ من حديث أنس بن مالك ... وفيه: فلما جاء نبي الله محلية جاء عبد الله بن سلام، فقال: أشهد أنك رسول الله، وأنك جئت بحق، وقد علمت يهود أني سيدهم وابن سيدهم، وأعلمهم وابن أعلمهم، فادعهم، فاسألهم عني قبل أن يعلمو = ٥٨ وأبى عامَّتُهم إلا الكفرَ. وكانوا ثلاثَ قبائل: بنو قَيْنُقَاعِ، وبنو النَّضير، وبنو قُرَيْظَة، وحاربه الثلاثة، فمنَّ على بني فَيْنُقَاعِ، وأجلى بني النَّضِير، وقتل بني قريظة، وسبى ذُرِّيَّتهم، ونزلت (سورة الحشر) في بَنِي النَّضيرِ، و (سورة الأحزاب) في بني قريظة. فصل وكان يُصلِّي إلى قِبلة بيت المقدس، ويُحِبُّ أن يُصَرفَ إلى الكعبة، وقال لجبريل: ((وَدِدْتُ أَنْ يَصْرِفَ اللَّهُ وَجْهِي عَنْ قِبْلَةِ الْيَهُودِ)) فقال: ((إِنَّمَا أَنَا عَبْدٌ فَادْعُ رَبَّكَ، واسْأَلْهُ)) فَجَعَلَ يُقَلِّبُ وجهه في السماء يرجُو ذُلِكَ حتى أنزل اللَّهُ عليه: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُولِّينَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا، فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ المَسجِدِ الحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٤٤] وذلك بعد ستةَ عشر شهراً مِن مَقْدَمِهِ المَدِينةَ قبل وقعة بدر بشهرين(١). تحويل القبلة قال محمد بن سعد: أخبرنا هاشمُ بن القاسم، قال: أنبأنا أبو معشر عن محمد بنِ كعبِ القُرَظيِّ قال: ما خَالَفَ نَبِيٌّ نَبِيّاً قَطُ فِي قِبْلَةٍ، وَلا فِي سُنَّةٍ إلا أَنَّ أني قد أسلمت، فإنهم إن يعلموا أني قد أسلمت، قالوا، في ما ليس في ... = (١) أخرجه ابن سعد في ((الطبقات)) ٢٤١/١ من طريق الواقدي عن إبراهيم بن إسماعيل بن أبي حبيبة، عن داود بن الحصين، عن عكرمة، عن ابن عباس ... وأخرج البخاري ٤٢١/١ من حديث البراء أن النبي بي صلى نحو بيت المقدس ستة عشر شهراً أو سبعة عشر شهراً، وكان رسول الله لا يحب أن يوجه إلى الكعبة، فأنزل الله عز وجل: (قد نرى تقلب وجهك في السماء) فتوجه نحو الكعبة، وقال السفهاء من الناس وهم اليهود: (ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها قل الله المشرق والمغرب يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم) فصلى مع النبي محدثة رجل، ثم خرج بعدما صلى، فمر على قوم من الأنصار في صلاة العصر، وهم ركوع نحو بيت المقدس، فقال: هو يشهد أنه صلى مع رسول الله محلّ وأنه توجه نحو الكعبة، فتحرف القوم حتى توجهوا نحو الكعبة. وأخرجه الترمذي (٢٩٦٦). ٥٩ رَسُولَ اللَّهِ اَلِّ اسْتَقْبَلَ بَيْتَ المَقْدِسِ حِينَ قَدِمَ المَدِينَ سِنَّةَ عَشَرَ شَهْرَاً، ثم قَرأَ: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحَاً وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾(١) [الشورى: ١٣]. وكان للَّهِ في جعل القِبلة إلى بيت المقدس، ثم تحويلها إلى الكعبة حِكَمٌ عظيمة، ومِحْنَةٌ للمسلمين والمشركين واليهود والمنافقين. فأما المسلمون، فقالوا: سَمِعْنَا وأطعنا وقالُوا: ﴿آَمنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ [آل عمران: ٧] وهم الذين هدى الله، ولم تكن كبيرةً عليهم. وأما المشرِكُونَ، فقالُوا: كما رجع إلى قبلتنا يُوشِكُ أن يَرْجعَ إلى ديننا، وما رجع إليها إلا أنه الحقُّ. وأما اليهودُ، فقالوا: خالف قِبلة الأنبياء قبله، ولو كان نبياً، لكان يُصلِّي إلى قبلة الأنبياء. وأما المنافقون، فقالوا: ما يدري محمد أين يتوجه إن كانت الأولى حقاً، فقد تركها، وإن كانت الثانية هي الحق، فقد كان على باطل، وكثرت أقاويلٌ السفهاء مِن الناس، وكانت كما قال الله تعالى: ﴿وإنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّ عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ﴾ [البقرة: ١٤٣] وكانت مِحنة من اللَّهِ امتحن بها عبادَهُ، ليرى من يتَعُ الرسول منهم ممن يَنْقَلِبُ علی عَقِبَیه. ولما كان أمرُ القِبلة وشأنُها عظيماً، وطَّأ - سبحانه - قبلها أمرَ النسخ وقُدرته عليه، وأنَّه يأتي بخيرٍ مِن المنسوخ أو مثله، ثم عقّب ذلك بالتوبيخ لمن تعنَّت رسول الله مَّةِ، ولم يَنْقَدْ له، ثم ذكر بعده اختلافَ اليهود والنصارى، وشهادةَ بعضهم على بعض بأنهم ليسوا على شيء، وحذَّر عباده المؤمنين من موافقتهم، واتباع أهوائهم، ثم ذكر كُفرهم وشِركَهم به، وقولهم: إن له ولداً، سبحانه وتعالى عما يقولون علواً، ثم أخبر أن له المشرِقَ والمغرب، وأينما يُوَلِّي (١) ((الطبقات)) ٢٤٣/١ وأبو معشر، واسمه نجيح بن عبد الرحمن السندي ضعيف. ٦٠