Indexed OCR Text

Pages 21-40

بسُمَيَّةَ أم عمار بن ياسر، وهي تُعذَّبُ، وزوجُهَا وابنها، فطعنها بَحَرْبَةٍ في فرجها
حتى قتلها .
كان الصِّدِّيقُ إذا مرَّ بأحدٍ من العبيد يُعذَّب، اشتراهُ منهم، وأعتقه، منهم
بلالٌ، وعامِرُ بن فُهَيْرَةَ، وأم عُبيس، وزِنِّيرَة، والنهدية، وابنتها، وجارية لبني
عدي كان عمر يُعذِّبها على الإِسلام قبل إسلامه، وقال له أبوه: يا بنيَّ أراك تَعْتِقُ
رِقاباً ضِعافاً، فلو أنك إذا فعلتَ ما فعلتَ أعتقتَ قوماً جُلْدَاً يمنعونك، فقال له أبو
بكر: إني أُرِيدُ ما أُرِيدُ.
شراء الصديق للعبيد
المعذبين
الهجرة الأولى إلى
الحبشة
فلما اشتد البلاءُ، أذِنَ اللَّهَ سبحانه لهم بالهجرة الأولى إلى أرض الحبشة،
وكان أوَّلَ من هاجر إليها عثمان بن عفان، ومعه زوجتهُ رُقِيَّةُ بنتُ رسول الله ◌ِّ ،
وكان أهلُ هُذه الهجرة الأولى اثني عشَرَ رجلاً، وأربع نسوة: عثمانُ، وامرأته،
وأبو حذيفة، وامرأتهُ سهلة بنت سهيل، وأبو سلمة، وامرأتُهُ أم سلمة هند بنت أبي
أمية، والزبير بن العوّام، ومصعب بن عمير، وعبدُ الرحمن بن عوف،
وعثمانُ بن مظعون، وعامرُ بن ربيعة، وامرأتُهُ ليلى بنت أبي حَئمة، وأبو سَبْرَةَ بن
أبي رُهْم، وحاطب بن عمرو، وسهيل بن وهب، وعبد الله بن مسعود. وخرجوا
متسللين سراً، فوفَّق الله لهم ساعة وصولهم إلى الساحل سفينتين للتجار،
فحملُوهم فيهما إلى أرضٍ الحبشة، وكان مخرجُهم في رجب في السنة الخامسة
من المبعث، وخرجت قريشٌ في آثارهم حتى جاؤوا البحرَ، فلم يُدرِكُوا منهم
أحداً، ثم بلغهم أن قريشاً قد كفُّوا عن النبي ◌ََّ، فرجعوا، فلما كانوا دون مكة
بساعة من نهار، بلغهم أن قريشاً أشدُّ ما كانُوا عداوةً لرسول الله ◌ََّ، فدخلَ مَنْ
دخل بجوار، وفي تلك المرة دخل ابن مسعود، فسلم على النبي ◌َّة وهو في
الصَّلاةِ، فلم يرُدَّ عليه، فتعاظَمَ ذلك على ابن مسعود، حتى قال له النبيُّ وَّه : ((إِنَّ
اللَّهَ قَدْ أَحْدَثَ مِنْ أَمْرِهِ أن لاَ تَكَلَّمُوا في الصَّلاةِ»(١) هذا هو الصوابُ، وزعم ابنُ
هل قدم ابن مسعود مكة
من الهجرة الأولى إلى
الحبشة
(١) أخرجه الشافعي ٩٥/١، وأبو داود (٩٢٤) في الصلاة: باب رد السلام في الصلاة
عن عبد الله قال: كنا نسلم على النبي ◌ّ وهو في الصلاة قبل أن نأتي أرض =
٢١

سعد وجماعةٌ أن ابنَ مسعود لم يدخُلْ، وأنه رجع إلى الحبشةِ حتى قَدِمَ في المرة
الثانية إلى المدينةِ معَ مَنْ قَدِمَ، ورُدَّ هذا بأن ابن مسعود شهد بدراً، وأجهز على
أبي جهل، وأصحابُ هذهِ الهِجْرة إنما قَدِمُوا المدينة مع جعفر بن أبي طالب
وأصحابِهِ بعد بدر بأربع سنين أو خمس.
قالوا: فإن قيل: بل هَذَا الذي ذكره ابنُ سعد يُوافق قولَ زيدٍ بن أرقم: ((كنّا
نتكلّم في الصَّلاة، يكلّم الرَّجُلُ صاحبه، وهو إلى جنبه في الصلاة حَتَّى نَزَلَتْ:
﴿وَقُومُوا للَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨] فَأُمِرْنَا بالسُّكُوتِ، وَنُهِينَا عَنِ الكَلاَمِ)) (١)،
وزيدُ بن أرقم من الأنصار، والشُّورةُ مدنية، وحينئذ فابن مسعود سلَّم عليه لما
قدمَ وهو في الصلاة، فلم يَرُدَّ عليه حتى سلم، وأعلمه بتحريم الكلام، فاتفق
حديثه وحديث ابن أرقم.
قيل: يُطِلُ هذا شهود ابن مسعود بدراً، وأهلُ الهِجرة الثانية إنما قَدِمُوا عامَ
خيبر مع جعفرٍ وأصحابه، ولو كان ابنُ مسعود ممن قَدِمَ قبل بدر، لكان لِقدومه
ذِكر، ولم يذكر أحد قدومَ مهاجري الحبشة إلا في القَدْمَةِ الأولى بمكة، والثانية
عامَ خيبر مع جعفر، فمتى قدم ابن مسعود في غير هاتين المرتين ومع من؟ وبنحو
الحبشة، فيرد علينا وهو في الصلاة، فلما رجعنا من أرض الحبشة، أتيته لأسلم
=
عليه، فوجدته يصلي، فسلمت عليه، فلم يرد علي، فأخذني ما قَرُبَ وما بَعُدَ،
فجلست حتى إذا قضى صلاته، أتيته، فقال: ((إن الله يحدث من أمره ما يشاء، وإن
مما أحدث الله ألا تكلموا في الصلاة)) فرد علي السلام. وسنده حسن، وصححه ابن
حبان، ورواه البخاري ٥٨/٣، ٥٩، ومسلم (٥٣٨) بلفظ: (كنا نسلم على
رسول الله ◌ٍ وهو في الصلاة، فيرد علينا، فلما رجعنا من عند النجاشي، سلمنا
عليه، فلم يرد علينا، فقلنا: يا رسول الله كنا نسلم عليك في الصلاة، فترد علينا،
فقال: ((إن في الصلاة لشغلاً)).
(١) أخرجه البخاري ٥٩/٣، ٦٠ في العمل بالصلاة: باب ما ينهى من الكلام في
الصلاة، و١٤٩/٨ في تفسير سورة البقرة: باب وقوموا لله قانتين، ومسلم (٥٣٩)
في المساجد: باب تحريم الكلام، والترمذي (٤٠٥) في الصلاة: باب في نسخ
الكلام في الصلاة.
٢٢

الذي قلنا في ذلك قال ابن إسحاق، قال: وبلغ أصحابَ رسول الله صلّ الذين
خرجوا إلى الحبشة إسلامُ أهل مكة، فأقبلُوا لما بلغهم من ذلك، حتى إذا دَنَوْا من
مكة، بلغهم أن إسلامَ أهلِ مكة كان باطلاً، فلم يدخل مِنهم أحدٌ إلا بجوار، أو
مستخفياً. فكان ممن قدم منهم، فأقام بها حتى هاجر إلى المدينة، فشهد بدراً
وأُحُداً فذكر منهم عبد الله بن مسعود.
فإن قيل: فما تصنعون بحديثٍ زيد بن أرقم؟ قيل: قد أُجيب عنه بجوابين،
أحدهما: أن يكون النهيُ عنه قد ثبت بمكة، ثم أُذِنَ فيه بالمدينة، ثم نُهِيَ عنه.
والثاني: أن زيدَ بنْ أرقم كان مِن صغار الصحابة، وكان هو وجماعةٌ يتكلَّمون في
الصلاة على عادتهم، ولم يبلغهم النهيُ، فلما بلغهم انتَهَوْا، وزيد لم يُخبر عن
جماعة المسلمين كُلِّهم بأنهم كانوا يتكلَّمون في الصلاة إلى حين نزولِ هذه الآية،
ولو قُدِّرَ أنه أخبر بذلك لكان وهماً منه.
ثم اشتد البلاءُ مِن قريش على من قَدِمَ من مهاجري الحبشة وغيرِهم،
وسطت بهم عشائِرُهم، ولَقُوا منهم أذى شديداً، فَأَذِنَ لهم رسولُ اللهِّ في
الخروج إلى أرضٍ الحبشة مَّرة ثانية، وكان خروجهم الثاني أشقَّ عليهم وأصعبَ،
ولَقوا من قريش تعنيفاً شديداً، ونالوهم بالأذى، وصَعُب عليهم ما بلغهم عن
النجاشي مِن حسن جواره لهم، وكان عِدَّةٌ من خرج في هذه المرة ثلاثةً وثمانين
رجلاً، إن كان فيهم عمار بن ياسر، فإنه يُشك فيه، قاله ابن إسحاق، ومِن النساء
تسعَ عشرة امرأة.
الهجرة الثانية إلى
الحبشة
قلتُ: قد ذُكرَ في هذه الهجرة الثانية عثمان بن عفان وجماعةٌ ممن شهد
بدراً، فإما أن يكونَ هذا وهماً، وإما أن يكونَ لهم قدمةٌ أخرى قبل بدر، فيكون
لهم ثلاثُ قدمات: قَدمة قبل الهجرة، وقدمة قبل بدر، وقدمة عامَ خيبر، ولذلك
قال ابنُ سعد وغيرُه: إنهم لما سَمِعُوا مُهَاجَرَ رسولِ اللهَِّ إلى المدينة، رجع
منهم ثلاثةٌ وثلاثون رجلاً، ومن النساء ثمانُ نسوة، فمات منهم رجلانٍ بمكة،
وحُبِسَ بمكة سبعة، وشَهِدَ بدراً منهم أربعةٌ وعشرون رجلاً.
٢٣

فلما كان شهرُ ربيع الأول سنةَ سبعٍ من هِجرة رسولِ اللَّهِ مَلٍ إلى المدينة،
كتبَ رسولُ الله ◌ِيٍ كتاباً إلى النَّجاشيِّ يدعوه إلى الإِسلامِ، وبعث به مع عمرو بن
أُمَيَّة الضَّمْرِي، فلما قُرِىء عليه الكتابُ، أسلَم، وقالَ: لَئِنْ قَدَرْتُ أَنْ آتِيَه
لآتِيَنَّهُ (١).
وكتب إليه أن يُزَوَجَه أمَّ حبيبة بنتَ أبي سُفيان، وكانت فيمن هاجَرَ إلى
أرضِ الحَبَشَةِ مع زوجها عُبيدِ الله بن جحش، فَتَنصَّرَ هُنَاك وماتَ، فزوَّجَهُ
النجاشيُّ إياها، وأصدقها عنه أَربعَمائة دِينارٍ، وكان الذي وَلي تزويجَها خالد بنُ
سعید بن العاص(٢).
وكتب إليه رسولُ اللَّهِ ◌ِ﴾ أن يَبْعَثَ إليهِ مَنْ بقي عِندَه من أصحابه،
ويحمِلَهم، ففعل، وحملهم في سفينتين مع عمرو بن أميَّةِ الضَّمْرِي، فَقَدِمُوا على
رَسُولِ اللَّهِ بِيِّ بِخَيْبَرَ، فوجدُوه قد فَتَحَهَا، فكلَّم رَسُولُ اللَّهِ المُسْلِمِينَ أن
يُدخِلُوهم في سِهَامِهم، فَفَعَلُوا(٣).
(١) أخرجه ابن سعد في ((الطبقات)) ٩٨/٨، ٩٩ عن الواقدي، وهو ضعيف، وإسلام
النجاشي ثابت لأنه محمدٍ صلَّى عليه صلاة الغائب كما في البخاري ١٦٣/٣، ومسلم
(٩٥٢)، وقال: ((مات اليوم عبد الله صالح: أصحمة)).
(٢) أخرجه ابن سعد في ((الطبقات)) ٩٧/٨ عن الواقدي، وهو ضعيف، عن عبد الله بن
عمرو بن زهير، عن إسماعيل بن عمرو بن سعيد الأموي قال: قالت أم حبيبة ... ،
لكن أخرجه أبو داود (٢٠٨٦) في النكاح: باب في الولي، ورقم (٢١٠٧).
والنسائي ١١٩/٦ في النكاح عن أم حبيبة «أنها كانت تحت عبيد الله بن جحش،
فمات بأرض الحبشة، فزوجها النجاشي النبي _ وأمهرها أربعة آلاف، وبعث بها
إلى رسول الله ق مع شرحبيل بن حسنة)) وسنده صحيح.
(٣) أخرجه البخاري ٧/ ٣٧١ في المغازي: باب غزوة خيبر، وباب قدوم الأشعريين.
وأهل اليمن، ومسلم (٢٥٠٢) و(٢٥٠٣) في فضائل الصحابة: باب من فضائل
جعفر بن أبي طالب، وأخرجه الترمذي (١٥٥٩) في السير: باب ما جاء في أهل
الذمة يغزون مع المسلمين، وأبو داود (٢٧٢٥) في الجهاد: باب فيمن جاء بعد
الغنيمة لا سهم له.
٢٤

وعلى هذا فيزول الإِشكال الذي بينَ حديثِ ابنِ مسعود وزيد بن أرقم،
ويكون ابنُ مسعود قَدِمَ في المرة الوسطى بعد الهجرة قبل بدرٍ إلى المدينة،
وسلم عليه حينئذ، فلم يردّ عليه، وكان العهدُ حديثاً بتحريم الكلام، كما قال
زيدُ بن أرقم، ويكون تحريمُ الكلامِ بالمدينةِ، لا بمكة، وهذا أنسبُ بالنسخ
الذي وقع في الصلاة والتغيير بعد الهجرة، كجعلها أربعاً بعد أن كانت
ركعتين، ووجوب الاجتماع لها.
فإن قيل: ما أحسنه مِن جمع وأثبته لولا أن محمد بن إسحاق قد قال:
ما حكيتُم عنه أن ابن مسعود أقام بمكة بعد رجوعه مِن الحبشة حتى هاجر
إلى المدينة، وشهد بدراً، وهذا يدفع ما ذكر.
قيل: إن كان محمد بن إسحاق قد قال هذا، فقد قال محمد بن سعد
في ((طبقاته)): إن ابنَ مسعود مكث يسيراً بعد مقدمه، ثم رجع إلى أرض
الحبشة، وهذا هو الأظهر، لأن ابن مسعود لم يكن له بمكة من يَحميه، وما
حكاه ابنُ سعد قد تضمَّن زيادة أمر خفي على ابن إسحاق، وابنُ إسحاق
لم يذكر من حدَّثه، ومحمد بن سعد أسند ما حكاه إلى المطلب بن عبد الله بن
حنطب، فاتفقت الأحاديثُ، وصدَّق بعضها بعضاً، وزالَ عنها الإشكال، ولله
الحمد والمنة.
وقد ذكر ابنُ إسحاق في هذه الهجرة إلى الحبشة أبا موسى الأشعري
عبد الله بن قيس، وقد أَنْكَرَ عليه ذلك أهل السِّيَر، منهم محمد بن عمر
الواقدي وغيرُه، وقالوا: كيف يخفى ذلك على ابن إسحاق أو على مَن دونه؟
قلتُ: وليس ذلك مما يخفى على مَنْ دون محمد بن إسحاق فضلاً
عنه، وإنما نشأ الوهمُ أن أبا موسى هاجر من اليمن إلى أرض الحبشة إلى
عند جعفر وأصحابه لما سمع بهم، ثم قَدِمَ معهم إلى رسول الله مَّ بخيبر،
كما جاء مصرحاً به في ((الصحيح)) فعد ذلك ابن إسحاق لأبي موسى هِجرة،
ولم يقل: إنه هاجر من مكة إلى أرض الحبشة لينكر عليه.
٢٥

محاولة المشركين رد
النجاشي المهاجرين
فصل
فانحاز المهاجرون إلى مملكة أصحمة النجاشي آمِنين، فلما عَلِمَتْ قريشٌ
بذلك، بعثت في أثرهم عبد اللَّهِ بن أبي ربيعة، وعمرو بن العاص، بهدايا وتُحَفٍ
مِن بلدهم إلى النجاشي ليردَّهم عليهم، فأبى ذلك عليهم، وَشَفَعُوا إليه بعظماء
بطارقته، فلم يجبهم إلى ماطلبوا، فَوَشَوْا إليه: إن هؤلاء يقولون في عيسى قولاً
عظيماً، يقولون: إنه عبد الله، فاستدعى المهاجرين إلى مجلسه، ومُقَدَّمُهم
جعفر بن أبي طالب، فلما أرادوا الدخولَ عليه، قال جعفر: يستأذِنُ عليك حِزْبُ
اللَّهِ، فقال للآذِنِ: قل له يُعيد استئذانه، فأعاده عليه، فلما دخلوا عليه قال: ما
تقولون في عيسى؟ فتلا عليه جعفر صدراً من سورة (كهيعص) فأخذ النجاشي
عُوداً من الأرض فقال: ما زاد عيسى عَلَى هذا ولا هُذا العود، فتناخرت بطارقتهُ
عنده، فقال: وإن نخرتم، قال: اذهبوا فأنتم سَيوم بأرضي، من سبَّكم غُرِّم.
والسيوم: الآمنون في لسانهم، ثم قال للرسولين: لو أعطيتموني دَبَراً من ذهب،
يقول: جبلاً من ذهب، ما أسلمتهم إليكما، ثم أمرَ فَرُدَّت عليهما هداياهما،
ورجعا مقبوحین(١).
فصل
ثم أسلم حمزة عمُّه وجماعة كثيرون، وفشا الإِسلام، فلما رأت قريشٌ أمرَ
مقاطعة قريش لبني
هاشم وبني المطلب
-
(١) هو قطعة من خبر مطول أخرجه ابن هشام في ((السيرة)) ٢١٧/١، ٢١٨، وأحمد في
((المسند» ٢٠٢/١ و٢٩٠/٥، ٢٩٢ عن محمد بن إسحاق، حدَّثني محمد بن
مسلم بن عبيد الله بن شهاب، عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام
المخزومي، عن أم سلمة بنت أبي أمية بن المغيرة زوج النبي محلية ... وهذا سند
صحيح، فقد صرَّح ابن إسحاق بالتحديث، فانتفت شبهة تدليسه، وأورده الهيثمي
في ((مجمع الزوائد» ٢٤/٦، ٢٧ وقال: رواه أحمد، ورجاله رجال الصحيح غير ابن
إسحاق، وقد صرح بالسماع. وقوله: فتناخرت. بالخاء المعجمة، قال في ((النهاية))
أي: تكلمت، وكأنه كلام مع غضب ونفور، وأصله من النخر، وهو صوت الأنف.
٢٦

رسولِ اللَّهِ بَل يعلو، والأمور تتزايد، أجمعوا على أن يتعاقدوا على بني هاشم،
وبني المطلب، وبني عبد مناف، أن لا يُبايعوهم، ولا يُناكِحوهم، ولا يُكلِّموهم،
ولا يُجالِسُوهُم، حتى يُسلِّموا إليهم رسولَ الله ◌ِ له، وكتبوا بذلك صحيفة،
وعلَّقوها في سقفِ الكعبةِ، يقال: کتبها منصور بن عكرمة بن عامر بن هاشم،
ويقال: النَّضْرُ بن الحارث، والصحيح: أنه بغيض بن عامر بن هاشم فدعا عليه
رسولُ الله ◌ِّ، فَشَلَّتْ يَدُهُ، فانحاز بنو هاشم وبنو المطَّلِب مؤمنُهم وكافرهُم، إلا
أبا لهب، فإنه ظاهر قريشاً على رسولِ اللَّهِ مَّ وبني هاشم، وبني المطلب،
وحُبِسَ رسولُ اللَّهِ ◌َ﴿ ومَنْ معه في الشِّعب شِعْب أبي طالب لَيْلَةَ هِلال المحرم،
سنةَ سبع من البعثة، وعُلِّقَتِ الصحيفةُ في جوف الكعبة، وبقُوا محبوسينَ
ومحصورينَ، مضيّاً عليهم جداً، مقطوعاً عنهم المِيرةُ والمادةُ، نحوَ ثلاثٍ
سنين، حتى بلغهم الجَهْدُ، وسُمِعَ أصواتُ صِبيانِهِم بالبُكاء مِن وراء الشِّعب،
وهناك عَمِلَ أبو طالب قصيدته اللاميةَ المشهورة(١) أولها:
جَزَى اللَّهُ عَنَّا عَبْدَشَمْسٍ وَنَوْفَلاً عُقُوبَة شَرِّعَاجِلاً غَيْرَ اجِلٍ
وكانت قريش في ذلك بين راضٍ وكاره، فسعى في نقضٍ الصحيفةِ من كان
كارِهاً لها، وكان القائمُ بذلك هشامَ بن عمرو بن الحارث بن حبيب بن نصر بن
مالك، مشى في ذلك إلى المُطعِم بن عدي وجماعة من قريش، فأجابوه إلى
ذلك، ثم أطلعَ اللَّهُ رسولَه على أمر صحيفتهم، وأنه أرسل عليها الأَرَضَةَ فأكلت
جميع ما فيها من جَوْرِ وقطيعةٍ وظُلم، إلا ذكر الله عز وجل، فأخبر بذلك عمَّه،
فخرج إلى قريش فأخبرهم أن ابنَ أخيه قد قال كذا وكذا، فإن كانَ كاذباً خلَّينا
بينكم وبينه، وإن كان صادقاً، رجعتُم عن قطيعتنا وظُلِمِنَا، قالوا: قد أنصفت،
فأنزلوا الصَّحِيفَةَ، فلما رأوا الأمرَ كما أخبر به رسول الله ليَّة، ازدادوا كُفراً إلى
نقض الصحيفة
(١) أوردها ابن هشام ٢٧٢/١، ٢٨٠، والبيت الذي ذكره المصنف هو الثامن والخمسون
منها .
٢٧

كفرهم، وخرج رسولُ الله ◌ِلٍ ومَنْ مَعَهُ مِنَ الشِّعب(١). قال ابن عبد البر: بعد
عشرة أعوام من المبعث، ومات أبو طالب بعد ذلك بستة أشهر، وماتت خديجةٌ
بعده بثلاثة أيام، وقيل: غير ذلك.
فصل
الخروج إلى الطائف
فلما نُقِضَتِ الصحيفةُ، وافق موتُ أبي طالب وموت خديجة، وبينهما
يسير، فاشتد البلاءُ على رسولِ اللَّهِ چي من سفهاء قومه، وتجرؤوا عليه،
فكاشفُوه بالأذى، فخرج رسولُ الله ◌ِه ◌َ إلى الطائفِ رجاءَ أن يُؤووه وينَصروه على
قومه، ويمنعوه منهم، ودعاهم إلى الله عز وجل فلم يَرَ مَن يُؤوي، ولم يرَ ناصِراً،
وآذَوه مع ذلك أشدَّ الأذى، ونالُوا منه ما لم ينله قومُه، وكان معه زيد بن حارثة
مولاه، فأقام بينهم عشرة أيام لا يدع أحداً من أشرافهم إلا جاءه وكلَّمه، فقالوا:
اخرُج مِن بلدنا، وأَغرَوْا به سُفهاءهم، فوقفوا له سمَاطَيْن، وجعلوا يرمُونه
بالحِجَارَةِ حتى دَمِيَّتْ قَدَمَاه، وزيدُ بن حارثة يَقّيهِ بنفسه حتى أصابه شِجاج في
رأسه، فانصرفَ راجعاً من الطائفِ إلى مكة محزوناً، وفي مرجعه ذلك دعا
بالدعاء المشهورِ دَعاء الطَّائِفِ: ((اللَّهُمَّ إِلَيْكَ أَشْكُوْ ضَعْفَ قُوَِّي، وَقِلَّهَ حِيلَتِي،
وَهَوَانِي عَلَى النَّاس، يَا أَرْحَمِ الرَّاحِمِينَ، أَنْتَ رَبُّ المُسْتَضْعَفِينَ، وأَنْتَ رَبِّي، إِلى
مَنْ تَكِلَني، إِلَى بَعِيدٍ يَتَجَهَّمُنِي؟ أَوْ إلى عَدوٍ مَلَّكْتَهُ أَمْرِي، إنْ لَمْ يَكُنْ بِكَ غَضَبٌ
عَلَيَّ فَلاَ أُبَالِي، غَيْرَ أَنَّ عَافِيَتَكَ هِي أَوْسَعُ لي، أَعُوذُ بِنُورِ وَجْهِكَ الَّذِي أَشْرَقَتْ لَهُ
الظُّلُمَاتُ، وَصَلُحَ عَلَيْهِ أَمْرُ الدُّنيا والآخِرَةِ، أَنْ يَحِلَّ عَلَيَّ غَضَبُكَ، أَوْ أَنْ يَنْزِلَ بي
سَخَطُك، لك العُنَبِى حَتَّى تَرْضَى، وَلاَ حَوْلَ وَلاَ قُوَّةَ إِلَّ بِكَ))(٢).
(١) انظر خبر دخول الشعب، والصحيفة في ((سيرة ابن هشام)) ٣٥٠/١، و((السيرة
النبوية)) لابن كثير ٤٣/٢، ٧١ و((شرح المواهب اللدنية)) ٢٧٨/١، ٢٩٠.
(٢) أخرج القصة بطولها ابن هشام ١/ ٢٦٠، ٢٦٢ عن ابن إسحاق عن يزيد بن زياد،
عن محمد بن كعب القرظي مرسلاً ورجاله ثقات دون قوله: ((اللهم إليك أشكو ...
)) فقد أورده بدون سند، وأورده الهيثمي في ((المجمع)» ٣٥/٦ من حديث عبد الله بن =
٢٨

فأرسل ربُّه تبارك وتعالى إليه مَلَكَ الجِبَال، يستأمِرُهُ أن يُطْبِقَ الأَخْشَبَيْنِ عَلَى
أَهْلِ مَكَّةَ، وهُمَا جبلاها اللذانِ هِيَ بينهما، فَقَالَ: ((لاَ، بَلْ أَسْتَأْنِي بِهِمْ لَعَلَّ اللَّهَ
يُخرِجُ مِنْ أَصْلابِهِمْ مَنْ يَعْبُدُهُ لاَ يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا)(١).
استماع الجن لقراءته
فلما نزل بنخلة مَرْجِعَهُ، قام يُصَلِّي مِن الليل، فَصُرِفَ إليهِ نَفَرٌ مِنَ الجن،
فاستمَعُوا قراءته، ولم يَشْعُرْ بهم رسولُ الله ◌ِ حتى نَزَلَ عَلَيْهِ: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ
نَفَرَأَ مِنَ الجِنِّ يَسْتَمِعُونَ القُرآنَ، فَلَمَّا حَضرَؤُهُ قَالُوا أَنْصِتُوا، فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى
قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ، قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَاباً أُنزِلَ مَنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ
يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الحَقِّ وإِلَى طَريقِ مُسْتَقِيمَ، بَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ
لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُحِرْكُمْ مِن عَذَابٍ أَلِيمٍ، وَمَنْ لاَ يُحِبْ دَاعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ في
الأَرْضِ وَلَيْسَ لَهُ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءُ أولئكَ فِي ضَلالٍ مُبين﴾ [الأحقاف:
٢٩ - ٣٢](٢).
جعفر، ونسبه للطبراني، وقال: وفيه ابن إسحاق، هو مدلس، وبقية رجاله ثقات.
=
وقوله: ((لك العتبى حتى ترضى)) أي: أسترضيك حتى ترضى، يقال: استعتبته
فأعتبني، أي: استرضيته فأرضاني.
(١) أخرجه البخاري ٦/ ٢٢٥ في بدء الخلق: باب ذكر الملائكة، ومسلم (١٧٩٥) في
الجهاد: باب ما لقي النبي ◌َّ من أذى المشركين والمنافقين من حديث عائشة
رضي الله عنها أنها قالت: يا رسول الله هل أتى عليك يوم كان أشد من يوم أحد،
فقال: ((لقد لقيت من قومك ما لقيت، وكان أشد ما لقيت منهم يوم العقبة إذا
عرضت نفسي على ابن عَبْدٍ يا ليل بن عبد كُلال، فلم يجبني إلى ما أردت، فانطلقت
وأنا مهموم على وجهي، فلم أستفق إلا بقرن الثعالب، فرفعت رأسي، فإذا أنا
بسحابة قد أظللتني، فنظرت، فإذا فيها جبريل، فناداني، فقال: إن الله عز وجل قد
سمع قول قومك لك، وما ردوا عليك، وقد بعث إليك ملك الجبال لتأمره بما شئت
فيهم، قال: فناداني ملك الجبال، وسلم علي، ثم قال: يا محمد إن الله قد سمع
قوم قومك لك، وأنا ملك الجبال، وقد بعثني ربك إليك لتأمرني بأمرك، فما شئت،
إن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين، فقال له رسول الله مثير: ((بل أرجو أن يخرج من
أصلابهم من يعبد الله وحده لا يشرك به شيئاً)).
(٢) تابع المؤلف رحمه الله ابن إسحاق في كون استماع الجن للقرآن كان تلك الليلة =
٢٩

وأقام بنخلة أياماً، فقال له زيدُ بنُ حارثة: كيف تدخلُ عليهم، وقد
أخرجوك؟ يعني قريشاً، فقال: ((يا زيدُ إن الله جاعِلٌ لما ترى فرجاً ومخرجاً، وإن
اللهَ ناصرٌ دِینَه ومظهر نبيه)).
دخوله # مكة بجوار
المطعم
ثم انتهى إلى مكة فأرسل رجلاً منٍ خُزاعة إلى مُطعم بن عدي: أَدْخُلُ في
جِوَارِكَ؟ فقال: نعم، ودعا بنيه وقومه، فقال: البِسُوا السِّلاَحِ، وكونوا عِنْدَ أركانِ
البيت، فإني قد أجرتُ محمداً، فدخَلَ رسولُ اللّهِ _ ومعه زيد بن حارثة، حتى
انتهى إلى المسجد الحَرامَ، فقام المطعمُ بن عدي على راحلته، فنادى: يا معشر
قريش إني قد أجرتُ محمداً، فَلا يَهِجْهُ أَحَدٌ مِنْكم، فانتهى رسولُ الله ◌َّ إلى
الرُّكنِ، فاسْتَلَمَه، وصلَّى ركعتين، وانصرف إلى بيته، والمطعمُ بن عدي وولده
محدِقون به بالسِّلاح حتى دخل بيته(١) .
فصل
ثم أسري برسول الله بَّ بِجَسَدِهِ على الصحيح، مِن المسجد الحرامِ إلى
بيتِ المقدس، راكباً على البُراقِ، صُحبة جبريل عليهما الصلاةُ والسَّلام، فنزل
الاسراء
مرجعه من الطائف، وفيه نظر، فإن استماعهم كان في ابتداء المبعث قبل
=
خروجه ربية إلى الطائف بسنتين، نبه على ذلك الحافظ ابن كثير في تفسيره ١٦٢/٤ ،
وقد روى البخاري في ((صحيحه)) ٥١٣/٨، ٥١٨، ومسلم (٤٤٩) من حديث ابن
عباس قال: انطلق رسول الله ◌َّ في طائفة من أصحابه عامدين إلى سوق عكاظ ...
وقد حيل بين الشياطين وبين خبر السماء، وأرسلت عليهم الشهب، فرجعت
الشياطين إلى قومهم، فقالوا: ما لكم، قالوا: حيل بيننا وبين خبر السماء، فانطلقوا
يضربون مشارق الأرض ومغاربها، فمر النفر الذين أخذوا نحو تهامة إلى
رسول الله رَليّة بنخلة، وهو عامد إلى سوق عكاظ، وهو يصلي بأصحابه صلاة
الفجر، فلما سمعوا القرآن استمعوا له وقالوا: هذا الذي حال بيننا وبين خبر
السماء، فرجعوا إلى قومهم فقالوا: يا قومنا إنا سمعنا قرآناً عجباً يهدي إلى الرشد
فآمنا به ولن نشرك بربنا أحداً، فأنزل الله عز وجل على نبيه محمد ◌ّة: (قل أوحي
إليَّ أنه استمع نفر من الجن)، وراجع ما كتبه الحافظ في ((الفتح)) ٥١٤/٨.
(١) انظر السيرة النبوية ١٥٣/٢، ١٥٤ للحافظ ابن كثير.
٣٠

هُناكَ، وصَلَّى بالأنبياءِ إِماماً (١) وربط البُراقُ بحَلْقَةِ بابِ المسجد.
وقد قيل: إنه نزل بيتِ لحمٍ، وصلَّى فيه، ولم يَصِحَّ ذُلِكَ عَنْهُ البتة.
المعراج
ثمَّ عُرِجَ بِهِ تِلكَ الليلةَ مِنْ بَيْتِ المقدسِ إِلى السَّماءِ الدُّنيا، فاستفتح لَهُ
جِبْرِيلُ، فَفُتِحَ لَهُ، فَرَأَى هُنَالِكَ آدَمَ أَبَا الْبَشَرِ، فَسَلَّمَ عَلَيْهِ، فَرَذَّ عَلَيْهِ السَّلاَمَ،
ورخَّبَ بِهِ، وَأَقَرَّ ◌ِنُبُوَّتِهِ، وَأَرَاهُ اللَّهُ أَزْواحَ الشُّعَدَاءِ عَنْ يَمِينِهِ، وَأَرْوَاحَ الأَشْقِيَاءِ عَنْ
يَسَارِهِ، ثُمَّ عُرِجَ بِهِ إِلَى السَّمَاءِ الثَّانِيَةِ، فَاسْتَفْتَحَ لَهُ، فَرَأَى فِيهَا يَحْيَى بِنَ زَكَرِيًّا
وَعِيْسِىَ ابْنَ مَرْيَمَ، فَلَقِيَهُمَا وَسَلَّمَ عَلَيْهِمَا، فَرَدَّا عليه، وَرَخَّبَا بِهِ، وَأَفَرَّا بِنُبُوَّتِهِ، ثُمَّ
عُرِجِ بِهِ إِلَى السَّمَاءِ الثَّالِثَةِ، فَرأى فيها يوسف، فسلَّمَ عليه، فردَّ عليه، ورحَّبَ به،
وأقرّ بنبوتِهِ ثُمَّ عُرِجَ بِهِ إِلَى السَّمَاءِ الرَّابِعَةِ، فَرَأَى فِيهَا إِذْرِيسَ. فَسَلَّمَ عَلَيْهِ، وَرَخَّبَ
بِهِ، وَأَقَرَّ بِنْبُوَّتِهِ، ثُمَّ عُرِجَ بِهِ إِلَى السَّماءِ الخَامِسَةِ، فَرَأَى فِيهَا هَارون بْنَ عِمْران،
فَسَلَّمَ عَلَيْهِ وَرَخَّبَ بِهِ، وَأَقَرَّ بِنْيُؤَّتِهِ، ثُمَّ عُرِجَ بِهِ إِلَى السَّمَاءِ السَّادِسَةِ، فَلَقِيَ فِيهَا
مُوسَى بْن ◌ِعِمْران، فَسَلَّمَ عَلَيْهِ وَرَجَّبَ به، وَأَقَرَّ بِنُوَّتِهِ، فَلَمَّا جَاوَزَهُ، بَكَى مُوسَى،
فَقِيلَ لَهُ، مَا يُبِكِيكَ؟ فَقَالَ: أَبْكِي، لأَنَّ غُلاَمَاً بُعِثَ مِنْ بَعْدِي، يَدْخُلُ الجنَّةَ مِنْ
أُمَتِهِ أَكْثَرُ مِمَّا يَدْخُلُهَا مِنْ أُمَّتِي، ثُمَّ عُرِجَ بِهِ إِلَى السَّمَاءِ السَّابِعَةِ، فَلَفِيَ فِيهَا
إِبْرَاهِيمَ، فَسَلَّمَ عَلَيْهِ وَرَخَّبَ بِهِ، وَأَقَزَّ بِنَبُوَّتِهِ، ثُمَّ رُفِعَ إِلَى سِذْرَةِ المُنْتَهَى، ثُمَّ رُفِعَ
لَهُ البَيْتُ المَعْمُورُ، ثُمَّ عُرِجَ بِهِ إِلَى الجَبَّارِ جَلَّ جَلالُه، فَدَنَا مِنْهُ حَتَّى كَانَ قَابَ
(١) الذي جاء في صحيح مسلم (١٦٢) من حديث أنس: ((ثم دخلت المسجد، فصليت
فيه ركعتين)) وجاء في حديث أبي هريرة عند مسلم (١٧٢) أيضاً: ((وقد رأيتني في
جماعة من الأنبياء، فإذا موسى قائم يصلي، فإذا رجل ضرب جعد كأنه من رجال
شنوءة، وإذا عيسى ابن مريم عليه السلام قائم يصلي أقرب الناس به شبهاً عروة بن
مسعود الثقفي، وإذا إبراهيم عليه السلام قائم يصلي أشبه الناس به صاحبكم (يعني
نفسه)، فحانت الصلاة، فأممتهم) وفي حديث ابن عباس عند أحمد ٢٥٧/١: فلما
أتى النبيون المسجد الأقصى، قام يصلي، فإذا النبيون أجمعون يصلون معه»
واستظهر الحافظ في ((الفتح)) أن صلاته بهم كانت قبل العروج بينما يرى ابن كثير أن
الصحیح: أنه صلَّی بهم في بيت المقدس بعد عروجه.
٣١

قَوْسَيْنِ أَوْ أَذْنَى (١) فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى، وَفَرَضَ عَلَيْهِ خَمْسِينَ صَلاَةٌ. فَرَجِعَ
حَتَّى مَرَّ عَلَى مُوسَى، فَقَالَ لَهُ: بِمَ أُمِرْتَ؟ قَالَ: بِخَمْسِينَ صَلاَةً، قَالَ: إِنَّ أُمَتَكَ لاَ
تُطِيقُ ذُلِكَ، ارْجعْ إِلَى رَبِّكَ، فَاسْأَلُهُ التَّخْفِيفَ لأُمَتِكَ، فالْتَفَتَ إِلَى جِبْرِيلَ كَأَنَّهُ
يَسْتَشِيرُهُ فِي ذُلِكَ، فَأَشَارِ أَنْ نَعَمْ إِنْ شِئْتَ، فَعَلَا بِهِ جِبْرِيلُ حَتَّى أَتَّى بِهِ الجَبَّارَ
تَبَارَكَ وَتَعَالَى، وهُوَ في مَكَانِهِ. هذا لفظُ البخاري في بعض الطرق، فَوَضَعَ عَنْهُ
عَشْرَاً، ثُمَّ أُنْزِلَ حَتَّى مَرَّ بِمُوسَى، فَأَخْبَرَهُ فَقَالَ: ارْجعْ إِلَى رَبِّكَ، فَاسْأَلْهُ
التَّخْفِيفَ، فَلَم يَزَلْ يَتَرَدَّدُ بَيْنَ مُوسَى، وَبَيْنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ حَتَّى جَعَلَهَا خَمْسَاً،
فَأَمَرَهُ مُوسَىَ بالرُّجُوعِ وَسُؤَالِ النَّخْفِيفِ، فَقَالَ: قَدِ اسْتَحْيَيْتُ مِنْ رَبِّي، وَلُكِنْ
أَرْضَى وَأُسلِّمُ فَلَمَّا بَعْدَ نَادَى مُنَادٍ: قَدْ أَمْضَيْتُ فَرِيضَتِي، وَخَفَّفْتُ عَنْ عِبَادِي(٢).
(١) هذه الجملة من الزيادات التي أخرجها البخاري في ((صحيحه)) ٣٩٩/١٣، ٤٠٦ من
طريق شريك بن عبد الله بن أبي نمر، وهي من أوهامه التي تفرد بها، فكان على
المؤلف رحمه الله أن ينبه على ذلك، فقد قال الخطابي: إن الذي وقع في هذه
الرواية من نسبة التدلي للجبار عز وجل مخالف لعامة السلف والعلماء وأهل
التفسير، من تقدَّم منهم ومن تأخر، وقد روي هذا الحديث عن أنس من غير طريق
شريك، فلم يذكر فيه هذه الألفاظ الشنيعة، وذلك مما يقوي الظن أنها صادرة من
جهة شريك، وقال عبد الحق الإِشبيلي في ((الجمع بين الصحيحين)): زاد فيه شريك
زيادة مجهولة، وأتى فيه بألفاظ غير معروفة، وقد روى الإسراء جماعة من الحفاظ
فلم يأت أحد منهم بما أتى به شريك، وشريك ليس بالحافظ، وقال الحافظ ابن
كثير في تفسيره ٣/٣: إن شريك بن عبد الله بن أبي نمر اضطرب في هذا الحديث،
وساء حفظه، ولم يضبطه وقد قال الحافظ أبو بكر البيهقي: في حديث شريك زيادة
تفرد بها على مذهب من زعم أنه 5 4* رأى الله عز وجل يعني قوله: ((ثم دنا الجبار رب
العزة فتدلى فكان قاب قوسين أو أدنى)» وقول عائشة، وابن مسعود، وأبي هريرة في
حملهم هذه الآيات على رؤيته جبريل أصح، قال ابن كثير: وهذا الذي قاله البيهقي
رحمه الله في هذه المسألة هو الحق، فإن أبا ذر قال: يا رسول الله هل رأيت ربك؟ قال:
((نور أنى أراه)) وفي رواية: ((رأيت نورا)) أخرجه مسلم، وقوله: ((ثم دنا فتدلى)) إنما هو
جبريل عليه السلام كما ثبت ذلك في ((الصحيحين)) عن عائشة أم المؤمنين، وعن ابن
مسعود، وكذلك هو في صحيح مسلم عن أبي هريرة، ولا يعرف لهم مخالف.
(٢) البخاري ٤٠٥/١٣، وهي من رواية شريك المنتقدة كما تقدم وأخرجه البخاري=
٣٢

واختلف الصحابةُ: هل رأى ربَّهُ تلك الليلةَ، أم لا؟ فصحَّ عن ابن عَبَّاس أنه هل رأىنَ ◌ّه ربه ليلة
رأى ربَّهُ، وصحَّ عنه أنه قال: رَآهُ بِفُؤَادِهِ(١).
المعراج
وصحَّ عَنْ عَائِشَةَ وابْن مَسْعُودٍ إِنْكَارُ ذُلِكَ، وقَالاَ: إِنَّ قَوْلَه: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةٌ
أُخْرَى عِنْدَ سِدْرَةِ المُنْتَهِى﴾ [النجم: ١٣] إِنَّمَا هُوَ جِبْرِيلُ (٢).
وَصَحَّ عَنْ أَبِي ذَرِّ أَنَّهُ سَأَلَهُ: هَلْ رَأَيْتَ رَبَّكَ؟ فقالَ: ((نُورٌ أَنَّى أَرَاهُ)»
أي: حال بيني وبين رؤيته النور كما قال في لفظ آخر: ((رَأَيْتُ نُورًا)(٣).
وقد حكى عثمانُ بن سعيد الدَّارمي اتفاقَ الصَّحَابة على أنه لم يره.
قال شيخُ الإسلام ابنُ تيمية قدَّس اللَّهُ روحَه: وليس قولُ ابن عباس:
(إنه رآه)) مناقِضاً لهذا، ولا قولُه: ((رآهُ بِفُؤاده)) وقد صحَّ عنه أنه قال: ((رأيتُ
ربِّي تَبَارَكَ وتَعَالَى)) (٤) ولكن لم يكن هذا في الإِسراء، ولكن كان في المدِينةِ
٢١٧/٦، ٢١٩ في بدء الخلق: باب ذكر الملائكة، و ١٥٤/٧، ١٦٨: باب المعراج،
ومسلم (١٦٤) في الإِيمان: باب الإسراء برسول الله مية إلى السماوات وفرض
الصلوات، والنسائي ٢١٧/١ في الصلاة: باب فرض الصلاة، وأحمد في ((المسند))
٢٠٨/٤ و٢١٠ من حديث أنس بن مالك، عن مالك بن صعصعة.
(١) أخرجه مسلم (١٧٦) (٢٨٤) و (٢٨٥) في الإيمان: باب معنى قول الله عز وجل: (ولقد
راه نزلة أخرى) والترمذي (٣٢٧٥) و(٣٢٧٦) و (٣٢٧٧) في التفسير: باب ومن سورة
النجم .
(٢) حديث عائشة أخرجه البخاري ٨/ ٤٦٦ و٤٦٧ و٤٦٩ في تفسير سورة النجم في
فاتحتها، وفي تفسير سورة المائدة (يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك) وفي بدء
الخلق: باب ذكر الملائكة، وفي التوحيد: باب قول الله تعالى: (عالم الغيب فلا يظهر
على غيبه أحداً) وأخرجه مسلم (١٧٧) في الإِيمان: باب معنى قول الله عز وجل: (ولقد
راه نزلة أخرى) والترمذي (٣٢٧٤) في التفسير: باب ومن سورة النجم وحديث ابن
مسعود أخرجه البخاري ٤٦٩/٨، ٤٧٠، ومسلم (١٧٤).
(٣) أخرجه مسلم (١٧٨)، (٢٩١) و (٢٩٢) في الإيمان: باب قوله : ((نور أنى
أراه)».
(٤) قطعة من حديث صحيح مطول أخرجه أحمد ٣٦٨/١، والترمذي (٣٢٣١)
و (٣٢٣٢) من حديث ابن عباس، وأحمد ٢٤٣/٥، والترمذي (٣٢٣٣) من حديث =
٣٣
زاد المعاد ج٣-م٢

لما احتُبِسَ عنهم في صلاة الصبح، ثم أخبرهم عن رؤيةِ ربِّه تبارك وتعالى
تِلْكَ اللَّيْلَةَ في منامه، وعلى هذا بنى الإِمامُ أحمد رحمه الله تعالى، وقال:
نعم رآه حقاً، فإنَّ رؤيا الأنبياء حق، ولا بُدَّ، ولكن لم يَقُلْ أحمد رحمه الله
تعالى: إِنَّهُ رَآهُ بِعَيْنَيْ رأسِهِ يقظةً، ومن حكى عنه ذلك، فقد وَهِمَ عليه،
ولكن قال مرّة: رآه، ومرَّة قال: رآه بفؤاده فَحُكِيَتْ عنه رِوايتان، وحُكِيَت
عنه الثالثة مِن تصرُّفِ بعض أصحابه: أنه رآه بعيني رأسه، وهذه نصوصُ
أحمد موجودة، ليس فيها ذلك.
وأمَّا قولُ ابنِ عباس: أنَّه رآهُ بفُؤادِهِ مرتين، فإن كان استنادُه إلى قوله
تعالى: ﴿مَا كَذَبَ الفُؤَادُ مَا رَأَى﴾ [النجم: ١١] ثم قال: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً
أُخْرَى﴾ [النجم: ١٣] والظاهر أنه مستندُه، فقد صحَّ عنه ◌َّ أن هذا المرئي
جبريلُ، رآهُ مرَّتَيْنِ في صُورته التي خُلِقَ عَلَيْهَا، وقول ابن عباس هذا هو
مُسْتَنَدُ الإِمام أحمد في قوله: رآه بفؤاده، والله أعلم.
وأما قولُهُ تعالى في سورة النجم: ﴿ثُمَّ دَنَى فَتَدَلَّى﴾ [النجم: ٨] فهو
غير الدُّنو والتَّدلي في قصة الإِسراء، فإنَّ الذي في (سورة النجم) هو دنوُّ
جبريل وتدلِيه، كما قالت عائشةُ وابنُ مسعود، والسياقُ يَدُلُّ عليه، فإنه قال:
﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ القُوَى﴾ [النجم: ٥] وهو جبريل ﴿ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى وَهُوَ بِالأَثُقِ
الأَعْلَى ثُمَّ دَنَى فَتَدَلَّى﴾ [النجم: ٦ -٨]، فالضمائر كُلُّها راجعة إلى هذا
المعلِّم الشديد القوى، وهو ذُو المِرَّة، أي: القوة، وهو الذي استوى بالأفق
الأعلى، وهو الذي دنى فتدلى، فكان من محمد بَّ قَدْرَ قوسين أو أدنى،
فأما الدُّنُؤُ والتَّدلي الذي في حديث الإِسراء، فذلك صريحٌ في أنه دنوُ الربِّ
تبارك وتدلِيه(١) ولا تَعَرُّض في (سورة النجم) لِذلك، بل فيها أنه رآه نزلةً
معاذ بن جبل، وأحمد ٦٦/٤، و٣٧٨/٥ من حديث عبد الرحمن بن عائش، عن
=
بعض أصحاب النبي ◌َّ، وقد تقدم.
(١) قدمنا في التعليق السابق أن هذا مما تفرد به شريك، فوهم فيه، وما ندري كيف =
٣٤

أخرى عِند سِدرةِ المنتهى، وهذا هو جبريلُ، رآهُ محمد ◌َّ على صُورته
مرتين: مرة في الأرض، ومرة عند سدرة المنتهى، والله أعلم.
فصل
فلما أصبحَ رسولُ الله ◌ٍِّ في قومِه، أخبرهم بما أراه اللَّهُ عز وجل من آياتِه
الكبرى، فاشْتَدَّ تكذيبُهم له، وأذاهُم وضراوتُهم عليه، وسألوه أن يَصِفَ لَهُمْ بَيْتَ
المَقْدِس، فجلاَّهُ الله له حَتَّى عَايَنَّهُ، فَطَفِقَ يُخْبِرُهم عَنْ آيَاتِهِ، وَلاَ يَسْتَطِيعُونَ أَنْ
يَرُدُوا عَلَيْهِ شَيْئاً(١).
إخباره # لقريش
بالإسراء
وأخبرَهُم عَنْ عِيرهم في مَسْرَاهُ ورجوعِهِ، وأخبَرَهُم عن وقتِ قُدومِهَا
وأخبرهم عن البعير الذي يَقْدُمُها، وكان الأمرُ كما قال(٢)، فلم يَزِدُهُم ذلك
==
خفي على المؤلف مع أنه سينبه على بعض أوهامه في هذا الحديث.
(١) أخرجه البخاري ٢٩٧/٨ في تفسير سورة الإسراء و٧/ ١٥٢ في فضائل أصحاب
النبي صَلّ، ومسلم (١٧٠) في الإِيمان: باب ذكر المسيح ابن مريم من حديث
جابر بن عبد الله، وله شاهد مفصل من حديث ابن عباس عند أحمد ٣٠٩/١ بسند
صحیح.
(٢) أخرجه أحمد ٣٧٤/١ من حديث ابن عباس بسند حسن، ولفظه ((أسري بالنبي ◌َّة.
إلى بيت المقدس، ثم جاء من ليلته، فحدثهم بمسيره وبعلامة بيت المقدس،
وبعيرهم، فقال ناس: نحن لا نصدق محمداً بما يقول، فارتدوا كفاراً، فضرب الله
أعناقهم مع أبي جهل، وقال ابن کثیر في التفسير ١٥/٣ : إسناده صحيح، وله شاهد
من حديث شداد بن أوس أخرجه البيهقي في ((الدلائل)) من حديث محمد بن
إسماعيل الترمذي، حدثنا إسحاق بن إبراهيم بن العلاء بن الضحاك الزبيدي، حدثنا
عمرو بن الحارث، عن عبد الله بن سلام الأشعري، عن محمد بن الوليد بن عامر
الزبيدي، حدثنا الوليد بن عبد الرحمن بن جبير بن نفير، حدثنا شداد بن أوس قال:
قلنا: يا رسول الله كيف أسري بك؟ قال :... وفيه، فقال ◌َله: ((إن من آية ما أقول
لكم أني مررت بعير لكم في مكان كذا وكذا، وقد أضلوا بعيراً لهم، فجمعه فلان،
وإن مسيرهم ينزلون بكذا ثم كذا، ويأتونكم يوم كذا وكذا يقدمهم جمل آدم عليه
مسح أسود وغرارتان سوداوان)) فلما كان ذلك اليوم، أشرف الناس ينظرون حتى
كان قريباً من نصف النهار حتى أقبلت العير، يقدمهم ذلك الجمل الذي وصفه =
٣٥

إلا نفوراً، وأبى الظالمون إلا كُفوراً.
الفرق بين من قال: كان
الإسراء بالروح وبين أن
يقال: كان مناماً
فصل
وقد نقل ابن إسحاق عن عائشة ومعاوية أنهما قالا: إنما كان الإسراء
بروحه، ولم يفقد جسدَه، ونُقِلَ عن الحسن البصري نحو ذلك، ولكن ينبغي أن
يُعلم الفرقُ بين أن يُقال: كان الإِسراءُ مناماً، وبين أن يُقال: كان بروحه دونَ
جسده، وبينهما فرقٌ عظيم، وعائشة ومعاوية لم يقُولا: كان مناماً، وإنما قالا:
أُسْرِيَ بِرُوحِهِ ولم يَفْقِدْ جَسَدَهُ، وَفَرْقٌ بين الأمرين، فإن ما يراه النائم قد يكون
أمثالاً مضروبة للمعلوم في الصُّور المحسوسة، فيرى كأنَّه قد عُرِجَ به إلى السماء،
أو ذُهِبَ به إلى مكة وأقطار الأرض، وروحُه لم تصعَد ولم تذهب، وإنما مَلَكُ
الرؤيا ضَرَبَ له المِثَال، والَّذِينَ قالوا: عُرِجَ بِرسولِ الله وَّةِ طائفتان: طائفةٌ
قالت: عُرِجَ بروحه وبدنه، وطائفة قالت: عرج بروحه ولم يفقدْ بدنه، وهؤلاء لم
يُرِيدُوا أن المعراجَ كان مناماً، وإنما أرادوا أن الرُّوحَ ذاتَها أسْرِيَ بها، وعُرِجَ بِهَا
حقيقةً، وباشرت مِنْ جِنس ما تُباشِرُ بعد المفارقة، وكان حالُهَا في ذلك كحالها
بعد المفارقة في صُعودها إلى السَّماواتِ سماءً سماءً حتى يُنْتهى بها إلى السماء
السابعة، فَتَقِفُ بَيْنَ يدي اللَّهِ عز وجل، فيأمرُ فيها بمَا يَشَاءُ، ثم تنزل إلى الأرض
والذي كان لِرسولِ الله ◌َّ ليلةَ الإِسراء أكملُ مما يحصُلُ للروح عند المفارقة.
ومعلوم أن هذا أمرٌ فوقَ ما يراهُ النائمُ، لكن لما كان رسولُ اللَّهِ يَّةِ في مقام
خَرْقِ العَوائِدِ، حتى شُقَّ بطنُهُ، وهو حي لا يتألم بذلك، عُرِجَ بذاتِ روحه
المقدسة حقيقةً من غير إماتة، ومَنْ سِوَاهُ لا ينالُ بذاتِ روحِهِ الصُّعودِ إلى السماءِ
إلا بَعْدَ الموتِ والمُفارقةِ، فالأنبياءُ إنما استقرَّت أرواحُهُم هناك بعد مفارقة
رسول الله به وقال البيهقي: هذا إسناد صحيح، مع أن إسحاق بن . إبراهيم بن
=
العلاء يهم كثيراً، ولذا قال الحافظ ابن كثير ١٤/٣: إنه مشتمل على أشياء منها ما
هو صحيح كما ذكره البيهقي، ومنها ما هو منكر كالصلاة في بيت لحم، وسؤال
الصديق عن نعت بيت المقدس وغير ذلك، والله أعلم.
٣٦

الأبدان، وروحُ رسولِ الله ◌ِِّ صَعِدَت إلى هُنَاكَ في حال الحياة ثم عادَت، وبعد
وفاتِه استقرَّت في الرفيق الأعلى مع أرواح الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام -
ومع هذا، فلها إشراف على البَدَنِ وإشراقٌ وتعلُّق به، بحيث يَرُدُّ السلامَ على من
سَلَّمَ عَلَيْهِ (١) وبهذا التعلق رأى موسى قائماً يُصَلِّي في قبره، ورآهُ في السماء
السادسة. ومعلوم أنه لم يُعْرَجْ بموسَى مِن قبره، ثم رُدَّ إليه، وإنما ذلك مقامُ
رُوحِه واستقرارُها، وقبرُه مقامُ بدنه واستقراره إلى يوم معاد الأرواح إلى
أجسادها، فرآهُ يُصَلِّي في قبره، ورآه في السماء السَّادِسَةِ، كما أنه يََّ في أرفع
مكان في الرفيق الأعلى مستقِراً هناك، وبَدَنُه في ضريحه غيرُ مفقود، وإذا سلَّم
عليه المسلِّم ردَّ الله عليه روحه حتى يَرُدَّ عليه السلام، ولم يفارق الملأ الأعلى،
ومن كَثُفَ إدراكُهُ، وغلظت طباعه عن إدراك هذا، فلينظرْ إلى الشَّمسِ في عُلُوِّ
محلها، وتعلُّقِهَا، وتأثيرها في الأرض، وحياة النبات والحيوان بها، هذا وشأنُ
الروح فوق هذا، فلها شأنٌ، وللأبدان شأن، وهذه النارُ تكون في محلها،
وحرارتُها تؤثِّر في الجسم البعيد عنها، مع أنَّ الارتباط والتعلُّقَ الذي بَيْنَ الروحِ
والبدنِ أقوى وأكملُ مِن ذلك وأتم، فشأنُ الروح أعلى من ذلك وألطف.
سَنَا الشَّمْسِ فَاسْتَغْشِي ظَلاَمَ اللَّيَّالِيا
فَقُلْ لِلْعُيُونِ الرُّمْدِ إِيَّاكِ أَنْ تَرَي
فصل
قال موسى بن عُقبة عن الزهري: عُرِجَ بُرُوحِ رسولِ الله ◌َِِّ إلى بيتِ الصحيح أن الإسراء كان
المقدس وإلى السماء قبلَ خروجه إلى المدينة بسنة. وقال ابن عبد البر وغيره:
مرة
کان بین الاسراء والهجرة سنة وشهران انتهى.
وكان الإِسراءُ مرَّةً واحدة. وقيل: مَرَّتين: مرة يقظةً، ومرة مناماً، وأَربابُ
(١) أخرجه أبو داود (٢٠٤١) في المناسك: باب زيارة القبور، وأحمد ٥٢٧/٢ من
حديث أبي هريرة، وسنده حسن، ولفظه: ((ما من أحد يسلم علي إلا رد الله علي
روحي حتى أرد عليه السلام» .
٣٧

هذا القول كأنَّهُم أرادوا أن يجمعوا بين حديثٍ شريك، وقوله: ثم استيقظت،
وبين سائرِ الروايات، ومنهم مَنْ قال: بل كان هذا مرتين، مرة قبل الوحي لقوله
في حديث شريك: ((وذلك قبل أن يُوحى إليه)) ومرة بعد الوحي، كما دلّت عليه
سائر الأحاديث، ومنهم من قال: بل ثلاثُ مرات: مرة قبل الوحي، ومرَّتين
بعده، وكل هذا خبط، وهذه طريقةُ ضعفاء الظاهرية مِنْ أرباب النَّقْلِ الذين إذا
رأوا في القصة لفظة تُخالِفُ سياقَ بعضِ الروايات، جعلوهُ مرة أخرى، فكلما
اختلفت عليهم الرواياتُ، عدَّدوا الوقائع، والصوابُ الذي عليه أئمةُ النقل أن
الإِسراء كان مرةً واحِدةً بمكّة بعد البعثة.
ويا عجباً لهؤلاء الذين زعموا أنه مراراً، كيف ساغ لهم أن يظنُّوا أنه في كل
مرة تُفرض عليه الصلاة خمسين، ثم يتردّد بین ربه وبين موسی حتى تصيرَ خمساً،
ثم يقول: ((أمضيتُ فريضتي، وخففتُ عن عبادي)) ثم يعيدها في المرة الثانية إلى
خمسين، ثم يحطها عشراً عشراً، وقد غلَّط الحفاظُ شريكاً في ألفاظ مِن حديث
الإِسراء ومسلم أورد المسند منه ثم قال: فقدّم وأخر وزاد ونقص، ولم يسرد
الحديث، فأجاد رحمه الله .
فصل
في مبدأ الهجرة التي فرَّق اللَّهُ فيها بين أوليائه وأعدائه، وجعلها مبدأً لإعزازٍ
دینه ونصر عبده ورسوله:
(١) ومجموع ما انتقد عليه عشرة أشياء، الأول: أمكنة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام في
السماوات. الثاني: كون المعراج قبل البعثة. الثالث: كونه مناماً. الرابع: مخالفته
في محل سدرة المنتهى. الخامس: مخالفته في النهرين. السادس: شق الصدر عند
الإسراء، السابع: ذكر نهر الكوثر في السماء الدنيا. الثامن: نسبة الدنو والتدلي إلى
الله عز وجل، التاسع: تصريحه بأن امتناعه قليل من الرجوع إلى سؤال ربه التخفيف
كان عند الخامسة، العاشر: قوله: فعلا به إلى الجبار، فقال: هو في مكانه، وانظر
((فتح الباري)) ٤٠٤/١٣، ٤٠٥.
٣٨

قال الواقدي: حذَّثني محمدُ بن صالح، عن عاصم بنِ عمر بن قتادة
ويزيد بن رومان وغيرهما قالوا: أقام رسول الله ﴿م بِمَكَّةَ ثلاثَ سِنِينَ مِن أَوَّلِ
نُبُوته مُستخفياً، ثم أعلنَ في الرَّابِعة، فدعا النَّاسَ إلى الإِسلام عَشْرَ سِنِينَ، يُوافي
المَوْسِمَ كُلَّ عام، يتَبعُ الحاجَّ في منازلهم، وفي المواسم بعكاظ، ومَجَنَّة، وذي
المَجَاز، يدعوهم إلى أن يمنَعُوهُ حتى يُبَلِّغَ رِسَالاتِ ربِّه ولهم الجنةُ، فلا يَجِدُ
أحداً ينصُره ولا يُجيبه، حتى إنه ليسألُ عن القبائل ومنازِلها قبيلةً قبيلةً، ويقول:
(يَا أَيُّهَا النَاسُ قُولُوا: لاَ إِلهَ إِلاَّ اللَّهُ تُفْلِحُوا، وَتَمْلِكُوا بِهَا العَرَبَ، وتَذِلَّ لَكُم بِهَا
العَجَمُ، فَإِذَا آمَنْتُمْ، كُنْتُم مُلُوكاً في الجَنَّةِ)) وأبو لَهَبٍ وراءَه يقولُ: لا تُطِيعُوهُ فإِنَّهُ
صَابِىءَ كَذَاب، فيردُّونَ على رسول الله ◌ِيّ أقبحَ الرَّدِّ، ويُؤذونه، ويقولون:
أُسرتُك وعشيرتُكَ أعلمُ بِكَ حيثُ لم يشَبِعُوك، وهُوَ يدعُوهم إلى اللّهِ، ويقول:
(اللَّهُمَّ لَوْ شِئْتَ لَمْ يَكُونُوا هُكَذا)) قال: وكان ممن يسمَّى لنا مِن القبائِلِ الَّذِينَ
أتاهُم رسولُ الله ◌ِيّره ودعاهم، وعَرَضَ نفسَه عليهم: بنو عامر بن صَعْصَعَة،
ومحارب بن حَصَفة، وفَزَارَة، وغسَّان، ومُرَّة، وحنيفة، وسُلَيم، وعَيْس، وبنو
التَّضر، وبنو البكاء، وكندة، وكلب، والحارث بن كعب، وعُذرة، والحضَارِمة،
فلم يستجب منهم أحد (١).
دعوته # القبائل
فصل
وكانَ مِما صنع اللَّهُ لِرسوله أن الأوسَ والخزرجَ كانُوا يسمعُونَ مِن حُلفائهم
لقياه ◌َ لمن قدم من
الأوس والخزرج
(١) أخرجه ابن سعد في ((الطبقات)) ٢١٦/١، ٢١٧ من طريق الواقدي، وهو مجمع على
ضعفه، وأخرج أحمد ٣٤١/٤، و٤٩٢/٣ من حديث عبد الرحمن بن أبي الزناد،
عن أبيه، قال: أخبرني رجل يقال له ربيعة بن عباد من بني الديل، وكان جاهلياً
قال: رأيت النبي ه في الجاهلية في سوق ذي المجاز وهو يقول: ((يا أيها الناس:
قولوا: لا إله إلا الله تفلحوا)) والناس مجتمعون عليه، ووراءه رجل وضيء الوجه،
أحول، ذو غديرتين يقول: إنه صابىء كاذب، يتبعه حيث ذهب، فسألت عنه،
فذكروا لي نسب رسول الله ◌َالر، وقالوا: هذا عمه أبو لهب، وسنده حسن، وله
شاهد عند ابن حبان (١٦٨٣) من حديث طارق بن عبد الله المحاربي.
٣٩

مِن يهودِ المدينةِ أن نبياً من الأنبياء مبعوثٌ في هذا الزمانِ سَيَخْرُجِ، فَتَّبِعُهُ ونقتُلُكُم
معه قَتْلَ عَادٍ وإِرَمٍ، وكانت الأنصارُ يحُونَ البيتَ كما كانتِ العربُ تحجُّه دونَ
اليهود، فلما رأى الأنصارُ رسولَ الله وَّر يدعو الناسَ إلى الله عزَّ وجَلَّ، وتأَّلُوا
أحواله، قال بعضهم لبعض: تَعْلَمُونَ واللَّهِ يا قَوْمُ أَنَّ هُذا الَّذِي تَوَعَّدُكُمْ بِهِ يَهُودُ،
فَلا يَسْبِقُنَّكُمْ إِلَيْهِ. وكانَ سُويدُ بن الصَّامِت من الأوسِ قد قَدِمَ مَكَّةَ، فدعاه
رسولُ الله ◌َِّةِ، فلم يُبْعِدْ وَلَمْ يُجِبْ حتَّى قَدِمَ أنس بن رافع أبو الحيسر في فِتيةٍ من
قومِه من بني عَبْدِ الأَشْهَلِ يطلُبُون الحِلف، فدعاهم رسولُ الله ◌ََّ إلى الإِسْلاَمِ،
فقال إياسُ بنُ معاذ وكان شاباً حَدَثاً: يا قومُ هُذا واللّهِ خَيْرٌ مِما جئنًا له، فضربَه أبو
الحيسر وانتهره، فسكتَ، ثم لم يَتِمَّ لهم الحِلْفُ، فانصرَفُوا إلى المدينة(١).
فصل
لقي النبي * ستة نفر
من الخزرج
ثم إنَّ رسولَ اللهِ بَّهَ لَقِيَ عِنْدَ العَقَبَةِ في المَوْسِمِ سِنَّةَ نَفَرٍ مِنَ الأنصارِ كُلُّهم
مِن الخزرج، وهم: أبو أمامة أسعدُ بنُ زُرَارَة، وعوفُ بن الحارث، ورافعُ بن
مالك، وقُطبةُ بن عامر، وعُقبة بن عامر، وجابرُ بن عبد الله بن رئاب، فَدَعَاهُم
رسولُ اللهَ وَّ إِلَى الإِسْلامِ فأسلمُوا(٢).
بيعة العقبة الأولى
ثم رجعوا إلى المدينةِ، فَدَعَوْهُم إلى الإِسلام، ففشا الإِسلامُ فيها حتَّى لم
يبق دارٌ إلاَّ وقد دخلها الإِسلامُ، فلما كان العامُ المقبلُ، جاء مِنهم اثنا عشرَ رَجُلاً،
الستة الأُوَل خلا جابر بن عبد الله، ومعهم معاذ بن الحارث بن رفاعة أخو عوف
المتقدِّم، وذكوان بنُ عبد القيس، وقد أقامَ ذَكوان بمكة حتى هاجر إلى المدينة،
فيقال: إنه مُهاجري أنصاري، وعُبادة بن الصامت، ويزيدُ بن ثعلبة، وأبو
(١) أخرجه ابن هشام في ((السيرة)) ٤٢٧/١، ٤٢٨ عن ابن إسحاق، حدثني الحصين بن
عبد الرحمن بن عمرو بن سعد بن معاذ الأشهلي، عن محمود بن لبيد، ورجاله
ثقات، وسنده حسن .
(٢) أخرجه ابن هشام في السيرة ٤٢٨/١، ٤٢٩، عن ابن إسحاق، حدثني عاصم بن
عمر عن قتادة عن أشياخ من قومه ... ورجاله ثقات وسنده حسن.
٤٠