Indexed OCR Text

Pages 261-280

ثلاثة أوجه، أحدها: أنه طاف نهاراً، الثاني: أنه أخر الطَّواف إلى الليل، الثالث:
أنه أفاض مِن آخر يومه، فلم يضبط فيه وقت الإفاضة، ولا مكان الصلاة، بخلاف
حديث ابن عمر .
السابع: أن حديثَ ابنِ عمر أصحُ منه بلا نزاع، فإن حديثَ عائشة من رواية
محمد بن إسحاق، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عنها، وابن إسحاق
مختلف في الاحتجاج به، ولم يُصرِّحْ بالسماع، بل عنعنه، فكيف يُقدَّم على قول
عُبيد الله: حدثني نافع، عن ابن عمر.
الثامن: أن حديث عائشة، ليس بالبيِّن أنه صلى الله عليه وسلم صلَّى الظهر
بمكة، فإن لفظه هكذا: أفاض رسولُ اللَّهِ وَّه مِن آخِرِ يَوْمِهِ حِينَ صَلَّى الظُّهر، ثم
رجع إلى مِنى، فمكث بها ليالي أيام التشريق يرمي الجمرة إذا زالت الشمس، كل
جمرة بسبع حصيات. فأين دلالة هذا الحديثِ الصريحة، على أنه صلَّى الظهرَ
يومئذ بمكة، وأين هذا في صريح الدلالة إلى قول ابن عمر: أفاض يوم النحر، ثم
صلَّى الظهر بمنى، يعني راجعاً. وأين حديثٌ اتفق أصحاب الصحيح على إخراجه
إلى حديثٍ اختُلِفَ في الاحتجاج به. والله أعلم.
فصل
قال ابن حزم: وطافت أم سلمة في ذلك اليوم على بعيرها مِن وراء الناس
وهي شَاكية، استأذنت النبيَّ ◌َّر في ذلك اليوم، فأذن لها، واحتج عليه بما رواه
مسلم في (صحيحه)) من حديث زينب بنت أم سلمة، عن أم سلمة، قالت:
شكوتُ إلى النبيَّ وَ ﴿، أني أشتكي، فقال: ((طُوفِي مِنْ وَراءِ النَّاس وأَنْت رَاكبة))
قالت: فَطُفْتُ وَرَسُولُ اللَّهِ يَّةِ حِينَئِذٍ يُصَلِّي إلى جَنْبِ البَيْت، وهُوَ يَقْرَأُ:
﴿والطُّورِ وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ﴾(١) ولا يتبيَّنُ أن هذا الطوافَ هُوَ طوافُ الإِفاضَة، لأن
ذكر طواف أم سلمة
(١) أخرجه مسلم (١٢٧٦) في الحج: باب جواز الطواف على بعير وغيره.
٢٦١

النبيَّ ◌َّ لم يقرأ في ركعتي ذلك الطواف بالطور، ولا جهر بالقراءة بالنهار بحيث
تسمعُه أُ سلمة من وراء الناس، وقد بيَّن أبو محمد غلطَ من قال: إنه أخره إلى
اللیل، فأصاب في ذلك.
وقد صح من حديث عائشة، أنَّ النبيَّ وَّل، أرسل بأمِّ سلمة ليلةَ النحر،
فرمت الجمرةَ قبل الفجر، ثم مضت فأفاضت(١) فكيف يلتئمُ هذا مع طوافها يومَ
النحر وراءَ الناس، ورسولُ اللهِ يَّةٍ إلى جانب البيت يُصلِّي ويقرأ في صلاته
﴿والطُّورِ وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ﴾؟ هذا مِن المُحال، فإن هذه الصلاةَ والقراءَة، كانت في
صلاة الفجر، أو المغربِ، أو العشاءِ، وأمَّا أنها كانت يومَ النحر، ولم يكن ذلك
الوقت رسولُ الله ◌َلّ بمكة قطعاً، فهذا من وهمه رحمه الله.
فطافت عائشةُ في ذلك اليوم طوافاً واحداً، وسعت سعياً واحداً أجزأها عن
حجِّها وعُمرتها، وطافت صفيَّةُ ذلك اليوم، ثُمَّ حاضت فأجزأها طوافُها ذلك عن
طواف الوداع، ولم تُوَدِّعْ (٢)، فاستقرَّت سنتُهُ وَّله في المرأة الطاهرة إذا حاضت
قبل الطواف - أو قبل الوقوف -، أن تَقْرِنَ، وتكتفيَ بطواف واحد، وسعي
واحد، وإن حاضت بعد طواف الإفاضة اجتزأت به عن طواف الوداع.
طواف عائشة
(١) أخرجه أبو داود (١٩٤٢) في المناسك: باب التعجيل من جمع، وهو ضعيف
لاضطرابه انظر تفصيل ذلك في ((الجوهر النقي)) ١٣٢/٥، ١٣٣.
(٢) أخرج مالك ٤١٢/١ في الحج: باب إفاضة الحائض، والبخاري ٤٦٧/٣، ٤٦٨ في
الحج: باب إذا حاضت المرأة بعدما أفاضت، ومسلم (١٢١١) (٣٨٣) ٢/ ٩٦٤ في
الحج: باب وجوب طواف الوداع وسقوطه عن الحائض من حديث عائشة أم
المؤمنين أن صفية بنت حيي زوج النبي موضّ حاضت، فذكر ذلك للرسول وليه،
فقال: ((أحابستنا هي؟ فقيل له: إنها قد أفاضت، قال: ((فلا إذن)) وفي رواية:
حاضت صفية ليلة النفر، فقال: ما أراني إلا حابستكم، قال النبي ◌ّ﴾ ((عقرى حلقى))
أطافت يوم النحر؟ قيل: نعم، قال: ((فانفري)) ومعنى: حلقى: أصابهاوجع في
حلقها، وهو دعاء لا يراد به وقوعه إنما هو عادة بينهم، كقولهم: لا أبا لك،
وتربت يمينك.
٢٦٢

فصل
رمي الجمار
ثم رجع ◌ََّ إلى مِنى مِن يومه ذلك، فباتَ بها، فلما أصبَحَ، انتظرَ زوالَ
الشِّمْس، فلما زالت، مشى مِن رحله إلى الجِمَارِ، ولم يَرْكَبْ، فبدأ بالجمرة
الأولى التي تلي مَسْجِدَ الخَيْفِ، فرماها بسبع حَصَياتٍ واحدةً بعدَ واحدةٍ، يقول
مع كُلِّ حصاة: ((اللَّهُ أكْبَرُ))، ثم تقدَّم على الجمرة أمامها حتى أسهلَ، فقام مستقبلَ
القِبلة، ثم رفعَ يديِهِ وَدَعَا دُعَاءً طَوِيلاً بقدر سُورَةِ البقرة، ثم أتى إلى الجَمرة
الوُسطى، فرماها كذلك، ثم انحدرَ ذاتَ اليَسارِ مما يَلي الوادِي، فوقَفَ مستقبِلَ
القِبلة رافعاً يديه يدعو قريباً مِن وقُوفِه الأولِ، ثم أتى الجمرَة الثَّالِثَةَ وهي جمرة
العَقبة، فاستبطن الوَادِيَ، واستعرض الجَمرة، فجعل البَيْتَ عَن يسارِهِ، ومِنى عن
يمينه، فرماها بسبع حصيات كذلك(١).
ولم يرمِها مِن أعلاها كما يفعل الجُهَّال، ولا جعلها عن يمينه واستقبل التعديل لترك الدعاء بعد
البيتَ وقت الرمي كما ذكره غيرُ واحد من الفقهاء.
العقبة
فلما أكمل الرمي، رجع مِن فوره ولم يقف عندها، فقيل: لضيق المكان
بالجبل، وقيل وهو أصح: إن دعاءه كان في نفس العبادة قبل الفراغ منها، فلما
رمى جمرة العقبة، فرغ الرميُّ، والدعاءُ في صُلب العبادة قبل الفراغ منها أفضلُ
منه بعد الفراغ منها، وهذا كما كانت سنته في دعائه في الصلاة، إذ كان يدعو في
صُلبها، فأما بعد الفراغ منها، فلم يثبت عنه أنه كان يعتادُ الدعاء، ومن روى عنه
ذلك، فقد غَلِط عليه، وإن رُوي في غير الصحيح أنه كان أحياناً يدعو بدعاءٍ
عارِض بعد السلام، وفي صحته نظر .
(١) أخرجه البخاري ٤٦٤/٣، ٤٦٥ في الحج: باب إذا رمى الجمرتين يقوم مستقبل
القبلة، وباب الدعاء عند الجمرتين، من حديث ابن عمر رضي الله عنهما. وأخرجه
البخاري ٣٦٣/٣، ٣٦٤، ومسلم (١٢٩٦) (٣٠٦) و (٣٠٧) في الحج: باب رمي
جمرة العقبة من بطن الوادي، من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه.
٢٦٣

وبالجملة: فلا ريبَ أن عامة أدعيته التي كان يدعو بها، وعلَّمها الصِّدِّيق،
إنما هي في صُلب الصلاة، وأما حديثُ معاذ بن جبل: ((لاَ تَنْسَ أَنْ تَقُولَ دُبْرَ كُلِّ
صَلاةٍ: اللَّهُمَّ أَعِنِّي عَلَى ذِكْرِكَ وشِكْرِكَ، وَحُسْن عِبَادِتِك))(١)، فدُبُر الصلاة يُراد به
آخرها قبل السلام منها، كدُبُر الحيوان، ويراد به ما بعد السلام كقوله: («تُسَبِّحون
الله وتكبِّرون وتحمدون دُبُرَ كُلِّ صَلاَةٍ))(٢): الحديث. والله أعلم.
فصل
ميل المصنف بأنه (﴾
رمى قبل الصلاة
ولم يزل في نفسي، هل كان يرمي قبلَ صلاة الظهر أو بعدَها؟ والذي يغلِبُ
على الظن، أنه كانه يرمي قبل الصلاة، ثم يَرجع فيُصلي، لأن جابراً وغيرَه قالوا:
كانَ يرمي إذا زالتِ الشمس، فعقّبوا زوالَ الشمس برميه. وأيضاً، فإن وقت
الزوال للرمي أيامَ مِنى، كطلوع الشمس لرمي يوم النحر، والنبي ◌َّ يومَ النحر لما
دخل وقتُ الرمي، لم يُقَدِّمْ عليه شيئاً من عِبادات ذلك اليوم، وأيضاً فإن
الترمذي، وابن ماجه، رويا في ((سننهما)) عن ابن عباس رضي الله عنهما: كان
رسولُ اللهِ وَّهِ يرمي الجِمارَ إذا زالت الشمس. زاد ابن ماجه: قَدْرَ ما إذا فرغ من
رميه صلى الظهر. وقال الترمذي: حديث حسن(٣)، ولكن في إسناد حديث
الترمذي الحجاج بن أرطاة، وفي إسناد حديث ابن ماجه إبراهيمُ بن عثمان أبو
(١) أخرجه أبو داود (١٥٢٢) والنسائي ٥٣/٣ من حديث معاذ بن جبل رضي الله عنه،
وسنده صحيح.
(٢) أخرجه البخاري ٢٧٠/٢، ٢٧٢، ومسلم (٥٩٥)، ومالك ٢٠٩/١، وأبو داود
(١٥٠٤) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
(٣) أخرجه الترمذي (٨٩٨) في الحج: باب ما جاء في الرمي بعد زوال الشمس، وابن
ماجه (٣٠٥٤) في الحج: باب رمي الجمار أيام التشريق، وفي سند الترمذي كما
قال المؤلف الحجاج بن أرطاة وهو كثير الخطأ والتدليس، وفي ((سنن ابن ماجه))
إبراهيم بن عثمان أبو شيبة وهو متروك وفي ((صحيح مسلم)) (١٢٩٩) من حديث
جابر: رمى رسول الله 18 الجمرة يوم النحر ضحى، وأما بعد، فإذا زالت الشمس.
٢٦٤

شيبة، ولا يُحتج به؛ ولكن ليس في الباب غيرُ هذا.
وذكر الإِمام أحمد أنه كان يرمي يوم النحر راكباً، وأيام مِنى ماشياً في ذهابه
ورجوعه .
فصل
فقد تضمنت حَجَّته ◌َّهُ سِتَّ وقفات للدعاء.
وقفات الدعاء في الحج
الموقف الأول: على الصفا، والثاني: على المروة، والثالث: بعرفة،
والرابع: بمزدلفة، والخامس: عند الجمرة الأولى، والسادس: عند الجمرة
الثانية .
فصل
وخطب رَّة الناس بمنى خطبتين: خطبةً يوم النحر وقد تقدَّمت والخطبةَ
الثانية: في أوسط أيَّامِ التشريق، فقيل: هو ثاني يوم النحر، وهو أوسطُها، أي:
خيارها، واحتج من قال ذلك: بحديث سَرَّاء بنت نبهان، قالت: سمعتُ
رسول اللّهَ وَّ﴾ يقول: أتدرونَ أيُّ يَوْمِ هذَا؟ قالت: وهُو الْيَوْمُ الَّذِي تَدْعُونَ يَوْمَ
الرُّؤوس. قالوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ قال: هذا أوْسَطُ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ. هَل تَدْرُونَ أَيُّ
بَلَد هذا؟ قالوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قال: هذَا المَشْعَرُ الحَرَامُ. ثُمَّ قَال: إِنِّي لا
أَدْرِي لَعَلِّي لاَ أَلْفَاكُمْ بَعْدَ عامي هذَا، أَلاَ وَإِنَّ دمَاءَكُم، وأَمْوالَكُم، وَأَغْرَاضَكُم
عَلَيْكُمْ حَرَامٌ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُم هذا، في شهركم هذا، في بَلَدِكُمْ هذا، حتَّى
تَلْقَوْا رَبَّكم، فَيَسْأَلِكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ، أَا فَلْيُبَلِّغْ أَدْنَاكُمْ أَقصاكم، أَلاَ هَلْ بَلَّغْتُ))
فَلَمَّا قَدِمْنَا المَدِينة، لَمْ يَلْبَثْ إلَّ قَلِيلاً حَتَّى مَاتَ وَلَّ. رواه أبو داود(١)
خطبتا منى
(١) الحديث بطوله لم يروه أبو داود، وإنما رواه البيهقي في ((سننه)) ١٥١/٥، ولفظ أبي
دواد (١٩٥٣) عن سرَّاء بنت نبهان قالت: خطبنا رسول الله ◌َّل يوم الرؤوس، فقال:
أي يوم هذا؟ قلنا: الله ورسوله أعلم، قال: أليس أوسط أيام التشريق؟ !. وفي سنده
ربيعة بن عبد الرحمن بن حصين الغنوي لم يوثقه غير ابن حبان، وباقي رجاله =
٢٦٥

ويوم الرؤوس: هو ثاني يوم النحر بالاتفاق.
. وذكر البيهقي، من حديث موسى بن عُبيدة الرّبَذِي، عن صدقة بن يسار،
عن ابنِ عمر، قال: أُنْزِلَتْ هَذِه الشُّورَةُ، ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالفَتْحُ﴾ على
رسولِ الله ◌ََّ في وسط أيَّامِ التشريقِ، وعُرِفَ أنه الودائعُ، فأمر براحلته القَصْواء،
فَرُحِلَتْ، واجتمع الناسُ فقال: ((يا أيها النَّاسُ)) ثم ذكر الحديث في خطبته (١) .
فصل
واستأذنه العباسُ بنُ عبد المطلب أن يَبيت بمكة لياليَ مِنی مِن أجل سقايته،
فأذن له(٢) .
ترخيصه 4 لمن له عذر
بالمبيت خارج منى
وبجمع رمي يومين بعد
يوم النحر في أحدهما
واستأذنه رِعاءُ الإِبِلِ في البيتوتة خارِجَ مِنى عند الإِبِل، فأرخص لهم أن
يَرْمُوا يَوْمَ النَّحْرِ، ثم يَجْمَعُوا رميَ يومين بَعْدَ يوم النحر يرمُونَه في أحدهما(٣) .
ثقات، وله شاهد عند أبي داود (١٩٥٢) بسند جيد من حديث أبي نجيح عن رجلين
=
من بني بكر قالا: رأينا رسول الله ◌َ ي* يخطب بين أوسط أيام التشريق، ونحن عند
راحلته، وهي خطبة رسول الله وَّر التي خطب بمنى. وسنده قوي. ويوم الرؤوس
سمي بذلك، لأنهم كانوا يأكلون فيه رؤوس الأضاحي.
(١)
أخرجه البيهقي ١٥٢/٥، وموسى بن عبيدة الربذي ضعيف.
(٢) أخرجه البخاري ٣٩٢/٣ في الحج: باب سقاية الحاج، وباب هل يبيت أصحاب
السقاية بمكة أو غيرهم بمكة ليالي منى، ومسلم (١٣١٥) في الحج: باب وجوب
المبيت بمنى ليالي أيام التشريق. قال الحافظ: وفي الحديث دليل على وجوب
المبيت بمنى، وأنه من مناسك الحج، لأن التعبير بالرخصة يقتضي أن مقابلها
عزيمة، وأن الإذن وقع للعلة المذكورة، وإن لم توجد أو في معناها، لم يحصل
الإذن، وبالوجوب قال الجمهور، وفي قول الشافعي، ورواية عن أحمد وهو مذهب
الحنفية: إنه سنة.
(٣) أخرجه مالك في ((الموطأ)) ٤٠٨/١، وأبو داود (١٩٧٥)، والترمذي (٩٥٥)،
والنسائي ٢٧٣/٥، وابن ماجه (٣٠٣٧) من حديث أبي البداح بن عاصم، عن أبيه،
وسنده صحيح.
٢٦٦

قال مالك: ظننتُ أنه قال: في أول يوم منهما، ثم يرمُون يومَ النَّفْرِ .
وقال ابنُ عيينة: في هذا الحديث رخّص للرِّعاء أن يرموا يوماً، وَيَدَعوا يوماً
فيجوز لِلطَّائفتين بالُّنَّة تركُ المبيت بمنى، وأما الرمي، فإنهم لا يترگونه، بل لهم
أن يُؤخِّروه إلى الليل، فيرمُون فيه، ولهم أن يجمعوا رميَ يومين في يوم، وإذا
كان النبي ◌َ﴾ قد رخَّصَ لأهل السقاية، وللرِّعاء في البيتوتة، فمن له مال يخافُ
ضياعه، أو مريض يَخافُ مِن تخلُّفه عنه، أو كان مريضاً لا تمكنه البيتوتة، سقطت
عنه بتنبيه النص على هؤلاء، والله أعلم.
فصل
ولم يتعجل بَّ في يومين، بل تأخر حتَّى أكمل رميَ أيام التشريق الثلاثَةَ،
وأفاض يومَ الثلاثاء بعد الظهر إلى المُحَصَّبِ، وهو الأبطح، وهو خَيْف بني كنانة،
فوجد أبا رافع قد ضرب له فيه قبَةً هناك، وكان على ثَقَلِه توفيقاً من الله عز وجل،
دون أن يأمرَه به رسولُ الله ◌َّةِ، فصلَّى الظُّهر، والعصرَ، والمغربَ، والعِشاء،
ورقد رقدة (١) ثم نهض إلى مكة، فطاف للوداع ليلاً سحراً، ولم يَرْمُلْ في هذا
الطَّوافِ، وأخبرته صفية أنها حائض، فقال: ((أحَابِسَتُنا هي؟)) فقالوا له: إنها قَدْ
أَفَاضتْ قال: ((فَلْتَنْفِرْ إذاً)(٢). ورَغِبَتْ إليه عائشةُ تلك الليلة أن يُعْمِرَها عُمرةً
مفردَة، فأخبرها أن طوافها بالبيت وبالصفا والمروة قد أجزاً عن حجِّها وعُمرتها،
فأبت إلا أن تعتمِرَ عُمرة مفردة، فأمر أخاها عبد الرحمن أن يُعْمِرَها مِن التنعيم،
فَفَرَغَتْ مِن عُمرتها لَيْلاً ثمَّ وافَتِ المُحَصَّبَ مَعَ أخيها، فأتيا في جَوْفِ الليل، فقال رجوعها من عمرة التنعيم
أين لقي 23 عائشة بعد
(١) أخرجه البخاري ٤٦٦/٣، ٤٦٧، و٤٧٠ في الحج: باب طواف الوداع، وباب من
صلى العصر يوم النفر بالأبطح، وخبر أبي رافع أخرجه مسلم (١٣١٣) وأبو داود
(٢٠٠٩).
(٢) أخرجه مالك ٤١٢/١، والبخاري ٤٦٧/٣، ٤٦٨ و٤٧٤، ومسلم ٢ / ٩٦٤، ٩٦٥
(٣٨٣) و (٣٨٧).
٢٦٧

رسولُ الله ◌َّ: (فَرَغْتُمَا))؟ قالت: نَعَمْ، فنادَى بالرَّحِيل في أصحابِهِ، فارتحلَ
الناسُ، ثم طافَ بالبيت قبلَ صَلاةِ الصُّبح. هذا لفظ البخاري(١).
فإن قيل: كيف تجمعون بين هذا، وبين حديث الأسود عنها الذي في
((الصحيح)) أيضاً؟ قالت: خرجنا مع رسول الله وَّة، ولم نَرَ إلا الحَجَّ ...
فذكرتِ الحديثَ، وفيه: فلما كانت ليلة الحَصْبَةِ، قلتُ: يا رسول الله! يرجعُ
النَّاسِ بِحَجَّةٍ وعُمْرَةٍ، وأَرْجعُ أَنَا بِحَجَّةِ؟ قَالَ: أَوَمَا كُنْتِ طُفْتِ لَيَالِي قَدِمْنَا مَكَّةَ؟
قَالتْ: قُلْتُ: لاَ. قَالَ: ((فَاذْهَبِي مَعَ أخِيكِ إلى التَّنْعِيم، فَأَهِلِّي بِعُمْرَةٍ ثُمَّ مَوْعِدُكِ
مَكَانَ كَذَا وَكَذَا))، قَالَتْ عَائِشَةُ: فَلَقِيَنِي رَسُولُ اللّهِ وَ وَهُوَ مُصْعِدٌ مِنْ مَكَّةَ، وأَنا
مُنْهَبِطَةٌ عَلَيْهَا، أَوْ أَنَا مُصْعِدَةٌ وَهُوَ مُنْهَبِطٌ مِنْهَا))(٢).
ففي هذا الحديث، أنهما تلاقيا في الطَّريق، وفي الأول، أنه انتظرها في
منزله، فلما جاءت نادى بالرحيلِ في أصحابه. ثمَّ فيه إشكالٌ آخر، وهو قولُها:
لقيني وهو مُصْعِدٌ مِنْ مَكَّةَ وأَنَا مُنْهَبِطَة عليها، أو بالعكس، فإن كان الأول، فيكون
قد لقيها مُصعِداً منها راجعاً إلى المدينة، وهي منهبطة عليها للعمرة، وهذا يُنَافي
انتظاره لها بالمحصَّب.
قال أبو محمد بن حزم: الصوابُ الذي لا شك فيه، أنها كانت مُصْعِدَةً مِنْ
مَكَّة، وهو منهبِط، لأنها تقدَّمت إلى العُمرة، وانتظرها رسولُ الله ◌ِّ حتى
جاءت، ثم نهضَ إلى طواف الوداع، فلقيها منصرِفة إلى المحصَّبِ عن مكة،
وهذا لا يصح، فإنها قالت: وهو منهبط منها، وهذا يقتضي أن يكون بعد
المحصَّب، والخروج من مكة، فكيف يقول أبو محمد: إنه نهض إلى طواف
(١) ٤٨٨/٣ في العمرة: باب المعتمر إذا طاف طواف العمرة ثم خرج: هل يجزئه من
طواف الوداع؟ و٣٣٤/٣ في الحج: باب قول الله تعالى: ﴿الحج أشهر معلومات﴾
ومسلم (١٢١١) (١٢٣).
(٢) أخرجه البخاري ٤٦٩/٣، ٤٧٠ في الحج: باب إذا حاضت المرأة بعدما أفاضت،
ومسلم ٢/ ٨٧٧، ٨٧٨ (١٢١١) (١٢٨).
٢٦٨

الوداع وهو منهبط مِن مكة؟ هذا محال. وأبو محمد، لم يحج. وحديث القاسم
عنها صريح كما تقدم في أن رسولَ الله بَّهِ. انتظرها في منزله بعد النَّفْرِ حتى
جاءت، فارتحل، وأذَّن في الناس بالرحيل، فإن كان حديثُ الأسود هذا
محفوظاً، فصوابُه: لقيني رسولُ الله ◌ََّ، وأنا مُصعِدة من مكة، وهو منهبط
إليها، فإنها طافت وقضت عُمرتها، ثم أصعدت لميعاده، فوافته قد أخذ في
الهُبوط إلى مكَّة للوداع، فارتحل، وأذَّن في النَّاس بالرحيل، ولا وجه لحديث
الأسود غير هذا، وقد جُمِعَ بينهما بجمعين آخرين، وهما وهم.
أحدهما: أنه طاف للوداع مرتين: مرةً بعد أن بعثها، وقبل فراغها، ومرة
بعد فراغها للوداع، وهذا مع أنه وَهمٌّ بيِّن، فإنه لا يرفع الإشكال، بل يزيده
فتأمله .
الثاني: أنه انتقل من المحصَّب إلى ظهر العقبة خوفَ المشقة على
المسلمين في التحصيب، فَلَقِيَتْهُ وهي منهبطة إلى مكة، وهو مصعد إلى العَقبة،
وهذا أقبحُ من الأول، لأنه ◌َّ لم يخرج من العقبة أصلاً، وإنما خرج من أسفل
مكة من الثَّنيّةِ السُّفلى بالاتفاق. وأيضاً: فعلى تقدير ذلك، لا يحصُل الجمع بين
الحدیثین.
وذكر أبو محمد بن حزم، أنه رجع بعد خروجه مِن أسفل مكة إلى
المحصَّب، وأمر بالرحيل، وهذا وهم أيضاً، لم يَرجعْ رسول الله رَّ بَعْدَ وداعه
إلى المحصَّب، وإنما مرَّ مِن فوره إلى المدينة.
وذكر في بعض تآليفه، أنه فعل ذلك، ليكون كالمحلِّق على مكة بدائرة في
دخوله وخروجه، فإنه بات بذي طُوى، ثم دخل من أعلى مكة، ثم خرج مِن
أسفلها، ثم رجع إلى المحصَّب، ويكون هذا الرجوُ من يماني مكة حتى تحصُل
الدائرةُ، فإنه پ﴾ لما جاء، نزل بذي طُوی، ثم أتی مگَّة مِن گَدَاء، ثم نزل به لما
فرغ من الطواف، ثم لما فرغ من جميع التُّسُكِ، نزل به، ثم خرج من أسفل مَكَّة
٢٦٩

وأخذ من يمينها حتى أتى المحصَّب، ويحمل أمرُه بالرحيل ثانياً على أنه لقي في
رجوعه ذلك إلى المحصَّب قوماً لم يرحلوا، فأمرهم بالرحيل، وتوجه مِن فوره
ذلك إلى المدينة .
ولقد شان أبو محمد نفسه وكتابه بهذا الهذيان البارد السمج الذي يُضحَك
منه، ولولا التنبيهُ على أغلاط من غَلِطَ عليهِ وَّ لرغبنا عن ذكر مثل هذا الكلام.
والذي كأنك تراه مِن فعله أنه نزل بالمحصَّب، وصلَّى به الظهرَ، والعصرَ،
والمغربَ، والعشاء، ورقد رقدةً، ثم نهض إلى مكة، وطاف بها طواف الوداع
ليلاً، ثم خرج مِن أسفلها إلى المدينة، ولم يرجِعْ إلى المحصَّب، ولا دار دائرةً
ففي ((صحيح البخاري)): عن أنس، أن رسول الله وَّة، صلى الظهر، والعصر،
والمغرب، والعشاء، ورقد رَقدةً بالمحصَّب، ثم ركب إلى البيت، وطاف به(١).
وفي ((الصحيحين)): عن عائشة: خرجنا مَعَ رسولِ اللهِ وَسَّةَ، وذكرتِ
الحديثَ، ثم قالت: حِين قضى اللَّهُ الحَّ، ونَفَرْنَا مِن مِنَى، فنزلنا بالمحصَّب،
فَدَعَا عَبْدَ الرحمنِ بنَ أبي بكر فقال له: ((اخْرُجْ بِأُخْتِكَ مِنَ الحَرَمِ، ثُمَّ افْرُغَا مِنْ
طَوَافِكُمَا، ثُمَّ ائِتَانِي ها هنا بِالمُحَصَّب)). قالَتْ: فَقَضَى اللَّهُ العُمْرَةَ، وفرغنا مِنْ
طَوَافِنَا فِي جَوْفِ اللَّيْلِ، فأتيناه بالمُحَصَّبِ. فَقَالَ: فَرْغْتُمَا؟ قُلنَا: نَعَمْ. فَأَذَّنَ في
النَّاسِ بِالرَّحِيل، فَمَرَّ بِالبَيْتِ فَطَافَ بِهِ، ثُمَّ ارتَحَلَ مُتَوَجِّهاً إلى المَدِينَةِ(٢).
فهذا من أصح حديث على وجه الأرض، وأدلِّه على فساد ما ذكره ابنُ
حزم، وغيرُه مِن تلك التقديرات التي لم يقع شيء منها، ودليل على أن حديثَ
الأسود غيرُ محفوظ، وإن كان محفوظاً، فلا وجه له غير ما ذكرنا وبالله التوفيق.
وقد اختلف السلفُ في التحصيب هل هو سنة، أو منزل اتفاق؟ على
قولين. فقالت طائفة: هو من سنن الحج، فإن في ((الصحيحين)) عن أبي هريرة،
هل التحصيب سنة؟
(١) أخرجه البخاري ٤٦٦/٣، ٤٦٧، و٤٧٠، وقد تقدم ص ٢٦٧.
(٢) تقدم تخريجه ص٢٦٨.
٢٧٠

أن رسولَ اللهِ وَّه قال حين أراد أن يَنْفِرَ مِنْ مِنى: «نَحْنُ نَازِلُون غَداً إن شَاءَ اللَّهُ
بِخَيْفِ بني كِنَانَةَ حَيْثُ تَقَاسَمُوا عَلَى الْكُفْرِ))(١). يعني بذلك المحصَّب، وذلك أن
قريشاً وبني كنانة، تقاسَموا على بني هاشم، وبني المطَّلِب، ألاَّ يُناكحوهم، ولا
يكونَ بينهم وبينهم شيءٌ حتى يُسلموا إليهم رسولَ اللهِ وََّ، فقصدَ النبيُّ ◌َّ
إظهارَ شعائِرِ الإسلام في المكان الذي أظهرُوا فيه شعائر الكفر، والعداوة لله
ورسوله، وهذه كانت عادته صلوات الله وسلامه عليه، أن يُقيم شِعارَ التَّوحيد في
مواضع شَعائِر الكُفر والشِّرك، كما أمر النبي ◌َّ أن يُبنى مسجدُ الطَّائِفِ مَوْضِعَ
اللَّت والعُزى.
قالوا: وفي (صحيح مسلم)): عن ابن عمر، أن النبيَّ رَّة، وأبا بكر،
وعمر، كانوا ينزلونه. وفي رواية لمسلم، عنه: أنه كان يرى التَّحصِيبَ سُنَّة (٢).
وقال البخاري عن ابن عمر: كان يُصَلِّي به الظهرَ، والعصَر، والمغرب،
والعشاء، ويَهْجَعُ، ويذكر أن رسولَ الله وَّ فعل ذلك(٣).
وذهب آخرون، منهم ابنُ عباس، وعائشةُ، إلى أنه ليس بسنة، وإنما هو
منزل اتفاق، ففي ((الصحيحين)): عن ابن عباس، لَيْسَ المُحَصَّبُ بِشَيءٍ، وإنَّما هُوَ
مَنْزِلٌ نَزَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ بَ ◌ِّ لِيَكُونَ أَسْمَحَ لِخُرُوجِهِ (٤).
وفي (صحيح مسلم)): عن أبي رافع، لم يأمُرْني رسولُ اللَّهِ ◌ِّ أن أُنزلَ
بمن معي بالأبطح، ولكن أنا ضربتُ قُبْتَه، ثم جاء فنزل (٥). فأنزل الله فيه بتوفيقه،
تصديقاً لقول رسوله: ((نَحْنُ نَازِلُونَ غَداً بِخَيْفِ بني كِنَانَةٍ))، وتَنْفِيذاً لِمَا عَزَمَ عَلَيْهِ،
(١) أخرجه البخاري ٣٦١/٣ في الحج: باب نزول النبي ◌َّر بمكة، ومسلم (١٣١٤) في
الحج: باب استحباب النزول بالمحصَّب.
(٢) أخرجه مسلم (١٣١٠) (٣٣٧) و (٣٣٨).
(٣) أخرجه البخاري ٤٧٢/٣ في الحج: باب النزول بذي طوى قبل أن يدخل مكة.
(٤) أخرجه البخاري ٤٧١/٣ في الحج: باب المحصب، ومسلم (١٣١٢).
(٥) أخرجه مسلم (١٣١٣).
٢٧١

وَمُوَافَقَةً مِنْهُ لِرَسُولِه صلوات الله وسلامه عليه.
فصل
ها هنا ثلاثُ مسائل: هل دخل رسولُ اللَّهِوَ﴿ البيت في حجته، أم لا؟
وهل وقف في الملتزم بعد الوداع، أم لا؟ وهل صَلَّى الصُّبح ليلةَ الوَداع بمكة، أو
خارجاً منها . ؟
هل دخل* البيت؟
فأما المسألة الأولى، فزعم كثيرٌ من الفقهاء وغيرهم، أنه دخل البيت في
حَجَّتِهِ، ويرى كثيرٌ من الناس أن دخولَ البيتِ مِنْ سُنن الحج اقتداءً بالنبيِّ نَّهِ.
والذي تَدُلُّ عليه سنتُه، أنه لم يَدْخُلِ البيتَ في حَجته ولا في عُمرته، وإنما دخله
عام الفتح، ففي ((الصحيحين)) عن ابن عمر قال: دخلَ رسولُ اللهِ وَلّه يوم فتح
مكة على ناقة لأسامة، حتى أناخَ بفناء الكعبة، فدعا عُثمان بن طلحة بالمفتاح،
فجاءه به، ففتح، فدخلَ النبي ◌ََّ، وأسامةُ، وبلالٌ، وعثمانُ بن طلحة، فأجافُوا
عليهم الباب مَلِيّاً، ثم فتحوه. قال عبدُ الله: فبادرتُ الناس، فوجدتُ بلالاً على
الباب. فقلت: أين صلَّى رسول الله بَّهَ؟ قال: بين العمودين المقدَّمين. قال:
ونسيتُ أن أسأله، كمْ صلَّى(١).
وفي ((صحيح البخاري)) عن ابن عباس، أنَّ رسولَ الله ◌ِّل، لما قَدم مكة،
أبى أن يَدْخُلَ البيتَ وفيه الآلِهَةِ، قال: فأمر بِهَا فَأُخْرِجَت، فأخرَجُوا صُورَةَ
إِبْرَاهِيمَ وإسماعيلَ في أَيْدِيهِمَا الأَزْلاَمُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ◌َِّ: «قَاتَلَهُمُ اللَّه أَمَا وَالله
لَقَدْ عَلِمُوا أَنَّهُمَا لَمْ يَسْتَفْسِما بها قَطُ)). قال: فَدَخَلَ البَيْتَ، فَكَبَّرَ فِي نَوَاحِيه، ولم
يُصَلِّ فِيه(٢) .
(١) أخرجه البخاري ٣٧١/٣، ٣٧٢ في الحج: باب إغلاق البيت، وباب الصلاة في
الكعبة، ومسلم (١٣٢٩) في الحج: باب استحباب دخول الكعبة للحاج وغيره
ومالك ٣٩٨/١.
(٢) أخرجه البخاري ٣٧٥/٣، ٣٧٦ في الحج: باب من كبر في نواحي الكعبة، وفي
الأنبياء، باب قول الله تعالى: ﴿واتخذ الله إبراهيم خليلاً﴾ وفي المغازي: باب أين =
٢٧٢

فقيل: كان ذلك دُخولين، صلَّى في أحدهما، ولم يُصلِّ في الآخر.
وهذه طريقةُ ضعفاء النقد، كلما رأَوْا اختلافَ لفظ، جعلُوه قصة أخرى،
كما جعلوا الإِسراء مِراراً لاختلاف ألفاظه، وجَعَلُوا اشتراءَه مِن جابر بَعيرَه مِراراً
لاختلاف ألفاظِه، وجعلوا طواف الوداع مرَّتين لاختلاف سياقه، ونظائر ذلك.
وأما الجهابذة التُّقاد، فيرغبُون عن هذه الطريقةِ، ولا يجبُنُون عن تغليط مَنْ
ليس معصوماً مِن الغَلَطِ ونسبته إلى الوهم، قال البخاري وغيرُه من الأئمة:
والقولُ قولُ بلال، لأنه مثبت شاهدَ صلاته، بخلاف ابن عباس. والمقصود: أن
دخوله البيت إنما كان في غزوةِ الفتح، لا في حَجِّهِ ولا عُمَرِهِ، وفي ((صحيح
البخاري))، عن إسماعيل بنِ أبي خالد، قال: قلتُ لعبد الله بن أبي أوفى: أدخلَ
النبيُّ نَّهَ فِي عُمْرَتِهِ البَيْتَ؟ قال: ((١).
وقالت عائشةُ: خرجَ رسولُ اللهََّ مِن عندي وهو قَرِيرُ العَيْنِ، طيِّبُ
النَّفْسِ، ثم رجع إليَّ وهو حزينُ القلب، فقلتُ: يا رَسُولَ الله! خرجتَ من عندي
وأنت كذا وكذا. فقال: إني دخلتُ الكعبة، وَوَدِدْتُ أَنِّي لَمْ أَكُنْ فَعَلْتُ، إنِّي
أَخَافُ أَنْ أَكونَ قَدْ أَتْعَبْتُ أُمَّتِي مِنْ بَعْدِي(٢)، فهذا ليس فيه أنه كان فيه حجته، بل
ركز النبي 988 الراية يوم الفتح، ورواه أبو داود (٢٠٢٧) في الحج: باب الصلاة في
=
الكعبة .
(١) أخرجه البخاري ٤٩٠/٣ في العمرة: باب متى يحل المعتمر، ومسلم (١٣٣٢) في
الحج: باب استحباب دخول الكعبة للحاج وغيره.
(٢) أخرجه أحمد ١٣٧/٦، وأبو داود (٢٠٢٩) في المناسك: باب في دخول الكعبة،
والترمذي (٨٧٣) في الحج: باب ما جاء في دخول الكعبة، وابن ماجه (٣٠٦٤) في
المناسك: باب دخول الكعبة وفي سنده إسماعيل بن عبد الملك بن أبي الصفير
ضعفه ابن معين والنسائي وأبو حاتم وغيرهم، وقال ابن حبان: سيىء الحفظ، رديء
الفهم، يقلب ما روى، وباقي رجاله ثقات، ومع ذلك فقد قال الترمذي: حديث
حسن صحيح.
٢٧٣

إذا تأملتَه حقَّ التأمُّلِ، أطلعَكَ التَّأمُّلُّ على أنه كان في غَزاة الفتح، والله أعلم،
وسألته عائشة أن تدخل البيت، فأمرها أن تُصَلِّ في الحِجْرِ رَكْعَتَيْنِ .
فصل
هل وقف * في الملتزم
بعد الوداع
وأما المسألة الثانية: وهي وقوفُه في الملتزم، فالذي روي عنه، أنه فعله يوم
الفتح، ففي (سنن أبي داود))، عن عبد الرحمن بن أبي صفوان، قال: لما فتح
رسولُ اللَّهِ نَّهَ مَكَّةَ، انطلقتُ، فرأيتُ رسولَ اللهِوَّهُ قَدَ خَرَجَ مِنَ الْكَعْبَةِ هُوَ
وأَصْحَابُه وقد استلَمُوا الرُّكْنَ مِنَ الْبَابِ إلى الخَطِيمِ، وَوَضَعُوا خُدُودَهُم على
البَيْتِ، ورسولُ اللهَ وَّلَ وَسطَهُمْ (١).
وروى أبو داود أيضاً: مِن حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جَدِّه،
قال: طُفْتُ مَعَ عَبدِ الله، فَلَّمَا حَاذَى دُبْرَ الكَعْبَةِ قُلْتُ: أَلاَ تَتَعَوّذُ؟ قال: نَعُوذُ بِاللَّهِ
مِنَ النارِ، ثُمَّ مَضَى حَتَّى اسْتَلَمَ الحَجَرَ، فَقَامَ بَيْنَ الرُّكْنِ وَالْبَابِ، فَوَضَعَ صَدْرَهُ
وَوَجْهَهُ وَذِراعَيْهِ هِكَذا، وبَسَطَهُمَا بَسْطاً، وقَال ◌َكَذا رَأيْتُ رَسُول اللَّهِ وَُّ
يَفْعَلُهُ(٢).
فهذا يحتمِل أن يكونَ في وقت الوداع، وأن يكونَ في غيره، ولكن قال
مجاهد والشافعيُّ بعده وغيرُهما: إنه يُستحب أن يَقِفَ في الملتزم بعد طواف
الوداع ويدعو، وكان ابنُ عباس رضي عنهما يلتزِمُ ما بين الرُّكن والبَابِ، وكان
يقول: لا يلتزمُ ما بينهما أحدٌ يسأل الله تعالى شيئاً إلا أعطاه إيَّه، والله أعلم.
فصل
وأما المسألة الثالثة: وهي موضِعُ صلاته وَّ صلاة الصبح صبيحة ليلة
أين صلى ◌َة الصبح
ليلة الوداع؟
(١) أخرجه أبو داود (١٨٩٨) في المناسك: باب الملتزم، وفي سنده يزيد بن أبي زياد
الهاشمي وهو ضعيف، وباقي رجاله ثقات، ويشهد له ما بعده فيتقوى.
(٢) أخرجه أبو داود (١٨٩٩) وابن ماجه (٢٩٦٢) وفي سنده المثنى بن الصباح وهو
ضعيف، لکنه ینجبر بما قبله.
٢٧٤

،وم
الوداع، ففي ((الصحيحين)): عَن أمِّ سلمة، قالت: شكوتُ إلى رَسولِ اللهِلَّهِ أَنِّي
أَشْتَكِي، فَقَالَ: ((طُوفِي مِنْ وَرَاءِ النَّاسِ وَأَنْتِ رَاكِبَةٌ)). قالت: فِطُفْتُ
ورسولُ اللهِّهِ حِينئذْ يُصلي إلى جنبِ البَيْتِ، وهُوَ يَقْرَأ بـ ﴿الطُّورِ وَكِتَابٍ
مَسْطُورٍ﴾(١) فهذا يحتمِل، أن يكونَ في الفجر وفي غيرها، وأن يكونَ في طواف
الوَداعِ وغيرِه، فنظرنا في ذلك، فإذا البخاريُّ قد روى في (صحيحه)) في هذه
القصة، أنه ◌َّ لما أراد الخُروج، ولم تكن أمُّ سلمةَ طافت بالبيت، وأرادتِ
الخُروج، فقال لها رسولُ اللّهِ ◌َِّ: ((إذا أُقْيَمَتْ صَلاةُ الصُّبْحِ، فَطُوفِي عَلى
بَعِيرِكِ، والنَّاسُ يُصَلُّونَ))، فَفَعَلتْ ذَلِكَ فَلَمْ تُصَلِّ حَتَّى خَرَجَتْ))(٢). وهذا محال
قطعاً أن يكون يومَ النحر، فهو طواف الوداع بلا ريب، فظهر أنَّه صلَّى الصُّبْحَ
يومئذ عند البيت، وسمعته أم سلمة يقرأ فيها بالطور.
فصل
ثم ارتحل ◌َ﴾ راجعاً إلى المدينَةِ، فلما كانَ بالرَّوحَاءِ، لقي ركباً، فسلّم
عليهم، وقال: ((مَنِ القَوْمُ))؟ فَقالُوا: المُسْلِمُونَ، قالوا: فَمَنِ القَوْمُ؟ فَقَالَ:
رَسُولُ اللهِوَّةَ، فَرَفَعَتِ امْرَأَةٌ صَبِيّاً لَهَا مِنْ مِحقَّتِها، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ أَلِهَذَا
حٌَّ؟ قال: نَعَمْ، ولَكِ أَجْرٌ)(٣) .
ارتحاله # إلى المدينة
فلما أتى ذَا الحُلَيْفَةِ، باتَ بِهَا، فَلَمَّا رَأَى المَدِينَةَ، كَبَّرَ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ، وقال :
لا إله إلاَّ اللَّهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَه، لَهُ المُلْكُ، وَلَهُ الحَمْدُ، وهُوَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ
قَدِير، آَيْبِوُنْ تَائِبُونَ عَابِدُونَ سَاجِدُونَ، لِرَبِّنا حَامِدُونَ، صَدَقَ اللَّهُ وَعْدَهُ، وَنَصَرَ
(١) أخرجه البخاري ٣٩٢/٣، ومسلم (١٢٧٦) وقد تقدم ص٢٦١.
(٢) أخرجه البخاري ٣٨٩/٣، ٣٩٠.
(٣) أخرجه الشافعي ٢٨٩/١، ومسلم (١٣٣٦) في الحج: باب صحة حج الصبي وأجر
من حج به، وأبو داود (١٧٣٦) وأحمد ٢١٩/١ و٢٤٤، من حديث عبد الله بن
عباس رضي الله عنهما.
٢٧٥

عَبْدَهُ، وهَزَمَ الأَحْزَابَ وَحْدَه)). ثم دخلها نهاراً مِن طَرِيق المُعَرَّسِ، وخَرَج مِن
طريق الشَّجَرَةِ (١) والله أعلم.
فصل
في الأوهام
وهم ابن حزم في قوله:
إنه* أعلم الناس وقت
خروجه أن عمرة في
رمضان تعدل حجة
فمنها: وهم لأبي محمد بن حزم في حَجَّة الوداع، حيث قال: إن النبيَّ وَّ
أَعْلَم النَّاسَ وقتَ خروجه ((أنَّ عُمْرَةً في رَمَضَانَ، تَعْدِلُ حَجَّةً)) وهذا وهم ظاهر،
فإنَّه إنما قال ذلك بعد رجوعه إلى المدينة من حجَّته، إذ قال لأُمِّ سِنَان الأَنْصَارِية:
ما مَنَعَكِ أَنْ تَكُونِي حَجَجْتِ مَعَنا؟ قَالَتْ: لَمْ يَكُنْ لَنَا إلَّ نَاضِحَانٍ، فَحَجَّ أَبُو
وَلَدِي وَابْنِي عَلَى نَاضِحٍ، وَتَرَكَ لَنَا ناضحاً نَنْضَحُ عَلَيْهِ. قَالَ: ((فإذَا جَاءَ رمَضَانُ،
فاعْتَمري، فإنَّ عُمْرَةً في رَمَضَانَ تَقْضِي حَجَّةً)): هكذا رواه مسلم في
((صحیحە))(٢).
وكذلِكَ أيضاً قال هذا لأُمّ معقلٍ بعد رجوعه إلى المدينة، كما رواه أبو
داود، من حديث يوسف بن عبد الله بن سلام، عن جدَّته أم مَعْقِلٍ، قالت: لما
حجَّ رسولُ الله ◌ِّرِ حِجَّة الوَدَاعِ، وكان لنا جمل، فجعله أبو مَعْقِل في سبيل الله،
فأصابنا مرضٌ، فهلك أبو مَعْقِل، وخرج رسول الله محصَّ، فلما فَرَغَ من حَجِّهِ،
جئتُهُ، فَقال: مَا مَنَعَكِ أَنْ تَخْرُجي مَعَنا))؟ فقالت: لقد تهيَّأنا، فهلَكَ أبو مَعقِل،
وكان لنا جمل وهو الذي نَحُجُّ عليه، فأوصى به أبو مَعْقل في سبيل الله. قال:
(١) أخرجه البخاري ٣١٠/٣ من حديث ابن عمر أن رسول الله ملي كان يخرج من طريق
الشجرة، ويدخل من طريق المعرَّس، وأن رسول الله وَّر كان إذا خرج إلى مكة،
صلى في مسجد الشجرة، وإذا رجع، صلى بذي الحليفة ببطن الوادي، وبات حتى
يصبح. وأخرج البخاري ٤٩٢/٣، ومسلم (١٣٤٤) من حديث ابن عمر أيضاً أن
رسول الله وي كان إذا قفل من غزو أو حج أو عمرة يكبر على كل شرف من الأرض
ثلاث تكبيرات، ثم يقول: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك ...
(٢) رقم (١٢٥٦) في الحج: باب فضل العمرة في رمضان.
٢٧٦

((فَهلاً خَرَجْتِ عَلَيْهِ؟ فإنَّ الحجَّ في سَبِيلِ اللهِ، فَأمَّا إِذْ فَاتَتْكِ هذِه الحَجَّةُ مَعَنَا
فاعْتَمري في رَمَضانَ، فإنَّها كحجَّة))(١).
فصل
ومنها وهم آخر له، وهو أن خروجه كان يومَ الخميس لِست بَقِين من ذي
القَعْدَةِ، وقد تقدَّم أنه خرج لخمس، وأن خروجه كان يومَ السبت.
فصل
ومنها وهم آخر لبعضهم، ذكر الطبري في ((حجة الوداع)) أنه خرج يومَ وهم محب الدين الطبري
الجمعة بعد الصَّلاة. والذي حمله على هذا الوهم القبيح، قوله في الحديث:
بقوله: خرج # يوم
الجمعة بعد الصلاة
خرج لِست بقين، فظن أن هذا لا يُمكن إلا أن يكون الخروجُ يومَ الجمعة، إذ تمامُ
الست يوم الأربعاء، وأولُ ذِي الحِجة كان يوم الخميس بلا ريب، وهذا خطأ
فاحش، فإنه من المعلوم الذي لا ريب فيه، أنه صلَّى الظهرَ يومَ خروجه بالمدينة
أربعاً، والعصر بذي الحليفة ركعتين، ثبت ذلك في ((الصحيحين)).
وحكى الطبري في حجته قولاً ثالثاً: إن خروجه كان يومَ السبت، وهو
اختيارُ الواقدي، وهو القول الذي رجحناه أولاً، لكن الواقدي، وهم في ذلك
ثلاثة أوهام، أحدها: أنه زعم أن النبي ◌ِّ صلى يومَ خروجه الظهر بذي الحُليفة
ركعتين، الوهم الثاني: أنه أحرم ذلكَ اليومَ عَقيبَ صلاة الظهر، وإنما أحرم من
الغد بعد أن بات بذي الحُليفة، الوهم الثالث: أن الوقفة كانت يومَ السبت، وهذا
لم يقله غیرہ، وهو وهم بيِّن.
فصل
ومنها وهم للقاضي عياض رحمه الله وغيره، أنه مَّة، تطَّيب هُناكَ قبل
وهم القاضي عياض
أنه * تطيب قبل غسله
ثم غسل الطيب عنه لما
اغتسل
(١) أخرجه أبو داود (١٩٨٨) و (١٩٨٩) والترمذي (٩٣٩)، والدارمي ١٥/٢ ورجاله
ثقات.
٢٧٧

غسله، ثم غسل الطِّيب عنه لما اغتسل. ومنشأ هذا الوهم، مِن سياق ما وقع في
((صحيح مسلم)) في حديثِ عائشة رضي الله عنها أنها قالت: ((طَيِّْتُ رَسُول
الله ◌َّهِ، ثُمَّ طافَ عَلى نِسَائِهِ بَعدَ ذلِك، ثُمَّ أَصْبَحَ مُحْرِماً (١).
والذي يردُّ هذا الوهم، قولُها: طيَّتُ رسولَ اللَّهِ بَّهِ لإِحرامه، وقولُها:
كأني أنظر إلى وَبيصٍ الطِّيب، أي: بريقهٍ في مفارِق رسول الله بَّ وهو مُحرِمٍ،
وفي لفظ: وهو يُلِّ بعد ثلاثٍ من إحرامه، وفي لفظ: كان رسولُ الله ◌ِصَلّه، إذا
أراد أن يُحرم، تطَيب بأطيبِ ما يجد، ثم أَرَى وبيصَ الطِّيبِ في رأسه ولحيته بعد
ذلك، وكل هذه الألفاظ ألفاظُ الصحيح(٢).
وأما الحديثُ الذي احتج به، فإنه حديث إبراهيم بن محمد بن المنتَشِرِ،
عن أبيه، عنها: كُنْتُ أُطَيِّبُ رسولَ اللَّهِ وَّهِ، ثُمَّ يَطُوفُ عَلَى نِسَائِهِ، ثُمَّ يُصْبِحُ
مُخْرِماً. وهذا ليس فيه ما يمنع الطيب الثاني عند إحرامه .
فصل
وهم ابن حزم أنه عدالة
أحرم قبل الظهر
ومنها: وهم آخر لأبي محمد بن حزم أنه ◌ّ أحرم قبل الظهر، وهو وهم
ظاهر، لم يُنقل في شيء من الأحاديث، وإنما أهلَّ عقيب صلاة الظهر في موضع
مصلاه، ثم ركب ناقته، واستوت به على البيداء وهو يُهِلُّ، وهذا يقيناً كان بعد
صلاة الظهر، والله أعلم.
فصل
ومنها وهم آخر له وهو قوله: وساق الهدي مع نفسه، وكان هدي تطوع،
وهذا بناء منه على أصله الذي انفرد به عن الأئمة، أن القارن لا يلزمه هدي، وإنما
وهم ابن حزم أنه ﴾
ساق الهدي مع نفسه
وكان هدي تطوع
(١) أخرجه مسلم (١١٩٢) في الحج: باب الطيب للمحرم، ورواية ((بعد ثلاث)) أخرجها
النسائي ١٤٠/٥ و١٤١ وإسنادها صحيح.
(٢) أخرجه مسلم (١١٨٩) (٣٨) و (١١٩٠) (٣٩) و (٤١) و (٤٤).
٢٧٨

يلزم المتمتع، وقد تقدم بطلانُ هذا القول.
فصل
ومنها: وهم آخر لمن قال: إنه لم يُعيِّن في إحرامه نسكاً، بل أطلقه، ووهم
من قال: إنه عيَّن عُمرة مفردة كان متمتعاً بها، كما قاله القاضي أبو يعلى،
وصاحب ((المغني)) وغيرهما، ووهم من قال: إنه عين حَجّاً مفرداً مجرداً لم يعتمِر
معه، ووهم من قال: إنه عيَّن عُمرة، ثم أدخل عليها الحجَّ، ووهم من قال: إنه
عيَّن حجاً مفرداً، ثم أدخل عليه العُمرة بعد ذلك، وكان مِن خصائصه، وقد تقدم
بيانُ مستند ذلك، ووجهُ الصوابِ فيه. والله أعلم.
:
فصل
ومنها: وهم لأحمد بن عبد الله الطبري في ((حجة الوداع)) له: أنهم لما
كانوا ببعض الطريق، صاد أبو قتادة حماراً وحشياً ولم يكن محرماً، فأكل منه
النبيُّ ◌َّ، وهذا إنما كان في عُمرة الحُديبية، كما رواه البخاري.
فصل
ومنها: وهم آخر لبعضهم، حكاه الطبري عنه رَّ: أنه دخل مكة يوم
الثلاثاء وهو غلط، فإنما دخلها يوم الأحد صُبح رابعةٍ من ذي الحجة.
فصل
ومنها: وهم من قال: إنه ◌ََّ حلَّ بعد طوافه وسعيه، كما قاله القاضي أبو
يعلى وأصحابُه، وقد بيَّنًا أن مستند هذا الوهم وهُم معاوية، أو مَنْ روى عنه أنه
قصَّر عن رسول الله بَّهُ بِمِشْقَصٍ على المروة في حجته.
فصل
ومنها: وهم من زعم، أنه رَّه كان يُقبّل الرُّكن اليماني في طوافه، وإنما
٢٧٩

ذلك الحجرُ الأسود، وسماه اليماني، لأنه يُطلق عليه، وعلى الآخر اليمانيين.
فعبَّر بعضُ الرواة عنه باليماني منفرداً.
فصل
ومنها: وهم فاحش لأبي محمد بن حزم أنه رَمَلَ في السعي ثلاثة أشواط،
ومشى أربعة، وأعجبُ من هذا الوهم، وهمُه في حكاية الاتفاق على هذا القول
الذي لم يقله أحد سواه.
فصل
ومنها: وهم من زعم أنه طاف بين الصَّفا والمروة أربعةَ عشر شوطاً، وكان
ذهابُه وإيابُه مرةً واحدة، وقد تقدم بيانُ بطلانه .
فصل
ومنها: وهم من زعم، أنَّه وَّهَ صلَّى الصُّبْحَ يومَ النَّحر قبل الوقت، ومُسْتَنَدُ
هذا الوهم، حديثُ ابن مسعود، أن النبي ◌َّ صلَّى الفجر يومَ النحر قبلَ
ميقاتها (١) وهذا إنما أراد به قبلَ ميقاتها الذي كانت عادتُه أن يُصليَها فيه، فعجَّلها
عليه يومئذ، ولا بُدَّ من هذا التأويل، وحديث ابن مسعود، إنما يدل على هذا،
فإنه في ((صحيح البخاري)) عنه، أنه قال: هُمَا صَلاَتَانِ تُحَوَّلَاَنِ عَنْ وَقْتِهِمَا: صَلاةُ
المَغْرِبِ بَعْدَمَا يأتي الناسُ المُزْدَلِفَةِ، والفَجْرِ حِينَ يَبْزُغُ الفَجْرُ(٢). وقال في حديث
جابر في حجَّة الوداع: فصلَّى الصُّبحَ حين تَبَيّن لَهُ الصُّبْحُ بِأَذَانٍ وَإِقَامَةِ (٣).
(١) أخرجه البخاري ٤٢٤/٣ في الحج: باب متى يصلي الفجر بجمع، ومسلم
(١٢٨٩).
(٢) أخرجه البخاري ٤١٨/٣، ٤١٩ في الحج: باب من أذن وأقام لكل صلاة.
(٣) أخرجه مسلم (١٢١٨).
٢٨٠