Indexed OCR Text

Pages 161-180

ر.
إلى الحجِّ، معناه: تمتع أصحابُه، فأضاف الفعلَ إليه لأمره به، فهلا قُلتم في قول
عائشة: لبّينا بالحجِّ، أن المرادَ به جنسُ الصحابة الذين لَبَّوا بالحجِّ، وقولها:
فعلنا، كما قالت: خرجنا مع رسولِ اللّهِ مَّةِ، وسافرنا معه ونحوه. ويتعينُ قطعاً
- إن لم تكن هذه الرواية غلطاً - أن تُحمل على ذلك للأحاديثِ الصحيحةِ
الصريحةِ، أنها كانت أحرمت بعُمرة وكيف يُنسب عُروة في ذلك إلى الغلط، وهو
أعلمُ الناس بحديثها وكان يسمعُ منها مشافهةً بلا واسِطة .
وأما قوله في رواية حماد: حدثني غيرُ واحد أن رسولَ الله وَّ قال لها:
((دَعِي عُمْرَتَكِ)) فهذا إنما يحتاجُ إلى تعليله، وردِّه إذا خالف الرواياتِ الثابتة عنها،
فأما إذا وافقها وصدَّقها، وشهد لها أنها أحرمت بعُمرة، فهذا يدل على أنه
محفوظ، وأنَّ الذي حدَّث به ضبطه وحفظه، هذا مع أن حماد بن زيد انفرد بهذه
الرواية المعلَّلة، وهي قوله: فحدَّثني غيرُ واحد، وخالفه جماعة، فرووه متصلاً
عن عُروة، عن عائشة. فلو قُدِّرَ التعارضُ، فالأكثرون أولى بالصواب، فيا لله
العجب! كيف يكون تغليطُ أعلم الناس بحديثها وهو عروة في قوله عنها: ((وكنت
فيمن أهلَّ بعمرة)) سائغاً بلفظ مجمل محتمل، ويُقضى به على النص الصحيح
الصريح الذي شهد له سياقُ القِصة من وجوه متعددة قد تقدم ذكر بعضها؟!
فهؤلاء، أربعة رووا عنها، أنها أهلَّت بعمرة: جابر، وعروة، وطاووس،
ومجاهد، فلو كانت روايةُ القاسم، وعَمرة، والأسود، معارضة لرواية هؤلاء،
لكانت روايتُهم أولى بالتقديم لكثرتهم، ولأن فيهم جابراً، ولفضل عُروة، وعلمه
بحديث خالته رضي الله عنها.
ومن العجب قوله: إن النبي ◌َّةٍ لما أمرها أن تترك الطوافَ، وتمضيَ على
الحج، توهَّموا لهذَا أنَّها كانت معتمِرة، فالنبيُّ ◌َّ إنما أمرها أن تدعَ العُمرة
وتُنشىء إهلالاً بالحج، فقال لها: ((وأهلِّ بالحجِ)) ولم يقل: ((استمري عليه))،
ولا امضي فيه، وكيف يُغلَّط راوي الأمر بالامتشاط بمجرَّد مخالفته لمذهب الرادِّ؟
فأين في كتاب اللَّهِ وسنّة رسوله، وإجماع الأمة ما يُحرم على المحرم تسريحَ
١٦١
زاد المعاد ج ٢ -م٦

شعره، ولا يَسوغ تغليطُ الثقات لنصرة الآراء، والتقليد. والمحرِم وإن أمن من
تقطيع الشعر، لم يمنع مِن تسريح رأسه، وإن لم يأمن من سقوط شيء من الشعر
بالتسريح، فهذا المنعُ منه محلُّ نزاع واجتهاد، والدليل. يَفْصِلُ بين المتنازعين،
فإن لم یدل کتاب ولا سنة ولا إجماع على منعه، فهو جائز.
فصل
وللناس في هذه العُمرة التي أتت بها عائشةُ من التنعيم أربعةُ مسالك.
أحدها: أنها كانت زيادة تطبيباً لقلبها وجبراً لها، وإلا فطوافها وسعيها وقع عن
حجِّها وعُمرتها، وكانت متمتعة، ثم أدخلت الحجَّ على العمرة، فصارت قارنة،
وهذا أصحُّ الأقوالِ، والأحاديثُ لا تدل على غيره، وهذا مسلك الشافعي وأحمد
وغيرهما.
ما المراد من عمرة
التنعيم لعائشة؟
المسلك الثاني: أنها لما حاضت، أمرها أن ترفُض عُمرتَهَا، وتنتقِلَ عنها
إلى حج مفرد، فلما حلَّت من الحج، أمرها أن تعتمِر قضاءً لعمرتها التي أحرمت
بها أولاً، وهذا مسلكُ أبي حنيفة ومن تبعه، وعلى هذا القول، فهذه العمرةُ كانت
في حقٌّها واجبة، ولا بُد منها، وعلى القول الأول كانت جائزة، وكل متمتعة
حاضت ولم يمكنها الطواف قبل التعريف فهي على هذين القولين، إما أن تدخل
الحج على العُمرة، وتصيرَ قارنة، وإما أن تنتقلَ عن العُمرة إلى الحج، وتصيرَ
مفردة، وتقضي العمرة.
المسلك الثالث: أنها لما قرنت، لم يكن بُدٌّ من أن تأتيَ بعُمرة مفردة، لأن
عُمرة القارن لا تُجزىء عن عمرة الإِسلام، وهذا أحد الروايتين عن أحمد.
المسلك الرابع: أنها كانت مُفردة، وإنما امتنعت من طوافِ القُدوم لأجل
الحيض، واستمرت على الإفراد حتى طُهرت، وقضت الحجَّ، وهذه العمرةُ هي
عمرة الإِسلام، وهذا مسلك القاضي إسماعيل بن إسحاق وغيره من المالكية، ولا
١٦٢

يخفى ما في هذا المسلك مِن الضعف، بل هو أضعفُ المسالك في الحديث.
وحديث عائشة هذا، يُؤخذ منه أصول عظيمة من أصول المناسك.
أحدها: اكتفاء القارن بطواف واحد وسعي واحد.
الثاني: سقوطُ طواف القدوم عن الحائض، كما أن حديثَ صفيّة زوج
النبي ◌َّيّة أصل في سقُوط طواف الوداع عنها.
الثالث: أن إدخالَ الحجِّ على العمرة للحائض جائز، كما يجوز للطاهر،
وأولى، لأنها معذورة محتاجة إلى ذلك.
الرابع: أن الحائضَ تفعل أفعال الحجِّ كلَّها، إلا أنها لا تطوفُ بالبيت.
الخامس: أن التنعيمْ مِن الحل.
السادس: جوازُ عُمرتين في سنة واحدة، بل في شهر واحد.
السابع: أن المشروعَ في حق المتمتّع إذا لم يأمِن الفوات أن يُدْخِلَ الحجّ
على العمرة، وحديث عائشة أصل فيه.
الثامن: أنه أصل في العمرة المكية، وليس مع من يستحبُّها غيره، فإن
النبي ◌َّ لم يعتمر هو ولا أحد ممن حج معه من مكة خارجاً منها إلا عائشةَ
وحدها، فجعل أصحابُ العمرة المكية قصة عائشة أصلاً لقولهم، ولا دلالة لهم
فيها، فإن عُمرتها إما أن تكون قضاءً للعمرة المرفوضة عند من يقول: إنها
رفضتها، فهي واجبة قضاءً لها، أو تكون زيادة محضة، وتطيباً لقلبها عند من
يقول: إنها كانت قارنة، وان طوافها وسعيها أجزأها عن حجها وعمرتها.
والله أعلم.
فصل
وأما كون عُمرتها تلك مجزئةً عن عُمرة الإِسلام، ففيه قولان للفقهاء، وهما
هل كانت عمرة التنعيم
مجزئة لعائشة عن عمرة
الإسلام؟
١٦٣

روايتان عن أحمد، والذين قالوا: لا تُجزىء، قالوا: العمرةُ المشروعة التي
شرعها رسولُ الله ◌ِ ◌ٍّ وفعلها نوعان لا ثالثَ لهما: عُمرة التمتع وهي التي أذن فيها
عند الميقات، وندب إليها في أثناء الطريق، وأوجبها على من لم يَسُقِ الهدي عند
الصفا والمروة. الثانية: العمرة المفردة التي يُنشأ لها سفر، كعُمَره المتقدِّمة، ولم
يُشرع عمرة مفردة غير هاتين، وفي كلتيهما المعتمِر داخل إلى مكة. وأما عمرة
الخارج إلى أدنى الحل، فلم تُشرع. وأما عُمرة عائشة، فكانت زيارة محضة،
وإلا فعُمرة قرانها قد أجزأت عنها بنصِّ رسول الله ◌َّةٍ، وهذا دليل على أن عُمرة
القارن تُجزىء عن عُمرة الإسلام، وهذا هو الصواب المقطوع به، فإن النبيَّ ◌َِل
قال لعائشة: ((يَسَعُكِ طَوافُكِ لحجِّكِ وعُمرتِك)) وفي لفظ: ((يجزئك)) وفي لفظ:
(يَكْفِيك)). وقال: ((دخلتِ العُمرةُ في الحجِّ إلى يوم القِيامَة)) وأمر كلَّ من ساق
الهدي أن يقرِنَ بين الحجّ والعُمرة، ولم يأمر أحداً ممن قرن معه وساق الهدي
بعمرة أخرى غير عمرة القِران، فصحَّ إجزاء عُمرة القارن عن عُمرة الإِسلام قطعاً
وبالله التوفيق.
فصل
موضع حيضة عائشة
وطهرها
وأما موضعُ حيضِها، فهو بِسَرِفَ بلا ريب، وموضعُ طُهرها قد اختُلِف فيه،
فقيل: بعرفة هكذا روى مجاهد عنها(١) وروى عُروةُ عنها أنها أظلّها يومُ عرفة
وهي حائض (٢) ولا تنافي بينهما، والحديثان صحيحان، وقد حملهما ابنُ حزم
على معنيين، فطهر عرفة: هو الاغتسال للوقوف بها عنده، قال: لأنها قالت:
تطهرتُ بعرفة، والتطهر غيرُ الطهر، قال: وقد ذكر القاسم يوم طُهرها، أنه يوم
النحر، وحديثُه في ((صحيح مسلم)). قال: وقد اتفق القاسمُ وعروةُ على أنها كانت
أخرجه مسلم (١٢١١) (١٣٣) في الحج: باب بيان وجوه الإحرام.
(١)
(٢) أخرجه البخاري ٤٨٢/٣ في العمرة: باب العمرة ليلة الحصبة وغيرها، ومسلم
(١٢١١) (١٢٠) و (١٢٣).
١٦٤

يومَ عرفة حائضاً، وهما أقربُ الناس منها. وقد روى أبو داود: حدثنا محمد بن
إسماعيل، حدثنا حماد بن سلمة، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عنها: خرجنا
مع رسول الله صَلّ مُوافين هلال ذي الحجة ... فذكرت الحديث، وفيه، فلما
كانت ليلةُ البطحاء، طَهُرَتْ عائِشةُ، وهذا إسناد صحيح(١) لكن قال ابن حزم: إنه
حديث منكر، مخالف لما روى هؤلاء كلهم عنها، وهو قوله: إنها طَهُرت ليلةً
البطحاء، وليلةُ البطحاء كانت بعد يوم النحر بأربع ليال، وهذا محالٌ إلا أننا لما
تدبرنا وجدنا هذه اللفظة، ليست مِن كلام عائشة، فسقط التعلُّق بها، لأنها ممن
دون عائشة، وهي أعلمُ بنفسها. قال: وقد روى حديث حماد بن سلمة هذا
وهيبُ بن خالد، وحماد بن زيد، فلم يذكرا هذه اللفظة .
قلت: يتعين تقديمُ حديث حماد بن زيد ومن معه على حديث حماد بن
سلمة لوجوه .
أحدها: أنه أحفظُ وأثبت من حماد بن سلمة.
الثاني: أن حديثَهم فيه إخبارُها عن نفسها، وحديثه فيه الإِخبار عنها .
الثالث: أن الزهري روى عن عُروة عنها الحديثَ، وفيه: فلم أزل حائضاً
حتى كان يومُ عرفة، وهذه الغاية هي التي بيَّنها مجاهد والقاسم عنها، لكن قال
مجاهد عنها: فتطهرت بعرفة، والقاسم قال: يوم النحر.
فصل
عدنا إلى سياق حجته مَ ﴿: فلما كان بسَرِفَ، قال لأصحابه: ((مَنْ لَمْ يكُنْ
مَعَهُ هَدْيٌّ، فَأَحَبَّ أَنْ يَجْعَلَهَا عُمْرَةً، فَلْيَفْعَلْ، وَمَنْ كَانَ مَعَهُ هَدِيٌّ فَلاَ)) (٢) وهذه
العودة إلى سياق
حجته
(١) أخرجه أبو داود (١٧٧٨) في المناسك: باب في إفراد الحج.
(٢) تقدم تخريجه ص١٣٨ .
١٦٥

رتبة أخرى فوق رتبة التخيير عند الميقات.
بحث في فسخ الحج إلى
العمرة
فلما كان بمكة، أمر أمراً حتماً مَن لا هدي معه أن يجعلها عُمرة، ويحِلَّ من
إحرامه، ومن معه هدي، أن يقيم على إحرامه، ولم ينسخ ذلك شيء البتة، بل
سأله سراقة بن مالك عن هذه العمرة التي أمرهم بالفسخ إليها، هل هي لِعَامِهِمْ
ذَلِكَ، أمْ لِلِأَبَدِ: قال: ((بَلْ لِلأَبَد، وإن العُمْرَةَ قَدْ دَخَلتْ في الحجِّ إلى يَوْمِ
(١)
القِيَامَة)»(١).
وقد روى عنه لرَّ الأمرَ بفسخ الحجِّ إلى العُمرة أربعةَ عشرَ مِن أصحابه،
وأحاديثُهم كلُّها صحاح، وهم: عائشةُ، وحفصة أُمَّا المؤمنين، وعليُّ بن أبي
طالب، وفاطمةُ بنتُ رسول الله وََّ، وأسماءُ بنت أبي بكر الصديق، وجابرُ بن
عبد الله، وأبو سعيد الخُدري، والبراءُ بن عازب، وعبدُ الله بن عمر، وأنسُ بن
مالك، وأبو موسى الأشعري، وعبدُ الله بن عباس، وسَبْرَةُ بنُ معبدِ الجُهني،
وسُرَاقةُ بن مَالِكِ المُدْلِجِيُّ رضي الله عنهم ونحن نشير إلى هذه الأحاديث.
ففي (الصحيحين)): عن ابن عباس، قَدِمَ النبيُّ ◌َّه وأصحابه صَبِيحَةَ رابعةٍ
مُهلِّين بالحجِّ، فأمرهم أن يجعلُوها عُمرة، فتعاظَم ذلك عندهم، فقالوا: يا
رسول الله! أيُّ الحلِّ؟ فقال: ((الحِلُّ كُلُّه)).
وفي لفظ لمسلم: قدِم النبي ◌َّرُ وأصحابُه لأربع خَلَوْنَ من العشر إلى مكة،
وهم يُلُبُّون بالحج، فأمرهم رسولُ الله ◌ََّ أن يجعلوها عُمرةً، وفي لفظ: وأمر
أصحابه أن يجعلوا إحرامهم بعُمرة إلا مَن كان معه الهدي (٢) .
(١) أخرجه مسلم (١٢١٦) في الحج: باب بيان وجوه الإحرام، و (١٢١٨) باب حجة
النبي ◌َلچر وأبو داود (١٧٨٧) في المناسك: باب في إفراد الحج، والنسائي ١٧٨/٥
في المناسك: باب إباحة فسخ الحج بعمرة، والدارمي ٤٤/٢، ٤٩، وابن ماجه
(٢٩٧٧) في المناسك: باب التمتع بالعمرة إلى الحج، وأحمد ١٧٥/٤، والبخاري
٤٨٥/٣ و٩٧/٥ و ١٨٧/١٣.
(٢) أخرجه البخاري ٣٣٧/٣، ٣٣٨ في الحج: باب التمتع والقران والإفراد، ومسلم =
١٦٦

وفي (الصحيحين)) عن جابر بنِ عبد الله: أهلَّ النبيُّ ◌ٍَّ وأصحابه بالحجِّ،
وليس مع أحد منهم هدي غير النبي ◌َّهِ وطلحة، وقَدِمَ عليٍّ رضي الله عنه من
اليمن ومعه هَدي، فقال: أهللتُ بما أهلَّ به النبيُّ ◌ََّ فأمرهم النبيُّ ◌َيّ أن
يجعلوها عُمرة، ويطوفوا، ويقصروا، ويَحِلُّوا إلا مَن كان معه الهديُ، قالوا:
تنطلِقُ إلى منى وَذكَرُ أحدنا يقطُر، فبلغ ذلك النبيَّ ◌َِّ فقال: ((لو اسْتَقْبَلْتُ مِنْ
أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ مَا أَهْدَيْتُ، ولَوْلا أنَّ معيَ الهَدْيَ لأَحْلَلْتُ)). وفي لفظ: فقام
فينا فقال: ((لَقَدْ عَلِمْتُمْ أَنِّي أَتْقَاكُمْ لله، وأَصْدَقُكُم، وأَبَرُّكُمْ وَلَوْلاَ أَنَّ معيَ الهَذْي
الحَلَلْت كَما تَحِلُون، ولَو اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَذْبَرْتُ، لم أَسُقِ الهَدْيَ،
فحُلُّوا)) فَحَلَلْنا، وسَمعنا وأطَعنا، وفي لفظ: أمرنَا رَسُولُ اللهِلٍ لَمَّا أحدلْنا، أن
نُحْرِمَ إذا تَوجَّهْنَا إلى مِنَى. قال: فَأَهْلَلْنا من الأَبْطَحِ، فَقَالَ سُرَاقَةُ بنُ مَالِك بنِ
جُعْثُم: يَا رَسُولَ اللّهِ! لِعَامِنَا هَذَا أَمْ لِلأَبَدِ؟ قال: ((لِلأبَدِ)). وهذه الألفاظُ كلُّهَا في
الصحيح(١) وهذا اللفظُ الأخيرُ صريح في إبطال قولِ مَنْ قال: إن ذلك كان خاصاً
بهم، فإنه حينئذ يكون لِعامهم ذلك وحده، لا للأبد، ورسولُ اللّهِ وٍَّ يقول: إنَّهُ
لِلأَبْدِ.
وفي ((المسند)): عن ابن عمر، قَدِمَ رسول الله ◌َّةِ مكة وأصحابُهُ مُهلِّينَ
بالحجِّ، فقال رَسُولُ اللّهِ مَّهِ: ((مَنْ شَاءَ أنْ يَجْعَلَهَا عُمْرَةً إِلَّ مَنْ كَانَ مَعَه الهَدْيُ)).
قالوا: يا رسولَ الله! أيروحُ أحدٌنا إلى مِنى وَذَكَرَهُ يَقَطُرُ منيًّاً؟ قال: ((نَعَمْ)) وسَطَعتِ
المَجامِرُ(٢).
(١٢٤٠) و (١٢٤١) في الحج: باب جواز العمرة في أشهر الحج، وأبو داود
=
(١٧٨٧) و (١٧٩٢) والنسائي ١٨٠/٥، ١٨١ و٢٠١، ٢٠٢، وأحمد ٢٥٢/١.
(١)
أخرجه البخاري ٤٠٢/٣، ٤٠٣، في الحج: باب تقضي الحائض المناسك كلها إلا
الطواف بالبيت، وباب من أهل في زمن النبي كإهلال النبي ◌َ لٍ، ومسلم (١٢١٣)
و (١٢١٤) و (١٢١٦).
(٢) أخرجه أحمد ٢٨/٢، وإسناده صحيح.
١٦٧

وفي ((السنن)): عن الرَّبيع بن سَبْرَةَ، عَنْ أَبِيه، خرجْنَا مع رسولِ اللهِ وَّ،
حتى إذا كُنَّا بِعُسْفَان، قال سُراقة بن مَالك المُدْلجيُّ: يا رسول الله! اقْضٍ لِنَا قَضَاء
قَوْمٍ كَأَنَّمَا وُلِدوا الْيَوْمَ، فَقَال: ((إنَّ الله عَزَّ وَجَلَّ قَدْ أَدْخَلَ عَلَيْكُمْ فِي حَجَّة عُمْرَةً،
فإذا قَدِمْتم، فَمِن تَطَوَّفَ بالبَيتِ وسَعَى بَيْنِ الصَّفَا والمَرْوَةِ، فَقَدْ حَلَّ إلاَّ مَنْ مَعَهُ
مَذْي))(١).
وفي ((الصحيحين)) عن عائشة: خرجْنَا معَ رسول الله وَ لَه، لا نَذْكُرُ إلا
الحَجَّ ... فذكرتِ الحديثَ، وفيه: فلما قَدِمْنَا مكة، قال النبيُّ ◌ََّ لأصحابه:
((اجْعَلوهَا عُمْرَةً)) فأحلَّ الناسُ إلا مَنْ كان معه الهدي ... وذكَرَتْ باقي الحديث.
وفي لفظ للبخاري: خرجْنَا مع رسولِ اللهِ ◌َّ لا نَرى إلاَّ الحَجَّ، فلما قَدِمْنَا
تطوَّفْنَا بالبيت، فأمر النبيُّ ◌َّه من لم يكن ساق الهدي أن يَحِلَّ، فحلَّ من لم يكن
ساقَ الهدي ونساؤه لم يَسُقْن، فأحللن.
وفي لفظ لمسلم: دخل عليَّ رسولُ اللهِوَّه وهو غضبانُ، فقلتُ: مَنْ
أغضَبكَ يا رسولَ اللّهِ أدخله الله النار. قال: أَوَمَا شَعَرْتِ أَنِّي أَمَرْتُ النَّاسَ بِأَمْرٍ،
فإِذا هُمْ يَتَرَدَّدُون، ولو اسْتَقْبَلتُ من أَمْرِي ما اسْتَدْبَرْتُ. ما سُقْتُ الهدْيَ معي حَتَّى
أَشْتَرِيَهُ، ثُمَّ أحِلَّ كما حَلَّوا))(٢). وقال مالك: عن يحيى بن سعيد، عن عمرة،
قالت: سمعتُ عائشة تقولُ: خرجْنَا معَ رسولِ الله ◌ِّ لخمس ليالٍ بِقِين مِن ذي
القَعدة، ولا نَرى إلا أنه الحجُّ، فلما دَنَونا مِن مكة، أمرَ رسولُ الله ◌َّ من لم يكن
معه هدي إذا طاف بالبيت وسعى بين الصفا والمروة أن يَحِلَّ، قال يحيى بن
(١) أخرجه أبو داود (١٨٠١) والدارمي ٥١/٢ وسنده حسن.
(٢) أخرجه البخاري ٣٣٤/٣، ٣٣٦ في الحج: باب التمتع والقران والإفراد بالحج،
ومسلم(١٢١١) و (١٢٥) و (١٢٨) و (١٣٠).
١٦٨

سعيد: فذكرتُ هذا الحديثَ للقاسم بن محمد، فقال: أتتك واللهِ بالحديثِ على
و جھہ (١).
وفي (صحيح مسلم)): عن ابن عمر، قال: حدثتني حفصةٌ، أن النبيَّ وَّة
أمر أزواجه أن يَحْلِلْنَ عَامَ حَجَّةِ الوَداعِ، فَقُلْتُ: ما مَنَعَكَ أَنْ تَحِلَّ؟ فقال: ((إِنِّي
لَبَّدْتُ رَأْسِي، وقَلَّدْتُ هَذيي، فَلا أَحِلُّ حَتَّى أَنْحَرَ الهَدْي))(٢).
وفي ((صحيح مسلم)): عن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما، خرجنا
مُحرمِينَ، فقال رسولُ الله ◌ِّهِ. ((مَنْ كَانَ مَعَهُ هَذْيٌ، فَلْيَقُمْ عَلَى إِحْرامِهِ، ومَنْ لَمْ
يَكُنْ مَعَهُ هَدْيٌّ، فَلْيَحْلِلْ)) ... وذكرتِ الحديث(٣).
وفي ((صحيح مسلم)) أيضاً: عن أبي سعيد الخدري، قال: خرجْنَا مَعَ
رسولَ اللّهِ وَه نَصْرُخُ بالحجِّ صُراخاً، فلما قَدِمْنَا مَّة أمَرنا أن نَجْعَلَها عُمرةً إلا
مَنْ سَاقَ الهَدْيَ. فلما كَانَ يَوْمُ التَّرْويَّةِ، وَرُحْنَا إِلى مِنَى، أهللنَا بِالحَجِّ(٤).
وفي ((صحيح البخاري)): عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: أَهَلَّ
المُهاجِرُونَ والأَنْصَارُ، وأزواجُ النبي ◌ََّ فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ، وأهللنَا فلما قَدِمْنَا
مَكَّة، قال رسولُ اللّهِ بِ﴿َ: ((اجْعَلُوا إِهْلاَلَكُمْ بالحَجِّ عُمْرَةً إِلَّ مَنْ قَلَّدَ الهَدْي)) ...
وذكر الحديث(٥).
وفي ((السنن)) عن البراء بن عازب، خرجَ رسولُ الله ◌َلَّه وأصحابُه، فأحرمْنَا غضبه ◌َ ◌ّ ممن لم يفسخ
بالحجِّ، فلما قَدِمنَا مكة، قال: ((اجْعَلوا حَجَّكُمْ عُمْرَة)). فقال الناسُ: يا
الحج إلى العمرة
(١) أخرجه مالك في ((الموطأ)) ٣٩٣/١، وإسناده صحيح، والبخاري ٤٤٠/٣ في
الحج: باب ذبح الرجل البقر عن نسائه من غير أمرهن، ومسلم (١٢١١) (١٢٥).
(٢)
أخرجه مسلم (١٢٢٩).
(٣)
أخرجه مسلم (١٢٣٦).
أخرجه مسلم (١٢٤٧).
(٤)
(٥) أخرجه البخاري ٣٥٤/٣ في الحج: باب قول الله تعالى: ﴿ذلك لمن لم يكن أهله
حاضري المسجد الحرام﴾ .
١٦٩

رسولَ اللّهِ! قد أحرمنا بالحجِّ، فكيف نجعلُها عُمْرَةً؟ فقال: ((انْظُرُوا مَا آمُرُكُمْ بِهِ
فَافْعَلوهُ)»، فرددَّوًا عليه القولَ، فَغَضِبَ، ثم انطلق حتَّى دخل على عائشة وهو
غَضْبانُ، فرأتِ الغضب في وجهه فقَالت: مَنْ أَغْضَبَك، أغضبه اللّهُ. فَقَال: وَمَا
لِيَ لا أَغْضَبُ وَأَنَا آمُرُ أَمْراً فَلا يُتَبَعُ (١).
ونحن، نُشهِدُ الله علينا أنَّا لو أحرمنا بحجّ، لرأينا فرضاً علينا فسخهُ إلى
عُمرة تفادياً مِن غضبٍ رسولِ الله ◌َّة، واتباعاً لأمره. فواللهِ ما نُسِخَ هذا في حَياتِهِ
ولا بَعْدَهُ، ولا صحَّ حَرْفٌ واحد يُعارضه، ولا خصَّ به أصحابَه دُونَ مَنْ بعدهم،
بل أجرى الله سبحانه على لِسان سُراقة أن يسأله: هل ذلك مختصٌ بهم؟ فأجاب
بأنَّ ذلك كائن لأبد الأبد، فما ندري ما نقدِّم على هذه الأحاديث، وهذا الأمر
المؤكَّد الذي غضب رسول الله رَّ على من خالفه.
ولله دَرُّ الإِمام أحمد، رحمه الله إذ يقول لسلمة بن شبيب وقد قال له يا أبا
عبد الله: كُلُّ أمرك عِندي حَسن إلا خَلَّةً واحِدةً: قال: وما هي؟ قال: تقولُ بفسخ
الحَجِّ إلى العُمرة. فقال: يا سلمة! كنتُ أرى لك عقلاً، عندي في ذلك أحد عشر
حديثاً صحاحاً عن رسول الله رَّةَ، أأتركُها لِقَوْلكَ؟ ! .
وفي ((السنن)) عن البراء بن عازب، أن علياً رضي الله عنه لما قَدِمَ على
رَسُولِ اللّهِ وَّر من اليمن، أدرك فاطمةً وقد لبست ثياباً صَبِيغاً، ونَضَحَتِ البَيْتَ
بِنَضُوحِ، فَقَالَ: مَا بَالُكِ؟ فَقَالت: إنَّ رَسُولَ اللّهِ وََّ أَمَرِ أَصْحَابَه فَحَلُّوا (٢).
وقال ابنُ أبي شيبة: حدثنا ابنُ فضيل، عن يزيد، عن مجاهد، قال: قال
(١) أخرجه أحمد ٢٨٦/٤، وابن ماجه (٢٩٨٢) في المناسك: باب فسخ الحج، وسنده
حسن، وأورده الهيثمي في ((المجمع)) ٢٣٣/٣، وقال: رواه أبو يعلى ورجاله رجال
الصحيح.
(٢) أخرجه أبو داود (١٧٩٧) في المناسك: باب الإقران، والنسائي ١٤٤/٥، وسنده
حسن .
١٧٠

عبدُ اللّهِ بنُ الزبير: أفرِدُوا الحجَّ، ودَعُوا قولَ أعماكُم هَذَا. فقال عبدُ اللهِ بنُ
عباس: إن الذي أعمى اللّهُ قلبَه لأنتَ، ألا تسألُ أمَّك عَنْ هذا؟ فأرسلَ إليها،
فقالَتْ: صَدَقَ ابْنُ عَبَّاس، جِئنا مَعَ رسول اللّهِ صلَّى اللهُ عليه وآله وسلَّم
حُجَّاجاً، فجعلناها عُمْرَةً، فحللنا الإِحِلاَلَ كُلَّه، حتَّى سَطَعَتِ المَجَامِرُ بَيْنَ
الرِّجَالِ والنِّساءِ(١).
وفي ((صحيح البخاري)) عن ابن شِهاب، قال: دخلتُ على عطاء أستفِتِيه،
فقال: حدثني جابرُ بنُ عبد الله: أنه حجَّ مع النبي ◌َآل﴾ يوم ساق البُدن معه، وقد
أهلُّوا بالحجِّ مفرداً، فقال لهم: ((أَحِلُوا مِنْ إحْرامِكُم بِطَوَافٍ بِالبَيْتِ، وبَيْنَ الصَّفَا
والمروة، وقَصِّرُوا، ثُمَّ أَقِيمُوا حَلالاً، حَتَّى إذا كَانَ يَومُ التَّرْويَّةِ، فأهِلُوا بالحَجِّ
واجْعَلُوا التي قَدِمْتُم بها مُتْعَةً)). فقالوا: كَيْفَ نَجْعَلُها مُتْعَةً وَقَدْ سَمَّيْنَا الحَجّ؟
فقال: (افْعَلُوا مَا آَمُرُكُم به، فَلَوْلا أني سُقْتُ الهَدْي، لَفَعَلْتُ مِثْلَ الذي أَمَرْتُكُم به.
وَلَكِنْ لا يحِلُّ مِنِّي حَرَامٌ، حَتَّى يَبْلُغَ الهَدْيُ مَحِلَّه))، ففعلُوا(٢).
وفي ((صحيحه)) أيضاً عنه: أهلَّ النبيُّ ◌َلٍ وأصحابه بالحج ... وذكر
الحديث. وفيه: فأمر النبيُّ ◌ٍَّ أصحابه أن يجعلوها عُمرةً، ويطوفوا، ثم يقصِّروا
إلا من ساق الهدي: فقالوا: أننطلق إلى منى وذكرُ أحدنا يقطرُ؟ فبلغ النبيَّ ◌َِ.
فقال: (لو اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَذْبَرْتُ ما أَهْدَيْتُ ولولا أنَّ معي الهَدْي،
لِأَحْلَلْتُ))(٣).
وفي ((صحيح مسلم)): عنه في حجة الوداع: حتى إذا قَدِمنا مكَّة، ◌ُفنا
بالكعبة وبالصَّفا والمروة، فأمرنا رسولُ الله ◌َّةِ، أن يَحِلَّ مِنَّا مَنْ لم يكُن معه
(١) يزيد هو ابن أبي زياد الهاشمي الكوفي ضعيف، وباقي رجاله ثقات، وأخرجه أحمد
٣٤٤/٦، ٣٤٥ وهو في ((المسند)) ٢٩٠/١ و٣٦٠ أيضاً بنحوه دون القصة من
حديث ابن عباس وفي سنده مجهول.
(٢)
أخرجه البخاري ٣٤٣/٣ في الحج: باب التمتع والقرن والإفراد بالحج.
(٣) أخرجه البخاري ٣/ ٤٠٢، ٤٠٣ .
١٧١

هدي، قال: فقُلنا: حل ماذا؟ قال: ((الحِلُّ كُلُّه))، فواقعنا النِّسَاءَ، وتَطَِّينَا
بالطِّيب، ولَبِسْنَا ثيابَنا، ولَيْسَ بيننا وبَيْنَ عَرفة إلا أربعُ ليال، ثم أهللنا يَوْمَ التروية،
وفي لفظ آخرَ لمسلم: ((فمَنْ كَانَ مِنْكُمْ لَيْس مَعَهُ هَدْيٌّ، فَلْيَحِلَّ وَلْيَجْعَلْها عُمْرَة،
فحلَّ الناسُ كُلُّهُم وقصَّروا إلا النبيَّنَ﴿ ومَنْ كَان مَعَهُ هَدْي، فلما كان يَوْمُ
التروية، توجَّهُوا إلى مِنَى، فَأَهَلُّوا بِالحَجِّ(١) .
وفي ((مسند البزار)) بإسناد صحيح: عن أنس رضيَ الله عنه، أن النبيَّ ◌َّ،
أهلَّ هُوَ وأصحابُه بالحجِّ والعُمرة، فلما قدموا مكة، طافوا بالبيت والصفا
والمروة، وأمرهم رسولُ الله صلَّى الله عليه وآله وسلم أن يَحِلُّوا، فهابوا ذلك،
فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: أَحِلُوا فَلَوْلاَ أَنَّ مَعي الهذيَ، لأَحْلَلْتُ،
فأحلُوا حَتَّى حَلُّوا إلى النِّسَاءِ.
وفي ((صحيح البخاري)): عن أنس، قال صلَّى رَسُولُ اللّهِ لَّه ونحنُ معه
بالمدينة الظهرَ أربعاً، والعصر بذي الحُليفة ركعتين، ثم بات بها حتى أصبح، ثم
ركب حتى استوت به راحلتُه على البيداءِ، حَمِدَ اللّهَ، وسبَّح، ثم أهلَّ بحَجِّ
وعُمرة، وأهلَّ الناسُ بهما، فلما قَدِمْنَا أمر الناس فحلُّوا، حتى إذا كان يومُ
التَّروية، أهلُوا بالحَجِّ ... وذكر باقي الحديث(٢).
وفي ((صحيحه)) أيضاً: عن أبي موسى الأشعري، قال: بعثني رسولُ الله
صلى الله عليه وآله وسلم إلى قومي باليمن، فجئت وهو بالبطحاءِ، فَقَالَ: ((بِمَ
أَهْلَلْتَ)؟ فَقُلْتُ: أَهْلَلْتُ بِإِهِلالِ النَّبِّ وَّهِ. فَقَالَ: ((هَلْ مَعَكَ مِنْ هَذْي))؟ قلتُ:
لا ، فَأَمَرَني، فطُّفْتُ بالبَيْتِ وبالصَّفَا والمَرْوَةِ، ثمَّ أَمَرَنِي فَأَحْلَلْتُ(٣).
وفي ((صحيح مسلم)): أن رجلاً من بني الهُجَيْمِ قال لابن عبّاس: ما هَذِه
(١) أخرجه مسلم (١٢١٣) و (١٢١٨).
(٢) تقدم تخريجه ص١٠٩ .
(٣) أخرجه البخاري ٣٣١/٣.
١٧٢

الفُتيا التي قَدْ تشْغَّبَت بِالنَّاس، أنَّ مَنْ طَافَ بِالبَيْتِ فَقَدْ حَلَّ؟ فَقَالَ: سُنَّهُ نَبِكُم
صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وسَلَّم وإِنْ رَغِمْتُمْ (١).
وصدق ابنُ عباس، كُلُّ من طاف بالبيت ممن لا هدي معه مِن مفرد، أو
قارن، أو متمتِّع، فقد حلَّ إما وجوباً، وإما حكماً، هذه هي السنةُ التي لا رادً لها
ولا مدفع، وهذا كقوله صلى الله عليه وآله وسلم: ((إذَا أَدْبَرَ النَّهارُ مِنْ هاهنا،
وأقْبَلَ الليْلُ مِنْ ها هنا، فقد أفْطَرَ الصَّائِم)) (٢)، إما أن يكونَ المعنى: أفطر حكماً،
أو دخل وقت إفطاره، وصار الوقتُ في حقه وقتَ إفطاره. فهكذا هذا الذي قد
طاف بالبيت، إما أن يكون قد حلَّ حُكماً، وإما أن يكون ذلك الوقت في حقه ليس
وقتَ إحرام، بل هو وقتُ حِلٌّ ليس إلا، ما لم يكن معه هدي، وهذا صريحٌ
السنة .
وفي ((صحيح مسلم)) أيضاً عن عطاء قال: كان ابنُ عباس يقولُ: لا يطوف
بالبيتِ حَاتٌ ولا غيرُ حاجٌّ إلا حَلَّ. وكانَ يقولُ: هِوَ بَعْدَ المُعَرَّفِ وَقَبْلَهُ، وكان
يأخُذ ذلك مِن أمر النبيِّ صلى الله عليه وآله وسلم، حين أمرهم أن يَحِلُّوا في حَجَّةِ
الوَدَاعِ(٣) .
وفي ((صحيح مسلم)): عن ابن عباس، أن النبي ◌َّه قال: ((هذه عُمْرَةٌ
اسْتَمْتَعْنَا بها، فَمَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ الهَدْيُ، فَلْيَحِلَّ الحِلَّ كُلَّهُ فَقَدْ دَخَلَتِ العُمْرَةُ في
الحَجِّ إلى يَوْمِ القِيَامَة)»(٤).
وقال عبد الرزاق: حدثنا معمر، عن قتادة، عن أبي الشَّعثاء، عن ابنِ عباس
قال: مَنْ جَاءَ مُهِلاً بالحَجِّ، فإنَّ الطَّوافَ بالبيتِ يُصَيِّرُه إلى عُمْرَةٍ شَاءَ أَوْ أَبَى.
(١) أخرجه مسلم (١٢٤٤).
أخرجه البخاري ١٧١/٤، ومسلم (١١٠٠).
(٢)
(٣)
أخرجه مسلم (١٢٤٥).
(٤) أخرجه مسلم (١٢٤١).
١٧٣

قُلْتُ: إن النَّاسَ يُنْكِرُونَ ذَلِكَ عَلَيْكَ. قَالَ: هِيَ سُنَّهُ نَبِِّهِمْ وإنْ رَغِمُوا(١) وقد روى
هذا عنِ النبي ◌َِّ مَنْ سمَّيْنا وغيرهم؛ وروى ذلك عنهم طوائفُ مِن كبار التابعين،
حتى صار منقولاً نقلاً يرفع الشكَّ، ويُوجب اليقينَ، ولا يُمكن أحداً أن ينكره، أو
يقول: لم يقع، وهو مذهبُ أهل بيت رسولِ الله صلى الله عليه وآله وسلم،
ومذهبُ حَبْر الأمة وبحرها ابنِ عباس وأصحابِهِ، ومذهبُ أبي موسى الأشعري،
ومذهبُ إمام أهل السنة والحديث أحمد بن حنبل وأتباعه، وأهل الحديث معه،
ومذهب عبد الله بن الحسن العنبري قاضي البصرة، ومذهب أهل الظاهر.
والذين خالفوا هذه الأحاديث، لهم أعذار.
أعذار من لم يأخذ بفسخ
الحج إلى العمرة
العذر الأول: أنها منسوخة.
العذر الثاني: أنها مخصوصة بالصحابة، لا يجوزُ لِغيرهم مشاركتُهم في
حكمها .
العذر الثالث: معارضُتها بما يدُلُّ على خلاف حُكمها، وهذا مجموعُ ما
اعتذروا به عنها.
ونحن نذكر هذه الأعذار عُذْراً عُذْراً، ونبيِّنُ ما فيها بمعونة الله وتوفيقه.
عذر من ادعى النسخ لهذا
الفسخ
أما العذر الأول، وهو النسخ، فيحتاج إلى أربعة أمور، لم يأتوا منها
بشيء: يحتاج إلى نصوص أُخر، تكون تلك النصوصُ معارضة لهذه، ثم تكونُ
مع هذه المعارضة مقاومة لها، ثم يُثبت تأخّرها عنها. قال المدعون للنسخ: قال
عمر بن الخطاب السِّجستاني: حدثنا الفريابي، حدثنا أبان بن أبي حازم، قال:
حدثني أبو بكر بن حفص، عن ابنِ عُمر، عن عُمَرَ بنِ الخطاب رضي الله عنه أنه
قال لما ولي: ((يا أيُّها الناس، إن رسولَ الله صلى الله عليه وآله وسلم، أحلَّ لنا
(١) إسناده صحيح.
١٧٤

المُتعة ثم حرَّمها علينا. رواه البزار في ((مسنده)) (١) عنه.
قال المبيحون للفسخ: عجباً لكم في مُقاومة الجبال الرَّواسي التي لا
تُزعزعُها الرِّياح بِكَثِيبٍ مَهيلٍ، تسفيه الرِّياح يميناً وشمالاً، فهذا الحديثُ، لا سند
ولا متن، أما سندُه، فإنه لا تقومُ به حُجة علينا عند أهلِ الحديث، وأما متنه، فإن
المراد بالمتعة فيه مُتعة النساء التي أحلَّها رسولُ الله صلى الله عليه وآله وسلم، ثم
حرَّمها، لا يجوز فيها غيرُ ذلك البتة، لوجوه.
أحدها: إجماعُ الأمة على أنَّ مُتعة الحج غيرُ محرَّمة، بل إما واجبة، أو
أفضلُ الأنساك على الإطلاق، أو مستحبة، أو جائزة، ولا نعلم للأمة قولاً خامساً
فيها بالتحريم .
الثاني: أن عُمَرَ بنَ الخطاب رضي الله عنه، صحَّ عنه مِن غير وجه، أنه
قال: لو حججتُ لتمتعتُ، ثم لو حججتُ لتمتعتُ، ذكره الأثرم في ((سننه))
وغيره.
وذكر عبد الرزاق في ((مصنفه)): عن سالم بن عبد الله، أنه سئل أنهى عمر
عن متعة الحج؟ قال: لا، أَبَعْدَ كِتابِ الله تعالى؟ وذكر عن نافع، أن رجلاً قال له:
أنهى عمر عن مُتعة الحج؟ قال: لا. وذكر أيضاً عن ابن عباس، أنه قال: هذا
الذي يزعمون أنه نهى عن المُتعة، - يعني عمَر - سمعتُه يقول: لو اعتمرتُ، ثم
حججتُ، لتمثَّعتُ.
قال أبو محمد بن حزم: صح عن عمر الرجوعُ إلى القول بالتمتع بعد النهي
عنه، وهذا محال أن يرجعَ إلى القول بما صح عنده أنه منسوخ.
الثالث: أنه من المحال أن ينهى عنها، وقد قال رَّة لمن سأله: هل هي
لِعامِهم ذلك أم للأبد؟ فقال: ((بل للأبد))، وهذا قطع لتوهم ورود النسخ عليها،
(١) أبان بن أبي حازم لين الحفظ، وباقي رجاله ثقات.
١٧٥

وهذا أحدُ الأحكام التي يستحيل ورود النسخ علَيها، وهو الحكمُ الذي أخبر
الصادق المصدوق باستمراره ودوامه، فإنه لا خلف لِخبره.
فصل
عذر من ادعى اختصاص
الصحابة بهذا الفسخ
العذر الثاني: دعوى اختصاصٍ ذلك بالصحابة، واحتجوا بوجوه.
أحدها: ما رواه عبدُ اللّهِ بنُ الزبير الحُميدي، حدثنا سُفيان، عن يحيى بن
سعيد، عن المُرَقِّع، عن أبي ذر أنه قال: كان فسخُ الحجِّ مِنَ رسولِ الله صلَّى الله
عليه وآله وسلم لنا خاصة(١).
وقال وكيع: حدثنا موسى بن عُبيدة، حدثنا يعقوب بنُ زيد، عن أبي ذر
قال: لم يَكُنْ لأحدٍ بَعْدَنَا أَنْ يَجْعَلَ حَجَّتَهُ عُمْرَةً، إنَّهَا كَانَتْ رُخْصَةً لَنَا أَصْحَابَ
مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّم.
وقال البزار: حدّثنا يوسف بن موسى، حدثنا سلمةُ بن الفضل، حدثنا
محمد بن إسحاق، عن عبد الرحمن الأسدي، عن يزيد بن شريك، قُلنا لأبي ذر:
كيف تمتَّعَ رسولُ الله ◌ِّهِ وأنتُم معه؟ فقال: ما أَنْتُمْ وَذَاكَ، إنَّما ذَاكَ شَيءٌ رُخِّصَ
لَنَا فیه، يعني المتعة.
وقال البزار: حدثنا يوسف بن موسى، حدثنا عُبيد الله بن موسى، حدثنا
إسرائيل، عن إبراهيم بن المهاجر، عن أبي بكر التيمي، عن أبيه والحارث بن
سويد قالا: قال أبو ذر: في الحجِّ والمتعةِ، رخصةٌ أعطاناها رسولُ الله ◌َلٍ .
وقال أبو داود: حدثنا هنّاد بن السَّري، عن ابن أبي زائدة، أخبرنا محمد بن
إسحاق عن عبد الرحمن بن الأسود، عن سليمان، أو سليم بن الأسود، أن أبا ذر
-
(١) مسند الحميدي رقم (١٣٢).
١٧٦

كان يقولُ فيمن حَجَّ ثُمَّ فَسَخَها إلى عُمْرَةٍ، لم يَكُنْ ذَلِكَ إلاَّ لِلرَّكْبِ الذِينَ كَانُوا مَعَ
رَسُولِ اللّهِ وَ﴾(١).
وفي ((صحيح مسلم)): عن أبي ذر. قال: كانَتِ المُتْعَةُ في الحَجِّ لأَصْحَابِ
مُحَمَّد صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمْ خَاصَّةً. وفي لفظ: ((كَانَتْ لَنَا رُخْصَةٌ، يَعْني
المُتْعَةَ في الحَجِّ))، وفي لفظ آخر: ((لا تَّصحُّ المُتْعَتَانِ إلَّ لَنَا خَاصَةَ، يَعني مُتْعَةً
النِّسَاءِ ومُتْعَةَ الحَجِّ)) وفي لفظ آخر: ((إنَّما كَانَتْ لَنَا خَاصّةً دُونَكُم، يَعْنِي مُتْعَةً
الحَجِّ))(٢).
وفي ((سنن النسائي)) بإسناد صحيح: عن إبراهيم التيمي، عن أبيه، عن أبي
ذر، في مُتعةِ الحِّ: لَيْسَتْ لَكُم، ولَسْتُم مِنْهَا فِي شَيءٍ، إِنَّمَا كَانَتْ رُخْصَةً لَنَا
أصحاب رسول الله صلی الله عليه وآله وسلم(٣).
وفي «سنن أبي داود والنسائي))، من حديث بلال بن الحارث قال: قلت: يا
رسول الله أرأيتَ فسخَ الحِّ إلى العُمرة لنا خاصَّة، أم للناس عامة؟ فقال
رسولُ الله صلى الله عليه وآله وسلم: ((بَلْ لَنَا خاصة))، ورواه الإمام أحمد (٤).
وفي ((مسند أبي عوانة))(٥) بإسناد صحيح: عن إبراهيم التيمي، عن أبيه،
قال: سُئِلَ عُثْمَانُ عن مُتْعَةِ الحَجِّ فَقَال: كَانَتْ لَنَا، لَيْسَتْ لَكُم.
(١) أخرجه أبو داود (١٨٠٧) في المناسك: باب: الرجل يهل بالحج ثم يجعلها عمرة،
ورجاله ثقات إلا أن فيه تدليس ابن إسحاق.
(٢)
أخرجه مسلم (١٢٢٤) في الحج: باب جواز التمتع.
(٣)
أخرجه النسائي ١٧٩/٥، ١٨٠.
(٤) أخرجه أبو داود (١٨٠٨)، والنسائي ١٧٩/٥، وأحمد ٤٦٩/٣، وفي سنده
الحارث ابن بلال وهو مجهول، ونقل الحافظ في ((التهذيب)) عن الإِمام أحمد
قوله: ليس إسناده بالمعروف.
(٥) في الأصل المطبوع: ((وفي سنن أبي داود)) وهو تحريف. وإسناده صحيح كما
قال المؤلف، وهو في ((حجة الوداع)) ص ٢٧٦ لابن حزم.
١٧٧

هذا مجموع ما استدلوا به على التخصيص بالصحابة.
قال المجوِّزون للفسخ، والموجِبُون له: لا حُجة لكم في شيء من ذلك،
فإنَّ هذه الآثار بين باطل لا يَصِحُّ عمِنٍ نُسِب إليه البتة، وبين صحيح عن قائل غيرِ
معصوم لا تُعارَض به نصوصُ المعصوم.
أما الأول: فإن المُرَقِّع ليس ممن تقوم بروايته حُجة، فضلاً عن أن يُقدَّم.
على النصوص الصحيحة غير المدفوعة. وقد قال أحمد بن حنبل : - وقد عُورِضَ
بحديثه -: ومن المُرَقِّع الأسدي؟ وقد روى أبو ذر عن النبي صلى الله عليه وآله
وسلم، الأمر بفسخ الحج إلى العمرة. وغاية ما نقل عنه، إن صح: أنَّ ذلك
مختصِّ بالصحابة، فهو رأيه. وقد قال ابن عباس، وأبو موسى الأشعري: إنَّ ذلك
عام للأمة، فرأي أبي ذر معارض برأيهما، وسلمت النصوصُ الصحيحةُ الصريحة
ثم من المعلوم أن دعوى الاختصاص باطلةٌ بنص النبي صلى الله عليه وآله وسلم
أن تلك العمرة التي وقع السؤال عنها وكانت عمرة فسخ لأبد الأبد، لا تَختصُ
بقَرن دونَ قرن، وهذا أصح سنداً من المروي عن أبي ذر، وأولى أن يُؤخذ به منه
لو صحّ عنه.
وأيضاً، فإذا رأينا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قد اختلفوا
في أَمر قد صحَّ عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه فعله وأمر به، فقال
بعضُهم: إنه منسوخ أو خاص، وقال بعضهم: هو باقٍ إلى الأبد، فقولُ من ادَّعى
نسخَه أو اختصاصَه مخالف للأصل، فلا يُقبَل إلا ببرهان، وإنَّ أقلَّ ما في الباب
معارضتُه بقول من ادَّعى بقاءه وعمومه، والحجةُ تفصِل بين المتنازعين،
والواجبُ الردُّ عند التنازع إلى الله ورسوله. فإذا قال أبو ذر وعثمان: إن الفسخ
منسوخ أو خاص، وقال أبو موسى وعبد الله بن عباس: إنه باقٍ وحكمهُ عام،
فعلى من ادعى النسخ والاختصاص الدليل.
الأصل في المسائل
الإحكام حتى يثبت
نسخها أو اختصاصها
باحد
١٧٨

وأما حديثه المرفوع - حديث بلال بن الحارث - فحديث لا يُكْتَبُ، ولا
يُعارض بمثله تلك الأساطين الثابتة .
قال عبد الله بن أحمد: كان أبي يرى للمُهِلِّ بالحج أن يفسخَ حجَّه إن طاف
بالبيت وبين الصفا والمروة. وقال في المتعة: هي آخِرُ الأمرين من رسول الله
صلى الله عليه وآله وسلم. وقال صلى الله عليه وآله وسلم: ((اجْعَلُوا حَجَّكُم
عُمْرَةً)). قال عبد الله: فقلت لأبي: فحديث بلال بن الحارث في فسخ الحج،
يعني قوله: (لنا خاصة)»؟ قال: لا أقول به، لا يُعرف هذا الرجل، هذا حديث لیس
إسناده بالمعروف، ليس حديثُ بلال بن الحارث عندي يثبتُ. هذا لفظه.
قلت: ومما يدل على صحة قول الإِمام أحمد، وأن هذا الحديث لا يَصِحُ
أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أخبر عن تلك المُتعة التي أمرهم أن يفسخوا
حجَّهم إليها أنها لأَبَدِ الأبد، فكيف يثبت عنه بعد هذا أنها لهم خاصة؟ هذا من
أمحل المحال. وكيف يأمرهم بالفسخ ويقول: ((دَخَلَتِ العُمْرَةُ في الحَجِّ إلى يَوْمِ
القِيامَة)»، ثم يثبت عنه أن ذلك مختص بالصحابة دون من بعدهم: فنحن نَشْهَدُ
باللّهِ، أن حديث بلال بن الحارث هذا، لاَ يصح عن رسول الله مَّ وهو غلط
عليه، وكيف تقدَّم روايةُ بلال بن الحارث، على روايات الثقات الأثبات، حملةٍ
العلم الذين رووا عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خلافَ روايته، ثم كيف
يكون هذا ثابتاً عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وابنُ عباس رضي الله عنه
يُفتي بخلافه. ويناظر عليه طول عمره بمشهد من الخاص والعام، وأصحابُ
رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم متوافِرون، ولا يقول له رجلٌ واحد منهم:
هذا كان مختصاً بنا، ليس لغيرنا حتى يظهر بعد موت الصحابة، أن أبا ذر كان يرى
اختصاص ذلك بهم؟
وأما قول عثمان رضي الله عنه في متعة الحج: إنها كانت لهم ليست
١٧٩

لغيرهم، فحكمه حكم قول أبي ذر سواء، على أن المروي عن أبي ذر وعثمان
يحتمل ثلاثة أمور.
أَحدها: اختصاص جواز ذلك بالصحابة، وهو الذي فهمه مَنْ حرَّم الفسخ.
الثاني: اختصاصُ وجوبه بالصحابة، وهو الذي كان يراه شيخنا قدَّس اللهُ
روحه يقول: إنهم كانوا قد فرض عليهم الفسخ لأمر رسول الله صلى الله عليه وآله
وسلم لهم به، وحتمه عليهم، وغضبه عندما توقفوا في المبادرة إلى امتثاله. وأما
الجواز والاستحباب، فللأمة إلى يوم القيامة، لكنْ أبى ذلك البحرُ ابنُ عباس،
وجعل الوجوب للأمة إلى يوم القيامة، وأن فرضاً على كل مفرد وقارن لم يسق
الهدي، أن يحلَّ ولا بد، بل قد حَلَّ وإن لم يشأ، وأنا إلى قوله أميلُ مني إلى قول
شيخنا .
الاحتمال الثالث: أنه ليس لأحد من بعد الصحابة أن يبتدىء حجاً قارناً أو
مفرداً بلا هدي، بل هذا يحتاج معه إلى الفسخ، لكن فرض عليه أن يفعل ما أَمَرَ به
النبيُّ صلى الله عليه وآله وسلم أصحابه في آخر الأمر من التمتع لمن لم يَسُقِ
الهديَ، والقِران لمن ساق، كما صح عنه ذلك. وأما أن يحرم بحج مفرد، ثم
يفسخه عند الطواف إلى عُمرة مُفردةٍ، ويجعله متعة، فليس له ذلك، بل هذا إنما
كان الصحابة، فإنهم ابتدؤوا الإحرام بالحج المفرد قبل أمر النبيِّ صلى الله عليه
وآله وسلم بالتمتع والفسخ إليه، فلما استقر أمره بالتمتع والفسخ إليه، لم يكن
لأحد أن يُخالفه ویُفرد، ثم یفسخه.
وإذا تأملت هذين الاحتمالين الأخيرين، رأيتهما إما راجحين على
الاحتمال الأول، أو مساويين له، وتسقط معارضةُ الأحاديث الثابتة الصريحة به
جملة وبالله التوفيق.
وأما ما رواه مسلم في ((صحيحه)): عن أبي ذر، أن المتعة في الحج كانت
لهم خاصَّة. فهذا، إن أريد به أصل المتعة، فهذا لا يقول به أحد من المسلمين،
١٨٠