Indexed OCR Text
Pages 141-160
وقد تنازع الناسُ في القارن والمتمتع، هل عليهما سعيان أو سعى واحد؟ على ثلاثة أقوال: في مذهب أحمد وغيره. هل على القارن والمتمتع سعيان أو سعي واحد؟ أحدها: ليس على واحد منهما إلا سعي واحد، كما نص عليه أحمد في رواية ابنه عبد الله. قال عبد الله: قلت لأبي: المتمتع كم يسعى بين الصفا والمروة؟ قال: إن طاف طوافين، فهو أجود. وإن طاف طوافاً واحداً، فلا بأس . قال شيخنا: وهذا منقول عن غير واحد من السلف. الثاني: المتمتع عليه سعيان، والقارن عليه سعي واحد، وهذا هو القول الثاني في مذهبه (١)، وقول من يقوله من أصحاب مالك والشافعي رحمهما الله . والثالث: إن على كل واحدٍ منهما سعيين، كمذهب أبي حنيفة رحمه الله، ويُذكر قولاً في مذهب أحمد رحمه الله، والله أعلم. والذي تقدم، هو بسط قول شيخنا وشرحه والله أعلم. فصل وأما الذين قالوا: إنه حجَّ حجاً مفرِداً اعتمر عقَيبه من التنعيم، فلا يُعلم لهم عذرٌ البتة إلا ما تقدم من أنهم سمعوا أنه أفرد الحج، وأن عادةَ المفردين أن يعتَمِرُوا من التنعيم، فتوهموا أنه فعل كذلك. عذر من قال: حج 10 مفرداً اعتمر عقيبه من التنعيم فصل وأما الذين غلطوا في إهلاله، فمن قال: إنه لبى بالعمرة وحدها واستمر عليها، فعذرُه أنه سمع أن رسول اللّه يَّة تمتع، والمتمتع عنده من أهلَّ بعُمرة عذر من قال: لبی ل﴾ بالعمرة وحدها واستمر عليها (١) وهو أصح الأقوال، فإن عائشة رضي الله عنها أخبرت كما في ((الصحيحين)) أن الذين كانوا أهلوا بالعمرة طافوا بالبيت وبين الصفا والمروة ثم حلوا، ثم طافوا طوافاً آخرٍ بعد أن رجعوا من منى، وأما الذين جمعوا بين الحج والعمرة، فإنما طافوا طوافاً واحداً. ١٤١ مفردة بشروطها. وقد قالت له حفصة رضي الله عنها: ما شأنُ النَّاس حَلُّوا ولم تَحِلَّ مِنْ عُمرتك؟ وكل هذا لا يدل على أنه قال: لَبِّكَ بِعُمْرَةٍ مُفْرَدَةٍ، ولم يَنْقُلْ هذا أحد عنه البتة، فهو وهم محض، والأحاديثُ الصحيحةُ المستفيضةُ في لفظه في إهلاله تُبْطِلُ هذا. فصل وأما من قال: إنه لبَّى بالحج وحده واستمر عليه، فعذرُه ما ذكرنا عمن قال: أفرد الحجَّ ولبَّى بالحج، وقد تقدّم الكلامُ على ذلك، وأنه لم يقل أحد قط: إنه قال: لبيك بحجّة مفردة، وإن الذين نقلوا لفظه، صرَّحوا بخلاف ذلك. عذر من قال: لبى 9* بالحج وحده واستمر عليه فصل عذر من قال: لبی ﴾﴾ بالحج وحده ثم أدخل عليه العمرة وأما من قال: إنه لبَّى بالحجِّ وحده، ثم أدخل عليه العمرة، وظن أنه بذلك تجتمع الأحاديث، فعذره أنه رأى أحاديث إفراده بالحج صحيحة، فحملها على ابتداء إحرامه، ثم إنه أتاه آتٍ من ربِّه تعالى فقال: قل: عُمرة في حَجة، فأدخل العمرة حينئذ على الحج، فصار قارنا. ولهذا قال البراء بن عازب: ((إنِّي سُقْتُ الهَدْيَ وَقَرَنْتُ))، فكان مفرِداً في ابتداء إحرامه، قارناً في أثنائه، وأيضاً فإن أحداً لم يَقُل إنه أهل بالعمرة، ولا لبَّى بالعمرة، ولا أفرد العمرة، ولا قال: خرجنا لا ننوي إلا العمرة، بل قالوا: أهل بالحجِّ، ولَّى بالحجِّ، وأفرد الحج، وخرجنا لا ننوي إلا الحجّ، وهذا يدل على أن الإِحرام وقع أولاً بالحج، ثم جاءه الوحيُّ من ربه تعالى بالقِران، فلمَّى بهما فَسمعه أنس يُلبي بهما، وصدق، وسمعته عائشةٌ، وابنُ عمر، وجابر يُلِّي بالحجِّ وحده أولاً وصدقوا. قالوا: وبهذا تتفق الأحاديث، ويزولُ عنها الاضطراب. وأربابُ هذِهِ المقالة لا يجيزونَ إدخال العمرة على الحج، ويرونه لغواً، ١٤٢ ويقولون: إن ذلك خاصٌّ بالنبيِّ نَِّ دون غيره. قالوا: ومما يدل على ذلك: أن ابن عمر قال: لبَّى بالحج وحده، وأنس قال: أهلَّ بهما جميعاً، وكلاهما صادق فلا يمكن أن يكون إهلاله بالقران سابقاً على إهلاله بالحج وحده، لأنه إذا أحرم قارناً، لم يمكن أن يحرم بعد ذلك بحج مفرد، وينقل الإِحرام إلى الإفراد، فتعيَّن أنه أحرم بالحجِّ مُفرِداً، فسمعه ابنُ عمر، وعائشة، وجابر، فنقلوا ما سَمِعُوه، ثم أدخل عليه العُمرة، فأهلَّ بهما جميعاً لما جاءه الوحي من ربه، فسمِعه أنس يهل بهما، فنقل ما سمعه، ثم أخبر عن نفسه بأنه قرن، وأخبر عنه من تقدم ذكره من الصحابة بالقران، فاتفقت أحاديثهم، وزال عنها الاضطراب والتناقُض. قالوا: ويدلُّ عليه قولُ عائشة: خرجنا مع رسول الله ◌َّهَ. فقال: ((من أراد منكم أنْ يُهِلَّ بِحَجُّ وعُمْرَةٍ فَلْيُهِلَّ، وَمَنْ أَرَادِ أَنْ يُهِلَّ بِحَجٌّ فَلْيُهِلَّ، ومَنْ أَرَادَ أَنْ يُهِلَّ بِعُمرَةٍ فَلْيُهِلَّ). قالت عائشة: فأهلَّ رسول الله وَّ بحج، وأهلَّ به ناس معه. فهذا يدل على أنه کان مُفرِداً في ابتداء إحرامه، فعلم أن قرانه كان بعد ذلك. ولا ريب أن في هذا القول من مخالفة الأحاديث المتقدِّمة، ودعوى التخصيص للنبي وَلّ بإحرام لاَ يَصحُّ في حقِّ الأمة ما يردُّه ويُبطله، ومما يردُّه أن أنساً قال: صلى رسول الله وَّر الظهر بالبيداء، ثم ركب، وصَعِدَ جبل البيداء، وأهل بالحج والعمرة حين صلى الظهر(١). وفي حديث عمر، أن الذي جاءه مِن ربه قال له: ((صَلِّ فِي هَذَا الوَادِي المُبَاركِ وقُلْ: عُمْرَةٌ فِي حَجَّةٍ)). فكذلك فعل رسولُ اللهِ وَمِّ، فالذي روى عمر أنه أُمِرَ به، وروى أنس أنه فعله سواء، فصلى الظُّهر بذي الحُليفة، ثم قال: ((لبيك حجاً وعُمرة)). واختلف الناسُ في جواز إدخالِ العُمرةِ على الحج على قولين، وهما هل يجوز إدخال العمرة على الحج؟ (١) أخرجه النسائي ١٢٧/٥ في الحج: باب البيداء و ١٦٢/٥ باب العمل في الإهلال ورجاله ثقات إلا أن فيه عنعنة الحسن. ١٤٣ روايتان عن أحمد، أشهرهما: إنه لا يَصِحُّ والذين قالوا بالصِّحة، كأبي حنيفة وأصحابه رحمهم الله، بَنَوْه على أصولهم، وأن القارِن يطوف طوافين، ويسعى سعيين، فإذا أدخل العمرة على الحج، فقد التزم زيادة عمل على الإحرام بالحج وحدَه، ومن قال: يكفيه طوافٌ واحد، وسعيٌّ واحد، قال: لم يستفد بهذا الإدخال إلا سقوط أحد السفرين، ولم يلتزم به زيادة عمل، بل نُقُصانه، فلا یجوز، وهذا مذهب الجمهور. عذر من قال: أحرم ◌َلجم بعمرة ثم أدخل عليها الحج فصل وأما القائلون: إنه أحرم بعُمرة، ثم أدخل عليها الحجِّ، فعُذرهم قولُ ابنِ عمر: تمثَّعَ رسولُ اللهَوَّلَ في حجة الوداع بالعُمرة إلى الحج، وأهدى، فساق معه الهديَ من ذي الحُليفة، وبدأ رسول الله ◌ََّ فأهلَّ بالعُمرةِ ثم أهلَّ بالحج. متفق علیه . وهذا ظاهر في أنه أحرم أولاً بالعمرة، ثم أدخل عليها الحجَّ، ويُبين ذلك أيضاً أن ابن عمر لما حجَّ زمن ابن الزبير أهلَّ بعُمرة ثم قال: أُشْهِدُكم أني قد أوجبت حجاً مع عمرتي، وأهدى هدياً اشتراه بقُدَيْد، ثم انطلق يُهِلُّ بهما جميعاً حتى قدِمَ مكة، فطاف بالبيت وبالصفا والمروة، ولم يزد على ذلك، ولم ينحر، ولم يحلقْ ولم يُقصِّرْ، ولم يَحِلَّ من شيء حرم منه حتى كان يوم النحر، فنحر وحلق، ورأى أن ذلك قد قضى طوافَ الحج والعمرة بطَوافه الأول. وقال: هكذا فعل رسول الله ◌َّ﴾(١). فعند هؤلاء، أنه كان متمتعاً في ابتداء إحرامه، قارِناً في أثنائه، وهؤلاء أعذر مِن الذين قبلهم، وإدخالُ الحجِّ على العُمرة جائز بلا نزاع يُعرف، وقد أمر النبي ◌َّ عائشة رضي الله عنها بإدخال الحج على العُمرة، فصارت قارِنةً، ولكن سياقُ الأحاديث الصحيحة، يردُّ على أرباب هذه المقالة. (١) متفق عليه وقد تقدم ص١٣٢. ١٤٤ فإن أنساً أخبر أنه حين صلَّى الظهر أهلَّ بهما جميعاً، وفي ((الصحيح)) عن عائشة، قالت: خرجنا مع رسول اللّه وَّلَ في حَجَّة الوداعِ مُوَافِينَ لِهِلال ذي الحِجة، فقال رسول الله ◌َّهُ: ((مَنْ أَرَادَ مِنْكُمْ أَنْ يُهِلَّ بِعُمْرَةٍ فَلْيُهِلَّ، فلوْلا أَنِّي أَهْدَيْتُ لأَهْلَلْتُ بِعُمْرَةٍ» قالت: وكان مِن القوم مَن أهلَّ بعُمرة، ومنهم من أهلَّ بالحج، فقالت: فكنتُ أنا ممن أهلَّ بعُمرة، وذكرت الحديث رواه مسلم(١). فهذا صريح في أنه لم يُهِل إذ ذاك بعمرةٍ، فإذا جمعت بين قولِ عائشة هذا، وبين قولها في ((الصحيح)): تمتع رسول الله ◌َّهُ في حجة الوداع، وبَيْنَ قولِها وأهلَّ رسول الله بَّل بالحجِّ، والكُلُّ في ((الصحيح))، علمتَ أنها إنما نفت عمرةً مفردة، وأنها لم تنف عُمرة القِران، وكانوا يُسمونها تمتعاً كما تقدم، وأن ذلك لا يُناقض إهلاله بالحج، فإن عمرة القِران في ضمنه، وجزء منه، ولا يُنافي قولها: أفرد الحج، فإن أعمالَ العُمرة لما دخلت في أعمال الحج، وأُفِرِدَتْ أعمالُه، كان ذلك إفراداً بالفعل. وأما التلبية بالحج مفرداً، فهو إفراد بالقول، وقد قيل: إن حديثَ ابنِ عمر، أن رسول الله ◌َّ تمتع في حجة الوداع بالعُمرة إلى الحج، وبدأ رسولُ الله ◌َّ فأهلَّ بالعمرة، ثم أهلَّ بالحج، مروي بالمعنى من حديثه الآخر، وأن ابن عمر هو الذي فعل ذلك عام حجه في فتنة ابن الزبير، وأنه بدأ فأهلَّ بالعمرة، ثم قال: ما شأنهُما إلا واحد، أُشهِدُكم أني قد أوجبت حجاً مع عُمرتي، فأهلَّ بهما جميعاً، ثم قال في آخر الحديث: هكذا فعل رسولُ الله ◌َّةٍ. وإنما أراد اقتصاره على طواف واحد، وسعي واحد، فَحُمِلَ على المعنى، ورُوي به: إن رسولَ الله ◌ِّ بدأ فأهلَّ بالعُمرة، ثم أهلَّ بالحج، وإنما الذي فعل ذلك ابنُ عمر، وهذا ليس ببعيد، بل متعيِّن، فإن عائشة قالت عنه: ((لولا أنَّ مَعِي الهذْيَ لأَهلَلْتُ بِعُمْرَةٍ)» وأنس قال عنه: إنه حين صلى الظهر، أوجب حجاً وعُمرة؛ وعمر رضي الله عنه، أخبر عنه أن الوحي جاءه من ربه فأمره بذلك. (١) (١٢١١) (١١٥) في الحج: باب بيان وجوه الإحرام. ١٤٥ فإن قيل: فما تصنعون بقول الزهري: إن عروة أخبره عن عائشة بمثل حدیث سالم، عن ابن عمر؟ قيل: الذي أخبرت به عائشة من ذلك، هو أنه مج لّ طاف طوافاً واحداً عن حجه وعمرته، وهذا هو الموافقُ لِرواية عروة عنها في «الصحيحين))، وطاف الذين أهلُّوا بالعمرة بالبيت وبينَ الصَّفا والمروة، ثم حلُّوا، ثم طافوا طوافاً آخر بعد أن رجعوا من مِنى لحجهم، وأما الذين جمعوا الحجّ والعُمرة، فإنما طافوا طوافاً واحداً، فهذا مثلُ الذي رواه سالم عن أبيه سواء. وكيف تقول عائشة: إن رسول الله ◌َيجري بدأ فأهلَّ بالعُمرة، ثم أهلَّ بالحج، وقد قالت: إن رسول الله تَّل قال: ((لَوْلاَ أَنَّ مَعِيَ الهذيَ لأَهْلَلْتُ بِعُمْرَةٍ)) وقالت: وأهلَّ رسولُ الله ◌َّ بالحجِّ؟ فَعُلِمَ، أَنه ◌َُّلم يُهِلَّ في ابتداء إحرامه بعمرة مفردة والله أعلم. فصل وأما الذين قالوا: إنَّه أحرم إحراماً مطلقاً، لم يعيِّن فيه نُسكاً، ثم عيّنه بعد ذلك لما جاءه القضاء وهو بين الصفا والمروة، وهو أحدُ أقوال الشافعي رحمه الله، نص عليه في كتاب ((اختلاف الحديث)). قال: وثبت أنه خرج ينتظر القضاء، فنزل عليه القضاء وهو ما بين الصفا والمروة، فأمر أصحابَه أن من كان منهم أهلَّ ولم يكن معه هدي أن يجعله عُمرةً، ثم قال: ومن وصف انتظار النبي ◌َّ القضاء، إذ لم يحج من المدينة بعد نزول الفرض طلباً للاختيار فيما وسَّع الله من الحج والعمرة، فيُشبه أن يكون أحفظ، لأنه قد أُتي بالمتلاعِنَيْن، فانتظر القضاء، كذلك حُفِظَ عنه في الحجِّ ينتظِرُ القضاء. وعذر أرباب هذا القول، ما ثبت في ((الصحيحين)) عن عائشة رضي الله عنها، قالت: ((خرجنا مع رسولِ الله وَ﴿ لا نذكر حجاً ولا عمرةً» وفي لفظ: ((يلبي لا يذكر حجاً ولا عمرةً)» وفي رواية عنها: ((خرجنا مع رسول الله مَّ لا نرى إلا الحَّ، حتى إذا دنونا من عذر من قال: أحرم ◌َّ إحراماً مطلقاً لم يعين فيه نسكاً ثم عينه بعد إحرامه ١٤٦ مكة أمر رسولُ الله ◌َّهِ مَنْ لم يكن معه هدي إذا طاف بالبيت وبين الصفا والمروة أن يَحِلَّ»(١) وقال طاووس: خرج رسولُ الله ◌َّهَ من المدينة لا يُسمِّي حجاً ولا عُمرة ينتظِرُ القضاءَ، فنزل عليه القضاءُ وهو بين الصفا والمروة، فأمر أصحابَه من كان منهم أَهلَّ بالحجِّ ولم يكن معه هدي أن يجعلها عمرة ... الحديث. وقال جابر في حديثه الطويل في سياق حجة النبيِ وَس98: فصلَّى رسول الله وَّ﴿ في المسجد، ثم ركب القَصْواءَ حتى إذا استوت به ناقتُه على البيداءِ نظرتُ إلى مدِّ بصري بين يديه من راكب وماشٍ، وعن يمينه مثلُ ذلك، وعن يَسارِهِ مِثلُ ذلك، ومِنْ خلفه مِثلُ ذلك، ورسولُ اللهِوَّه بين أظهرنا، وعليه يَنْزِلُ القرآنُ وهو يعلم تأويلَه، فما عَمِلَ به من شيءٍ، عَمِلْنا بِهِ، فأهلَّ بالتوحيدِ ((لَيْكَ اللهُمَّ لَبَّيْكَ، لَبَيْكَ لا شَرِيكَ لَكَ لَبَيْكَ، إِنَّ الحَمْدَ والنِّعْمَةَ لَكَ والمُلْكَ، لا شَرِيكِ لَكَ)). وأهلَّ الناسُ بهذا الذي يُهِلُون به، ولَزِمَ رسولُ اللهِوَّه تلبيتُهُ(٢) فأخبر جابر، أنه لم يزد على هذه التلبية، ولم يذكر أنه أضاف إليها حجاً ولا عُمرة، ولا قِراناً، وليس في شيء من هذه الأعذار ما يُناقض أحاديث تعيينه النُّسُكَ الذي أحرم به في الابتداء، وأنه القِران. فأما حديثُ طاووس، فهو مرسَل لا يُعارضُ به الأساطينُ المسندَاتُ، ولا يُعرف اتصاله بوجه صحيح ولا حسن. ولو صح، فانتظارُه للقضاء كان فيما بينه : وبين الميقات، فجاءه القضاء وهو بذلك الوادي، أتاه آتٍ مِنْ ربه تعالى فقال: صَلِّ فِي هَذَا الوَادِي المُبارَكِ وَقُلْ: عُمْرَةٌ في حَجَّةٍ))، فهذا القضاءُ الذي انتظره، جاءه قبل الإِحرام، فعيَّن له القِران. وقول طاووس: نزل عليه القضاءُ وهو بين الصفا والمروة، هو قضاء آخر غير القضاء الذي نزل عليه بإحرامه، فإن ذلك كان بوادي العقيق، وأما القضاءُ الذي نزل عليه بين الصَّفا والمروة، فهو قضاءُ الفسخ (١) تقدم تخريجه ص١٣٨ . (٢) أخرجه مسلم (١٢١٨) في الحج: باب حجة النبي ◌َّر . ١٤٧ الذي أمرَ به الصحابةَ إلى العمرة، فحينئذ أمر كُلَّ مَنْ لم يكن معه هدي منهم أن يفسَخَ حَجَّهُ إلى عمرة وقال: (لو اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أمْري ما اسْتَدْبَرْتُ لما سُقْتُ الهَدْي وَلَجَعَلْتُها عُمْرَةً))، وكان هذا أمرَ حتم بالوحي، فإنهم لما توقَّفوا فيه قال: ((انظُرُوا الذي آمرُكُم بِهِ فافعَلُوه)». فأما قول عائشة: خرجنا لا نذكر حجاً ولا عُمرة، فهذا إن كان محفوظاً عنها، وجب حمله على ما قبل الإِحرام، وإلا ناقض سائر الروايات الصحيحة عنها، أن منهم من أهلَّ عند الميقات بحجٍّ، ومنهم مَنْ أهلّ بعمرة، وأنها ممن أهل بعمرة. وأما قولها: نلبي لا نذكر حجاً ولا عُمرة، فهذا في ابتداء الإِحرام، ولم تقل: إنهم استمروا على ذلك إلى مكة، هذا باطل قطعاً فإن الذين سمعوا إحرامَ رسول الله بََّ وما أهلَّ به، شهدوا على ذلك، وأخبروا به، ولا سبيل إلى رد رواياتهم. ولو صح عن عائشة ذلك، لكان غايتُه أنها لم تحفظ إهلالهم عند الميقات، فنفته وحفظه غيرها من الصحابة فأثبته، والرجالُ بذلك أعلمُ من النساء . وأما قول جابر رضي الله عنه: وأهلَّ رسولُ الله ◌َّه بالتوحيد، فليس فيه إلا إخبارُه عن صفة تلبيته، وليس فيه نفيٌ لتعيينه النسكَ الذي أحرم به بوجه من الوجوه. وبكل حال، ولو كانت هذه الأحاديث صريحة في نفي التعيين، لكانت أحاديثُ أهلِ الإثبات أولى بالأخذ منها، لكثرتها، وصحتها، واتصالها، وأنها مُشْبِتَة مبيّنة متضمنة لزيادة خفيت على من نفى، وهذا بحمد الله واضح وبالله التوفيق. فصل ولنرجع إلى سياق حجته بَله وسيم ولبّد رسول الله بَّه رأسه بالغِسْل(١) وهو بالغين المعجمة على وزن كِفْلٍ، (١) أخرجه أبو داود (١٧٤٨) عن ابن عمر ورجاله ثقات. ١٤٨ وهو ما يُغسل به الرأس مِن خَطْمِيٍّ ونحوه يُلبَّدُ به الشعر حتى لا ينتشر، وأهلَّ في مُصلاه، ثم ركب على ناقته، وأهلَّ أيضاً، ثم أهلَّ لما استقلَّت به على البيداء. قال ابن عباس: وايمُ الله: لقد أوجب في مصلاه، وأهلَّ حين استقلت به ناقته، وأهلَّ حين علا على شرف البيداء(١). وكان يُهِلُّ بالحجِّ والعُمرة تارة، وبالحجِّ تارة، لأن العُمرة جزء منه، فمن ثَّ قيل: قَرَنَ، وقيل: تمتع، وقيل: أفرد، قال ابن حزم: كان ذلك قبلَ الظُّهر بيسير، وهذا وهم منه، والمحفوظُ: أنه إنما أهلَّ بعد صلاة الظهر، ولم يقل أحد قط: إن إحرامَه كان قبل الظهر، ولا أدري من أين له هذا. وقد قال ابنُ عمر: ما أهلَّ رسول اللّهِ وَلَ﴾ إلا مِن عند الشجرة حين قام به بعيرُه(٢). وقد قال أنس: إنه صلَّى الظهرَ، ثم ركب(٣)، والحديثان في ((الصحيح)). فإذا جمعت أحدهما إلى الآخر، تبيَّن أنَّه إنما أهلَّ بعدَ صلاةِ الظُّهر، ثم لبَّى فقال: ((لبَيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيك، لَبَّيك لا شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْك، إنَّ الحَمْدَ والنِّعْمَةَ لَكَ والمُلْكَ لا شَرِيكَ لَكَ)). ورفع صوتَه بهذه التلبيةِ حتى سَمِعَها أصحابُه، وأمرَهم (١) أخرجه أحمد في ((المسند)) ٢٦٠/٢، وأبو داود (١٧٧٠) في المناسك: باب في وقت الإحرام وصححه الحاكم ٤٥١/١، ووافقه الذهبي مع أن فيه خصيف بن عبد الرحمن الجزري ضعفه أحمد وأبو حاتم والنسائي وغيرهم وقال في ((التقريب)): سيء الحفظ خلط بأخرة، وأورده الحافظ ابن حجر في ((الفتح)) ٣١٨/٣ بطوله محتجاً به عن أبي داود والحاكم، وقال: وأخرجه الحاكم من وجه آخر من طريق عطاء عن ابن عباس نحوه دون القصة. (٢) أخرجه مسلم (١١٨٦) في الحج: باب أمر أهل المدينة بالإِحرام من عند مسجد ذي الحليفة . (٣) لم نجده في الصحيح، وإنما أخرجه أبو داود (١٧٧٤)، والنسائي ١٦٢/٥، ولفظه بتمامه: إن النبي ◌َّ صلى الظهر، ثم ركب راحلته، فلما علا على جبل البيداء، أهلَّ ورجاله ثقات، لكن فيه عنعنة الحسن. والذي أخرجه البخاري في ((صحيحه)) ٣٢٤/٣ عن أنس قال: صلى النبي ◌َّ بالمدينة الظهر أربعاً، والعصر بذي الحليفة، وسمعتهم يصرخون بهما جميعاً. وقوله: ((بهما)): أي: بالحج والعمرة. ١٤٩ بأمر الله له أن يرفعوا أصواتَهم بالتلبية (١). وكان حجه على رَحْل، لا في مَحْمِلٍ، ولا هَوْدَج، ولاَ عمَّارية وزَامِلتُه تحته. وقد اختلف في جواز ركوبِ المحْرِمِ في المَحْمِل، والهَوْدَجِ، والعَمَّارية، ونحوها على قولين، هما روايتان عن أحمد أحدهما: الجوازُ وهو مذهبُ الشافعي وأبي حنيفة. والثاني: المنع وهو مذهب مالك. فصل ثم إنَّه ◌ََّ خِيَّرهم عند الإِحرام بين الأنساكِ الثلاثة، ثم ندبَهم عند دُنوِّهم من مكة إلى فسخ الحج والقِران إلى العُمرة لمن لم يكن معه هَدْيٌّ، ثم حتَّم ذلك عليهم عند المروة . تخييره # لأصحابه بين الأنساك الثلاثة وولَدَتْ أسماءُ بنتُ عُميسٍ زوجةُ أبي بكر رضي الله عنهما بذي الحُليفة محمَّدَ بن أبي بكر، فأمرها رسولُ الله ◌ََّ أن تغتسِلَ، وتَسْتَغْفِرَ، بثوب وتُحرم وتُهِلَّ(٢). وكان في قِصتها ثلاثُ سُنن، إحداها: غسلُ المحرم، والثانية: أن الحائضَ تغتسِل لإحرامها، والثالثة: أن الإِحرام يَصِحُ مِن الحائض. السنن التي وردت في قصة ولادة أسماء بنت عميس بذي الحليفة (١) أخرجه مالك في ((الموطأ)) ٣٣٤/١، والشافعي في ((مسنده)) ١١/٢، وأبو داود (١٨١٤)، والنسائي ١٦٢/٥، والترمذي (٨٢٩)، وابن ماجه (٢٩٢٢) من حديث السائب بن يزيد أن رسول الله * قال: أتاني جبريل، فأمرني أن آمر أصحابي أو من معي أن يرفعوا أصواتهم بالتلبية أو بالإهلال يريد أحدهما، وإسناده صحيح، وصححه الحاكم ٤٥٠/١، وابن حبان (٩٧٤) وزاد الأخير ((فإنها من شعار الحج)» و شاهد عند أحمد (٢٩٥٣) من حديث ابن عباس أن رسول الله مَّة قال: إن جبريل أتاني وأمرني أن أعلن التلبية)) ولا بأس بسنده، في الشواهد. (٢) أخرجه مسلم (١٢١٨) في الحج: باب صفة حجة النبي ◌َلّر، وأبو داود (١٩٠٥) وابن ماجه (٢٩١٣) وقوله: ((تستثفر)) قال صاحب النهاية: هو أن تشد فرجها بخرقة عريضة بعد أن تحتشي قطناً، وتوثق طرفيها في شيء تشده على وسطها، فتمنع بذلك سيل الدم. = ١٥٠ ثم سار رسولُ الله ◌َّرُ وهو يُلبي بتلبيته المذكورة، والناسُ معه يزيدُون فيها ويَنَقُصُون، وهو يُقِرُهم ولا يُنكِرُ عليهم (١). ولزم تلبِيتَه، فلما كانُوا بالرَّوحاء، رأى حِمار وحْشٍ عَقيراً، فقال: ((دَعوه فإنَّه يُوشِكُ أَنْ يَأْتِيَ صَاحِبُه)) فَجاء صَاحِبُهُ إلى رسُولِ اللَّهِ يَّهَ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! شَأْنَكُم بِهَذا الحِمَارِ، فَأَمَرَ رسولُ اللَّهِ وَ أَبَا بَكرٍ فَقَسَمَهُ بَيْنَ الرِّفَاقِ(٢). جواز أكل المحرم من صيد الحلال إذا لم يصده لأجله وفي هذا دليل على جواز أكلِ المُحرِمِ مِن صيد الحَلال إذا لم يَصِدْه لأجله، وأما كونُ صاحبه لم يُحرم، فلعلَّه لم يمرَّ بذي الحليفة، فهو كأبي قتادة في قصته. وتدل هذه القصة على أن الهِبة لا تفتقِرُ إلى لفظ: وهبتُ لك، بل تَصِحُّ بما يَدُلُّ عليها، وتدُلُّ على قسمته اللحم مع عظامه بالتحرِّي، وتَدُلُّ على أن الصيدَ يُملَكُ بالإِثبات، وإزالة امتناعه، وأنه لمن أثبته لا لمن أخذه، وعلى حِلِّ أكلٍ لحم الحمار الوحشي، وعلى التوكيل في القسمة، وعلى كون القاسم واحداً. فصل ثم مضى حتى إذا كان بالأُثَابَّةِ بين الزُّويثَةِ والعَرْج، إذا ظبيِّ حَاقِفٌ في ظِلِّ فيه سهم، فأمر رجلاً أن يقف عنده لا يَرِيبُه أحدٌ من الناس، حتى يُجاوزوا(٣). (١) أخرج مالك في ((الموطأ)) ٣٣١/١، ٣٣٢، والبخاري ٣٢٤/٣، ٣٢٥، ومسلم (١١٨٤) عن عبد الله بن عمر أن تلبية رسول الله محلية: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك)) قال نافع: وكان عبد الله بن عمر يزيد فيها: لبيك لبيك، لبيك وسعديك، والخير بيديك، لبيك والرغباء إليك والعمل)) وأخرج أحمد ٣٢٠/٣، وأبو داود (١٨١٣) والبيهقي ٤٥/٥ من حديث جابر بن عبد الله والناس يزيدون ((لبيك ذا المعارج لبيك ذا الفواضل)) وسنده صحيح. (٢) أخرجه مالك في ((الموطأ)) ١/ ٣٥١ في الحج: باب ما يجوز للمحرم أكله من الصيد والنسائي ١٨٢/٥، ١٨٣، وأحمد ٤٥٢/٣ وإسناده صحيح. (٣) هو قطعة من الحديث السابق، وحاقف، أي: واقف منحن رأسه بين يديه إلى رجليه. وقيل: الحاقف الذي لجأ إلى حقف وهو ما انعطف من الرمل. ١٥١ والفرقُ بين قصة الظبي، وقصةِ الحمار، أن الذي صاد الحمار كان حلالاً، فلم يمنع من أكله، وهذا لم يعلم أنه حلال وهم محرمون، فلم يأذنْ لهم في أكله، ووگَّلَ من یَقِفُ عنده، لئلا يأخذه أحدٌ حتى يُجاوزوه. وفيه دليل: على أن قتلَ المحرم للصيد يجعلُه بمنزلة الميتة في عدم الحِلِّ، إذ لو كان حلالاً، لم تَضِعْ مالِيَّتُه. قتل المحرم للصيد يجعله بمنزلة الميتة فصل ثم سار حتى إذا نزل بالعَرْج، وكانت زِمالتُه وزِمالةُ أبي بكر واحدة، وكانت مع غلام لأبي بكر، فجلس رسولُ الله ◌َ﴾ وأبو بكر إلى جانبه، وعائشةُ إلى جانبه الآخر، وأسماءُ زوجته إلى جانبه، وأبو بكر ينتظر الغلام والزمالة، إذ طلع الغلام ليس معه البعير، فقال: أين بعيرُك؟ فقال: أضللتُه البارحة، فقال أبو بكر: بعير واحد تُضِلُّه. قال: فَطفِقِ يضربُهُ ورسولُ الله ◌َّهَ يتبسَّم، ويقول: انظروا إلى هذا المحرم ما يصنعُ، وما يزيد رسولُ الله ◌َّ على أن يقول ذلك ويتبسَّم. ومن تراجم أبي داود على هذه القصة، باب «المحرم يؤدِّب غلامه))(١). فصل رده# حمار الوحش مع تعليله بأنه محرم ثم مضى رسولُ الله ◌ِّه، حتى إذا كان بالأبواء، أهدى له الصَّعبُ بن جَثَّامَةَ عَجُزَ حِمارٍ وحشيٍّ، فردَّه عليه، فقال: إنَّا لَمْ نَرُدَّهُ عَلَيْكَ إلا أَنَّا حُرُمٌ. وفي ((الصحيحين)): ((أنه أهدى له حماراً وحشياً))، وفي لفظ لمسلم: ((لحم حمار وحشٍ))(٢) . (١) أخرجه أبو داود (١٨١٨) في المناسك: باب المحرم يؤدب غلامه، وابن ماجه (٢٩٣٣) في المناسك: باب التوقي في الإحرام، ورجاله ثقات إلا أن فيه عنعنة ابن إسحاق . (٢) أخرجه البخاري ٢٦/٤، ٢٨ في الحج: باب إذا أهدى للمحرم حماراً وحشياً، = ١٥٢ وقال الحُميدي: كان سفيانُ يقولُ في الحديث: أُهْديَ لرسولِ الله ◌ِ﴾لحمُ حمار وحْشٍ، وربما قال سفيان: يقطُرُ دماً، وربما لم يقُلْ ذلك، وكان سفيان فيما خلا ربما قال: حِمارَ وحش، ثم صار إلى لحم حتَّى مات(١). وفي رواية: شقَّ حمارٍ وحش، وفي رواية: رجل حمار وحشٍ. وروى يحيى بن سعيد، عن جعفر، عن عمرو بن أُميَّةِ الضَّمري، عن أبيه، عن الصَّعب، أَهدى للنبي ◌َِّ عَجُزَ حمار وحشٍ وهو بالجحفة، فأكل منه وأكل القوم. قال البيهقي: وهذا إسناد صحيح(٢). فإن كان محفوظاً، فكأنه ردّ الحي، وقبل اللحم. وقال الشافعي رحمه الله: فإن كان الصَّعبُ بن جَثَّامة أهدى للنبي ◌ّ الحمارَ حياً، فليس للمحرم ذبحُ حمار وحش، وإن كان أهدى له لحم الحمار، فقد يحتمِلُ أن يكون علم أنه صيد له، فردَّه عليه، وإيضاحه في حديث جابر. قال: وحديثُ مالك: أنه أهدی له حماراً اثبتُ من حدیث من حدَّث له من لحم حمار . قلت: أما حديث يحيى بن سعيد، عن جعفر، فغلط بلا شك، فإن الواقعة واحدة، وقد اتفق الرواةُ أنه لم يأكل منه، إلا هذه الرواية الشاذَّة المنكرة. ومسلم (١١٩٣) في الحج: باب تحريم الصيد للمحرم، و((الموطأ)) ٣٥٣/١ فى = الحج: باب مالا يحل للمحرم أكله من الصيد. (١) ((سنن البيهقي)) ١٩٢/٥. ((سنن البيهقي)) ١٩٣/٥، وقد تعقبه ابن التركماني في ((الجوهر النقي)) فقال: هذا في (٢) سنده يحيى بن سليمان الجعفي عن ابن وهب، أخبرني يحيى بن أيوب هو الغافقي المصري، ويحيى بن سليمان ذكر الذهبي في ((الميزان)) و ((الكاشف)» عن النسائي أنه ليس بثقة، وقال ابن حبان: ربما أغرب، وقال النسائي: ليس بذاك القوي، وقال أبو حاتم: لا يحتج به، وقال أحمد: كان سيء الحفظ يخطىء خطأ كثيراً، وكذبه مالك في حديثين فعلى هذا لا يشتغل بتأويل هذا الحديث لأجل سنده، ولمخالفته للحديث الصحيح، وقول البيهقي: ((وقبل اللحم)) يرده ما في الصحيح أنه عليه السلام رده. ١٥٣ الأرجح بان الحمار كان لحماً لاحيّاً وأما الاختلافُ في كون الذي أهداه حياً، أو لحماً، فرواية من روى لحماً أولى لثلاثة أوجه. أحدها: أن راويها قد حفظها، وضبطَ الواقعةَ حتى ضبطها: أنه يقطر دماً، وهذا يدل على حفظه للقصة حتى لهذا الأمر لا يُؤبه له. الثاني: أن هذا صريح في كونه بعضَ الحِمار، وأنه لحم منه، فلا يُناقض قوله: أهدى له حماراً، بل يُمكن حمله على رواية من روى لحماً، تسمية للحم باسم الحيوان، وهذا مما لا تأباه اللغة. الثالث: أن سائر الروايات متفقة على أنه بعض من أبعاضه، وإنَّما اختلفوا في ذلك البعض، هل هو عجزُه، أو شِقُه، أو رجله، أو لحم منه؟ ولا تناقضَ بين هذه الروايات، إذ يمكن أن يكون الشِّق هو الذي فيه العجز، وفيه الرِّجل، فصح التعبيرُ عنه بهذا وهذا، وقد رجع ابنُ عيينة عن قوله: ((حماراً) وثبت على قوله: ((لحم حمار)) حتى مات. وهذا يدل على أنه تبيَّن له أنه إنما أهدى له لحماً لا حيواناً، ولا تعارض بين هذا وبين أكله لما صاده أبو قتادة، فإنَّ قصة أبي قتادة كانت عام الحديبية سنة ست، وقصة الصَّعب قد ذكر غيرُ واحد أنها كانت في حجة الوداع، منهم: المحبُّ الطبري في كتاب ((حجة الوداع)) له. أو في بعض عمره وهذا مما ينظر فيه. وفي قصة الظبي وحمار يزيد بن كعب السلمي البَهزي، هل كانت في حجة الوداع، أو في بعض عمره والله أعلم؟ فإن حمل حديثُ أبي قتادة على أنه لم يصده لأجله، وحديث الصَّعب على أنه صيد لأجله، زال الإِشكال، وشهد لذلك حديث جابر المرفوع ((صَيْدُ البَرِّ لَكُمُ حَلالٌ مَا لَمْ تَصِيدُوهُ أَوْ يُصَادُ لَكُمْ))(١) (١) أخرجه أبو داود (١٨٥١) في المناسك: باب لحم الصيد للمحرم، والنسائي ١٨٧/٥ في الحج: باب إذا أشار المحرم إلى الصيد فقتله حلال، والترمذي (٨٤٩) في الحج: باب ما جاء في أكل الصيد للمحرم، والشافعي ٢٦/٢، وابن حبان (٩٨٠) = ١٥٤ وإن كان الحديثُ قد أُعِلَّ بأن المطلب بن حنطب راويه عن جابر لا يُعرف له سماع منه، قاله النسائي. قال الطبري في حجة الوداع له: فلما كان في بعض الطريق، اصطاد أبو قتادة حماراً وحشياً، ولم يكن مُحرماً، فأحلَّه النبي ◌َّ لأصحابه بعد أن سألهم: هل أمره أحد منكم بشيء، أو أشار أليه؟ وهذا وهم منه رحمه الله، فإن قصة أبي قتادة إنما كانت عام الحديبية، هكذا روي في ((الصحيحين)) من حديث عبد الله ابنه عنه قال: انطلقنا مع النبيِّ وََّ عامَ الحُديبية، فأحرم أصحابُه ولم أحرِم، فذكر قصة الحمار الوحشي(١). فصل فلما مرَّ بوادي عُسْفَان، قال: يا أبا بكر! أيُّ وادٍ هذا))؟ قال: وادي عُسْفان. مروره ◌َ ◌ّ بوادي عسفان قال: ((لقد مَرَّ به هُودٌ وصَالِحٌ على بَكْرَيْنِ أَحْمَرَيْن خُطُمُهما الليِّفُ وَأُزُرُهُم العَبَاءُ، وأرْديتُهُم النِّمارُ، يُلْبُّونَ يَحَُونَ البَيْتَ العَتيقَ)) ذكره الإمام أحمد في ((المسند))(٢). فلما كان بَسَرِف، حاضت عائشةُ رضي الله عنها، وقد كانت أهلَّت بعُمرة، بحث في إحرام عائشة وهي حائض والحاكم ٤٥٢/١ من رواية عمرو بن أبي عمرو مولى المطلب بن عبد الله بن = حنطب، عن مولاه المطلب، وعمرو مختلف فيه وإن كان من رجال ((الصحیحین))، ومولاه قال الترمذي: لا يعرف له سماع عن جابر. وقوله: ((أو يصاد لكم)) قال السيوطي في حاشية أبي داود: كذا في النسخ، والجاري على قوانين العربية ((أو يصد)) لأنه معطوف على المجزوم، وجوزه العراقي على لغة ومنه قوله: بما لاقت لبون بني زياد ألم يأتيك والأنباء تنمي ويرى السندي في حاشيته على النسائي أن الوجه نصب ((أو يصاد» على أن ((أو)) بمعنى ((إلا أن)) فلا إشكال. (١) أخرجه البخاري ٢٣/٤، ٢٤ في الحج: باب لا يشير المحرم إلى الصيد لكي يصطاده الحلال، وفي المغازي: باب غزوة الحديبية، ومسلم (١١٩٦) (٥٩) في الحج: باب تحريم الصيد للمحرم. (٢) ٢٣٢/١ من حديث ابن عباس، وفي سنده زمعة بن صالح وهو ضعيف. ١٥٥ فدخل عليها النبيُّ نَّه وهي تبكي، قال: ((ما يُبْكِيكِ لَعَلَّكِ نَفِسْتِ؟ قالت: نَعَمْ، قال: هَذَا شيءٌ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَى بَنَاتِ آدَمَ، إفْعَلي مَا يَفْعَلُ الحَاجُ، غَيْرَ أَنْ لاَ تَطُوفِي بِالبَيْتِ))(١). وقد تنازع العلماءُ في قصة عائشة: هل كانت متمتعة أو مفردة؟ فإذا كانت متمتعةً، فهل رفضت عُمرتَها، أو انتقلت إلى الإِفراد، وأدخلت عليها الحجَّ، وصارت قارنةً، وهل العُمرة التي أتت بها مِن التنعيم كانت واجبة أم لا؟ وإذا لم تكن واجبةً، فهل هي مُجرِئَةٌ عن عُمرة الإِسلام أم لا؟ واختلفوا أيضاً في موضع و حيضها، وموضع طهرها، ونحن نذكر البيان الشافي في ذلك بحول الله وتوفيقه. ما تفعل المرأة إذا أحرمت بالعمرة فحاضت ولم يمكنها الطواف قبل التعريف واختلف الفقهاءُ في مسألة مبنية على قصة عائشة، وهي أن المرأة إذا أحرمت بالعُمرة، فحاضت، ولم يُمكنها الطوافُ قبلَ التعريفِ، فهل ترفُضُ الإِحِرامَ بالعُمرة، وتُهِلُّ بالحجِّ مفرداً، أو تدخل الحج على العمرة وتصير قارنة؟ فقال بالقول الأول: فقهاءُ الكُوفة، منهم أبو حنيفة وأصحابه، وبالثاني: فقهاء الحجاز. منهم: الشافعي ومالك، وهو مذهبُ أهل الحديث كالإِمام أحمد وأتباعه. قال الكوفيون: ثبت في ((الصحيحين))، عن عُروة، عن عائشة، أنها قالت: (أهللتُ بِعُمرة، فقدِمتُ مَّةَ وأنا حائِض لم أَطُفْ بالبَيْتِ ولا بين الصفا والمروة، فشكوتُ ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فقال: انقُضِي رَأْسَك، وامْتَشِطي، وأَهِّي بالحَجِّ، ودَعِي العُمْرَةَ. قَالَتْ: فَفَعَلْتُ فَلَّمَا قَضَيْتُ الحَجَّ، أَرْسَلَني رسولُ الله ◌َّهُ مَعَ عبد الرحمنِ بنِ أبي بكرٍ إلى التَّْعِيمِ، فاعْتَمَرْتُ منْه. فَقَال: «هِذِه مَكَانُ عُمْرَتِك))(٢). قالوا: فهذا يدلُّ على أنها كانت متمتعة، وعلى (١) أخرجه البخاري ١/ ٣٤٢ في أول الحيض، ومسلم (١٢١١) (١٢٠). (٢) أخرجه البخاري ٣٣٠/٣ في الحج: باب التلبية إذا انحدر في الوادي، ومسلم (١٢١١) في الحج: باب بيان وجوه الإحرام. ١٥٦ أنها رفضت عُمرتها وأحرمَتْ بالحج، لقوله ◌ََّ: ((دعي عُمرتَكِ)) ولقوله: ((انْقُضي رَأْسَكِ وامْتَشِطي)). ولو كانت باقية على إحرامها، لما جاز لها أن تمتشِط، ولأنه قال للعمرة التي أتت بها من التنعيم: ((هذه مكانُ عُمْرَتِكِ)). ولو كانت عمرتُها الأولى باقية، لم تكن هذه مكانَها، بل كانت عُمرةً مستقلةً. قال الجمهور: لو تأملتم قِصَة عائشة حقَّ التأمُّل، وجمعتُم بين طرقها وأطرافها، لتبيَّن لكم أنها قرنت، ولم ترفُض العمرة، ففي ((صحيح مسلم)): عن جابر رضي الله عنه، قال: أهلَّت عائشة بعمرة، حتى إذا كانت بِسَرِفَ، عَرَكَتْ، ثم دخل رسول الله ◌َّهُ على عائشة، فوجدها تبكي، فقال: ((ما شأنُكِ))؟ قالت: شأني أَني قد حِضت وقد أحلَّ الناس، ولم أَحِلَّ، ولم أَطُفْ بالبَيْتِ والنَّاسُ ◌ِذْهَبُونَ إلى الحَجِّ الآن، قال: إنَّ هذا أمر قد كَتَبَهُ اللَّهُ على بَناتِ آدم، فاغْتَسِلي، ثُمَّ أَهلِّي بالحجِّ) ففعلت، ووقفتِ المواقِفَ كُلَّها، حتى إذا طُهُرت، طافت بالكعبةِ وبالصّفا والمروة. ثم قال: ((قَدْ حَلَلْتِ مِنْ حَجِّكِ وعُمْرَتكِ)) قالت: يا رسولَ الله إني أَجِدُ في نفسي أني لم أطف بالبيت حتى حججتُ. قال: «فاذهَبْ بِها يا عَبْدَ الرَّحْمَن فَأعْمِرْها مِنَ التَّنْعِيمِ))(١). وفي ((صحيح مسلم)): من حديث طاووس عنها: أهللتُ بعُمرة، وقَدِمْتُ ولم أَطُفْ حتَّى حِضْتُ، فَتَسَكْتُ المناسِكَ كُلَّها، فقالَ لها النبيُّ ◌َّهَ يَوْمَ النَّفْر: (يَسَعُكِ طَوَافُكِ لَحِجِّكِ وعُمْرَتِكِ))(٢) . فهذه نصوص صريحة، أنها كانت في حجٍّ وعُمرة، لا في حجِّ مفرد، وصريحة في أن القارن يكفيه طوافٌ واحد، وسعيٌ واحِد، وصريحةٌ في أنها لم ترفُضْ إحرامَ العُمرة، بل بقيت في إحرامها كما هي لم تَحِلَّ منه. وفي بعض ألفاظ (١) أخرجه مسلم (١٢١٣). (٢) أخرجه مسلم (١٢١١) (١٣٢). ١٥٧ الحديث: ((كوني في عُمْرَتِك، فَعَسى أنْ اللَّه يَرِزُقكيها)) (١). ولا يناقض هذا قوله: (دَعِي عُمْرَتَكِ)). فلو كان المرادُ به رفضَها وتركَها، لما قال لها: ((يسعُكِ طوافُكِ لِحجِّك وعُمرتِكِ))، فعلم أن المراد: دعي أعمالها ليس المرادُ به رفضَ إحرامها. وأما قوله: ((انقُضي رَأْسَكِ وامتَشِطي))، فهذا مما أعضل على الناس، ولهم فيه أربعة مسالك. أحدُها: أنه دليل، على رفض العمرة، كما قالت الحنفية. المسلك الثاني: إنه دليلٌ على أنه يجوز للمحرم أن يمشُط رأسه، ولا دليلَ من كتاب ولا سنة ولا إجماع على منعه من ذلك، ولا تحريمهِ وهذا قولُ ابن حزم وغيره. المسلك الثالث: تعليلُ هذه اللفظة، وردّها بأن عروةَ انفرد بها، وخالف بها سائر الرواة، وقد روى حديثَها طاووس والقاسم والأسود وغيرهم، فلم يذكر أحد منهم هذه اللفظة. قالوا: وقد روى حماد بن زيد، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، حديثَ حيضها في الحج فقال فيه: حدثني غيرُ واحد، أن رسول الله مٌَّ قال لها: ((دَعِي عُمْرَتَكِ وانْقُضِي رَأْسَكِ وَامتَشِطي)) وذكر تمام الحديث ... قالوا: فهذا يدلُّ على أن عروة لم يسمع هذه الزيادة من عائشة. المسلك الرابع: أن قوله: ((دَعِي العُمْرَةَ»، أي دَعِيها، بحالها لا تخرجي منها، وليس المرادُ ترکها، قالوا: ويدل عليه وجهان. أحدُهما: قوله: ((يَسِعُكِ طَوَافُكِ لِحَجِّكِ وَعُمْرَتِك)). الثاني: قوله: ((كوني في عُمرَتِك)). قالوا: وهذا أولى مِن حمله على رفضها لسلامته من التناقض. قالوا: وأما قولُه: «هذه مَكَانُ عُمْرَتِكِ فعائشة أحبَّت أن تأتي بعمرة مفردة، فأخبرها النبي وال﴿ أن طوافَها وقع عن حجتها وعُمرتها، وأن (١) أخرجه البخاري ٣٣٤/٣، ومسلم (١٢١١) (١٢٣). ١٥٨ عُمرتها قد دخلت في حَجِّها، فصارت قارنة، فأبت إلا عُمرةً مفردةً كما قصدت أولاً، فلما حصل لها ذلك، قال: ((هِذِهِ مَكَانُ عُمْرَتِك)). وفي ((سنن الأثرم))، عن الأسود، قال: قلتُ لعائشة: اعتمرتٍ بَعْدَ الحجِّ؟ قالت: واللهِ ما كانت عُمرةً، ما كانت إلا زيارةٌ زُرتُ البَيْتَ. قال الإِمام أحمد: إنما أعمر النبيُّ بَّه عائشةَ حين ألحّت عليه، فقالت: يَرْجِعُ الناسُ بنُسكين، وأرجعُ بِنُسُك؟ فقال: ((يا عبد الرحمن؛ أعْمِرْها)) فنظر إلى أدنى الحِلِّ، فأعمرها مِنْه. فصل واختلف الناسُ فيما أحرمت به عائشة أولاً على قولين. ما أحرمت به عائشة أولا؟ أحدهما: أنه عُمرة مفردة، وهذا هو الصواب لِما ذكرنا من الأحاديث. وفي ((الصحيح)) عنها، قالت: خرجنا معَ رسول الله بَّر في حجَّةِ الوداع موافين لهلال ذي الحجة، فقال رسولُ الله ◌َّةِ: ((مَنْ أَرادَ مِنْكُم أَن يُهِلَّ بِعُمرَة، فَلْيُهِلَّ فَلَوْلاَ أَنِّي أَهْدَيْتُ لأَهْلَلْتُ بِعُمْرَةٍ». قالت: وَكان مِنَ القوْمِ مَنْ أهلَّ بِعُمْرَةٍ، ومِنْهُمْ مَنْ أَهَلَّ بالحَجِّ، قَالت: فَكُنْتُ أَنَا مِمَّنْ أَهلَّ بِعُمْرَةٍ، وَذَكَرَتِ الحِدِيثَ ... )) وقوله في الحديث: ((دَعِي العُمْرَةَ وأهِلِّي بالحَجِّ)) قاله لها بِسَرِفَ قريباً من مكة وهو صريح في أن إحرامَها كان بعمرة. القول الثاني: أنها أحرمت أولاً بالحجِّ وكانت مُفردة، قال ابنُ عبد البَرِّ: روى القاسِمُ بنُ محمد، والأسودُ بن يزيد، وعَمْرَةُ كلُّهم عن عائشة ما يَدُل على أنها كانت محرمة بحج لا بعمرة، منها: حديثُ عَمرة عنها: خرجنا مع رسولِ الله وَّةَ، لا نرى إلا أَنَّه الحجّ، وحديثُ الأسود بن يزيد مثله، وحديث القاسم: ((لَبَّنَا مَعَ رسولِ اللهِ ن ◌َّه بالحج. قال: وغلَّطوا عُروة في قوله عنها: (كُنْتُ فِيمَنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ» قال إسماعيل بن إسحاق: قد اجتمعَ هؤلاء، يعني الأسودَ، والقاسم، وعَمرة، على الروايات التي ذكرنا، فعلمنا بذلك أن الرواياتِ ١٥٩ التي رُويت عن عُروة غلط، قال: ويُشبه أن يكون الغلطُ، إنما وقع فيه أن يكون لم يُمكنها الطوافُ بالبيت، وأن تَحِلَّ بعُمرةٍ كما فعل من لم يَسُقِ الهديَ، فأمرها النبيُّ ◌َّ أن تترُكَ الطَّواف، وتمضيَ على الحج، فتوهَّمُوا بهذا المعنى أنها كانت معتمِرة، وأنها تركت عُمرتَها، وابتدأت بالحج. قال أبو عمر: وقد روى جابرُ بن عبد الله، أنها كانت مُهِلَّةً بعُمرة، كما روى عنها عُروة. قالوا: والغلطُ الذي دخل على عروة، إنما كان في قوله: ((انقُضِي رَأْسَك، وامْتَشِطي، وَدَعِي العُمْرَة، وأهِلَّي بالحَجِّ». وروى حماد بن زيد، عن هشام بن عُروة، عن أبيه: حدثني غيرُ واحد، أن رسول اللّه ◌َل﴿وقال لها: ((دَعِي عُمْرَتَكِ، وانْقَضِي رَأْسَكِ، وامْتَشِطِي، وافْعَلي مَا يَفْعَلُ الحَاجُ)). فبين حماد، أن عُروة لم يسمع هذا الكلام من عائشة. قلت: مِن العجب ردّ هذه النصوص الصحيحةِ الصريحةِ التي لا مدفع لها، ولا مطعنَ فيها، ولا تحتمل تأويلاً البتة بلفظ مجمل ليس ظاهراً في أنها كانت مفردة، فإن غايَة ما احتجَّ به من زعم أنها كانت مُفرِدة، قولُها: خرجنا مع رسول الله ◌َ﴿ لا نرى إلا أنَّ الحَجِ. فيا لله العجب! أيظُن بالمتمتِّع أنه خرج لغير الحج، بل خرج للحج متمتعاً، كما أن المغتسل للجنابة إذا بدأ فتوضأ لا يمتنعُ أن يقول: خرجتُ لِغسلِ الجنابة؟ وصدقت أمّ المؤمنين رضي الله عنها، إذ كانت لا ترى إلا أنَّه الحُّ حتَّى أحرمت بعُمرة، بأمره ◌َّ، وكلامُها يُصَدِّقُ بعضُه بعضاً. وأما قولُها: لبّينَا مع رسول الله مَّهَ بالحجِّ، فقد قال جابرٌ عنها في ((الصحيحين)): إنها أَهلَّت بعُمرة، وكذلك قال طاووس عنها في ((صحيح مسلم))، وكذلك قال مجاهد عنها، فلو تعارضت الرواياتُ عنها، فروايةُ الصحابة عنها أولى أن يُؤخذَ بها مِن رواية التابعين، كيف ولا تعارض في ذلك البتة، فإن القائل: فعلنا كذا، يصدق ذلك منه بفعله، وبفعل أصحابه. ومن العجب أنهم يقولون في قول ابن عمر: تمتَّعَ رسولُ الله ◌َّهِ بِالعُمرة ١٦٠