Indexed OCR Text

Pages 101-120

عدنا إلى سياق حجه، فصلَّى الظهر بالمدينة بالمسجد أربعاً، ثم ترجَّل إكمال المصنف لسياق
وادَّهن، ولبس إزاره ورداءه، وخرج بين الظهر والعصر، فنزل بذي الحليفة،
حجه بخ
فصلى بها العصر ركعتين، ثم بات بها(١) وصلى بها المغرب، والعشاء والصبح،
والظهر(٢)، فصلى بها خمس صلوات، وكان نساؤه كُلُّهن معه، وطاف عليهن
تلك الليلة (٣)، فلما أراد الإحرام، اغتسل غسلاً ثانياً لإحرامه غير غسل الجماع
الأول، ولم يذكر ابن حزم أنه اغتسل غير الغسل الأول للجنابة، وقد ترك بعضُ
الناس ذكره، فإما أن يكون تركه عمداً، لأنه لم يثبت عنده، وإما أن يكون تركه
سهواً منه، وقد قال زيد بن ثابت: إنه رأى النبيَّ وَّ تجرَّد لإِهلاله واغتسل(٤).
قال الترمذي : حديث حسن غريب.
وذكر الدارقطني، عن عائشة قالت: كان رسول الله مَّ إذا أراد أن يُحرِمَ،
غسل رأسه بخطمي وأُشْنَان (٥). ثم طيبته عائشة بيدها بذَرِيرَةٍ وطيبٍ فيه مسك في
بدنه ورأسه، حتی کان وبیص المسك ◌ُری في مفارقه ولحیته(٦)، ثم استدامه ولم
يغسله، ثم لبس إزاره ورداءه، ثم صلى الظهر ركعتين، ثم أهَلَّ بالحجِّ والعُمرة في حج و ◌ّقارناً والدليل
مصلاه، ولم يُنقل عنه أنه صلى للإحرام ركعتين غير فرض الظهر(٧) .
على ذلك
(١) أخرجه البخاري ٣٢٤/٣ من حديث أنس.
(٢) أخرجه النسائي ١٢٧/٥ من حديث أنس ورجاله ثقات.
(٣) أخرجه البخاري ٣٢٧/١ ومسلم (١١٩٢) (٤٨) من حديث عائشة.
(٤) أخرجه الترمذي (٨٣٠) والدارمي ٣١/٢ والبيهقي ٣٢/٥، ٣٣ وحسنه الترمذي وهو
كما قال.
(٥) أخرجه الدارقطني ٢٢٦/٢، ورجاله ثقات.
(٦) أخرجه البخاري ٣٠٥/١٠، ٣١٣ ومسلم (١١٨٩) (٣٥) و (١١٩٠) من حديث
عائشة .
(٧) وما أخرجه مسلم (١١٨٤) (٢١) عن عبد الله بن عمر: كان رسول الله صل* يركع بذي
الحليفة ركعتين، فالمراد بهما ركعتا الظهر، لا سنة الإِحرام.
١٠١

وقلَّد قبل الإِحرام بُدنه نعلين، وأشعرَها في جانبها الأيمن، فشقَّ صفحةً
سَنامِها، وسَلَتَ الذَّمَ عنها(١).
وإنما قلنا: إنه أحرم قارناً لِبضعة وعشرين حديثاً صحيحة صريحة في
ذلك.
أحدها: ما أخرجاه في ((الصحيحين)) عن ابن عمر، قال: تمتّع رسولُ الله ◌َيّ
في حجَّة الوداع بالعُمرة إلى الحج، وأهدى، فساق معه الهَدْيَ مِن ذي الخُليفة،
وبدأ رسولُ الله ◌َِّ فَأَهَلَّ بالعُمرة، ثم أهلَّ بالحجِّ وذكر الحديث(٢).
وثانيها: ما أخرجاه في ((الصحيحين)) أيضاً، عن عروة، عن عائشة
أخبرته عن رسولِ الله وَالر، بمثل حديث ابن عمر سواء(٣).
وثالثها: ما روى مسلم في ((صحيحه))، من حديث قُتيبة، عن الليث،
عن نافع، عن ابن عمر، أنَّه قرن الحجَّ إلى العمرة، وطاف لهما طوافاً
واحداً، ثم قال: هكذا فعل رسولُ الله ◌ِّقَ(٤).
ورابعها: ما روى أبو داود، عن النفيلي، حدثنا زهير هو ابن معاوية،
حدثنا إسحاق عن مجاهد: سئل ابنُ عمر: كم اعتمرَ رسولُ الله ◌ِ﴿؟ فقال:
مرتين. فقالت عائشةُ: لقد عَلِمَ ابنُ عمر أن رسولَ الله ◌َِّ اعتمر ثلاثاً سِوى
التي قرن بحجته(٥).
(١) أخرجه مسلم في (صحيحه)) (١٢٤٣) في الحج: باب تقليد الهدي وإشعاره
عند الإحرام من حديث ابن عباس.
(٢) أخرجه البخاري ٣/ ٤٣١ في الحج: باب من ساق البدن معه ومسلم (١٢٢٧)
في الحج: باب وجوب الدم على المتمتع .
(٣) أخرجه البخاري ٤٣٢/٣، ومسلم (١٢٢٨).
(٤) أخرجه مسلم (١٢٣٠) (١٨٢) في الحج: باب بيان جواز التحلل بالإِحصار
وجواز القران.
٠
(٥) أخرجه أبو داود (١٩٩٢) في المناسك: باب العمرة، ورجاله ثقات.
١٠٢

ولم يُناقض هذا قولَ ابن عمر: ((إِنَّه ◌ََِّ، قرن بين الحجّ والعُمرة))، لأنه
أراد العمرة الكاملة المفردة، ولا ريب أنهما عُمرتان: عمرةُ القضاء وعُمرةٌ
الجعرانة، وعائشة رضي الله عنها أرادت العمرتين المستقلَّتَيْنِ، وعُمرَة القِران،
والتي صُدَّ عنها، ولا ريب أنها أربع.
وخامسها: ما رواه سفيان الثوري، عن جعفر بن محمد عن أبيه، عن
جابر بن عبد الله، أن رسول الله يَّرَ: حَجَّ ثلاثَ حِجج: حجتينِ قبل أن
يُهاجر، وحجة بعد ما هاجر معها عُمرة. رواه الترمذي وغيره(١).
وسادسها: ما رواه أبو داود، عن النُّفيلي وقتيبة قالا: حدثنا داود بن
عبد الرحمن العطار، عن عمرو بن دينار، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال:
اعتمر رسولُ الله ◌َِّ أربعَ عُمَرٍ: عُمرةَ الحُديبية، والثانية: حين تواطؤُوا على
عُمرةٍ مِن قابل، والثالثة من الجعرانة، والرابعة التي قرن مع حجته (٢).
وسابعها: ما رواه البخاري في ((صحيحه)) عن عمر بن الخطاب
رضي الله عنه قال: سمعتُ رسولَ الله بَّه بوادي العَقيق يقول: ((أتاني اللَّيْلَة
آتٍ مِنْ رَبِّي عَزَّ وجلَّ، فقال: صَلِّ في هَذَا الوَادي المُبَارَكِ، وَقُلْ: عُمْرَةٌ في
حَجَّةٍ))(٣).
وثامنها: ما رواه أبو داود عن البراء بن عازب قال: كنت مع علي
رضي الله عنه حين أَمَّرَهُ رسولُ اللهِ وَّرِ على اليمن، فأصبتُ معه أَوَافِيَّ مِن
ذهَبٍ، فلما قَدِمَ عليٍّ من اليمن على رسول الله بَّه قال: وجدتُ فاطمة
(١) تقدم تخريجه ص٩٦.
(٢) أخرجه أبو داود (١٩٩٣) في المناسك: باب العمرة، والترمذي (٨١٦) في الحج:
باب كم اعتمر النبي ◌َّ، وابن ماجه (٣٠٠٣) في المناسك: باب كم اعتمر
النبي ◌َّة، وإسناده صحيح.
(٣) أخرجه البخاري ٣١٠/٣ في الحج: باب قول النبي ◌َّر: العقيق واد مبارك.
١٠٣

رضي الله عنها قد لَبِسَتْ ثياباً صَبِيغَات، وقد نضحت البيت بِنَضُوحِ، فقالت:
ما لك؟ فإن رسولَ الله ◌َّه قد أمر أصحابَه فأَحلُّوا، قال: فقلتُ لها: إني
أهللتُ بإهلال النبيِ وََّ قال: فأتيتُ النبيَّ ◌ََّ، فقال لي: كيف صنعتَ؟ قال:
قُلتُ: أهللتُ بإهلال النبيِّ وَّةِ، قال: فإني قد سُقْتُ الهَدْيَ، وَرَنْتُ وذكر
الحديث (١).
وتاسعها: ما رواه النسائي عن عمران بن يزيد الدمشقي، حدثنا
عيسى بن يونس، حدثنا الأعمش، عن مسلم البطين، عن علي بن الحُسين،
عن مروان بن الحكم قال: كنتُ جالساً عند عثمان، فسمع علياً رضي الله عنه
يُلبَّي بِعُمرةٍ وحَجَّةٍ، فقال: أَلم تَكُن تُنْهِى عَنْ هَذَا؟ قال: بلى لكني سمعتُ
رسولَ اللهِوٌَّ يُلَبِّي بهما جميعاً، فلم أَدَعْ قولَ رسولِ اللهِ وَلَّه لِقَوْلِكَ (٢).
وعاشرها: ما رواه مسلم في ((صحيحه)) مِن حديث شُعبة، عن حُميد بن
هلال قال: سمعتُ مُطرِّفاً قال: قال عمران بن حصين: أحدثك حديثاً
عسى الله أن ينفعكَ به: إن رسول الله وَّهُ جمع بين حَجَّةٍ وعُمرة، ثم لم يَنْهَ
عنه حتَّى ماتَ، ولم يَنْزِلْ قُرآن يُحرِّمُه(٣).
وحادي عشرها: ما رواه يحيى بن سعيد القطان، وسفيان بن عيينة،
عن إسماعيل بن أبي خالد، عن عبد الله بن أبي قتادة، عن أبيه قال: إنما
جَمَعَ رسولُ اللهِ وَّهَ بَيْنَ الحجّ والعُمرة، لأنه علم أنه لا يَحُجُّ بَعدها. وله
طرق صحيحة إليهما(٤).
(١) أخرجه أبو داود (١٧٩٧) في المناسك: باب في الإقران، والنسائي ١٤٩/٥ في
الحج: باب في القران، ورجاله ثقات. والنضوح: ضرب من الطيب.
(٢) أخرجه النسائي ١٤٨/٥، وإسناده صحيح، ووقع في المطبوع من ((سنن النسائي))
((الأشعث)) بدل ((الأعمش)) وهو تحريف.
(٣) أخرجه مسلم (١٢٢٦) (١٦٧) في الحج: باب جواز التمتع.
(٤) رجاله ثقات.
١٠٤

وثاني عشرها: ما رواه الإمام أحمد من حديث سُراقة بنِ مالك قال:
سمعتُ رسولَ اللهِّه يقول: ((دَخَلَت العُمْرَةُ في الحَجِّ إلى يَوْمِ القِيَامَةِ))، قَالَ:
وَقَرِنَ النَّبِيُّ ◌َّ فِي حَجَّة الوَدَاعِ (١) إسناده ثقات.
وثالث عشرها: ما رواه الإِمام أحمد، وابن ماجه من حديث أبي طَلحَةً
الأنصاريِّ أن رسولَ اللهِ وََّ جَمَعَ بَيْنِ الحَجِّ والعُمْرَةِ(٢) ورواه الدار قطني، وفيه
الحجاج بن أرطاة.
ورابعُ عشرها: ما رواه أحمد مِن حديث الهرْمَاس بن زياد الباهلي أنَّ
رسول الله وَّةٍ قرن في حَجَّةِ الوَدَاعِ بَيْنَ الحَجِّ والعُمْرَةِ(٣).
وخامسُ عشرها: ما رواه البزار بإسناد صحيح أن ابن أبي أوفى قال:
إنما جمع رسول الله ◌َّ بين الحجّ والعُمْرَة، لأنه علم أنه لا يحُجُّ بعد عامِه
ذلك(٤) وقد قيل: إن يزيد بن عطاء أخطأ في إسناده، وقال آخرون: لا سبيلَ
إلى تخطئته بغير دليل.
وسادسُ عشرها: ما رواه الإمام أحمد، مِن حديث جابر بن عبد الله،
(١) أخرجه أحمد ١٧٥/٤ من حديث مكي بن إبراهيم، عن داود بن يزيد الأودي، عن
عبد الملك بن ميسرة الزراد، عن النزال بن يزيد بنت سبرة، عن سراقة وداود بن
يزيد ضعفه غير واحد إلا أن ابن عدي يقول: لم أرَ له حديثاً منكراً جاوز الحد إذا
روى عنه ثقة وإن كان ليس بقوي في الحديث، فإنه يكتب حديثه ويقبل. وباقي
رجاله ثقات، فمثله حسن في الشواهد.
(٢) أخرجه أحمد ٢٨/٤، وابن ماجه (٢٩٧١) والدارقطني، والحجاج بن أرطاة فيه
مقال.
(٣) أخرجه أحمد ٤٨٥/٣، وفي سنده عبد الله بن واقد الحراني وهو متروك، وكان
الإِمام أحمد يثني عليه، وقال: لعله كبر واختلط.
(٤) أورده الهيثمي في ((المجمع)) ٢٣٦/٣، وقال: رواه الطبراني في ((الكبير))
و((الأوسط)) وفيه يزيد بن عطاء وثقه أحمد وغيره وفيه كلام. وفي ((التقريب)) لين
الحدیث.
١٠٥

أن رَسُولَ الله ◌ََّ قَرَنَ الحَجَّ والعُمْرَةَ، فَطَافَ لَهُمَا طَوَافاً واحداً(١). ورواه
الترمذي، وفيه الحجاجُ بنُ أرطاة، وحديثُه لا ينزِل عن درجةِ الحَسَنِ ما لم
ينفرِذْ بشيء، أو يُخالف الثِّقات.
وسابعُ عشرها: ما رواه الإمام أحمد، من حديث أمّ سلمة قالت:
سمعتُ رسول الله وَّ يقول: ((أَهِلُوا يَا آَلَ مُحَمَّدٍ بِعُمْرَةٍ فِي حَجٍ))(٢).
وثامن عشرها: ما أخرجاه في «الصحيحين)) واللفظ لمسلم، عن حفصةً
قالت: قلتُ للنبيِ وَّرَ: ما شأنُ النَّاسِ حلُوا وَلَمْ تَحِلَّ أَنْتَ مِنْ عُمْرَتِكَ؟ قال:
(إِنِّي قَلَّدْتُ هَدْيي، ولَبَّدْتُ رَأْسي، فلا أَحِلُّ حَتَّى أَحِلَّ مِنَ الحَجِّ)) (٣) وهذا
يدل على أنه كان في عُمرةٍ معها حج، فإنه لا يَحلُّ من العُمرة حتى يَحِلَّ من
الحج، وهذا على أصل مالك والشافعي ألزمُ، لأن المعتمِر عُمرةً مفردة، لا
يمنعه عندهما الهديُ من التحلل، وإنما يمنعه عُمرة القِران، فالحديثُ على
أصلهما نص.
وتاسعُ عشرها: ما رواه النسائي، والترمذي ، عن محمد بن عبد الله بن
الحارث بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب، أنه سمِعَ سعد بن أبي وقاص،
والضحاكَ بن قيس عامَ حَّ معاويةُ بنُ أبي سفيان، وهما يذكران التمتع
بالعُمرة إلى الحجِّ، فقال الضحاك: لا يصنعُ ذلك إلا مَنْ جَهِلَ أمرَ الله، فقال
سعد: بئسَ ما قلتَ يا ابنَ أخي. قال الضحاك: فإن عمرَ بنَ الخطاب نهى عن
(١) أخرجه الترمذي (٩٤٧) في الحج: باب ما جاء في أن القارن يطوف طوافاً واحداً
باللفظ الذي ساقه المصنف، ولفظ أحمد ٣٨٨/٣ قدمنا مع رسول الله مَ له، فطفنا
بالبيت وبين الصفا والمروة، فلما كان يوم النحر لم يقرب الصفا والمروة.
(٢) أخرجه أحمد ٢٩٧/٦، ٢٩٨ ورجاله ثقات.
(٣) أخرجه البخاري ٣٤٢/٤ في الحج: باب التمتع والقران والإفراد، ومسلم (١٢٢٩)
في الحج: باب بيان أن القارن لا يتحلل إلا في وقت تحلل الحاج المفرد.
١٠٦

ذلك، قال سعد: قد صنعها رسولُ الله ◌َّ، وصنعناها معه(١)، قال الترمذي:
حديث حسن صحيح.
ومراده بالتمتع هنا بالعمرة إلى الحج: أحدُ نوعيه، وهو تمتُع القران، القِران أحد نوعي التمتع
فإنه لغةُ القرآن، والصحابة الذين شهدوا التنزيلَ والتأويل شهِدوا بذلك، ولهذا
وهو لغة القرآن
قال ابنُ عمر: تمتع رسولُ اللهِّ﴿ بالعُمرة إلى الحجِّ، فبدأ فأهلَّ بالعُمرة، ثمّ
أهلَّ بالحجِّ، وكذلك قالت عائشة، وأيضاً: فإن الذي صنعه رسول الله (مَثّ،
هو مُتعة القِران بلا شك، كما قطع به أحمد، ويدل على ذلك أن عمران بن
حصين قال: تمَّع رسول الله بََّ، وتمتَّعنا معه. متفق عليه(٢). وهو الذي قال
لمطرِّف: أحدِّثك حديثاً عسى اللَّهُ أن ينفعَك به، إن رسولَ الله ◌ٌَّ، جمع بَيْن
حَيٌّ وعُمْرَةٍ، ثمَّ لم يَنْهَ عَنْهُ حتَّى مَاتَ. وهو في ((صحيح مسلم))(٣) فأخبر عن
قِرانه بقوله: تمثَّع، وبقوله: جمع بين حج وعمرة.
ويدل عليه أيضاً، ما ثبت في ((الصحيحين)) عن سعيد بن المسيِّب قال:
اجتمع عليٍّ وعثمان بعُسْفَان، فقال: كان عثمانُ ينهى عن المُتعة أو العُمرة،
فقال علي: ما تُريد إلى أمر فعله رسولُ الله وَّل تنهى عنه؟ قال عثمانُ: دعنا
مِنْك، فقال: إني لا أستطيع أن أدعَك، فلما أن رأى عليٍّ ذلك، أهلَّ بِهِما
جميعاً(٤). هذا لفظ مسلم، ولفظ البخاري: اختلف علي وعُثمان بِعُسْفَانَ في
المُتعة، فقال علي: ما تريد إلا أن تنهى عن أمرٍ فعله رسولُ الله ◌ََّ، فلما
رأى ذلك عليٌّ، أهلَّ بهما جميعاً.
1
وأخرج البخاري وحدَه من حديث مروان بن الحكم قال: شهدتُ عثمان
(١) أخرجه الترمذي (٨٢٣) في الحج: باب ما جاء في الجمع بين الحج والعمرة،
والنسائي ١٥٢/٥، ١٥٣، ومالك في ((الموطأ)) ٣٤٤/١، وسنده حسن.
(٢) أخرجه البخاري ٤٣٣/٣، ومسلم (١٢٢٦) (١٧١).
(٣)
تقدم تخريجه قریبا ص١٠٤ .
(٤) أخرجه البخاري ٣٤٤/٣، ومسلم (١٢٢٣) (١٥٩).
١٠٧

وعلياً، وعثمانُ ينهى عن المُتعة، وأن يُجْمَعَ بينهما، فلما رأى عليٍّ ذلك، أهلَّ بهما:
لَّكَ بِعُمْرَةٍ وحجة، وقال: ما كنتُ لأَدَعَ سُنَّةَ رسولِ اللهِ بَ ◌ّ لِقول أحد(١).
فهذا يُبيِّن، أن من جمع بينهما، كان متمتِّعاً عندهم، وأن هذا هو الذي
فعله رسولُ الله ◌ََّ، وقد وافقه عثمانُ على أن رسولَ اللهَ يَ فعل ذلك، فإنه
لما قال له: ما تُريد إلى أمر فعله رسولُ الله ◌َّل تنهى عنه، لم يقل له: لم
يفعلْه رسولُ الله ◌َّة، ولولا أنه وافقه على ذلك، لأنكره، ثم قصد علي إلى
موافقة النبي ◌َّر، والاقتداء به في ذلك، وبيان أن فعله لم يُنسخ، وأهلَّ بهما
جميعاً تقريراً للاقتداء به ومتابعته في القِران، وإظهاراً لسنة نهى عنها عثمان
متأوّلاً، وحينئذ فهذا دليل مستقل تمام العشرين.
الحادي والعشرون: ما رواه مالك في ((الموطأ»، عن ابن شهاب، عن
عُروة، عن عائشة أنها قالت: خرجنا مع رسول الله وََّ عامَ حَجَّة الوداع،
فأهللنا بعُمرة، ثم قال رسولُ اللهِ وَّ: ((مَنْ كَانَ مَعَه هَذْيٌّ، فَلْيُهلِلْ بِالحَجِّ مَعَ
العُمْرَةِ، ثُمَّ لا يَحِلُّ حَتَّى يَحِلَّ منهما جَميعاً)(٢).
ومعلوم: أنه كان معه الهديُ، فهو أولى من بادر إلى ما أمر به، وقد
دل عليه سائرُ الأحاديث التي ذكرناها ونذكرها.
وقد ذهب جماعة من السلف والخلف إلى إيجاب القِران على من ساق
الهديَ، والتمتع بالعمرة المفردة على من لم يَسُق الهديَ، منهم: عبدُ الله بن
عباس وجماعة، فعندهم لا يجُوز العدولُ عما فعله رسول الله وَّةٍ، وأمر به
أصحابه، فإنه قرن وساق الهدي، وأمر كُلَّ من لا هَذْيَ معه بالفسخ إلى عُمرة
مفردة، فالواجب: أن نفعل كما فعل، أو كما أمر، وهذا القول أصحُّ مِن قول
(١) أخرجه البخاري ٣٣٦/٣، ٣٣٧.
(٢) أخرجه مالك في ((الموطأ)) ٤١٠/١، ٤١١ في الحج: باب دخول الحائض مكة،
وإسناده صحيح.
١٠٨

من حرَّم فسخ الحج إلى العمرة من وجوه كثيرة، سنذكرها إن شاء الله تعالى.
الثاني والعشرون: ما أخرجاه في ((الصحيحين))، عن أبي قلابة، عن
أنس بن مالك. قال: صلَّى بنا رسولُ اللهِ وَّ ونحنُ معه بالمدينة الظهرَ أربعاً،
والعصرَ بذي الحُليفة ركعتين، فباتَ بها حتَّى أصبح، ثم ركِبَ حتَّى استوت
به راحِلتُه على البيداء، حَمِدَ الله وسبَّح [وكبَّر] ثم أهلَّ بحج وعُمرة، وأهلَّ
الناسُ بهما، فلما قَدِمنَا، أمرَ الناس، فحلُّوا، حتى إذا كان يومُ التَّرْويَةِ أهلُوا
=(١)
بالحجِ(١).
وفي (الصحيحين)) أيضاً: عن بكر بن عبد الله المزني، عن أنس قال:
سمعتُ رسول الله بَّهَ يُلَبِّي بالحجِّ والعُمرة جميعاً، قال بكر: فحدثتُ بذلك
ابنَ عمر، فقال: لبَّى بالحجِّ وحدَه، فلقيتُ أنساً، فحدَّثتُه بقول ابن عمر،
فقال أنس: ما تعدُّوننا إلا صِبْياناً! سمعتُ رسولَ الله وََّ يقول: ((لَيْكَ عُمْرَةً
وحَجًّا))(٢). وبين أنس وابنِ عُمر في السِّنِّ سنةٌ، أو سنةٌ وَشيءٌ.
وفي ((صحيح مسلم))، عن يحيى بن أبي إسحاق وعبد العزيز بن
صهيب، وحُميد، أنهم سمِعوا أنساً قال: سمعتُ رسولَ اللهِ وَّهُ أهلَّ بهما
(لَيْكَ عُمْرَةً وَحَجًّا)(٣).
وروى أبو يوسف القاضي، عن يحيى بن سعيد الأنصاري، عن أنس
قال: سمعتُ النبيَّ ◌ََّ يقول: ((لَّيْكَ بِحَجٍّ وعُمْرَةٍ معاً».
(١) أخرجه البخاري ٣٢٧/٣، في الحج: باب التحميد والتسبيح والتكبير قبل الإهلال
عند الركوب على الدابة و٤٤٢ : باب والبدن قائمة، وأخرجه مسلم (٦٩٠) في صلاة
المسافرين: باب صلاة المسافرين وقصرها. مختصراً، ولفظه ((أن رسول الله متخيلة
صلى الظهر بالمدينة أربعاً، وصلى العصر بذي الحليفة ركعتين)).
(٢) أخرجه مسلم (١٢٣٢) في الحج: باب في الإِفراد والقران بالحج والعمرة، ولم
نجده في البخاري، وأخرجه النسائي ١٥٠/٥ .
(٣) أخرجه مسلم (١٢٥١) في الحج: باب إهلال النبي ◌ُّ وهديه.
١٠٩

وروى النسائي من حديث أبي أسماء، عن أنس قال: سمعت
النبيَّ لَّهُ، يُلَبِّي بِهِمَا(١) .
وروي أيضاً من حديث الحسن البصري عن أنس أن النبي ◌َّةُ أهلَّ
بالحج والعمرة حين صلَّى الظهر(٢) .
وروى البزار، من حديث زيد بن أسلم مولى عمر بن الخطاب، عن
أنس، أن النبي ◌َ ◌ّه أهلَّ بحجٌّ وعُمرة. ومن حديث سُليمان التيمي عن أنس
كذلك، وعن أبي قدامة عن أنس مثله. وذكر وكيع: حدثنا مُصعب بن سليم
قال: سمعت أنساً مثله، قال: وحدثنا ابنُ أبي ليلى، عن ثابت البناني، عن
أنس مثله، وذكر الخشني: حدثنا محمد بن بشار، حدثنا محمد بن جعفر،
حدثنا شعبة، عن أبي قزعة، عن أنس مثله.
وفي ((صحيح البخاري))، عن قتادة، عن أنس، اعتمر رسولُ الله وَل
أربعَ عمر، فذكرها وقال: وعمرة مع حجته وقد تقدم.
وذكر عبد الرزاق: حدثنا معمر، عن أيوب، عن أبي قلابة وحميد بن
هلال، عن أنس مثله، فهؤلاء ستة عشر نفساً من الثقات، كُلُّهم متَّفِقون عن
أنس، أن لفظ النبي ◌َ﴿ كان إهلالاً بحجّ وعُمرة معاً، وهم الحسن البصري،
وأبو قلابة، وحُميد بن هلال، وحُميد بن عبد الرحمن الطويل، وقتادة:
ويحيى بن سعيد الأنصاري، وثابت البناني، وبكر بن عبد الله المزني،
وعبد العزيز بن صُهيب، وسليمان التيمي، ويحيى بن أبي إسحاق، وزيد بن
أسلم، ومصعب بنُ سليم، وأبو أسماء، وأبو قُدامة عاصم بن حسين، وأبو
قزعة وهو سُويد بن حجر الباهلي.
(١) أخرجه النسائي ١٥٠/٥ في الحج: باب القران، وأبو أسماء هو الصيقل لا يعرف.
(٢) أخرجه النسائي ١٢٧/٥ في الحج: باب البيداء، ورجاله ثقات.
١١٠

فهذه أخبار أنس عن لفظ إهلاله بَّر الذي سمعه منه، وهذا علي والبراء
يُخبران عن إخباره بَّر عن نفسه بالقِران، وهذا عليٌّ أيضاً، يخبر أَن رسولَ اللهِوَله
فعله، وهذا عمرُ بن الخطاب رضي الله عنه، يُخبر عن رسولِ الله وََّ، أن ربَّه
أمره بأن يفعله، وعلَّمه اللَّفظ الذي يقوله عند الإحرام، وهذا عليٌّ أيضاً يخبر،
أنه سمعَ رسولَ الله ◌َّهَ يُلَبِّي بهما جميعاً، وهؤلاء بقيةُ مَنْ ذكرنا يخبرون عنه،
بأنه فعله، وهذا هو ټّ﴾ یأمُرُ به آله، ویأمر به من ساق الهدي.
وهؤلاء الذين رَوَوُا القِران بغاية البيان: عائشة أم المؤمنين، وعبدُ الله بن
عمر، وجابر بن عبد الله، وعبد الله بن عباس، وعمر بن الخطاب، وعلي بن
أبي طالب، وعثمان بن عفان بإقراره لعلي، وتقرير علي له، وعِمران بن
الحُصين، والبراء بن عازب، وحفصة أم المؤمنين، وأبو قتادة، وابنُ أبي
أوفى، وأبو طلحة، والهِرماس بن زياد، وأُّ سلمة، وأنسُ بن مالك،
وسعدُ بن أبي وقاص، فهؤلاء هم سبعةَ عشر صحابياً رضي الله عنهم، منهم
من روى فعله، ومنهم من روى لفظ إحرامه، ومنهم من روى خبره عن
نفسه، ومنهم من روی أمره به.
فإن قيل: كيف تجعلون منهم ابن عمر، وجابراً، وعائشة، وابن عباس؟
وهذه عائشةُ تقول: أهلَّ رسول الله ◌َ ◌ّر بالحج وفي لفظ: أفرد الحج، والأول في
((الصحيحين))(١)، والثاني في مسلم وله لفظان، هذا أحدهما والثاني: أهل
بالحج مُفرداً(٢)، وهذا ابنُ عمر يقول: لبَّى بالحجِّ وحدَه. ذكره البخاري(٣)،
وهذا ابن عباس يقول: وأهلَّ رسول الله ◌ِ ليس بالحج رواه مسلم (٤)،
(١) أخرجه البخاري ٣٣٦/٣، ومسلم (١٢١١) (١١٤).
(٢)
أخرجه مسلم (١٢١١) (١٢٢).
(٣)
أخرجها مسلم (١٢٣٢) ولم نجدها في البخاري.
(٤) أخرجه مسلم (١٢٤٠) (١٩٩).
١١١

وهذا جابر يقول: أفرد الحج، رواه ابن ماجه(١).
قيل: إن كانت الأحاديث عن هؤلاء تعارضت وتساقطت، فإن أحاديث
الباقين لم تتعارض، فهب أن أحاديث من ذكرتم لا حُجة فيها على القِران،
ولا على الإفراد لتعارضها، فما الموجبُ للعدول عن أحاديث الباقين مع
صراحتها وصحتها؟ فكيف وأحاديثُهم يُصدِّقُ بعضُها بعضاً ولا تعارض بينها،
وإنما ظنَّ من ظن التعارض لعدم إحاطته بمراد الصحابة من ألفاظهم،
وحملها على الاصطلاح الحادث بعدهم.
ورأيت لشيخ الإسلام فصلاً حسناً في اتفاق أحاديثهم نسوقه بلفظه،
قال: والصوابُ أن الأحاديث في هذا الباب متفقة ليست بمختلفة إلا اختلافاً
يسيراً يقع مثلُه في غير ذلك، فإن الصحابة ثبت عنهم أنه تمتَّع، والتمتع
عندهم يتناولُ القِران، والذين رُوي عنهم أنه أفرد، رُوي عنهم أنه تمتع، أما
الأول: ففي ((الصحيحين)) عن سعيد بن المسيِّب قال: اجتمع علي وعثمان
بعُسفانَ، وكان عثمان ينهى عن المُتعة أو العُمرة، فقال علي رضي الله عنه:
ما تريد إلى أمر فعله رسولُ الله ◌َّ تنهى عنه؟ فقال عثمان: دعنا مِنك.
فقال: إني لا أستطيعُ أن أُدَعك. فلما رأى علي رضي الله عنه ذلك، أهلَّ
بهما جميعاً. فهذا يُبين أن من جمع بينهما كان متمتعاً عندهم، وأن هذا هو
الذي فعله النبي ◌َ لٍ، ووافقه عثمان على أن النبي ◌َّيّ فعل ذلك، لكن كان
النزاعُ بينهما، هل ذلك الأفضل في حقنا أم لا؟ وهل شرع فسخُ الحج إلى
العمرة في حقنا كما تنازع فيه الفقهاء؟ فقد اتفق علي وعثمان، على أنه تمتّع،
والمراد بالتمتع عندهم، القِران. وفي ((الصحيحين)) عن مطرِّف قال: قال
عمران بن حصين: إن رسول الله مَّل جمع بين حٍّ وعُمرة، ثم إنه لم ينه عنه
حتى مات، ولم ينزل فيه قرآن يحرِّمه. وفي رواية عنه: تمتَّع رسولُ الله ◌ِيّ
(١) أخرجه ابن ماجه (١٢٤٠) وسنده صحيح.
١١٢

وتمتعنا معه. فهذا عِمران وهو من أجلّ السابقين الأولين، أخبر أنه تمتع،
وأنه جمع بين الحِّ والعُمرة، والقارِن عند الصحابة متمتّع، ولهذا أوجبوا
عليه الهديَ، ودخل في قوله تعالى: ﴿فمن تَمَثَّعَ بِالعُمْرَةِ إلى الحَجِّ فما
اسْتَيْسَرَ مِنَ الهدي﴾ [البقرة: ١٩٦]، وذكر حديث عمر عن النبي ◌َّ: «أتاني
آتٍ مِنْ ربِّي فقال: صَلِّ في هذَا الوَادِي المُبَارَكِ وقل: عُمْرَةٌ في حَجَّة)).
قال: فهؤلاء الخلفاء الراشدون، عمر، وعثمان، وعلي، وعِمران بن
حُصين، رويَ عنهم بأصح الأسانيد، أن رسول الله بَث﴿ل قرن بين العُمرة
والحج، وكانوا يسمون ذلك تمتعاً، وهذا أنس يذكر أنه سمع النبي ◌َِّ يلِّي
بالحجِّ والعُمرة جميعاً.
وما ذكره بكرُ بن عبد الله المزني، عن ابن عمر، أنه لبَّی بالحج وحده،
فجوابه أن الثقات الذين هم أثبتُ في ابن عمر من بكر مثل سالم ابنه، ونافع
رَوَوْا عنه أنه قال: تمثَّع رسولُ الله ◌َّهُ بالعُمرة إلى الحج، وهؤلاء أثبتُ في
ابن عمر من بكر. فتغليطُ بكر عن ابن عمر أولى من تغليط سالم ونافع عنه،
وأولى من تغليطه هو على النبي ◌َّه، ويُشبه أن ابن عمر قال له: أفرد الحج،
فظن أنه قال: لبَّی بالحج، فإن إفراد الحج، كانوا يُطلقونه ويُریدون به إفراد
أعمال الحج، وذلك ردٌّ منهم على من قال: إنه قرن قراناً طاف فيه طوافين،
وسعى فيه سعيين، وعلى من يقول: إنه حلَّ من إحرامه، فرواية من روى من
الصحابة أنه أفرد الحج، تردُّ على هؤلاء، يبين هذا ما رواه مسلم في
(صحيحه)) عن نافع، عن ابن عمر، قال: أهللنا مع رسول الله رَّر بالحجِّ
مُفرداً، وفي رواية: أهل بالحجِّ مفرداً(١).
فهذه الرواية إذا قيل: إن مقصودها أن النبي ◌َُّ أهلَّ بحج مفرداً، قيل:
فقد ثبت بإسناد أصحَّ من ذلك، عن ابن عمر، أن النبي ◌َّر تمتع بالعمرة إلى
(١) أخرجه مسلم (١٢٣١).
١١٣

الحج، وأنه بدأ، فأهلَّ بالعُمرة ثم أهلَّ بالحج، وهذا مِن رواية الزهري، عن
سالم، عن ابن عمر. وما عارض هذا عن ابن عمر، إما أن يكون غلطاً عليه،
وإما أن يكون مقصوده موافقاً له، وإما أن يكون ابنُ عمر لما علم أن
النبي ◌َّ لم يَحِلَّ، ظنَّ أنه أفرد كما وَهِمَ في قوله: إنه اعتمر في رجب،
وكان ذلك نسياناً منه، والنبي ◌َّ لما لم يُحِلَّ من إحرامه، وكان هذا حال
المفرد ظن أنه أفرد، ثم ساق حديث الزهري عن سالم، عن أبيه، تمتّع
رسولُ الله ◌َّ الحديث. وقول الزهري: وحدثني عُروة، عن عائشة بمثل
حديث سالم عن أبيه قال: فهذا مِن أصح حديثٍ على وجه الأرض، وهو من
حديث الزهري أعلم أهلٍ زمانه بالسُّنَّة، عن سالم، عن أبيه، وهو من أصح
حديث ابن عمر وعائشة.
وقد ثبت عن عائشة رضي الله عنها في ((الصحيحين)): أن النبي ◌َل
اعتمر أربعَ عُمَر، الرابعة مع حجته. ولم يعتمِرْ بعد الحج باتفاق العلماء،
فيتعينُ أن يكون متمتِّعاً تمثُّع قِران، أو التمتع الخاص.
وقد صح عن ابن عمر، أنه قرن بين الحج والعمرة، وقال: هكذا فعل
رسولُ اللهِ وَّر، رواه البخاري في ((الصحيح)) (١).
قال: وأما الذين نُقِلَ عنهم إفراد الحج، فهم ثلاثة: عائشة، وابن عمر،
وجابر، والثلاثة نُقِلَ عنهم التمتع، وحديث عائشة وابن عمر: أنه تمتع
بالعمرة إلى الحج أصحُّ من حديثهما، وما صح في ذلك عنهما، فمعناه إفرادُ
أعمال الحج، أو أن يكون وقعَ منه غلط كنظائره، فإن أحاديث التمتع متواترة
رواها أكابر الصحابة، كعمر، وعثمان، وعلي، وعمران بن حصين، ورواها
أيضاً: عائشة، وابنُ عمر، وجابر، بل رواها عن النبي ◌َّ بضعة عشر من
الصحابة .
(١) أخرجه البخاري ٣٩٦/٣ في الحج: باب طواف القارن.
١١٤

قلت: وقد اتفق أنس، وعائشة، وابن عمر، وابن عباس، على أن
النبي ◌َّ: اعتمر أربع عمر، وإنما وهم ابنُ عمر في كون إحداهن في رجب،
وكلهم قالوا: وعمرة مع حجته، وهم سوى ابن عباس. قالوا: إنه أفرد
الحج، وهم سوى أنس، قالوا: تمتع. فقالوا: هذا، وهذا، وهذا، ولا
تناقض بين أقوالهم، فإنه تمتعَ تَمَنُّع قِران، وأفرد أعمال الحج، وقرن بين
النُّسكين، وكان قارناً باعتبار جمعه بين النسكين، ومفرداً باعتبار اقتصاره على
أحد الطوافين والسعيين، ومتمتّعاً ترفُّهه بترك أحد السفرين.
ومن تأمل ألفاظَ الصحابة، وجمع الأحاديث بعضها إلى بعض، واعتبر
بعضها ببعض، وفهم لغةَ الصحابة، أسفر له صُبْحُ الصواب، وانقشعت عنه
ظلمة الاختلاف والاضطراب، والله الهادي لسبيل الرشاد، والموفق لطريق
السداد .
فمن قال: إنه أفرد الحج وأراد به أنه أتى بالحج مفرداً، ثم فرغ منه،
وأتى بالعمرة بعده من التنعيم أو غيره، كما يظن كثيرٌ من الناس، فهذا غلط
لم يقله أحد من الصحابة ولا التابعين، ولا الأئمة الأربعة، ولا أحد من أئمة
الحديث. وإن أراد به أنه حج حجاً مفرداً، لم يعتمِرْ معه كما قاله طائفة من
السلف والخلف، فوهم أيضاً، والأحاديث الصحيحة الصريحة ترده كما تبيَّن،
وإن أراد به أنه اقتصر على أعمال الحج وحده ولم يفرد للعمرة أعمالاً، فقد
أصاب، وعلى قوله تدل جميع الأحاديث. ومن قال: إنه قرن، فإن أراد به
أنه طاف للحج طوافاً على حدة، وللعمرة طوافاً على حدة، وسعى للحج
سعياً، وللعمرة سعياً، فالأحاديث الثابتة ترد قوله. وإن أراد أنه قرن بين
التُّسكين، وطاف لهما طوافاً واحداً، وسعى لهما سعياً واحداً، فالأحاديث
الصحيحة تشهد لقوله، وقولُه هو الصواب.
الرد على من ادعى
حجه 10 مفردا
ومن قال: إنه تمثَّع، فإن أراد أنه تمثَّع تَمَتُّعاً حلَّ منه، ثم أحرم بالحجِّ
الرد على من ادعى
حجه * متمتعاً
١١٥

إحراماً مستأنفاً، فالأحاديث تردُّ قوله وهو غلط، وإن أراد أنه تمتع تمتعاً لم
يَحِلَّ منه، بل بقي على إحرامه لأجل سوق الهدي، فالأحاديث الكثيرة تردُّ
قولَه أيضاً، وهو أقلُّ غلطاً، وإن أراد تمتع القِران، فهو الصوابُ الذي تدل
عليه جميع الأحاديث الثابتة، ويأتلف به شملُها، ويزول عنها الإِشكالُ
والاختلاف.
فصل
غَلِط في عُمَرِ النبي ◌َّ خمسُ طوائف.
غلط الناس في عُمَرِ ه ◌َدَ
إحداها: من قال: إنه اعتمر في رجب، وهذا غلط، فإن عُمَرَهُ مضبوطةٌ
محفوظة، لم يخرُج في رجب إلى شيء منها البتة .
الثانية: من قال: إنَّه اعتمر في شؤَّال، وهذا أيضاً وهم، والظاهر - والله
أعلم - أن بعضَ الرواة غَلِطَ في هذا، وأنه اعتكف في شوال فقال: اعتمر في
شوال، لكن سياق الحديث، وقوله: اعتمر رسول الله بَّ ثلاث عُمَرٍ: عمرة في
شوال، وعمرتين في ذي القَعدَة، يدل على أن عائشة أو مَنْ دونها، إنما قصد
العمرة.
الثالثة: من قال: إنَّه اعتمر من التَّنعيم بعد حجه، وهذا لم يقُلْه أحد من أهل
العلم، وإنما يظنُّه العوام، ومن لا خِبرة له بالسنة.
الرابعة: من قال: إنَّه لم يعتمِرْ في حجَّته أصلاً، والسنة الصحيحةٌ
المستفيضة التي لا يُمكن ردُّها تُبطِلُ هذا القول.
الخامسة: من قال: إنَّه اعتمر عُمرة حل منها، ثم أحرم بعدها بالحج من
مكة، والأحاديث الصحيحةُ تُبطِلُ هذا القول وترده.
١١٦

فصل
غلط الناس في حجه #
ووهم في حجه خمسُ طوائف.
الطائفة الأولى: التي قالت: حجّ حجاً مفرداً لم يعتمِرْ معه.
الثانية: من قال: حجَّ متمتعاً تمتعاً حلَّ منه، ثم أحرم بعده بالحج، كما قاله
القاضي أبو يعلى وغيره.
الثالثة: من قال: حج متمتعاً تمتعاً لم يَحِلَّ منه لأجل سَوْق الهدي ولم يكن
قارناً، كما قاله أبو محمد بن قدامة صاحب ((المغني)) وغيره.
الرابعة: من قال: حجَّ قارناً قِراناً طاف له طوافين، وسعى له سعيين.
الخامسة: من قال: حجَّ حجاً مفرداً، واعتمر بعده من التنعيم.
فصل
غلط الناس في
إحرامه *
وغلط في إحرامه خمسُ طوائف.
إحداها: من قال: لبَّى بالعُمرة وحدَها، واستمر عليها.
الثانية: من قال: لبَّی بالحجِّ وحده، واستمر علیه.
الثالثة: من قال: لبَّى بالحجِّ مُفرداً، ثم أدخل عليه العمرة، وزعم أن ذلك
خاص به .
الرابعة: من قال: لبَّ بالعُمرة وحدها، ثم أدخل عليها الحج في ثاني
الحال.
۔
الخامسة: من قال: أحرم إحراماً مطلقاً لم يعيِّن فيه نُسُكّاً، ثم عينه بعد
إحرامه.
١١٧

والصوابُ: أنه أحرم بالحجِّ والعُمرة معاً مِنْ حين أنشأ الإِحرام، ولم يحلَّ
حتى حلَّ منهما جميعاً، فطاف لهما طوافاً واحداً، وسعى لهما سعياً واحداً.
وساق الهدي، كما دلت عليه النصوصُ المستفيضة التي تواترت تواتراً يعلمُه أهلُ
الحديث. والله أعلم.
فصل
في أعذار القائلين بهذه الأقوال، وبيان منشأ الوهم والغلط
عذر من قال: اعتمر #
في رجب
أما عُذر من قال: اعتمر في رجب، فحديث عبد الله بن عمر رضي الله
عنهما، أن النبي ◌َّ اعتمر في رجب متفق عليه. وقد غلَّطته عائشةُ وغيرُها، كما
في ((الصحيحين)) عن مجاهد، قال: دخلتُ أنا وعُروةُ بن الزبير المسجد، فإذا
عبد الله بن عمر جالساً إلى حُجْرَةٍ عائشة، وإذا ناسٌ يُصلُّون في المسجد صلاةً
الضحى، قال: فسألناه عن صلاتهم. فقال: بدعة. ثم قُلنا له: كم اعتمر
رسولُ الله ◌َّهَ؟ قال: أربعاً. إحداهن: في رجب، فكرهنا أن نَرُدَّ عليه. قال:
وسمعنا استنانَ عائشةَ أمِّ المؤمنين في الحُجْرَةِ، فقال عروةُ: يا أمَّه، أو يا أمَّ
المؤمنين، ألا تسمعينَ ما يقولُ أبو عبد الرحمن؟ قالت: ما يقولُ؟ قال: يقول:
إِنَّ رسولَ الله ◌َ ◌ّهَ اعتمر أربَع عُمَرٍ، إحداهن في رجب. قالت: يرحَمُ اللَّهُ أبا
عبد الرحمن، ما اعتمر عمرةً قطُّ إلا وهو شاهِدٌ، وما اعتمر في رجب قط(١).
وكذلك قال أنس، وابنُ عباس: إن عُمَرَه كُلَّها كانت في ذي القعدة، وهذا هو
الصواب.
فصل
وأما مَنْ قال: اعتمر في شؤَّال، فعذرُه ما رواه مالك في ((الموطأ))، عن
عذر من قال: اعتمر ◌َلِ#
في شوال
(١) تقدم تخريجه ص٨٨.
١١٨

هشام بنِ عُروة، عن أبيه، أن رسولَ الله ◌َّةِ، لم يعتمر إلا ثلاثاً، إحداهُنَّ في
شوَّال، واثنتين في ذي القعدة (١). ولكن هذا الحديث مرسل، وهو غلط أيضاً،
إما مِن هشام، وإما مِن عُروة أصابه فيه ما أصاب ابن عمر. وقد رواه أبو داود
مرفوعاً عن عائشة، وهو غلط أيضاً لا يَصِحُّ رفعُه. قال ابنُ عبد البر: وليس روايته
مسنداً مما يُذكر عن مالك في صحة النقل. قلت: ويدلُّ على بطلانه عن عائشة:
أن عائشة، وابن عباس، وأنسَ بنَ مالك قالوا: لم يعتَمِرْ رسولُ الله ◌ِّ إلا في ذي
القعَدة. وهذا هو الصَّواب، فإن عُمرة الحُدَيْنِيَةِ وعُمرة القَضِيَّة، كانتا في ذي
القَعدة، وعُمرة القِران إنما كانت في ذي القعدة، وعُمرة الجِعْرَانَة أيضاً كانت في
أوَّل ذي القعدة، وإنما وقع الاشتباهُ أنه خرج من مكة في شوال للقاء العدو، وفرغ
من عدوه، وقسم غنائِمَهم، ودخلَ مكة ليلاً معتمِراً من الجعرانة، وخرج منها
ليلاً، فخفيت عُمرتُه هذه على كثير من الناس، وكذلك قال مُحرِّشٌ الكعبيُّ.
والله أعلم.
فصل
وأما من ظن أنه اعتمر مِن التنعيم بعد الحج، فلا أعلم له عُذراً، فإن هذا
خلافُ المعلومِ المستفيض من حجته، ولم ينقلْه أحدٌ قط، ولا قاله إمامٌ، ولعل
ظانَّ هذا سَمِع أنه أفرد الحَّ، ورأى أن كلَّ مَنْ أفرد الحج مِن أهل الآفاق لا بُد له
أن يخرُج بعده إلى التنعيم، فَنَزَّل حجة رسول الله مَيّ على ذلك، وهذا عينُ
الغَلَطِ .
عذر من قال: اعتمر ل#
من التنعيم بعد الحج
(١) أخرجه مالك في ((الموطأ)) ٣٤٢/١ في الحج: باب العمرة في أشهر الحج من
حديث عروة بن الزبير مرسلاً، وقد وصله أبو داود (١٩٩١) من طريق داود بن
عبد الرحمن، وسعيد بن منصور من طريق الدراوردي كلاهما عن هشام بن عروة،
عن أبيه، عن عائشة.
١١٩

فصل
عذر من قال: لم يعتمر #
في حجته
وأما من قال: إنه لم يعتمرْ في حَجته أصلاً، فعذرُه أنه لما سمع أنه أفرد
الحج، وعلم يقيناً أنه لم يَعتمِرْ بعد حجته قال: إنه لم يعتمِرْ في تلك الحجة اكتفاءً
منه بالعُمرة المتقدِّمة، والأحاديثُ المستفيضة الصحيحة ترُدُّ قولَه كما تقدم من
أكثر من عشرين وجهاً، وقد قال: ((هذه عمرةٌ استمتعنا بها)) وقالت حفصة: ما
شأن الناس حلُّوا ولم تَحِلَّ أنت من عُمرتك؟ وقال سراقة بن مالك: تمتَّعَ
رسولُ اللهِّر، وكذلك قال ابن عمر، وعائشة، وعمران بن حصين، وابن
عباس، وصرح أنس، وابن عباس، وعائشة، أنه اعتمر في حجته وهي إحدى
عُمَرِة الأربع.
فصل
عذر من قال: اعتمر رَا:
عمرة حل منها
وأما من قال: إنه اعتمر عُمرة حلَّ منها، كما قاله القاضي أبو يعلى ومَنْ
وافقه، فعذرُهم ما صحَّ عن ابن عمر وعائشة، وعمران بن حصين وغيرهم أنه ◌ِّن
تمتَّع، وهذا يحتمِل أنه تمتُّعٌ حَلَّ منه، ويحتمل أنه لم يَحِلَّ، فلما أخبر معاويةُ أنه
قصر عن رأسه بِمِشْقَصٍ على المروة، وحديثه في ((الصحيحين))(١) دلَّ على أنه
حَلَّ من إحرامه، ولا يُمكنُ أن يكونَ هذا في غير حَجَّةِ الوداع، لأن معاوية إنما
أسلم بعد الفتح، والنبيُّ بَّه لم يكن زمن الفتح مُحرِماً، ولا يُمكن أن يكون في
عمرة الجِعْرانةِ لوجهين، أحدهما: أن في بعض ألفاظ الحديثِ الصحيح ((وذلك
في حجته)).
والثاني: أن في رواية النسائي بإسناد صحيح ((وذلك في أيام العشر))(٢)
وهذا إنما كان في حجته، وحمل هؤلاء رواية من روى أن المتعة كانت له خاصة،
(١) أخرجه البخاري ٣/ ٤٥٠، ٤٥٢، ومسلم (١٢٤٦) وأحمد ٤ / ٩٧ و٩٨.
(٢) أخرجه النسائي ١٥٣/٥، ١٥٤، ٢٤٥ في الحج: باب كيف يقصر.
١٢٠