Indexed OCR Text
Pages 81-100
وأما الحديثُ الذي رواه ابن ماجه، والترمذيُّ، والبيهقيُّ عن عائشة رضي الله عنها ترفعُه، ((مَنْ نَزَلَ عَلَى قَوْمٍ، فَلاَ يَصُومَنَّ تَطَوُّعاً إلاَّ بَإِذْنِهِمْ)(١)، فقال الترمذي: هذا الحديث منكر، لا نعرف أحداً من الثقات روى هذا الحديثَ عن هشام بن عروة. فصل كراهية تخصيص يوم الجمعة بالصوم ، من هديه ◌َّ﴾، كراهةُ تخصيصِ يومِ الجُمُعَةِ بالصَّومِ فِعلاً منه وقولاً. فصح النهيُ عن إفراده بالصَّوم، من حديث جابر بن عبد الله(٢)، وأبي هريرة، وجُويرية بنت الحارث، وعبد الله بن عمرو، وجُنادة الأزدي وغيرهم. وشرب يومَ الجمعة وهو على المنبر، يُريهم أنه لا يصومُ يومَ الجمعة، ذكره الإمام أحمد، وعلل المنع من صومه بأنه يومُ عيد، فروى الإمام أحمد، من حديث أبي هريرة، قال: قال رسول الله ◌َّ: ((يَوْمُ الجُمُعَةِ يَوْمُ عِيدٍ، فَلاَ تَجْعَلُوا يَوْمَ عِيدِكُمْ يَوْمَ صِيامِكُمْ إِلاَّ أَنْ تَصُومُوا قَبْلَه أَوْ بَعْدَه)(٣) . فإن قيل: فيومُ العيد لا يُصام مع ما قبله ولا بعده. قيل: لما كان يومُ الجمعة مشبَّهاً بالعيد، أخذ من شبهه النهي عن تحرِّي صيامِه، فإذا صامَ ما قبله أو (١) أخرجه الترمذي (٧٨٩) وفي سنده أيوب بن واقد الكوفي وهو متروك، وأخرجه ابن ماجه (١٧٦٣) وفي سنده أبو بكر المدني وهو ضعيف أيضا. (٢) حديث جابر أخرجه البخاري ٢٠٢/٤، ٢٠٣ ومسلم (١١٤٣) وحديث أبي هريرة أخرجه البخاري ٢٠٣/٤، ومسلم (١١٤٤) وأبو داود (٢٤٢٠) والترمذي (٧٤٣)، وحديث جويرية أخرجه البخاري ٢٠٣/٤، وأبو داود (٢٤٢٢) وحديث عبد الله بن عمرو أخرجه ابن خزيمة (٢١٦٤) وابن حبان (٩٥٧) وحديث جنادة أخرجه أحمد والنسائي. (٣) أخرجه أحمد ٢٠٣/٢ و٥٣٢، وابن خزيمة (٢١٦١) والحاكم ٤٣٧/١ من حديث عامر بن لدين الأشعري، عن أبي هريرة وفي سنده أبو بشر الشامي وهو مجهول، وأورده الهيثمي في ((المجمع)) ١٩٩/٣ من حديث عامر بن لدين الأشعري، ونسبه إلى البزار، وقال: إسناده حسن. ٨١ ما بعده، لم يكُنْ قد تحرَّاه، وكان حكمه حكم صوم الشهر، أو العشر منه، أو صوم يومٍ، وفطر يوم، أو صوم يوم عرفة وعاشوراء إذا وافق يومَ جمعة، فإنه لا یکره صومُه في شيء من ذلك. فإن قيل: فما تصنعون بحديث عبد الله بن مسعود؟ قال: ما رأيت رسول الله ◌َلٌ يُقْطِرِ فِي يَوْمِ الجُمُعَةِ، رواه أهل السنن (١). قيل: نقبله إن كان صحيحاً، ويتعيَّن حملُه على صومه مع ما قبله أو بعده، ونردُّه إن لم يصح، فإنه من الغرائب. قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب. فصل في هديه قدّ في الاعتكاف مقصود الاعتكاف عكوف القلب على الله لما كان صلاحُ القلبِ واستقامتُه على طريق سيره إلى الله تعالى، متوقّقاً على جمعيّه على الله، ولمّ شَعثه بإقباله بالكليّة على الله تعالى، فإن شَعَثَ القلب لا يَلُّه إلا الإقبالُ على الله تعالى، وكان فُضولُ الطعام والشراب، وفُصولُ مخالطة الأنام، وفضول الكلام، وفضول المنام، مما يزيدُه شَعَئاً، ومُثَُّهُ في كُلِّ وادٍ، ويقطعه عن سيره إلى الله تعالى، أو يُصْعِفُه، أو يعوقه ويُوقِفه: اقتضت رحمة العزيز الرحيم بعباده أن شرع لهم من الصوم ما يُذهِبُ فضولَ الطعام والشراب، ويستفرحُ مِن القلب أخلاطَ الشهواتِ المعوقة له عن سيره إلى الله تعالى، وشرعه بقدر المصلحة، بحيث ينتفعُ به العيد في دنياه وأخراه، ولا يضرُّه ولا يقطعُه عن مصالحه العاجلة والآجلة، وشرع لهم الاعتكاف الذي مقصودُه وروحُه عكوفُ القلبِ على الله تعالى، وجمعيُّه عليه، والخلوةُ به، والانقطاعُ عن الاشتغال بالخلق والاشتغال به وحده سبحانه، بحيث يصير ذكره وحبه، والإقبالُ (١) أخرجه الترمذي (٧٤٢) في الصوم: باب ما جاء في صوم يوم الجمعة، وسنده حسن. ٨٢ عليه في محل هموم القلب وخطراته، فيستولي عليه بدلَها، ويصير الهمُّ كُلُّه به، والخطراتُ كلُّها بذكره، والتفكرُ في تحصيل مراضيه وما يقرب منه، فيصيرُ أُنْسه بالله بدلاً عن أُنسه بالخلق، فيعده بذلك لأنسه به يوم الوَحشة في القبور حين لا أنيس له، ولا ما يفرحُ به سواه، فهذا مقصود الاعتكاف الأعظم. ولما كان هذا المقصود إنما يتمُّ مع الصوم، شرع الاعتكاف في أفضل أيام ترجيح المصنف أن الصوم شرط للاعتكاف الصوم، وهو العشر الأخير من رمضان، ولم يُنقل عن النبي ◌َّ، أنه اعتكف مفطراً قَطُّ، بل قد قالت عائشة: لا اعتكاف إلا بصوم (١). ولم يذكر اللَّهُ سبحانه الاعتكافَ إلا مع الصوم، ولا فعله رسولُ اللهِ يَّ إلا مع الصوم. فالقول الراجح في الدليل الذي عليه جمهورُ السلف: أن الصومَ شرطٌ في الاعتكاف، وهو الذي كان يُرجِّحه شيخُ الإِسلام أبو العباس بن تيمية. وأما الكلامُ، فإنه شُرِعَ للأمة حبسُ اللسان عن كل ما لا ينفع في الآخرة. وأما فُضول المنام، فإنه شُرِعَ لهم من قيام الليل ما هو من أفضل السهر وأحمدِه عاقبةً، وهو السهر المتوسّطُ الذي ينفع القلبَ والبدن، ولا يَعُوقُ عن مصلحة العبد، ومدارُ رياضة أربابِ الرياضات والسلوكِ على هذه الأركان (١) أخرجه عبد الرزاق (٨٠٣٧) بلفظ ((من اعتكف، فعليه الصوم)) من حديث الثوري، عن حبيب بن أبي ثابت، عن عطاء، عن عائشة، وأخرج أبو داود (٢٤٧٣) في الصوم: باب المعتكف يعود مريضاً، والبيهقي ٣١٥/٤، والدارقطني ص ٢٤٧ أنها قالت: السنة على المعتكف ألا يعود مريضاً، ولا يشهد جنازة، ولا يمس امرأة، ولا يباشرها ولا يخرج لحاجة إلا لما لا بد منه، ولا اعتكاف إلا بصوم، ولا اعتكاف إلا في مسجد جامع)) وسنده قوي وياشتراط الاعتكاف في الصوم قال ابن عمر وابن عباس، أخرجه عبد الرزاق في ((المصنف)) (٨٠٣٣) عنهما ورجاله ثقات وبه قال مالك والأوزاعي والحنفية، واختلف عن أحمد وإسحاق، وانظر ((تهذيب السنن) ٣٤٤/٣، ٣٤٩ للمؤلف. ٨٣ الأربعة، وأسعدُهم بها مَنْ سلك فيها المِنهاجَ النبويَّ المحمديَّ، ولم ينحرِفْ في صيامه انحراف الغالين، ولا قصّر تقصير المفرِّطين، وقد ذكرنا هديه وقيامه وكلامه، فلنذکر هديه في اعتكافه. كان ◌َّه يعتكف العشر الأواخر من رمضان، حتى توفاه الله عز وجل، وتركه مرة، فقضاه في شوال (٢) . واعتكف مرة في العشر الأول، ثم الأوسط، ثم العشر الأخير، يلتمس ليلة القدر، ثم تبيَّن له أنها في العشر الأخير ، فداوم على اعتكافه حتى لحق بربه عز وجل. وکان یأمر بخباءٍ فيُضرب له في المسجد يخلو فيه بربه عز وجلّ . وكان إذا أراد الاعتكاف، صلَّى الفجر، ثم دخله، فأمر به مرة، فَضُرِب فأمر أزواجه بأخبيتِهِنَّ، فضُرِبت، فلما صلَّى الفجر، نظر، فرأى تلك الأخبية، فأمر بخبائه فَقُوِّضَ، وترك الاعتكاف في شهر رمضان حتى اعتكف في العشر الأول من شوال(٤). وكان يعتكِفُ كل سنة عشرة أيام، فلما كان في العام الذي قبض فيه اعتكف عشرين يوماً، وكان يعارضه جبريل بالقرآن كل سنةٍ مرة، فلما كان ذلك العام (١) أخرجه البخاري ٢٣٥/٤، ٢٣٦، في الاعتكاف: باب الاعتكاف في العشر الأواخر من رمضان، ومسلم (١١٧٢) في الاعتكاف: باب اعتكاف العشر الأواخر من رمضان من حديث عائشة رضي الله عنها. (٢) أخرجه البخاري ٢٤٤/٤، ٢٤٥ في الاعتكاف: باب الاعتكاف في شوال، ومسلم (١١٧٣) من حديث عائشة أيضاً. (٣) أخرجه مسلم (١١٦٧) (٢١٥) في الصيام: باب فضل ليلة القدر والحث على طلبها، وبيان محلها وأرجى أوقاتها من حديث أبي سعيد الخدري. (٤) أخرجه البخاري ٢٣٨/٤، ٢٣٩ في الاعتكاف: باب اعتكاف النساء، ومسلم (١١٧٣) (٦) في الاعتكاف: باب متى يدخل من أراد الاعتكاف في معتكفه. ٨٤ عارضَه به مرَّتين، وكان يَعْرِضُ عليه القرآن أيضاً في كل سنة مرة فعرض عليه تلك (١) السنة مَرَّتين (١). وكان إذا اعتكف، دخل قُبَته وحدَه، وكان لا يدخل بيته في حال اعتكافه إلا لحاجة الإِنسان، وكان يُخْرِجُ رأسه من المسجد إلى بيت عائشة، فترجِّله، وتغسله وهو في المسجد وهي حائض(٢)، وكانَتْ بعضُ أزواجه تزورُه وهو معتِكِفٌ. فإذا قامت تذهبُ، قامَ معها يَقْلِبُها، وكان ذلك ليلاً(٣)، ولم يُباشر امرأة مِن نسائه وهو معتکف لا بِقُبلةٍ ولا غيرها، وكان إذا اعتكف طُرِحَ له فراشُه، ووضِع له سريرُه في معتكفه، وكان إذا خرج لحاجته، مرَّ بالمريض وهو على طريقه، فلا يُعرِّجُ عليه ولا يَسْألْ عنه(٤). واعتكف مرة في قبة تُركية، وجعل على سدتها حصيراً(3)، كلّ (١) أخرجه البخاري ٤٢/٩ في فضائل القرآن: باب كان جبريل يعرض القرآن على النبي ◌َليّة، و٢٤٥/٤ في الاعتكاف: باب الاعتكاف في العشر الأوسط من رمضان، والدارمي ٢٧/٢، وأحمد ٣٣٦/٢ و٣٥٥، وابن ماجه (١٧٦٩) من حديث أبي هريرة . (٢) أخرجه مالك ٣١٢/١، والبخاري ٢٣٦/٤، ومسلم (٢٩٧) في الحيض: باب جواز غسل الحائض رأس زوجها. (٣) أخرجه البخاري ٢٤٠/٤، ٢٤٢ في الاعتكاف: باب هل يخرج المعتكف لحوائجه إلى باب المسجد، وباب زيارة المرأة زوجها في اعتكافه، ومسلم (٢١٧٥) في السلام: باب بيان أنه يستحب لمن رئي خاليا بامرأة أن يقول: هذه فلانة من حديث صفية قالت: كان النبي ◌َّر معتكفاً فأتيته أزوره ليلاً، فحدثته، ثم قمت لأنقلِبَ، فقام معي ليقلبَني، وكان مسكنها في دار أسامة بن زيد، فمر رجلان من الأنصار، ((على رسلكما، إنها صفية بنت حيي)) فلما رأيا النبي ◌َّ، أسرعا، فقال النبي فقالا: سبحان الله يا رسول الله! قال: ((إن الشيطان يجري من الإنسان مجرى الدم، وإني خشيت أن يقذف في قلوبكما شراً» أو قال: ((شيئاً». (٤) أخرجه أبو داود (٢٤٧٢) في الصوم: باب المعتكف يعود المريض من حديث عائشة، وفي سنده ليث بن أبي سليم وهو ضعيف. (٥) أخرجه مسلم (١١٦٧) (٢١٥) من حديث أبي سعيد. وقوله: ((قبة تركية)) أي: قبة صغيرة من لبود. ٨٥ هذا تحصيلاً لمقصود الاعتكاف وروحه، عكسَ ما يفعلُه الجهالُ من اتخاذ المعتكف موضِعَ عشرة، ومجلية للزائرين، وأخذهم بأطراف الأحاديث بينهم، فهذا لون، والاعتكاف النبوي لون. والله الموفق. فصل في هدیه ێ﴾ في حجه وعمره العمرات التى اعتمرها الخ وأنها كانت في ذي القعدة اعتمر بَّه بعدَ الهِجرة أَرْبَعَ عُمَرٍ، كُلُهُنَّ في ذي القعْدة. الأولى: عُمرةٌ الحُذْبِيَّة، وهي أولاُهُن سنةَ سِت، فصدَّه المشركون عن البيت، فنحرَ البُّدْنَ حيثُ صُدَّ بالحُديبيةِ، وحَلَق هو وأصحابُه رؤوسهم، وحلُوا من إحرامهم، ورجع مِن عامِه إلى المدينة (١). الثانية: عُمْرَةُ القَضِيَّةِ في العام المقبل، دخل مكة فأقام بها ثلاثاً، ثمَّ خَرجَ بعد إكمال عُمرِه، واختُلِف: هل كانت قضاءً للعُمرة التي صُدَّ عنها في العام الماضي، أم عُمرةً مستأنَقة؟ على قولين للعلماء، وهما روايتان عن الإِمام أحمد: إحداهما: أنها قضاء، وهو مذهب أبي حنيفة رحمه الله. والثانية: ليست بقضاء، وهو قول مالك رحمه الله، والذين قالوا: كانت قضاءً، احتجوا بأنها سميت عمرة القضاء، وهذا الاسم تابع للحكم. وقال آخرون: القضاء هنا، من المقاضاة، لأنه قاضى أهل مكة عليها، لا أنه مِنْ قَضَى قَضَاءٌ. قالوا: ولهذا سقِّيت عُمرةَ القضيَّة. قالوا: والذين صُدُّوا عن البيت، كانوا ألفاً وأربعمائة، وهؤلاء كلُّهم لم يكونوا معه في عُمرة القضية، ولو كانت قضاءً، لم يتخلّف منهم أحد، وهذا القولُ أصح، لأن رسول الله بَليٍّ لم يأمُرْ من كان معه بالقضاء(٢). (١) أخرجه البخاري ٣٨٥/٧ من حديث البراء و ٣٩١ من حديث ابن عمر. (٢) وقال السهيلي: سميت عمرة القضاء، لأنه قاضى فيها قريشا، لا لأنها قضاء عن العمرة التي صد عنها، لأنها لم تكن فسدت حتى يجب قضاؤها، بل كانت عمرة، ولهذا عدوا عُمَرَ التِي تََّ أربعا، ومما يرجح هذا القول تسميتها قصاصاً قال اله تعالى: ﴿الشهر الحرام بالشهر الحرام، والحرمات قصاص﴾ فقد نزلت هذه الآية= ٨٦ الثالثة: عمرتُه التي قرنها مع حجته، فإنه كان قارناً لبضعة عشر دليلاً، ستذكرها عن قريب إن شاء الله. الرابعة: عُمرتُه من الجِعْرَانَةِ، لما خرج إلى حُنين، ثم رجع إلى مكة، فاعتمر مِن الجِعْرانَةِ داخلاً إليها(١) . ففي (الصحيحين)): عن أنس بن مالك قال: اعتمرَ رسولُ الله ◌َلُ: أَرْبَعَ عُمَرٍ، كُلُّهُنَّ فِي ذي القعْدة، إلا التي كانَتْ مَعَ حَجَّتِهِ: عُمْرَةٌ مِنَ الحُدَيْةِ أَوْ زَمَنَ الحُدَيْبِيةِ في ذي القعْدةِ، وَعُمْرَةٌ مِنَ العَامِ المُقْبِل في ذي القِعْدَةِ، وعُمْرَةٌ مِنَ الجِعْرانَةِ حَيْثُ قَسَمَ غَنَائِمِ حُنَيْنِ في ذي القعْدةِ، وَعُمْرَةٌ مَعَ حََّتِهِ(٢) . ولم يُناقِض هذا ما في ((الصحيحين)) عن البراء بن عازب قال: اعتمر رسولُ الله ◌ٍَّ في ذي القعْدَةِ قبل أن يحجَّ مرتين(٣)، لأنه أراد العمرة المفردَة المستقلة، ولا ريب أنهما اثنتان، فإن عمرة القِران لم تكن مستقِلَّةً، وعُمرَة الحديبية صُدَّ عنها، وحيل بينه فيها، كما رواه ابن جرير وعبد بن حميد بإسناد صحيح عن مجاهد، وبه جزم سليمان التيمي في ((مغازيه)). (١) أخرجه الترمذي (٩٣٥) في الحج: باب ما جاء في عمرة الجعرانة، وأبو داود (١٩٩٦) في المناسك: باب المهلَّة بالعمرة تحيض فيدركها الحج، والنسائي ١٩٩/٥، ٢٠٠ في الحج: بلب دخول مكة ليلاً من حديث محرش الكعبي رضي الله عنه وفي سنده سعيد بن مزاحم وثقه ابن حبان، وباقي رجاله ثقات، وحسن الترمذي حديثه هذا. (٢) أخرجه البخاري ٤٧٨/٣ في الحج: باب كم اعتمر التي يَّدٍ، وفي الجهاد: باب من قسم الغنيمة في غزوه وسفره، وفي المغازي: باب غزوة الحديبية، ومسلم (١٢٥٣) في الحج: باب بيان عدد عمر النبي اَلل وزمانهن، والترمذي (٨١٥) وأبو داود (١٩٩٤). (٣) أخرجه البخاري ٤٧٩/٣ في العمرة: باب كم اعتمر التي له، وباب ليس السلاح للمحرم، وفي الصلح: بالب كيف يكتب هذا ما صالح فلان ابن فلان، وفي الجهاد: باب المصالحة على ثلاثة أيام ... وفي المغازي: باب عمرة القضاء. ولم نجده في مسلم. ٨٧ وبين إتمامها، ولذلك قال ابنُ عباس: اعتمر رسولُ الله ◌َلاَ أَرْبَعَ عُمَرٍ. عُمْرَةَ الخديْبية، وعمرة القضاءِ مِنْ قابل، والثالثة من الجِعْرانَةِ، والرابعة مع حَجته (١)، ذكره الإمام أحمد. ولا تناقض بن حديث أنس: أنهن في ذي القعدة، إلا التي مع حجَّته، وبينَ قول عائشة، وابن عباس: لم يعتمِر رسول الله﴾. إلا في ذي القعدة، لأن مبدأ عُمرة القِران، كان في ذي القعدة، ونهايتُها كان في ذي الحجة مع انقضاء الحج، فعائشة وابن عباس أخبرا عن ابتدائها، وأنس أخبر عن انقضائها . فأما قول عبد الله بن عمر: إن النبي اعتمر أربعاً، إحداهن في رجب، فوهم منه رضي الله عنه. قالت عائشة لما بلغها ذلك عنه: يرحم الله أبا عبد الرحمن، ما اعتمر رسول الله ﴾ عُمرةً قطُّ إلا وهو شاهد، وما اعتمر في رجب قط(٢). وأما ما رواه الدارقطني، عن عائشة قالت: خرجتُ مع رسول الله صَلّ في عُمرة في رمضان فأفطَر وصُمتُ، وقصَر وأتممتُ، فقلتُ: بأبي وأمي، أفطرتَ وصمتُ، وقَصَرْتَ وأتممتُ، فقال: أَحْسَنْتِ يا عَائِشَةُ(٣). فهذا الحديث غلط، (١) أخرجه أحمد في ((المسند)) (٢٢١١)، والترمذي (٨١٦) في الحج: باب ما جاء كم اعتمر النبي ◌َّل، وابن ماجه (٣٠٠٣) في المناسك: باب كم اعتمر النبي ◌َّةٍ، وأبو داود (١٩٩٣) في الحج: باب العمرة، وسنده صحيح. (٢) أخرجه البخاري ٤٧٨/٣، ومسلم (١٢٥٥) والترمذي (٩٣٦) وزاد مسلم: وابن عمر يسمع، فما قال: لا، ولا نعم. وقولها: ((وهو شاهد)) أي: حاضر معه، وقالت ذلك مبالغة في نسبته إلى النسيان، وقال النووي رحمه الله: سكوت ابن عمر على إنكار عائشة يدل على أنه كان اشتبه عليه، أو نسي أو شك، وقال القرطبي: عدم إنكاره على عائشة يدل على أنه كان على وهم، وأنه رجع لقولها. (٣) رواه الدارقطني ١٨٨/٢ من طريق العلاء بن زهير، عن عبد الرحمن بن الأسود، عن أبيه، عن عائشة، وقد تعقب المؤلف الحافظ ابن حجر في ((الفتح)) ٤٨٠/٣ بأنه يمكن حمله على أن قولها: ((في رمضان)) متعلق بقولها: خرجت، ويكون المراد = ٨٨ فإن رسول الله بَّ لم يعتمِرْ في رمضان قطُّ، وعُمَرُهِ مضبوطةُ العددِ والزمان، ونحن نقول: يرحَمُ الله أمَّ المؤمنين، ما اعتمر رسولُ الله ◌َّ في رمضانَ قطُّ، وقد قالت عائشةُ رضي الله عنها: لم يعتمِرْ سول الله 5# إلا في ذي القعدة (١)، رواه ابن ماجه وغيره. ولا خلاف أن عُمَرَهُ لم تزد على أربع، فلو كان قد اعتمر في رجب، لكانت خمساً، ولو كان قد اعتمر في رمضان، لكانت ستاً، إلا أن يُقال: بعضُهن في رجب، وبعضهن في رمضان، وبعضُهن في ذي القعدة، وهذا لم يقع، وإنما الواقع، اعتمارُه في ذي القعدة كما قال أنس رضي الله عنه، وابن عباس رضي الله عنه، وعائشة رضي الله عنها. وقد روى أبو داود في ((سننه)) عن عائشة، أن النبي ◌َّ اعتمر في شؤَّال(٢). وهذا إذا كان محفوظاً، فلعلَّه في عمرة الجِعْرَانَةِ حين خرج في شوال، ولكن إنما أحرم بها في ذي القعدة. فصل ولم يكن في عُمَرِهِ عُمْرَةٌ واحدة خارجاً من مكة كما يفعلُ كثيرٌ من الناس اليوم، وإنما كانت عُمَرُهُ كُلُّها داخلاً إلى مكة، وقد أقام بعد الوحي بمكة ثلاث عشرة سنة لم يُنقل عنه أنه اعتمر خارجاً من مكة في تلك المدة أصلاً . العمرة للداخل إلى مكة فالعمرة التي فعلها رسولُ الله ◌ِ وشرعها، هي عمرةُ الداخل إلى مكة، لا عمرةُ من كان بها فيخرُج إلى الحل لِيعتمرَ، ولم يفعل هذا على عهده أحد قطُّ إلا عائشة وحدها بين سائر من كان معه، لأنها كانت قد أهلَّت بالعُمرة فحاضت، سفر فتح مكة، فإنه كان في رمضان، واعتمر النبي ◌ُّ في تلك السنة من الجعرانة، := لكن في ذي القعدة، وقد رواه الدارقطني بإسناد اخر إلى العلاء بن زهير، فلم يقل في الإسناد عن أبيه، ولا قال فيه: في رمضان. (١) أخرجه ابن ماجه (٢٩٩٧) ورجاله ثقات. (٢) أخرجه أبو داود (١٩٩١) في المناسك: باب العمرة، وإسناده صحيح. ٨٩ فَأَمرها، فأدخلت الحجَّ على العمرة، وصارت قارنة، وأخبرها أنَّ طوافها بالبيت وبين الصفا والمروة قد وقع عن حجتها وعمرتها، فوجدت في نفسها أن يَرجعَ صواحباتها بحج وعمرة مستقلين، فإنهنَّ كنَّ متمتعات ولم يحضن ولم يقرِنَّ، وترجعُ هي بعمرة في ضمن حجتها، فأمر أخاها أن يُعمِرَها من التنعيم تطيباً لقلبها، ولم يعتمِرْ هو من التنعيم في تلك الحجة ولا أحد ممن كان معه، وسيأتي مزيد تقرير لهذا وبسط له عن قريب إن شاء الله تعالى. فصل کانت عمره في أشهر الحج دخل رسول الله بَّ مكة بعد الهجرة خمسَ مرات سوى المرة الأولى، فإنه وصل إلى الحُديبية، وصُدَّ عن الدخول إليها، أحرم في أربع مِنهنَّ مِن الميقات لا قبله، فأحرم عامَ الحُديبية من ذي الحُليفة، ثم دخلها المرة الثانية، فقضى عمرته، وأقام بها ثلاثاً، ثم خرج، ثم دخلها في المرة الثالثة عام الفتح في رمضان بغير إحرام، ثم خرج منها إلى حُنين، ثم دخلها بعمرة من الجعرانة ودخلها في هذه العمرة ليلاً، وخرج ليلاً، فلم يخرج من مكة إلى الجعرانة ليعتمِر كما يفعلُ أهلُ مكة اليوم، وإنما أحرم منها في حال دخوله إلى مكة، ولما قضى عمرته ليلاً، رجع من فوره إلى الجعرانة، فبات بها، فلما أصبح وزالت الشمسُ، خرج من بطنِ سَرِفَ حتى جامعَ الطريق [طريق جَمْعٍ بِيَطْنِ سَرِف]، ولهذا خفيت هذه العمرة على كثير من الناس (١). والمقصود، أن عُمَرَهُ كلَّها كانت في أشهر الحج، مخالفةً لهدي المشركين، فإنهم كانوا يكرهون العُمرة في أشهر الحج، ويقولون: هي من أفجر الفجُور، وهذا دليل على أن الاعتمار في أشهر الحج أفضلُ منه في رجب بلاشك. وأما المفاضلةُ بينه وبين الاعتمار في رمضان، فموضع نظر، فقد صح عنه الاعتمار في أشهر الحج أفضل من الاعتمار في رمضان (١) أخرجه الترمذي (٩٣٥) من حديث محرش الكعبي وقد تقدم قريباً. 9 أنه أمر أم مَعقِلٍ لما فاتها الحجُ معه، أن تعتمِرَ في رمضان، وأخبرها أَنَّ عُمْرَةً في رَمَضَان تَعْدِلُ حَجَّة (١). وأيضاً: فقد اجتمع في عمرة رمضان أفضلُ الزمان، وأفضلُ البقاع، ولكنَّ اللّه لم يكن لِيختار لنبيه ◌َّةٍ فِي عُمَرِهِ إلَّ أولى الأوقات وأحقَّها بها، فكانت العمرةُ في أشهر الحج نظيرَ وقوع الحج في أشهره، وهذه الأشهر قد خصَّها الله تعالى بهذه العبادة، وجعلها وقتاً لها، والعمرةُ حجّ أصغر، فأولى الأزمنة بها أشهرُ الحج، وذو القعدة أوسطُها، وهذا مما نستخير الله فيه، فمن كان عنده فضلُ علم، فلیرشد إليه. وقد يُقال: إن رسول الله ◌َيٍ كان يشتغل في رمضان مِن العبادات بما هو أهُّ مِن العُمرة، ولم يكن يُمكنه الجمعُ بين تلك العبادات وبينَ العُمرة، فأخَّر (١) أخرجه أبو داود (١٩٨٨) و(١٩٨٩) في المناسك: باب العمرة، والترمذي (٩٣٩) في الحج: باب ما جاء في عمرة رمضان، وابن ماجه (٢٩٩٣) في المناسك: باب العمرة في رمضان، والدارمي ٥١/٢. وسنده حسن وأخرجه البخاري ٤٨٠/٣، ٤٨١، ومسلم (١٢٥٦) من حديث عطاء عن ابن عباس أن رسول اله خاليةٍ قال لامرأة من الأنصار سماها ابن عباس فنسيت اسمها، (وفي رواية لمسلم يقال لها: أم ستان): ما منعك أن تحجي معنا؟ قالت: كان لنا ناضح فركبه أبو فلان وابته لزوجها وابتها، وترك ناضحا تتضح عليه، قال: ((فإذا كان رمضان اعتمري فيه، فإن عمرة في رمضان تعدل حجة)) أو نحواً مما قال وفي رواية لمسلم ((فعمرة في رمضان تقضي حجة أو حجة معي)) وفي الباب عن جابر أخرجه البخاري ٦٧/٤ تعليقا، ووصله أحمد ٣٥٣/٣ و٣٦١ و٣٩٧، وابن ماجه (٢٩٩٥) ورجاله ثقات، وعن وهب بن ختيش عند أحمد ١٧٧/٤، وابن ماجه (٢٩٩١) وعن الزبير عند الطبراني في «الكبير» ورجاله ثقات، وعن علي عند البزار وفي سنده مجهول، وعن أنس عند الطبراني في «الكبير)) وفيه هلال مولى أنس وهو ضعيف. ومعنى الحديث: أن العمرة في رمضان تعدل الحجة في الثواب، لا أنها تقوم مقامها في إسقاط الفرض للإجماع على أن الاعتمار لا يجزىء عن حج الفرض، وفي الحديث: أن ثواب العمل يزيد بزيادة شرف الوقت، كما يزيد بحضور القلب وخلوص التية. ٩١ العُمرة إلى أشهر الحج، ووفَّر نفسه على تلك العبادات في رمضان مع ما في ترك ذلك من الرحمة بأمته والرأفة بهم، فإنه لو اعتمَر في رمضان، لبادرت الأمة إلى ذلك، وكان يشُقُّ عليها الجمعُ بين العمرةِ والصوم، ورُبما لا تسمح أكثرُ النفوس بالفطر في هذه العبادة حرصاً على تحصيل العمرة وصوم رمضان، فتحصُل المشقةُ، فأخرها إلى أشهر الحج، وقد كان يترُك كثيراً من العمل وهو يُحب أن يعمله، خشية المشقة عليهم. كان ز يترك العمل خشية المشقة على أمته ولما دخل البيت، خرج منه حزيناً، فقالت له عائشة في ذلك؟ فقال: ((إنَّي أَخَافُ أَنْ أَكُونَ قَدْ شَقَقْتُ على أُمَّتي)) (١). وهمَّ أن ينزل يستسقي مع سُقاة زمزم للحاج، فخاف أن يُغْلَبَ أَهلُها على سِقايتهم بعده (٢). والله أعلم. فصل ولم يُحفظ عنه ◌َلِّ، أنه اعتمر في السنة إلا مرَّة واحدة، ولم يعتمِرْ في سنة مرتين، وقد ظن بعضُ الناس أنه اعتمَرَ في سنة مرتين، واحتج بما رواه أبو داود في ((سننه)) عن عائشة، أن رسولَ اللهِ صَلَّ، اعتمَرَ عُمْرَتَين، عمرة في ذي القعدة، وعمرة في شوال (٣). قالوا: وليس المرادُ بها ذكرَ مجموع ما اعتمر، فإن أنساً، لم يعتمر * في السنة إلا مرة واختلاف الناس في تكرارها (١) أخرجه أبو داود (٢٠٢٩) والترمذي (٨٧٣) وابن ماجه (٣٠٦٤) من حديث عائشة أن النبي ﴾ خرج من عندي وهو مسرور، ثم رجع إلي وهو كئيب، فقال: ((إني دخلت الكعبة، لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما دخلتها، إني أخاف أن أكون قد شققت على أمتي)) وفي سنده إسماعيل بن عبد الملك بن أبي الصفير وهو ضعيف، وباقي رجاله ثقات، ومع ذلك فقال الترمذي: حديث حسن صحيح. (٢) أخرجه مسلم (١٢١٨) من حديث جابر بن عبد الله الطويل الذي وصف فيه حجة النبي صَ، وفيه ((فأتى بني عبد المطلب يسقون على زمزم، فقال: انزعوا بني عبد المطلب، فلولا أن يغلبكم الناس على سقايتكم لنزعت معكم)) فناولوه دلواً فشرب منه . (٣) رواه أبو داود (١٩٩١) وقد تقدم ص٨٩. ٩٢ وعائشة، وابن عباس، وغيرهم قد قالوا: إنه اعتمر أربَعَ عُمَرٍ، فعُلِمَ أن مُرادَها به أنه اعتمر في سنة مرتين، مرة في ذي القعدة، ومرة في شوال، وهذا الحديث وهم، وإن كان محفوظاً عنها، فإن هذا لم يقع قطُّ، فإنه اعتمرَ أربع عُمَرٍ بلا ريب: العمرة الأولى كانت في ذي القَعدة عُمرة الحديبية، ثم لم يعتمِرْ إلى العام القابل، فاعتمر عُمرة القضية في ذي القَعدة، ثم رجع إلى المدينة ولم يخرُج إلى مكة حتى فتحها سنةَ ثمان في رمضان، ولم يعتمِرْ ذلك العام، ثم خرج إلى حُنين في ست من شوال وهزَم الله أعداءه، فرجع إلى مكة، وأحرم بعُمرة، وكان ذلك في ذي القعدة كما قال أنس، وابنُ عباس: فمتى اعتمر في شوال؟ ولكن لقي العدوَّ في شوال، وخرج فيه من مكة، وقضى عمرته لما فرغ من أمر العدوٍّ في ذي القَعدة ليلاً، ولم يَجْمَعْ ذلك العامَ بين عُمرتين، ولا قبله ولا بعده، ومَنْ له عِناية بأيامه ◌َ﴾ وسيرته وأحواله، لا يشكُّ ولا يرتابُ في ذلك. فإن قيل: فبأي شيء يستحِبُّون العُمرة في السنة مِراراً إذا لم يُثبتوا ذلك عن النبي ◌ٍَّ؟ قيل: قد اختُلِفَ في هذه المسألة، فقال مالك: أكره أن يعتمِرَ في السنة أكثر من عُمرة واحدة، وخالفه مُطرِّف من أصحابه وابنُ المؤَّاز، قال مطرِّف: لا بأس بالعُمرة في السنة مراراً، وقال ابن المؤَّاز: أرجو أن لا يكون به بأس، وقد اعتمرت عائشةُ مرَّتين في شهر، ولا أرى أن يُمنع أحدٌ من التقرب إلى الله بشيء من الطاعات، ولا من الازدياد من الخير في موضع، ولم يأت بالمنع منه نص، وهذا قول الجمهور، إلا أن أبا حنيفة رحمه الله تعالى، استثنى خمسة أيام لا يُعتمر فيها: يوم عرفة، ويومَ النحر، وأيام التشريق. واستثنى أبو يوسف رحمه الله تعالى: يومَ النحر، وأيامَ التشريق خاصة، واستثنت الشافعية: البائتَ بِمنى لرمي أيام التشريق. واعتمرت عائشة في سنة مرتين. فقيل للقاسم: لم ينكر عليها أحد؟ فقال: أَعَلى أُمِّ المؤمنين؟! وكان أنس إذا حَمَّمَ رأْسُه (١)، (١) أي: أسود بعد الحلق بنبات شعره قال ابن الأثير: والمعنى أنه كان لا يؤخر العمرة إلى المحرم، وإنما كان يخرج إلى الميقات ويعتمر في ذي الحجة، والأثر ذكره = ٩٣ خرج فاعتمر. ويُذكر عن علي رضي الله عنه، أنه كان يعتمر في السنة مِراراً، وقد قال ◌ٍَّ: ((العُمْرَةُ إلى العُمْرَة كَفَّارَةٌ لما بَيْنَهُمَا))(١). ويكفي في هذا، أن النبي ◌َّ، أعمرَ عائشة من التَّنعيم سوى عمرتها التي كانت أهلَّت بها، وذلك في عامٍ واحد، ولا يُقال: عائشة كانت قد رفضت العمرة، فهذه التي أهلَّت بها من التنعيم قضاء عنها، لأن العمرة لا يَصِحُ رفضُها. وقد قال لها النبي ◌ََّ: ((يَسَعُكِ طَواتُك لِحَجِّكِ وَعُمْرَتِك))(٢) وفي لفظ ((حَلَلْتِ مِنْهُمَا جَمِيعاً))(٣). فإن قيل: قد ثبت في ((صحيح البخاري)): أنه ◌َّ قال لها: ارفضي عُمْرَتَك، وانقُضِي رَأْسَكِ وامْتَشِطي))، وفي لفظ آخر: «انْقُضِي رَأْسَكِ وامْتَشِطي))، وفي لفظ: ((أَهِلِّي بِالحَجِّ، ودَعي العُمْرَة)) (٤)، فهذا صريح في رفضها من وجهين، أحدهما: قوله ارفُضيها ودعيها، والثاني: أمره لها بالامتشاط. قيل: معنى قوله: ارفُضيها: اتركي أفعالها والاقتصار عليها، وكوني في حجة معها، ويتعين أن يكونَ هذا هو المراد بقوله: ((حَلَلْتِ مِنْهُما جَمِيعاً»، لما قضت أعمالَ الحج. وقوله ((يَسَعُكِ طَواقُكِ لِحَجِّكِ وعُمْرَتِكِ))، فهذا صريح في أن إحرام العمرة لم يُرفض، وإنما رُفضَتْ أعمالُها والاقتصارُ عليها، وأنها بانقضاء = الشافعي في مستده ٢٩٢/١، ٢٩٣، والبيهقي ٣٤٤/٤. (١) أخرجه البخاري ٤٧٦/٣ في العمرة: باب وجوب العمرة وفضلها، ومسلم (١٣٤٩) في الحج: باب في فضل الحج والعمرة، والترمذي (٩٣٣) و((الموطأ)) ٣٤٦/١ من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. (٢) أخرجه مسلم (١٢١١) (١٣٢) وأحمد ١٢٤/٦ من حديث عائشة. (٤) أخرجه مالك في ((الموطأ)) ٤١٠/١، ٤١١ في الحج: باب دخول الحائض مكة، (٣) أخرجه مسلم (١٢١٣). والبخاري ٣٥٤/١ في الحيض: باب امتشاط المرأة عند غسلها و٣٣٠/٣ في الحج: باب كيف تهل الحائض والنفساء و٤٨٢/٣ في العمرة: باب العمرة ليلة الحصبة، ومسلم (١٢١١) في الحج: باب بيان وجوه الإحرام. ٩٤ حجِّها انقضى حُّها وعمرتُها، ثم أعمرها من التنعيم تطبيباً لقلبها، إذ تأتي بعمرة مستقلّة کھواحباتها، ويوضح ذلك إيضاحاً بيناً، ما روى مسلم في ((صحيحه))، من حديث الزهري، عن عروة، عنها قالت: خرجنا مع رسول اللّه ◌َيّل في حجة الوداع، فحِضتُ، فلم أزل حائضاً حتى كان يومُ عرفة، ولم أهلَّ إلا بعُمرة، فأمرني رسول الله ◌َهّل أن أنقُضَ رأسي وامتشِطَ، وأُهِلَّ بالحج، وأترك العمرة، قالت: ففعلتُ ذلك، حتى إذا قضيتُ حجي، بعث معي رسول الله تَّه عبد الرحمن بن أبي بكر، وأمرني أن اعتمِرَ من التنعيم مكانَ عُمرتي التي أدركني الحجُّ ولم أُهِلَّ منها (١). فهذا حديثٌ في غاية الصحة والصراحة، أنها لم تكن أحلت من عمرتها، وأنها بقيت محرمة حتى أدخلت عليها الحجّ، فهذا خبرُها عن نفسها، وذلك قولُ رسول الله بَّ لها، كُلُّ منهما يوافق الآخر وبالله التوفيق. وفي قوله ◌َّرَ: ((العمرةُ إلى العمرة كفارةٌ لما بينهما، والحج المبرورُ ليس له جزاء إلا الجنة)» دليلٌ على التفريق بين الحج والعمرة في التكرار، وتنبيهٌ على ذلك، إذ لو كانت العمرةُ كالحج لا تُفعل في السّنة إلا مرة، لسَوَّى بينهما ولم يفرق. وروى الشافعي رحمه الله، عن علي رضي الله عنه، أنه قال: اعتمر في كل شهر مرة (٢). وروى وكيع، عن إسرائيل، عن سُويد بن أبي ناجية، عن أبي جعفر، قال: قال علي رضي الله عنه: اعْتَمِرْ في الشَّهرِ إنْ أَطَقْتَ مراراً. وذكر سعيد بن منصور، عن سفيان بن أبي حسين، عن بعض ولد أنس، أن أنساً كان إذا كان بمكة فَحَمَّمَ رَأْسُهِ، خَرَجَ إلى التَّعِيمِ فَاعْتَمَرَ (٣). (١) أخرجه مسلم (١٢١١). (٢) أخرجه الشافعي ٢٩٢/١، والبيهقي ٣٤٤/٤، ورجاله ثقات. (٣) أخرجه الشافعي ٢٩٢/١، والبيهقي ٣٤٤/٤، وفي سنده مجهول. ٩٥ فصل في سياق هديه ◌َ﴾ في حجته لا خلاف أنه لم يَحُجَّ بعد هجرته إلى المدينة سِوى حجةٍ واحدة، وهي حجة الوداع، ولا خلاف أنها كانت سنةً عشر. لما فرض الحج سنة تسع أو عشر بادر # إليه على الفور سنة عشر وهي حجته الوحيدة واختُلِفَ: هل حجَّ قبل الهجرة؟ فروى الترمذي، عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه، قال: حجَّ النبي ◌َُّ ثلاثَ حِجج: حَجَّتَيْن قبل أن يُهاجر، وحَجَّة بعد ما هاجر معها عُمرة (١). قال الترمذي: هذا حديث غريب من حديث سفيان. قال: وسألتُ محمداً - يعني البخاري - عن هذا، فلم يعرفه من حديث الثوري، وفي رواية: لا يُعدُّ هذا الحديث محفوظاً. ولما نزل فرضُ الحج، بادر رسولُ اللهِ وَّ إلى الحجِّ من غير تأخير، فإنَّ فرضَ الحج تأخرَّ إلى سنة تسع أو عشر، وأما قوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الحَجّ والعُمْرَةَ لله﴾ [البقرة: ١٩٦]، فإنها وإن نزلت سنةَ ستٍّ عام الحديبية، فليس فيها فرضيَّةُ الحج، وإنما فيها الأمرُ بإتمامه وإتمام العُمرة بعد الشروع فيهما، وذلك لا يقتضي وجوبَ الابتداء، فإن قيل: فَمِنْ أين لكم تأخير نزول فرضه إلى التاسعة أو العاشرة؟ قيل: لأن صدر سورة آل عمران نزل عام الوفود، وفيه قَدِم وفدُ نجران على رسول الله بَله، وصالحهم على أداءِ الجزية، والجزية إنما نزلت عامَ تبوك سنة تسع، وفيها نزل صدرُ سورة آل عمران، وناظرَ أهل الكتاب، ودعاهم إلى التوحيد والمُباهلة، ويدلُّ عليه أن أهل مكة وجدوا في نفوسهم على ما فاتهم من التجارة من المشركين لما أنزل الله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْمَا المُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا المَسْجِدَ الحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هذا﴾ [التوبة: ٢٨]، فأعاضهم الله تعالى من ذلك بالجزية. ونزولُ هذه الآيات، والمناداةُ بها، إنما كان في سنة (١) أخرجه الترمذي (٨١٥) في الحج: باب ما جاء كم حج النبي بَّه، وابن ماجه (٣٠٧٦) في المناسك: باب حجة النبي ◌َّه والدار قطني ٢٧٨/٢ ورجاله ثقات. ٩٦ تسع، وبعث الصِّديق يؤذِّن بذلك في مكة في مواسم الحج(١)، وأردفه بعلي رضي الله عنه، وهذا الذي ذكرناه قد قاله غير واحد من السلف. والله أعلم. فصل ولما عزم رسول الله وَّ على الحجِّ أعلم الناس أنه حاج، فتجهزوا للخروج خروجه # بعد أن أعلم معه، وسمِع ذلك مَنْ حول المدينة، فَقَدِمُوا يُريدون الحجَّ مع رسولِ اللهِ وَّ، الناس ووافاه في الطريق خلائقُ لا يُحصَون، فكانُوا مِن بين يديه، ومن خلفه، وعن يمينه، وعن شماله مدَّ البصر، وخرجَ من المدينة نهاراً بعد الظهر لِسِتِّ بَقِينَ مِن ذي القَعدةِ بعد أن صلَّى الظهرَ بها أربعاً، وخطبهم قبل ذلك خُطبةً علَّمهم فيها الإِحرام وواجباته وسننه. وقال ابن حزم: وكان خروجُه يومَ الخميس، قلتُ: والظاهر: أن خروجَه كان يوم السبت، واحتج ابنُ حزم على قوله بثلاث مقدمات. إحداها: أن خروجه كان لِسِتِّ بَقِينَ من ذي القعدة. والثانية: أن استهلال ذي الحجة كان يومَ الخميس، والثالثة: أن يوم عرفة كان يومَ الجمعة، واحتج على أن خروجه كان لستٍ بقين من ذي القعدة، بما روى البخاري من حديث ابن عباس، انطلق النبيُّ نَّهُ مِن المدينة بعد ما تَرَجَّلَ وادَّهَنَ ... فذكر الحديث(٢). وقال: وذلك لخمس بقين من ذي القعدة. ترجيح المصنف أن خروجه * كان يوم السبت قال ابن حزم: وقد نصَّ ابنُ عمر على أن يَوْمَ عرفة، كان يَوْمَ الجمعة، وهو التاسع، واستهلال ذي الحجة بلا شك ليلة الخميس، فاخر ذي القعدة يوم (١) وأنما تأخر رسول الله صله عن المبادرة إلى الحج في السنة التاسعة لكراهة الاختلاط في الحج بأهل الشرك، لأنهم كانوا يحجون ويطوفون بالبيت عراة، فلما طهر الله البيت الحرام منهم، حج ﴾. (٢) أخرجه البخاري ٣٢٣/٣ في الحج: باب ما يلبس المحرم من الثياب والأردية والأزر. ٩٧ زاد المعاد ج ٢-م٤ الأربعاء، فإذا كان خروجُه لِسِت بقين من ذي القعدة، كان يومَ الخميس، إذ الباقي بعده ستُ ليالٍ سواه. ووجه ما اخترناه، أن الحديث صريحٌ في أنه خرج لِخميس بقين وهي يوم السبت، والأحد، والاثنين، والثلاثاء، والأربعاء، فهذه خمس، وعلى قوله: یکون خروجه لِسبع بقین. فإن لم یعد یوم الخروج، کان لست، وأُّهما كان، فهو خلافُ الحديث. وإن اعتبر الليالي، كان خروجُه لست ليال بقين لا لخمس، فلا يَصِحُ الجمعُ بين خروجه يوم الخميس، وبينَ بقاء خمس من الشهر البتة، بخلافٍ ما إذا كان الخروجُ يوم السبت، فإن الباقي بيوم الخروج خمسٌ بلا شك، ويدلُّ عليه أن النبي ◌َُّ ذكر لهم في خطبته على مِنبره شأن الإِحرام، وما يلبَسُ المحرم بالمدينة، والظاهر: إن هذا كان يومَ الجمعة، لأنه لم يُنقل أنه جمعهم، ونادى فيهم لحضور الخطبة، وقد شهد ابنُ عمر رضي الله عنهما هذه الخطبة بالمدينة علی منبره. وکان مِن عادته بقّۇ أن يُعلِّمهم في كلِّ وقت ما يحتاجون إليه إذا حضر فعله، فأولى الأوقات به الجمعة التي يليها خروجُه، والظاهر: أنه لم يكن لِيدَ الجمعة وبينه وبينها بعضُ يوم من غير ضرورة، وقد اجتمع إليه الخلقُ، وهو أحرصُ الناس على تعليمهم الدِّين، وقد حضر ذلك الجمع العظيم، والجمعُ بينه وبین الحج ممكنٌ بلا تفویت والله أعلم. ولما علم أبو محمد ابن حزم، أن قول ابن عباس رضي الله عنه، وعائشة رضي الله عنها: خرج لخمس بقين من ذي القعدَةِ، لا يلتئمُ مع قوله أوَّله: بأن قال: معناه أن اندفاعه من ذِي الحُليفة كان لخمس، قال: وليس بين ذي الحُليفة وبين المدينة إلا أربعةُ أميال فقط، فلم تُعد هذه المرحلة القريبة لِقِلَّتها، وبهذا تأتِلف جميعُ الأحاديث. قال: ولو كان خروجُه من المدينة لخمس بقين الذي القَعدة، لكان خروجُه بلا شك يَوْمَ الجمعة، وهذا خطأ لأن الجمعة لا تُصلَّى أربعاً، وقد ذكر أنس، أنهم صلوا الظهر معه بالمدينة أربعاً(١). قال: ويزيده (١) أخرجه البخاري ٣٢٤/٣ في الحج: باب من بات بذي الحليفة حتى أصبح. ٩٨ وضوحاً، ثم ساق من طريق البخاري، حديث كعب بن مالك: قلَّما كان رسولُ اللهِ وََّ يخرُج في سفر إذا خرج: إلا يومَ الخميس، وفي لفظ آخر: أن رسول الله وَ﴾ كان يُحب أن يخرُج يومَ الخميس(١)، فبطل خروجه يومَ الجمعة لما ذكرنا عن أنس، وبطل خروجُه يوم السبت، لأنه حينئذ يكون خارجاً من المدينة لأربع بقين من ذي القعدة، وهذا ما لم يقله أحد. قال: وأيضاً قد صحَّ مبيتُه بذي الحُليفة الليلة المستقبلة من يوم خروجه من المدينة، فكان يكون اندفاعه من ذي الحليفة يوم الأحد، يعني: لو كان خروجُه يوم السبت، وصح مبيتُهُ بذي طُوى ليلةَ دخوله مكة، وصحَّ عنه أنه دخلها صُبح رابعة من ذي الحِجَّة، فعلى هذا تكونُ مدةُ سفره من المدينة إلى مكة سبعة أيام، لأنه كان يكون خارجاً من المدينة لو كان ذلك لأربع بقين لِذي القَعدة، واستوى على مكة لثلاث خَلَوْنَ من ذي الحِجة، وفي استقبال الليلة الرابعة، فتلك سبعُ ليالٍ لا مزيد، وهذا خطأ بإجماع، وأمرٌ لم يقله أحد، فصح أن خروجه كان لستٍ بقين من ذي القعدة، وائتلفت الروايات كلها، وانتفى التعارضُ عنها بحمد الله انتھی. قلت: هي متآلفة متوافقة، والتعارض مُنتفٍ عنها مع خروجه يومَ السبت، ويزولُ عنها الاستكراه الذي أوَّلها عليه كما ذكرناه. وأما قول أبي محمد ابن حزم: لو كان خروجُه من المدينةِ لخمس بقين من ذي القعدة، لكان خروجُه يومَ الجمعة إلى آخره فغيرُ لازم، بل يصح أن يخرُج لخمس، ويكون خروجه يوم السبت، والذي غرَّ أبا محمد أنه رأى الراوي قد حذف التاء من العدد، وهي إنما تحذف من المؤنث، ففهم لخمس ليال بقين، وهذا إنما يكون إذا كان الخروجُ يوم الجمعة. فلو كان يوم السبت، لكان لأربع ليال بقين، وهذا بعينه ينقلِبُ عليه، فإنه لو كان (١) أخرجه البخاري ٦/ ٨٠ في الجهاد: باب من أراد غزوة، فورَّى بغيرها، ومن أحب الخروج إلى السفر يوم الخميس، وأبو داود (٢٦٠٥) في الجهاد: باب في أي يوم يستحب السفر. ٩٩ خروجُه يوم الخميس، لم يكن لخمس ليال بقين، وإنما يكون لست ليال بقين، ولهذا اضطر إلى أن يُؤوِّل الخروج المقيّد بالتاريخ المذكور بخمس على الاندفاع من ذي الحُليفة، ولا ضرورة له إلى ذلك، إذ من الممكن أن يكون شهرُ ذي القعدة كان ناقصاً، فوقع الإخبار عن تاريخ الخروج بخمس بقين منه بناءً على المعتاد من الشهر، وهذه عادةُ العرب والناس في تواريخهم، أن يُؤرِّخُوا بما بقي من الشهر بناءً على كماله، ثم يقع الإخبار عنه بعد انقضائه، وظهور نقصه كذلك، لئلا يختلف عليهم التاريخُ، فيصِحُّ أن يقول القائلُ: يوم الخامس والعشرين، كتب لخمس بقين، ويكون الشهر تسعاً وعِشرين، وأيضاً فإن الباقي كان خمسة أيام بلا شك بيوم الخروج، والعرب إذا اجتمعت الليالي والأيام في التاريخ، غلَّبت لفظً الليالي لأنها أولُ الشهر، وهي أسبقُ من اليوم، فتذكر الليالي، ومرادُها الأيام، فيصِحُّ أن يُقال: لخمس بقين باعتبار الأيام، ويذكَّر لفظ العدد باعتبار الليالي، فصحَّ حينئذ أن يكون خروجه لخمس بقين، ولا يكون يوم الجمعة. وأما حديثُ كعب، فليس فيه أنه لم يكن يخرُج قطُّ إلا يومَ الخميس، وإنما فيه أن ذلك كان أكثرَ خروجه، ولا ريب أنه لم يكن يتقيَّد في خروجه إلى الغزوات بيوم الخميس. وأما قوله: لو خرج يوم السبت، لكان خارجاً لأربع، فقد تبيّن أنه لا يلزم، لا باعتبار الليالي، ولا باعتبار الأيام. وأما قوله: إنه بات بذي الحليفة الليلة المستقبَلَة مِن يوم خروجه من المدينة إلى آخره، فإنه يلزم من خروجه يوم السبت أن تكون مدةُ سفره سبعة أيام، فهذا عجيبٌ منه، فإنه إذا خرج يومَ السبت وقد بقي من الشهر خمسةُ أيام، ودخل مكة لأربع مَضين مِن ذي الحجة، فبين خروجه من المدينة ودخوله مكة تسعة أيام، وهذا غيرُ مشكل بوجه من الوجوه، فإن الطريق التي سلكها إلى مكة بين المدينة وبينها هذا المقدار، وسيرُ العرب أسرعُ من سير الحضر بكثير، ولا سيما مع عدم المحامل والكجاوات والزوامِل الثِّقال. والله أعلم. ١٠٠