Indexed OCR Text

Pages 181-200

داود عن يونس أنه سأل ابنَ شهاب عن تشهد رسول الله وَِّ يومَ الجمعة، فذكر
نحو هذا إلا أنه قال: ((وَمَنْ يَعْصِهِمَا فَقَدْ غَوَى))(١).
قال ابن شهاب: وبلغنا أن رسولَ اللّهِ ﴿ كان يقول إذا خطب: «كُلُّ مَا هُوَ
آتٍ قَرِيبٌ، لاَ بُعْدَ لِمَا هُوَ آتٍ، وَلاَ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِعَجَلَةِ أَحَدٍ، وَلاَ يُخِفُ لِأَمْرِ النَّاسِ،
مَا شَاءَ اللَّهُ، لاَ مَا شَاءَ النَّاسُ، يُرِيدُ اللَّهُ شَيْئاً وَيُريدُ النَّاسُ شَيئاً، مَا شَاءَ اللَّهُ كَانَ،
وَلَوْ كَرِهَ النَّاسُ، وَلاَ مُبْعِدَ لِمَا قَرِّبَ اللَّهُ، ولاَ مُقَرِّبَ لِمَا بَعَّدَ اللَّهُ، ولاَ يَكُونُ شَيءٌ
إلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ))(٢).
وكان مدارُ خُطبه على حمد الله، والثناء عليه بالآئه، وأوصافِ كماله
ومحامده، وتعليم قواعدِ الإِسلام، وذكرِ الجنَّة والنَّار والمعاد، والأمرِ بتقوى الله،
وتبیین موارد غضبه، ومواقع رضاه فعلى هذا كان مدار خطبه.
وكان يقول في خطبه: ((أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّكُمْ لَنْ تُطِيقُوا - أَوْ لَنْ تَفْعَلُوا - كُلَّ مَا
أُمِرْتُمْ بِهِ، وَلَكِنْ سَدِّدُوا وَأَبْشِرُوا))(٣) .
وكان يخطُّب في كل وقت بما تقتضيه حاجةُ المخاطَبين ومصلحتهم، ولم
يعصهما)) فقد صح عنه ◌َ﴿ النهي عن هذا التركيب كما في حديث عدي بن حاتم أن
رجلاً خطب عند النبي ◌َّ، فقال: من يطع الله ورسوله، فقد رشد، ومن يعصهما
فقد غوى. فقال رسول الله ◌َمثل: ((بئس الخطيب أنت قل: ومن يعص الله ورسوله))
أخرجه مسلم في ((صحيحه)) (٨٧٠) في الجمعة: باب تخفيف الصلاة والخطبة.
(١) رواه أبو داود (١٠٩٨) في الصلاة: باب الرجل يخطب على قوس ورجال إسناده
ثقات، ولکنه مرسل فلا يحتج به.
(٢) رواه أبو داود في مراسيله عن ابن شهاب الزهري مرسلاً وهو منقطع، ذكره الزرقاني
في ((شرح المواهب اللدنية)» ٤٤٧/٧ .
(٣) هو قطعة من حديث رواه أبو داود (١٠٩٦) في الصلاة: باب الرجل يخطب على
قوس، وأحمد في ((المسند)) ٢١٢/٤ من حديث الحكم بن حزن الكلفي، وسنده
حسن .
١٨١

يَكُنْ يخطب خُطبة إلا افتتحها بحمد الله، ويتشهَّدُ فيها بكلمتي الشهادة، ويذكر
فيها نفسه باسمه العلم.
وثبت عنه أنه قال: ((كُلُّ خُطْبَةٍ لَيْسَ فِيهَا تَشَهُدٌ، فَهِيَ كَالْيَدِ الجَذْمَاءِ»(١).
ولم يكن له شاويش يخرُج بين يديه إذا خرج من حُجرته، ولم يكن يَلْبَسُ
لِبَاسَ الخطباء اليوم لا طُرحة، ولا زِيقاً وَاسعاً.
وكان منبرُه ثلاثَ درجات، فإذا استوى عليه، واستقبل الناس، أخذ المؤذن
في الأذان فقط، ولم يَقُلْ شيئاً قبلَه ولا بعدَه، فإذا أخذ في الخطبة، لم يرفع أحدٌ
صوته بشيء البتة، لا مؤذنٌ ولا غیرُه.
صفة منبره (*
وكان إذا قام يخطب، أخذ عصاً، فتوكَأ عليها وهو على المنبر، كذا ذكره
عنه أبو داود عن ابن شهاب(٢). وكان الخلفاءُ الثلاثةُ بعده يفعلون ذلك، وكان
أحياناً يتوكأ على قوس، ولم يُحفظ عنه أنه توكأ على سيف، وكثيرٌ من الجهلة
التوكؤ على العصا
(١) رواه الترمذي (١١٠٦) في النكاح: باب ما جاء في خطبة النكاح، وأبو داود
(٤٨٤١) في الأدب: باب في الخطبة، وأحمد في ((المسند)) ٣٠٢/٢ و٣٤٣، وسنده
قوي، وحسنه الترمذي وغيره.
(٢) لعله في مراسيل أبي داود عن ابن شهاب، والذي في سنن أبي داود (١٠٩٦) عن
الحكم بن حَزْن الكلفي قال: وفدت إلى رسول الله تَّة سابع سبعة أو تاسع تسعة،
فدخلنا عليه فقلنا: يا رسول الله زرناك فادع الله لنا بخير، فأمرنا أو أمر لنا بشيء من
التمر، والشأن إذ ذاك دون، فأقمنا بها أياماً شهدنا فيها الجمعة مع رسول الله وَلَّه
فقام متوكئاً على عصا أو قوس، فحمد الله وأثنى عليه كلمات خفيفات طيبات
مباركات، ثم قال: ((أيها الناس إنكم لن تطيقوا، أو لن تفعلوا كل ما أمرتم به،
ولكن سددوا وأبشروا)) وسنده حسن وحسنه الحافظ في ((التلخيص)) وله شاهد من
حديث البراء بن عازب رواه أبو داود (١١٤٥) بلفظ أن النبي ◌َّ نُوِّلَ يوم العيد قوساً
فخطب عليه، وقال الحافظ: وطوله أحمد والطبراني وصححه ابن السكن، وفي
الباب عن ابن الزبير أخرجه أبو الشيخ في ((أخلاق النبي بم ﴾)) ١٥٥، ١٥٦، وفيه ابن
لهيعة وهو ضعيف، لكنه حسن في الشواهد.
١٨٢

يظن أنه كان يُمْسِكُ السيفَ على المنبر إشارة إلى أن الدين إنما قام بالسيف، وهذا
جهل قبيح من وجهين، أحدهما: أن المحفوظَ أنه محدّ توكأ على العصا وعلى
القوس. الثاني: أن الدين إنما قام بالوحي، وأمّا السيف، فَلِمَحْقِ أهل الضلال
والشرك، ومدينةُ النبي ◌َّ التي كان يخطب فيها إنما فُتِحَت بالقُرآن، ولم تُفتح
بالسيف.
وكان إذا عرض له في خطبته عارض، اشتغل به، ثم رجع إلى خطبته،
وكان يخطُب، فجاء الحسن والحسين يعثُران في قميصين أحمرين، فقطع كلامه،
فنزل، فحملهما، ثم عاد إلى منبره، ثم قال: ((صَدَقَ اللَّهُ العَظِيمُ ﴿إِنَّمَا أَمْوالُّكُمْ
وَأَوْلاَدُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ [الأنفال: ٢٨] رَأَيْتُ هُذَيْنِ يعُثُران في قَمِيصَيْهِمَا، فَلَمْ أَصْبِرْ حَتَّى
قَطَعْتُ كَلاَمِي فَحَمَلْتُهُمَا))(١).
وَجَاءَ سُلَيْكٌ، الغَطَفَانِي وهو يخطُب، فجلس، فقال له: ((قُمْ يَا سُلَيْكُ
فَارْكَعْ رَكْعَتَيْن وَتَجَوَّزْ فِيهِما))، ثم قال وهو على المنبر: ((إِذَا جَاءَ أَحَدُكُمْ يَوْمَ
الجُمُعَةِ والإِمِامِ يَخْطُبُ، فَلْيَرْكَعْ رَكْعَتَيْنِ وَلْيَتَجَوَّزْ فِيهِمَا)»(٢) .
(١) رواه الترمذي (٣٧٧٦) في المناقب: باب مناقب الحسن والحسين، وأبو داود
(١١٠٩) في الصلاة: باب الإمام يقطع الخطبة للأمر يحدث، والنسائي ١٠٨/٣ في
الجمعة: باب نزول الإمام عن المنبر قبل فراغه من الخطبة، وابن ماجه (٣٦٠٠) في
اللباس: باب لبس الأحمر للرجال وإسناده حسن، وحسنه الترمذي.
(٢) رواه البخاري ٣٣٦/٢، ٣٣٧ في الجمعة: باب إذا رأى الإمام رجلاً جاء وهو
يخطب أمره أن يصلي ركعتين، وباب من جاء والإِمام يخطب صلى ركعتين، وفي
التطوع: باب ما جاء في التطوع مثنى مثنى، ومسلم (٨٧٥) (٥٩) في الجمعة: باب
التحية والإِمام يخطب، والترمذي (٥١٠) في الصلاة: باب ما جاء في الركعتين إذا
جاء الرجل والإِمام يخطب، وأبو داود (١١١٥) و (١١١٦) و (١١١٧) في الصلاة:
باب إذا دخل الرجل والإِمام يخطب. والنسائي ١٠٣/٣ في الجمعة: باب الصلاة
يوم الجمعة لمن جاء والإِمام يخطب، وابن ماجه (١١١٢) في إقامة الصلاة: باب ما
جاء فيمن دخل المسجد والإمام يخطب من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنه.
١٨٣

وكان يُقصر خطبته أحياناً، ويُطيلها أحياناً بحسب حاجة الناس. وكانت
خطبتُه العارِضة أطولَ من خطبته الراتِبة. وكان يخطُب النِّساء على حِدة في
الأعياد، ويحرِّضُهُنَّ على الصدقة (١)، والله أعلم.
فصول
في هديه 183 في العبادات
فصل
في هديه ◌َّ في الوضوء
كان ◌َّه يتوضأ لكل صلاة في غالب أحيانه، وربما صلى الصَّلواتِ بوضوء
واحد(٢). وكان يتوضأ بالمُد تارة، وبثلثيه تارة، وبأزيد منه تارة، وذلك نحو أربع
أواق بالدمشقي إلى أوقيتين وثلاث. وكان مِنْ أيسر النَّاس صبًّا لماء الوضوء،
وكان يُحَذِّرُ أمته من الإسراف فيه، وأخبر أنه يكون في أمته مَنْ يعتدي في
الطهور (٣)، وقال: ((إنَّ لِلْوُضُوءِ شَيْطَاناً يُقَالُ لَهُ الْوَلَهَان فَاتَّقُوا وَسْوَاسَ
(١) روى البخاري ٣٨٨/٢ من حديث جابر بن عبد الله قال: قام النبي مَ # يوم الفطر،
فصلى، فبدأ بالصلاة، ثم خطب، فلما فرغ، نزل، فأتى النساء، فذكرهن ...
(٢) أخرج مسلم (٢٧٧) وأبو داود (١٧٢) والترمذي (٦١) والنسائي ٨٦/١ من حديث
بريدة بن الحصيب أن النبي ◌ّ صلى الصلوات يوم الفتح بوضوء واحد، ومسح على
خفيه، فقال له عمر: لقد صنعت اليوم شيئاً لم تكن تصنعه، فقال: ((عمداً صنعته يا
عمر)).
(٣) روى أحمد ٨٦/٤ و٨٧، و٥/ ٥٥ وأبو داود (٩٦) من حديث عبد الله بن مغفل قال:
سمعت رسول الله ولا يقول: ((إنه سيكون في هذه الأمة قوم يعتدون في الطهور والدعاء)»
وسنده قوي، وروى أبو داود (١٣٥) في الطهارة: باب الوضوء ثلاثاً ثلاثاً، والنسائي
٨٨/١ في الطهارة: باب الاعتدال في الوضوء، وابن ماجه (٤٢٢) في الطهارة: باب ما
جاء في القصد في الوضوء وكراهية التعدي فيه، وأحمد في («المسند» (٦٦٨٤) كلهم من
حديث موسى بن أبي عائشة عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ((أن أعرابياً جاء إلى
النبي * يسأله عن الوضوء، فأراه الوضوء ثلاثاً ثلاثاً ثم قال: هكذا الوضوء فمن زاد =
١٨٤

المَاء))(١). ومر على سعد، وهو يتوضأ فقال له: ((لا تُسْرِفْ في المَاء)) فقال:
وهل في الماء من إسراف؟ قال: ((نعم وإن كُنْتَ عَلَى نَهر جَارَ))(٢).
وصح عنه أنه توضأ مرة مرة، ومرتين مرتين، وثلاثاً ثلاثاً، وفي بعض
الأعضاء مرتين، وبعضها ثلاثاً.
كيفية المضمضة
والاستنشاق
وكان يتمضمض ويستنشق تارة بغَرفة، وتارة بغَرفتين، وتارة بثلاث. وكان
يصل بين المضمضة والاستنشاق، فيأخُذ نصف الغرفة لفمه، ونصفها لأنفه، ولا
يُمكن في الغرفة إلا هذا، وأما الغرفتان والثلاث، فيمكن فيهما الفصلُ والوصلُ،
إلا أن هديه وَ ل ◌ّ كان الوصلَ بينهما، كما في ((الصحيحين)) من حديث عبد الله بن
زيد أنَّ رسول الله ◌ِ ◌ِّ ((تمضمض واستنشق منْ كَفِّ واحدة، فعل ذلك ثلاثاً) وفي
لفظ: ((تمضمض واستنثر بثَلاَث غَرَفَات))(٣) فهذا أصح ما رُوي في المضمضة
والاستنشاق، ولم يجىء الفصلُّ بين المضمضة والاستنشاق في حديث صحيح
البتة، لكن في حديث طلحة بن مصرف، عن أبيه، عن جدِّه: رأيتُ النبي ◌َّ
يَفْصلُ بين المضمضة والاستنشاق، ولكن لا يُروى إلا عن طلحة عن أبيه عن
جدّه، ولا يعرف لجده صحبة (٤).
على هذا فقد أساء وتعدى)) وإسناده حسن. ولفظة ((أو نقص)) الواردة عند أبي داود منكرة
=
أو شاذة لأن ظاهرها ذم النقص عن الثلاثة، والنقص عنها جائز لفعله معمله، والآثار بذلك
صحیحة، فکیف یعبر عنه بإساء أو ظلم.
(١) أخرجه الترمذي (٥٧) في الطهارة: باب ما جاء في كراهية الاسراف في الوضوء، وابن
ماجه (٤٢١) في الطهارة: باب ما جاء في القصد في الوضُّوء وكراهية التعدي فيه،
وأحمد في ((المسند)) ١٣٦/٥ وفي سنده خارجة بن مصعب قال الحافظ في ((التقريب)):
متروك، وکان یدلس عن الكذابين.
(٢) رواه ابن ماجه (٤٢٥)، وأحمد في ((المسند) ٢٢١/٢ وقال البوصيري في ((الزوائد)):
إسناده ضعيف لضعف حيي بن عبد الله المعافري وابن لهيعة.
(٣)
أخرجه البخاري ٢٥٥/١ و٢٥٧، ومسلم (٢٣٥) في الطهارة: باب في وضوء النبي وَّ.
(٤) حديث طلحة (وهو ابن مصرف) عن أبيه عن جده، رواه أبو داود (١٣٩) وفي=
١٨٥

مسح الرأس
وكان يستنشق بيده اليمنى، ويستنثر باليُسرى، وكان يمسحُ رأسه كلّه،
وتارة يُقْبلُ بيديه وَيُدْبِرُ، وعليه يُحملُ حديث من قال: مسح برأسه مرتين.
والصحيح أنه لم يكرر مسح رأسه، بل كان إذا کررَ غَسْلَ الأعضاء، أفرد مسحَ
الرأس، هكذا جاء عنه صريحاً، ولم يصحَّ عنه ◌َّ خلافه البتة، بل ما عدا هذا،
إمّا صحيح غير صريح، كقول الصحابي: توضأ ثلاثاً ثلاثاً، وكقوله: مسح برأسه
مرتين، وإما صريح غير صحيح، كحديث ابن البيلماني، عن أبيه، عن عمر أن
النبيِ نَّه قال: ((مَنْ تَوَضَّأُ فَغَسَلَ كَفَّيْهِ ثلاثاً)) ثم قال: ((وَمَسَحَ بِرَأْسِه ثَلاثَا)) وهذا
لا يحتج به، وابن البيلماني وأبوه مضعَّفان، وإن كان الأب أحسن حالاً(١)
وكحديث عثمان الذي رواه أبو داود أنه بسجن: ((مَسَحَ رَأْسَهُ ثَلاثاً)(٢). وقال أبو
داود: أحاديثُ عثمان الصحاحُ كلُّها تدل على أن مسح الرأس مرة، ولم يصِحَّ عنه
في حديث واحد أنه اقتصر على مسح بعض رأسه البتة، ولكن كان إذا مسح
بناصيته كمل على العمامة (٣). فأمّا حديثُ أنس الذي رواه أبو داود: «رأيتُ
رسولَ اللهِ وَ﴿ يتوضأ وعليه عمَامة قطْريَّةٌ، فَأَدْخَلَ يَدَهُ منْ تحت العمَامَة، فمسح
مُقدَّمَ رأسه، ولم يَنْقُض العمَامَةِ)) (٤). فهذا مقصود أنس به أن النبي ◌َّه لم ينقُض
سنده ليث بن أبي سليم وهو ضعيف، ومصرف والد طلحة مجهول، وانظر ترجمة
=
كعب بن عمرو اليامي والد مصرف في ((التهذيب)).
(١) الحديث من رواية الدار قطني ٩٣/١، وفي سنده أيضاً صالح بن عبد الجبار، قال الحافظ
الزيلعي في ((نصب الراية)) ٣٢/١ قال ابن القطان في كتابه: صالح بن عبد الجبار لا
أعرفه إلا في هذا الحديث، وهو مجهول الحال، ومحمد بن عبد الرحمن البيلماني، قال
الترمذي: قال البخاري: منكر الحديث.
(٢) أخرجه أبو داود (١١٠) في الطهارة: باب صفة وضوء النبي ◌َّ، وفي سنده عامر بن
شقيق بن حمزة، قال الحافظ في ((التقريب)): لين الحديث.
(٣) روى مسلم في ((صحيحه)) (٢٧٤) (٨٣) عن المغيرة أن النبي ◌َّ مسح بناصيته وعلى
العمامة وعلى خفيه .
(٤) رواه أبو داود (١٤٧) في الطهارة: باب المسح على العمامة، وفي سنده معاوية بن
صالح بن حدير الحضرمي صدوق له أوهام، وعبد العزيز بن مسلم المدني مولى آل =
١٨٦

عِمامته حتى يستوعِبَ مسحَ الشعر كلّه، ولم ينفِ التكميلَ على العِمامة، وقد أثبته
المغيرةُ بن شعبة وغيره، فسكوتُ أنس عنه لا يدل على نفيه. ولم يتوضأ ◌َيّ إلا
تمضمض واستنشق، ولم يُحفظ عنه أنه أخلَّ به مرة واحدة، وكذلك كان وضوؤه
مرتباً متوالياً، لم يُخِلَّ به مرة واحدة البتة، وكان يمسح على رأسه تارة، وعلى
العِمامة تارة، وعلى الناصية والعمامة تارة.
وأما اقتصارُه على الناصية مجردة، فلم يُحفظ عنه(١) كما تقدم. وكان
يغسل رجليه إذا لم يكونا في خُفين ولا جوربين، ويمسح عليهما إذا كانا في
الخفين أو الجوربين (٢). وكان يمسح أذنيه مع رأسه، وكان يمسح ظاهرهما
وباطنهما، ولم يثبت عنه أنه أخذ لهما ماءً جديداً، وإنما صح ذلك عن ابن
عمر(٣). ولم يَصح عنه في مسح العُنق حديث البتة، ولم يحفظ عنه أنه كان
رفاعة لم يوثقه غير ابن حبان. وانظر التعليق السابق. وقوله: قطرية بكسر القاف على
=
غير قياس نسبة إلى برود كانت تجتلب من قطر، فقالوا: قطرية، فكسروا القاف وخففوا،
کما قالوا دُهري بضم الدال.
(١) فيه نظر فقد جاء في ((فتح الباري)) ٣٠٤/١ روى الشافعي من حديث عطاء أن
رسول الله ◌َ # توضأ، فحسر العمامة عن رأسه، فمسح مقدم رأسه وهو مرسل، لكنه
اعتضد بمجيئه من وجه آخر موصولاً أخرجه أبو داود (١٤٧) من حديث أنس، وفي
إسناده أبو معقل لا يعرف حاله، فقد اعتضد كل من المرسل والموصول بالآخر،
وحصلت القوة من الصورة المجموعة، وفي الباب أيضاً عن عثمان في صفة
الوضوء، قال: ومسح مقدم رأسه أخرجه سعيد بن منصور، وفيه خالد بن زيد بن
أبي مالك مختلف فيه، وصح عن ابن عمر الاكتفاء بمسح بعض الرأس قال ابن
المنذر وغيره: ولم يصح عن الصحابة إنكار ذلك، قاله ابن حزم، وهذا كله مما
يقوى به المرسل المتقدم ذكره والله أعلم.
(٢) ورد في المسح على الجوربين أحاديثُ صحيحة ثابتة، جمعها الشيخ جمال الدين
القاسمي في رسالة وخرجها، وزاد في تخريجها الشيخ أحمد محمد شاكر رحمه
الله، فارجع إليها .
(٣) رواه مالك في ((الموطأ)) ٣٤/١ في الطهارة: باب ما جاء في المسح بالرأس على
الأذنين، وسنده صحيح، وإليه ذهب الشافعي رحمه الله، فقال: يأخذ للأذنين ماء =
١٨٧

يقول على وضوئه شيئاً غيرَ التسمية، وَكُلُّ حديث في أذكار الوضوء الذي
يقال عليه، فَكَذِبٌ مُخْتَلَق، لم يقُلْ رسولُ اللهِ وَِّ شيئاً منه، ولا عَلَّمه لأمته،
ولا ثبت عنه غير التسمية في أوله (١)، وقوله: ((أَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلهَ إِلاَّ اللَّهُ وَحْدَهُ
لاَ شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِنَ النَّوَّابِينَ،
واجْعَلْنِي مِنَ المُتَطَهِّرِينَ))(٢) في آخرِه. وفي حديث آخر في ((سنن النسائي))
جديداً، وأكثر أهل العلم على أنهما من الرأس يمسحان معه، وبه قال سعيد بن
=
المسيب وعطاء والحسن وابن سيرين وسعيد بن جبير والنخعي، وهو قول الثوري
وابن المبارك ومالك وأصحاب الرأي وأحمد وإسحاق.
(١) أخرج أبو داود (١٠١) وأحمد ٤١٨/٢، وابن ماجه (٣٩٩) والدار قطني ٢٩/١،
والحاكم ١٤٦/١، والبيهقي ٤٣/١ من طريق محمد بن موسى المخزومي عن
يعقوب، عن أبيه، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله محله: ((لا صلاة
لمن لا وضوء له، ولا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه)) ويعقوب مجهول الحال،
وأبو سلمة الليثي لين الحديث، وأخرجه الدارقطني ٢٦/١، والبيهقي ١ /٤٤ من
طريق محمود بن محمد الظفري، عن أيوب بن النجار، عن يحيى بن أبي سلمة بن
عبد الرحمن، عن أبي هريرة بلفظ ((ما توضأ من لم يذكر اسم الله عليه، وما صلى
من لم يتوضأ)) قال الحافظ في ((التلخيص)) ١٧٣/١: ومحمود ليس بالقوي،
وأيوب بن النجار وإن كان ثقة، فإنه مدلس، وقد عنعن، وأخرج الطبراني في
(الأوسط)) من طريق علي بن ثابت، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة مرفوعاً ((يا
أبا هريرة إذا توضأت، فقل: بسم الله والحمد لله، فإن حفظتك لا تزال تكتب لك
الحسنات حتى تحدث من ذلك الوضوء)) وحسنه الهيثمي في ((المجمع)) ٢٢٠/١
وللحديث شواهد من حديث أبي سعيد الخدري عند أحمد والترمذي وابن ماجه
وغيرهم، وسعيد بن زيد عند الترمذي وابن ماجه وأحمد والدارقطني، وسهل بن
سعد عند ابن ماجه والطبراني يحسن بها، ويقوى، قال الحافظ في ((التلخيص)):
والظاهر أن مجموع الأحاديث يحدث منها قوة تدل على أن له أصلاً. وقال الحافظ
المنذري في ((الترغيب)) ١٢٨/١: وقد ذهب الحسن وإسحاق بن راهويه وأهل
الظاهر إلى وجوب التسمية في الوضوء حتى إنه إذا تعمد تركها، أعاد الوضوء، وهو
رواية عن الإمام أحمد، ولا شك أن الأحاديث التي وردت فيها وإن كان لا يسلم
شيء منها من مقال، فإنها تتعاضد بكثرة طرقها وتكتسب قوة.
(٢) رواه بهذا اللفظ الترمذي (٥٥) في الطهارة: باب فيما يقال بعد الوضوء من حديث =
١٨٨

ممّا يقال بعد الوضوء أيضاً: ((سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ، أَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلهَ إِلاَّ
أَنْتَ، أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إِلَيْكَ))(١).
وَلَمْ يَكُنْ يقول في أوله: نويت رفعَ الحدث، ولا استباحةَ الصلاة، لا
هو، ولا أحدٌ من أصحابه البتة، ولم يُرو عنه في ذلك حرف واحد، لا بإسناد
صحيح، ولا ضعيف، ولم يتجاوز الثلاث قطُّ، وكذلك لم يُثبت عنه أنه
تجاوز المرفقين والكعبين، ولكن أبو هريرة كان يفعلُ ذلك ويتأوَّل حديث
إطالة الغرة(٢). وأما حديثُ أبي هريرة في صفة وضوء النبي ◌َّ أنه غسل يديه
حتى أشرع في العضُدين، ورجليه حتى أشرع في الساقين(٣) فهو إنما يدل
حكم التنشيف بعد
الوضوء
تخليل اللحية
أبي إدريس الخولاني وأبي عثمان عن عمر رضي الله عنه. وأصل الحديث عند مسلم
=
(٢٣٤) في الطهارة: باب الذكر المستحب عقب الوضوء من حديث عقبة بن عامر،
دون قوله ((اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين))، وزيادة الترمذي
حسنة لها شاهد تتقوى به ذكره الحافظ في ((التلخيص)) من رواية البزار، والطبراني
في ((الأوسط)) من طريق ثوبان ولفظه ((من دعا بوضوء فتوضأ فساعة فراغه من
وضوئه يقول: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم اجعلني
من التوابين واجعلني من المتطهرين ... )).
(١) ورواه ابن السني في ((عمل اليوم والليلة)) ص: ٢١ من حديث أبي سعيد الخدري
وفي سنده المسيب بن واضح، وهو سيء الحفظ، وكذا الراوي عنه، وهو يوسف بن
أسباط .
(٢) وهو ما رواه البخاري ٢٠٧/١ و٢٠٨ في الوضوء: باب فضل الوضوء والغر
المحجلون، ومسلم (٢٤٦) في الوضوء: باب استحباب إطالة الغرة والتحجيل، من
حديث أبي هريرة رضي الله عنه ولفظه: ((إن أمتي يأتون يوم القيامة غرا محجلين من
أثر الوضوء، فمن استطاع منكم أن يطيل غرته، فليفعل)) وقوله: ((فمن استطاع منكم
أن يطيل غرته فليفعل)) مدرج في الحديث وهو من كلام أبي هريرة رضي الله عنه،
وليس من كلام رسول الله بم# كما ذكر ذلك العلماء المحققون، كالمنذري وابن
حجر وغيرهما.
(٣) الحديث في مسلم (٢٤٦) لفَّقه المصنف من روايتين الأولى: عن نعيم بن عبد الله
المجمر قال: رأيت أبا هريرة يتوضأ فغسل وجهه فأسبغ الوضوء ثم غسل يده اليمنى =
١٨٩

على إدخال المرفقين والكعبين في الوضوء، ولا يدل على مسألة الإطالة.
ولم يكن رسول الله ولم يعتاد تنشيفَ أعضائه بعد الوضوء، ولا صح عنه
في ذلك حديث البتة، بل الذي صح عنه خلافه، وأما حديث عائشة كان
للنبي ◌ََّ خِرقَةٌ يُنَشِّفُ بِهَا بَعْدَ الوُضُوءِ، وحديث معاذ بن جبل: رأيت
رسول الله ﴿ إذا توضأ مسح على وجهه بِطَرَفِ ثوبه(١)، فضعيفان لا يحتج
بمثلهما، في الأول سليمان بن أرقم متروك، وفي الثاني عبد الرحمن بن
زياد بن أنعم الأفريقي ضعيف، قال الترمذي: ولا يصح عن النبي صلّ في هذا
الباب شيء.
ولم يَكُنْ من هديهٍ﴿ أن يُصبَّ عليه الماءُ كلما توضأ، ولكن تارة
يصبُّ على نفسه، وربما عاونه مَنْ يصبُّ عليه أحياناً لحاجة كما في
((الصحيحين)) عن المغيرة بن شعبة أنه صبَّ عليه في السفر لما توضأ(٢).
وكان يخلل لحيته أحياناً، ولم يكن يُواظبُ على ذلك. وقد اختلف
حتى أشرع في العضد، ثم يده اليسرى حتى أشرع في العضد، والثانية أيضا عن
=
نعيم بن عبد الله المجمر أنه رأى أبا هريرة يتوضأ فغسل وجهه ويديه حتى كاد يبلغ
المنكبين، ثم غسل رجليه حتى رفع إلى الساقين.
(١) أخرجهما الترمذي (٥٣) و (٥٤).
(٢) رواه البخاري ٢٦٥/١ في الوضوء: باب المسح على الخفين، وباب الرجل يوضىء
صاحبه، وباب إذا أدخل رجليه وهما طاهرتان، وفي الصلاة في الثياب: باب الصلاة
في الجبة الشامية، وباب الصلاة في الخفاف، وفي الجهاد: باب الجبة في السفر،
وفي المغازي: باب نزول النبي ◌ُ لّ الحجر، وفي اللباس: باب من لبس جبة ضيقة
الكمين في السفر، وباب جبة الصوف في الغزو، ومسلم (٢٧٤) في الطهارة: باب
المسح على الخفين، و ((الموطأ)) ٣٦/١ في الطهارة: باب المسح على الخفين،
والترمذي (٩٨) في الطهارة: باب في المسح على الخفين، وأبو داود (١٤٩)
و (١٥٠) و (١٥١) و (١٥٢) في الطهارة: باب المسح على الخفين، والنسائي
٨٣/١ في الطهارة: باب المسح على الخفين في السفر، وابن ماجه (٣٨٩) في
الطهارة: باب الرجل يستعين على وضوئه فيصب عليه.
١٩٠

أئمة الحديث فيه، فصحح الترمذي وغيره أنه ◌ّ كان يُخَلِّلُ لحيته(١). وقال
أحمد وأبو زرعة: لا يثبت في تخليل اللحية حديث.
وكذلك تخليلُ الأصابع لم يكن يُحافظ عليه، وفي ((السنن)) عن
المُسْتَورِدِ بنِ شداد: رأيت النبي ◌َّ إذا توضأ يَذْلُكُ أصابعَ رجليه بخصره(٢)،
وهذا إن ثبت عنه، فإنما كان يفعله أحياناً، ولهذا لم يروه الذين اعتنوا بضبط
وضوئه، كعثمان، وعلي، وعبد الله بن زيد، والرُّبِّعِ، وغيرهم، على أن في
إسناده عبد الله بنَ لهيعة.
تخليل الأصابع
وأمّا تحريكُ خاتمه، فقد رُوي فيه حديث ضعيف من رواية معمر بن
محمَّد بن عبيد الله بن أبي رافع عن أبيه عن جدّه أن النبي ◌َّ كان إذا توضأ حرَّك
تحريك الخاتم
(١) حديث صحيح رواه الترمذي (٣١) في الطهارة: باب ما جاء في تخليل اللحية،
وابن ماجه (٤٣٠) في الطهارة: باب ما جاء في تخليل اللحية، وابن حبان («موارد
الظمان)» (١٥٤) والحاكم في ((المستدرك)) ١٤٩/١ عن عثمان رضي الله عنه، وفي
سنده عامر بن شقيق وهو لين الحديث، وباقي رجاله ثقات، وله شاهد من حديث
أنس أخرجه أبو داود (١٤٥) وله طرق أخرى عند الحاكم وابن عدي والذهلي،
وشواهد من حديث عائشة عند أحمد، وأبي أمامة عند ابن أبي شيبة، وعمار عند
الترمذي وابن ماجه، وابن عمر عند الطبراني في ((الأوسط)) انظر ((التلخيص))
٨٥/١، ٠٨٧
(٢) رواه أحمد ٢٢٩/٤، وأبو داود (١٤٨) والترمذي (٤٠)، وابن ماجه (٤٤٦) وفيه
عندهم ابن لهيعة وهو سيء الحفظ، لكن قال الحافظ في ((التلخيص)): تابعه.
الليث بن سعد وعمرو بن الحارث أخرجه البيهقي، وأبو بشر الدولابي والدارقطني
في ((غرائب مالك)» من طريق ابن وهب، عن الثلاثة، وصححه ابن القطان. وقد
ثبت الأمر بتخليل الأصابع من حديث لقيط بن صَبِرَة رواه الشافعي ٣٠/١، ٣١،
وأبو داود (١٤٢) و(١٤٣) وأحمد ٣٣/٤، والنسائي ٦٦/١، وابن ماجه (٤٠٧)
والترمذي (٣٨) بلفظ ((أسبغ الوضوء وخلِّل بين الأصابع، وبالغ في الاستنشاق إلا
أن تكون صائماً)) وصححه ابن حبان (١٥٩) والحاكم ١٤٧/١، ١٤٨، وأقره
الذهبي، وهو كما قالوا، وصححه أيضا ابن القطان والنووي وابن حجر.
١٩١

خَاتَمه(١). ومعمر وأبوه ضعيفان، ذكر ذلك الدارقطني.
فصل
في هديه ◌َّ في المسح على الخفين
صح عنه أنه مسح في الحضر والسفر، ولم يُنسخ ذلك حتى تُوفي، ووقّت
للمقيم يوماً وليلة، وللمسافِر ثلاثة أيام ولياليهن في عدة أحاديث حسان
وصحاح، وكان يمسح ظاهر الخفين، ولم يصح عنه مسحُ أسفلهما إلا في حديث
منقطع. والأحاديث الصحيحة على خلافه، ومسح على الجوربين والنعلين(٢)،
ومسح على العِمامة مقتصراً عليها، ومع الناصية، وثبت عنه ذلك فعلاً وأمراً في
عدة أحاديث، لكن في قضايا أعيان يُحتمل أن تكون خاصة بحال الحاجة
والضرورة، ويُحتمل العموم كالخفين، وهو أظهر والله أعلم.
ولم يكن يتكلف ضِدَّ حاله التي عليها قدماه، بل إن كانتا في الخف مسح
عليهما ولم يَنْزِعْهُمَا، وإن كانتا مكشوفتين، غسل القدمين، ولم يلبس الخف
لِيمسح عليه، وهذا أعدلُ الأقوال في مسألة الأفضل من المسح والغسل، قاله
شيخنا، والله أعلم.
فصل
في هديه في في التيمم
كان ◌َّ* يتيمم بضربة واحدة للوجه والكفين(٣)، ولم يَصِحَّ عنه أنه تيمم
بضربتين، ولا إلى المرفقين. قال الإمام أحمد: من قال: إن التيمم إلى
(١) رواه ابن ماجه (٤٤٩) في الطهارة: باب تخليل الأصابع، قال البوصيري في
((الزوائد»: إسناده ضعيف لضعف معمر وأبيه محمد بن عبيد الله.
(٢) انظر ((سنن الترمذي)) ١٦٧/١، ١٦٨ بتحقيق أحمد شاكر.
(٣) أخرجه البخاري ٣٧٥/١، ٣٧٦، ومسلم (٣٦٨) (١١٢) من حديث عمار بن
یاسر.
١٩٢

المرفقين، فإنما هو شيء زاده مِن عنده(١). وكذلك كان يتيمم بالأرض التي يصلي
عليها، تراباً كانت أَوْ سَبِخَةً أو رملاً. وصح عنه أنه قال: ((حَيْثُمَا أَدْرَكَتْ رَجُلاً مِنْ
أُمَّتِي الصَّلاَةُ، فَعِنْدَهُ مَسْجِدُهُ وَطَهُورُهُ)) (٢)، وهذا نص صريح في أن من أدركته
الصلاة في الرمل، فالرمل له طهور. ولما سافر هو وأصحابُه في غزوة تبوك،
قطعوا تلك الرمال في طريقهم، وماؤهم في غاية القِلة، ولم يُرو عنه أنه حمل معه
التراب، ولا أمر به، ولا فعله أحد من أصحابه، مع القطع بأن في المفاوز الرمالَ
أكثر من التراب، وكذلك أرضُ الحجاز وغيره، ومن تدبر هذا، قطع بأنه كان
یتیمم بالرمل، والله أعلم وهذا قول الجمهور.
وأمّا ما ذكر في صفة التيمم من وضع بطون أصابع يده اليسرى على ظهور
اليمنى، ثم إمرارها إلى المرفق، ثم إدارة بطن كفه على بطن الذراع، وإقامة إبهامه
اليسرى كالمؤذن، إلى أن يصل إلى إبهامه اليمنى، فَيُطبقها عليها، فهذا مما يُعلم
قطعاً أن النبي ◌َّ لم يفعله، ولا علَّمه أحداً من أصحابه، ولا أمر به، ولا
استحسنه، وهذا هدیُه، إليه التحاكُم، وكذلك لم يَصِحَّ عنه التیُمُ لِكل صلاة، ولا
أمر به، بل أطلق التيمم، وجعله قائماً مقام الوضوء(٣) وهذا يقتضي أن يكون
٠
(١) انظر ((نصب الراية)) ١٥١/١، ١٥٤، و((تلخيص الحبير)) ١٥٢/١، ١٥٣، فقد وفيا
الموضوع حقه.
(٢) رواه أحمد في ((المسند)) ٢٤٨/٥ من حديث أبي أمامة رضي الله عنه، وإسناده
صحيح ولفظه بتمامه: ((فضلني ربي على الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، أو قال:
على الأمم بأربع، قال: أرسلت إلى الناس كافة، وجعلت الأرض كلها لي ولأمتي
مسجداً وطهوراً فأينما أدركت رجلاً من أمتي الصلاة، فعنده مسجده، وعنده طهوره،
ونصرت بالرعب مسيرة شهر، يقذفه في قلوب أعدائي، وأحل لنا الغنائم)).
(٣) وذلك فيما رواه أبو داود (٣٣٢) و (٣٣٣) والترمذي (١٢٤) والنسائي ١٧١/١
وأحمد ١٤٦/٥ و١٤٧ و١٥٥ و١٨٠ عن أبي ذر قال: قال رسول الله وَّةٍ: ((إن
الصعيد الطيب وضوء المسلم وإن لم يجد الماء عشر سنين، وإذا وجد الماء،
فليمسه بشرته)) وصححه ابن حبان (١٢٦) والحاكم ١٧٦/١، ١٧٧ ووافقه الذهبي، =
١٩٣
زاد المعاد ج ١ -م٧

حکمُه حكمه، إلا فيما اقتضى الدلیل خلافه.
فصل
في هديه ◌َّة في الصلاة
لم يتلفظ بالنية
كان ◌َّ إذا قام إلى الصلاة قال: ((اللَّهُ أَكْبَرُ)) ولم يقل شيئاً قبلها ولا تلفّظ
بالنية البتة، ولا قال: أصلي للَّهِ صلاة كذا مُستقبِلَ القبلة أربعَ ركعات إماماً أو
مأموماً، ولا قال: أداءً ولا قضاءً، ولا فرض الوقت، وهذه عشرُ بدع لم يَنْقُلْ عنه
أحد قط بإسناد صحيح ولا ضعيف ولا مسند ولا مرسل لفظةً واحدةً منها البتة، بل
ولا عن أحد من أصحابه، ولا استحسنه أحدٌ من التابعين، ولا الأئمةُ الأربعة،
وإنما غَرَّ بعضَ المتأخرين قولُ الشافعي رضي الله عنه في الصلاة: إنها ليست
كالصيام، ولا يدخل فيها أحد إلا بذكر، فظن أن الذكر تلفُّظُ المصلي بالنية، وإنما
أراد الشافعي رحمه الله بالذكر: تكبيرةَ الإِحرام ليس إلا، وكيف يستحِبُّ الشافعيُّ
أمراً لم يفعله النبي ◌ٍَّ في صلاة واحدة، ولا أحدٌ مِن خلفائه وأصحابِهِ، وهذا
هديُهم وسيرتُهم، فإن أَوْجَدَنَا أحدٌ حرفاً واحداً عنهم في ذلك، قبلناه، وقابلناه
بالتسليم والقبول، ولا هديَ أكملُ من هديهم، ولا سنةَ إلا ما تلقَّوه عن صاحب
الشرع مل﴾ .
وكان دأبُهُ في إحرامه لفظةَ: ((اللَّهُ أَكْبَرُ)) لا غيرَها، ولم ينقل أحدٌ عنه
سواها.
الإحرام
وكان يرفع يديه معها ممدودةَ الأصابع، مستقبلاً بها القبلةَ إلى فروع أُذنيه،
ورُوي إلى منكبيه، فأبو حميد السَّاعديُّ وَمَنْ معه قالوا: حتى يُحاذيَ بهما
المَنْكِبِيْنِ، وكذلك قال ابن عمر. وقال وائل بن حُجر: إلى حِيال أُذنيه. وقال
البراء: قريباً من أُذنيه. وقيل: هو من العمل المخيَّر فيه، وقيل: كان أعلاها إلى
رفع اليدين عند الإحرام
=
وله شاهد عند البزار من حديث أبي هريرة وسنده قوي.
١٩٤

فروع أُذنيه، وكفَّه إلى منكبيه، فلا يكون اختلافاً، ولم يختلف عنه في محل هذا
الرفع .
ثم يضعُ اليُمنى على ظهرِ اليُسرى.
وكان يستفتح تارة بـ «اللَّهُمَّ بَاعِدْ بَيْنِي وَبَيْنَ خَطَايَايَ كَمَا بَاعَدْتَ بَيْنَ
المَشْرِقِ وَالمَغْرِبِ، اللَّهُمَّ اغْسِلْنِي مِنْ خَطَايَايَ بِالمَاءِ وَالثَّلْجِ وَالْبَرَدِ، اللَّهُمَّ نَقِِّي
مِنَ الذُّنُوبِ وَالخَطَايَا كَمَا يُنَقَّى الثَّوْبُ الأَبْيَضُ مِنَ الدَّنَسِ))(١).
الاستفتاح
وتارة يقول: ((وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفاً
مُسْلِماً وَمَا أَنَا مِنَ المُشْرِكِينَ، إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمانِي اللَّهِ رَبِّ
العَالَمِينَ، لاَ شَرِيكَ لَهُ، وَبِذلِكَ أُمِرْتُ، وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ، اللَّهُمَّ أَنْتَ
المَلِكُ، لاَ إِلهَ إِلاَّ أَنْتَ، أَنْتَ رَبِّي، وَأَنَا عَبْدُكَ، ظَلَمْتُ نَفْسِي، وَاعْتَرَفْتُ
بِذَنْيِي، فَاغْفِرْ لِي ذُنُوبِي جَمِيعَهَا، إِنَّهُ لاَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ أَنْتَ، وَاهْدِنِي
لِأَحْسَنِ الأَخْلاَقِ لاَ يَهْدِي لِأَحْسَنِهَا إِلاَّ أَنْتَ، وَاصْرِفْ عَنِّي سَيِّىءَ الأَخْلاَقِ، لاَ
يَصْرِفُ عَنِّي سَيَّها إِلاَّ أَنْتَ، لَيْكَ وَسَعْدَيْكَ، وَالْخَيْرُ كُلُّهُ بِيَدَيْكَ، وَالشَّرُّ لَيْسَ
إِلَيْكَ، أَنَا بِكَ وَإِلَيْكَ تَبَارَكْتَ وَتَعَالَيْتَ، أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إِلَيْكَ))(٢)،
(١) أخرجه البخاري ١٨٨/٢، ١٩١، ومسلم (٥٩٨) (١٤٧) وأبو داود (٧٨١) والنسائي
١٢٩/٢ من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: سكت رسول الله وَ لّه هُنَيَّة قبل أن
يقرأ، قلت: يا رسول الله بأبي أنت وأمي أرأيت سكوتك بين التكبير والقراءة ما
تقول؟ فذكره ..
(٢) رواه مسلم (٧٧١) في صلاة المسافرين: باب الدعاء في صلاة الليل وقيامه، وأبو
داود (٧٦٠) في الصلاة: باب ما يستفتح به الصلاة من الدعاء، وأحمد (٧٢٩)،
وابن حبان (٤٤٥) والنسائي ١٣٠/٢ في الافتتاح: باب الذكر والدعاء بعد التكبيرة
من حديث علي رضي الله عنه. وقوله في الحديث: ((والشر ليس إليك)) معناه: الشر
ليس مما يتقرب به إليك، وقيل: أراد أن الشر لا يصعد إليك، وإنما يصعد إليك
الطيب وهو الخير ... وقيل: لا ينسب الشر إليك على الانفراد تعظيماً ... ، وهو
سبحانه خالق الخير والشر، فالشر في بعض مخلوقاته لا في خلقه وفعله، ولهذا تنز=
١٩٥

ولكن المحفوظ أن هذا الاستفتاح إنما كان يقوله في قيام الليل(١).
وتارة يقول: ((اللَّهُمَّ رَبَّ جِبْرَائِيلَ وَمِيكَائِيلَ وَإِسْرَافِيلَ، فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ
وَالأَرْضِ، عَالِمَ الغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ، أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ،
اهْدِني لِمَا اخْتُلِفَ فِيهِ مِنَ الحَقِّ بِإِذْنِكَ، إِنَّكَ تَهِدِي مَنْ تَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ
مُسْتَقِيم)) (٢).
وتارة يقول: ((اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ، أَنْتَ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ، وَمَنْ
فِيهِنَّ ... ))(٣) الحديث. وسيأتي في بعض طرقه الصحيحة عن ابن عباس
رضي الله عنهما أنه كبر، ثم قال ذلك.
وتارة يقول: ((اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ، الْحَمْدُ للَّهِ كَثِيراً، الْحَمْدُ للَّهِ
سبحانه عن الظلم الذي حقيقته وضع الشيء في غير محله، فلا يضع الأشياء إلا في
=
مواضعها اللائقة بها وذلك خير كله، والشر وضع الشيء في غير محله، فإذا وضع
في محله لم يكن شراً، فعلم أن الشر ليس إليه. انظر ((شفاء العليل)) للمؤلف
رحمه الله. وقوله: ((وأنا أول المسلمين)) معناه المسارعة في الامتثال لما أمر به،
ونظيره قوله تعالى: (قل إن كان للرحمن ولد فأنا أول العابدين) وقول موسى: (وأنا
أول المؤمنين) فالأولية إضافية.
(١) بل كان يقوله في المكتوبة أيضاً، فقد ثبت في ((صحيح ابن خزيمة)) ٣٠٧/١ وغيره
أنه كان إذا قام إلى المكتوبة يقول ... وإسناده صحيح.
أخرجه مسلم (٧٧٠) في صلاة المسافرين: باب الدعاء في صلاة الليل من حديث
(٢)
عائشة رضي الله عنها.
(٣) رواه البخاري ٣/٣، ٤ في التهجد، ومسلم (٧٦٩) في صلاة المسافرين عن ابن
عباس قال: إن رسول الله ◌َّل* كان يقول إذا قام إلى الصلاة من جوف الليل: ((اللهم
لك الحمد أنت نور السماوات والأرض، ولك الحمد أنت قيَّام السماوات والأرض،
ولك الحمد أنت رب السماوات والأرض ومن فيهن، أنت الحق، ووعدك الحق،
وقولك الحق، ولقاؤك حق، والجنة حق، والنار حق، والساعة حق، اللهم لك
أسلمت وبك آمنت، وعليك توكلت، وإليك أنبت وبك خاصمت، وإليك حاكمت،
فاغفر لي ما قدمت وما أخرت وأسررت وأعلنت، أنت إلهي لا إله إلا أنت)).
١٩٦

كَثِيراً، الْحَمْدُ للَّهِ كَثِيراً، وَسُبْحَانَ اللَّهِ بُكْرَةً وَأَصِيلاً، سُبْحَانَ اللَّهِ بَكْرَةً وَأَصِيلاً،
سُبْحَانَ اللَّهِ بُكْرَةً وَأَصِيلاً، اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ مِنْ هَمْزِهِ
وَنَفْخِهِ وَنَفْئِهِ))(١).
وتارة يقول: ((اللَّهُ أَكْبَرُ عَشْرَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ يُسَبِّحُ عَشْرَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ يَحْمَدُ عَشْراً،
ثُمَّ يُهَلِّلُ عَشْرَاً، ثُمَّ يَسْتَغْفِرُ عَشْراً، ثُمَّ يَقول: ((اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي وَاهْدِنِي وَارْزُقْنِي
وَعَافِي عَشْرَاً)، ثُمَّ يقول: ((اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ ضِيقِ المُقَامِ يَوْمَ القِيَامَةِ
عَشْرَا))(٢).
فکل هذه الأنواع صحت عنه
صَلى الله
. *
وروي عنه أنه كان يستفتح بـ ((سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ، وَتَبَارَكَ اسْمُكَ،
وتَعَالَى جَدُّكَ، وَلاَ إِلّهِ غَيْرُكَ)) ذكر ذلك أهلُ السنن من حديث علي بن علي
الرفاعي، عن أبي المتوكل النَّاجي، عن أبي سعيد على أنه ربما أرسل، وقد رُوي
(١) رواه أحمد ٨٠/٤ و٨٥، وأبو داود (٧٦٤) وابن ماجه (٨٠٧) وفي سنده عاصم بن
عمير العنزي وثقه ابن حبان، وروى عنه اثنان، وصحح حديثه هذا ابن حبان (٤٤٣)
والحاكم ٢٣٥/١، ووافقه الذهبي، وأخرج أحمد ٥٠/٣، وأبو داود (٧٧٥)
والترمذي (٢٤٢) عن أبي سعيد الخدري قال: كان رسول الله ◌َّ إذا قام من الليل
كبر، ثم يقول: ((سبحانك اللهم وبحمدك وتبارك اسمك وتعالى جدك ولا إله
غيرك، ثم يقول: لا إله إلا الله ثلاثاً، ثم يقول: الله أكبر كبيراً ثلاثاً أعوذ بالله السميع
العليم من الشيطان الرجيم من همزه ونفخه ونفثه، ثم يقرأ»، وسنده حسن. وروى
مسلم (٦٠١) وأبو عوانة عن ابن عمر قال: بينما نحن نصلي مع رسول الله (مثلّ إذا
قال رجل من القوم: ((الله أكبر كبيراً، والحمد لله كثيراً، وسبحان الله بكرة وأصيلاً))
فقال رسول الله مَمثل: ((من القائل كلمة كذا وكذا؟)) قال رجل من القوم: أنا يا
رسول الله، قال: ((عجبت لها فتحت لها أبواب السماء)).
(٢) حديث صحيح، رواه أبو داود (٧٦٦) في الصلاة: باب ما يستفتح به الصلاة، وابن
ماجه (١٣٥٦) في الإقامة: باب ما جاء في الدعاء إذا قام الرجل من الليل،
والنسائي ٢٠٩/٣ في صلاة الليل: باب ذكر ما يستفتح به القيام، وأحمد في
((المسند)» ١٤٣/٦، والطبراني في ((الأوسط)) ٦٢/٢ من حديث عائشة.
١٩٧

مثله من حديث عائشة رضي الله عنها (١)، والأحاديث التي قبله أثبتُ منه، ولكن
صح عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه كان يستفتح به في مقام النبي وَ ل
ويجهر به، ويعلِّمه الناس(٢) وقال الإِمام أحمد: أمّا أنا فأذهب إلى ما روي عن
عمر، ولو أن رجلاً استفتح ببعض ما رُوي عن النبي ◌َّ من الاستفتاح كان حسناً.
وإنما اختار الإِمام أحمد هذا لعشرة أوجه قد ذكرتُها في مواضع أخرى.
منها جهرُ عمر به يعلِّمه الصحابة .
اختيار الإمام أحمد لدعاء:
«سبحانك اللهم».
والتعليل له
ومنها اشتمالُه على أفضل الكلام بعد القرآن، فإن أفضل الكلام بعد
القرآن: سبحان اللَّهِ، والحمد الله، ولا إِله إِلا الله، والله أكبر، وقد تضمنها
هذا الاستفتاحُ مع تكبيرة الإحرام.
ومنها أنه استفتاح أخلصُ للثناء على الله، وغيره متضمن للدعاء،
والثناء أفضلُ من الدعاء، ولهذا كانت سورة الإخلاص تَعدِلُ ثلث القرآن،
(١) رواه أحمد ٥٠/٣، والترمذي (٢٤٢) في الصلاة: باب ما يقول عند افتتاح الصلاة
وأبو داود (٧٧٥) في الصلاة: باب من رأى الاستفتاح بسبحانك اللهم وبحمدك،
والنسائي ١٣٢/٢ في الصلاة: باب نوع آخر من الذكر بين افتتاح الصلاة، وابن
ماجه (٨٠٤) في الإقامة: باب افتتاح الصلاة، كلهم من حديث أبي سعيد الخدري،
وسنده حسن، ورواه الترمذي من حديث عائشة (٢٤٣) في الصلاة: باب ما يقول
عند افتاح الصلاة، وأبو داود (٧٧٦) في الصلاة: باب من رأى الاستفتاح بسبحانك
اللهم، وابن ماجه (٨٠٦) في الإقامة: باب افتتاح الصلاة: والدارقطني ١/ ١١٢،
والحاكم ٢٣٥/١ ورجاله ثقات، فالحديث صحيح.
(٢) رواه مسلم (٣٩٩) (٥٢) من طريق عبدة أن عمر بن الخطاب كان يجهر بهؤلاء
الكلمات يقول: ((سبحانك اللهم وبحمدك وتبارك اسمك وتعالى جدك ولا إله
غيرك)) وعبدة لا يعرف له سماع من عمر، وإنما سمع من ابنه عبد الله، ويقال: إنه
رأى عمر رؤية. ورواه الطحاوي في ((شرح معاني الآثار)) ١١١/١ من حديث الحكم
عن عمرو بن ميمون قال: صلَّى بنا عمر رضي الله عنه بذي الحليفة، فقال: ((الله
أكبر سبحانك اللهم وبحمدك وتبارك اسمك وتعالى جدك ولا إله غيرك» ورجاله
ثقات .
١٩٨

لأنها أخلصت لوصف الرحمن تبارك وتعالى، والثناء عليه، ولهذا كان
((سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر)» أفضل الكلام بعد
القرآن، فيلزم أن ما تضمنها من الاستفتاحات أفضل من غيره من
الاستفتاحات.
ومنها أن غيرَه من الاستفتاحات عامتُها إنما هي في قيام الليل في
النافلة، وهذا كان عمرُ يفعله، ويعلِّمه الناس في الفرض.
ومنها أن هذا الاستفتاح إنشاء للثناء على الرّب تعالى، متضمن للإِخبار
عن صفات كماله، ونعوت جلاله، والاستفتاح بـ ((وجهت وجهي)) إخبار عن
عبودية العبد، وبينهما من الفرق ما بينهما.
ومنها أن من اختار الاستفتاح بـ ((وجهت وجهي)) لا يكمله، وإنما يأخذ
بقطعة من الحديث، ويذَرُ باقيه، بخلاف الاستفتاح بـ ((سبحانك اللهم
وبحمدك)) فإن من ذهب إليه يقوله كلَّه إلى آخره.
وكان يقول بعد ذلك: ((أعوذ بالله من الشيطان الرجيم)) ثم يقرأ الفاتحة،
وكان يجهر بـ ((بسم الله الرَّحمن الرَّحيم)) تارة، ويخفيها أكثر مما يجهر
بھا(١)
(١) الثابت عنه ◌َّ عدم الجهر بها، فقد روى البخاري ١٨٨/٢ في صفة الصلاة: باب
ما يقول بعد التكبير عن أنس أن النبي ◌َ ◌ّر وأبا بكر وعمر كانوا يفتتحون الصلاة
بالحمد الله رب العالمين، وأخرجه الترمذي (٢٤٦) وعنده ((القراءة)) بدل ((الصلاة))،
وزاد: ((عثمان)) وأخرجه مسلم (٣٩٩) في الصلاة: باب حجة من قال لا يجهر
بالبسملة بلفظ ((صليت مع رسول الله وأبي بكر وعمر وعثمان، فلم أسمع أحداً منهم
يقرأ بسم الله الرحمن الرحيم، ورواه أحمد ٢٦٤/٣ والطحاوي ١١٩/١،
والدارقطني ١١٩، وقالوا فيه: فكانوا لا يجهرون ببسم الله الرحمن الرحيم، ورواه
ابن حبان في ((صحيحه)) وزاد: ويجهرون بالحمد لله رب العالمين، وفي لفظ
للنسائي ١٣٥/٢ وابن حبان: فلم أسمع أحداً منهم يجهر ببسم الله الرحمن الرحيم، =
١٩٩

ولا ريب أنه لم يكن يجهر بها دائماً في كل يوم وليلة خمس مرات
أبداً، حضراً وسفراً، ويخفي ذلك على خلفائه الرَّاشدين، وعلى جُمهور
أصحابه، وأهل بلده في الأعصار الفاضلة، هذا مِن أمحل المحال حتى
يحتاج إلى التشبّث فيه بألفاظ مجملة، وأحاديث واهية، فصحيح تلك
الأحاديث غيرُ صريح، وصريحُها غير صحيح، وهذا موضع يستدعي مجلَّداً
ضخماً.
وكانت قراءته مداً، يقف عند كل آية، ويمدُّ بها صوته(١).
فإذا فرغ من قراءة الفاتحة، قال: ((آمين)) فإن كان يجهر بالقراءة، رفع
بها صوته، وقالها من خلفه(٢) .
وفي لفظ لأبي يعلى الموصلي في مسنده: فكانوا يستفتحون القراءة فيما يجهر به
=
بالحمد لله رب العالمين، وفي لفظ للطبراني في ((معجمه)) وأبي نعيم في ((الحلية))
وابن خزيمة في ((صحيحه) (٤٩٨) والطحاوي في ((شرح معاني الآثار)) ١١٩/١:
وكانوا يسرون ببسم الله الرحمن الرحيم. قال الزيلعي في ((نصب الراية)): ٣٢٧/١:
ورجال هذه الروايات كلهم ثقات مخرج لهم في الصحيح جمع.
(١) روى البخاري ٧٩/٩ في فضائل القرآن: باب مدّ القراءة عن قتادة قال: سئل أنس:
كيف كانت قراءة النبي مَلٍ؟ فقال: كانت مداً، ثم قرأ: بسم الله الرحمن الرحيم يمد
ببسم الله ويمد بالرحمن ويمد بالرحيم. وفي رواية له أيضاً: كان يمد مداً. وأخرج
أحمد ٣٠٢/٦، وأبو داود (٤٠٠١) والترمذي (٢٩٢٨) من حديث أم سلمة قالت:
كانت قراءة رسول الله ◌َ﴾ (بسم الله الرحمن الرحيم) (الحمد لله رب العالمين)
(الرحمن الرحيم) (مالك يوم الدين) يقطع قراءته آية آية. وصححه الدارقطني،
والحاكم ٢٣٢/١، ووافقه الذهبي، ورواه الداني في ((المكتفي)) ٢/٥، وقال: ولهذا
الحديث طرق كثيرة، وهو أصل في هذا الباب، ثم قال: وكان جماعة من الأئمة
السالفين والقراء الماضين يستحبون القطع على الآيات، وإن تعلق بعضهن ببعض.
(٢): روى أبو داود (٩٣٢) من حديث وائل بن حجر قال: كان رسول الله : ﴿ إذا قرأ (ولا
الضالین) قال: آمين، ورفع بها صوته، ورواه الترمذي (٢٤٨) وسنده صحيح،
وذكره الحافظ في ((التلخيص)) ص ٩٠، وزاد نسبته إلى الدارقطني وابن حبان وقال :=
٢٠٠