Indexed OCR Text
Pages 61-80
. مساجدهم وموقفهم من الدعاء والتضرع ما لا يحصُل في يوم سواه. الخامس: أن يوم الجمعة يومُ عيد، ويومَ عرفة يومُ عيد لأهل عرفة، ولذلك كره لمن بعرفة صومه، وفي النسائي عن أبي هريرة قال: ((نَهَى رَسُولُ اللّهِ وَ لَ عَنْ صَوْمٍ يَوْمٍ عَرَفَةَ بِعَرَفَةَ)» (١)، وفي إسناده نظر، فإن مهدي بن حرب العبدي ليس بمعروف، ومداره عليه، ولكن ثبت في الصحيح من حديث أم الفضل ((أن ناساً تمارَوْا عِنْدَهَا يَوْمَ عَرَفَةَ فِي صِيَامِ رَسُولِ اللَّهِ ﴾))، فقال بعضُهم: هُوَ صَائِمٌ، وَقَالَ بِعْضُهُمْ: لَيْسَ بِصَائِمٍ فَأَرْسَلَتْ إلَيْهِ بِقَدَحِ لَيْنٍ، وَهُوَ وَاقِفٌ عَلَى بَعِيرِهِ بِعَرَفَةَ، فَشَرِبَهُ)»(٢). وقد اختلف في حِكمة استحباب فطر يوم عرفة بعرفة، فقالت طائفة: الحكمة في استحباب فطر لِيتقوى على الدعاء، وهذا هو قولُ الخِرقي وغيره، وقال غيرهم - منهم شيخ يوم عرفة بعرفة الإِسلام ابن تيمية -: الحِكمة فيه أنه عيد لأهل عرفة، فلا يُستحب صومُه لهم، قال: والدليلُ عليه الحديث الذي في ((السنن)) عنه ◌َّ أنه قال: ((يَوْمُ عَرَفَةَ، وَيَوْمُ النَّحْرِ، وَأَيَّامُ مِنَى عِيدُنَا أهْلَ الإِسلامِ»(٣). (١) رواه أبو داود (٢٤٤٠) في الصيام: باب في صوم عرفة، وابن ماجه (١٧٣٢) في الصيام: باب الصيام يوم عرفة، وأحمد ٣٠٤/٢ و٤٤٦، وسنده ضعيف لجهالة مهدي بن حرب العبدي كما ذكر المصنف. (٢) رواه مالك في ((الموطأ)) ٣٧٥/١ في الحج: باب صيام يوم عرفة، والبخاري ٢٠٦/٤ في الصوم: باب صوم يوم عرفة، ومسلم (١١٢٣) في الصيام: باب استحباب الفطر للحاج يوم عرفة. وأخرج الترمذي (٧٥١) عن ابن عمر أنه سئل عن صوم يوم عرفة، فقال: حججت مع النبي ◌ِّز، فلم يصمه، ومع أبي بكر فلم يصمه، ومع عمر فلم يصمه، ومع عثمان، فلم يصمه، وأنا لا أصومه ولا آمر به، ولا أنهى عنه، ورجاله رجال الصحيح. (٣) رواه أحمد ١٥٢/٤، وأبو داود (٢٤١٩) في الصوم: باب صيام أيام التشريق بلفظ (يوم عرفة، ويوم النحر، وأيام التشريق عيدنا أهل الإسلام وهي أيام أكل وشرب)) من حديث عقبة بن عامر رضي الله عنه، وإسناده صحيح، ورواه الترمذي (٧٧٣) في ٦١ قال شيخنا: وإنما يكون يومُ عرفة عيداً في حق أهلِ عرفة، لاجتماعهم فيه، بخلاف أهل الأمصار، فإنهم إنما يجتمعون يوم النَّحر، فكان هو العيدَ في حقهم، والمقصود أنه إذا اتفق يومُ عرفة، ويومُ جمعة، فقد اتفق عيدانٍ معاً. السادس: أنه موافق ليوم إكمال الله تعالى دينَه لعباده المؤمنين، وإتمام نعمته عليهم، كما ثبت في ((صحيح البخاري)) عن طارق بن شهاب قال: جاء يهوديٌّ إلى عمرَ بنِ الخطاب فقال: يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِين آَيَّةٌ تَقْرَؤُونَهَا فِي كِتَابِكُمْ لَوْ عَلَيْنَا مَعْشَرَ الْيَهُودِ نَزَلَتْ وَنَعْلَمُ ذَلِكَ اليَوْمَ الَّذِي نَزَلَتْ فِيهِ، لاتَّخَذْنَاهُ عِيداً، قَالَ: أَيُّ آيَةٍ؟ قَالَ: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِيناً﴾ [المائدة: ٣] فَقَالَ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ: إِنِّي لَأَعْلَمُ الْيَوْمَ الَّذِي نَزَلَتْ فِيهِ، وَالمَكَانَ الَّذِي نَزَلَتْ فِيهِ، نَزَلَتْ عَلَى رَسُولِ اللّهِ بِلّهِ بِعَرَفَةَ يَوْمَ جُمُعَةٍ، وَنَحْنُ وَاقِفُونَ مَعَهُ بِعَرَفَةَ(١) . السابع: أنه موافق ليوم الجمع الأكبر، والموقفِ الأعظم يومِ القيامة، فإن القيامة تقومُ يومَ الجمعة، كما قال النبي ◌َّ: ((خَيْرُ يَوْمِ طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ يَوْمُ الجُمُعَةِ، فِيهِ خُلِقَ آدَمُ، وَفِيهِ أُدْخِلَ الجَنَّةَ، وَفِيهِ أُخْرِجَ مِنْهَا، وَفِيهِ تَقُومُ السَّاعَةُ، وَفِيهِ سَاعَةٌ لاَ يُوَافِقُهَا عَبْدٌ مُسْلِمٌ يَسْأَلُ اللَّهَ خَيْرَاً إِلاَّ أَعْطَاهُ إِيَّاهُ)(٢) ولهذا شرع اللَّهُ = الصوم، وقال: هذا حديث حسن صحيح، وصححه الحاكم ٤٣٤/١، ووافقه الذهبي. (١) البخاري في ((صحيحه)) ٩٧/١، في الإيمان باب زيادة الإيمان ونقصانه، و ٢٠٣/٨ في التفسير: أول سورة المائدة، و٢٠٨/١٣ في الاعتصام، ورواه مسلم في ((صحيحه)) (٣٠١٧) في التفسير. (٢) رواه مالك في ((الموطأ)) ١٠٨/١ في الجمعة: باب ما جاء في الساعة التي في يوم الجمعة، ومسلم (٨٥٢) و (٨٥٤) في الجمعة: باب في الساعة التي في يوم الجمعة، وباب فضل يوم الجمعة وأبو داود (١٠٤٦) في الجمعة: باب فضل يوم الجمعة وليلة الجمعة، والترمذي (٤٨٨) في الجمعة: باب فضل صلاة الجمعة من حديث أبي هريرة. ٦٢ سبحانه وتعالى لعباده يوماً يجتمعون فيه، فيذكرون المبدأ والمعاد، والجنَّة والنَّار، وادَّخر اللَّهُ تعالى لهذه الأُمَّة يومَ الجمعة، إذ فيه كان المبدأُ، وفيه المعادُ، ولهذا كان النبيُّ نَّه يقرأ في فجره سورتي (السجدة) و (هل أتى على الإنسان)(١) لاشتمالهما على ما كان وما يكونُ في هذا اليوم، مِن خلق آدم، وذكر المبدإِ والمعاد، ودخولِ الجنَّة والنَّار، فكان يُذَكِّرُ الأمَّة في هذا اليوم بما كان فيه وما يكون، فهكذا يتذكَّر الإِنسانُ بأعظم مواقف الدنيا ــ وهو يومُ عرفة - الموقفَ الأعظم بين يدي الرب سبحانه في هذا اليوم بعينه، ولا يتنصف حتى يستقرَّ أهلُ الجنة في منازلهم، وأهل الثَّار في منازلهم. الثامن: أن الطاعةَ الواقِعَة مِن المسلمين يومَ الجُمعة، وليلةَ الجمعة، أكثر منها في سائر الأيام، حتى إن أكثرَ أهل الفجور يَحترِمون يوم الجمعة وليلته، ويرون أن من تَجَرَّأ فيه على معاصي اللَّهِ عز وجل، عجَّل اللَّهُ عقوبته ولم يُمهله، وهذا أمر قد استقرَّ عندهم وعلموه بالتجارِب، وذلك لِعظم اليومِ وشرفِهِ عند الله، واختيارِ الله سبحانه له من بين سائر الأيام، ولا ريب أن للوقفة فيه مزيةً على غيره. التاسع: أنه موافق ليوم المزيد في الجنة، وهو اليومُ الذي يُجْمَعُ فيه أهلُ الجنة في وادٍ أَفْيحَ، ويُنْصَبُ لهم مَنَابِرُ مِن لؤلؤ، ومنابِرُ من ذهب، ومنابرُ من زَبَرْجَدٍ وياقوت على كُثْبَانِ المِسك، فينظرون إلى ربِّهم تبارك وتعالى، ويتجلى لهم، فيرونه عِياناً(٢) ويكون أسرعُهم موافاةً أعجلَهم رواحاً (١) أخرجه البخاري ٣١٤/٢ في الجمعة: باب ما يقرأ في صلاة الفجر يوم الجمعة، ومسلم (٨٨٠) في الجمعة: باب ما يقرأ في يوم الجمعة، والنسائي ١٥٩/٢ من حديث أبي هريرة، وأخرجه مسلم (٨٨٩) والترمذي (٥٢٠)، وأبو داود (١٠٧٤)، والنسائي ١٥٩/٢، وأحمد ٢٣٤/٣ من حديث ابن عباس. (٢) رواه الشافعي بنحوه في ((الأم)) ١٨٥/١ من حديث أنس بن مالك ... وفي سنده إبراهيم بن محمد بن أبي يحيى الأسلمي وهو متروك، وموسى بن عبيدة الربذي وهو ضعيف، وأخرجه الطبري في ((جامع البيان)» ١٧٥/٢٦ بأبسط منه وفي سنده = ٦٣ إلى المسجد، وأقربُهم منه أقربَهم من الإِمام، فأهلُ الجنة مشتاقون إلى يوم المزيد فيها لما ينالون فيه من الكرامة، وهو يوم جمعة، فإذا وافق يوم عرفة، كان له زيادةُ مزية واختصاص وفضل ليس لغيره. العاشر: أنه يدنو الرّبُّ تبارك وتعالى عشيةً يوم عرفة مِن أهل الموقف، ثم يُباهي بهم الملائكة فيقول: ((مَا أَرَادَ هُؤُلاءِ، أُشْهِدُكُم أَنِّي قَدْ غَفَرْتُ لَهُم))(١) وتحصلُ مع دنوه منهم تبارك وتعالى ساعةُ الإِجابة التي لاَ يَرُدُّ فيها سائلاً يسأل خيراً فيقربُون منه بدعائه والتضرع إليه في تلك الساعة، ويقرُب منهم تعالى نوعين من القُرب، أحدهما: قربُ الإِجابة المحققة في تلك الساعة، والثاني: قربه الخاص من أهل عرفة، ومباهاتُه بهم ملائكته، فتستشعِرُ قلوبُ أهل الإِيمان هذه الأمور، فتزداد قوة إلى قوتها، وفرحاً وسروراً وابتهاجاً ورجاءً لفضل ربها وكرمه، فبهذه الوجوه وغيرها فُضِّلَتْ وقفةٌ يوم الجمعة على غيرها. = عثمان بن - ير البجلي وهو ضعيف . (١) رواه مسلم (١٣٤٨) في الحج: باب فضل الحج والعمرة من حديث عائشة دون قوله: ((أشهدكم أني قد غفرت لهم)) وأخرج ابن خزيمة ٢/٢٧٩/١ وابن حبان (١٠٠٦)، والبغوي في ((شرح السنّة)) (١٩٣١) بتحقيقنا من حديث جابر قال: قال رسول الله # إذا كان يوم عرفة إن الله ينزل إلى السماء الدنيا، فيباهي بهم الملائكة، فيقول: ((انظروا إلى عبادي أتوني شعثاً غبراً ضاحين من كل فج عميق أشهدكم أني قد غفرت لهم)) ورجاله ثقات إلا أن فيه تدليس أبي الزبير، وروى المنذري في ((الترغيب والترهيب)) ١٢٨/٢ عن ابن المبارك، عن سفيان الثوري عن الزبير بن عدي، عن أنس بن مالك قال: ((وقف النبي م # بعرفات وكادت الشمس أن تؤوب، فقال: يا بلال أنصت لي الناس، فقام بلال، فقال: أنصتوا لرسول الله وح لر، فأنصت الناس، فقال: معاشر الناس، أتاني جبريل آنفاً، فأقرأني من ربي السلام، وقال: إن الله غفر لأهل عرفات، وأهل المشعر، وضمن عنهم التبعات، فقام عمر بن الخطاب، فقال: يا رسول هذا لنا خاصة؟ قال: هذا لكم ولمن أتى من بعدكم إلى يوم القيامة، فقال عمر بن الخطاب: كثر خير الله وطاب)) وهذا إسناد صحيح. ٦٤ وأمّا ما استفاض على ألسنة العوام بأنها تعدل ثنتين وسبعين حجة، فباطل لا أصل له عن رسول الله وَل#، ولا عن أحد من الصحابة والتابعين والله أعلم. فصل والمقصود أن اللَّهَ سبحانه وتعالى اختار من كل جنس من أجناس المخلوقات أطيبه، واختصه لنفسه وارتضاه دون غيره، فإنه تعالى طيبٌ لا يحبُ إلا الطيب، ولا يقبل من العمل والكلام والصدقة إلا الطيبَ، فالطيب مِن كل شيء هو مختارُه تعالى. وأما خلقُه تعالى، فعام للنوعين، وبهذا يُعلم عنوانُ سعادة العبد وشقاوته، فإن الطيب لا يناسبه إلا الطيب، ولا يرضى إلا به، ولا يسكُن إلا إليه، ولا يطمئن قلبُه إلا به، فله من الكلام الكَلِمُ الطيب الذي لا يصعد إلى الله تعالى إلا هو، وهو أشدُّ شيء نُفرة عن الفحش في المقال، والتفخُّش في اللسان والبذاء، والكذب والغيبة، والنميمة والبُهت، وقول الزور، وکل کلام خبيث. خصائص الطيب من عباد الله وكذلك لا يألف من الأعمال إلا أطيبها، وهي الأعمال التي اجتمعت على حسنها الفِطَرُ السليمةُ مع الشرائع النبوية، وزكتها العقولُ الصحيحة، فاتفق على حسنها الشرعُ والعقلُ والفِطرةُ، مثل أن يَعْبُدَ الله وحده لا يُشرِكُ به شيئاً، ويؤثِرَ مرضاته على هواه، ويتحببَ إليه جُهده وطاقته، ويُحْسِنَ إلى خلقه ما استطاع، فيفعلَ بهم ما يُحب أن يفعلوا به، ويُعَاملوه به، ويَدَعَهم ممّا يحب أن يَدَعُوه منه، وينصحَهم بما ينصح به نفسه، ويحكم لهم بما يحب أن يحكم له به، ويحمل أذاهم ولا يحمِّلهم أذاه، ويكُفَّ عن أعراضهم ولا يُقابلهم بما نالوا من عرضه، وإذا رأى لهم حسناً أذاعه، وإذا رأى لهم سيئاً، كتمه، ويُقيم أعذارهم ما استطاع فيما لا يُبطِلُ شريعة، ولا يُناقضُ لله أمراً ولا نهياً. ٦٥ زاد المعاد ج١ -م٣ وله أيضاً من الأخلاق أطيبُها وأزكاها، كالحلم، والوقار، والسكينة، والرحمة، والصبر، والوفاء، وسهولة الجانب، ولين العريكة، والصدق، وسلامة الصدر من الغِل والغش والحقد والحسد، والتواضع، وخفض الجناح لأهل الإيمان والعزة، والغلظة على أعداء الله، وصيانة الوجه عن بذله وتذلله لغير الله، والعِفة، والشجاعة، والسخاء، والمُروءة، وكل خلق اتفقت على حسنه الشرائع والفطر والعقول. وكذلك لا يختار من المطاعم إلا أطيبها، وهو الحلال الهنيء المريء الذي يُغذِّي البدن والروح أحسنَ تغذية، مع سلامة العبد من تَبِعَتِهِ. وكذلك لا يختار من المناكح إلا أطيبها وأزكاها، ومِن الرائحة إلا أطيبَها وأزكاها، ومن الأصحاب والعُشراء إلا الطيبين منهم، فروحه طيب، وبدنُه طيب، وخُلُقُه طيب، وعملُه طيب، وكلامُه طيِّب، ومطعمُه طيب، ومَشربه طيب، وملبَسهُ طيب، ومنكِحُه طيب، ومدخلُه طيب، ومخرجُه طيب، ومُنْقَلَبُهُ طيب، ومثواه كله طيب. فهذا ممن قال الله تعالى فيه: ﴿الَّذِينَ تَتَوقَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِِّينَ يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيْكُمُ أَدْخُلُوا الجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [النَّحل: ٣٢] ومِنَ الَّذِينَ يَقُول لهم خَزَنَةُ الجِنَّ: ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ﴾ [الزمر: ٧٢] وهذه الفاء تقتضي السببية، أي: بسبب طيبكم ادخلوها. وقال تعالى: ﴿الخَبِيثَاتُ للْخَبِيثِنَ والخَبِيثُونَ لِلْخَبِئَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَِِّّينَ وَالطَّيُِّونَ لِلطَّبَاتِ﴾ [النور: ٢٦] وقد فسرت الآية بأن الكلماتِ الخبيثات للخبيثين، والكلمات الطيبات للطيبين، وفسرت بأن النساءَ الطيباتِ للرجال الطيبين، والنساءَ الخَبِيثَاتِ للرجال الخبيثين، وهي تعم ذلك وغيره، فالكلمات، والأعمال، والنساء الطيبات لمناسبها من الطيبين، والكلمات، والأعمال، والنساء الخبيثة لمناسبها من الخبيثين، فالله سبحانه وتعالى جعل الطَّيِّبَ بحذافيره في الجنة، وجعل الخبيث بحذافيره في النار فجعل الدُّور ثلاثة: داراً أخلصت للطيبين، وهي حرامٌ على غير الطيبين، وقد جمعت كُلَّ طيب وهي الجنة، وداراً أخلصت للخبيث والخبائث، ٦٦ ولا يدخلها إلا الخبيثون، وهي النَّار، وداراً امتزج فيها الطيبُ والخبيث، وخلط بينهما، وهي هذه الدار، ولهذا وقع الابتلاءُ والمحنة بسبب هذا الامتزاج والاختلاط، وذلك بموجب الحكمة الإلهية، فإذا كان يوم معاد الخليقة، ميز الله الخبيث من الطيب، فجعل الطيب وأهله في دار على حدة لا يُخالِطهم غیرُهم، وجعل الخبيثَ وأهله في دار على حدة لا يخالطهم غيرهم، فعاد الأمر إلى دارين فقط: الجنَّة، وهي دار الطيبين، والنار، وهي دار الخبيثين، وأنشأ الله تعالى من أعمال الفريقين ثوابَهم وعقابَهم، فجعل طيباتِ أقوال هؤلاء وأعمالهم وأخلاقهم هي عينَ نعيمهم ولذاتهم، أنشأ لهم منها أكملَ أسباب النعيم والسرور، وجعل خبيثاتِ أقوال الآخرين وأعمالهم وأخلاقهم هي عينَ عذابهم وآلامهم، فأنشأ لهم منها أعظمَ أسباب العِقاب والآلام، حكمة بالغة، وعزة باهرة قاهرة، لِيُرِي عباده كمالَ ربوبيته، وكمالَ حكمته وعلمه وعدله ورحمته، وليعلم أعداؤه أنهم كانوا هم المفترين الكذَّابين، لا رسلُه البررة الصادقون. قال الله تعالى: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لاَ يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ بَلَى وَعْدَاً عَلَيْهِ حَقًّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسَ لاَ يَعْلَمُونَ، لِيُبَيِّنَ لَهُمْ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ كَانُوا كَاذِينَ﴾ [النَّحل: ٣٨، ٣٩]. والمقصود أن الله - سبحانه وتعالى - جعل للسعادة والشقاوة عنواناً يُعرفان به، فالسعيدُ الطيب لا يليق به إلا طيب، ولا يأتي إلا طيباً ولا يصدر منه إلا طيب، ولا يُلابِس إلا طيباً، والشقي الخبيث لا يليق به إلا الخبيث، ولا يأتي إلا خبيثاً،. ولا يصدُر منه إلا الخبيثُ، فالخبيث يتفجر من قَلبه الخبثُ على لسانه وجوارحه، والطَّيِّبُ يتفجر من قلبه الطِّيبُ على لسانه وجوارحه. وقد يكون في الشخص مادتان، فأيهما غلب عليه كان من أهلها، فإن أراد الله به خيراً طهره من المادة الخبيثة قبل الموافاة، فيُوافيه يوم القيامة مطهراً، فلا يحتاج إلى تطهيره بالنار، فيطهره منها بما يوفِّقه له من التوبة النصوحِ، والحسناتِ الماحية، والمصائب المكفِّرة، حتى يلقى الله وما عليه خطيئة، ويُمسك عن الآخر مواد ٦٧ التطهير، فيلقاه يوم القيامة بمادة خبيثة، ومادة طيبة، وحكمته تعالى تأبى أن يُجَاوره أحد في داره بخبائته، فيدخله النار طهرة له وتصفية وسبكاً، فإذا خلصت سبيكةُ إيمانه من الخبث، صلَح حينئذٍ لجواره، ومساكنة الطيبين من عباده. وإقامة هذا النوع من الناس في النار على حسب سرعة زوال تلك الخبائث منهم وبطئها، فأسرعهم زوالاً وتطهيراً أسرعُهم خروجاً، وأبطؤهم أبطُؤْهم خروجاً، جزاءً وفاقاً، وما ربُّك بظلام للعبيد. ولما كان المشرك خبيث العنصر، خبيث الذات، لم تطهر النار خبثه، بل لو خرج منها لعاد خبيثاً كما كان، كالكلب إذا دخل البحر ثم خرج منه، فلذلك حرَم الله تعالى على المشرك الجنَّة . ولما كان المؤمن الطيب المطيب مبرَّءاً من الخبائث، كانت النار حراماً عليه، إذ ليس فيه ما يقتضي تطهيره بها، فسبحان من بهرت حكمته العقول والألباب، وشهدت فِطَرُ عباده وعقولهم بأنه أحكم الحاكمين، وربُّ العالمين، لا إله إلا هو. فصل اضطرار العباد إلى معرفة الرسول ومن هاهنا تعلم اضطرار العباد فوقَ كل ضرورة إلى معرفة الرسول، وما جاء به، وتصديقه فيما أخبر به، وطاعته فيما أمر، فإنه لا سبيل إلى السعادة والفلاح لا في الدنيا، ولا في الآخرة إلا على أيدي الرسل، ولا سبيل إلى معرفة الطيب والخبيث على التفصيل إلا مِن جهتهم، ولا يُنال رضى الله البتة إلا على أيديهم، فالطَّيِّب من الأعمال والأقوال والأخلاق، ليس إلا هدیهم وما جاؤوا به، فهم الميزانُ الراجح الذي على أقوالهم وأعمالهم وأخلاقهم تُوزن الأقوال والأخلاق والأعمال، وبمتابعتهم يتميز أهل الهدى من أهل الضلال، فالضرورة إليهم أعظمُ مِن ضرورة البدن إلى روحه، والعين إلى نورها، والروح إلى حياتها، ٦٨ فأي ضرورة وحاجة فُرِضَتْ، فضرورةُ العبد وحاجته إلى الرسل فوقها بكثير. وما ظنك بمن إذا غاب عنك هديُه وما جاء به طرفةَ عين، فسد قلبُك، وصار كالحوت إذا فارق الماء، ووضع في المقلاة، فحال العبد عند مفارقة قلبه لما جاء به الرسل، کهذه الحال، بل أعظمُ، ولکن لا يُحِسُّ بهذا إلا قلب حي و مَا لِجُرْحٍ بِمَيِّتٍ إِيلاَمُ(١) وإذا كانت سعادةُ العبد في الدارين معلقةً بهدي النبيِ بََّ، فيجِب على كلِّ من نصح نفسه، وأحب نجاتها وسعادتها، أن يعرف من هديه وسيرته وشأنه مَا يَخْرُجُ به عن الجاهلين به، ويدخل به في عداد أتباعه وشِيعته وحزبه، والناس في هذا بين مستقِلِّ، ومستكثِر، ومحروم، والفضلُ بيد الله يُؤْتيه من يشاء، والله ذو الفضل العظيم. فصل وهذه كلمات يسيرة لا يَستغني عن معرفتها مَنْ له أدنى همة إلى معرفة نبيه وَلَه وسيرتِه وهديه، اقتضاها الخاطِرُ المَكْدُودُ على عُجَرِهِ وبُجَرِهِ(٢) مع البضاعة المزجاة التي لا تنفتح لها أبوابُ السُّدَدِ، ولا يتنافس فيها المتنافسون مع تعليقها في حال السفر لا الإقامة، والقلبُ بكل وادٍ منه شُعبة، والهمة قد تفرقت إشارة المصنف إلى تأليف هذا الكتاب في السفر مع تشتت القلب وفقد الكتاب (١) عجز بيت للمتنبي وصدره: مِن يَهُن يَسْهُلِ الهَوَانُ عليه وهو في ((الديوان)» ٢٧٧/٤ من قصيدة يمدح بها أبا الحسين علي بن أحمد المري الخراساني. (٢) أي: على معايبه ومساويه، وأصل العجر: العروق المتعقدة في الجسد، والبجر: العروق المتعقدة في البطن خاصة، وفي حديث أم زرع - وهو في الصحيح - ((إن أذكره أذكر عجره وبجره)) والمعنى: إن أذكره، أذكر معايبه التي لا يعرفها إلا من خبره . ٦٩ شَذَرَ مَذَرَ(١)، والكتاب مفقود، ومَنْ يفتح باب العلم لمذاكرته معدوم غيرُ موجود، فَعُودُ العلم النافع الكفيل بالسعادة قد أصبح ذاوياً، وربعه قد أوحش من أهله وعاد منهم خالياً، فلسان العالم قد مُلِىءَ بالغلول مضاربةً لغلبة الجاهلين، وعادت موارِدُ شفائه وهي معاطبه لكثرة المنحرفين والمحرِّفين، فليس له مُعَوَّل إلا على الصبرِ الجميل، وما له ناصر ولا معين إلا الله وحده وهو حسبنا ونعم الو کیل. فصل في نسبه وله وهو خير أهل الأرض نسباً على الإطلاق، فلنسبه من الشرف أعلى ذِرْوة، وأعداؤه کانوا یشهدون له بذلك، ولهذا شهد له به عدوُّه إذ ذاك أبو سفيان بين يدي مَلِك الرّوم(٢)، فَأَشرف القوم قومُه، وأَشرف القبائل قبيلُه، وأَشرفُ الأفخاذ فخذه . فهو محمَّد بن عبد الله، بن عبد المُطَّلِب، بن هَاشِم، بن عَبْدِ مَنَاف، بن قُصَيٍّ، بِنِ كِلاب، بنِ مُرَّة، بنِ كَعْبٍ، بِنِ لُؤَي، بِنِ غَالِبِ، بِنِ فِهْر، بنِ مَالِك، بنِ النَّضْرِ، بِنِ كِنَانَة، بنِ خُزَيْمَة، بنِ مُدْرِكَة، بنِ إِلْيَاس، بنِ مُضَرَ، بنِ نِزَار، بنِ مَعَدِّ، بنِ عَدْنَان. إلى هاهنا معلوم الصحة، متفق عليه بين النسابين، ولا خلاف فيه البتة، وما فوق ((عدنان)) مختلف فيه. ولا خلاف بينهم أن ((عدنان)) من ولد إسماعيل (١) يقال: ذهبوا شَذَرَ مَذَرَ، بفتح الشين والميم وكسرهما: إذا ذهبوا متفرقين في كل وجه . (٢) جاء في حديث أبي سفيان الطويل في ((صحيح البخاري)) ٣٢/١: ثم كان أول ما سألني عنه أن قال: كيف نسبه فيكم؟ قلت: هو فينا ذو نسب. ٧٠ عليه السلام، وإسماعيل: هو الذبيح على القول الصواب عند علماء الصحابة والتابعين ومن بعدهم. بطلان القول بأن الذبيح هو إسحاق وأمّا القول بأنه إسحاق فباطل بأكثر من عشرين وجهاً، وسمعت شيخ الإِسلام ابن تيمية قدّس الله روحه يقول: هذا القول إنما هو متلقى عن أهل الكِتاب، مع أنه باطل بنص كتابهم، فإن فيه: إن الله أمر إبراهيم أن يذبح ابنَه بكره، وفي لفظ: وحيده، ولا يشكُّ أهلُ الكِتاب مع المسلمين أن إسماعيل هو بكر أولاده، والذي غرَّ أصحاب هذا القول أن في التوراة التي بأيديهم: اذبح ابنك إسحاق، قال: وهذه الزيادة من تحريفهم وكذبهم، لأنها تناقض قوله: اذبح بكرك ووحيدك، ولكن اليهود حسدت بني إسماعيل على هذا الشرف، وأحبوا أن يكون لهم، وأن يسوقوه إليهم، ويحتازوه لأنفسهم دون العرب، ويأبى اللَّهُ إلا أن يجعل فضله لأهله. وكيف يسوغ أن يُقال: إن الذبيح إسحاق، والله تعالى قد بشر أم إسحاق به وبابنه يعقوب، فقال تعالى عن الملائكة: إنهم قالوا لإِبراهيم لما أتوه بالبشرى: ﴿لاَ تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ. وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاق وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ﴾(١) [هود: ٧٠، ٧١] فمحال أن يبشرها بأنه يكون لها ولد، ثم يأمر بذبحه، ولا ريبَ أن يعقوب عليه السلام داخل في البشارة، فَتَنَاوُلُ البشارة لإِسحاق ويعقوب في اللفظ واحد، وهذا ظاهِر الكلام وسیاقُه. فإن قيل: لو كان الأمر كما ذكرتموه لكان ((يعقوب)) مجروراً عطفاً على (١) اختلف القراء في ((يعقوب))، فقرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، والكسائي، وأبو بكر عن عاصم ((يعقوب)) بالرفع، وقرأ ابن عامر وحمزة، وحفص عن عاصم (يعقوب)) بالنصب، قال الزجاج: وفي رفع يعقوب وجهان، أحدهما: على الابتداء المؤخر، معناه التقديم، والمعنى: ويعقوب يحدّث لها من وراء إسحاق، والثاني: وثبت لها من وراء إسحاق يعقوب، ومن نصبه، حمله على المعنى، والمعنى: وهبنا لها إسحاق، ووهبنا لها يعقوب ((زاد المسير)) ١٣٢/٤ بتحقيقنا. ٧١ إسحاق، فكانت القراءة ﴿ومن وراء إسحاق يعقوب﴾ أي: ويعقوب من وراء إسحاق. قيل: لا يمنع الرفعُ أن يكون يعقوبُ مبشراً به، لأن البشارةَ قولٌ مخصوص، وهي أولُ خبر سارٍّ صادق. وقوله تعالى: ﴿وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوب﴾ جملة متضمنة لهذه القيود، فتكون بشارة، بل حقيقة البشارة هي الجملة الخبرية. ولما كانت البشارة قولاً، كان موضع هذه الجملة نصباً على الحكاية بالقول، كأن المعنى: وقلنا لها: من وراء إِسحاق يعقوب، والقائل إذا قال: بشرتُ فلاناً بِقُدوم أخيه وَثَقَلِهِ في أثره، لم يعقل منه إلا بشارته بالأمرين جميعاً. هذا ممّا لا يستريبُ ذو فهم فيه البتة، ثم يُضعف الجرَّ أمر آخر، وهو ضعف قولك: مررت بزيد وَمِنْ بعده عمرو، ولأن العاطف يقوم مقام حرف الجرِّ، فلا يفصل بينه وبين المجرور، كما لا يفصل بين حرف الجار والمجرور. ويدل عليه أيضاً أن الله سبحانه لما ذكر قصة إبراهيم وابنه الذبيح في سورة (الصافات) قال: ﴿فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ، وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ. قَدُ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ، إِنَّ هَذَاَ لَهُوَ الْبَلَاءُ المُبِينُ. وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ. وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ في الآخِرِينَ. سَلَامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ. كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ. إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا المُؤْمِنِينَ﴾ [الصافات: ١٠٣ -١١١]. ثم قال تعالى: ﴿وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيّاً مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [الصافات: ١١٢]. فهذه بشارة من الله تعالى له شكراً على صبره على ما أُمِرَ به، وهذا ظاهر جداً في أن المبشّر به غيرُ الأول، بل هو كالنص فيه. فإن قيل: فالبشارة الثانية وقعت على نبوته، أي: لما صبر الأب على ما أُمر به، وأَسلم الولد لأمر الله، جازاه الله على ذلك بأن أعطاه الثُّبوة. قيل: البشارة وقعت على المجموع: على ذاته ووجوده، وأن يكون نبياً، ولهذا نصب (نبياً)) على الحال المقدَّر، أي: مقدراً نبوته، فلا يمكن إخراجُ البِشارة أن تقع على الأصل، ثم تخص بالحال التابعة الجارية مجرى الفَضْلَةِ، هذا مُحال من الكلام، بل إذا وقعت البِشارةُ على نبوته، فوقوعها على وجوده أولى وأحرى. ٧٢ ٠٠ .. وأيضاً فلا ريب أن الذبيح كان بمكّة، ولذلك جُعلت القرابينُ يومَ النَّحر بها، كما جُعِل السعيُ بين الصفا والمروة ورمي الجمار تذكيراً لشأن إِسماعيل وأمِّه، وإقامةً لذكر الله، ومعلوم أن إسماعيل وأمه هما اللَّذان كانا بمكّة دون إسحاق وأمه، ولهذا اتصل مكانُ الذبح وزمانُه بالبيت الحرام الذي اشترك في بنائه إبراهيم وإسماعيل، وكان النَّحرُ بمكّة مِن تمام حج البيت الذي كان على يد إبراهيم وابنه إسماعيل زماناً ومكاناً، ولو كان الذبح بالشام كما يزعم أهل الكِتاب ومن تلقى عنهم، لكانت القرابين والنَّحر بالشام، لا بمكّة. وأيضاً فإن الله سبحانه سمى الذبيح حليماً. لأنه لا أحلم ممن أسلم نفسه للذبح طاعة لربه. ولما ذكر إسحاق سماه عليماً، فقال تعالى: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيْثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ المُكْرَمِينَ. إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلَاماً قَالَ سَلَامٌ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ﴾ [الذاريات: ٢٤، ٢٥] إلى أن قال: ﴿قَالُوا لاَ تَخَفْ وَبَشَّرُوهُ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ﴾ [الذاريات: ٢٨] وهذا إسحاق بلا ريب، لأنه من امرأته، وهي المبشَّرة به، وأمّا إسماعيل، فمن السُّرِّيَّةِ. وأيضاً فإنهما بُِّرا به على الكِبرَ واليأس من الولد، وهذا بخلاف إسماعيل، فإنه ولد قبلَ ذلك. وأيضاً فإن الله سبحانه أجرى العادة البشرية أنَّ بكر الأولاد أحبُّ إلى الوالدين ممن بعده، وإبراهيم عليه السلام لما سأل ربه الولد، ووهبه له، تعلقت شُعْبَةٌ من قلبه بمحبته، والله تعالى قد اتخذه خليلاً، والخُلة مَنْصِبٌ يقتضي توحيدَ المحبوب بالمحبة، وأن لا يُشارك بينه وبين غيره فيها، فلما أخذ الولدُ شعبةً من قلب الوالد، جاءت غَيْرةُ الخُلة تنتزعها من قلب الخليل، فأمره بذبح المحبوب، فلما أقدم على ذبحه، وكانت محبةُ الله أعظمَ عنده من محبة الولد، خَلَصَتِ الخلة حينئذٍ من شوائب المشاركة، فلم يبق في الذبح مصلحة، إذ كانت المصلحةُ إنما هي في العزم وتوطين النفس عليه، فقد حَصَل المقصودُ، فَنُسِخَ الأمر، وَفُدي الذبيح، وَصدَّق الخليلُ الرؤيا، وحصل مراد الرّب. ٧٣ ومعلوم أن هذا الامتحان والاختبار إنما حصل عند أول مولود، ولم يكن ليحصل في المولود الآخر دون الأول، بل لم يحصل عند المولود الاخر من مزاحمة الخلة ما يقتضي الأمر بذبحه، وهذا في غاية الظهور. وأيضاً فإن سارة امرأة الخليل وَّ غارت من هاجر وابنها أشد الغيرة، فإنها كانت جارية، فلما ولدت إسماعيل وأَحبَّه أبوه، اشتدت غيرة ((سارة))، فأمر الله سبحانه أن يُبعد عنها (هاجر)) وابنها، ويسكنها في أرض مكّة لتبرد عن ((سارة)) حرارةُ الغيرة، وهذا من رحمته تعالى ورأفته، فكيف يأمره سبحانه بعد هذا أن يذبح ابنها، ويدع ابن الجارية بحاله، هذا مع رحمة الله لها وإبعاد الضرر عنها وجبره لها، فكيف يأمر بعد هذا بذبح ابنها دون ابن الجارية، بل حكمتُهُ البالغة اقتضت أن يأمر بذبح ولد السُّرِّيَّةِ، فحينئذٍ يرق قلبُ السيدة عليها وعلى ولدها، وتتبدل قسوةُ الغيرة رحمة، ويظهر لها بركةُ هذه الجارية وولدها، وأن الله لا يضيع بيتاً هذه وابنها منهم، وليُريَ عباده جبره بعد الكسر، ولطفه بعد الشدة، وأن عاقبة صبر ((هاجر)) وابنها على البُعد والوحدة والغربة والتسليم إلى ذبح الولد آلت إلى ما آلت إليه، من جَعْل آثارهما ومواطىء أقدامهما مناسكَ لعباده المؤمنين، ومتعبداتٍ لهم إلى يوم القيامة، وهذه سنته تعالى فِيمَن يُريد رفعه مِن خلقه أن يمنَّ عليه بعد استضعافه وذله وانكساره. قال تعالى: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ﴾ [القصص: ٥] وذلك فضل الله يُؤْتيه من يشاء، والله ذو الفضل العظيم. مولدہ ہے ولنرجع إلى المقصود من سيرته بّله وهديه وأخلاقه لا خلاف أنه ولد ◌َّ بجوف مكّة، وأن مولده كان عامَ الفيل، وكان أمرُ الفيل تقدِمة قدَّمها الله لنبيه وبيته، وإلا فأصحاب الفيل كانوا نصارى أهل كِتاب، وكان دينهم خيراً مِن دين أهل مكّة إذ ذاك، لأنهم كانوا عُبَّاد أوثان، فنصرهم الله على ٧٤ أهل الكِتاب نصراً لا صنع للبشر فيه، إرهاصاً وتقدِمة للنبي ﴿ الذي خرج من مكَّة، وتعظيماً للبيت الحرام. واختلف في وفاة أبيه عبد الله، هل توفي ورسول الله وَ لَه حَمْل، أو توفي بعد ولادته؟ على قولين: أصحهما: أنه توفي ورسول الله وَال# حمل. وفاة أبيه والثاني: أنه توفي بعد ولادته بسبعة أشهر. ولا خلاف أن أُمّه ماتت بين مكّة والمدينة ((بالأبواء)) (١) منصرفها من المدينة مِن زيارة أخواله، ولم يستكمل إذ ذاك سبعَ سنين. وَكَفَلَه جدُّه عبد المطلب، وتُوفي ولِرسول الله ◌َِّ نحوُ ثمان سنين، وقيل: ست، وقيل: عشر، ثم كَفَلَه عمُّه أبو طالب، واستمرت كفالتُه له، فلما بلغ ثِنتي عشرة سنة، خرج به عمُّه إلى الشام، وقيل: كانت سِتُّهُ تسعَ سنين، وفي هذه الخرجة رآه بَحِيرى الراهب، وأمر عمه ألا يَقْدَم به إلى الشام خوفاً عليه من اليهود، فبعثه عتُّه مع بعض غلمانه إلى مكّة، ووقع في كتاب الترمذي(٢) وغيره أنه بعث معه بلالاً، وهو من الغلط الواضح، فإن بلالاً إذ ذاك لعلّه لم يكن موجوداً، وإن كان، فلم يكن مع عمه، ولا مع أبي بكر. وذكر البزار في ((مسنده)) هذا الحديث، ولم يقل: وأرسل معه عمه بلالاً، ولکن قال: رجلاً. فلمَّا بلغ خمساً وعشرين سنة، خرج إلى الشام في تجارة، فوصل إلى (١) هي قرية من أعمال الفرع من المدينة، بينها وبين الجحفة مما يلي المدينة ثلاثة وعشرون میلاً. (٢) أخرجه الترمذي (٣٦٢٤) في المناقب: باب ما جاء في بدء نبوة النبي ◌ُّ من حديث أبي موسى الأشعري، وسنده صحيح، وقال الحافظ ابن حجر في ((الإصابة)): رجاله ثقات، وذكر أبي بكر وبلال فيه غير محفوظ، وقد رواه البزار في ((مسنده))، فقال: ((وأرسل مع عمه رجلاً». وانظر ((البداية)) لابن كثير ٢٨٥/٢، ٢٨٦. ٧٥ (بصرى))(١) ثم رجع، فتزوج عَقِبَ رجوعه خديجة بنت خويلد. وقيل: تزوجها وله ثلاثون سنة. وقيل: إحدى وعشرون، وسنها أربعون، وهي أولُ امرأة تزوجها، وأول امرأة ماتت من نسائه، ولم ينكح عليها غيرها، وأمره جبريلُ أن يقرأ عليها السلام من ربها (٢). ثم حَبَّبَ اللَّهُ إليه الخلوة، والتعبدَ لربه، وكان يخلو بـ ((غار حراء)) يَتَعَبَّدُ فيه الليالي ذواتِ العدد(٣)، ويُغِّضَتْ إليه الأوثان ودينُ قومه، فلم يكن شيء أبغضَ إليه من ذلك. نبوته ﴾ فلما كَمُلَ له أربعون، أشرق عليه نورُ النبوة، وأكرمه اللَّهُ تعالى برسالته، وبعثه إلى خلقه، واختصه بكرامته، وجعله أمينَه بينه وبين عباده. ولا خلاف أن مبعثه بَّ كان يوم الاثنين، واختلف في شهر المبعث. فقيل: لثمان مضين من ربيع الأول، سنة إحدى وأربعين من عام الفيل، هذا قولُ الأكثرين، وقيل: بل كان ذلك في رمضان، واحتج هؤلاء بقوله تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ القُرْآنُ﴾ [البقرة: ١٨٥] قالوا: أول ما أكرمه الله (١) بصرى كحبلى تقع جنوب شرقي دمشق، تبعد عنها ١٢٤ كم وهي قصبة كورة حوران. (٢) أخرج البخاري في (صحيحه)) ١٠٥/٧ في المناقب: باب تزويج النبي ◌َّر خديجة وفضلها من حديث أبي هريرة قال: ((أتى جبريل النبي ◌َّ، فقال: يا رسول الله هذه خديجة قد أتت معها إناء فيه إدام أو طعام أو شراب، فإذا هي أتتك، فاقرأ عليها السلام من ربها ومني، وبشرها ببيت في الجنة من قصب (لؤلؤة مجوفة واسعة كالقصر المنيف) لا صخب فيه ولا نصب)». (٣) هو قطعة من حديث مطول أخرجه البخاري ٢١/١ في الإيمان: باب بدء الوحي ومسلم (١٦٠) في الإيمان من حديث عائشة قالت: أول ما بدىء به رسول الله مَ له من الوحي الرؤيا الصالحة في النوم، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح، ثم حبب إليه الخلاء، وكان يخلو بغار حراء، فيتحنث فيه - وهو التعبد الليالي ذوات العدد ... ٧٦ تعالى بنبوته، أنزل عليه القرآن، وإلى هذا ذهب جماعة، منهم يحيى الصرصري(١) حيث يقول في نونيته: وَأَتَتْ عَلَيْهِ أَرْبَعُونَ فَأَشْرَقَتْ شَمْسُ النّبَوَةِ مِنْهُ فِي رَمَضَانِ والأولون قالوا: إنما كان إنزال القرآنِ في رمضان جملةً واحدةً في ليلة القدر إلى بيت العزَّة، ثم أُنزل مُنَجَّماً بحسب الوقائع في ثلاث وعشرين سنة (٢). وقالت طائفة: أنزل فيه القرآن، أي في شأنه وتعظيمه، وفرض صومه. وقيل: کان ابتداءُ المبعث في شهر رجب . وكمل الله له من مراتب الوحي مراتبَ عديدة: مراتب الوحي إحداها: الرُّؤيا الصادقة، وكانت مبدأً وحيه مَله، وكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح. الثانية: ما كان يُلقيه الملَكُ في رُوْعه وقلبه من غير أن يراه، كما قال النبي ◌ََّ: (إِنَّ رُوحَ القُدُسِ نَفَثَ في رُوعي أَنَّه لَنْ تَمُوتَ نَفْسٌ حَتَّى تَسْتَكْمِلَ رِزْقَهَا، فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَجْمِلُوا في الطََّبِ، وَلاَ يَحْمِلَنَّكُمُ اسْتِبْطَاءُ الرِّزْقِ عَلَى أَنْ تَطْلُبُوهُ بِمَعْصِيَةِ اللَّهِ، فَإِنَّ مَا عِنْدَ اللَّهِ لاَ يُنَالُ إِلَّ بِطَاعَتِهِ))(٣). (١) هو الشيخ جمال الدين أبو زكريا يحيى بن يوسف بن يحيى الصرصري نسبة إلى صرصر قرية على فرسخين من بغداد العلامة الحافظ اللغوي، كان إليه المنتهى في معرفة اللغة، وحسن الشعر، وديوانه ومدائحه سائرة، يشبه في عصره بحسان، قتله التتار يوم دخلوا بغداد سنة ٦٥٦ هـ. ((شذرات الذهب)) ٢٨٥/٥، ٢٨٦. (٢) أخرج ابن جرير ١٤٤/٢ والحاكم في ((المستدرك)) ٥٣٠/٢ عن ابن عباس في قوله تعالى: (إنا أنزلناه في ليلة القدر) قال: أنزل القرآن في ليلة القدر جملة واحدة إلى سماء الدنيا وكان بموقع النجوم، فكان الله ينزله على رسوله ◌َّة بعضه في إش بعض، قال عز وجل: (وقالوا لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة كذلك لنثبت به فؤادك ورتلناه ترتيلا) وإسناده صحيح، وصححه الحاكم وأقره الذهبي. وذكره السيوطي في ((الدر المنثور)) ٣٧٠/٦ وزاد نسبته لابن الضريس وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في (الدلائل)). (٣) حديث صحيح بشواهده أخرجه أبو نعيم في ((الحلية)) ٢٦/١٠، ٢٧ من حديث أبي = ٧٧ الثالثة: أَنَّه ◌ِ كان يتمثَّلُ له المَلَكُ رجلاً، فيُخاطبه حتى يَعِيَ عنه ما يقول له، وفي هذه المرتبة كان يراه الصحابة أحياناً(١). الرَّابعة: أَنَّه كان يأتيه في مثل صَلْصَلَةِ الجرس، وكان أَشْدَّه عليه فَتَلَیَّسُ به الملكُ حتى إن جبينه ليتفصَّد عرقاً في اليوم الشديد البرد(٢) وحتى إن راحلته لتَبْرُكُ به إلى الأرض إذا كان راكبها(٣). ولقد جاءه الوحيُ مرةً كذلك، وفخذه على فخذ أمامة، وفي سنده عفير بن معدان وهو ضعيف، وباقي رجاله ثقات، وأورده الهيثمي في = ((المجمع)) ٧٢/٤، ونسبه للطبراني في (الكبير)) وأعله بعفير بن معدان، لكن له شاهد من حديث ابن مسعود عند الحاکم ٢/ ٤، وآخر من حديث جابر عند ابن ماجه (٢١٤٤) وابن حبان (١٠٨٤) و (١٠٨٥) والحاكم ٤/٢ و٣٢٥/٤، وأبي نعيم في ((الحلية)) ١٥٦/٣، ١٥٧ و١٥٨/٧ وثالث من حديث حذيفة عند البزار كما في ((المجمع)) ٧١/٤، فيصح الحدیث بها . (١) انظر حديث عمر في ((صحيح مسلم)) (٨) في أول كتاب الإيمان، وفيه أن النبي ◌ِثّ قال: ((يا عمر أتدري من السائل؟ قلت: الله ورسوله أعلم، قال: فإنه جبريل أتاكم يعلمكم دينكم)) وروى النسائي بإسناد صحيح عن ابن عمر: ((كان جبريل يأتي النبي ◌َّةٍ في صورة دحية الكلبي)). (٢) أخرج أحمد ١٥٨/٦ و١٦٣ و٢٥٧، ومالك ٢٠٢/١، والبخاري ٢٠/١، في بدء الوحي، و١٢٢/٦ في بدء الخلق: باب ذكر الملائكة، ومسلم (٢٣٣٣) في الفضائل: باب عرق النبي مَ، والنسائي ١٤٦/٢ و١٤٧، ١٤٩ في الافتتاح: باب جامع ما جاء في القرآن، والترمذي (٣٦٣٨) في المناقب من حديث عائشة رضي الله عنها قالت: إن الحارث بن هشام سأل رسول الله مَ لٍ، فقال: يا رسول الله كيف يأتيك الوحي؟ فقال رسول الله مثل: ((أحياناً يأتيني مثل صلصلة الجرس، وهو أشده علي، فيفصم عني وقد وعيت ما قال، وأحياناً يتمثل لي الملك رجلاً، فيكلمني، فأعي ما يقول)). قالت عائشة: ((ولقد رأيته ينزل عليه الوحي في اليوم الشديد البرد، فيفصم عنه وإن جبينه ليتفصد عرقاً». (٣) أخرج الإمام أحمد ١١٨/٦ من حديث عائشة رضي الله عنها ((أن النبي م الةٍ كان إذا أوحي إليه وهو على ناقته، وضعت جرانها، فلم تستطع أن تتحرك)) وصححه الحاكم ٥٠٥/٢، ووافقه الذهبي وهو كما قالا، وله شاهد عند أحمد ٤٥٥/٦ من حديث أسماء بنت يزيد، وآخر عند أحمد أيضاً من حديث عبد الله بن عمرو. ٧٨ زيد بن ثابت، فثقلت عليه حتى كادت ترضُها (١). الخامسة: أنه يَرَى المَلَكَ في صورته التي خلق عليها، فيوحي إليه ما شاء الله أن يُوحِيَه، وهذا وقع له مرتين، كما ذكر الله ذلك في [النَّجم: ٧، ٣(٢) ١٣](٢) . السادسة: ما أوحاه الله وهو فوق السماواتِ ليلة المعراج من فرض الصلاة وغيرها . السابعة: كلام الله له منه إليه بلا واسطة مَلَكِ، كما كلّم اللَّهُ موسى بن عِمران، وهذه المرتبة هي ثابتة لموسى قطعاً بنص القرآن، وثبوتها لنبينا وَّ هو في حديث الإسراء. وقد زاد بعضهم مرتبة ثامنة وهي تكليم الله له كفاحاً من غير حجاب، وهذا على مذهب من يقول: إنه ◌َّه رأى ربَّه تبارك وتعالى، وهي مسألة خلاف بين السلفِ والخلف، وإن كان جمهور الصحابة بل كُلُّهم مع عائشة كما حكاه عثمان بن سعيد الدارمي إجماعاً للصحابة . (١) أخرج البخاري ١٩٦/٨ في التفسير من حديث زيد بن ثابت أن النبي ◌َّيّة أملى عليه (لا يستوي القاعدون من المؤمنين والمجاهدون في سبيل الله) فجاء ابن أم مكتوم وهو يملها علي، قال: يا رسول الله والله لو أستطيع الجهاد معك لجاهدت، وكان أعمى، فأنزل الله على رسوله ◌َّه وفخذه على فخذي، فثقلت علي حتى خفت أن ترض فخذي، ثم سري عنه، فأنزل الله (غير أولي الضرر). (٢) أخرج مسلم في ((صحيحه)) (١٧٧) عن عائشة أن النبي ◌ّم قال: ((لم أره (يعني جبريل) على صورته التي خلق عليها غير هاتين المرتين رأيته منهبطاً من السماء سادا عظم خلقه ما بين السماء إلى الأرض))، وبين أحمد في حديث ابن مسعود أن الأولى كانت عند سؤاله إياه أن يريه صورته التي خلق عليها، والثانية عند المعراج، وللترمذي (٣٢٧٤) من طريق مسروق عن عائشة: لم يرَ محمد جبريل في صورته إلا مرتين: مرة عند سدرة المنتهى، ومرة في أجياد. ٧٩ فصل في ختانه ◌َلڼ وقد اختلف فيه على ثلاثة أقوال: أحدها: أنه وُلد مختوناً مسروراً، وروي في ذلك حديث لا يصح ذكره أبو الفرج بن الجوزي في ((الموضوعات)) وليس فيه حديث ثابت، وليس هذا من خواصه، فإن كثيراً من النّاس يُولد مختوناً. وقال الميموني: قلت لأبي عبد الله: مسألة سئلتُ عنها: خَتَان ختن صبياً، فلم يستقص؟ قال: إذا كان الختان جاوز نصف الحشفة إلى فوق، فلا يعيد، لأن الحشفة تغلظ، وكلما غلظت ارتفع الختان. فأمّا إذا كان الختان دون النصف، فكنتُ أرى أن يعيد. قلت: فإن الإعادة شديدة جداً، وقد يُخاف عليه من الإِعادة؟ فقال: لا أدري، ثم قال لي فإن هاهنا رجلاً ولد له ابنٌ مختون، فاغتمَّ لذلك غماً شديداً، فقلت له: إذا كان الله قد كفاك المؤنة، فما غمُّكَ بهذا؟! انتهى. وحدثني صاحبُنا أبو عبد الله محمد بن عثمان الخليلي المحدِّث ببيت المقدس أنه وُلِدَ كذلك، وأن أهله لم يختنوه، والناس يقولون لمن ولد كذلك: خَتَنَهُ القمر، وهذا من خرافاتهم. القول الثاني: أنّه خُتِنَ رََّ يومَ شَقَّ قلبَه الملائكةُ عند ظئره حليمة. القول الثالث: أن جدّه عبد المطلب خَتَنَهُ يومَ سابعه، وصنع له مأدُبة وسمّاه محمّداً. قال أبو عمر بن عبد البرّ: وفي هذا الباب حديث مسند غريب، حدثناه أحمد بن محمد بن أحمد، حدثنا محمد بن عيسى، حدثنا يحيى بن أيوب العلاف، حدثنا محمد بن أبي السري العسقلاني، حدثنا الوليد بن مسلم، عن شعيب، عن عطاء الخراساني، عن عكرمة، عن ابن عباس، أن عبد المطلب ختن ٨٠