Indexed OCR Text

Pages 41-60

ويكون ﴿مَا كَانَ لَهُم الخِيَرَةُ﴾ نفياً، أي: ليس هذا الاختيار إليهم، بل هو إلى
الخالق وحده، فكما أنه المنفرد بالخلق، فهو المنفرد بالاختیار منه، فليس لأحد
أن يخلق، ولا أن يختار سواه، فإنه سبحانه أعلم بمواقع اختياره، وَمَحَالِّ رضاه،
وما يصلُح للاختيار مما لا يصلح له، وغيرُه لا يُشاركه في ذلك بوجه.
ما في ﴿ما كان لهم
الخيرة﴾ للنفي
وذهب بعض من لا تحقيق عنده، ولا تحصيل إلى أن ((ما)) في قوله تعالى:
﴿مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ﴾ موصولة، وهي مفعول ((ويختار)) أي: ويختار الذي لهم
الخيرة، وهذا باطل من وجوه.
الرد على من قال: إن ما
موصولة وهي مفعول
﴿ويختار﴾
أحدُها: أن الصلة حينئذٍ تخلو من العائد، لأن ((الخِيرةَ)) مرفوع بأنه اسم
((كان)) والخبر ((لهم))، فيصير المعنى: ويختار الأمر الذي كان الخيرةُ لهم، وهذا
التركيبُ محال من القول.
فإن قيل: يمكن تصحيحُه بأن يكون العائد محذوفاً، ويكون التقدير:
ويختار الذي كان لهم الخِيرةُ فيه، أي: ويختار الأمرَ الذي كان لهم الخِيرةُ في
اختياره.
قيل: هذا يفسُد من وجه آخر، وهو أن هذا ليس من المواضع التي يجوز
فيها حذف العائد، فإنه إنما يحذف مجروراً إذا جُرَّ بحرف جُرَّ الموصولُ بمثله مع
اتحاد المعنى، نحوُ قوله تعالى: ﴿يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ ممَّا تَشْرَبُونَ﴾
[المؤمنون: ٣٣]، ونظائره، ولا يجوز أن يقال: جاءني الذي مررتُ، ورأيت
الذي رغبتُ، ونحوه .
الثّاني: أنه لو أُريد هذا المعنى لنصب ((الخيرة)) وشُغِلَ فعل الصلة بضمير
يعود على الموصول، فكأنه يقول: ويختارُ ما كان لهم الخيرة، أي: الذي كان هو
عينَ الخيرة لهم، وهذا لم يقرأ به أحد البثّة، مع أنه كان وجه الكلام على هذا
التقدير.
الثّالث: أن الله سبحانه يَحكي عن الكفار اقتراحَهم في الاختيار، وإرادتهم
٤١

أن تكون الخیرُ لهم، ثم ینفي هذا سبحانه عنهم، ویبین تفرُّده هو بالاختیار، كما
قال تعالى: ﴿وَقَالُوا لَوْلا نُزِّلَ هَذَا الْقُرآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ. أَهُمْ
يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ نحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيَشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ
فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضَاً سُخْرِيًّا وَرَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ ممَّا يَجْمَعُونَ﴾
[الزخرف: ٣١، ٣٢]، فأنكر عليهم سبحانَه تخيُّرَهم عليه، وأخبر أن ذلك ليس
إليهم، بل إلى الذي فَسَمَ بينهم معايشَهم المتضمنةَ لأرزاقهم وَمُدَدِ آجالهم،
وكذلك هو الذي يقسِم فضله بين أهل الفضل على حسب علمه بمواقع الاختيار،
ومن يصلُح له ممن لا يصلُح، وهو الذي رفع بعضهم فوق بعض درجات، وقسم
بينهم معايشهم، ودرجات التفضيل، فهو القاسم ذلك وحده لا غيره، وهكذا هذه
الآية بيّن فيها انفراده بالخلق والاختيار، وأنه سبحانَه أعلمُ بمواقع اختياره، كما
قال تعالى: ﴿وَإِذَا جَاءَتْهُمْ آَيَّةٌ قَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوِيَ رُسُلُ اللَّهِ اللَّهُ
أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام: ١٢٤]، أي: الله أعلمُ بالمحل الذي يصلح
لاصطفائه وكرامته وتخصيصه بالرسالة والنبوة دون غيره.
الرَّابع: أنه نزَّه نفسه سبحانه عمّا اقتضاه شِرْكُهم مِن اقتراحهم واختيارهم
فقال: ﴿مَا كَانَ لَهُمُ الخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [القصص: ٦٨]،
ولم يكن شِركهم مقتضياً لإثبات خالقٍ سواه حتى نزَّه نفسه عنه، فتأمله، فإنه في
غاية اللطف .
الخامس: أن هذا نظيرُ قوله تعالى في [الحج: ٧٣ - ٧٦]: ﴿إِنَّ الَّذِينَ
تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَاباً وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبُهُمُ الذُّبَابُ شَيْئاً لا
يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالمَطْلُوبُ. مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ
عَزِيزٌ﴾ ثم قال: ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ المَلائِكَةِ رُسُلَا وَمِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهُ سَمِيعٌ بَصِيرٌ.
يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ﴾. وهذا نظير قولِهِ في
[القصص: ٦٩] ﴿وَرَبُّكَ يَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾ ونظيرُ قوله في
[الأنعام: ١٢٤] ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ فأخبر في ذلك كلِّه عن علمه
٤٢

المتضمنِ لتخصيصه مَحَالَّ اختياره بما خصصها به، لِعلمه بأنها تصلُح له دون
غيرها، فتدبر السِّياق في هذه الآيات تَجِدْهُ متضمناً لهذا المعنى، زائداً عليه، والله
أعلم.
السادس: أن هذه الآية مذكورةٌ عَقيبَ قوله: ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا
أَجَبْتُمُ المُرْسَلِينَ؟ فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الأَنْبَاءُ يَوْمَئِذٍ فَهُمْ لاَ يَتَسَاءَلُونَ، فَأَمَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ
وَعَمِلَ صَالِحاً فَعَسَى أَنْ يَكُونَ مِنَ المُفْلِحِينَ. وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ﴾
[القصص: ٦٥ - ٦٨] فكما خلقهم وحده سبحانه، اختار منهم من تاب، وآمن،
وعمل صالحاً، فكانوا صفوتَه من عباده، وخيرتَه مِن خلقه، وكان هذا الاختيارُ
راجعاً إلى حكمته وعلمه سبحانه لمن هو أهلٌ له، لا إلى اختيار هؤلاء المشركين
واقتراحِهم، فسبحان الله وتعالى عمَّا يشركون.
فصل
وإذا تأملت أحوالَ هذا الخلقِ، رأيتَ هذا الاختيار والتخصيص فيه دالاً
على ربوبيته تعالى ووحدانيته، وكمالِ حكمته وعلمه وقدرته، وأنه اللَّهُ الذي لا
إله إلا هو، فلا شريك له يخلُق كخلقه، ويختار كاختياره، ويدبِّر كتدبيره، فهذا
الاختيارُ والتدبير، والتخصيص المشهود أثرُه في هذا العالم مِنْ أعظم آيات
ربوبيته، وأكبر شواهد وحدانيته، وصفات کماله، وصدق رسله، فنشیرُ منه إلى
يسير يكونُ منبهاً على ما وراءه، دالاً على ما سواه.
الاختيار دال على
ربوبيته سبحانه
فخلق الله السماواتِ سبعاً، فاختار العُليا منها، فجعلها مستقر المقربين مِن
ملائكته، واختصها بالقرب مِن كرسيه ومِن عرشه، وأسكنها مَن شاءَ مِن خلقه،
فلها مزيةٌ وفضلٌ على سائر السماوات، ولو لم يكن إلا قربُها منه تبارك وتعالى.
وهذا التفضيلُ والتخصيصُ مع تساوي مادة السماوات مِن أبين الأدلة على
كمال قدرته وحكمته، وأنه يخلق ما يشاء ويختار .
٤٣

وَمِن هذا تفضيلُه سبحانه جنّةَ الفردوس على سائر الجنان، وتخصيصُها بأن
جعل عرشه سقفَها(١)، وفي بعض الآثار: ((إن الله سبحانه غرسها بيده، واختارها
لِخیرته من خلقه».
وَمِن هذا اختيارُه مِن الملائكة المصطفيْنَ مِنهم على سائرهم، کجبريلَ،
وميكائيلَ، وإسرافيلَ، وكان النبي ◌َّ يقول: ((اللَّهُمَّ رَبَّ جِبْرِيلَ وَمِيكَائِيلَ
وَإِسْرَافِيلَ، فَاطِرَ السَّماواتِ وَالأرضِ، عَالِمَ الغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ، أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ
عِبَادِكَ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ، اهْدِنِي لِمَا اخْتُلِفَ فِيهِ مِنَ الحَقِّ بِإِذْنِكَ، إِنَّكَ
تَهْدِي مَنْ تَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ)»(٢).
فذكر هؤلاء الثلاثة مِن الملائكة لكمال اختصاصهم، واصطفائهم،
وقربهم من الله، وكم مِن مَلَك غيرهِم في السماوات، فلم يُسم إلا هؤلاء
الثلاثة. فجبريل: صاحبُ الوحي الذي به حياةُ القلوب والأرواح، وميكائيلُ:
صاحب القَطْرِ الذي به حياةُ الأرض والحيوان والنبات، وإسرافيل: صاحب
الصُّور الذي إذا نفخ فيه، أحيت نفختُه بإذن الله الأموات، وأخرجتهم مِن
قبورهم.
وكذلك اختيارُه سبحانه للأنبياء مِن ولد آدم عليه وعليهم الصلاةُ
بيان الاختيار من البشر
(١) جاء في البخاري ٣٤٩/١٣ في التوحيد: باب وكان عرشه على الماء من حديث أبي
هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله مَّر: ((إن في الجنة مائة درجة أعدها الله
للمجاهدين في سبيله، كلُّ درجتين ما بينهما كما بين السماء والأرض، فإذا
سألتم الله، فسلوه الفردوس، فإنه أوسط الجنة وأعلى الجنة، وفوقه عرش الرحمن،
ومنه تفجر أنهار الجنة».
(٢) رواه مسلم في ((صحيحه)) رقم (٧٧٠) في صلاة المسافرين: باب الدعاء في صلاة
الليل وقيامه، من حديث عائشة رضي الله عنها، أن أبا سلمة بن عبد الرحمن بن
عوف سأل عائشة رضي الله عنها: بأي شيء كان نبي الله صلى الله عليه وآله وسلم
يفتتح صلاته إذا قام من الليل؟ قالت: كان إذا قام من الليل افتتح صلاته. ((اللهم
رب جبريل ... )) الحدیث.
٤٤

والسلام، وهم مائة ألف وأربعة وعشرون ألفاً، واختياره الرسل منهم، وهم
ثَلاثُمائة وثلاثة عشر، على ما في حديث أبي ذر الذي رواه أحمد، وابن حبان
في ((صحيحه))(١)، واختيارُه أولي العزم منهم، وهم خمسة المذكورون في
سورة (الأحزاب) و (الشورى) في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ
وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ﴾ [الأحزاب: ٧]، وقال
تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ
إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلاَ تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ [الشورى: ١٣]،
واختار منهم الخليلينِ: إبراهيمَ ومحمداً صلى الله عليهما وآلهما وسلم.
وَمِنْ هذا اختيارُه سبحانه ولدَ إسماعيل من أجناس بني آدم، ثم اختار
منهم بني كنانة مِن خُزيمة، ثم اختار مِن ولد كِنانة قُريشاً، ثم اختار مِن قريش
بني هاشم، ثم اختار من بني هاشم سَيِّدَ ولِدِ آدم محمَّداً مٍَّ(٢).
(١) أخرجه أحمد في ((المسند)) ١٧٨/٥، ١٧٩، وفي سنده ثلاثة ضعفاء، وأخرجه ابن
حبان رقم (٩٤) مطولاً وفي سنده إبراهيم بن هشام الغساني، قال أبو حاتم وغيره:
كذاب، وأخرجه أحمد ٢٦٥/٥، ٢٦٦ من حديث أبي أمامة، وفي سنده ثلاثة
ضعفاء أيضاً وأخرج الحاكم في ((المستدرك)) ٢٦٢/٢ من حديث أبي أمامة أن رجلاً
قال: يا رسول الله أنبي كان آدم؟ قال: نعم، معلّم مكلَّم، قال: كم بينه وبين نوح؟
قال: ((عشرة قرون)) قال: كم كان بين نوح وإبراهيم؟ قال: ((عشرة قرون)) قالوا: يا
رسول الله كما كانت الرسل؟ قال: ((ثلاثمائة وخمس عشرة جماً غفيراً) سنده صحيح
على شرط مسلم كما قال الحاكم ووافقه الذهبي.
(٢) روى مسلم في ((صحيحه)) رقم (٢٢٧٦) في الفضائل: باب فضل نسب
النبي صلى الله عليه وآله وسلم، عن واثلة بن الأسقع رضي الله عنه قال: سمعت
رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: ((إن الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل،
واصطفى قريشاً من كنانة، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني
هاشم)»، وكِنانة: عدة قبائل أبوهم كنانة بن خزيمة. ورواه الترمذي بنحوه (٣٦١٢)
في المناقب، باب ما جاء في فضل النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ورواه بأطول
منه (٣٦٠٩) بلفظ: ((إن الله اصطفى من ولد إبراهيم إسماعيل، واصطفى من ولد
إسماعيل بني كنانة، واصطفى من بني كنانة قريشاً، واصطفى مِن قريش بني هاشم، =
٤٥

وكذلك اختار أصحابه مِن جملة العَالَمِينَ، واختار منهم السابقينَ
الأولين، واختار منهم أهلَ بدر، وأهلَ بيعة الرِّضوان، واختار لهم مِن الدِّين
أكملَه، ومِن الشرائع أفضلَها، ومن الأخلاق أزكاها وأطيبها وأطهَرها.
واختار أمته بََّ على سائر الأمم، كما في ((مسند الإمام أحمد)) وغيره
من حديث بَهْزِ بن حكيم بن معاوية بن حيْدَةً، عن أبيه، عن جدِّه قال: قال
رسُولُ اللهِ وََّ: ((أَنْتُمْ مُوفُونَ سَبْعِينَ أُمَّةً أَنْتُمْ خَيْرُهَا وَأَكْرَمُهَا عَلَى الله))(١). قال
علي بن المديني وأحمد: حديثُ بهز بن حكيم، عن أبيه، عن جدّه صحيح.
وظهر أثرُ هذا الاختيار في أعمالهم وأخلاقهم وتوحيدِهم ومنازلهم في
الجنَّة ومقاماتهم في الموقف، فإنهم أعلى من النَّاس على تلِّ فوقهم يُشرفون
عليهم، وفي الترمذي من حديث بريدة بن الحُصَيْبِ الأسلمي قال: قال
رسولُ اللهِ وَّةَ: ((أَهلُ الْجَنَّةِ عِشْرُونَ وَمَائَةُ صَفٍّ، ثَمَانُونَ مِنْهَا مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ،
وَأَرْبَعُونَ مِنْ سَائِرِ الأُمَم))(٢) قال الترمذي: هذا حديث حسن. والذي في
((الصحيح)) من حديث أبي سعيد الخُدري، عن النبي ◌َّ في حديث
بعث النار: ((وَالَّذِي نَفْسِي بِيِّدِهِ إِنِّي لَأَطْمَعُ أَنْ تَكُونُوا شَطْرَ أَهْلِ
واصطفاني من بني هاشم)) وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح، وهو كما قال.
(١) رواه أحمد في ((المسند)) ٥/٥ بلفظ: ((إنكم وفيتم سبعين أمة ... )) الحديث وكذا
ابن ماجه في ((سننه)) (رقم ٤٢٨٨) في الزهد: باب صفة أمة محمد صلى الله عليه
وآله وسلم، ورواه الترمذي في «سننه)) (رقم ٣٠٠٤) في تفسير سورة ((آل عمران)»
بلفظ: ((إنكم تتمون سبعين أُمة ... )) الحديث وسنده حسن، وقال الترمذي: هذا
حديث حسن، وصححه الحاكم، ووافقه الذهبي.
(٢) أخرجه الترمذي في ((سننه)) (٢٥٤٩) في صفة الجنة: باب ما جاء في كم صف أهل
الجنة، وحسنه، وأحمد في ((المسند)) ٣٤٧/٥، وابن ماجه رقم (٤٢٨٩) في الزهد:
باب صفة أمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم، من طرق وسنده صحيح، وصححه
ابن حبان، والحاكم ٨٢/١ وفي الباب عن ابن عباس، وابن مسعود، وأبي موسى
عند الطبراني.
٤٦

الجَنَّةِ))(١)، ولم يزد على ذلك. فَإِمَّا أن يقال: هذا أصح، وإمَّا أن يُقال: إن
النبي ◌َّ﴾ طمع أن تكون أمتُه شطرَ أهل الجنة، فأعلمه ربُّه فقال: «إنهم ثمانون
صفاً من مائة وعشرين صفاً)(٢)، فلا تنافي بين الحديثين، والله أعلم.
وَمِن تفضيل الله لأمته واختيارِه لها أنه وهبها مِن العلم والحلم ما لم
يَهَبْهُ لُأُمَّة سواها، وفي ((مسند البزار)) وغيره من حديث أبي الدرداء قال:
سمعتُ أبا القاسمَِّ يقول: ((إنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ لِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ: إِنِّي بَاعِثٌ
مِنْ بَعْدِكَ أَمَّةً إِنْ أَصَابَهُم مَا يُحِبُّونَ، حَمِدُوا وَشَكَرُوا، وَإِنْ أَصَابَهِمْ مَا
يَكْرَهُونَ، احْتَسَبُوا وَصَبَرُوا، وَلاَ حِلْمَ وَلاَ عِلْمَ، قَالَ: يَا رَبِّ، كَيْفَ هَذَا وَلا
حِلْمَ وَلا عِلْمَ؟ قَالَ: أُعْطِيهِمْ مِنْ حِلْمِي وَعِلْمِيٍ))(٣).
وَمِن هذا اختيارُه سبحانه وتعالى مِن الأماكن والبلاد خيرَهَا وأشرفهَا،
وهي البلد الحرامُ، فإنه سبحانه وتعالى اختاره لنبيه ◌َّةِ، وجعله مناسك
لعباده، وأوجب عليهم الإتيانَ إليه من القُرْب والبُعْد مِن كلِّ فَجِّ عميقٍ، فلا
يَدخلونه إلا متواضعين متخشعين متذللين، كاشفي رؤوسهم، متجردين عن
لباس أهل الدنيا، وجعلَه حَرَماً آمِناً، لا يُسفك فيه دمٌّ، ولا تُعَضَدُ به شجرة،
اختيار البلد الحرام
وبيان خصائصه
(١) هو قطعة من حديث طويل رواه مسلم في ((صحيحه)) رقم (٢٢٢) من حديث أبي
سعيد الخدري رضي الله عنه في الإيمان: باب قوله: يقول الله لآدم: أخرج بعث
النار من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين. وفي الباب عن ابن مسعود أخرجه
البخاري ٣٣٥/١١، ومسلم (٢٢١).
قال الحافظ في ((الفتح)) ٣٣٦/١١: فكأنه چ لما رجا رحمة ربه أن تكون أمته نصف
(٢)
أهل الجنة، أعطاه ما ارتجاه، وزاده.
(٣) ورواه أحمد أيضاً في ((المسند» ٦/ ٤٥٠ من حديث أبي الدرداء رضي الله عنه،
وإسناده حسن، وذكره الهيثمي في ((مجمع الزوائد)) ٦٧/١٠ وقال: رواه أحمد
والبزار والطبراني في (الكبير)) و((الأوسط)) ورجال أحمد رجال الصحيح، غير
الحسن بن سوار، وأبي الحلبس يزيد بن ميسرة، وهما ثقتان.
٤٧

ولا يُنَفَّر له صيدٌ، ولا يُختلى خلاه(١)، ولا تُلتقط لُقَطَتُه للتمليك بل للتعريف
ليس إلا، وجعل قصده مكفراً لما سلف من الذنوب، ماحياً للأوزار، حاطاً
للخطايا، كما في ((الصحيحين)) عن أبي هريرة قال: قال رسول الله وَلَ: ((مَن
أَتَى هَذَا الْبَيْتَ، فَلَمْ يَرْفُثْ، وَلَمْ يَفْسُقْ، رَجَعَ كَيَوْمَ وَلَدَتْهُ أُمّهُ)) (٢)، ولم يرض
لقاصده مِنَ الثواب دون الجنَّة، ففي ((السنن)) من حديث عبد الله بن مسعود
رضي الله عنه قال: قال رسول الله وَ﴾: ((تَابِعُوا بَيْنَ الحَجِّ وَالعُمْرَةِ، فَإِنَّهُمَا
يَنْفِيَانِ الفَقْرَ وَالذُّنُوبَ كَمَا يَنْفِي الكِيرُ خَبَثَ الحَدِيدِ والذَّهَبِ وَالفِضَّةِ، وَلَيْسَ
لِلْحَجَّةِ المَبْرُورَةِ ثَوَابٌ دُونَ الجنَّةِ))(٣). وفي ((الصحيحين)) عن أبي هريرة أنَّ
رسول الله وَّ قال: ((العُمْرَةُ إِلَى العُمْرَةِ كَفَّارَةٌ لِمَا بَيْنَهُمَا، وَالحَجُّ المَبْرُورُ لَيْسَ
لَهُ جَزَاءٌ إِلاَّ الجَنَّةَ» (٤)، فلو لم يكن البلدُ الأمين خيرَ بلاده، وَأحبَّها إليه،
ومختارَه من البلاد، لما جعل عرصَاتِها مناسِكَ لعباده، فَرَضَ عليهم قصدَها،
وجعل ذلك من آكدِ فروض الإِسلام، وأقسم به في كتابه العزيز في موضعين
منه، فقال تعالى: ﴿وَهَذَا البَلَدِ الأَمِينِ﴾ [التين: ٣]، وقال تعالى: ﴿لاَ أُقْسِمُ
(١) لا يعضد شجره: لا يقطع، والخلا: النبات الرطب، واختلاؤه: قطعه.
(٢) البخاري ٣٠٢/٣ في الحج: باب فضل الحج المبرور، و١٧/٤: باب قول الله
عز وجل: (فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج)، ومسلم رقم (١٣٥٠) في
الحج: باب فضل الحج والعمرة ويوم عرفة، واللفظ لمسلم.
(٣) أخرجه الترمذي (٨١٠) في الحج: باب ما جاء في ثواب الحج والعمرة، والنسائي
١١٥/٥ في الحج: باب فضل المتابعة بين الحج والعمرة، وأحمد في ((المسند))
(٣٦٦٩) وسنده حسن، وله شاهد من حديث عمر عند أحمد (١٦٧) وابن ماجه
(٢٨٨٧) وآخر من حديث ابن عباس عند النسائي ١١٥/٥، وبهما يصح الحديث.
ومعنى قوله: تابعوا، أي: اجعلوا أحدهما تابعاً للآخر واقعاً على عقبه، أي: إذا
حججتم، فاعتمروا، وإذا اعتمرتم، فحجوا، فإنهما متابعان.
(٤) البخاري ٤٧٦/٣ في الحج: باب وجوب العمرة، ومسلم رقم (١٣٤٩) في الحج
أيضاً: باب فضل الحج والعمرة ويوم عرفة.
٤٨

بِهَذَا الْبَلَدِ﴾ [البلد: ١](١)، وليس على وجه الأرض بقعةٌ يجب على كل قادر
السعيُ إليها والطوافُ بالبيت الذي فيها غيرَها، وليس على وجه الأرض
موضعٌ يُشرع تقبيلُه واستلامُه، وتُحطّ الخطايا والأوزار فيه غيرَ الحجر
الأسود، والركن اليماني. وثبت عن النبي ◌ّ أن الصلاة في المسجد الحرام
بمائة ألف صلاة، ففي ((سنن النسائي)) و ((المسند)) بإسناد صحيح عن
عبد الله بن الزبير، عن النبي ◌ََّ أنه قال: ((صَلَةٌ فِي مَسجِدي هَذَا أَفْضَلُ مِنْ
ألف صَلاَة فِيمَا سَوَاهُ إِلَّ المَسْجِدَ الْحَرَامَ، وصَلَةٌ فِي المَسْجِدِ الحَرَامِ أفْضَلُ
مِنْ صَلاَةَ فِي مَسْجِدي هَذَا بمائَةٌ صَلَة))(٢) ورواه ابن حبان في ((صحيحه))
وهذا صَرِيح في أن المسجد الحرامَ أفضلُ بقاع الأرض على الاطلاق، ولذلك
كان شدُّ الرحال إليه فرضاً، ولغيره مما يُستحب ولا يجب، وفي («المسند»،
ء
والترمذي والنسائي، عن عبد الله بن عدي بن الحمراء أنه سمع رسول الله وكل
وهو واقف على راحلته بالحَزْوَرَةِ(٣) مِنْ مَكَّةَ يَقُول: ((وَاللَّهِ إِنَّك لَخَيْرُ أرضٍ
اللَّه وَأَحَبُّ أرْضِ اللَّهِ إِلَى اللَّهِ، وَلَوْلاَ أَنِّي أُخْرِجْتُ مِنْك مَا خَرَجْتُ)) قال
الترمذي: هذا حديث حسن صحيح (٤).
(١) قال الحافظ ابن الجوزي في ((زاد المسير)) بتحقيقنا: قوله تعالى: (لا أقسم بهذا
البلد) قال الزجاج: المعنى: أقسم، و((لا)) دخلت توكيداً، كقوله تعالى: (لئلا يعلم
أهل الكتاب) [الحديد: ٢٩]. ونقل ابن كثير عن مجاهد (لا أقسم بهذا البلد) (لا))
رد عليهم، أقسم بهذا البلد، قال ابن كثير: هذا قسم من الله تبارك وتعالى بمكة أم
القرى في حال كون الساكن فيها حالاً، لينبه على عظمة قدرها في حال إحرام
أهلها .
(٢) ليس هو في المطبوع من ((سنن النسائي))، ولعله في ((الكبرى)) وهو عند أحمد في
«المسند» ٥/٤ وإسناده صحيح، وصححه ابن حبان (١٠٢٧).
.
(٣) الحزورة، كقسورة: موضع بمكة، والحزورة في الأصل: الرابية الصغيرة، سميت
بذلك لأنه كان هناك رابية صغيرة.
(٤) رواه أحمد ٣٠٥/٤، والترمذي (٣٩٢١) في المناقب: باب فضل مكة،=
٤٩

بل وَمن خصائصها كونُها قبلةً لأهل الأرض كلِّهم، فليس على وجه
الأرض قبلةٌ غيرُها.
ترجيح المصنف تحريم
استقبال البلد الحرام
واستدباره عند قضاء
الحاجة حتى في البنيان
ومن خواصها أيضاً أنه يحرم استقبالُها واستدبارُها عند قضاء الحاجة
دون سائر بقاع الأرض.
وأصح المذاهب في هذه المسألة: أنه لا فرق في ذلك بين الفضاء
والبنيان، لبضعة عشر دليلاً قد ذُكرت في غير هذا الموضع، وليس مع المفرق
ما يُقاومها البتة، مع تناقضهم في مقدار الفضاء والبنيان، وليس هذا موضعَ
استيفاء الحِجَاج من الطرفين.
المسجد الحرام أول
مسجد وضع في الأرض
ومن خواصها أيضاً أن المسجدَ الحرامَ أولُ مسجد وضع في الأرض،
كما في ((الصحيحين)) عن أبي ذر قال: سألتُ رسولَ الله ◌ٍِّ عَنْ أوّل مَسْجِد
وُضِعَ في الأرض؟ فقال: ((المَسْجِدُ الحَرَامُ)) قُلْتُ: ثُمَّ أي؟ قَالَ: ((َالمَسْجَدَّ
الأَقْصَى)) قُلْتُ: كَمْ بَيْنَهُمَا؟ قَالَ: ((أَرْبَعُونَ عَامَاً)(١) وقد أشكل هذا الحديثُ
على من لم يعرف المرادَ به، فقال: معلوم أن سليمان بنَ داود هو الذي بنى
المسجد الأقصى، وبينه وبين إبراهيم أكثر من ألف عام، وهذا من جهل هذا
القائل، فإن سليمان إنما كان له من المسجد الأقصى تجديدُه، لا تأسيسُه،
والذي أسسه هو يعقوب بن إسحاق صلى الله عليهما وآلهما وسلم بعد بناء
إبراهيم الكعبة بهذا المقدار.
وابن ماجه (٣١٠٨) في المناسك: باب فضل مكة، وإسناده صحيح، وصححه ابن
=
حبان (١٠٢٥).
(١) البخاري ٢٩٠/٦، ٢٩١ في أحاديث الأنبياء: باب قوله تعالى: (واتخذ الله إبراهيم
خليلاً)، ومسلم رقم (٥٢٠) في أول كتاب المساجد ومواضع الصلاة. قال الحافظ
ابن حجر في ((الفتح)): وهذا الحديث يفسر المراد بقوله تعالى: (إن أول بيت وضع
للناس للذي بيكة) قال: ويدل على أن المراد بالبيت بيت العبادة، لا مطلق البيوت،
وقد ورد ذلك صريحاً عن علي أخرجه إسحاق بن راهويه وابن أبي حاتم بإسناد
صحيح عنه قال: كانت البيوت قبله، ولكنه كان أول بيت وضع لعبادة الله.
٥

ومما يدل على تفضيلها أن الله تعالى أخبر أنها أمُّ القرى، فالقرى كلُّها
تبع لها، وفرٌ عليها، وهي أصلُ القرى، فيجب ألاَّ يكون لها في القُرى
عَدِيل، فهي كما أخبر النبي ◌ََّ عن (الفاتحة) أنها أمُّ القرآن (١) ولهذا لم يكن
لها في الكتب الإلهية عدیلٌ.
ومن خصائصها أنها لا يجوزُ دخولُها لغير أصحاب الحوائج المتكررة اختلاف العلماء في جواز
إلا بإحرام، وهذه خاصية لا يُشاركها فيها شيءٌ من البلاد، وهذه المسألةُ
دخولها لغير أصحاب
الحوائج المتكررة بغير
إحرام
تلقاها الناسُ عن ابن عباس رضي الله عنهما، وقد روي عن ابن عباس بإسناد
لا يحتج به مرفوعاً ((لا يَدْخُلُ أَحَدٌ مَكَّةَ إلاَّ بِإِحْرَامِ، مِنْ أَهْلِهَا وَمِنْ غَيْرِ أَهْلِهَا))
ذكره أبو أحمد بن عدي، ولكن الحجاج بن أرطاة في الطريق، وآخر قبله من
الضعفاء.
وللفقهاء في المسألة ثلاثةُ أقوال: النَّفْيُ، والإِثباتُ، والفرقُ بين من هو
داخلُ المواقيتِ ومن هو قبلَها، فمن قبلها لا يُجَاوزها إلا بإحرام، ومن هو
داخلها، فحكمه حكمُ أهل مكَّة، وهو قول أبي حنيفة، والقولان الأولان
للشافعي وأحمد.
ومِن خواصِّه أنه يُعاقب فيه على الهمّ بالسيئات وإن لم يفعلها، قال
تعالى: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الحج: ٢٥] فتأمل
المعاقبة فيه على الهم
بالسيئات
(١) روى مسلم في (صحيحه)) رقم (٣٩٥) في الصلاة: باب وجوب قراءة الفاتحة عن
أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: ((من صلَّى صلاة
لم يقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج)) ثلاثاً غير تمام، وأخرج أحمد ١١٤/٥ والترمذي
(٣١٢٤) في التفسير، والنسائي ١٣٩/٢ في الصلاة: باب تأويل قوله عز وجل:
(ولقد آتيناك سبعاً من المثاني والقرآن العظيم) من حديث أبي هريرة، عن أبي بن
كعب قال: قال رسول الله وَّة: ((ما أنزل الله عز وجل في التوراة ولا في الإنجيل مثل
أم القرآن، وهي السبع المثاني، [قال الله]: ((وهي مقسومة بيني وبين عبدي،
ولعبدي ما سأل» وإسناده صحيح، وصححه ابن حبان (١٧١٤).
٥١

كيف عدى فعل الإرادة هاهنا بالباء، ولا يقال: أردتُ بكذا إلا لما ضُمِنَّ معنى فعل
((هم) فإنه يقال: هممت بكذا، فتوعدَ من هم بأن يَظلم فيه بأن يُذيقه العذَابَ الألِیم.
مضاعفة مقادير السيئات
فيه
وَمِن هذا تضاعفُ مقادير السيئات فيه، لا كمياتُها، فإن السيئة جزاؤها
سيئة، لكن سيئة كبيرة، وجزاؤها مثلها، وصغيرة جزاؤها مثلها، فالسيئة في حَرَمِ
الله وبلده وعلى بساطه آكدُ وأعظمُ منها في طرف من أطراف الأرض، ولهذا ليس
من عصى الملكَ على بساط مُلكه كمن عصاه في الموضع البعيد من داره وبِساطه،
فهذا فصلُ النزاع في تضعيف السيئات، والله أعلم.
انجذاب الأفئدة إلى البلد
الحرام
وقد ظهر سرُّ هذا التفضيل والاختصاص في انجذاب الأفئدة، وهوى
القلوب وانعطافها ومحبتها لهذا البلدِ الأمين، فجذبُه للقلوب أعظمُ من جذب
المغناطيس للحديد، فهو الأولى بقول القائل:
مَحَاسِنُهُ مَیُولَى كُلِّحُسٍْ
وَمَغْنَاطِيسُ أَفْئِدَةِ الرِّجَالِ
ولهذا أخبر سبحانه أنه مثابةٌ للناس، أي: يثوبون إليه على تعاقب الأعوام
من جميع الأقطار، ولا يقضون منه وطراً، بل كلما ازدادوا له زيارة، ازدادوا له
اشتياقاً.
لاَ يَرْجِعُ الطَّرْفُ عَنْهَا حِينَ يَنْظُرُها حَتَّى يَعُودَ إِلَيْهَا الطَّرْفُ مُشْتَاقاً
فلله كم لها مِن قتيل وسليبٍ وجريح، وكم أُنْفِقَ في حبها من الأموال
والأرواح، وَرَضِيَ المحب بمفارقةِ فِلَذِ الأكباد والأهل، والأحباب والأوطان،
مقدِّماً بين يديه أنواع المخاوف والمتالف، والمعاطف والمشاق، وهو يستلِذُّ ذلك
كلَّه ويستطيبُه، ويراه - لو ظهر سلطانُ المحبة في قلبه - أطيب من نِعَمِ المتحلية
وترفهم ولذاتهم.
وَلَيْسَ مُحِبًّا مَنْ يَعُدُّ شَقَاءَه عَذَابَاً إِذَا مَا كَانَ يَرْضَى حَبِيبُهُ
وهذا كلُّه سرّ إضافته إليه سبحانه وتعالى بقوله: ﴿وَطَهِّرْ بَيْتِيَ﴾ [الحج:
٢٦] فاقتضت هذه الإضافة الخاصة من هذا الإجلال والتعظيم والمحبة مَا
٥٢

اقتضته، كما اقتضت إضافته لعبده ورسوله إلى نفسه ما اقتضته من ذلك، وكذلك
إضافته عباده المؤمنين إليه كستهم من الجلال والمحبة والوقار ما كستهم، فكلُّ ما
أضافه الرَّبُّ تعالى إلى نفسه، فله من المزية والاختصاص على غيره ما أوجب له
الاصطفاءَ والاجتباءَ، ثم يكسوه بهذه الإضافة تفضيلاً آخر، وتخصيصاً وجلالة
زائداً على ما كان له قبل الإضافة، ولم يُوفق لفهم هذا المعنى من سوَّى بين
الأعيان والأفعال، والأزمان والأماكن، وزعم أنه لا مزية لشيء منها على شيء،
وإنما هو مجرد الترجيح بلا مرجح، وهذا القول باطل بأكثر من أربعين وجهاً قد
ذكرت في غير هذا الموضع، ويكفي تصوُّرُ هذا المذهب الباطلِ في فساده، فإن
مذهباً يقتضي أن تكون ذواتُ الرسل كذوات أعدائهم في الحقيقة، وإنما التفضيل
بأمر لا يرجع إلى اختصاص الذوات بصفات ومزايا لا تكون لغيرها، وكذلك نفسُ
البقاع واحدة بالذات ليس لبقعة على بُقعة مزية البتة، وإنما هو لما يقع فيها من
الأعمال الصالحة، فلا مزية لبقعة البيت، والمسجد الحرام، ومِنى وعرفة
والمشاعر على أي بقعة سميتها من الأرض، وإنما التفضيلُ باعتبار أمر خارج عن
البقعة لا يعودُ إليها، ولا إلى وصف قائم بها، والله سبحانه وتعالى قد رد هذا
القولَ الباطلَ بقوله تعالى: ﴿وَإِذَا جَاءَتْهُمْ آيَةٌ قَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ
رُسُلُ اللَّهِ﴾ قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام: ١٢٤]
أي: لَيس كلُّ أحد أهلاً ولا صالحاً لتحمُّل رسالته، بل لها محالٌّ مخصوصة
لا تليق إلا بها، ولا تصلُح إلا لها، والله أعلم بهذه المحالِّ منكم. ولو كانت
الذواتُ متساوية كما قال هؤلاء، لم يكن في ذلك ردّ عليهم، وكذلك قوله تعالى:
﴿وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ
بِالشَّاكِرِينَ﴾ [الأنعام: ٥٣] أي: هو سبحانه أعلمُ بمن يشكره على نعمته،
فيختصُّه بفضله، وَيَمُنُّ عليه ممن لا يشكره، فليس كلُّ محلٍ يصلح لشكره،
واحتمال منته، والتخصيص بكرامته.
فذواتُ ما اختاره واصطفاه من الأعيان والأماكن والأشخاص وغيرها
٥٣

مشتَمِلَةٌ على صفات وأمور قائمة بها ليست لغيرها، ولأجلها اصطفاها اللَّهُ، وهو
سبحانه الذي فضلها بتلك الصفاتِ، وخصها بالاختيار، فهذا خلقُه، وهذا اختيارُه
﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ﴾ [القصص: ٦٧]، وما أبين بطلانَ رأي يقضي بأن
مكان البيت الحرام مساوٍ لسائر الأمكنة، وذاتَ الحجر الأسود مساويةٌ لسائر
حجارة الأرض، وذاتَ رسول الله بَّه مساويةٌ لذات غيره، وإنما التفضيلُ في ذلك
بأمور خارجة عن الذات والصفات القائمة بها، وهذه الأقاويلُ وأمثالُها من
الجنايات التي جناها المتكلمون على الشريعة، ونسبوها إليها وهي بريئة منها،
وليس معهم أكثرُ من اشتراك الذوات في أمر عام، وذلك لا يوجب تساويها في
الحقيقة، لأن المختلفاتِ قد تشترك في أمر عام مع اختلافها في صفاتها النفسية،
وما سؤَّى اللَّهُ تعالى بين ذات المِسك وذاتِ البول أبداً، ولا بين ذات الماء وذات
النَّار أبداً، والتفاوتُ البَيِّنُ بَيْنَ الأمكنة الشريفة وأضدادها، والذواتِ الفاضلة
وأضدادها أعظمُ من هذا التفاوت بكثير، فبين ذاتِ موسى عليه السلام وذاتِ
فرعون من التفاوت أعظمُ مما بين المسك والرجيع، وكذلك التفاوتُ بين نفس
الكعبة، وبين بيت السلطان أعظمُ من هذا التفاوت أيضاً بكثير، فكيف تُجْعَلُ
البُقعتان سواءً في الحقيقة والتفضيل باعتبار ما يقع هناك من العبادات والأذكار
والدعوات؟!
ولم نقصِدِ استيفاءَ الردِّ على هذا المذهب المردودِ المرذول، وإنما قصدنا
تصويرَه، وإلى اللبيب العادل العاقل التحاكُم، ولا يَعبأ الله وعبادُه بغيره شيئاً، والله
سبحانه لا يُخصِّصُ شيئاً، ولا يُفضله ويرجحه إلا لمعنى يقتضي تخصيصَه
وتفضيله، نعم هو معطي ذلك المرجح وواهبه، فهو الذي خلقه، ثم اختاره بعد
خلقه، وربك يخلق ما يشاءُ ويختار.
وَمِن هذا تفضيلُه بعض الأيام والشهور على بعض، فخير الأيام عند الله يومُ
النحر، وهو يومُ الحج الأكبر(١) كما في ((السنن)) عنه ◌َّ أنه قال: ((أَفْضَلُ
التفضيل بين الأزمنة
(١) سمي يوم الحج الأكبر، لأن معظم أعمال الحج ومناسكه فيه.
٥٤

الأيَّامِ عِنْدَ اللَّهِ يَوْمُ النَّحْرِ، ثُمَّ يَوْمُ القَرِّ) (١). وقيل: يومُ عرفة أفضلُ منه،
وهذا هو المعروف عند أصحاب الشافعي، قالوا: لأنه يومُ الحج الأكبر،
وصيامُه يكفر سنتين(٢)، ومَا مِنْ يَوْمٍ يَعْتِقُ اللَّهُ فِيهِ الرِّقابَ أَكْثَرَ مِنْهُ فِي يَوْمِ
عَرَفَةَ(٣)، ولأنه سبحانه وتعالى يَدْنُو فِيهِ مِنْ عِبَادِهِ، ثُمَّ يُبَاهِي مَلاَئِكَتَه بِأَهْلِ
الموقف. والصواب القول الأول، لأن الحديثَ الدالَّ على ذلك لا يُعارضه
شيء يُقاومه، والصوابُ أن يومَ الحج الأكبر هو يومُ النَّحر، لقوله تعالى:
﴿وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ﴾ [التوبة: ٣]، وثبت في
((الصحيحين)) أن أبا بكر وعلياً رضي الله عنهما أَذَنَا بِذَلِكَ يَوْمَ النَّحْرِ، لاَ يَوْمَ
عَرَفَةَ(٤). وفي ((سنن أبي داود)) بأصح إسناد أن رسول الله بَّه قال: ((يَوْمُ
(١) في الأصل و((مسند أحمد)) ((النفر)) وهو تحريف، ويوم القر: هو الغد من يوم
النحر، وهو حادي عشر ذي الحجة، لأن الناس يقرون فيه بمنى، وذلك لأنهم قد
فرغوا من طواف الإفاضة، والنحر، واستراحوا وقروا. والحديث أخرجه أبو داود
(١٧٦٥) في الحج: باب في الهدي إذا عطب قبل أن يبلغ، وأحمد ٣٥٠/٤ من
حديث عبد الله بن قُرط الثمالي وسنده صحيح، وصححه الحاكم ٢٢١/٤، ووافقه
الذهبي.
(٢) روى مسلم في ((صحيحه)) (١١٦٢) في الصيام: باب استحباب ثلاثة أيام من كل
شهر وصوم يوم عرفة .. عن أبي قتادة الأنصاري رضي الله عنه قال: سئل رسول الله
صلى الله عليه وآله وسلم عن صوم يوم عرفة؟ فقال: ((يُكفر السنة الماضية والباقية)).
(٣) أخرج مسلم في ((صحيحه)) (١٣٤٨) في الحج: باب فضل الحج والعمرة، والنسائي
٢٥٠/٥ في الحج: باب ما ذكر في يوم عرفة، وابن ماجه (٣٠١٤) في المناسك:
باب الدعاء يوم عرفة من حديث عائشة رضي الله عنها أن رسول الله ◌َّلةٍ قال: ((ما من
يوم أكثر من أن يعتق الله فيه عبداً من النار من يوم عرفة، وإنه ليدنو ثم يباهي بهم
الملائكة، فيقول: ما أراد هؤلاء)).
(٤) أخرجه البخاري ٢٤٠/٨ في التفسير: باب قوله تعالى: (فسيحوا في الأرض أربعة
أشهرٍ)، ومسلم (١٣٤٧) في الحج: باب لا يحج البيت مشرك من حديث حميد بن
عبد الرحمن أن أبا هريرة قال: بعثني أبو بكر رضي الله عنه في تلك الحجة في
المؤذنين بعثهم يوم النحر يؤذنون بمنى: ألا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف
بالبيت عريان، قال حميد: ثم أردف النبي ◌َّر بعلي بن أبي طالب، فأمره أن يؤذن =
٥٥

الْحَجِّ الأَكْبَرِ يَوْمُ النَّحْرِ))(١)، وكذلك قال أبو هريرة، وجماعةٌ من الصحابة،
ويومُ عرفة مقدِّمة ليوم النَّحر بين يديه، فإن فيه يكونُ الوقوفُ، والتضرُ،
والتوبةُ، والابتهالُ، والاستقالةُ، ثم يومَ النَّحر تكون الوفادةُ والزيارة، ولهذا
سمي طوافُه طوافَ الزيارة، لأنهم قد طهروا من ذنوبهم يوم عرفة، ثم أذن
لھم ربُّهم یوم النَّحر في زيارته، والدخولِ علیه إلی بیته، ولهذا کان فیہ ذبحُ
القرابين، وحلقُ الرؤوس، ورميُّ الجمار، ومعظمُ أفعال الحج، وعملُ يوم
عرفة كالطهور والاغتسال بين يدي هذا اليوم. وكذلك تفضيل عشر ذي الحجة
على غيره من الأيام، فإنَّ أيامه أفضلُ الأيامِ عند الله، وقد ثبت في ((صحيح
البخاري)) عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله مَ﴾: «مَا مِنْ
أَيَّامِ العَمَلُ الصَّالِحُ فِيهَا أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنْ هَذِهِ الأيَّامِ العَشْرِ) قَالُوا: وَلاَ
الجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ؟ قَالَ: ((وَلاَ الجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، إِلَّ رَجُلٌ خَرَجَ بِنَفْسِهِ
ومَالِهِ، ثُمَّ لَمْ يَرْجِعْ مِنْ ذَلِكَ بِشَيءٍ)»(٢) وهي الأيامُ العشر التي أقسم الله بها
في كتابه بقوله: ﴿وَالفَجْرِ، وَلَيَالٍ عَشْرٍ﴾ [الفجر: ١، ٢] ولهذا يُستحب فيها
الإكثارُ من التَّكْبِير والتهليلِ والتحميدِ، كما قال النبي ◌ََّ: ((فَأَكْثُرُوا فِيهِنَّ مِنَ
ببراءة، قال أبو هريرة: فأذن معنا علي في أهل منى يوم النحر ببراءة، وألا يحج بعد
=
العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان.
(١) رواه أبو داود (١٩٤٥) في الحج: باب يوم الحج الأكبر، وابن ماجه (٣٠٥٨) في
المناسك: باب الخطبة يوم النحر من حديث ابن عمر، وسنده صحيح، وعلقه
البخاري في («صحيحه» ٤٦١/٣ .
(٢) رواه البخاري ٣٨٢/٢، ٣٨٣ في العيدين: باب فضل العمل في أيام التشريق عن
ابن عباس بلفظ: ((ما العمل في أيام أفضل منها في هذه، قالوا: ولا الجهاد؟ قال:
ولا الجهاد إلا رجل خرج يخاطر بنفسه وماله، فلم يرجع بشيء)) واللفظ الذي أورده
المؤلف أخرجه أبو داود (٢٤٣٨) في الصوم: باب في صوم العشر، والترمذي
(٧٥٧) في الصوم: باب ما جاء في العمل في أيام العشر، وابن ماجه (١٧٢٧) في
الصيام: باب صيام العشر، وإسناده صحيح.
٥٦

التَّكْبِيرِ وَالتَّهْلِيلِ وَالتَّحْمِيدِ))(١)، ونسبتُهَا إلى الأيام كنسبة مواضع المناسك في
سائر البقاع .
وَمِنْ ذَلك تفضيلُ شهر رمضان على سائر الشهور، وتفضيلُ عشرِهِ
الأخير على سائر الليالي، وتفضيلُ ليلة القدر على ألف شهر.
فإن قلت: أيُّ العَشرين أفضلُ؟ عَشرُ ذي الحِجَّة، أو العشرُ الأخير من
رمضان؟ وأيُّ الليلتين أفضلُ؟ ليلةُ القدرِ، أو ليلة الإِسراء؟
المفاضلة بين عشر ليلة
القدر وعشر ذي الحجة
قلت: أمّا السؤالُ الأول، فالصوابُ فيه أن يقالُ: ليالي العشر الأخير
من رمضان، أفضلُ من ليالي عشر ذي الحجة، وأيَّام عشر ذي الحِجَّة أفضلُ
من أيام عشر رمضان، وبهذا التفصيلِ يزولُ الاشتباه، ويدل عليه أن لياليَ
العشر من رمضان إنما فُضِّلَتْ باعتبار ليلة القدر، وهي من الليالي، وعشرُ ذي
الحِجَّة إنما فُصِّلَ باعتبار أيامه، إذ فيه يومُ النحر، ويومُ عرفة، ويوم التروية.
وأما السؤال الثاني، فقد سُئِلَ شيخُ الإسلام ابن تيمية رحمه الله عن
رجل قال: ليلةُ الإِسراء أفضلُ مِن ليلة القدر، وقال آخر: بل ليلةُ القدر
أفضلُ، فَأَيُّهُما المصيبُ؟
جواب ابن تيمية عن
التفضيل بين ليلتي القدر
والإسراء
فأجاب: الحمدُ للَّهِ، أما القائلُ بأن ليلة الإِسراء أفضلُ مِن ليلة القدر،
فإن أراد به أن تكونَ الليلةُ التي أسري فيها بالنبي وَّرُ ونظائِرُها مِن كل عام
أفضلَ لأمَّة محمد ◌ٍَّ مِن ليلة القدر بحيث يكونُ قيامُها والدعاءُ فيها أفضلَ
(١) أخرجه الطبراني في ((الكبير)) ١/١١٠/٣ حدَّثنا معاذ بن المثنى، ثنا مسدَّد، ثنا
خالد، عن يزيد بن أبي زياد، عن مجاهد، عن ابن عباس مرفوعاً ((ما من أيام أعظم
عند الله ولا أحب إلى الله العمل فيهن من أيام العشر، فأكثروا فيهن من التسبيح
والتحميد والتهليل والتكبير)) ورجاله ثقات إلا يزيد بن أبي زياد ففيه كلام ولم يتابع
على قوله: ((فأكثروا ... )) ومع ذلك فقد جود إسناده المنذري في ((الترغيب
والترهيب)) ٢٤/٢، وقال الهيثمي في ((المجمع)) ١٧/٤: ورجاله رجال الصحيح.
٥٧

منه في ليلة القدر، فهذا باطل، لم يقله أحدٌ من المسلمين، وهو معلومٌ
الفساد بالاطَّراد من دين الإِسلام. هذا إذا كانت ليلةُ الإِسراء تُعرف عينُها،
فكيف ولم يقمْ دليلٌ معلوم لا على شهرها، ولا على عشرها، ولا على
عينِها، بل النقولُ في ذلك منقطعةٌ مختلفة، ليس فيها ما يُقطع به، ولا شُرِعَ
للمسلمين تخصيصُ الليلة التي يُظن أنها ليلة الإِسراء بقيام ولا غيره، بخلاف
ليلة القدر، فإنه قد ثبت في «الصحيحين)) عن النبي ◌َّ- أنه قال: ((تَحَرَّوْا لَيْلَةَ
القَدْرِ في العَشْرِ الأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ»(١) وفي ((الصحيحين)) عنه ◌َّ أنه قال:
((مَنْ قَامَ لَيْلَةَ القَدْرِ إِيمَاناً واحْتِسَاباً، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ))(٢)، وقد أخبر
سبحانه أنها خيرٌ مِن ألف شهر، وأنَّه أنزل فيها القرآن.
وإن أراد أن الليلة المعينة التي أسري فيها بالنبي وَّ، وحصل له فيها ما
لم يحصُلْ له في غيرها مِن غير أن يُشرع تخصيصها بقيام ولا عبادة، فهذا
صحيح، وليس إذا أعطى اللَّهُ نبيَّه ◌َل فضيلةً في مكان أو زمان، يجب أن
يكون ذلك الزمانُ والمكانُ أفضلَ مِن جميع الأمكنة والأزمنة. هذا إذا قدر أنه
قام دليل على أن إنعامَ الله تعالى على نبيه ليلَةَ الإِسراءِ كان أعظمَ من إنعامه
عليه بإنزال القرآنِ ليلةَ القدر، وغيرِ ذلك من النعم التي أنعم عليه بها.
والكلام في مثل هذا يحتاج إلى علم بحقائق الأمور، ومقادير النعم
التي لا تُعرف إلا بوحي، ولا يجوز لأحد أن يتكلم فيها بلا علم، ولا يُعرف
عن أحد من المسلمين أنه جعل لليلة الإسراءِ فضيلةً على غيرها، لا سيما
(١) البخاري في ((صحيحه)) ٢٢٥/٤ في الصوم: باب تحري ليلة القدر في الوتر من
العشر الأواخر، ومسلم (١١٦٩) في الصوم: باب فضل ليلة القدر، من حديث
عائشة رضي الله عنها.
(٢) البخاري في ((صحيحه)) ٩٨/٤ و٢٢١ في الصوم: باب من صام رمضان إيماناً
واحتساباً ونية، ومسلم (٧٥٩) في الصلاة: باب الترغيب في قيام رمضان من حديث
أبي هريرة رضي الله عنه.
٥٨
:

على ليلة القدر، ولا كان الصحابةُ والتابعون لهم بإحسان يقصِدُون تخصيص
ليلة الإسراء بأمر من الأمورِ، ولا يذكرونها، ولهذا لا يُعرف أي ليلة كانت،
وإن كان الإِسراءُ مِن أعظم فضائله ◌ِ ◌َّ، ومع هذا فلم يُشرع تخصيصُ ذلك
الزمانِ، ولا ذلك المكانِ بعبادة شرعية، بل غار حراء الذي ابتدىء فيه بنزول
الوحي، وكان يتحراه قبلَ النبوة، لم يقصِدْهُ هو ولا أحدٌ مِن أصحابه بعد
النبوة مدةَ مُقامه بمكة، ولا خصَّ اليومَ الذي أنزل فيه الوحي بعبادة ولا
غيرِها، ولا خصَّ المكانَ الذي ابتدىء فيه بالوحي ولا الزمانَ بشيء، ومن
خص الأمكنة والأزمنة من عنده بعبادات لأجل هذا وأمثاله، كان مِنْ جنس
أهل الكتاب الذين جعلوا زمانَ أحوال المسيح مواسمَ وعبادات، كيوم
الميلاد، ويوم التعميد، وغير ذلك من أحواله. وقد رأى عمرُ بن الخطاب
رضي الله عنه جماعة يتبادرون مكاناً يُصلون فيه، فقال: ما هذا؟ قالوا: مكانٌ
صلى فيه رسولُ الله ◌َّهِ، فقال: أَتُريدون أن تتخذوا آثار أنبيائكم مساجد؟!
إنما هلكَ مَنْ كان قبلكم بهذا، فمن أدركته فيه الصلاة فليصل، وإلا
فليمض(١).
وقد قال بعضُ الناس: إن ليلة الإسراء في حق النبي ◌َّ أفضلُ مِن ليلة
القدر، وليلة القدر بالنسبة إلى الأمّة أفضلُ من ليلة الإسراء، فهذه الليلة في
حق الأمّة أفضلُ لهم، وليلة الإسراء في حق رسول الله ◌ٍَّ أفضلُ له.
فإن قيل: فأيهما أفضلُ: يوم الجمعة، أو يوم عرفة؟ فقد روى ابن
حبان في (صحيحه)) من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله وَ لّ: ((لاَ تَطْلُعُ
الشَّمْسُ وَلاَ تَغْرُبُ عَلَى يَوْمٍ أَفْضَلَ مِنْ يَوْمِ الجُمُعَةِ))(٢) وفيه أيضاً حديث
أوس بن أوس (خَيْرُ يَوْمٍ طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسِ يَوْمُ الجُمْعَةِ))(٣).
المفاضلة بين يومي
الجمعة وعرفة
أخرجه ابن أبي شيبة في ((المصنف)) ١/٨٤/٢ وسنده صحيح.
(١)
(٢) رواه ابن حبان في ((صحیحه)) رقم (٥٥١) وسنده حسن.
(٣) هذا اللفظ الذي أورده المؤلف أخرجه مسلم (٨٥٤) في الجمعة: باب فضل =
٥٩

قيل: قد ذهب بعضُ العلماء إلى تفضيل يوم الجمعة على يوم عرفة،
محتجاً بهذا الحديث، وحكى القاضي أبو يعلى رواية عن أحمد أن ليلة
الجمعة أفضلُ من ليلة القدر، والصوابُ أن يوم الجمعة أفضلُ أيام الأسبوع،
مزية وقفة الجمعة يوم ويومَ عرفة ويوم النَّحر أفضلُ أيام العام، وكذلك ليلةُ القدر، وليلة الجمعة،
عرفة
ولهذا كان لوقفة الجمعة يومَ عرفة مزية على سائر الأيام من وجوه متعدّدة.
أحدها: اجتماعُ اليومين اللذين هما أفضلُ الأيام.
الثاني: أنه اليومُ الذي فيه ساعة محققة الإجابة، وأكثر الأقوال أنها آخر
ساعة بعد العصر(١) وأهل الموقف كلُّهم إذ ذاك واقفون للدعاء والتضرع.
الثالث: موافقتُه ليوم وقفة رسول الله مِثل .
الرَّابع: أن فيه اجتماعَ الخلائق مِن أقطار الأرض للخطبة وصلاة الجمعة،
ويُوافق ذلك اجتماعَ أهل عرفة يومَ عرفة بعرفة، فيحصُل مِن اجتماع المسلمين في
الجمعة، والترمذي (٤٨٨) والنسائي ٨٩/٣، ٩٠ من حديث أبي هريرة ... وأما
=
حديث أوس بن أوس فلفظه عند ابن حبان (٥٥٠) ((إن من أفضل أيامكم يوم
الجمعة، فيه خلق الله آدم، وفيه قبض وفيه النفخة، وفيه الصعقة، فأكثروا علي من
الصلاة فيه، فإن صلاتكم معروضة علي، قالوا: وكيف تعرض صلاتنا عليك، وقد
أَرَمْتَ، أي: بليتَ، فقال: إن الله جل وعلا حرم على الأرض أن تأكل أجسامنا))
وسنده صحيح، وأخرجه أبوداود (١٠٤٧) والنسائي ٩١/٣.
(١) روى أبو داود (١٠٤٨) في الصلاة: باب الإجابة أية ساعة هي في يوم الجمعة،
والنسائي ٩٩/٣، ١٠٠ في الجمعة: باب وقت الجمعة عن جابر بن عبد الله عن
رسول الله وَل# أنه قال: ((يوم الجمعة ثنتا عشرة - يريد ساعة - لا يوجد مسلم يسأل
الله عز وجل شيئاً إلا أتاه الله عز وجل، فالتمسوها آخر ساعة بعد العصر)) وسنده
جيد، وصححه الحاكم ٢٧٩/١، ووافقه الذهبي، وصححه النووي، وحسنه الحافظ
ابن حجر، وله شاهد عند الترمذي (٤٨٩) من حديث أنس بن مالك بلفظ ((التمسوا
الساعة التي ترجى في يوم الجمعة بعد العصر إلى غيبوبة الشمس)) وسنده حسن في
الشواهد.
٦٠