Indexed OCR Text
Pages 1-20
زَازُ المعتاد في هدي خير العباد ابن قيم الجوزية الإمَام المُحُدِّثِ المِفَسِالفَقِيهِ شِمِ الدّين أَبِي عَبْدِالله محمدبن أبي بكر الزرعيِ الدّمْشِفِي ( ٦٩١ - ٧٥١ هـ) حَقّقَ نصُوُصَه، وفَّعَ أمَادِيْهِ، وَعَلَّنَ عَلَيْهِ شُعَيْبُ الأرْنَوُوُطِ عَبْدُ الْقَادِرُ الأَرْنَوُوط الجُزُ الأَوَّلْ مؤسسة الرسالة ١ . 3 زَارُ المِعَتَاد في هدي خير العباد ١ ٤ مؤسسة الرسالة للطباعة والنشر والتوزيع وطى المصبطية بشارع حبيب أبي شهلا بناء المسكن تفاكس: (٩٦١١) ٨١٥١١٢ - ٢١٩٠٢٩ - ٦٠٢٢٤٢ ص.ب . :١١٧٤٦٠ برقياً، بيوشران بيروت - لبنان Al-Resalahi PUBLISHERS BEIRUT LEBANON Telefax: (9611) 515112-319059.605243 P.O. Box: 117460 F-mail: Resular(r o yheria net.Ib Web Location: ◌َمْعُ الحقوق محفوظة لِلنَّارِشِرْ الطَّعَة الثّالِثَّة طبعة جَديدَة مُنقَّحَّة وَمَزِيدَة ١٤١٨ هـ / ١٩٩٨م حقوق الطبع محفوظة ١٩٧٩Cم. لا يُسمح بإعادة نشر هذا الكتاب أو أي جزء منه بأي شكل من الأشكال أو حفظه ونسخه في أي نظام میکانیکي أو إلكتروني یمکن من استرجاع الكتاب أو أي جزء منه. ولا يُسمح باقتباس أي جزء من الكتاب أو ترجمته إلى أي لغة أخرى دون الحصول على إذن خطي مسبق من الناشر. مقدمة التحقيق إن الحمدَ لله، نحمده ونستعينُه، ونستغفِرُه، ونعوذُ بالله من شرور أنفسنا، ومِن سيئات أعمالِنَا، مَنْ يهده اللَّهُ، فلا مُضِلَّ له، ومن يُضلِلْ، فلا هاديَ لهُ، وأشهدُ أن لا إلهَ إلا اللَّهُ وحدَه لا شريكَ له، وأشهدُ أن محمداً عبده ورسوله. وبعد، فإنَّ مما لا خِلاف فيه بَيْنَ المسلمين أن رسولَنا محمداً ◌َّ خاتمُ النبيين، وإمامُ المرسلين، وحجةُ الله على خلقه أجمعين، وقد بعثهُ اللَّهُ تعالى بالدِّين القويم، والصراطِ المستقيم، وجعلَ رسالته عامة للنّاس أجمعين إلى يوم الدین. وأقامَ به المِلَّةَ العَوْجَاءَ، وفتحَ بهديه أعيناً عُمياً، وآذاناً صُمَّا، وقلُوباً غُلفاً وهدى به البشريةَ التائهة إلى أقوم طريق، وأوضح سبيل، وأحسنٍ منهج. وقد افترض اللَّهُ تعالى على العِباد طاعَتَه، وتوقيرَه ومحبته، والاقتداءَ بهديه، واتباع سنته، وجعل العِزَّة والمنَعَةَ والنُّصرة والولاية والتمكينَ في الأرض لمن اتَّبع هُداه، وترسَّم خُطاه، والذِلَّةَ، والصَّغارَ، والخذلان والشقاء والضعف والمهانَةَ على من خالف أمرَهُ وعصاهُ. وإن معرفةَ عبادةِ الله تعالى، والعملَ بدينِهِ الذي أنزله لِصلاح شؤون العبادِ في الدنيا والآخرة؛ متوقِّفَةٌ على معرفةٍ هَذي رسول الله ◌َيّ وطريقته العملية التي بيَّن فيها شرعَ الله تعالى مِن أول ما نزلَ عليه الوحيُّ إلى أن أكمل الله تعالى هَذَا الدین. ٥ وقد وَعَتْ كتبُ السنة والمغازي والتاريخ والشمائل أقوالَ النبيَ بَّ، وأفعالَه وصفاتِهِ مِن أول نشأته إلى أن اختاره الله إلى جواره - لا سيما الفترةَ التي أدى فيها الرسالةَ - ولم تدع أمراً من أموره، ولا شأناً مِن شؤونه دَقَّ أو جَلَّ إلا أَحْصَتْهُ حتى إنك لتجدُ فيها صفةَ قيامه، وجلوسهِ، ونهوضِهِ من نومه، وهيئته في ضَحِكِهِ وابتسامه، وعبادته في ليله ونهاره، وكيف كان يفعلُ إذا اغتسل، وإذا أكل، وكيفَ كان يشربُ، وماذا كان يلبَسُ، وكيف كان يتحدَّثُ إلى الناس إذا لَقِيهم، وما كان يُحبُّ من الألوان، وما هي حِليتهُ وشمائلُه. ولسنا نعدُو الحقيقةَ إذا قُلنا: إنه ليس في الدنيا إنسانٌ كامل تحدَّثَ التاريخُ عن سيرته على التفصيل كما تحدَّث عن تفاصيل حياةٍ نبينا محمّد ◌َّ خاتمِ النبيين . وإن أوفى كتابٍ في هذا الموضوع هو كتابُ ((زاد المعاد في هدي خيرٍ العبادِ» للإِمام شمس الدين أبي عبد الله محمدِ بنِ أبي بكر بنِ أيوب بنِ سعد الزَّرْعي ثم الدِّمشقي، صاحبِ القلم الفياض، والعلمِ الواسع، والرأي السديد، والمتبحر في علوم الإِسلام أصولِها وفروعِها، دقيقِها وجليلها. وقد استوعب رحمه اللَّهُ في كتابه هذا هديَهَ بَّ في شؤونِهِ العامةِ والخاصةِ، واستوفى الحديثَ عن أطوارٍ حياته، وما صاحبَها مِن أحداث، وما لابسها من أمور يجدُر بِكُلِّ مسلم أن يقِف عليها، ويتبين أمرَها، شأنُه رحمه الله في كل تصانيفه التي تجري على نسق واحد مِن الجودة والإتقان، والإِحاطة بالموضوعِ مِن جميعِ نواحيه بحيث لا يدع لباحث بعده مجالاً لأن يقول شيئاً. وكل من يقرأ مؤلفات ابن القيم بتبصر وتمحيص يعلم حقَّ العلم أنه رحمه اللَّهُ جمعَ مِن علوم القرآن، والسنة، ومِن الإِحاطة بأقاويل السلف، وآراء المذاهب ومقالاتهم حفظاً وفهماً ما لا نعلم مثلَه عن كثير من العلماء ممن تقدَّمه أو أتى بعده. ٦ ، وهو شديد الاعتداد بما ثبت عنهََّ من الأحاديث، والأخذِ بها، والعملِ بموجبها، وطرح ما سواها، وعدم الاعتداد بقول أحد كائناً من كان إذا كان يُخالفها، أو يتأولُها على غير وجهها، وهو إن كان يسير في فلكِ شيخه شيخٍ الإِسلام ابن تيمية رحمه الله، ويأخذ بكثير من اجتهاداته التي تفرَّد بها، إلا أنه أقربُ منه إلى اللين والرِّفق بالمخالفين. ومما يُثير الدهشة أن المؤلفَ - رحمه الله - قد ألَّف كتابه هذا في حال السفر، ولم تكن في حَوْزَتِهِ المصادرُ التي ينقلُ منها ما يحتاجُ إليها مِن أخبارٍ وآثارٍ تتعلَّقُ بموضوع الكتاب؛ مع أنه ضمَّنه معظمَ الأحاديثِ النبوية القولية منها والفعلية المتعلقة به مما هُوَ منثورٌ في الصحاح، والسنن، والمسانيد، والمعاجم، والسِّيَر، وأثبت كُلَّ حديثٍ في الموضوع الذي يخصُّه مما يشهد بسعةٍ اطلاعه، وجودةٍ حفظه، وسرعة بديهته، وربما تزول الدهشةُ إذا صحّ ما ترامى إلينا من أن هذا الإِمامَ كانَ يستظهِرُ («مسندَ الإِمام أحمد بن حنبل)) الذي يضمُّ أكثر من ثلاثين ألف حديثٍ من حديث رسولِ اللّهِ ◌َيرٍ . وقد سبق لهذا الكتاب أن طُبعَ أكثرَ من مرةٍ، ولكنه في كل هذه الطبعات(١) لم يأخذ حظّه من التحقيق والتصحيح والتمحيص، فجاءت كُلُّها مليئةً بالخطأ والتصحيف والتحريف، وسوء الإِخراج، وعدم العناية بتحقيق نصوصه الحديثية، وتمييز صحيحها من سقيمها مما حدا بالناشر أن يَطْرَحَ فِكرةَ تحقيقِهِ ونشرِهِ نشرةً صحيحةً وِفْقَ القواعِدِ العلمية المتبعة في التحقيق، وكان أن وقع الاختيارُ علينا، فاستجبنا ولبينا سائلينَ المولى سبحانه وتعالى أن يُوفقنا لإخراجه إخراجاً يزدان بجمال المظهر، ويزهو بصحة المخبر، إنه مع الذين اتقوا والذين هم محسنون. (١) حتى الطبعة التي عني بتحقيقها الشيخ محمد حامد الفقي رحمه الله، فهي كمثيلاتها مشحونة بالخطأ بالرغم من ادعائه أنه اعتمد على نسختين خطيتين موجودتين بدار الكتب المصرية، وأنه راجع أحاديثها على أصولها من الكتب الستة وغيرها !!. ٧ وَصَفُ النَُّخِ التي اعتمدَ نَاهَا لقد توفر لنا حين الشروع بالتحقيق نسختان خطيتان. أولاهما: وهي المصورة عن الأصل الموجود في دار الكتب الظاهرية بدمشق الشام المحروسة تحت رقم (١٨٩٧) عام، وتقع في ثلاثة مجلدات، الموجودُ منها الثاني والثالث، ويشتملان على ثلثي الكتابٍ تقريباً، والمجلدُ الثاني عددُ أوراقه (٢٠٨) ورقات يبدأ بـ ((فصل في سياق مغازيه وبعوثه مل على وجه الاختصار)) وينتهي بـ ((فصل: والجماع الضار نوعان ... )) وجاء في أسفل الورقة الأخيرة منه ما نصه: نَجَزَ الجزء الثاني من كتاب ((زاد المعاد في هدي خير العباد) وَلَه وعلى آله الطيبين الطاهرين، وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين، يتلوه في الجزء الثالث: فصل في هديه ◌ِّ في علاج العشق، ورضي الله عن مصنفه وعمن قرأه، ونظر فيه، وجمع بيننا وبينه في دار كرامته بمنه وكرمه، وكان الفراغ منه في سَلْخ شهرِ رمضانَ المعظّم قدرهُ عامَ ثلاث وخمسين وثمانمائة على يدٍ فقير عفوه، وأحوجهم إلى رحمته وفضلِهِ: محمدٍّ بنِ محمد بن أبي شامة الحنبلي غُفِرَ له، ولمن دعا له ولجمیع المسلمین. والمجلد الثالث عددُ أوراقه (٢٤٥) ورقة إلا أنه يَنْقُصُ مِن أوله عِدةُ أوراق ربما تكون أربعين ورقة أو تزيد، وهو يبدأ بقوله: للنسخ ووجب تقديم الخاص عليه وهذا في غاية الظهور. لحم الضب ... وينتهي بنهاية الكتاب. وقد جاء في الورقة الأخيرة منه ما نصه: الحمد لله رب العالمين، والصلاة والتسليم على سيد المرسلين سيدنا محمد خاتم الأنبياء والمرسلين صلوات الله وسلامه عليه وعلى آلهِ وأصحابِهِ أجمعين، وسلَّم تسليماً كثيراً إلى يومِ الدين. فرغ من نسخ الجزء الثالث وما قَبلَه من ((زاد المعاد في هدي خير العباد)) على يد فقير عفو ربه محمد بن محمد بن أبي شامة الحنبلي عامله الله بلطفه الخفي نهارَ الثلاثاء رابعَ شهر شوال المبارك عامَ أربع وخمسين وثمانمائة بمدرسة شيخ الإسلام أبي ٨ عُمَرَ قدَّسَ اللَّهَ روحَه، ونوَّر ضريحه، وغفر لمن طالع فيه، ودعا لمالكه ولکاتبه، ولجميع المسلمين. وتُعد هذه النسخة من أنفس النسخ وثوقاً وضبطاً وإتقاناً، وقد كُتِبِتْ بخط نَسْخِي جميلٍ واضح، وضُبطَ ما يشتبه مِن بعض ألفاظها، وحُلَِّتْ هوامِشُهَا بتصحيحات وتصويبات تُنبىء أن ناسخها قابلها، واستدرك ما وهم فيه أثناء النسخ . ولو تيسر لنا الجزءُ الأولُ منها، لوفّر علينا وقتاً طويلاً وعناءً مضنياً قضيناه في مقابلة ما ورد فيه من النصوص والأقوال ـــ وما أكثرها - على المصادر التي نقل المؤلف عنها وغيرها مما تيسر لنا. والمدرسة التي كتبت فيها هذه النسخة - وهي المدرسة العمرية - لا تزال آثارُها موجودةً حتى الآن بصالحية دمشق قبلي الجامع المظفري، إلا أنه لا ظِلَّ للعلم فيها ولا أثر، وقد كانت فيما مضى من المدارس العظيمةِ التي لم يكن في بلادِ الإِسلام أعظمُ منها، وكان بها خزانةُ كتب لا نظيرَ لها، فعدت عليها العوادِي، وتعاورتها أيدي المختلسين، وأُخذَ منها الشيءُ الكثير، وما تبقَّى منها - وهو شيءٌ لا يُذكر بالنسبة لما كان بها - نُقِل إلى خزانة دارِ الكتب الظاهرية. أما باني هذه المدرسة، فهو كما قال، الذهبي في ((العبر)) ٥/ ٢٥ الشيخ أبو عمر المقدسي الزاهد محمدُ بن أحمد بن محمد بن قُدامة بن مِقدام بن حسن الحنبلي القدوة الزاهد أخُو العلامة موفق الدين، ولد بجَمَّاعِيل (١) سنةً ثمان وعشرين وخمسمائة، وهاجر إلى دمشق لاستيلاء الفرنج على الأرضِ المقدّسَة، وسمع الحديثَ مِن أبي المكارم عبد الواحد بن هلال وطائفة كثيرة، وكتب الكثير بخطه، وحفِظَ القرآنَ والفقه والحديثَ، وكان إماماً فاضلاً مقرئاً، زاهداً عابداً، قانتاً لله، خائِفاً مِن الله، منيباً إلى الله، كثير النفع لخلق الله، ذا أوراد، وتهجدٍ (١) جماعيل: قرية في جبل نابلس من أرض فلسطين. ٩ ر واجتهادٍ، وأوقات مقسَّمةٍ على الطاعةِ من الصلاة والصيام والذكرِ وتعليم العلم والفتوة والمروءةِ والخدمةِ والتواضع رضي الله عنه وأرضاه، فلقد كان عديمَ النظير في زمانه، خطب بجامع الجبل إلى أن توفي في الثاني والعشرين من ربيع الأول سنة سبع وستمائة هـ. الثانية: وهي من محفوظات دار الكتب الظاهرية أيضاً وقفها أحدُ المحسنين على مدرسةٍ شيخ الإِسلام أبي عمر المقدسي، وتقع في أربعة مجلدات، الموجودُ منها المجلدُ الرابعُ، وعددُ أوراقه (٢٦٨) ورقة يبدأ بذكر حُكمه وَّر في طلاق الهازل والمكره ... وينتهي بآخر الكتاب إلا أن الورقة الأخيرة منه مفقودة، فلم يتبين لنا تاريخُ نسخها، والذي يغلب على الظن أنها قريبة عهد من السابقة، وربما تكون منقولة عنها، وهي نسخة خزائنية نفيسة يغلبُ عليها الصحةُ، والخطأ نادر فيها مما لا يكاد يخلو منه مخطوط، وقد جاء في هامش الورقة ٢٧ ما نصه: بلغ مقابلة حسب الطاقة على أصل قرىء على الشيخ رحمه الله . مَنْهَجُ التَّحْقِيق ١ - لقد عوَّلنَا في نشر هذا الكتاب على الأصلين الخطيينِ اللذينِ سبق وصفهُما فاتخذناهما أصلاً، ثم عُدنا إلى كُتب السنة والمسانيدِ والمعاجمِ وكثيرٍ من المصادر التي أخذ عنها المؤلفُ، وعَارَضنا عَلَيْهَا كُلَّ ما أورده من أحاديثَ وآثارٍ وأقوالٍ - وهو شيءٌ كثير، وعددٌ ضخم - فما وقعنا فيه على خطأ، أصلحناه، أو نقص أكملناه، أو زيادةٍ حذفناها، فإنه اعتمد في تأليفه - رحمه الله - على ذاكرته وحِفظه، فهو كما يقولُ ((علقه في حال السفر لا الإقامةِ، والقلبُ بكل وادٍ منه شُعبةٌ، والهمَّةُ قد تفرَّقت شَذَرَ مَذَرَ، والكِتَابُ مفقودٌ، ومَنْ يفتحُ بابَ العلم لمذاكرته معدومٌ غيرُ موجود)» ولم نُشِرْ إلى ما وقع في جميع الطبعات السابقة مِن خطأ وتحريف وتصحيف إلا نادراً رغبةً في الاختصار، وعدم إثقال الحواشي بما لا يعودُ على القارىء بكبيرٍ فائدة. ٢ - ثم خرجنا أحاديث الكتاب من المصادر التي أمكننا الوقوفُ عليها، ١٠ وذكرنا اسم الصحابي الذي روى الحديثَ، لأن المؤلف لاَ يذكُرُهُ غالباً، وإذا كان للمصدرِ أكثر من طبعةٍ أضفنا إلى رقم الحديثِ أو الصفحة الواردة فيه ذكر الكتاب والباب تيسيراً للقارىء الذي ليس في حوزته الطبعة التي رجعنا إليها، ودللنا في أكثر الأحيان على جميع مواطِنِ الحديث الذي يخرجُه البخاري في مواضع متفرقة من كتابه . ٣ - ثم أبنًا عن درجة كل حديث مما لم يرد في أحد ((الصحيحين)) من الصحة والضعف حسب الأصول والقواعد المتبعة في علم مصطلح الحديث، وذكرنا ما قيل في رجاله ممن تُكُلِّمَ فيهم مسترشدين بأقاويل جهابذة الحديث ونقاده، فإنهم القدوةُ في هذا الباب، والمعولُ عليهم فيه، وما كان فيه من أخبار ضعيفة بحثنا في طرقها المختلفة، وشواهدها، فما تقوَّى منها بتعدد الطرق أو بالشواهد حكمنا عليه بالصحة أو الحسن تبعاً لمنزلة تلك الطُّرق والشواهدِ، وما لم نجد له ما يُقوِّيه، حكمنا عليه بالضعف، وأشرنا إلى ذلك معززين ما ذهبنا إليه بنقول عن الحفاظِ من أئمة الحديثِ الذين عُنوا بذلك. وقضية التصحيح والتضعيف أمر تجدُرُ العِنايةُ به أكثر من غيره، لا سيما في عصرنا هذا الذي كاد أن ينقرِضَ فيه هذا العلمُ، وندر أن تَجِدَ فيه من يُحسِنُ أن يتولاهُ، ويصبِرَ على معاناته، فإننا نجد كثيراً من الأحاديثِ الضعيفة والموضوعةِ تدورُ على ألسنة الكثرة الكاثرةِ من الخطباء والمدرسين والمؤلفين ويتلقاها عنهم أغلبُ الناس، ويعتذُّونَ بها، ويعملُون بما يُستفاد منها، وحدث ولا حرج عما تُلحقه تلك الأحاديثُ مِن الضرر بجوانبَ كَثيرة مِن الأمور الاعتقادية والعبادية والسلوكية والفكرية والاجتماعية، وما تتركه من آثار سيئة، وانحرافات خطيرة، وتشويه لحقائق الإِسلام. وقد قال محدِّث الديار الشامية في عصره العلامة الشيخ بدر الدين الحسني رحمه الله ورضي عنه فيما نقله عنه الشيخ العلامة محمود ياسين في مجلة الهداية الإسلامية ٢٦٤/٨: لا يجوز إسنادُ حديثٍ لرسولِ الله ◌ِ ل﴾. إلا إذا نصَّ على صِحَّةِ هذا الحديثِ حافظٌ مِن الحفاظِ المعروفينَ، فَمَنْ قَالَ: قال ١١ رسولُ الله ◌َّهِ وهو لا يَعْلَمُ صِحَّة ذلك من طريق أحدِ الحفاظ يُوشِكُ أن يَصْدُقَ عليه حديثُ ((مِنْ قَالَ عَلَيَّ مَا لَمْ أَقُلْ فَلْيَتَبَوَّأْ مَفْعَدَهُ مِنَ النَّارِ))(١) فليحذَرِ الخطباءُ والكتابُ والمدرِّسُونَ والوعاظُ مِن إسنادٍ حديثٍ إلى رسولِ الله ◌ِِّ ما لم يعلمُوا صِحَّته مِن طريق حافِظٍ مشهورٍ مِن حُفَّاظ الحديث، وعليهم إذا لم يعلمُوا ذلك أن يذكرُوا الحديثَ معزواً إلى الكِتاب الذي نقلُوا منه، كالترمذي والنسائي مثلاً، وبذلك يخرجونَ مِن العُهدة، أما الذين يحمِلُونَ بأيديهم الكتبَ التي لا قِيمةً لها عِنْدَ عُلَمَاءِ الحديثِ الشريفِ ككثير مِنْ كتب الأخلاقِ والوعظِ المنتشرة بالأيدي، فلا يكفي عَزوُ الحديثِ إليها، ولا يَخْرُجُ القارِىء منَ الوِزِرِ (٢). وقال أيضاً رحمه الله: إنَّ الحديثَ الصحيح أصلٌ للأحكام الشرعية، فيجبُ أن يَنْبِيَ المِذْهَبُ عَلَيْهِ لاَ أَنْ يَنْبَنِيَ الحديثُ الصَّحِيحُ عَلَى المذهب. وليس لأحد أن يُسوِّغَ صنيعه هَذَا بما ذهبَ إليه بعضُ العلماء من جواز العمل بالحديث الضعيفِ في فضائل الأعمالِ، لأنهم رحمهم اللَّهُ قد اشترطوا شروطاً لا تتوفّرُ في هذا الذي يُشَاعُ ويُذَاعُ مِنَ الأخبار، فَقَدْ نصَّ الحافِظُ ابنُ حجر فيما نقله عنه السَّخاويُّ في ((القول البديع)) ص ١٩٥ على أن شرط العمل بالحديث الضعيف ثلاثة : الأول: متفقٌ عليه وهو أن يكونَ الضعفُ غيرَ شديد، فيخرجُ مَنِ انفردَ مِن الكذابين والمتهمين، ومَن فَحُشَ غلطهُ. والثاني: أن يكون مندرِجاً تحتَ أصلٍ عام، فيخرجُ ما يُخْتَرَعُ بحيثُ لا یکونُ له أصلٌ أصلاً. الثالث: ألاَّ يُعتقد عِنْدَ العَمَلِ به ثبوتُهُ، لئلا يُنسب إلى النبي ◌َّ ما لم يقُلْه، (١) متفق عليه، وهو حديث متواتر عن النبي بَّة، وقد عني ببيان من رواه من الصحابة العلامة الشيخ علي القاري في مقدمة كتابه ((الموضوعات الكبرى)) فليراجع. (٢) ((أعلام الإسلام)) ص ٥٥، ٥٧ تأليف محمد رياض المالح. ١٢ والأخيران عن ابن عبد السلام، وابن دقيق العيد، والأول نقل العلائي الاتفاق علیه (١). ولا تنطبق هذه الشروطُ على كثير من الأحاديث التي يُشيعُهَا هؤلاء، فإن منها ما هُوَ موضوعٌ لا يَحِلُّ ذكرُه إلا على سبيلِ التحذيرِ منه، ومنها ما هو شدیدُ الضعفِ لِفُحش غَلَط راويه، وَمِنْهَا ما يتعلَّق بالحلالِ والحرامِ، والعقائد والأحكامِ، ومنها ما لا يندَرِجُ تحتَ أصل مِن الأصول العامة، بل هي مناقضة لها وللأدلة الصحيحة، على أنهم حِينَ يسردُونَ تِلْكَ الأحاديثَ في خُطبهم ودروسهم لا يُشيرونَ أدنى إشارة إلى ضعفِها، بل يَروونها وكأنها مِن الصحاح التي لا شَائِبَةً فيها، فَمِنْ أين للسَّامِع أن يتبيّن لَهُ ضعفُها حتى لا يَعْتَقِدَ عِنْدَ العملِ بها ثبوتَها (٢). ٤ - ثم رقَّمنا النص وفصَّلناه، ووزَّعناه توزيعاً فنياً، وضبطنا بالشكل ما يشتَبِهُ من الألفاظِ والمواضِعِ والكُنى والأسماء، وشرحنا ما جاء فيه مِن غريب الألفاظِ من غير بسط ولا إسهاب، وعلقنا على مواضِع منه بما يستكمِلُ مقاصِدَه، ويُوضِّحُ مرامِيَه، ويُيَسِّرُ الانتفاعَ منه، وما ورد فيه مِن آياتٍ وأحاديثَ قولية، فقد ضبطناها بالشَّكْلِ الكامِلِ . ٥ - ولم نخل تعليقاتِنا هذهِ مِن توجيه نقداتٍ للمؤلف فيما يُظَنُّ أنه أخطأ فيه، فإنه رحمه الله قد صرَّحَ في كتابه هذا بأنه لم يَقْصِدْ مِن تألِيفِهِ نُصرةَ مَذهبٍ من مذاهبِ الأئمةِ، وإنما قَصَدَ به مجرَّد هدي رسولِ الله ◌َِّ في سيرتِه وأقضيتِه وأحكامِهِ، فلا ضَيْرَ علينا إذا خالفناه، في بعض ما ذهب إليه إذا كانَ ما انتهينا إليه هو الصحيح القوي السديد، لأن ذلك مما يسُرُّهُ ويُرضيهِ، فإنه رحمه الله لم يكن يتعصَّب لِمذهبه الذي دَرَجَ عليه - وهو مذهب الإِمام أحمد - بل كانَ يُنَدِّدُ (١) ((الأجوبة الفاضلة)) ص ٤٣، ٤٤ لللكنوي بتحقيق الأستاذ عبد الفتاح أبي غدة. (٢) وقد اشترط المحدِّث الشيخ بدر الدين الحسني رحمه الله في جواز العمل بالحديث الضعيف في فضائل الأعمال شرطين: الأول: عدم إسناد لفظه للنبي صل، والثاني: ألا يخالف ما فيه من حكم حديثاً صحيحاً أو حكماً معروفاً. ١ بالتقليد الأعمى، والتعصبِ الموروثِ، ويدعو إلى إمعان النظر في الأمورِ التي اختلف فيها الأئمة أصحابُ المذاهب المتبعة، واستعراضِها، والاطلاع على حُججهم ودلائلهم، والأخذِ في كل بابٍ بما هو أقوى دليلاً، وأقربُ للحق والصواب، وأبلَغُ في الحجة من غير تعصب لمذهب أو عليه(١) . ولا بد لنا - وقد أوشكنا أن ننهي كلمتنا ـــ من إزجاء الشكر لكل من ساهم في نشر هذا التراث العلمي سواء بالقول أو الفعل حتى ظهر على هذا النحو الذي يروق ويعجب، ونسأل المولى جلت قدرته أن ينفعنا جميعاً بما فيه من هدي الرسول الكريم هي أحسن انتفاع، وأن يعيننا على القيام بخدمة السنة النبوية المطهرة ويمدنا بحوله وقوته، فهو وحده المستعان، وله الحمد والمنة، ومنه الجزاء والثواب، وإليه المرجع والمآب. ٢٥ ربيع الأول ١٣٩٩ هـ عَبْدُ القَادِرُ الأرْنَوُوط شُعَيْبُ الأرنوُوط ٢٢ شباط ١٩٧٩ م (١) قال رحمه الله في كتابه هذا في تقوية قول الجمهور في أن لبن الفحل يحرم، وأن التحريم ينتشر منه كما ينتشر من المرأة: وهذا هو الحق الذي لا يجوز أن يقال بغيره، وإن خالف فيه من خالف من الصحابة ومن بعدهم، فسنَّة رسول الله وَ لّ أحق أن تتبع، ويترك كل ما خالفها لأجلها، ولا تُترك هي لأجل قول أحدٍ كائناً من كان، ولو تركت السنن لخلاف من خالفها لعدم بلوغها له، أو لتأويلها، وغير ذلك، لترك سنن كثيرة جداً، وتركت الحجة إلى غيرها، وقول من يجب اتباعه إلى قول من لا يجب اتباعه، وقول المعصوم إلى قول غير المعصوم، وهذه بلية نسأل الله العافية منها، وألا نلقاه بها يوم القيامة . ١٤ ترجمة المؤلف.، هو الإِمامُ المحقّق الحافظُ الأصوليُّ الفقيه النَّحْوِيُّ صاحبُ الذِّهن الوقَّادِ والقلمِ السَّال، والتآليفِ الكثيرة الماتعة، شمسُ الدين أبو عبد الله، محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد بن حريز الزّرعي الدمشقي المشهور بـ: ابن قيم الجوزية، نسبةً إلى المدرسة التي أنشأها محيي الدين أبو المحاسن يوسف بن عبد الرحمن بن علي بن الجوزي (٢) المتوفّى سنة ٦٥٦ هـ لأن أباه كان قيِّماً عليها . وُلِدَ في بيت علم وفضل في السابع من صفر سنة إحدى وتسعين وستمائة (١) مصادر ترجمته: ((ذيل طبقات الحنابلة)) ٤٤٧/٢، ٤٥٢ لابن رجب الحنبلي، («البداية والنهاية)) ٢٣٤/١٤، ٢٣٥ لابن كثير الدمشقي، ((الدرر الكامنة)) ٢١/٤، ٢٣ لابن حجر العسقلاني ((الوافي بالوفيات)) ٢٧٠/٢، ٢٧٢ للصفدي، ((شذرات الذهب)) ٦/ ١٦٨، ١٧٠ لابن العماد، ((الرد الوافر)) صفحة ٦٨، ٦٩ لابن ناصر الدين الدمشقي، ((بغية الوعاة)) ٦٢/١، ٦٣ للسيوطي، ((النجوم الزاهرة)) ٢٤٩/١٠ لابن تغري بردي، ((البدر الطالع)) ١٤٣/٢ - ١٤٦ للشوكاني، ((جلاء العينين في محاكمة الأحمدین)) ص ٣٠، ٣٢. (٢) فرغ من بنائها سنة (٦٥٢ هـ)، وممن درس بها من العلماء: ابن المنجا، والجمال المرداوي، وابن قاضي الجبل، والبرهان بن مفلح وغيرهم، وأمَّ بها ابن القيم، ووصفها الحافظ ابن كثير بأنها من أحسن المدارس، وقد احترقت سنة (٨٢٠ هـ) على ما ذكره ابن قاضي شهبة، ثم أعاد عمارتها شمس الدين النابلسي، كانت في أول سوق البزورية بدمشق المسمّى قديماً سوق القمح، وقد اختلس جيرانها معظمها، وبقي منها بقية صارت محكمة إلى سنة (١٣٢٧ هـ)، ثم أقفلت مدة إلى أن افتتحتها جمعية الإسعاف الخيري، وجعلتها مدرسة لتعليم الأطفال، وقد احترقت أول الثورة السورية، ولم تزل كذلك حتى أعمرت حوانيت، وجعل فوقها مسجد صغير تقام فيه بعض الصلوات إلى يومنا هذا. ١٥ في قرية زرع مِن قرى حوران تبعد عن مدينة دمشق خمسة وخمسين ميلاً جنوب شرقيها، وقد تحوّل إلى دمشق، وتتلمذ لطائفة مِن علمائها، فأخذ عن أبيه علمَ الفرائضٍ، فإنه كانَ مبرِّزاً فيه، وقد وصفه الحافظُ ابن حجر في ((الدرر الكامنة)) ١/ ٤٧٢ بالتعبُّد وقلَّةِ التكلُّفِ، وأرَّخ وفاته سنة (٧٢٣ هـ). وسمع الحديثَ مِن الشهاب النابلسيِّ، والقاضي تقي الدين بن سليمان، وأبي بكر بن عبد الدائم، وعيسى المطعم، وإسماعيل بن مكتوم، وفاطمة بنت جوهر، وغيرهم. وأخذ العربية عن ابن أبي الفتح البعليٍّ، فقرأ عليه ((الملخص)) لأبي البقاء، ثم قرأ (الجرجانية)) ثم ألفية ابن مالك، وأكثر ((الكافية الشافية)) وبعضَ ((التسهيل)) وقرأ على الشيخ مجد الدين التونسي قطعةً من المقرّب لابن عصفور. وتلقى الأصولَ والفقه على الشيخ صفي الدين الهندي، وشيخ الإسلام ابن تيمية، والشيخ إسماعيل بن محمد الحراني، فقرأ عليهم ((الروضة)) لابن قدامة المقدسي، و((الإِحكام)) للآمدي، و((المحصل)) و((المحصول)) و((الأربعين)) للرازي، و ((المحرّر)) لابن تيمية الجد. وقد لازم شيخَ الإِسلام ابن تيمية ملازمة تامة منذ عودته من مصر سنة (٧١٢ هـ) إلى وفاته سنة (٧٢٨ هـ) وهو إذ ذاك في رَيعانِ شبابه، وذِروة قوته، واكتمال مَدْرَكِهِ، فنهل مِن فيض علمه الواسع، واستمع إلى آرائه الناضجة السديدة، وغلبَ عليه حبُّه، حتى كان يأخذُ بأكثر اجتهاداته، وينتصر لها، ويتوسَّعُ في التدليل على صحتها، وضعف ما يُخالفها، وهو الذي هذَّب كتبه، ونشر علمه . وأهمُّ ما استفادهُ منه: دعوتُه إلى الأخذ بكتاب الله تعالى الكريم، وسنةٍ رسولِه الصحيحة، والاعتصام بهما، وفهمهما على النحو الذي فهمه السلفُ الصالح، وطرحٍ ما يُخالفهما، وتجديدٍ ما دَرَسَ مِن معالم الدين الصحيح، وتنقيتِه ٦ مما ابتدعه المسلمون مِن مناهج زائفة من تلقاء أنفسِهم خلالَ القرون السالفة، قرون الانحطاطِ والجمودِ والتقليد الأعمى، وتحذيرِ المسلمين مما تسرَّبَ إلى الفكر الإِسلامي مِن خرافات التصوف، ومنطق يونان، وزُهد الهند. ويستطيعُ القارىءُ أن يتبيَّن مدى تأثير شيخه عليه من مؤلفاته الكثيرة المتنوعة التي تُلِحُّ بقوةٍ وإصرارٍ على إعطاء كتابِ الله تعالى حقَّه من العناية به، والعكوفِ على دراسته، وتدبُّر آياته ومعانيه، وبيان قيمة السنة الصحيحة، والتنويه بها، والكشفِ عما تنطوي عليه، مِن بيانٍ للقرآن، وتفصيلٍ لمجمله، وتوضيح لمعانيه، وتوكيدٍ لحقائقه، وتبصيرٍ بمعالم الطريق السويِّ الذي يأخذ بأيديهم إلى العلمِ الصحيح الخالصِ مِن شوائب الجمود والتقليد. وهو يُعَدُّ بحق في زُمرة أولئك المفكرين المصلحين الذين استنارت بأفكارهم المبثوثة في تفاريق مؤلفاتهم عُقُولُ معاصريهم ومَنْ أتى بعدهم إلى يومنا هذا، وتنوَّرت قلوبهم، وانجلى ما لَصِقَ بمراتِها مِن صدإ الشَّكِّ والجمود، وانحلَّ ما انعقد في أذهانهم مِن شبه الزيغ والارتياب. من آرائه في العَقِيدَة وَالفِقْه : كان رحمه الله يَهْدِفُ من وراء ما ألف من تواليف إلى بيانٍ خصائص أهل السنة والجماعة، وبيانِ الصراط المستقيم، والطريق الوسط بين الغالي فيه، والجافي عنه، فيما يتعلَّقُ بصفات الله تبارك وتعالى، وحقوقِ الأنبياء عليهم السلام، ومعرفة الحلال والحرام، والخلقِ والأمرِ، والوعدِ والوعيدِ، والاقتصادِ في السنة، واتباعِها، كما جاءت مع بيان ما حادت عنه الملَلُ والفِرَقُ الحائدة عن الصراط المستقيم. وهو يترسَّمُ خُطا شيخه في وضع قاعدة كلية تُعَدُّ ميزاناً صادقاً يُوزن بها كُلّ ما حدث أو سيحدُثُ مِن آراء ومعتقداتٍ، أو أفكارٍ ونظريات، أو قضايا ومقالات لِملة من الملل، أو نِحلة من النحل في زمن من الأزمان، وهذه القاعدةُ: هي طلبُ علم ما أنزل الله على رسوله من الكتاب والحكمة، ومعرفةُ ما أراده بألفاظ ١٧ القرآن والحديث، كما كان على ذلك الصحابة والتابعُون لهم بإحسان، ومن سلك سبيلهم، ويجعل ذلك هو الأصل، فإذا عرف بيان الرسول ◌َله، نظر في أقوال الناس وما أرادوه بها، ثم عرضها على الكتاب والسنة، لينظر المعاني الموافقة للرسول وَ﴾، والمعاني المخالفة له، والعقلُ الصريحُ دائماً موافقٌ للرسول ◌ِله لا يُخالفه قط، فإن الميزان مع الكتاب، والله أنزل الكتابَ بالحق والميزان، فهذا سبيلُ الهدى والسنة والعلم. ويُفسِّرِ الصِّراطَ المستقيم، فيقول: هو طريقُ الله الذي نصبه لعباده على ألسن رسله، وجعله موصلاً لِعباده إليه، وهو إفرادُه بالعبودية، وإفرادُ رسوله بالطاعة، فلا يُشْرِكُ به أحداً في عبوديته، ولا يُشْرِكُ برسوله أحداً في طاعته، فيجرد التوحيد، ويجرد متابعة الرسول، وهذا مضمونُ شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله . وهو يحاربُ التقليدَ بلا هوادة، وينعى على فاعليه، ويُوجب الاجتهادَ على القادر المكلَّف، ويرَى أن التقليدَ الذي يَحْرُمُ القولُ فيه، والإِفِتاء به ثلاثة أنواع: أحدُها: الإِعِراضُ عما أنزل الله، وعدمُ الالتفات إليه اكتفاءً بتقليد الآباء. الثاني: تقليدُ من لا يعلم المقلد أنه أهل لأن يُؤخذ بقوله. الثالث: التقليد بعد قيام الحجة وظهور الدليل على خلاف قول المقلَّدِ . وهذا القدرْ مما اتفق السلف والأئمة الأربعة - رحمهم الله - على ذمه و تحريمه. وأما تقليدُ من بذل جهده في اتباع ما أنزل الله، وخفي عليه بعضه، فقلد فيه من هو أعلم منه، فهذا محمود غير مذموم. ومذهبهُ في صفات الله سبحانه: الإيمانُ بما وصف به نفسه، ووصفه به رسولهُ، وإجراؤها على ظاهرها اللائق بجلال الله تعالى مِن غير تحريف ولا ١٨ تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل، فإنَّ الله تعالى أعلمُ بنفسه مِن كل أحد، ورسوله ◌َ ﴾ أعلمُ الخلقِ. فمتى ورد النصُّ من الكتاب أو السنة الصحيحة بإثبات صفة أو نفيها، فلا يجوزُ لأحد العدولُ عنه إلى قياس أو رأي، والكلامُ في الصفات فرٌ عن الكلام في الذات، يُحتذى فيه حذوه، ويتبع مثاله، فإذا كانَ إثباتُ الذات إثباتَ وجود، لا إثبات تكييف، فكذلك إثباتُ الصفات إثباتُ وجود، لا إثباتُ تكييف(١) . (١) وهذا هو المذهب الذي حكاه الخطابي وغيرهُ مِن السلف، وهو آخر قول أبي المعالي الجويني شيخ الإِمام الغزالي، فقد صرَّح في ((النظامية)) ص: ٢٣ - ٢٤ بالمنع من تأويل الصفات الخبرية، وذكر أن هذا إجماع السلف، وأن التأويل لو كان مسوغاً أو محتوماً، لكان اهتمامُهم بها أعظم من اهتمامهم بغيرها. وقال العلامة ابن عابدين في ((رد المحتار)) ٥/١ وهل وصفُه تعالى بالرحمة حقيقةٌ أو مجازٌ عن الإنعام، أو عن إرادته، لأنها من الأعراض النفسانية المستحيلة لله تعالى، فيراد غايتُها؟ المشهور الثاني، والتحقيقُ الأول، لأن الرحمة هي من الأعراض القائمة بنا، ولا يلزمُ كونُها في حقه تعالى كذلك حتى تكون مجازاً، كالعلم، والقدرة، والإرادة، وغيرها من الصفات، معانيها القائمة بنا من الأعراض، ولم يقل أحد: إنها في حقُّه تعالى مجاز. وقال العلامة الآلوسي في (تفسيره الكبير)) ٥٦/١: كونُ الرحمة في اللغة: رقة القلب، إنما هو فينا، وهذا لا يستلزم ارتكاب التجوز عند إثباتها لله تعالى، لأنها حينئذ صفة لائقة بكمال ذاته، كسائر صفاته، ومعاذ الله أن تُقاس بصفات المخلوقين، وأين التراب من رب الأرباب، ولو أوجب كون الرحمة فينا رقة القلب ارتكاب المجاز في الرحمة الثابتة له تعالى، لاستحالة اتصافه بما نتصف به، فليوجب كون الحياة والعلم والإرادة والقدرة والكلام والسمع والبصر، ما نعلمه منها فينا، ارتكاب المجاز أيضاً فيها إذا أثبتت لله تعالى، وما سمعنا أحداً قال بذلك، وما ندري ما الفرق بين هذه وتلك، وكلها بمعانيها القائمة فينا يستحيلُ وصف الله تعالى بها، فإما أن يُقال بارتكاب المجاز فيها كلها إذا نسبت إليه عز شأنه، أو بتركه كذلك، وإثباتها له حقيقة بالمعنى اللائق بشأنه تعالى، والجهل بحقيقة تلك الحقيقة، كالجهل بحقيقة ذاته مما لا يعود منه نقص إليه سبحانه، بل ذلك من عزة كماله، وكمال عزته، والعجز عن= ١٩ ويرى - كما هو مذهبُ أهل السنة والجماعة -: أن فُسَّاقَ المسلمين معهم بعضُ الإِيمان وأصلُه، وليس معهم جميعُ الإِيمان الواجب الذي يستوجبون به الجنة، وأنهم لا يُخلدون في النار. بل يخرجُ منهَا من كان في قلبه مثقال حبة من إيمان، أو مثقالُ خردلةٍ من إيمان، وأن النبي ◌ّ اذَّخر شفاعته لأهل الكبائر مِن أمته . ويرى أن الشر لا يدخل في شيء من صفات الله تعالى، ولا في أفعاله، كما لا يلحق ذاتَه تبارك وتعالى، وما يفعلهُ مِن العدل بعباده وعقوبة من يستحقُّ منهم، هو خيرٌ محض، وإنما يكون شراً بالنسبة إليهم، فإن الشر وقع في تعلقهم به وقيامهم به لا في فعله القائم به تعالی. ويرى أن الحُسْنَ والقُبْحَ في الأفعال عقليانِ يُدركهما العقلُ، والله فطر عبادَه على استحسان الصِّدقِ والعدلِ والعِفةِ والإِحسانِ، ومقابلة النعم بالشكر، وفَطَرَهُم على استقباح أضدادِها، وأَن الثوابَ والعِقَابَ شرعيان يتوقَّفان على أمر الشارع ونهيه، ولا يَجِبَانِ عن طريق العقل، فهو يقولُ: والحقُّ الذي لا يجدُ التناقضُ إليه السبيلَ أن الأفعالَ في نفسها حسنةٌ وقبيحةٌ، كما أنها نافعةٌ وضارَّةٌ، ولكن لا يترتب عليها ثوابٌ ولا عِقابٌ إلا بالأمر والنهي، وقبل ورود الأمر والنهي لا يكونُ العملُ القبيحُ موجباً للعقاب مع قُبحه في نفسه، بل هُوَ في غايةِ القبح، والله لا يُعاقِبُ عليه إلا بعدَ إرسالِ الرسل، فالسجودُ للشيطانِ والأوثانِ، والكذبُ والزِّنى، والظلم والفواحش كُلُّها قبيحة في ذاتها، والعقاب عليها مشروط بالشرع. وهو ينعى على الذين يُسمُّونَ أنفسهم بالمتصوِّفة أموراً تُنافي الشرعَ كالقول بوحدة الوجودِ، وسقوط التكليف، والتفرقةِ بينَ الشريعةِ والحقيقةِ، والتعبُّدِ بما درك الإدراك إدراك، فالقول بالمجاز في بعض، والحقيقة في آخر لا أراه في الحقيقة إلا تحكماً. ٢٠