Indexed OCR Text

Pages 381-400

حيطانها ونخلها ، قلنا : لو نزلنا فلبسنا ثياباً غيرْ هذه إذا رجل في طمرين(٥) له
فسلم فقال : من أين أقبل القوم ؟ قلنا من الرِّبَذَةِ ، قال : وأين تريدون قلنا نُريد
هذه المدينة ، قال: ما حاجتكم فيها قلنا نمتّار من تَمْرِهَا، قال(٦): ومعنا
ظعينةٌ(٢٧ لنا ومعها حَمَلٌ أَحْمر مخطُومٌ ، فقال : أتبيعون جملكم هذا ؟ قالوا نعم
بكذا وكذا صاعاً من تمْرٍ قال : فما استوضعنًا مما قُلْنَا شيئاً، فأخذ بخطامٍ
الجملِ فانطلق ، فلما توارى عنه بحيطان المدينة وَنَخْلِها، قلنا: ما صَنَعْنَا والله
ما بعنا جملنا ممن نعرف ، ولا أخذنا له ثمناً ، قال : تقول المرأة التي مَعَنًا :
والله لقد رأيت رجلاً كأنَّ وجهه شقّة القمر ليلة البدر أَنَا ضامنةٌ لثمن جملكم إذْ
أقْبل رجلٌ، فقال: أنا رسول رسول اللّه وَله إليكم، هذا تَمْرَكُمْ فكلوا واشبعوا
واكتالوا واستوْفوا ، فأكلنا حتى شبعْنا، واكتلنا واستوفينا ، ثم دخلنا المدينة
فدخلنا المسجد فإذا هو قائمٌ على المنبر يخطب الناس ، فأدركنا من خطبته وهو
يقول: ((تصدقوا فإِنَّ الصَّدقة خير لكم، اليدُ العليا خيرٌ من اليد السفلى، أُمَّكَ
وأَبَاكَ وأحتّك وأخاك وأدناك أدناكَ )) إذْ أقبل رجل في نفرٍ من بني يربوعٍ أو قال:
رجلٌ من الأنصار ، فقال : يا رسول الله لنا في هؤلاء دِمَاءٌ في الجاهلية ، فقال :
(( أنا لا نجني على ولدٍ ثلاث مراتٍ)).
وأخبرنا أبو عبد الله الحافظ ، حدثنا أبو العباس : محمد بن يعقوب ،
حدثنا أحمد بن عبد الجبار ، حدثنا يونس بن بکیر ، عن یزید بن زياد بن أبي
الجعد ، عن جامع بن شدادٍ ، عن طارقٍ فذكر هذا الحديث بمعناه وقال فيه :
قالت الظعينةُ : فلا تلاوَموا فلقد رأيتُ وجه رجلٍ لا يَغْدِرُ بكم ما رأيت شيئاً أشبه
بالقمر ليلة البدر من وجهه .
= دارسة لا يعرفِ بها رسم، وهي عن المدينة في جهة الشرق على طريق حاح العراق نحو ثلاثة أيام
هكذا أخبربي به جماعة من أهل المدينة في سنة ثلاث وعشرين وسبعمائة .
(٥) طمرين بكسر الطاء أي ثوبين حلقين أو كساءين باليين من عير الصوف .
(٦) القائل هو طارق بن عبد الله
(٧) الطعيبة امرأة في هودج سميت بذلك ولو كانت في بيتها لأنها تصير مطعوبة أي يطعر بها روجها
٣٨١

باب
وفد نَجْرَانَ(١) وشهادة الأساقِفَةَ
النبيّنا وَر بأنه النبي الذي كانوا
ينتظرونه ، وامتناع من امتنع منهم من الملاعنة
وما ظهر في ذلك من آثار النبوة .
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ ، حدثنا أبو العباس : محمد بن يعقوب ، حدثنا
أحمد بن عبد الجبار ، حدثنا يونس ، عن ابن اسحاق ، قال :
وفَدَ على رسول اللّهِ و ◌َلل وفد نصارى نجران بالمدينة ، حدثني محمد بن
جعفر بن النُدي ، قال :
لما قدم وفد نجران على رسول الله وسير دخلوا عليه مسجده بعد العصر،
فحانت صلاتهم ، فقاموا يصلون في مسجده فأراد الناس منعهم فقال رسول
٤
الله : دعوهم فاستقبلوا المشرق فصلوا صلاتهم .
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ ، وأبو سعيد بن أبي عمْرٍو، قال : حدثنا أبو
العباس : محمد بن يعقوب ، حدثنا أحمد بن عبد الجبار ، حدثنا يونس بن
بكير ، عن ابن إسحاق ، حدثنا بريدة بن سفيان ، عن ابن البيلماني ، عن كُرزٍ
ابن علقمة ، قال :
(١) وانطر في وفود نجران .
- سيرة اس هشام (٢. ١٧٥)، طبقات ابن سعد (١ ٣٥٧)، فتوح البلدان للبلادري (٧٠) ،
البداية والنهاية (٥: ٥٢)، نهاية الأرب (١٨. ١٢١)، شرح المواهب (٤١.٤)
٣٨٢

قدم على رسول اللّه 18 وفد نصارى نجران ستون راكباً، منهم أربعة
وعشرون رجُلاً من أشرافهم ، والأربعة وعشرون منهم ثلاثة نفرٍ منهم إليهم يؤول
أمرهم :
العاقب أمير القوم وذُو رأيهم صاحب مشورتهم والدين لا يصدرون إلا عن
رأيه وأمره واسمه عبدُ المسيح .
والسَّيِّد ثمالُهُمْ (٢) وصاحب رجلِهمْ ومحتمعهم واسمه الأيهمُ .
وأبو حارثة بن علقمة أحَدُ بني بكر بن وائلٍ ، وَأُسْقُفُّهُمْ(٣) وَخْبْرُهُمُ
وإمامهم وصاحب مدراسهم وكان أبو حارثة قد سرُف فيهم ودَرَس كُتُبُهُمْ حتى
حسن عمله في دينهم وكانت ملوك الروم(٤) من أهل المصرانية قد شَرَّفوه وموّلوه
وأخدموه وبنوا له الكنائس وتسطوا عليه الكرامات لما يبلغهم عنه من عمله
واجتهاده في دينهم .
فَلَّمَّا وجهُوا إلى رسول اللّه ◌َّه من نجران جلس أبو حارتة على بغلةٍ له
موجهاً إلى رسول اللّه وَله وإِلى جسبه أخٌ له يقال له : كوزُ من علقمة يُسايره؛ إد
عثرت بغلةُ أبي حارثة، فقال له كوزٌ. تعسَ الأبعد، يريدُ رسول الله وَّةٍ، فقال
له أبو حارتة : بل أنت تَعَسْتَ ، فقال له: ولم يا أخ؟ فقال: والله إنه للنبيُّ
الذي كنا ننتظر ، قال له كوز : فما يمنعُك وأنت تعلم هذا؟ قال : ما صنع بنا
هؤلاء القوم شرهونا وموّلونا وأكرمونا ، وقد أبوا إلا خلافَهُ ولو فعلت نزعوا منا كلما
ترى ، وأَصْمَر عليها منه أخوه كوز بن علقمة حتى أسلم بعد ذلك(٥) .
(٢) ( ثمالهم ) . ثمال القوم . هو أصلهم الدي يرجعون إليه ويقوم بأمورهم وسؤ وبهم .
(٣) ( الأسقف ) . عطيم النصارى
(٤) سقطت من (ح )
(٥) رواه ابن هشام في السيرة ( ٢ ٠ ٢٠٤)، ونقله ابن كثير في التاريخ (٥ ٥٦).
٣٨٣

أخبرنا أبو عبد الله الحافظ ، وأبو سعيد بن أبي عمرو، قالا : حدننا
العباس محمد بن يعقوب ، حدثنا أحمد بن عبد الجبار ، حدثنا يونس بن بكير ،
عن ابن اسحاق ، قال : حدثنا محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت ، قال :
حدثنا سعيد بن جبير ، أوْ عكرمة ، عن ابن عباس ، قال :
اجتمعتْ نصارى نجران ، وأحبار يهود عند رسول الله صل. فتنازعوا عنده،
فقالت الأحبار : ما كان إبراهيم إلا يهودياً ، وقالت النصارى . ما كان إبراهيم إلا
نصرانياً ، فأنزل الله عزّ وجل فيهم : ﴿ يا أهل الكتاب لِمَ تحاجّون هي إبراهيم ،
وما أنزلت التوراة والإِسحيل إلا من تَعْده﴾ إلى قوله: ﴿والله وليُّ
المؤمنين﴾(٦) ، فقال أبو رافع القرظي حين اجتمع عنده النصارى والأحبار
فدعاهم رسول اللّه وَّه إلى الإِسلام أَتُريدُ منَّا يا محمد أنْ نَعْبدك كما تَعْبُدُ
النصارى عيسى ابن مريم ؟ فقال رجل من أهل نجران نصراني ، يقال له
الرَّبِّيسُ: وذلك تُريد يا محمد، وإليه تدعو؟ أوْ كما قال . فقال رسول
الله ◌ٌَّ: معَاذَ الله أن أعيد غير اللّه أوْ آمُرَ بعبادة غيره، ما بذلك بعثني ولا
أمرني ، فأنزل الله - عز وجل - في ذلك من قولهما: ﴿ ما كان لبشر أن يؤتيهُ الله
الكتابَ والحُكم والنبوة ثم يقول للناس كونوا عباداً لي مِنْ دونِ الله ، ولكن كونوا
رَبَّانيينَ بما كنتم تعلّمون الكتاب وبما كنتم تدرسون ، ولا يأمركم أن تتخدوا
الملائكة والنبيين أرباباً أيأمركم بالكفر بعد إذْ أنتم مسلمون ﴾(٧).
ثم ذكرَ مآخذ عليهم وعلى آبائهم من الميثاق بتصديقه إذا هو جاءهم
وإقراره به على أنفسهم ، فقال: ﴿وإذْ أُخَذَ اللّه ميثاقَ النبيين ﴾ إلى قوله :
﴿ من الشاهدين﴾(٨).
(٦) الآيات الكريمة (٦٥ - ٦٨ ) من سورة آل عمران
(٧) الآيتان الكريمتان (٧٩ - ٨٠) من سورة آل عمران، والحبر رواه ابن هشام في السيرة (٠٢ ١٨٠ -
١٨١ )
(٨) الآية الكريمة (٨١) من سورة آل عمران
٣٨٤

زاد أبو عبد الله في روايته : قال ابن إسحاق : حدثني محمد بن سهل بن
أبي أمامة، قال: لما قَدِم أهل نجران على رسول الله وَّه يسألونه عن عيسى بن
مريم ثم نزلت فيهم فاتحة آل عمران إلى رأس الثمانين منها .
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ ، وأبو سعيد محمد بن موسى بن الفضل ،
قالا : حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب ، حدثنا أحمد بن عبد الجبار ، حدثنا
يونس بن بكير ، عن سلمة بن عبد يشوع ، عن أبيه ، عن جده ، قال يونس
وكان نصرانياً فأسلم :
أَنَّ رسول الله ﴿ كَتَبَ إلى أهل نجران قبل أَنْ تَنْزِلَ عليه ((طبْ))(٩)
سليمان بسم إله إبراهيم وإسحاق ويعقوب من محمد النبي رسول الله# إلى
أسْقُفْ نجران، وأهل نجران: إِنْ أسلمتم فإني أحمَدُ إليكم الله إلّه إبراهيم
وإسحاق ويعقوب ، أما بَعدْ: فإني أدعوكم إلى عبادة الله من عبادة العباد
وأدعوكم إلى ولاية الله من ولاية العباد ، فإن أبيتم فالجزية ، فإن أبيتم فقد
آذنتكم بحرب والسلام .
فلما أتى الأسقف الكتاب وقرأه فَظِعَ به وذعره ذعراً شديداً ، فبعث الى
رجل من أهل نجران يقال له شُرَحْبيل بن وَدَاعَةَ، وكان من [ أهل](١٠)
هَمْدَان، ولم يكن أحدٌ يُدْعى إذا نزلت معضلة قَبْلَهُ، لا الأيهم ، ولا السَّيِّد ،
ولا العاقب ، فدفع الأسقف كتاب رسولِ الله ﴿ إلى شُرَحْبِيل ، فقرأه فقال
للأسقف : يا أبا مريم ! ما رأيك ؟ فقال شُرَخْبيلُ : قد علمتُ ما وَعَدَ الله إبراهيم
(٩) الآية الأولى من سورة النمل، وقد عقّب ابن القيم في ((زاد المعاد)) فقال:
(( وقد وقع في هذه الرواية هذا، وقال: قبل أن ينزل عليه ( طس . تلك آيات القرآن وكتاب مبين )
وذلك غلط على غلط ، فإن هذه السورة مكية باتفاق ، وكتابه إلى نجران بعد مرجعه من تبوك ».
(١٠) الزيادة من (ح ) فقط .
٣٨٥
(م ١٣ - دلائل الندوة جـ ٥)

في ذريَّة إسماعيل من النبوة فما يُؤْمِنُ أن يكون هذا هو ذلك الرجل، ليس لي في
النبوّةِ رَأيٌ ، لو كان أمرٌ من أمْر الدنيا أشرتُ عليك فيه ، وجهدت لك ، فقال له
الأسقف : تَنَحَّ فاجلس فتنخَّى شرحبيل فجلس ناحية .
فَبَعَثَ الأسقف إلى رجل من أَهْلِ نَّجْران يقال له : عبد الله بن شُرَحْبيل ،
وهو من ذي أصبح من حِمْيَر، فأقرأَهُ الكتاب ، وسأله عن الرأيِ فيه ، فقال له
مثل قول شُرَحبيلَ ، فقال له الأسقف : فاجْلِس ، فتنحى فجلس ناحيةً .
فبعث الأسقف إلى رجلٍ من أَهْلِ نَجْران يقالُ له : جَبَّارُ بن فيضٍ من
بني الحارث بن كعب أحد بني الحماسِ ، فأقرأه الكتاب وسأله عن الرَّأَي فيه ،
فقال له مثل قول شُرَحبيل وعبد الله ، فأمره الأسقف فتنحى فجلس ناحية .
فلما اجتمع الرأي منهم على تلك المقالة جَمْعاً أمرَ الأسقف بالناقوس
فَضُرِبَ به ، ورُفعتِ المُسُوحُ في الصوامع ، وكذلك كانوا يفعلون إذا فزعوا
بالنهار وإذا كان فزعهم ليلاً ضربوا بالناقوسِ ورفعت النيرانُ في الصوامع ،
فاجتمع حين ضُربَ الناقوس ورُفعت المسوح أهل الوادي أعلاهُ وأسفله ، وطُول
الوادي مسيرة يوم للراكب السريع وفيه ثلاث وسبعون قرية ، وعشرون ومائة ألف
مقاتل ، فقرأ عليهم كتابَ رسولِ الله وَه وسألهم عن الرأي فيه فاجتمع رأي أهل
الوادي منهم على أن يبعثوا شُرَحْبيل بن وَدَاعة الهمداني، وعبد الله بن شُرَحْبيل
الأصبحي وجبار بن فيض الحارثي فيأتونهم بخبرٍ رسول الله صلير، فانطلق الوفد
حتى إذا كانوا بالمدينة وضعوا ثياب السفر عنهم وليسوا حُلّلا لهم يجرُّونها من
حَبْرةٍ، وخواتيم الذهب، ثم انطلقوا حتى أتّوْا رسولَ الله وَّه، فسلَّموا عليه ،
فلم يَرُدَّ عليهم السلامَ ، وتصدُّوا لكلامه نهاراً طويلاً فلم يكلمهم وعليهم تلك
الحُللِ والخواتيم الذهب ، فانطلقوا يتبعون عثمان بن عفان ، وعبد الرحمن بن
عوف ، وكانا معرفةً لهم ، كانا يجْدَعان العتاثر إلى نجران في الجاهلية فيشتروا
لهما من بَزِّها وثمرها وذُرَتها ، فوجدوهما في ناسٍ من المهاجرين والأنصار في
٣٨٦

مجلسٍ ، فقالوا : يا عثمان ويا عبد الرحمن ! إن نبيَّكُما كتب إلينا بكتابٍ فأقبلنا
مجيبين له ، فأتيناه فسلَّمنّا عليه فلم يَرُدَّ سَلَامَنَا، وتصدَّينا لكلامه نهاراً طويلاً
فأعيانا أن يُكَلِّمَنَا فما الرأي منكما : أنعودُ أم نرجع ؟ فقالا لعليٍّ بن أبي طالبٍ
وهو في القوم : ما ترى يا أبا الحسن في هؤلاء القوم ؟ فقال عليٍّ لعثمان ولعبد
الرحمن رضي الله عنهم : أرى أن يضعوا حُلَلَهُمْ هذه وخواتيمهم ويلبسوا ثياب
سفرهم ، ثم يعودون إليه . ففعل وفد نجران ذلك ، ووضعوا حللهم
وخواتيمهم، ثم عادوا إلى رسول الله صلجر سلموا فردَّ بسلامهم ثم قال: ((والذي
بعثني بالحق لقد أتّوْني المرة الأولى وإنّ أبليس لمعهم)).
ثم ساءلهم وساءلوه فلم تزل به وبهم المسألة حتى قالوا له : ما تقول في
عيسى بن مريم؟ فإنا نرجع إلى قومنا ونحن نصارى يَسُرّنا إِنْ كنت نبيًا أن نعلم
ما تقول فيه. فقال رسول الله ويسالقر: (( ما عندي فيه شيء يومي هذا، فأقيموا
حتى أخبركما بما يقال في عيسى )).
فأصبح الغدُ وَقَدْ أنزل الله عز وجل هذه الآية: ﴿إِنَّ مَثَلَ عيسى عِنْدَ الله
كمثلِ آدم من تراب ثم قال له كن فيكون . الحق من ربك فلا تكن من
الممترين . فمن حاجَّكَ فيه) إلى قوله ﴿فنجعل لعنة الله على
الكاذبين ﴾(١١) .
(١١) [ آل عمران الآيات (٥٩ - ٦١)]، وتفسيرها أي في كونه حلق من غير أب كمثل آدم خلقه من
تراب يابس فجعله بشراً: لحماً ودماً (( ثم قال له كن فيكون)) فمثل عيسى عند الله كمثل آدم أي
شأنه الغريب كشأن آدم عليهما السلام (حلقه من تراب)) جملة مسرة للتمثيل لما له من الشبه
وهو أنه تعالى خلق آدم من تراب بلا أبٍ ولا أم فشته حاله بما هو أعرب إفحاماً للخصم وقطعاً لمواد
الشبهة، والمعنى خلق قالبه من تراب ثم قال له (( ك)) أي أنشأه بشراً سوياً بقوله (كن)، كقوله
تعالى. ﴿ثُمَّ أَنْشَأَنَاهُ حَلْقاً آخَرَ﴾. ويجوز أن تكون ((ثُمَّ)) لتراخي الخبر لا المخبر میکون حكاية
حالٍ ماضية
﴿الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ﴾ خَبر محدوف أي الحقُّ المذكور من الله عز وجل، ﴿فَلاَ تَكُرْ مِنَ الْمُمْتَرِين) =
٣٨٧

فأبوا أنْ يُقروا بذلك، فلما أصبح رسول الله ﴿ الغد بعْدَ ما أخبرهم
الخَبَرَ أقبل مشتملا على الحسن والحسين في خميل لَّهُ وفاطمة تمشي عند ظهرِهِ
للملاعنة وله يومئذ عِدَّة نسوةٍ فقال شرحبيل لصاحبيه : يا عبد الله بن شُرحبيل ويا
جبار بن فيض قد علمتما أن الوادي إذا اجتمع أعلاه وأسفله لم يردوا ولم
يصدروا إلا عن رأي ، وإني والله أرى أمْراً مقبلاً إن كان هذا الرجل ملكاً مبعوثاً
فكنا أول العرب طعن في عَيْنه ورد عليه أمرَهُ لا يذهب لنا من صدره ولا من
صدور قومه حتى يصيبونا بجائحة وإِنَّا لأذْنَى العرب منهم جواراً ، وإن كان هذا
الرجل نبياً مُرْسلاً فلاعَنَّاهُ فلا يبقى على وجه الأرض مِنَّا شَعْرُ ولا ظُفرٌ إِلا هَلَكَ،
فقال له صاحباه : فما الرأي يا أبا مريم فقد وضعَتْكَ الأمور على ذراع، فهات
رأيك ، فقال : رَأيي أنْ أُحَكِّمُهُ فإني أَرَى رجلًا لا يحكم شططاً أبداً، فقالا له :
أنت وذاك .
فتلقى شُرحبيل رسول الله و﴿ فقال: إني قد رأيتُ خيراً من ملاعنتك،
فقال: وما هو؟ قال شرحبيل : حُكْمْكَ اليوم إلى الليل وليلتك إلى الصَّباحَ
فمهما حكمت فينا فهو جائزٌ فقال رسول اللهِ وَ﴾: لعل وراءك أُحَدٌ يُشْرِّبُ عليك!
فقال شرحبيل : سل صاحبِّي فسألهما ، فقالا له : ما ترِد الوادي ولا تصِدُرُ إلا
عن رأي شُرحبيل، فقال رسول الله وَّهَ: كافرٌ أو قال جاحدٌ موفقٌ .
= خطاب للنبي # لزيادة الثبات أو لكل سامع. فلما أصبحوا عادوا فقرأ عليهم الآيات فأبوا أن
يقرأوا. وفي دكر طلبه $ ساهلة أهل نجران بأمر الله تعالى وامتناعهم من ذلك قال الله سبحانه
وتعالى: ﴿فَمّنْ حَاجِّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ﴾ أي جاذلك من النصارى في عيسى من
بعد ما جاءك من البينات الموجبة للعلم. ﴿فَقُلُ تعالوا﴾ هلُمُّوا بالرأي والعزم ﴿نَدْعُ أَيْنَّاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ
وَبِسّاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْهُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ﴾ أي يدع كل مِنَا ومنكم نفسه وعزة أهله وألصقهم بقلبه أي
المباهلة ، وإنما قدم على النفس لأن الرجل يخاطر بنفسه لهم ويحارب دونهم ، ثم نتباهل أي
يلعن الكاذب منا ، والبهلة بالضم [والفتح ] اللعنة وأصله الترك من قولهم بهلت الناقة إذا تركتها
بلا صرار (( ثم نبتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين)) عطف فيه بيان .
٣٨٨

فرجع رسول الله# يلاعنهم ، حتى اذا كان الغدُ أتوه فكتب لهم هذا
الكتاب: بسم الله الرحمن الرحيم. هذا ما كتب محمدٌ النبيُّ رسول الله ﴾
لنجران اذ كان عليهمُ حُكْمُهُ في كل ثمرةٍ وكل صفراء وبيضاء وسوداء ورقيق ،
وأفضَلَ عليهم ، وتُرِكَ ذلك كله على ألفيّ حلة من حلل الأواقي في كل رجب
ألفُ حُلَّةٍ، وفي كل صفرٍ الفُ حلةٍ، ومع كل خُلٍ أوقيّةٌ من الفضة فما زادت
على الخراج او نقصت عن الأواقي فبالحساب، وما قَضَّوْا من تُرُوع أو خيل أو
ركاب أو عُروضٍ أُخِذَ منهم بالحساب، وعلى نَجرانَ مؤنة رسلي ، ومتعتهم ما
بين عشرين يوماً فُدونَهُ، ولا تُحبس رسلي فوق شَهْرٍ ، وعليهم عَارِيّة ثلاثين دِرْعاً
وثلاثين فرساً وثلاثين بعيراً إذا كان كيد ومعرّة، وما هلك مما اعَارُوْا رسلي من
دروع أو خيل أو ركاب فهو ضمانٌ على رسلي حتى يؤدوه اليهم ، ولنجران
وحاشيتها جِوَارُ الله وذمة محمد النبي على أنفسهم وملُّتهم وأرضيهم وأموالهم
وغائبهم وشاهدهم وعشيرتهم وبَيَعهم وأن لا يغيِّروا مما كانوا عليه ولا يغيِّرُ حق
من حقوقهم وَلَ ملِّتِهِمْ ، ولا يَغْيِّروا أُسْقُفّ عن اسقفيته ولا راهب من رهبانيته ،
ولا واقهاً من وقيهاه(١٢)، وكلما تحت ايديهم من قليل أو كثير، وليس عليهم دنيّة
ولا دَمَ جاهليةٍ ولا يُحْشُرُوْنَ ولا يُعْشرون ولا يَطأُ أرضهم جيشٌ، ومن سأل فيهم
حَقًّ فبينهم النَّصَفُ غير ظالمين ولا مظلومين بنجران ، ومن أَكّلّ رِباً من ذي قَبّلٍ
فذمتي منهٍ بريئة، ولا يؤخذ منهم رجلٌ بظلم آخر، وعلى ما في هذه الصحيفة
جوار اللَّهِ عز وجل وذمةُ محمد رسول الله ﴿ أبداً حتى يأتي الله بأمره، ما
نصحوا وأصلحوا فيما عليهم غير مثقلين بظلمٍ .
شهد أبو سفيان بن حَرْبٍ، وغيلانُ بن عَمْرٍو، ومالك بن عوف من بني
نصرٍ، والأقرع بن حابسٍ الحنظليُّ، والمغيّرةُ(١٣) وكتب . حتى إذا قبضوا
(١٢) الواقه: ولي العهد بلغتهم .
(١٣) زاد ابن سعد: «وعامر مولى أبي بكر، وفي الخراج لأبي يوسف أن الذي كتب لهم هذا الكتاب : =
٣٨٩

كتابَهُمْ انصرفوا الى نَجْرَانَ فتلقاهم الاسقُفُ ووجوه نجرانَ على مسيرةٍ ليلةٍ من
نجران ومع الأسقف أخ له من أمه وهو ابن عَمِّه من النسب يقال له بْشرُ بن معاوية
وكنيته أبو علقمة، فَدَفَعَ الوفدُ كتابَ رسول اللهَِّ إلى الاستُفِّ فبينا هو يقرأهُ وابو
علقمة معه وهما يسيران إذْ كبتّ ببشر ناقته فتعس بشر غير أنه لا يُكِنِّي عن رسول
اللّه ◌َ﴿، فقال له الأسقف عند ذلك قد والله تَعَّسْت نبياً مرسلاً، فقال: بشر: لا
جَرَمَ والله لا أُحلُّ عنها عَقْداً حتى آتيه ، فضرب وجه ناقتهِ نحو المدينة وثَنِىّ
الاسقف ناقته عليه ، فقال له إفهَمْ عني اني إنما قلتُ هذا لَيْبُلِغَ عني العَرَبَ
مخافة أن يَرَوْا انا أُخْذنا حقَّه أوْ رَضِينا نصرَتَهُ، او بَخَعْنَا لهذا الرجل بما لم تبخع
به العرب، ونحن اعَزُّهُمْ وأجمعهم داراً ، فقال له بشرٌ: لا والله لا أقبل ما خَرَجَ
من رأسك ابداً فضرب بشرٌ ناقته وهو مولّي للأسقف ظهره وهو يقول :
إليك تَعْدُوُ قَلِقاً وَضِيَنُها(١٥) معترضاً في بطنها جَنْيُهَا
مخالفاً دين النصارى دینُها
حتى أتى النبي ◌َّلة، فأسلم ولم يزل مع النبي ◌َّر حتى استُشهد أبو علقمة
بعدَ ذلك .
وَدَخل وفد نجران فأتى الرَّاهب ليث بن أبي شمرٍ الزَّبيديّ وهو في رأس
صومعةٍ فقال له : ان نبيًّا بُعِثَ بتهامة، وانه كتب إلى الأسقف فأجمع رأي أهل
الوادي على أن يسير إليه شرحبيل بن وداعَةً وعبد الله بن شرحبيل
، وحَبَّار بن فيض فتأتونهم بخبره، فسارُوا حتى أتوا النبي ◌َّ فدعاهم الى
الملاعنة، فكرهوا ملاعتْتَهُ وَحَكَّمَهُ شرحبيل ، فحكم عليهم حُكْماً وكتبَ لهم به
كتاباً ، ثم أقبل الوَفْدُ بالكتاب حتى دُفعوا الى الأسقف ، فبينا الاسقف يقرأهُ
= عبد الله بن أبي بكر ، وفي كتاب الأموال لأبي عبيد. شهد بذلك عثمان بن عفان وثقيقيب ، وفي
اليعقوبي (٢. ٦٧ ) أن الدي كتب هذه الوثيقة . علي بن أبي طالب
(١٤) الوضير: بطان منسوح بعضه على بعض يُشدُّ به الرحل على البعير كالحزام للسرج .
٣٩٠

وبشر مَعه إذ كبت بشر ناقته فَتَعِّسَهُ، فشهد الأسقف انه نبيِّ مرسل ، فأنْصَرَفَ
أبو علقمة نحوه يريد الإِسلام فقال الراهب : انزلوني والاّ رميت نفسي من هذه
الصومعة فأنزلوه، فانطلق الراهب بهدية الى رسول الله﴿ منها هذا البُرْدُ الذي
يلبسه الخلفاءُ ، والقَعْبُ والعصا ، وأقام الراهبُ بعد ذلك سنين يسمع كيف ينزل
الوحي والسُّنن والفرائض والحدود ، وأبى الله للراهب الاسلام فلم يُسلم ،
واستأذَنَ رسول الله وَّهَ في الرجعة إلى قومه، فَأَذِنَ له، وقاللَّه: لك حاجتك
يا راهبُ إذ أبيت الاسلام ، فقال له الراهب ان لي حاجةٌ ومعَاذَ اللّه ان شاء الله ،
فقال له رسول الله ﴿ : ان حاجتك واجبةُ يا راهب ، فاطلبها إذا كان أحبُّ
اليك، فرجع إلى قومه فلم يَعُد حتى قُبضَ رسول الّه ◌ِ﴾.
وإنَّ الاسقُفَّ أبا الحارث اتى رسول اللّهِ وَمَّ ومعه السيدُ والعاقب ووجوه
قَوْمِهِ وأقاموا عنده يسمعون ما يُنزِلُ اللّه عز وجل عليه فكتبَ للأسقف هذا الكتاب
والأساقفُّةٍ نجران، بسم الله الرحمن الرحيم من محمد النبي (﴿) للاستُفِّ
ابي الحارث وكل أساقفةٍ نَجْرَانَ وكهنتهم ورُهْبانهم وبيعهِمْ وأهل بيْعهِمْ ورقيقهم
وملّتهم ومتواطئهم ، وعلى كل ما تحت أيديهم من قليل أو كثير جوار الله ورسوله
لا يغيِّرُ أسقُفُّ من أسقفَّتَهِ، ولا راهبٌ من رِهبانيته ، ولا كاهنٌ من كهانته ، ولا
يغيِّرُ حقٌ من حقوقهم ، ولا سلطانهم ولا مما كانوا عليه على ذلك جوارُ اللّه
ورسوله ابداً ما نَصَحُوْا الله وأصلحوا عليهم غير مثقلين بظلم ولا ظالمين. وكّب
المغيرةُ بن شعبة .
فلما قبضَ الأسقفُّ الكتاب استأذَنَ في الانصراف الى قومه ومن معه فأذن
لَهُمْ فانصرفوا حتى قُبض النبي ◌َِّةِ(١٥).
(١٥) سيرة ابن هشام فقرات متفرقة من (٢: ١٧٥ - ٢٠٤)، ونقله اس كثير في التاريخ (٥ : ٥٤ -
٥٦ ) .
٣٩١

أخبرنا أبو محمد جَنَاحُ بن نُذير بن جناح القاضي بالكوفة، أنبأنا ابو جعفر
محمد بن علي بن دحيم ، حدثنا أحمد بن حازم بن أبي غَرَزة ، حدثنا عبد الله
ابن موسى ، عن اسرائيل ، عن أبي إسحاق عن صِلة ، عن ابن مسعود .
اث السيّد والعاقبَ أتيا رسول الله﴿ فأراد أن يلاعنهما، فقال أحدهما
لصاحبه لا تلاعنه ، فوالله لئن كان نبياً فلاعَنْتَه لا نُفلح نحن ولا عَقِبُنا من بعدنا ،
قالوا له : نُعطيكَ ما سألتَ فابعثْ معنا رَجُلاً أمينا ولا تبعث معنا الا اميناً، فقال
النبي ﴿: ((لأبعثنَّ معكما رجلاً اميناً حقَّ أمين)) فاستشرف لها أصحابه فقال :
قُمْ يا أبا عبيدة بن الجراح، فلما قام، قال: ((هذا أمين هذه الامة)) كذا قال
عُبيد الله بن موسى عن اسرائيل، وكذلك رُوي عن يونس بن أبي اسحاق عن أبي
اسحاق .
ورواه البخاري في الصحيح عن عباس بن الحسين عن يحيى بن آدم عن
اسرائيل عن أبي إسحاق عن جابر عن حذيفة بن اليمان(١٦).
وكذلك رواه سفيان وشعبة وغيرهما عن أبي إسحاق مختصراً(١٧).
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ ، انبأنا ابو عبد الله محمد بن يعقوب ، حدثنا
حسين بن محمد القبّاني، حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ، أنبأنا عبد الله بن
إدريس، وأنبأنا أبو عبد الله : إسحاق بن محمد بن يوسُّف السوسي ، حدثنا أبو
جعفر محمد بن محمد بن عبد الله البغداديُّ، أنبأنا علي بن عبد العزيز، حدثنا
ابن الاصبهاني، أنبأنا عبد الله بن إدريس، عن أبيه ، عن سماك بن حرب ، عن
علقمة بن وائل ، عن المغيرة بن شعبة ، قال :
(١٦) البخاري في الصحيح عن عباس بن الحسين .. في: ٦٤ - كتاب المغازي (٧٢) باب قصة أهل
نجران ، الحديث (٤٣٨٠)، فتح الباري (٨ : ٩٣)
(١٧) سنن ابن ماجة في المقدمة في فضل أبي عبيدة، الحديث (١٣٥)، ص (١ : ٤٨).
٣٩٢

بعثني رسول الله و # إلى نجران فقالوا : فيم ؟ قالوا : أرأيت ما تقرؤون :
یا أَخْت هارون ، وقد كان بين عيسى وموسى(١٨) ما قد علمتم، قال: فأتيت النبي
* فأخبرته، فقال: افلا أخبرتهم أنهم كانوا يُسَمُّون باسماءِ أنبيائهم والصالحين
الذين كانوا قبلهم .
لفظ حديث السوسي رواه مسلم في الصحيح عن أبي بكر بن أبي
شيبة (١٩).
(١٨) (ف): ( بیں موسى وعيسى).
(١٩) مسلم عن أبي بكر بن أبي شيبة ، في : ٣٨ - كتاب الآداب (١) باب النهي عن التكني بأبي
القاسم ، الحديث (٨)، ص (٣ : ١٦٨٤)، وأخرجه الترمذي في تفسير سورة مريم عن أبي
سعيد الأشج .
٣٩٣

باب
بَعْثِ رسول الله # علي بن أبي طالب رضي الله عنه إلى أهل
نجران ، وبعثه إلى اليمن بعد خالد بن الوليد رضي الله عنه
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ ، حدثنا أبو العباس : محمد بن يعقوب، حدثنا
احمد بن عبد الجبار، حدثنا يونس بن بكير ، عن ابن إسحاق ، قال: وبَعَثَ
رسول الله﴿ عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه إلى أهل نجران ليجمع
صدقاتهم ويَقْدمَ عليه بجزيتهم(١) .
وأخبرنا أبو عبد الله ، وأبو سعيد بن أبي عمرٍو، قالا : حدثنا أبو العباس:
محمد بن يعقوب، حدثنا أحمد بن عبد الجبار ، حدثنا يونس بن بكير، عن ابن
إسحاق ، حدثنا أبان بن صالح، عن عبد الله بن دينار الأسلمي ، عن خالٍهٍ
عمْرٍو بن شاسٍ الأسلميّ، وكان من أصحاب الحديبية، قال :
كنتُ مع علي بن أبي طالب رضي الله عنه في خيله التي بَعَثَهُ فيها رسول
الله﴿ الى اليمن فجفاني عليٌّ بعضَ الجَفَاءِ، فوجدْتُ في نفسي عليه، فلما
قدمتُ المدينة اشتكيته في مجالس المدينة ، وعند من لقيتُه وأقبلت يوماً ورسول
الله ◌ِ﴾ جالسٌ فلما رآني أنظر إلى عَيْنِيه نظرَ اليّ حتى جلستُ إليه فلما جلستُ،
قال: أنَّهُ والله يا عمرو بن شاس لقد آذيتني! فقلت: إنا لله وإنا اليه راجعون
(١) سيرة ابن هشام (٤: ٢١٢).
٣٩٤٠

أعوذ بالله والإِسلام أنْ أُوْذِيَ رسول اللّه وَّر، فقال: من آذَى علياً فقد آذَاني.
أخبرنا أبو الحسين بن الفَضْلِ القطان ، أنبأنا عبد الله بن جعفر ، حدثنا
يعقوب بن سفيان ، حدثنا أحمد بن عمرو وأبو جعفر ، حدثنا عبد الرحمن بن
المغراء ، عن محمد بن إسحاق ، عن أبان بن صالح ، عن الفضل بن معقل بن
سِناٍ ، عن عبد الله بن بيان او نيارٍ عن خاله عمرو بن شاسٍ فذكر معتّاهُ اتم
منه(٢).
واخبرنا أبو عبد الله وحدهُ، قال أبو العباس : حدثنا احمد، حدثنا يونس ،
عن ابن إسحاق، قال : حدثنا يحيى بن عبد اللّه بن أبي عَمْرَة ، عن يزيد بن
طلحة بن يزيد بن رُكانة، قال : انما وَجَدّ جيش علي بن أبي طالب رضي اللّه
عنه الذين كانوا معه [ باليمن ](٣) لانهم حين اقبلوا خَلَّف عليهم رجلاً ويَعمدُ الى
رسول الله وَ﴿ يُخبره الخبر، فعمَد الرجل فَكُسا كل رَجُلٍ حُلة، فلما دَنَّوْا خرج
علي بن ابي طالب رضي الله عنه يستقبلهم فإِذا عليهم الخُلَلُ ، فقال عليّ: ما
هذا قالوا(٤) كسّانًا فلانٌ. قال: فما دعاك إلى هذا قبل تتقدم على رسول اللّه وَه
فيصنع ما شاء، فنزع الحُلَلَ منهم، فلما قدموا على رسول اللّهِ وَلقر اشتكوه
لذلك، وكانوا قد صالحوا رسول اللّه وَثير، فإِنما بُعث عليٌّ الى جزْيّةٍ موضوعةٍ
هذا ما بلغَنا في ذلك عن محمد بن اسحاق بن يسارٍ(٥).
(٢) أحرحه الإِمام أحمد في مسده (٣ : ٤٨٣).
(٣) الزيادة من (ف) و( ك).
(٤) مي (ف). (( قال )) .
(٥) رواه ابن هشام في السيرة ( ٤ ٢١٣٠ ) ، ثم قال بعده :
قال ابن إسحاق . فحدثني عبد الله بن عبد الرحمن بن معمر بن حزم ، عن سليمان بن محمد بس
كعب س عجرة ، عن عمته زينب بنت كعب - وكانت عند أبي سعيد الحدري - عن أبي سعيد
الخدري ، قال : اشتكى الناس عليّاً رضوان الله عليه، فقام رسول الله ( فينا خطيباً، فسمعته
يقول: ((أيّها الناس لا تشكوا عليّاً)) فوالله إنّه لأخشن في ذات الله)) أو ((في سبيل اللّه [ من أن
یُشکی ]))
٣٩٥

وأخبرنا محمد بن عبد الله الحافظ، حدثنا أبو إسحاق: إبراهيم بن محمد بن
يحيى المزكي ، أنبأنا أبو عبد الله : أحمد بن علي الجوزجاني ، حدثنا أبو عبيدة
ابن أبي السَّفرَ ، قال : سمعتُ ابراهيم بن يوسف بن أبي إسحاق ، عن أبيه،
عن أبي إسحاق، عن البرآء :
ان النبي ◌َّهُ بَعَثَ خالد بن الوليد إلى أهل اليمن يدعوهم إلى الإِسلام،
قال البراء : فكنتُ فيمن خرج مع خالد بن الوليد فاقمنا سِتّة اشهر ندعوهم الى
الاسلام فلم يجيبوه، ثم ان النبيَّ ◌َّلهُ بَعَثَ عليّ بن أبي طالب - رضي الله عنه -
فأمره أن يُقْفل(٦) خالداً الى رجلٌ كان ممن يمِّم مع خالدٍ ومن احَبَّ أن يُعْقِّبَ(٧)
مع عَلَيٍّ فليعقّبْ معه، قال البرآءُ فكنتُ فيمن عَقَّبَ مع علي ، فلما دنونا من
القومِ خرجوا لنا فصلى بنا عليٍّ ثم صَفَّنَا صَفَّاً واحداً، ثم تقدم بين أيدينا وقرأ
عليهم كتاب رسول الله ﴿، فأسلمْت هَمْدَانُ جَمْعَاً فكتب عليّ الى رسول اللّهَ وَّ
باسلامهم فلما قرأ رسول اللّه وله الكتاب خَر ساجداً ثم رفع رأسه فقال السلام
على هَمْدَان السلام على همدان .
أخرجه البخاري، [في الصحيح ](٨) مختصراً من وجهٍ آخَر عن ابراهيم
ابن يوسفَ(٩) .
أخبرنا أبو عمْرٍو محمد بن عبد الله الأديبُ، أنبأنا ابو بكر الاسماعيلي،
(٦) ( يُقْفِلَ خالداً) : يرجعه ويردّهُ .
(٧) يعقّب . يرجع
(٨) الزيادة من ( ك ).
(٩) أخرجه البخاري في : ٦٤ - كتاب المعازي، (٦١) باب بعث علي بن أبي طالب عليه السلام وخالد
ابن الوليد إلى اليمن قبل حجة الوداع، الحديث (٤٣٤٩)، فتح الباري (٨: ٦٥) عن أحمد بن
عثمان ، عن شُريح بن مسلمة ، عن إبراهيم بن يوسف بن إسحاق بن أبي إسحاق ، عن أبيه ، عن
أبي إسحاق عن البراء .
٣٩٦

أخبرني ابن خزيمة ، انبأنا يعقوبُ بن إبراهيم الدُّوْرقّي، ومحمد بن بشارٍ،
قالا : حدثنا رَوْحُ بن عُبادَةً، حدثنا علي بن سُويد بن منجوفٍ، عن عبد الله بن
بريدة، عن أبيه ، قال :
بَعث رسول اللّهِ وَّ عليّاً إلى خالد بن الوليد ليقبض الخُمْسَ فأخذ منه
جارية ، فأصبح ورأسه يَقْطُر قال خالد لبُرِيدَة الا ترى ما يصنع هذا؟ قال بُريدة :
وكنت ابغض عَلِيًّا(١٠) فأتيتُ نبي الله وَلَ فأخبرته بما صنع عليَّ ، فلما أخبرته،
قال: اتُبْغِضُ عليّاً؟ قلت : نعم ، قال: فأحبَّهُ فان له في الخمس أكثر من
ذلك .
رواه البخاري في الصحيح عن محمد بن بشارٍ (١١).
أخبرنا أبو بكر : أحمدُ بن الحَسَنَ القاضي، حدثنا محمد بن علي بن
دُحيم الشيباني ، حدثنا أحمد بن حازم بن أبي غَرَزَة، أنبأنا يَعْلى بن عبيد ،
حدثنا الأعمش ، عن عمرو بن مرة عن أبي البختري، عن علي رضي الله عنه،
قال :
بعثني رسول اللّه ◌َ﴿ل إلى اليمن، فقلتُ: يا رسول الله ! تبعَثُني وانا شاب
أقضي بينهم ولا أدري ما القضاء، قال : فضربَ بيده في صدري ، وقال : اللهم
آهْدٍ قَلْبَهُ، وَثَبِّت لِسَانَهُ، فوالذي فَلَقَ الحبَّة ما شككت في قضاء بين اثنين(١٢).
(١٠) قال الحافظ أبو ذر الهرويّ: إنما أبغض بريدة عليّاً لأنه رآء أحذ من المعنم فظن أنه غل . فلما
أعلمه رسول الله 18 أنه أخد أقل من حقه أحبه . قال الحافظ . وهو تأويل حسن لكن يبعده صدر
الحديث الذي رواه أحمد، فلعل سبب البغض كان لمعنى آخر وزال ، ونهى النبي # عن
بغضه .
(١١) أخرجه البخاري عن محمد بن بشار في: ٦٤ - كتاب المغازي، (٦١) باب بعث علي الى
اليمن .. الحديث ٤٣٥٠، فتح الباري (٨ : ٦٦).
(١٢) إسناده ضعيف لانقطاعه، أبو البختري هو ثبت، ولم يسمع من علي شيئاً. قاله ابن معين ، =
٣٩٧

أخبرنا أبو الحسين محمد بن الحسين بن محمد بن الفضل القطان ببغداد،
أنبأنا أبو سهل بن زياد القطان ، حدثنا أبو إسحاق : إسماعيل بن إسحاق
القاضي ، حدثنا اسماعيل بن أبي أويس ، قال : حدثنا أخي ، عن سليمان بن
بلال ، عن سعيد بن اسحاق بن كعب بن عجرة ، عن عمته زينب بنت کعب بن
عُجرة ، عن أبي سعيد الخدري، أنه قال :
بَعَثَ رسول الله ◌ّ﴾ علي بن أبي طالب إلى اليمن، قال أبو سعيد فكنت
ممن خَرَجَ معه فلما أخذ من إبل الصدقةِ سألناه أَنْ نَّرْكَبَ منها ونُريح إبّنَا، فكنا
قد رأينا في إبلنا خللاً، فأبى علينا، وقال: إنما لكم منها سهمٌ كما
للمسلمين .
قال : فلما فرغ عليَّ وانطلق من اليمن راجعاً أمَّرَ علينا انساناً واسرع هو
فادرك الحج ، فلما قضى حَجَّته قال له النبيِّه: إرجع الى أصحابك حتى تَقْدَمَ
عليهم قال أبو سعيد وقد كنا سألنا الذي استخلفه ما كان عليٍّ مَنَعنَا [ إياه](١٣)
نفعل، فلما جاءً عرف في إبل الصدقة ان قد رُكِبَتْ، رَأى أَثْرَ المَرْكَب، فذمَّ الذي أُمِّرَهُ
= والحديث في طبقات ابن سعد (٢ : ٣٣٧)، وابن ماجة (٢: ٢٦)، ورواه أحمد في
(مسنده)) (١ : ٨٣)، وله إسنادين آخرين متصلين:
(الأول ): إسناده صحيح رواه أبو داود (٣: ٣٢٧) وروى الترمذي بعضه (٢ : ٢٧٧)
وحسَّنه ، ورواه الإمام أحمد (٨٨.١ ) .
( الثاني ): أخرجه الإمام أحمد في مسنده ( ١ : ٨٣، ٨٨، ١١١، ١٣٦، ١٤٩، ١٥٦)
وإسناده صحيح :
عن حارثة من مضرب عن علي قال: بعثني رسول الله# إلى اليمن. فقلت يا رسول الله، إنك
تعشي إلي قوم هم أسن مني لأقضي بينهم . قال . إذهب ، فإن الله تعالى سيثبت لسانك ويهدي
قلبك .
وعن حش عن علي قال: قال لي النبي # إذا تقدم إليك خصمان فلا تسمع كلام الأول حتى
تسمع كلام الآخر ، وسوف ترى كيف تقضي ، قال : فقال علي : فما زلت بعد ذلك قاضياً .
(١٣) الزيادة من (ب) و(ك ) .
٣٩٨

ولامَهُ فقلت: انا إنْ شاء الله إِنْ قدمتَ المدينة لأَذْكُرَنَّ لرسول اللهَ ◌ّهُ ولُأُخبرَنَّهُ
مالقينا من الغُلظَةِ والتضييق .
قال: فلما قدمنا المدينة غدوت إلى رسول الله ﴿ أُريدُ أن أَفْعَل ما كنتُ حَلفْتُ
عليه ، فلقيتُ أبا بكر خارجاً من عند رسول الله:﴿ فوقَفَ معي ورَحَّبَ بي
وسألني وسألته ، وقال : متى قَدِمْتَ؟ قلت : قدمت البارحة ، فرجع معي إلى
رسول الله ﴿ فدخل فقال: هذا سعد بن مالك بن الشهيد، قال : أئذن له،
فدخلت فحبيت رسول الله :﴿﴿ وجاءني وسلَّم عليَّ وسألني عن نفسي وعن أهلي
فأحفى المسألة ، فقلت له : يا رسول الله ما لقينا من علي من الغلظة وسوء
الصحبة والتضييق، فانتبذَ رسول اللّه وَّه وجعلتُ أنا أعدد ما لقينا منه حتى إذا
كنت في وسط كلامي ضّرَبَ رسول الله لَّه على فخذي، وكنتُ منه قريباً ثم
قال : سعد بن مالك الشهيد ! مَهْ ، بعضَ قولك لأخيك عَليّ ، فوالله لقد علمتُ
أنه أخشن في سبيل الله ، قال : فقلت في نفسي ثكلتك أمك سَعْد بن مالك ألا
أَراني كنتُ فيما يكره منذ اليوم ، وما أدري لا جرم والله لا أذكره بسوء أبداً سرًّا
ولا علانيةً(١٤) .
أخبرنا أبو بكر بن فورك ، أنبأنا عبد الله بن جعفر، حدثنا يونس بن
حبيب ، حدثنا أبو داود ، حدثنا وهيب بن خالد ، حدثنا جعفر بن محمد بن علي
ابن حسين بن علي بن أبي طالب ، عن أبيه ، عن جابر بن عبد الله ، في قصة
حجة الوداع ، قال :
وقدم علي بن أبي طالب رضي الله عنه من اليمن فقال له النبي وَه بأيّ
(١٤) أخرجه الإمام أحمد في ((مسنده)) (٣: ٨٦) مختصراً.
٣٩٩

شيء أهللت؟ قال: قلت: اللهم أني أهُلَّ بما أهل به رسولك ﴿، قال: فإنّ
معي الهَدْيَ فلا يَحلَّ . وذكر الحديث .
أخرجه مسلم في الصحيح وأخرجاه من حديث عطاء عن جابر(١٥) .
(١٥) جزء من حديث طويل في صحيح مسلم (٢: ٨٨٨)، فتح الباري ( ٨ : ٦٩ - ٧٠).
٤٠٠