Indexed OCR Text

Pages 221-240

باب
لحوق أبي ذَرِّ رضي الله عنه وأبي خيثمة [ رضي الله عنه ](١) برسول
اللهِ وَلّ بعد خروجه، وما ظهر فيما رُوَيَ من قوله عند مجيئهما
وإخباره عن حال أبي ذَرٍ وقت وفاته من آثار النبوة
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ ، قال : حدثنا أبو العباس: محمد بن يعقوب،
قال: حدثنا احمد بن عبد الجبار، قال: حدثنا يونسُ بن بكير، عن ابن إسحاق،
قال: حدثنا بُرَيْدة بن سفيان(٢)، عن محمد بن كعب القُرظي، عن عبد الله بن
مسعود، قال :
لما سار رسول الله ﴿ الى تبوك جعل لا يزال يتخلَّفُ الرجلُ، فيقولون :
يا رسول اللّه تخلّف فلان، فيقول: دَعوه إن يدُه فيه خير فسيلحقُهُ اللّه
[ تعالى](٣) بكم، وإن يك غير ذلك فقد أراحكم الله [تعالى] منه حتى
قيل: يا رسول اللّه تَخَلَّف أبو ذرٍ، وابطأً به بعيرهُ، فقال: ((دعوه إن يك فيه خيرٌ
فَسَيُلحِقُهُ اللّه بكم، وإن كان غير ذلك فقد اراحكم منه ))، فَيَلزم أبو ذَرٍّ بعيره
فلما أبطأ عليه، أخَذَ متاعه فجعله على ظهره، ثم خرج يتبع رسول اللّه وَه
ماشياً، ونزل رسول الله و1َّ في بعض منازله، ونَظَرَ ناظرٌ من المسلمين، فقال:
(١) ليست في ( ك) .
(٢) بريدة بن سفيان، قال البخاري في ((التاريخ الكبير)) (١: ٢: ٢٠): ((فيه نطر)) وضعفه
النسائي ، وأبو داود ، وأحمد ، والدارقطني .
(٣) الزيادة من ( ك) .
٢٢١

يا رسول الله إن هذا الرجل يمشي على الطريق، فقال رسول الله وسلم: كن أبا
ذَرٍ(٤)، فلما تأمله القوم، قالوا: يا رسول الله هو والله أبو ذرٍّ، فقال رسول الله
: ((يرحم الله أبا ذرِّ يمشي وحده، ويموتُ وحده، ويُبعث وحده )).
فضربَ الدهر من ضَرْبِه، وَسُيَّرَ أبو ذرٍّ إلى الرِّبِذَة، فلما حضره الموت
أوصى إمرأته وغلامَهُ إذا مُت فاغسلاني وكفناني ثم احملاني فضعاني على قارعة
الطريق فأول ركب يمرُّون بكم فقولوا : هذا ابوفّرٍ .
فلما مات فعلوا به كذلك فاطَّعَ ركبٌ [ فما ] (٥) اعلموا به حتى كادت .
ركائبهم تُوْطَأَ سريره، فإِذا ابن مسعود في رَهْطٍ من أهل الكوفة ، فقال: ما هذا؟
فقيل : جنازة أبي ذر، فاستهلّ ابن مسعودٍ يبكي، فقال: صدق رسول الله الر:
(( يرحم الله أبا ذرٍ! يمشي وحده ، ويموت وحده ، ويبعث وحده .
فنزل فوليه بنفسه حتى اجَنَّهُ(٦).
وباسناده عن ابن إسحاق ، قال : حدثنا عبد الله بن أبي بكرٍ بن حَزْمٍ أنَّ
أبا خيثمة أخا بني سَالم رَجَعَ بعد مسير رسول الله صل# أياماً إلى أهله في يومٍ
حَارِّ، فوجد امرأتين له في عريشين(٧) لَهُمَّا في حايطٍ قد رَشَّت كلُّ واحدة منهما
عريشها ، وَبَرَّدت له فيه مَاءً، وهَيَّأَت له فيه طعاماً فلما دخل قام على باب
العريشين، فنظر إلى امرأتيه وما صنعتا له ، فقال: رسولُ اللهِصلّ في الضح(٨)
(٤) ( كن أبا ذر) = بلفظ الأمر، ومعناه الدعاء كما تقول: اسلم ، أي سلمك الله.
(٥) الزيادة من (ح (، و (ك) .
(٦) رواه ابن هشام في السيرة ( ٤ : ١٣٦ - ١٣٧)، ويقله ابن كثير في التاريخ (٨:٥).
(٧) في (أ) و(ح): ((عريش))، وأثبتنا ما في (ك)، وهو موافق لما في سيرة ابن هشام ، والعريش:
شبيه بالخيمة ، يظلل فيكون أبرد الأخية والبيوت .
(٨) ( الضح ) = الشمس .
٢٢٢

والريحِ والحَرِّ ، وأبو خيثمة في ظِلٍ باردٍ وماءٍ باردٍ وطعامٍ مهيأ وامرأة حْسَناءَ في
ماله مقيم ؟! ما هذا بالنَّصَف ، ثم قال: لا والله لا أُدخل عريش واحدة منكما
حتى ألحق برسولِ اللهِ وَّيه، فهيئا لي زاداً ففعلتا، ثم قَدَّم ناضِحَهُ فارتحله ، ثم
خرج في طلب رسول اللّه وَّر حتى ادركه بتبوك حين نزلها ، وقد كان أدرك أبا
خيثمة عُمير بن وَهْبِ الجُمحيُّ [في الطريق يطلب رسول اللّهِ وَعَاءَ](٩) فترافقا
حتى إذا دَنّوا من تبوك، قال أبو خيثمة لعُمير بن وهبٍ : إِنَّ لي ذنباً [ فلا عليك
أن ](١٠) تخلّف عني حتى آتي رسول اللّه وَهُ، فَفَعَلَ فسارَ حتى إذا دنا من
رسول الله ﴿ وهو نازلٌ بتبوك قال الناسُ هذا راكبٌ على الطريق مُقْبِلٌ، فقال
رسول الله : ((كن ابا خيثمة))، فقالوا : يا رسول الله ! هو والله أبو خيثمة ،
فلما أناخ أقبل فسلّمَ على رسول اللّهِ وَّر، فقال له رسول اللّه لَّه: ((أوْلى لك
أبا خيثمة)) (١١) ثم أخبر رسول اللّه ◌َّر الخبر فقال له رسول الله وله خيراً ودَعًا له
بخير(١٢).
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ ، قال : أخبرنا أبو جعفر البغدادي، قال: حدثنا
(٩) ما بين الحاصرتين ليس في (أ)
(١٠) الزيادة من سيرة ابن هشام (٤ : ١٣٣)
(١١) ( أولى لك) = كلمة فيها معنى التهديد، وهو اسم سمي به الفعل ، ومعناها فيما قال المفسرون .
(( دنوت من الهلكة)).
(١٢) رواه ابن هشام في السيرة (٤ : ١٣٣ - ١٣٤)، وقال . قال أبو خيثمة في ذلك شعراً، واسمه
مالك بن قيس :
أَتَيْتُ الْتِي كَانَتْ أَعْفُ وَأَكْرَمَا
لَمَّا رَأَيْت النّاسَ فِي الدِّينِ نَافَقُوا
عَلَمْ أَكْتَسِبْ إِثْماْ وَلَمْ أَغْشَ مَّحْرَمَا
وَبَايَعْت بِالْيُمْنَى يَدِي لِمُحَمْد
صَّفَايَا كِرَاماً بُسْرُهَا قَدْ تَحَمُّمَا
تَرَكْتُ خَضِيباً فِي الْعَرِيشِ وَصِرْمَةٌ
إِلَى الدِّينِ نَفْسي شَطْرَهُ حَيْثُ يَمْمًا
وَكُنْتُ إِذَا شّكُّ الْمُنَافِقُ أَسْمُحَتْ
ونقل الخبر الحافظ ابن كثير في البداية والنهاية ( ٥ : ٨).
٢٢٣

أبو عُلاثة ، قال : حدثنا أبي ، قال حدثنا ابن لهيعة، عن أبي الأسود، عن عروة
(ح).
وأخبرناأبو الحسين بنُ الفضل القطان ببغداد قال: أنبأنا أبو بكرٍ بن عتاب
العبديُّ، قال حدثنا القاسم الجوهريُّ، قال : حدثنا ابن أبي اويس ، قال :
حدثنا اسماعيل بن إبراهيم بن عقبة ، عن عمه موسى بن عقبة، قال :
ثم إن رسول الله ◌َ﴿ تجهّز غازياً يُريد الشام ، فأذن في الناس بالخروج ،
وأمرهم به ، وكان في حرِّ شديد وليالي الخريف ، والناس خارفون في نخيلهم
فأبطأ عنه ناسٌ كثير، وقالوا: ((الروم، ولا طاقة لنا بهم)) فتخلّف المنافقون ،
وحدَّثوا أنفسهم أنَّ رسولَ الله وَ﴿ لا يرجَعْ إليهم أبداً، فاعُتلّوا وثبطوا مَنْ
أطاعه ، وتخلف عنه رجالٌ من المسلمين بأمرٍ كان لهم فيه عذر منهم السقيم
والمعْسر، وجاءَهُ ستة نفر كلهم مُعْسرٌ يستحملونه لا يحبون التخلّف عنه ، فقال
لهم رسول اللّه وَله: لا أجد ما احملكم عليه تولوا وأعينهم تفيضُ من الدمع
حَزَناً ألّ يجدوا ما يتُفقون ، منهم ، من بني سلمة: عمرو بن عَثَمَة، ومن بني
مازنٍ بن النجار : أبو ليلى عبد الرحمن بنُ كعب ، ومن بني حارثة ، عُلْبَهُ بن
زيد، ومن بني عمرو بن عوف : سالم بن عُمير ، وهرمي بن عبد الله ، وهم
يدُعون بني البكاءٍ وعبد الله بن عمرٍو رجلٌ من مُزَيْنة فهؤلاء الذين بكوا واطَّلَعَ
الله عزّ وجل انهم يحبون الجهاد، وانه الجدّ من أنفسهم، فعذرهم في القرآن،
فقال :
﴿ليس على الضعفاء ولا على المرضى ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون
حَرَجٌ اذا انصحُوْا لله ورسوله﴾(١٣) الآية وفي الآيتين بعدها (١٤).
(١٣) [التوبة - ٩٢ ].
(١٤) ﴿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلاَ عَلَى الْمَرْضَى وَلا عَلَى الَّذِينَ لا يَجِدُون مَا يُنْفِقُونَ حْرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلِه =
٢٢٤

وأتاه الجَدُّ بن قيس السُلمي وهو في المسجد معه نفرٌ فقال : يا رسول الله
ائذن لي في القعود فاني ذو ضبعةٍ (١٥) وعلَّةٍ فيها عذرٌ لي فقال رسول الله وَّارٍ:
تجهّز فإِنَّك مُوسرٌ لعلك أن تُحْقِبُ(١٦) بعْضَ بنات الأصفر (١٧)! فقال: يا رسول
الله إِنَذْن لي ولا تفتني ، فنزلتْ :
﴿ ومنهم من يقول ائذن لي ولا تفتني﴾ (١٨) وخمسُ آياتٍ معهَا يتبعُ
بعضها بَعْضَاً.
فخرجَ رسولُ اللّهِفَ اءٌ والمؤمنون معه، وكان ممن تخلف عنه غَنَمةُ بن
وديعة من بني عمرو بن عوف فقيل له: ما خلفك عن رسول الله و لچ وأنت
موسر ؟ فقال الخَوْضُ واللعِبُ فَأَنْزَلَ اللّه فيه وفيمن تخلّف من المنافقين :
﴿ولئن سألتهم ليقولُنَّ: إنما كنا نخوض ونلْعب﴾ (١٩) ثلاث آيات
متتابعَاتٍ .
وتخلّف أبو خيثمة وهو رجلٌ من الأنصار من بني سالم بن عَوْفٍ، فَدَخل
حائِطَهُ والنخل مُدَلَلَّة بثمرِهَا ، والعريش مرشوش، وامرأته مختضبة متزينة ،
قال : فنظر أبو خيثمة إلى امرأته فأعجبتهُ، فقال: هلكتُ وربّ الكعبة ، لئن لم
= وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَالله عَفُورٌ رَحِيمٌ * وَلا عَلِى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكُ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتْ
لا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُّنُهُمْ تَمِيضُ مِنَ الذَّمْعِ حَزْناً أَلَّ يَحِدُوا مَا يُنْفِقُونَ * إِنَّمَا السَّبِيلُ
عَلَى الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ وَهُمْ أَغْنِيَاءُ رَصُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْحَوَالِفِ وَطَعَ الله عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا
يَعْلَمُون﴾.
(١٥) ( الضبعة ) : شدة شهوة الفحل الساقة
(١٦) ( تحقب ) = تردف خلفك .
(١٧) بنات بني الأصفر : يعي الروم .
(١٨) [التوبة - ٤٩ ].
(١٩) [ التوبة - ٦٥ ].
٢٢٥

يدركني الله بتوبّةٍ أصبحتُ في ظلالِ النخل ورسول اللهَّ في الحرّ والسموم
في عنقه السيف ، وقد غَفَرَ الله له ما تقدّم من ذنبه وما تأخر، ثم خرج يبتغي وجه
الله [تعالى ](٢٠) والدار الآخرة ، فاخْتَطم أبو خيثمة ناضحهُ في المنخر ، وتزوّد
تمراتٍ في ظبية وادَاوةً ماءٍ فنادته امرأته وهو يرتحل : يا أبا خيثمة هَلِّم أكلمك،
قال: والذي نفسي بيده لا ألتفت إلى أهلي، ولا مالي حتى آتي رسول اللّه والر
ليستغفر لي .
وقال عبيد الله بن عُمَر بن حفصٍ : كان فيما قيل له هلك الوَدِيُّ ، لِوَدِىِّ
كان غَرَسَهُ، فقال : الغزو خيرٌ من الودي ، فقعد على ناضحه ، ثم انطلق وأدركه
عُمير بن وهب الجُمحيُّ قادماً من مكة يريد الغزو ، فاصطحا فلما نطر الى تبوك
قال أبو خيثمة لعُمير: إِنَّ لي ذنباً واني تَخْلَّفْتُ عن رسول اللهِوَ لَ إِذْ خَرَجَ،
فتخلَّف عني فداك أبي وأمي ، فتخلَّف عميرٌ، ومضى أبو خيثمة ، فلما طلع أبو
خيثمة لتبوك ، أشرفَ المسلمون ينظرون إليه ، وقالوا : يا رسول الله ! هذا
راكبٌ من قِبَلِ المدينة، قال رسول الله ولا: كُنْ أبا خيثمة! فأتاه ابو خيتمة
[ وهو](٢١) يبكي فقال له رسول الله، وسيله: ما خلفك يا أبا خيثمة أوْلى لك، قال
أبو خيثمة: كِدْتُ يا نبيَّ اللّه أن أهلك بتخلفي عنك ، وتزيَّنت لي الدنيا ، وتزيّن
لي مالي في عيني، وكدتُ أن اختاره على الجهاد، فعزّم الله عليَّ بالخروج ،
فاستغفر له ودعا له بالبركة ، وخرج رسول اللّه # * حين خرج يريد الشام ، وكفار
العَربِ ، فكان أقصى أَثْرِهِ مَنْزِلَهُ من تبوك .
لفظ حديث موسى بن عقبة ، وحديث عُرْوة بمعناه إلا انه ليس فيه قول
عبيد اللّه بن عُمَرَ، زاد في رواية عروة في آخرها : وكان ذلك وفي زمانٍ قَلَّ
ماؤها فيه ، فاغْتَرِفَ رسول اللّه ◌ِ وَّهَ غَرْفَةٌ بيدهِ من ماءٍ فمضمض به فاه ، ثم بَصَقَّهُ
فيها فَفَارَتْ عَنْها حتى امتلأت فهي كذلك حتى الساعة .
(٢٠) الزيادة من ( ك) .
(٢١) من ( ك ) .
٢٢٦

باب
سَبَبِ تسمية غزوة تبوك بالعُسْرِةٍ وما ظهر بدعاء النبي ◌َّ في بقية
الأزواد وفي الماء وإخباره عن قول المنافقين(١) في غيبته ثم بموضِعِ
ناقتهٍ من آثار النبوة .
أخبرنا أبو الحسين: علي بن محمد بن عبد الله بن بشران ببغداد ، قال
أخبرنا أبو عَمْرو بن السماك ، قال [ حدثنا ](٢) حنبل بن إسحاق، قال : حدثنا
أبو عبد اللّه، وهو أحمد بن حنبل ، قال : حدثنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا
معمر، عن عبد الله بن محمد بن عقيل بن أبي طالب، في قوله - عزّ وجل -
﴿الذين اتبعوه في ساعة العُسْرة﴾(٣) قال: خرجوا في غزوة تبوك: الرجلان والثلاثةُ
على بعير ، وخرجوا في حرِّ شديد فأصابهم يوماً عطشٌ حتى جعلوا ينحرون
إبلهم ليعصروا أكراشها ، ويشربوها ماءَها ، فكان ذلك عُسْرَةً من الماء ، وعُسْرَةٌ
من النفقة، وعُسْرة من الظَّهْير(٤).
(١) في (أ): ((المنافق)).
(٢) الريادة من (ح )
(٣) [ التوبة - ١١٧ ]
(٤) وقال القرطبي في تفسير هذه الآية (٨: ٢٧٨) قوله تعالى: ﴿ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ ﴾ أي
في وقت العسرة ، والمراد جميع أوقات تلك الغزاة ولم يرد ساعة بعينها وقيل : ساعة العسرة أشدّ
الساعات التي مرت بهم في تلك الغزاة . والعسرة صعوبة الأمر قال حائر : اجتمع عليهم عسرة
الطَّهْر وعسرة الزاد وعسرة الماء . قال الحس : كانت العسرة من المسلمين يخرجون على بعير
يعتقبونه بينهم ، وكان رادهم التمر المتسوس والشعير المتعير والإِهالة المنتنة ، وكان الَّفْر يخرجون
ما معهم - إلا التمرات - بينهم ، فإذا بلع الجوع من أحدهم أخد التمرة فلاكها حتى يحد طعمها ، ثم
يعطيها صاحبه حتى يشرب عليها حُرْعة من ماء كذلك حتى تأتي على آحرهم ، فلا يبقى من التمرة =
٢٢٧

أخبرنا أبو عبد الله الحافظ ، قال : أخبرنا أبو علي الحافظ ، قال : انبأنا
أبو يعلى المَوْصلي ، وابراهيم بن إسحاق الأنماطي ، قالا : حدثنا أبو بكر بن
أبي النضر، قال: حدثنا أبو النّضْر: هاشم بن القاسم ، قال : حدثنا عبيد الله
= إلا النواة؛ فمضَوْا مع النبيّ ◌َّله على صدقهم ويقينهم رضي الله عنهم. وقال عمر رضي الله عنه وقد
سئل عن ساعة العسرة : خرحنا في قيظ شديد فنزلنا مزلا أصابنا فيه عطش شديد حتى ظننا أن رقابنا
ستقطع من العطش ، وحتى أن الرجل لينحر بعيره فيعصر قرّثه فيشربه ويجعل ما بقي على كبده .
فقال أبو بكر: يا رسول الله، إن اللّه قد عوّدك في الدعاء حيرا فادع لنا. قال: ((أتحب ذلك))؟
قال : نعم ؛ فرفع يديه فلم يرجعهما حتى أظلت السماء ثم سكبت فملاؤا ما معهم ، ثم ذهبنا منطر
فلم بحدها حاوزت العسكر وروى أبو هريرة وأبو سعيد قالا: كما مع النبيّ وَّة في عزوة تبوك
فأصاب الناسَ مجاعةٌ وقالوا : يا رسول الله، لو أذنت لما فىحرنا نواضحا فأكلما وأدّهما. [فقال
رسول اللّه ◌َ﴾. ((افعلوا))]، فجاء عمر وقال: يا رسول الله إن فعلوا قَلّ الطّهر، ولكن آدْعُهم
بفصل أزوادهم فادع الله عليها بالبركة لعل الله أن يجعل في ذلك [ البركة]. قال: (( نعم )) ثم دعا
منطع مُبسط ، ثم دعا بفضل الأرواد ؛ مجعل الرجل يجيء بكف ذرة ، ويجيء الاخر بكف تمر ،
ويجيء الآحر بكسرة حتى اجتمع على النطع من ذلك شيء يسير . قال أبو هريرة : فحزّرته فإذا هو
قدر رُبصة العنر، فدعا رسول اللّه وَهير بالشركة. ثم قال: ((حذوا في أوعيتكم)) فأحذوا في أوعيتهم
حتى - والذي لا إله إلا هو - ما بقي في العسكر وعاء إلا ملأوه، وأكل القوم حتى شبعوا ؛ وفضلت
فضلة فقال السي #: ((أشهد أن لا إله إلا الله وأني رسولُ الله لا يَلْقَى الله بهما عبدٌ غير شاكٌّ فيهما
فُيُحجب عن الجنة)) خرّحه مسلم في صحيحه بلفطه ومعناه ، والحمد لله، وقال ابن عرفة: سُمِّ
جيشُ تبوك حيش العُسرة لأن رسول اللّه ◌َ نَدّب الناس إلى الغزو في حَمَارة القيظ، فغلّظ عليهم
وعَسُر، وكان إِيَّان انتياع الثمرة. قال: وإنما ضُرب المثل بجيش العسرة لأن رسول الله ﴾ولم يغر
قبله في عدد مثله ؛ لأن أصحابه يوم بدر كانوا ثلثمائة وبضعة عشر ، ويوم أُحُد سبعمائة ، ويوم خيبر
ألفا وخمسائة ، ويوم الفتح عشرة آلاف ، ويوم حُسين اثني عشر ألفاً ؛ وكان جيشه في غزوة تبوك
ثلاثين ألفا وزيادة ، وهي آخر مغازيه [*]. وخرج رسول الله ◌ُّله في رجب وأقام بتبوك شعمان
وأياما من رمضان ، وبث سراياه وصالح أقواما على الجزية . وفي هذه الغزاة حلّف عليًّا على
المدينة فقال المنافقون: خلّفه بُغضا له؛ فحرح حلف النبيّ # وأخبره، فقال عليه السلام: ((أما
ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى)» وبيَّ أن قعوده بأمره عليه السلام يوازي في الأجر
حروحه معه ؛ لأن المدار على أمر الشارع. وإنما قيل لها. غزوة تبوك لأن النبيّ 8## رأى قوما من
أصحابه يُبُوكُون حِسْيَ توك، أي يدخلون فيه القدح ويحركوبه ليخرج الماء، فقال: ((ما رلتم
تَبُوكُونها بَوْكاً)) فسمّيت تلك الغروة غزوة تبوك الحسي ( بالكسر) ما تنشّعه الأرض من الرمل ، فإِذا
صار إلى صلابة أمسكتْه ، فتحمر عنه الرملَ فتستخرجه ؛ وهو الاحتساء ، قاله الجوهري .
٢٢٨

الأشجعي ، عن مالك بن مغْول، عن طلحة بن مصرف ، عن أبي صالح ، عن
أبي هريرة، قال :
كنا مع رسول الله وَّه في مسير فَنَفِدت أزواد القوم حتى هَمَّ أحدهم بنَحْر
بعض حَمائلهم(٥) ، فقال عمر: يا رسول اللّه لو جمَعْتَ ما بقيَ مِنْ أُزْوادٍ
القَوْم، فدعوت اللّه عَلَيْها. قال ففعل. قال: فجاء ذو البُرِّ بِيِّرُّهِ، وذو التَّمْر
بتمْرِه ، قال مجاهد : وذو النوى بالنوى . قال : وما كانوا يصنعون بالنوى ؟ قال
يمصّونه ويشربون عليه من الماءِ ، قال : فدعا عليها حتى ملا القوم أزودتهم،
قال : فقال عند ذلك : أشهد أن لا إله إلا الله وإني رسول الله لا يُلقى الله بهما
عبد غير شاكٌّ فيهما إلا دخل الجنة .
رواه مسلم في الصحيح عن أبي بكر بن النضر(٦).
وأخبرنا أبو عبد الله الحافظ ، قال : اخبرنا ابو علي الحافظ ، قال : أخبرنا
عبد الله بن زيدان ، قال : حدثنا أبو كريب ، قال : حدثنا أبو معاوية ، عن
الأعمش ، عن أبي صالح ، عن أبي هريرة ، أو عن أبي سعيد الخدري شّكَّ
الأعمش - قال: لما كان يوم غزوة تبوك أصابَ النّاس مجاعَةٌ، فقالوا : يا رسول
الله! لو أَذِنْتَ لَنا فنحرنا نواضِحَنا(٧) فأكلما وادَّهَنَّا (٨)، فقال رسول اللّهِ وَه:
افعلوا فجاء عمر - رضي الله عنه - فقال: يا رسول الله! إن فعلت قلَّ الظَّهْرُ (٩)
(٥) (حمائلهم) = حمع حمولة ، وهي الإِبل التي تحمل .
(٦) مسلم عن أبي بكر بن النضر، في ٠ ١ - كتاب الإيمان (١٠) باب الدليل على أن من مات على
التوحيد دخل الجنة قطعاً ، الحديث (٤٤)، ص ( ١ : ٥٥ - ٥٦).
(٧) ( نواضحنا) النواضح من الإبل، التي يستقى عليها . قال أبو عبيد: الذكر منها ناضح، والأنثى
ناصحة .
(٨) (وادّها) قال صاحب التحرير . قوله وادهنًا ليس مقصوده ما هو المعروف من الادّهان . وإنما معناه
اتخذنا دهنا من شحومها .
(٩) (الظهر) المراد بالظهر هنا الدوات . سميت ظهرا لكونها يركب على ظهرها . أو لكونها يستطهر بها
ويستعان على السفر .
٢٢٩

ولكن ادعهم بِفَضْلِ أزوادهم وادع الله لهم فيها بالبركة لعل الله عزّ وجل ان
يجعل في ذلك(١٠)، فقال رسول اللّهِوَله نعم، فدعا بنطَعٍ (١١) فبسطّهُ، ثم دعا
بفضل أزوادهم فجعل الرجل يأتي بكفِّ ذُرَةٍ ، ويجيء الآخَرُ بكفّ تمرٍ ،
ويجيء الآخر بِكِسْرةٍ ، حتى اجتمع على النطع من ذلك شيءٌ يسير ، فدعا
رسول الله بالبركة، ثم قال لهم : خذوا في أوعيتكم، فاخذوا في اوعيتهم حتى ما
تركوا في العسكر وعاءً الا ملأوه ، فاكلوا حتى شبعوا ، وفضلت فضلة ، فقال
رسول الله : أشهد أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله، لا يلقى الله بهما عبدٌ
غير شاكٍ فَحُجْبَ عن الجنة .
رواه مسلم في الصحيح عن أبي كريب(١٢) وروبي عن سهيل بن صالح ،
عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هُريرة من غير شكَّ أن النبيِ# كان
في غزاة غزاها .
ورواه عاصم بن عبيد اللّه عن أبيه، عن جده عمر بن الخطاب ، وقال : في
غزوة تبوك .
وروي عن عبد الرحمن بن أبي عَمْرة الأنصاري ، عن أبيه، قال : كنا مع
رسول الله وَّ في غزوةٍ .
وروى عن أبي حبيش الغفاري، قال: خرجتُ مع رسول اللّهِ وَ ◌ّ ر في غزوة
تهامة حتى اذا كنا بعُسفان فذكر هذه القصة ، وزاد : ثم أذن بالرحيل ، فلما
(١٠) (لعلّ اللّه أن يجعل في ذلك) فيه محذوف تقديره : يجعل في ذلك بركة أو خيرا ، أو نحو ذلك،
محدف المفعول به لأنه فضلة . وأصل البركة كثرة الخير وثبوته .
(١١) (بنطع) هو بساط متخد من أديم . وكانت الأنطاع تبسط بين أيدي الملوك والأمراء حي أرادوا قتل
أحد صبرا ليصان المجلس من الدم .
(١٢) صحيح مسلم في كتاب الإيمان ، باب الدليل على أن من مات على التوحيد دخل الجنة قطعاً ،
الحديث (٤٥)، ص ( ١ : ٥٦ - ٥٧ ) .
٢٣٠

ارتحلوا مُطِروا ما شاءوا، فنزل ونزلوا وشربوا من ماء السماء .
والاحاديث كلها متفقة في دعائه في بقية الأزواد وإجابة اللّه تعالى دعاءه
بظهور البركة فيها حتى ملؤوا أوعيتهم وفضِلت فضلة .
أخبرنا أبو الحسين بن بشران العدل ببغداد ، قال : أخبرنا أبو محمد
دعلج بن أحمد بن دعلج، قال: حدثنا ابنُ خزيمة ، قال: حدثنا يونس بن عَبد
الأعلى، قال أخبرنا ابن وهب ، قال: اخبرنا عمرُو بن الحارث ، عن سعد بن
أبي هلال ، عن عتبة بن أبي عتبة ، عن نافع بن جبير، عن عبد الله بن عباس
إنه قيل لعمر بن الخطاب : حدثنا مِن شأن ساعة العُسرة ، فقال عُمَرُ : خرجنا
إلى تبوك في قيظ شديد فنزلنا منزلاً أصابنا فيه عطشٌ، حتى ظنا ان رقابنا
ستنقطع، حتى ان كان الرجل ليذهب يلتمس الرجل فلا يرجع حتى يظن ان رقبته
ستنقطع، حتى ان كان الرجل لينحر بعيره فيعصرُ فَرْتَهُ فيشربه ، ويجعل ما بقي
على كبده ، فقال أبو بكر الصديق رضي الله عنه: يا رسول الله! ان الله عز وجل
قد عودّك في الدعاء خيراً فادع الله لنا ، قال : اتحب ذلك ؟ قال : نعم ، فرفع
يديه فلم يرجعهما حتى قالت السماءُ فاظلتْ ثم سكبت فملأواما معهم ثم ذَهَبْنًا
ننظر فلم نجدها جاوزت العسكر(١٣).
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ ، قال : حدثنا أبو العباس: محمد بن يعقوب،
قال: حدثنا أحمد بن عبد الجبار، قال : حدثنا يونس ، عن ابن إسحاق، عن
عاصم بن عُمّر بن قتادة ، قال :
أصبح الناس ولا ماء معهم، فشكوا ذلك إلى رسول الله وصلت، فدعا الله
فأرسل سحابةٌ فأمطرت، حتى ارتوى الناس واحتملوا حاجتهم من الماء(١٤).
(١٣) ذكره الهيثمي في الزوائد (٦ : ١٩٤ - ١٩٥)، وقال: رواه المرار، والطبراني في الأوسط ،
ورجال البزار ثقات
(١٤) رواه ابن هشام في السيرة (٤ : ١٣٥)، ونقله ابن كثير في التاريخ ( ٩.٥)
٢٣١

قال عاصم وأخبرني رجال من قومي ان رجلاً من المنافقين كان معروفاً
نفاقه كان يسير مع رسول الله # حيث سار فلما كان من أمر الناس بالحجر ما
كان ودعاءٍ رسول الله و # حين دعَا، فأرسل الله السحابة فأمطرت حتى ارتوى
الناس ، فأقبلنا عليه ، فقلنا : ويحك هل بعد هذا من شيء ؟ قال : سحابة
مارة .
ثم ان رسول الله # سار حتى اذا كان ببعض الطريق ضلّت ناقته فخرج
بعض أصحابه في طلبها ، وعند رسول الله ## عمارة بن حزم الأنصاري ، وكان
في رحلِهِ زيد ، وكان منافقاً فقال زيد: ليس محمد يزعم أنه نبي ويخبركم خَبّرٌ
السماء وهو لا يدري أَمْرَ ناقته فقال رسول الله # # وعمارة بن حزم عنده : ان
رجلاً قال: هذا محمد يخبركم انه نبي ويُخبركم بأمر السماء ، وهو لا يدري این
ناقته ، وإني والله ما أعلمُ الا ما علمني الله، وقد دَلَّني الله عليها ، هي في
الوادي قد حبستها الشجرةُ بزمامها فانطلقوا فجاءوا بها ، فرجع عمارة إلى رحله،
فحدثهم عما جاء رسول الله ﴿ من خبر الرجل فقال رجل ممن كان في رحل
عمارة انما قال زيد والله هذه المقالة قبل ان تأتي، فأقبل عُمارة على زيد يجأ في
عنقه ، ويقول : أن في رحلي لداهية، وما أدري ، اخرج عني يا عدو الله فلا
تصحبني، فقال: بعض الناس : ان زيداً تابَ، وقال بعض الناس : لم يزل
مُصرّاً حتى هلك(١٥).
وروينا في قصة الراحلة شبيهاً بهذه من حديث ابن مسعود موصولاً .
(١٥) رواه ابن هشام في السيرة (٤ : ١٣٥ - ١٣٦).
٢٣٢

باب
ورود النبي ◌َّ في مسيره على حجْرٍ ثَمُوْدَ ونهيه عن الدخول على أهلهِ
وخبره عن قوم يأتي الله بهم لا يدفعُون عن أنفسهم شيئاً، فكان كما
قال .
حدثنا أبو محمد : عبد الله بن يوسف الأصبهاني ، قال أخبرنا أبو سعيد :
أحمد بن محمد بن زيادٍ البصري بمكة ، قال : حدثنا الحسن بن محمد
الزعفراني ، قال: حدثنا سفيان بن عُيَيْنة ، عن عبد الله بن دينار (ح ).
وأخبرنا أبو عبد الله الحافظ ، قال : حدثنا أبو عبد الله، محمد بن
يعقوب، قال: حدثنا علي بن الحسن الهلاليُّ قال حدثنا اسحاق بن عيسى،
قال : حدثنا مالك بن أنس، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر ، أن رسول الله
مَّر، قال لأصحابه :
لا تَدْخُلوا على هؤلاء القوم المعذّبين إلا أن تكونوا باكين فان لم تكونوا
باكين فلا تدخلوا عليهم لا يُصيبُكم مثل ما اصابهم .
وفي رواية ابن عيينة : هؤلاء القوم يعني أصحاب ثمود ، وقال : فإِني
أخاف أن يصيبكم مثل الذي أصابهم .
رواه البخاري في الصحيح عن ابن أبي اويس عن مالك ، ورواه مسلم من
وجه آخر عن عبد اللّه(١).
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ ، قال : حدثنا أبو الحسين : محمد بن محمد
(١) فتح الباري (٦. ٥٣٠) و(٨: ٣٨١)، وصحيح مسلم (٤، ٢٢٨٥)
٢٣٣

ابن يعقوب ، قال : حدثنا أبو عروبة ، قال : حدثنا محمد بن مسكين، قال :
حدثنا يحيى بن حسّان ، قال : حدثنا سليمان بن بلال، قال: حدثنا عبد الله بن
دینار، عن ابن عمر، قال : .
لما نزل النبي ◌ّ﴿ الحجْرَ في غزوة تبوك أمرهم أن لا يشربوا من بيرها،
ولا يستقوا منها ، فقالوا : قد عجنًا منها واستقينا، فأمرهم أن يطرحوا ذلك
العجين ويَهْرقوا ذلك الماء .
رواه البخاري في الصحيح عن محمد بن مسكين(٢) كذا في هذه الرواية
أمْرَ بطرح [(«العجين، وكذلك يروى عن سبرة من مَعْبٍ، وأبي الشموس أن النبي
﴿﴿ أمر بإلقاءِ الطعام))](٣).
وقد أخبرنا أبو عبد الله الحافظ ، قال : حدثنا أبو العباس محمد بن
يعقوب، قال: حدثنا محمد بن إسحاق الصغَّاني، قال: حدثنا الحكم بن
موسى ، قال: حدثنا شُعيب بن إسحاق، قال: حدثنا عبيد اللّه عن نافع ، عن
عبد الله، أخبره ان الناس نزلوا مع رسول اللّه ◌َ الحِجْرَ أرض ثمود فاستقوا من
آبارها، وعجنوا به العجين، فأمرهم رسول اللّه بشير أن يهريقوا ما استقوا ويعلفوا
الإِبل العجين ، وأمرهم رسول اللّه هو أن يستقوا من البئر التي كانت تَردُها
الناقة .
رواه مسلم في الصحيح عن الحكم بن موسى (٤).
(٢) أخرجه البخاري عن محمد بن مسكين، في. ٦٠ - كتاب الأنبياء ( ١٨) باب قول الله تعالى:
((( وإلى ثمود أخاهم صالحاً » .
(٣) ما بين الحاصرتين سقط من (ك)، وأثبته في الحاشية .
(٤) مسلم عن الحكم بن موسى في : ٥٣ - كتاب الزهد والرقائق (١) باب لا تدخلوا مساكن الذين
طلموا ، الحديث (٤٠)، ص (٤ : ٢٢٨٦).
٢٣٤

وأخرجاه(٥) من حديث أنس بن عياض عن عبد الله بن عمر، هكذا قال
البخاري: وتابعه اسامة ، عن نافع.
أخبرنا أبو عبد الله : الحسين بن الحسن بن محمد القاسم الغضائري
ببغداد، قال: حدثنا أبو جعفر محمد بن عمروبن البختري الرزاز، قال : حدثنا
أحمد بن الخليل بن ثابت ، قال: حدثنا ابو النصر : هاشم بن القاسم ، قال :
حدثنا المسعودي ، عن اسماعيل بن واسط، عن محمد بن أبي كبشة، عن
أبيه ، قال: لما كان في غزوة تبوك تسارع قوم إلى الحجر يدخلون عليهم فنودي
في الناس: الصلاة جامعة، فأتيت رسول اللّه وَّل وهو ممسك بعيره ، وهو يقول
على ما تدخلون على قومٍ غضب الله [ تعالى](٦) عليهم فناداه رجلٌ، فقال:
تعجب منهم يا رسول الله؟ فقال رسول اللّه ◌َ﴾: الا أنبئكم بما هو أعجبُ من
ذلك : رجل من انفسكم ينبئكم بما كان قبلكم، وما هو كائنٌ بعدكم استقيموا
وسَدِّدُوْا ، فان الله عز وجل لا يَعبأُ بعذابكم شيئاً ، وسيأتي الله عز وجل بقوم
لا يدفعون عن أنفسهم شيئاً(٧) .
(٥) أخرجه البخاري في: ٦٠ - كتاب الأسياء، (١٧) باب قول الله تعالى: وإلى ثمود أحاهم صالحاً،
وأخرجه مسلم في الموصع السابق (٤ : ٢٢٨٦) من حديث أنس بن عياض.
(٦) من ( ك )
(٧) ذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (٦: ١٩٤)، وقال. ((رواه أحمد، وفيه. عبد الرحمن بن عبد
اللّه المسعودي ، وقد اختلط ))
٢٣٥

باب
إخبار النبي ◌َّل عن وقت إتيانهم عين تبوك ، وما ظهر في ذلك ، وفي
وضوئه من تلك العین حتی کثر مائها وفیما قال لمعاذ فکان کما قال من
آثار النبوة .
أخبرنا أبو عبد الله محمد بن الحسن المهرجاني العدل ، قال : أخبرنا أبو
بكر محمد بن جعفر المزكي ، قال : حدثنا أبو عبد الله محمد بن إبراهيم
البوشنجي ، قال : حدثنا يحيى بن بكير ، قال : حدثنا مالك ، عن أبي الزبير
المكي ، عن أبي الطفيل : عامر بن وائلة أن معاذ بن جبل أخبره أنهم خرجوا مع
رسول الله عام تبوك فكان رسول الله # يجمع بين الظهر والعصر وبين
المغرب والعشاء، قال: فأخّر الصلاة يوماً، ثم خَرَجَ فصلى الظهر والعصر
جميعاً، ثم دَخَلَ ، ثم خرج فصلى المغرب والعشاء جميعاً، ثم قال : إنكم
ستأتون غداً إن شاء الله عين تبوك ، وانكم لن تأتوها حتى يُضحي النهار ، فمن
جاءها فلا يَمْسِّ من مائها شيئاً حتى آتي.
قال فجئنا وقد سبق إليها رجلان والعيْن مثل الشرّاك تبض بشيء من ماءٍ ،
فسألهما رسول الله ﴾ هل مَسِسْتُمَا من مائها شيئاً؟ قالا: نعم ، فسبهما وقال
لهما ما شاء الله أن يقول، ثم غَرَفُوا من العين قليلاً قليلاً ، حتى اجتمع في
شيء، ثم غَسَلَ رسول الله ﴿﴿ فيه وجهَهُ، ثم أعاده فيها فجرت العين بماء
كثير، فاستقى الناس ثم قال رسول الله ﴾: يُؤْشك يا معاذُ إِنْ طالت بك حَيَاةٌ
أن ترى ماءها هنا قد مُلىء جنّاناً(١) .
(١) أي بساتين وعمراناً .
٢٣٦

أخرجه مسلم في الصحيح (٢) من وجه آخر عن مالك بن أنسٍ ، وروینا
زيادة ماء تلك العين بمضمضته فيها ، عن عروة بن الزبير ، وقال : هي كذلك
حتى الساعةٍ .
(٢) صحيح مسلم في: ٤٣ - كتاب فضائل السبي 8#، (٣) باب في معجزات السي 8*، الحديث
(١٠)، ص (١٧٨٤).
٢٣٧

باب
خَرْصٍ (١) النبي ◌َ [ في مسيره ](٢) وإخباره عن الريح التي تَهُبُ
تلك الليلة ، ودُعائِه للذي خُيِقَ ، وما ظَهَرَ في كل واحد منها من آثار
النبوة .
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ ، قال : حدثنا أبو عبد الله الشيباني : محمد
ابن يعقوب ، قال : حدثنا محمد بن عمْرٍو الحرشيُّ ، قال : حدثنا القعنبي ،
قال : حدثنا سليمان بن بلالٍ ، عن عمرو بن يحيى ، عن عباس بن سهل ، عن
أبي حُميد، قال: خرجنا مع رسول اللّه وَلقر في غزوة تبوك، فأتينا وادي
القرى ، على حديقة لامرأةٍ، فقال رسول الله ويلقي: أخرصوها، فخرصناها،
وخرصها رسول الله :﴿ عَشَرَةَ أَوْسُقٍ(٣)، وقال: [ للمرأة ](٤) احصيها حتى
نَّرْجع إليك إن شاء الله ( عز وجل ](٥) ، فانطلقنا حتى قَدِمْنا تبوك ، فقال رسول
اللهِوَ﴾:((ستهبُّ عليكم الليلة ريحٌ شديدةٌ، فلا يقم فيها أحدٌ منكم ، فمن كان
له بعيرٌ فليشد عقاله ، فهبِّت ريخ شديدة، فقام رجلٌ فحملتهُ الريح حتى ألقته
(١) الخرص : بفتح الخاء المعجمة وسكون الراء ، وبالصاد المهملة ، وهو هنا الحزر الذي حزر ما على
النخل من الرطب تمراً .
(٢) ليست في (ح ) .
(٣) والوسق : ٦٠ صاعاً .
(٤) زيادة متعينة .
(٥) الزيادة من (ك ) .
٢٣٨

بجبليْ طَيٍّ(٦)، وجاء [ رسول](٧) ابن العَلْماء صاحبِ أَيْلِيَة إلى رسول اللّهَاوَكّ
بكتاب، وَأَهْدِى لَهُ بغلةٌ بَيْضاءُ، فكتب إليه رسول اللّه وَله، وأهدى له بُرْداً، ثم
أَقْبلنا حتى قَدِمْنَا وادي القرى، فسألَ رسول الله به المرأة من حديقتها : كم بلغ
ثُمَرُهَا؟ فقالت: بلغ عَشْرَةً أَوْسُقٍ، فقال رسول اللّهِوَّله: إني مُسْرِعٌ فمن شاء
منكم فليسرع ومن شاء فليمكث فخرجنا حتى أشرفنا على المدينة ، فقال . هذه
طابة ، وهذا أحدٌ ، وهو جَبَلٌ يُحبُّنَا ونحبُه، ثم قال: إن خير دور الأنصار دارُ
بني النَّجَّار، ثم دارُ بني عبد الأشهل ، ثم دار بني الحارث بن الخزرج ، تم دار
بني ساعدة ، وفي كل دور الأنصار خيرٌ ، فلحقنا سَعْدُ بن عبادة ، فقال أبو
أُسَيْد: ألم تر أن رسول اللّه وَلَ خَيَّر دور الأنصار فجعلنا آخرها داراً مأدرك سعد
رسول اللّه ◌َله، فقال: يا رسول الله ! خيرت دور الأنصار فجعلتنا آخرها،
فقال : أوليس بِحَسْبِكُم أن تكونوا مِن الخيار .
رواه مسلم في الصحيح عن القعسي(٨).
وأخبرنا أبو عبد الله الحافظ ، قال : حدثنا أبو عبد الله الشيباني ، قال :
حدثنا يحيى بن محمد بن يحيى ، قال : حدثنا سهل بن بكار ، قال : حدثنا
وُهَيْبٌ ، قال : حدثنا عمرو بن يحيى ، عن العماس الساعدي ، عن أبي حميد
الساعدي ، فذكر هذا الحديث بمعناه إلا أنه ، قال : واهدى ملك الأيلة إلى
رسولِ الله ◌ِوَ * بغلةٌ بيضاء، فكساه النبي ◌َّ بُرداً وكتب له ببحرهم وقال ثم دور
بني ساعدة ثم دور بني الحارث بن الخزرج .
(٦) (بجبلي طيء) هما مشهوران، يقال لأحدهما. لَجّأ، والآخر. سَلْمى، وطيء على ورن سيد ،
وطيء : یهمر ، ولا يهمز .
(٧) الزيادة من صحيح مسلم
(٨) أخرجه مسلم في: ٤٣ - كتاب الفضائل، (٣) باب في معجرات السي 148، الحديث (١١) ص
(١٧٨٥) .
٢٣٩

رواه البخاري في الصحيح(٩) عن سهل بن بكار ، وقال : قال سليمان
ابن بلال ، يريدُ الحديث الأول .
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ ، قال : حدثنا أبو العباس : محمد بن
يعقوب ، قال : حدثنا أحمد بن عبد الجبار ، قال حدثنا يونس بن بكير ، عن
ابن اسحاق ، قال : حدثنا عبد الله بن أبي بكر بن حزم ، عن العباس بن سهل
ابن سعد الساعدي ، أو عن العباس ، عن سهل بن سعد - الشكّ مني :
أنَّ رَسُولَ اللهِ : ﴿ حين مرَّ بالحجر ونزلها استقى الناس من بئرها ، فلما
راحوا منها ، قال رسول الله وَله للناس: لا تشربوا مِنْ مائها شيئاً، ولا تتوضؤوا
منه للصلاة ، وما كان من عجين عجنتموه فاعلفوه الإِبلَ ، ولا تأكلوا منه شيئاً ،
ولا يَخْرُجَنَّ أحدٌ منكم الليلة إلا ومعه صاحبُ لَهُ ، ففعل الناسُ ما أمرهم رسول
الله #، إلا رجلين من بني ساعدة: خَرَجَ أحدهما لحاجةٍ وخرج الآخر في
طلب بعيرٍ له ، فأما الذي ذَهَبَ لحاجته فانه خُيِقَ على مَذْهَبه ، وأمَّا الذي ذهب
في طلب بعيره فاحتملته الريح حتى طرحتْهُ بَجَبَلَيْ طيء ، فأخبِرَ بذلك رسول
الله ﴾، فقال : ألم أنهكم أن يخرج رجل منكم إلا ومعه صاحب له ، ثم دعا
الذي أصيب على مذهبه فَشُفَيَ، وأما الآخر فإنه وصل إلى رسول الله وَّ حين
قدم من تبوك .
قال عبد الله بن أبي بكر وقد سَعَّى لي العباس الرجلين ، ولكنه استودعني
إياهُما فأبى عبد الله أن يُسميهما لنا (١٠) .
(٩) البخاري في الصحيح عن سهل بن بكار في الزكاة ، (٥٤) باب خرص التمر، الحديث
( ١٤٨١)، فتح الباري (٣ : ٣٤٣ - ٣٤٤).
(١٠) رواه ابن هشام في السيرة (٤ : ١٣٤ - ١٣٥).
٢٤٠