Indexed OCR Text

Pages 121-140

أَنَّ رسولَ اللهِ: ﴿ لما فرغ من فتح مكة، جَمّع مالك بن عَوْف النصريُّ
بَنْ نصرٍ، وبني جُشَّمَ ، وبني سَعْدٍ بن بكرٍ ، وأوْزاعاً من بني هلالٍ، وهم
قليل ، وناساً من بني عمرو بن عامرٍ ، وعوف بن عامرٍ، وأَوْعَيَتْ مَعَهُ ثقيفٌ
الأحلاف، وبنو مالك، ثم سار بهم إلى رسول الله وَلتر، وساق معه الأموال
والنساءَ والأبناءَ، فلما سمع بهم رسول الله وَّهِ، بَعَثَ عبد الله بن أبي حَدْرَدٍ
الأسلمي ، فقال: اذهب فادخل في القوم حتى تعلم لنا من علمهم فدخل فيهم
فمكث فيهم يوماً او اثنين ثم أتى رسول الله وَ ﴿ فاخبره خَبَرُهُمْ ، فقال: رسول
الله ﴿ لعُمر بن الخطاب: ألا تسمع ما يقول ابنُ أبي حذْرَدٍ، فقال عمر رضي
الله عنه : كذب ، فقال: ابن أبي حْدَرَدٍ والله لئن كذبتني يا عُمَرُ لربَّمَا كَذَبتْ
بالحق، فقال عُمَرُ : ألا تسمّعُ يا رسول الله ما يقول ابن ابي حَذْرَدٍ فقال: ((قد
كنتَ یا عُمَرُ ضَالاً فهداك الله ».
ثم بعثَ رسول الله وَّ إلى صفوان بن أَميَّة، فسأله أُدْراعاً عنده مائة دِرْعٍ
وما يُصْلحها من عُدَّتَها ، فقال: اغصباً يا محمد فقال: بل عاديةٌ مضمونة حتى
نُؤديها عليك، ثم خرج رسول الله وَّه سائراً - زاد أبو عبد الله في روايته قال:
ابن إسحاق . حدثنا الزهري ، قال: خرج رسول الله و # الى حنين في ألفين من
مکة ، وعشرة آلافٍ كانوا معه فسار بهم(٣).
قال ابن إسحاق : واستعملَ رسولُ اللّهِ وَ ﴿ عَتَّبَ بن أُسِيد بن أبي العيصِ
ابن أمية بن عبد شمسٍ على مكة أميراً (٤).
وزاد أيضاً عن ابن اسحاق باسناده الأول أن مالك بن عوفٍ أقبلَ فيمن معه
ممن جمع من قبائِل قيس وثقيفٍ ، ومعه دُرَيْدُ بن الصمة شيخ كبير في شجار(٥)
(٣) رواه ابن هشام في السيرة (٤ : ٥٥).
(٤) ابن هشام . الموضع السابق .
(٥) شجار : برنة كتاب ، شبه الهودج إلا انه مفتوح الأعلى
١٢١

له يُعَادُ به حتى نزل الناسُ بأوطاسٍ (٦) فقال دُريد حين نزلوا بأوطاسٍ فسمع رُغاءَ
البعير(٧)، ونهيق الحمير(٨)، وبعار الشاءٍ(٩)، وبكاء الصغير: بأيّ وادٍ أنتم ؟
فقالوا: بأوطاسٍ، قال: يَعْمَ مجال الخيل، لاحَزْنٌ(١٠) ضَرِسٌ (١١) ولا سهلٌ (١٢) دِهِسٌ(١٣)
مالي أسمع رُغاءَ البعير-، وبكاء الصغير ، ونهيق الحمار، وبعار الشاءِ ؟
فقالوا : ساق مالك مع الناس أموالهُمْ وذراريهم ونساءهم . قال : فأين مالك ؟
فَدُعي مالك ، فقال يا مالك ! إنك قد أصبحت رئيس قومك ، وإن هذا يومٌ كائنٌ
له ما بَعْدَهُ من الأيام ، فما دعاك الى أن تسوقّ مع الناس أموالَهُمْ وأبناءهم
ونساءَهم ؟ ، قال : أردتُ أن أجعل خَلْفَ كل رجل أهله وأمواله (١٤) ليقاتل
عنهم ، قال : فانقضَّ(١٥) به دريدٌ ، وقال : يا راعي ضأَنٍ والله وهل يَرُدُّ وجه
المنهزم شيءٌ ؟ إنها إن كانت لك لم ينفعك إلا رجلٌ بسيفه ورمحه ، وإن كانت
عليك فُضِحْتَ في أهلك ومالِك فارفع الأموال والنساءَ والذراري الى علياءٍ قومهم
وممتنع بلادهم .
ثم قال دُريدٌ : وما فَعَلْتَ كعبٌ وكلابٌ؟ فقالوا : لم يخْضرَها منهم أحدٌ ،
(٦) أوطاس: واد في ديار هوازن، كانت فيه وقعة حنين ، وتسمى ايضاً عزوة اوطاس وانظر شرح
المواهب (٣ : ٥).
(٧) رُغَاءَ الإِبل - بضم الراء وبالغين المعجمة والمد: صوتها .
(٨) نَهّاق الحمير يضم النون وتخفيف الهاءً وبالقاف : صوتها .
(٩) يُعَارُ الشاء - بضم التحتية وبالعين المهملة المخففة وبالراء : صوتها
(١٠) الحزن - بفتح الحاء المهملة، وسكون الزاى، وبالنون: ما غلط من الأرض
(١١) الضرس - بكسر الضاد المعجمة، وسكون الراء، وبالسين المهملة: الأكمة الخشبة وفي الإملاء:
هو الموضع فيه ححارة محددة .
(١٢) السهل : ضد الحزن
(١٣) دهس - بفتح الدال المهملة، والهاء، وبالسين المهملة. والدهاس مثل الليث واللباث: المكان
السهل اللين الذي لا يبلغ ان يكون رملاً وهو تراب. ولا طين ، وفي الإملاء : لين كثير التراب
(١٤) في (حٍ): ((وماله)).
(١٥) (فانقض) = زجره كما تزجر الدابة
١٢٢

فقال : غاب الحدُّ والجِدُّ(١٦) لو كان يوم علاءٍ ورفعةٍ لم تغب عنه كعب
وكلابٌ، [ولَودِدْت لو فعلتم ما فعلتْ كعبٌ وكلابُ ](١٧) فمن حَضَرَها؟ فقالوا
عَمْر بن عامرٍ، وَعَوْف بن عامرٍ، فقال : ذانك الجذعَانِ(١٨) لا يضرَّان ولا
ينفعان ، فكّرِه مالك أن يكون لدُريد فيها رأيٌّ ، فقال : إنك قد كَبَّرْت وَكِرَ
علمك والله لَتُطِيعُنَّ يا معشر هوازن أوْ لَأَنَّكِئْنَّ على هذا السيف حتى يخرج من
ظهري ، فقالوا : أطعناك .
ثم قال مالك للناس إذا رأيتموهم فاكسروا جفوْنَ سيوفكم ثم شدّوا شَدَّةً
رجل واحدٍ(١٩) .
قال ابن اسحاق : حدثني أميّة بن عبد الله بن عمرو بن عثمان بن عفان أنه
حُدِّث أن مالك بن عوف بعث عُيُوناً ممن معه فأتوه وقد تقطعَتْ أوصالهم ،
فقال : ويلكم ! ما شأنكم ؟ فقالوا: أتانا رجالٌ بيضٌ على خَيل بُلْقٍ، فوالله ما
تماسكنا أن أصابنا ما ترى ، فما رَدَّهُ ذلك عن وجهه أن مضى على ما يُريدُ (٢٠).
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ ، وأبو بكر القاضي ، قال : حدثنا أبو
العباس : محمد بن يعقوب ، قال : حدثنا أحمد بن عبد الجبّار ، قال حدثنا
يونس بنُ بكيرٍ ، عن أبي جعفرٍ عيسى الرازي ، عن الربيع : أن رجلاً قال يوم
حنين لَنْ تُغْلب من قلة فشق ذلك على رسول الله صل#، فأنزل الله عز وجل(٢١)
(١٦) (الحد ) يريد الشجاعة والحدَّة.
(١٧) ما بين الحاصرتين سقط من (ح).
(١٨) (الجذعان ) = يريد انهما صعيفان بمنزلة الجدع في سنه .
(١٩) رواه ابن هشام في السيرة (٤: ٥٢ - ٥٣)، ونقله ابن كثير في التاريخ (٤: ٣٢٣).
(٢٠) سيرة ابن هشام (٤ : ٥٤).
٢١) في (ح) ((تعالى)).
١٢٣

﴿ويومُ حنين إذْ أعجبتكم كثرتكم﴾(٢٢) قال الربيع(٢٣) وكانوا اثني عشر ألفاً
منهم ألفان من أهل مكة .
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ وأبو بكر القاضي ، قالا : حدثنا أبو العباس :
محمد بن يعقوب ، قال : حدثنا أحمد بن عبد الجبار ، قال حدثنا يونس ، عن
ابن اسحاق ، عن الزهري ، عن سنان بن أبي سنان ، عن أبي واقد الليثيّ ،
وهو الحارث بنُ مَالكٍ ، قال .
خرجنا مع رسول الله وَله إلى حُنين وكانت لقريشٍ شجرةٌ خضراء عظيمة ،
(٢٢) [ التوبة - ٢٥ ].
(٢٣) اخرجه يونس بن بكير في زيادات المغازي عن الربيع بن أنس ، ونقله الصالحي في السيرة الشامية
(٥ : ٤٦٩) وأضاف :
وروى ابن المنذر عن الحسن قال : لما اجتمع أهل مكة وأهل المدينة قالوا : الآن نفاتل حين
اجتمعنا، فكره رسول الله( ما قالوا مما اعجبهم من كثرتهم، فالتقوا فهزموا حتى ما يقوم أحد
على أحد .
١
وروى أبو الشيخ والحاكم - وصححه ـ وابن مردويه والبزار عن أنس - رضي الله عنه - قال: لما
اجتمع يوم حنين أهل مكة واهل المدينة اعجبتهم كثرتهم فقال القوم : اليوم والله نقاتل، ولفظ
البرار، فقال غلام من الأنصار يوم حنين لن نغلب اليوم من قلة ، فما هو إلا أن لقينا عدونا فانهزم
القوم، وولوا مدبرين .
وروى محمد بن عمر عن ابن شهاب الزهري ، قال رجل من أصحاب رسول الله # لو لقينا مني
شيبان ما بالينا ، ولا يغلبنا اليوم احد من قلة . قال ابن إسحاق : حدثني بعض أهل مكة : ان
رسول الله ## قال حين فصل من مكة إلى حنين، ورأى كثرة من معه من جنود الله تعالى: ((لن
نغلب اليوم من قلة)»، كذا في هذه الرواية .
والصحيح أن قائل ذلك غير النبي # كما سبق .
قال ابن إسحاق : وزعم بعض الناس أن رجلاً من بني بكر قالها .
وروی محمد بن عمر عن سعيد بن المسيب۔۔ رحمه الله تعالی ۔ أن أبا بكر- رضي الله عنه - قال : یا
رسول الله لن نغلب اليوم من قلة كذا في هذه الرواية ، وبذلك جزم ابن عبد البر.
قال ابن عقبة : ولما اصبح القوم ونظر بعضهم إلى بعض ، أشرف أبو سفيان، وابنه معاوية ،
وصفوان بن أمية ، وحكيم بن حزام على تل ينظرون لمن تكون الدائرة .
١٢٤

يَأْتُونَها كل سنةٍ فيعلقون عليها سلاحهم ، ويعكفون عندها ، ويذبحون عندها ،
وكانت تسمى ذات أنواطٍ ، فمررنا بشجرةٍ عظيمة خَضْرَاء ، فتنادينا من جنبيّ
الطريق ، ونحن نسير إلى حُنين يا رسول الله اجْعَل لنا ذات أنواطٍ كما لهم ذاتَ
أنواطٍ، فقال رسول الله ◌َ ر: ((الله أكبر كما قال قوم موسى لموسى: اجْعَل لنا إِلَهاً
كما لهم آلهةٌ إِنَّهَا السَّنَنُ، لتأْخُذنْ سَنَّنَ من كان قبلكم))(٢٤) .
حدثنا أبو محمد عبد الله بن يوسف الأصبهاني املاءً ، قال : أنبأنا أبو
سعيد ، أحمد بن محمد بن زياد البصريُّ بمكة ، قال : حدثنا الحسن بنُ محمد
الزعفرانيُّ ، قال : حدثنا سفيان بن عيينة ، عن الزهري ، عن سنان بن أبي
سنانٍ، عن أبي واقد الليثي، أن رسول الله:﴿ حين أتى حنيناً مَرَّ بشجرةٍ
تَعَلِّق المشركون عليها أسلحتهم يقال لها ذاتُ أنواطٍ ، فقالوا : يا رسول الله
اجعل لنا ذات أنواطٍ كما لهم ذات أنواطٍ ، فقال : الله أكبر هذا كما قال قوم
موسى لموسى ﴿ اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهَةٌ﴾ (٢٥) لَتَرَكَبُنَّ سُنَنَ من كان قبلكم(٢٦).
أخبرنا أبو علي الروذباريُّ ، قال : أنبأنا أبو بكر بن دَاسَةً قال : حدثنا أبو
داود ، قال : حدثنا أبو توبة ، قال : حدثنا معاوية بن سلام عن زيد يعني ابن
سلَّامٍ أنه سمع أباسلامٍ ، قال: حدثنا السلولي أنه حدّثه سهل بن الحنظلية أنهم ساروا مع
رسول الله وَ﴿ يوم حُنينٍ فأطنبوا السِّير حتى كان عشيّة فحضرت صلاة الظُّهْرِ عند رسول الله
*، فجاء رَجِلٌ فارسٌ، فقال: يا رسول الله إني انطلقتُ بين أيديكم حتى طَلَعْتُ
جَبَلَ كذا وكذا، فإذا أنا بهوازن على بكرة آبائهم بظُعنهم ونَعَمِهِمْ وشائِهم
٠
(٢٤) رواه ابن هشام في السيرة (٤: ٥٦)؛ ونقله الحافظ ابن كثير في البداية والنهاية (٤: ٣٢٥).
(٢٥) [ الأعراف - ١٣٨ ].
(٢٦) أخرجه الترمذي في كتاب الفتن، (١٨) باب لتركبن سَنَّنّ من كان قبلكم، الحديث (٢١٨٠)، ص
(٤ : ٤٧٥).
١٢٥

اجتمعوا إلى حُنين، فتبسمَ رسول الله :﴿، وقال: تلك غنيمةُ المسلمين غَداً
إن شاءَ الله، ثم قال : من يحْرُسنا الليلة ؟ قال أنس بن أبي مَرْتَدٍ الغنوي : أنا ،
يا رسول الله، قال: فاركَبْ، فركب فرساً له، وجاء إلى رسولِ اللهِوَله، فقال
له رسول الله﴾: ((استقبل هذا الشعب حتى تكون في أعلاه، ولا تَغُرَّنَّ من
قِبَلَك الليلة)) فلما أصبحنا خرج رسول الله:﴿ إِلى مُصَلاَّهُ فركع ركعتين ثم
قال : هل أحسَسْتُمْ فارسكم ؟ قالوا : يا رسول الله ما أحسسناه ، فَثّوّب
بالصلاةِ، فجعل رسول الله # يصلي وهو يلتفت إلى الشعب حتى إذا قضى
صلاته وسلم قال: ((أبشروا فقد جاءكم فارسكم))، فجعلنا ننظر إلى
الشجرة (٢٧) في الشعب فإذا هو قد جاءً حتى وقف على رسول الله# فسلم ،
فقال : إني انطلقتُ حتى كنتُ في أعلىْ هذا الشعب حيثُ أمرني رسول
الله ﴿، فلما أصبحتُ طلعتُ الشَّعْبين كليهما فنظرتُ فلم أَرَ أحداً، فقال له
رسول الله: ((هل نزلت [الليلة](٢٨)؟)) قال: لا إلَّ مُصَلياً أو قاضي
حاجةٍ. فقال له رسول الله وله: ((قد أَوْجبت فلا عليك أَلَّ تعمل بَعْدَهَا))(٢٩).
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ ، وأبو بكر القاضي قالا : حدثنا أبو العباس :
محمد بن يعقوب ، قال : حدثنا أحمد بن عبد الجبار ، قال : حدثنا يونس بن
بكير ، عن ابن اسحاق ، قال : حدثنا عاصم بن عُمر بن قتادة ، عن عبد
الرحمن بن جابر، عن أبيه جابر بن عبد الله ، قال فخرج مالك بن عوف بمن
(٢٧) في (ح): ((خلال الشجر)).
(٢٨) ليست في (ح).
(٢٩) أخرجه أبو داود في كتاب الجهاد ، باب في فضل الحرس في سبيل الله تعالى ، الحديث
(٢٥٠١)، ص (٣: ٩ - ١٠)، من طريق أبي توبة، عن معاوية بن سلام، عن زيد بن
سلام ..
ونقله الحافظ ابن كثير في التاريخ (٤: ٢٢٥ - ٢٢٦)، وقال: ((وهكذا رواه النسائي عن محمد
ابن يحيى، عن محمد بن كثير الحراني ، عن أبي توبة : الربيع بن نافع .
١٢٦

معه الى حنين ، فسبق رسول الله وَ﴿ فأعدُّوا، وتهيؤا في مضايق الوادي
وأحنائه(٣٠) وأقْبِلَ رسول الله وَّ وأصحابه فانحطُّ بهم الوادي في عَماية
الصُّبْحِ(٣١) فلما انحطَّ الناسُ ثارَتْ في وجوههم الخيلُ فشدَّت عليهم وانكفأُ
الناسُ منهزمين لا يقبل أَحدُ على أَحَدٍ، وانحازّ رسول الله وسلّم ذات اليمين
يقول : أيُّها الناس هلّموا إليَّ أنا رسول الله ، أنا رسول الله أنا محمد بن عبد
الله، فلا شيء، وركَبَتْ الأبلُ بعضها بعضاً، فلما رأى رسول الله وَّهِ أَمْرٌ
الناس ومعَهُ رَهْطٌ من أهل بيته، ورهطٌ من المهاجرين، والعباسُ آخِذٌ بحكمة (٣٢)
بغلته البيضاء وهو عليها قد شجَرَها ، قال : وثبتَ مَعَهُ من أهل بيتهٍ : علي بن
أبي طالبٍ ، وأبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب ، والفَضْلُ بنُ عباسٍ ،
وربيعة بن الحارث بن عبد المطلب ، وأيمن بن أم أيمن وهو ابن عبيدٍ ، وأسامة
ابن زيد، وثبت معه من المهاجرين : أبو بكرٍ، وعمرُ(٣٣)، ورجلٌ من هوازِنَ
على جمل له أحمر بيده رايةٌ سودَاءُ على رأس رمحٌ لَهُ طويل أمامَ هوازن ،
وهوازن خَلْفَهُ إذا أدرك الناسَ طعن برمحه ، وإذا فاته الناسُ رفع رمحه لمن وَراءَه
فاتبعوه[ فبينما هو كذلك إذ هوى له علي بن أبي طالب ، ورجل من الأنصار
يريدانه ، فأتاه علي بن أبي طالب من خلفه فضرب عرقوبي الجمل ، فوقع على
(٣٠) (أحناؤه): جوانبه .
(٣١) عماية الصبح: ظلامه قبل أن يتين .
(٣٢) الحكمة : ما أحاط بحنك الفرس من لحامه .
(٣٣) وذكر النووي أن الذين ثبتوا مع رسولِ الله - ◌َ﴾ - آثما عشر رجُلاً، ووقع في شعر العَّاسِ من عد
المطلب - رضي الله عنه - أن الذين ثتوا معه كانوا عشرةً فقط ، وذلك لقوله :
وقد فرم قد فرَّ عَنْه فأقشعوا
نَصَرْنًا رَسُولَ اللهِ فِي الْحَرْب تسعة
لِمَّا مَسَّهُ فِي اللهِ لَا يَتَوَجِّعُ
وَعَاشِرُنَّا لَآَقى الْحِمَّامَ يَفْسِهِ
قال الحافظ : ولعلَّ هذا هو الأثبت ، ومن راد على ذلك يكون عحلّ في الرجوع فعُدُّ فيس لم
ینهزم .
١٢٧

عجزه ، ووثب الأنصاري على الرجل فضربه ضربةٌ أُطنَّ قدمه بنصف ساقه ،
فانجعف عن رحله ، واجتلد الناس فوالله ما رجعت راجعة الناس من هزيمتهم
حتى وجدوا الأسرى مكتفين عند رسول الله (وملء](٣٤). فلما انهزم من كان مع
رسول الله﴿ من جُفاةٍ أهل مكة، تكلّمَ رجال منهم بما في أنفسهم مُنِ
الضُّغْنِ، فقال أبو سفيان بن حرب: لا تنتهي هزيمتهم دون الْبُحُوْرِ، وإِنَّ
الأزلام لمَعهُ في كنانته .
وزاد أبو عبد الله في روايته باسناده عن ابن اسحاق قال : حدثنا عبد الله
ابن أبي بكرٍ بن حزم، قال : سَارَ أبو سفيان بن حرب مع رسول الله وَ# إلى
حُنين وأنه ليظهر الإِسلام ، وإِنَّ الأزلام التي يستقسم بها لفي كنانته .
قال ابن اسحاق وصرخَ كلّدَة بن الحنبل وهو مع أخيه صفوان بن أمية وكان
أخاه لأيّهٍ وصفوانُ يومئذ مشرٌ: أَلَّا بَطَلَ الَّحْرُ اليوم، فقال صفوان اسكتْ
فضَّ اللّه فَاكَ ، فوالله لَأَنْ يَرُبَّنِيْ رجل من قريشٍ أَحَبُّ إليٍّ من أن يَرُبَّني رجل
من هوازن .
قال حَسَّان :
رَأَيتُ سواداً من بعيدٍ فراعني إذَا حَنْبَلٌ يَنْزَوْ على أم حَنْبَلٍ (٣٥)
قال ابن اسحاق : وقال شيبة بن عثمان بن أبي طلحة أخو بني عبد الدار
اليوم أدرك تَأْري - وكانَ أبوه قُتِلَ يوم أحدٍ - اليوم اقتل محمداً فأردت برسول
الله ◌َّ لُأَقْتله فأقبل شيء حتى تغشّى فؤادي فلم أطق ذلك، فعرفت أنه
ممنوعٌ(٣٦).
(٣٤) ما بين الحاصرتين تكملة للخبر من سبل الهدى ( ٥ : ٤٧١).
(٣٥) رواه ابن هشام في السيرة (٤ : ٥٨).
(٣٦) مغازي الواقدي (٣ : ٩١٠).
١٢٨

أخبرنا أبو عبد الله وأبو بكر القاضي قال : حدثنا أبو العباس ، قال : أنبأنا
أحمد قال : حدثنا يونس عن ابن اسحاق ، قال : حدثنا عاصم بن عُمّر بن
قتادة، عن عبد الرحمن بن جابرٍ، عن أبيه جابر بن عبد الله، ان رسول الله وَل خد
قال يوم حنين حين رأى من الناس ما رأَى: يا عبَّاسُ! اصْرُخْ يا معشر الأنصار يا
أصحاب السَّمُرَةِ ، فأجابوه : لبيك لبيك ، فجعل الرجل منهم يَذْهب ليعطِفَ
بَعِيرُ فلا يقدِرُ على ذلك ، فيقذف دِرْعه من عُنقه ، ويأخُذُ سيفهُ وقوسَهُ ثم يَوْمُ
الصَّوت حتى اجتمع الى رسول الله وَلهر منهم مائةٌ، فاستعرضوا الناس فاقتتلوا
فكانت الدعوةُ أول ما كانت بالأنصار، ثم جُعلت آخِراً بالخزرج ، وكانوا صُبَّراً
عند الحرب وأَشْرفَ رسول اللّهِ وَّ في ركائبهِ فنظرَ الى مجتلد(٣٧) القوم، فقال:
((الآن حمي الوطيس)) قال: فوالله ما رجَعَتْ راجعةُ الناسِ إلَّ والأسارى عند
رسول اللّه * مكتفون فقتل الله ما قتل مهم وانهزم من انهزم منهم وأفاء الله على
رسوله : أموالَهُمْ، ونساءهُمْ ، وأبناءُهُمْ .
أخبرنا أبو عبد اللّه الحافظ ، قال : أنبأنا أبو جعفر البغدادي قال : حدثنا
أبو عُلاثة : محمد بن عمرو بن خالد ، قال : حدثنا أبي ، حدثنا ابن لهيعة ،
عن أبي الأسود ، عن عروة بن الزبير .
(ح) وأنبأنا أبو الحسين بن الفضل القطانُ ببغدادَ واللفظ له ، قال : أنبأنا
أبو بكر بن عتاب العبديُّ ، قال : حدثنا القاسم بن عبد الله بن المغيرة ، قال :.
حدثنا اسماعيل بن أبي أويس ، قال : حدثنا اسماعيل بن إبراهيم بن عقبة عن
عمه موسى بن عقبة ، قال :
ثم خرج رسول اللّهوي عامداً لحُنينٍ وكان أهل حنين وفي رواية عُرْوَةً أهل
مكة يظنون حين دنا منهم رسول الله ير أنه بادىء بهم، وفي رواية عروة بادی}
-
(٣٧) ( مجتلد القوم ) . موضع جلادهم .
١٢٩

بهوازْنَ، وصَنْع الله عز وجل لرسوله ﴿ أحسّنَ من ذلك ، فتح الله له مكة ،
وأقَرُّ بها عَيْنَهُ ، وكَبَتْ بها (٣٨) عدوّهُ .
فلما خرج رسول الله ﴿ إلى حُنين خرج معه أهل مكة لم يتغادر منهم
أحدٌ: ركباناً، ومشاةً حتى خرج معهُ النساءَ يمشين على غير دِينٍ ، نُظَاراً
ينظرون، ويرجون الغنائم، ولا يكرهون الصَّدمة لرسوله و # وأصحابه ، وفي
رواية عُروة ولا يكرهون مع ذلك أن تكون الصدمة برسول الله الا وأصحابه .
قال موسى : وجعل أبو سفيان بن حَرْبٍ كلما سقط ترسّ أو سيف من متاع
أصحاب رسول الله # نادى رسول الله ﴿ أَنْ أَعْطُونيه أحمله حتى أوْقَرَ جَمَلَهُ.
زاد موسى: وسَار صفوان بن أمِيَّة مع رسول الله وََّ ، وهو كافرٌ وامرأته
مسلمةٌ ، فلم يفرّق رسول الله وَّي بينه وبين امرأته ، ثم اتفقا في المعنى .
قال موسى ؛ ورأسَ المشركين يومئذٍ من أهل حنين مالك بن عوف
النَّصري ومعه دريد بن الصُّمة ينعش من الكبر .
وفي رواية عروة : يُرْعَشُ أو يُنْعَشُ من الكبر .
قال موسى : ومعهم : النساءُ، والذراري، والنَّعَمُ، والنساءُ، فدَعَا
رسول اللهَ﴾ [عبد الله ](٣٩) بن أبي حَدْرَدٍ الأسلمي، فأرسله إلى عسكر القوم
عيناً، فخرج حتى ذنًا من مالك بن عوفٍ لَيْلاً ، فسمع مالكاً وهو يوصي
أصحابه ، يقول: إذا أصبحتم فاحملوا على القوم حملةَ رجلٍ واحدٍ ، واكسروا
أغماد السيوف ، واجعلوا مواشيكم صفاً ونساءكم صفا، ثم احملوا على القوم .
وإن ابن أبي حَدْرَدٍ أتى رسول اللّهِوَ﴿ فأخبره الخبر، فدعا رسول اللّهِ وَّ
(٣٨) في (أ): ( به )).
(٣٩) ليست في (أ) .
٢
١٣٠

عمرَ بن الخطاب ، فقال : اسمع ما يقول ابن أبي حَدْرَدٍ ، فذكر ما جَرى
بينهما كما مضى .
قال : فلما أصبح القوم ونظر بعضهم إلى بعض اعتزل أبو
سفيان [ وصفوان ومعاوية بن أبي سفيان](٤٠) وحكيم بن حِزامٍ وَرَاءَ تلٍّ ينظرون
لمن تكون الدُّبْرَةَ. وصَفَّ الناس بعضهم لبعضٍ وركّبَ رسول اللهِ وَّ بغلة له
شهباء ، فاستقبل الصفوف فأمرهم وحَضَّهم على القتال، وبشَّرَهم بالفتح إن
صبروا ، وصدقوا فبينما هم على ذلك حمل المشركون على المسلمين حملة
رجلٍ واحدٍ ، فجال المسلمون جولة ، ثم ولَّوْا مدبرين ، فقال حارثة بن
النعمان: لقد حزّرْتُ مَنْ بقي مع رسول الله :﴿ حين أدبر الناسُ فقلتُ مائةُ
رجلٍ ، ومَرَّ رجل من قريش على صفوان بن أمية ، فقال : ابشر بهزيمة محمد
وأصحابه فوالله لا يَجْتبرونها أبداً، فقال له صفوان : أتبشرني بظهور الأعراب ، فوالله
لربِّ من قريش ، أحَبُّ إليَّ من رَبِّ من الأعراب .
زاد عروة : وغَضِب صفوان لحسبِهِ .
قال موسى : وبعثَ صفوان بن أمِيَّة غلاماً له، فقال: اسمَعْ لمن الشعَارُ
فجاءه الغلامُ ، فقال : سمعتهم يقولون يا بني عبد الرحمن يا بني عبد اللّه يا بني
عُبيد الله فقال ظهرَ محمدٌ وكان ذلك شعارهم في الحرب وأن رسول اللّهوص#ٍ لما
غشيّه القتال قام في الركابين وهو على البغلة ويقولون : فرفع يديه الى الله تعالى
يدعوه، يقول: اللهم إني أنشدك ما وعدتني، اللهم لا ينبغي لهم أن يظهروا
علينا))، ونادى أصحابَهُ وذَعَّرَهم : يا أصحاب البيعة يوم الحديبية! الله، الله،
الكرَّة على نبيكم ، ويقال : قال يا أنصار الله ! وأنصار رسوله ، يا بني الخزرج ،
وأمَرَ من أصحابه من يُناديهم بذلك، وقبض قبضة من الحصاء فحصبَ بها وجوه
(٤٠) ما بين الحاصرتين ليس في (ح) .
١٣١

المشركين ونواحيهم كلها وقال : شاهت الوجوه ، وأقبل اليه أصحابه سِرَاعاً يقال
انهم يبْتدرون، وقال يا أصحاب سورة البقرة، وزعموا أن رسول الله وَلو قال:
الآن حَمِيَ الوطيس، فهزم الله أعداءهُ من كل ناحية حَصَبهمْ فيها رسول
الله ◌َّ، واتبعهم فيها المسلمون يقتلونهم وغنّمَهم الله نساءهم ، وذراريهم ،
وشاءهم .
وفرّ مالك بن عوف ، حتى دخل حصن الطائف في ناسٍ من أشراف قومه
وأسلم عند ذلك ناسٌ كثير من أهل مكة حين رأوا نصر الله عز وجل رسولهُ صلى
الله عليه وسلم ، واعزازه دينه .
هذا لفظ حديث موسى بن عقبة وليس في رواية عروة قيامه في الركابين ولا
قوله : يا أنصار الله، وقال في الحَصْباءِ فَرَمَى من بين يديه ومن خلفه وعن يمينه
وعن شمَالِهِ لَا يَرْمي ناحيةً الا انهزموا وانهزم المشركون وعطف أصحابُ رسول
اللهِ وَّ حين هزمهم الله، واتبعهم المسلمون فذكره(٤١).
وهذا الذي ذكره أهل المغازي في رمي رسول الله وَّر وجوه المشركين وما
ظهر في ذلك من آثار النبوة موجود في الأحاديث الموصولة (٤٢).
(٤١) رواية موسى بن عقبة ذكرها ابن عبد البر باختصار شديد في الدرر (٢٢٦).
(٤٢) وستأتي بعد قليل ، وفي جُمَّاع أبواب دلائل النبوة .
١٣٢

باب
ثبوت النبي ◌َل﴿ واستنصاره رَبَّهُ ودعائه على المشركين .
أخبرنا أبو بكر بن الحسن بن فورك - رحمه الله - قال : أخبرنا عبد الله بن
جعفر الأصبهاني ، قال : حدثنا يونس بن حبيب ، قال : حدثنا أبو داود ، قال
حدثنا شعبة ، وعُمَّرَ بن أبي زائدة ، عن أبي إسحاق ، قال : سمعتُ البراء وقال
له رجل: يا أبا عُمَارة أفررتم عن رسول الله و# يوم حنين ، فقال البراء : لكن
رسول الله وَ﴿ لم يَفِرّ ، إن هوازِنَ كانوا قوماً رماة ، فلما لقيناهم وحملنا عليهم
انهزموا ، فأقبل الناس على الغنائم ، فاستقبلونا بالسهام ، فانهزم الناسُ ، فلقد
رَأَيْتُ رسولَ الله وَ﴾ يومئذٍ وأبو سفيان بن الحارث آخذٌ بلجام البغلة ، ورسول
اللهِ وَ لّ على بغلته البيضاء، والنبي ◌َّه، يقول:
أنا النبي لا كذب أنا ابن عبد المطلب
اخرجاه في الصحيح من حديث شعبة بن الحجاج(١).
(١) أخرجه البخاري في : ٥٦ - كتاب الجهاد، (٥٢) باب من قاد دابّةً في الحرب ، الحديث
( ٢٨٦٤)، فتح الباري (٠٦ ٦٩)، وأعاده بعده في باب بغلة النبي البيضاء ، الحديث
(٢٨٧٤)، فتح الباري (٦ : ٧٥)، وفي المغازي، (٥٤) باب قوله تعالى: ﴿ويوم
حنين ... ﴾ [٢٥ - التوبة]، الحديث (٤٣١٥)، فتح الباري (٨: ٢٧).
وأخرجه مسلم في : ٣٢ - كتاب الجهاد والسير، (٢٨) باب في غزوة حنين، الحديث (٧٨)، ص
(١٤٠٠٠٣ ).
١٣٣

وأخبرنا أبو عبد الله الحافظ ، قال: حدثنا أبو عبد الله محمد بن يعقوب
إملاءً، قال: حدثنا يحيى بن محمد بن يحيى ، واسماعيل بن قتيبة، ومحمد بن
عبد السلام ، قالوا : حدثنا یحیی بن یحی (ح) .
وأنبأنا ابو الحسن العلاء بن محمد بن أبي سعيد الاسفرائيني، قال: انهأنا
بشر بن أحمد بن بشر الاسفرائيني، قال: حدثنا إبراهيم بن علي الذهلِيُّ، قال:
حدثنا يحيى بن يحيى ، قال: انبأنا أبو خيثمة ، عن أبي اسحاق، قال قال رجل
للبرآءِ ابا عمارة ألستم فررتم يوم حنين؟ قال: لا والله ما ولى رسول الله (ص#،
ولكن خرج شُبَّانُ أصحابهم وخفافهم حُسَّراً ، ليس عليهم سلاح أو كبيرُ سلاحٍ ،
فلقوا قوماً رُمَاةً ، لا يكاد يسقط لهم سَهْمٌ ، جَمْعَ هوازِن ، وبني نصرٍ ،
فرشقوهم رشقاً ، ما يكادون يخطئون، وأقبلوا هناك إلى رسول اللّه و # ، ورسول
الله ◌َ﴿ على بغلته البيضاء، وأبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب يقودُ به ،
فنزل واستنصر، وقال :
انا النبي لاكذب انا ابنُ عبد المطلب
فصفّهم (٢) رواه الخاري(٣) في الصحيح ، عن عمرو بن خالدٍ ، عن زهير
ابن خيثمة .
رواه مسلم عن یحیی بن یحیی(٤).
وأخبرنا أبو عبد الله الحافظ ، قال : حدثنا أبو عبد الله محمد بن يعقوب ،
قال : حدثنا الحسن بن سفيان ، قال: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ، قال : حدثنا
(٢) في البخاري: (( ثم صفَّ أصحابه».
(٣) البخاري ، عن عمرو بن خالد الحرّاني، عن زهير، في : ٥٦ - كتاب الجهاد ، (٩٧) باب م
صفّ أصحابه عن الهزيمة ، الحديث (٢٩٣٠)، فتح الباري (٦ : ١٠٥).
(٤) أخرجه مسلم في : ٣٢ - كتاب الجهاد والسير، (٢٨) باب في غزوة حنين ، الحديث (٧٨)، ص
( ٣ : ١٤٠٠) .
١٣٤

أبو اسامة، عن زكريا بن أبي زائدة ، عن أبي إسحاق، قال قال رجل للبرآءِ
أكنتم وليتم(٥) يوم حُنين يا أبا عمارة؟ فذكر معنى هذا الحديث يزيد وينقص،
وقال في آخره: فنزل رسول الله وَّةٍ فَدَعاهُ واستنصر وهو يقول :
أنا ابن عبد المطلب(٦)
انا النبي لا كذب
اللهم نزّل نصرك ، قال: وكنا والله إذا حمي البأسُ نتقي به ، وان الشجاع
الذي يحاذي به .
أخرجه مسلم في الصحيح من حديث عيسى بن يونس عن زكريا(٧).
ورويناه في حديث شبابة بن عاصم السُّلمِيّ ان النبي ◌ٍَّ قال يوم حنين أنّا
(٥) قال الصالحي في السيرة الشامية (٥ : ٦١٠).
تصّمِّنَ قولُ السَّائِلُ لِلْبَرَاءِ في الرواية الثانية أَوَلَيْتُم مع رسول الله:﴾ وفي الثالثة أَفررتُم مع رسول
الله ﴾ وقول البراء رضي الله عنه، فأشهد على رسولِ الله ﴾ أنه لم يَوُلّ، وقوله في الرّوايةِ الثانية
((لَكِنَّ رَسُولَ اللهِلَ﴾ لم يقر إِثبات الفرار، لكن لا على طريق التّعْمِيم، وأَراد أَنَّ إِطلاق السّائل
يشمل الجميع حتّى النبي # بظاهر الرِّواية الثانية ، ويمكن الجمع بين الثَّانية والثّالثة محملٍ المعية
على ما قبل الهزيمة فبادر إلى أستثنائه ، ثم أوضح ذلك وختم حديثه بأنه لم يكن أحدٌ يومئذ أَشد من
رسول الله﴾ ويحتمل أن السراء فَهِمْ أَنَّ السائل اشته عليه حديث سلمة بنِ الأكوع، ومررتُ
برسولِ اللهِ﴾ مُنْهِزِماً، فلذلك حَلَفَ البراءَ أَنَّ النبيِ ﴾ لم يُوَلَّ، ودلّ على أَن مُنْهَزِماً حال من
سَلَمَة ، ولهذا وقع في طريق أُخرِى (( ومَرَرْتُ عَلَى رسول اللهِ وَلَ هُمْهرماً وَهُوَ على بَغْلِهِ)) فقال: لقد
رأى ابن الأكوع فزعاً، ويحتمل أن يكون السائل أخذ العُمُومَ من قوله تعالى: ﴿ ثُمَّ وَلَيْتُم مُذْبِرِين ﴾
فبّن البراءَ أَنْه من العُموم الَّذِي أُريد به الخُصوص .
(٦) انتسب إلى عبد المطلب دُون أبيه عبد الله لشهرة عبد المطلّب بين النّاس لِمَا رُزِقٌ مِنْ نَّبَاهَةِ الذِّكر
وطول العمر ، بخلاف عبد الله فإنه مات شابًّا ولهذا كان كثيرٌ من العرب يدعونه ابن عبد المطلب كما
في حديث حماد في الصحيح وقيل لأنه كان اشتهر بين الناس أنه يخرج من ذرية عبد المطلب رجل
يدعو إلى الله ويهدي الله تعالى الخلق على يديه، ويكون خاتم الأنبياء ، فأنتسب ليتذكر ذلك من كان
يعرفه ، وقد اشتهر ذلك بينهم ، وذكره سيفُ من ذي يزن قديماً لعبد المطلب قبل أن يتزوَّج عبد الله
آمنة وأراد تنبيه أصحابه بأنه لا بُدَّ من ظهوره، وإن العاقبة له لتقوى قلوبهم إذا عرفوا أنه ﴾
ثابت غير منهزم .
(٧) أخرجه مسلم في الموضع السابق ، الحديث (٧٩)، ص (٣: ١٤٠١ ) عن أحمد بن جناب
المصصي ، عن عيسى بن يونس ، عن زكريا ، عن أبي إسحاق السبيعي .
١٣٥

ابن العواتك .
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ ، قال: حدثنا أبو العباس : محمد بن يعقوب،
قال: حدثنا إبراهيم بن سُليمان البُرُلَّسيُّ ، قال: حدثنا محمد بن الصَّبَّاحِ ، قال
حدثنا هُشيم، عن يحيى بن سعيد ، عن عمرو بن سعيد بن العاص ، قال:
انبأنا شبابَةُ أن رسول الله وَّر، قال يوم حنين: أنا ابن العَواتِكِ وقد قيل عن
هُشيم عن يحيى بن سعيد بن عَمْرٍو بن سعيد بن العاص .
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، قال: انبأنا ابو عبد الله محمد بن محمد بن
عبيد اللّه الجرجانيُّ قال أنبأنا محمد بن إسحاق بن إبراهيم قال حدثنا قتيبة بنُ سعيد قال
حدثنا أبو عوانة عن قتادة: أن رسول اللّهِ وَّ ر قال في بعض [المغازي](٨) انا ابن
العواتك(٩) .
قال قتيبة : كان للنبي ◌َّ ثلاث جَدَّات من سُليم اسمُهُنَّ عاتكةُ فكان إذا
افتخر قال انا ابنُ العواتك(١٠).
قلت : بلغني أن إحداهن أم عبد مناف ، والأخرى أم هاشم ، والثالثة
جَدَّتَهُ مِن قَبَلِ زُهْرَةً.
(٨)] الزيادة من (ح) .
(٩) أخرجه سعيد بن منصور، والطبراني في الكبير، عن شبابة بن عاصم ، وأشار إليه السيوطي
بالصحة. (١٠) قال المنذري في فيض القدير (٣: ٣٨): ( أنا ابن العواتك) جمع عاتكة ( من
سلیم ) قال في الصحاح ثم القاموس العواتك من جداته تسع وقال عیره کان له ثلاث جدات من سليم
كل تسمى عاتكة وهنّ عاتكة بنت هلال من فالج بالجيم بن ذكوان أم عبد مناف وعاتكة بنت مرة بنت
هلال بن فالح أم هاشم وعاتكة بنت الأوقص بن مرة بن هلال أم وهب أبي آمنة وبقية التسع من غير
ہي سلیم قال الحليمي لم يرد بذلك فخراً مل تعريف مازل المذكورات ومنازلهنّ کمن يقول كان أبي
فقيهاً لا يريد به إلا تعريف حاله ويمكن أنه أراد به الإشارة بنعمة الله في نفسه وآبائه وأمهاته قال
بعضهم وينو سليم تفخر بهذه الولادة وفي رواية لابن عساكر أنا ابن الفواطم وهذا قاله يوم حين قاله
في الروض وعاتكة اسم منقول من الصفات يقال امرأة عاتكة وهي المصفرة بالزعفران والطيب وفي
القاموس العاتك الكريم والخالص من الألوان وقال ابن سعد العاتكة في اللغة الطاهرة ، قال
الهيثمي : رجاله رجال الصحيح وقال الذهبي كابن عساكر في التاريخ احتلف علي هشيم فيه .
١٣٦

باب
رمي النبي ◌َّقه وجوه الكفار والرعب الذي ألقي في قلوبهم ، ونزول
الملائكة وما ظهر في كل واحدٍ من هذه الأنواع من آثار النبوة
حدثنا أبو عبد الله الحافظ ، املاءً ، قال: حدثنا أبو العباس : محمد بن
يعقوب ، قال: حدثنا محمد بن عبد الله بن عبد الحكم ، قال : انبأنا ابن وهب
(ح ).
وأنبأنا أبو عبد الله الحافظ ، قال : انبأنا أبو عبد الله محمد بن يعقوب،
قال: حدثنا محمد بن اسماعيل ، قال: حدثنا أبو الطاهر، قال: انبأنا ابن
وهب ، قال: اخبرني يونس ، عن الزهري، قال: حدثنا كثير بن العباس بن عبد
المطلب [قال](١): قال العباس: شهدتُ مع رسول الله وََّ حنين، فَزِمتُ أنا
وأبو سُفان بن الحارث(٢) بن عبد المطلب رسول الله ﴿، فلم نُفَارقه، ورسولُ
الله ◌َ﴾، على بغلة [ له بيضاء (٣) أهداها له فَرْوَة بن نفاثة الجذاميُّ، فلما التقى
المسلمونُ والكفار، ولى المسلمون مدبرين، فطقّ رسول الله :﴿ يَرْكضُ
(١) الزيادة من (ح ) .
(٢) (أبو سفيان بن الحارث) أبو سفيان هذا هو ابن عم رسول الله :# . قال جماعة من العلماء : اسمه هو
كنيته . وقال آخرون : اسمه المغيرة .
(٣) (على بغلة له بيضاء) كذا قال في هذه الرواية ورواية أخرى بعدها إنها بغلة بيضاء . وقال في آخر
الباب على بغلته الشهباء، وهي واحدة قال العلماء : لا يعرف له # بغلة سواها ، وهي التي يقال
لها : دلدل .
١٣٧

بغلته(٤) قِبَل الكفار. قال عباسٌ: وأنا آخذ بلجام بغلة رسول الله (وَ](٥) أكفّها
ارادة ان لا تُسْرِعَ، وأبو سفيان آخِذٌ بركاب رسول الله وَله [ فقال رسول الله
#](٦): اي عباس"! نادٍ أصحاب السَّمُرة(٧) فقال عباسٌ: وكان رجلاً صَيْتًا (٨)
فقلت باعلا صوتي أي أصحاب السَّمرة ! قال : فوالله لكانما عْطفّتُهُمْ حين
سمعوا صَوْتِي عَطْفَهُ البقرِ على اولادها(٩)، فقالوا : يا لبيكاه ! يالبيكاه ! فاقتتلوا
هم والكفار(١٠) والدعوة في الانصار(١١) يقولون: يا معشر الانصار! يا معشر
الانصار ! ثم قُصِرَتِ الدعوةُ على بني الحارث بن الخزرج ، فقالوا يا بني
الحارث بن الخزرج، يا بني الحارث بن الخزرج :! فنظر رسول الله وخل* وهو
(٤) (يركض بغلته) أي يضربها برجله الشريفة على كبدها لتسرع.
(٥) ما بين الحاصرتين سقط من الأصول، وأثبتناه من صحيح مسلم (٣ : ١٣٩٨).
(٦) ليست في الأصول ، وأثبتها من صحيح مسلم .
(٧) ( أصحاب السمرة ) هي الشجرة التي بايعوا تحتها بيعة الرصوان ومعناه : ناد أهل بيعة الرضوان
يوم الحديبية .
(٨) (صيّا) أي قويّ الصوت. ذكر الحازميّ في المؤتلف أن العباس رضي الله تعالى عنه كان يقف
على سلع فينادي غلمانه في آخر الليل ، وهم في العابة ، فُيُسمعهم . قال : وبين سلع والغابة ثمانية
أميال .
(٩) ( لكأن عطمتهم حين سمعوا صوتي عطفة المقر على أولادها): أي عودهم لمكانتهم وإقبالهم
إليه # عطفة البقر على أولادها . أي كان فيها انجذاب مثل ما في الأمَّات حين حنّت على الأولاد.
قال النوويّ قال العلماء. في هذا الحديث دليل على أن مرارهم لم يكن بعيداً. وأنه لم يحصل
الفرار من جميعهم ، وإنما فتحه عليهم من في قلبه مرض من مسلمة أهل مكة المؤلفة ومشركيها
الذين لم يكونوا أسلموا ، وإنما كانت هزيمتهم فجأة لانصبابهم عليهم دفعة واحدة ، ورشقهم
بالسهام ولاختلاط أهل مكة معهم ممن لم يستقر الإيمان في قلبه وممن يتربص المسلمين
الدوائر. وفيهم نساء وصيان خرجوا للغنيمة ، فتقدم أخفاؤهم . فلما رشقوهم بالسل ولوا فانقلبت
أولاهم على أخراهم . إلى أن أنزل الله سكينته على المؤمنين ، كما ذكر الله تعالى في القرآن
(١٠) (والكفار) هكذا هو في النسخ . وهو بصب الكفار . أي مع الكفار
(١١) (والدعوة في الأمصار) هي يفتح الدال . يعني الاستغاثة والمناداة إليهم .
١٣٨

على بغلته كالمتطاول عليها الى قتالهم فقال رسول اللّه ويقول: الآن حمي
الوطيس (١٢) قال ثم اخذ رسول اللّه ◌َ لقل حصيات فرمى بهن في وجوه الكفار ثم
قال إنْهَزَمُوا ورب محمدٍ قال فذهبتُ انظرُ فإذا القتال على هيبة فيما ارى قال
فوالله ما هُوّ الا أُنْ رماهم رسول اللهِ وَهَ بحصياته فما زلت ارى حَدَّهُمْ كليلا (١٣)
وأمرهم مدبِّراً .
لفظ حديث إبن عبد الحَكّم ، رواه مسلم في الصحيح عن أبي
الطاهر(١٤).
وأخبرنا ابو عبد الله الحافظ ، قال : أنبأنا أبو الفضل بن إبراهيم، قال:
حدثنا أحمد بن سلمة ، قال : حدثنا اسحاقُ ومحمد بن رافعٍ عن عبد الرزاق ،
قال : أنبأنا معمر، عن الزهري : بهذا الإِسناد نَحْوَهُ غير انه قال: فَرْوة بنُ نَعَامَة
الجذامي ، وقال: إِنَّهَزَمُوْا وَرَبِّ الكعبة .
١
وزاد في الحديث حتى هزمهم اللَّهُ قال فكأني أنظر إلى النبي مَّه يركضُ
خلفهم على بغلته .
قال الزهريُّ : وكان عبد الرحمن بنُ أزهرَ يحدث أن خالد بن الوليد بن
المغيرة خرج يومئذٍ وكان على الخيل خيل رسول الله # قال إبن أزهرَ: ثم رأيتُ
النبي * بعد ما هَزّم اللَّهُ الكفار ورجع المسلمون إلى رجالهم يمشي في
(١٢) (هذا حير حمي الوطيس) قال الأكثرون: هو شبه تنور يسجر فيه . ويضرب مثلا لشدة الحرب
التي يشبه حرها حره . وقد قال آخرون : الوطيس هو التور نفسه . وقال الأصمعيّ: هي حجارة
مدورة ، إذا حميت لم يقدر أحد أن يطأ عليها ، فيقال : الآن حمي الوطيس . وقيل : هو الضرب
في الحرب . وقيل : هو الجرب الذي يطيس الناس ، أي يدقهم . وهذه اللفظة من فصيح الكلام
وبديعه الذي لم يسمع من أحد قبل النبيّ 148 .
(١٣) (فما زلت أرى حدهم كليلاً) أي ما زلت أرى قوتهم ضعيفة .
(١٤) أخرجه مسلم في : ٣٢ - كتاب الجهاد والسير، (٢٨) باب عزوة حنين ، الحديث (٧٦)، ص
( ٣ : ١٣٩٨) .
١٣٩

المسلمين ويقول: من يدل على رَجْل خالد بن الوليد : رواه مسلم عن إسحاق
ومحمد بن رافع ، دون رواية ابن أزهر(١٥).
أخبرنا ابو عبد الله الحافظ قال : أنبأنا أبو علي الحسين بن علي بن يزيد
الحافظ ، قال : أنبأنا أبو يعلى الموصليّ ، قال : حدثنا زهير بن حرب ، قال :
حدثنا عمرو بن يونس، قال: حدثنا عكرمة بنُ عمار، قال: حدثنا إياس [ بن
سلمة](١٦) قال حدثنا أبي قال غزونا مع رسول اللّه وَهُ حنيناً، فلما وَاجَهْنا العَدُوَّ
تَقَدمتُ فَاعْلُوُ ثنيةً، فَأَستقبل رجُلًا من العَدُوِّ، فأرميه بسهمٍ وتَوارى عني ، فما
دَريتُ ما صنع ، ثم نظرت الى القوم فإِذا [ هم ](١٧) قد طلعوا من ثنيةٍ أخرى
فالتقواهم وصحابةٌ للنبيّ ◌ٌ فولى صحابة النبي ◌َّه، فأرجع منهزماً وعليّ
بردتان مؤتزراً بإحداهما ، مرتدياً بالأخرى، قال: فاسْتَطْلقَ إزاري(١٨) فجمعتُها
جمعاً، ومررتُ على رسول اللّهِوَ﴾ منهزماً(١٩) وهو على بغْلَتهِ الشهباء فقال
رسول اللّه وَ *: ((لقد رأى إبن الأكوع فَزَعاً)) فلما غَشُوا رسول اللهِوَّ نَزّلَ عن
البغلةثم قبض قبضة من تراب من الأرض ثم استقبل به وجوههم، فقال: شاهت
الوجوه (٢٠) فما خلق الله منهم إنساناً إلا ملأ عينيه تراباً بتلك القبضة فولوا مدبرين
فهزمهم اللّه وقسم رسول اللّه وَليل غنائمهم بين المسلمين .
(١٥) صحيح مسلم (٣ : ١٣٩٩).
(١٦) ليست في (ح).
(١٧) الزيادة من (ح) .
(١٨) ( فاستطلق إزاري ) أي انحلّ لاستعجالي.
(١٩) (منهزما) قال العلماء : قول منهزماً؛ حال من ابن الأكوع، كما صرح أولا بانهزامه ، ولم يرد أن
النبيّ # انهزم. وقد قالت الصحابة كلهم رضي الله عنهم: إنه # ما انهزم، ولم ينقل أحد قط
أنه انهزم # في موطن من المواطن . وقد نقلوا إجماع المسلمين على أنه لا يجوز أن يعتقد
انهزامه # ، ولا يجوز ذلك عليه .
(٢٠) ( شاهَت الوجوه ) أي قبحت .
١٤٠