Indexed OCR Text

Pages 321-340

قال الواقديُ: سار رسول الله ﴿﴿ يُلَّيْ والمسلمون معه يُلَبّون، ومضى
محمد بن مَسْلَمة بالخيل إلى مَرّ الظّهران ، فيجد بها نفراً من قريشٍ ، فسألوا
محمد بنَ مَسْلّمة، فقال: هذا رسول الله وَّه يُصبِّح هذا المنزل غداً إن شاء
الله، ورأوا سلاحاً كثيراً مع بشير بن سعدٍ ، فخرجوا سراعاً حتى أتوا قريشاً ،
فأخبروهم بالذي رأوا من السِّلاحِ والخيل ، ففزعت قريش وقالوا : والله ما
أَحْدَثْنَا حَدَثاً ، وإنا على كتابنا وهدنتنا ، ففيْم يَغْزُوْنًا محمد في أصحابه ؟ ونزل
رسول الله وَ﴿ مَرّ الظَّهْرَانِ، وَقَدَّم رسول الله وَّ السلاح إلى بطن يَأْجِج حيث
ينظر إلى أنصاب الحَرَمِ ، وبَعثت قريشٌ مِكْرَزَ بن حفص بن الأحنف في نفرٍ من
قريش، حتى لقُوه ببطن يَأْجّج، ورسول الله وَ﴿ في أصحابه، والهَدْي والسّلاح
قد تلاحقوا فقالوا : يا محمد ما عُرِفت صغيراً ولا كبيراً بالغَدر! تَدْخُلُ بالسلاح
في الحرم على قومك ، وقد شَرطت لهم ألا تدخل إلا بسلاح المسافر السيوف
في القُرُب! فقال رسول الله وَّهُ: إني لا أُدْخل عليهم السّلَاحَ(٦)، فقال: مِكْرَزٌ
هذا الذي يُعرَفُ به البرّ والوفاء ، ثم رَجَع سريعاً بأصحابه إلى مكة ، فقال : إن
محمداً لا يدخل بسلاح وهو على الشرط الذي شرطه لكم ، فلما جاء مِكْرَزٌ بخبر
النبي {# خَرَجَتْ قريش من مكة إلى رؤوس الجبال، وخَلَّوْا مكة وقالوا لا تنظر
إليه، ولا إلى أصحابه، وأمر رسول الله وَهُ بالهدي أمامه حتى حُبْسَ بذي طُوَى،
وخرج رسول الله وَ﴿ وأصحابه، ورسول الله ﴿ على راحلته القَصْوَاءِ،
يَتْحدِّقُونَ(٧) بِهِ، والمسلمون متوشحوا السيوف يُلُبُّون ، فلما انتهى إلى ذي طَوَى
وقف على ناقته القَصْوَاءِ [ والمسلمون حوله ، ثم دخل من الثنية التي تطلعه على
الحجون على راحلته القصواء (٨)]، وابن رواحة آخذٌ بزمام راحلته.
(٦) في المغازي: ((لا ندخلها إلا كذلك)).
(٧) في المغازي للواقدي (محدقون)).
(٨) الزيادة من مغازي الواقدي، والخبر رواه الواقدي (٢: ٧٣٤ - ٧٣٥)، ونقله ابن كثير في البداية
والنهاية (٤ : ٢٣١).
٣٢١
(م ١١ - دلائل النبوة جـ : )

باب
کیف کان قدومه بمكة(١) وطوافه بالبيت
وطواف أصحابه وإطلاع الله - عز وجل -
نبيَّه ◌َليِ على ما قال المشركون
أخبرنا القاضي أبو عُمَر: محمد بن الحسين البسطاميّ - رحمه الله - ،
قال : حدثنا سليمان بن أحمد بن أيوب : أبو القاسم اللّخميُّ بأصبهان ، قال :
حدثنا إبراهيم بن [ أبي](٢) سويد الشَّباميُّ سنة ثمانٍ وسبعين ومائتين ، قال:
حدثنا عبد الرزاق ، عن معمرٍ، عن الزهري ، عن أنسٍ ، قال : لما دخل
النبي وَ ل# مكة في عمرة القضاء مشى عبد الله بن رواحة بين يديه وهو يقول .
قد نزل القرآن(٣) في تنزيله
خَلُّوا بني الكفار عن سبيله
نحن قاتلناكُمْ على تأويله
بأنَّ خيْرِ القَتْلِ في سبيله
كما قاتلناكم على تنزيله(٤)
وحدثنا أبو الحسن محمد بن الحسين العلوي ، قال : أنبأنا أبو بكرٍ محمد
ابن الحُسّين العلوي ، قال : أنبأنا أبو بكرٍ محمد بن الحسين القطان قال : أنبأنا
(١) في (ح): ((باب كيف قدومه مكة )).
(٢) ليست في (ح).
(٣) (ح): ((الرحمن)).
(٤) مغازي الواقدي (٢ : ٧٣٦) باختلاف ، والبداية والنهاية (٤ : ٢٣١) مختصراً .
٣٢٢

أبو الأزهرِ السَّلِيطيُّ، قال : حدثنا عبد الرزاق، قال: أنبأنا مَعْمَرٌ، عن
الزهري ، عن أنس بن مالك، قال: دخل رسول الله صل﴿ مكّةَ وابن رواحة آخذٌ
بغرزهٍ ، وهو يقول :
اليوم نضربكم على تنزينه
خَلُوا بني الكفَّارِ عن سبيله
ويذهل الخليل عن خَليلة
ضرباً يُزيل الهَمامَ عن مَقِيْلَهْ
يا رب إني مُؤْ مِنْ بِقِيْلِهِ(٥).
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ ، قال : حدثنا أبو العباس : محمد بن يعقوب
قال : حدثنا أحمد بن عبد الجبار، قال : حدثنا يونس بن بكير ، عن ابن
إسحاق ، قال: حدثني عبد(٦) الله بن أبي بكر بن حَزْمٍ ، قال: لما دخل
رسول الله ◌َي مكة في عُمْرَةٍ القضاء دخلها وعبد الله بن رواحة آخِذ بخطام
ناقته ، يقول :
إني شهدت(٧) أنه رسولُهْ
خَلُّوا بني الكفار عن سبيله
يا رب إني مؤمنٌ بقيْلهْ
خَلّوا فكل الخير في رسوله
نحن قتلناكم على تأويله
إني رأيت الحق في قَبُوله
ضربا يزيل الهَامَ عن مقيْلِةْ
كما قتلناكم على تَنْزِيلِةْ
وَيُذهِلُ الخليل عن خليله(٨)
(٥) نقله الحافظ ابن كثير في البداية والنهاية (٤: ٢٢٨)، عن المصنف .
(٦) في (ح): ((عبيد)) مصحفاً .
(٧) في البداية والنهاية (٤: ٢٢٩): ((أنا الشهيد أنه))، وفي (ح): ((إني شهدت أني رسوله)).
(٨) الخبر في سيرة ابن هشام (٣ : ٣٢٠ - ٣٢١)، باختلاف في ترتيب ابيات الشعر، وقد نقله
الحافظ ابن كثير في البداية والنهاية (٤ : ٢٢٩)، وقد روى البخاري تعليقاً، وعبد الرزاق ،
والترمذي ، والنسائي ، وابن حبان عن انس - رضي الله عنه - وابن عقبة عن الزهري ، أن رسول
الله دخل مكة عام القضية على ناقته ، وعبد الله بن رواحة آخذ بزمامها، وهو يقول :
=
نحن ضربناكم على تأويله
خلوا بني الكفار عن سبيله
٣٢٣

وَيُذْهِلُ الْخَلِيلَ عَنْ خَلِيله
= ضرباً يزيل الهام عن مَقِيلِه
فِي صُحُفٍ تُتْلَى عَلَى رَسُولِه
قَدْ أَنْزَلَ الرَّحْمُن في تَنْزِيلِه
إِنِّي رَأَيْتُ الْحَقّ في قَبُوله
يَارَبِّ إِنِّي مُؤْمِنْ بِقِيلِهِ
فقال عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - يا ابن رواحة؟؟ بين يدي رسول الله - 8# - وفي حرم
الله- تعالى - تقول الشعر؟ فقال رسول الله -* - خل عنه يا عمر فهلى أسرع فيهم من نضح
النبل. وفي رواية ((يا عمر إني اسمع، فاسكت يا عمر)) فقال رسول الله ويلي: ((يا ابن رواحة
قل: ((لا إلا الله وحده نصر عبده، وأعز جنده، وهزم الأحزاب وحده)). فقالها ابن رواحة فقالها
الناس كما قالها .
وقال ابن هشام: قوله: ((نحن قتلنانكم على تأويله)) الى آخر الأبيات لعمار بن ياسر، قال
السهيلي: يعني يوم صفين .
قال ابن هشام : والدليل على ذلك ان ابن رواحة إنما اراد المشركين، والمشركون لم يقروا
بالتنزيل ، يقاتل على التأويل من أقر بالتنزيل. قال في البداية : وفيما قاله ابن هشام نظر، فإن
البيهقي روى من غير وجه عن عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن أنس قال : لما دخل رسول
الله * مكة في عمرة القضاء مشى عبد الله بن رواحة بين يديه وفي رواية وهو آخذ بغرزه وهو
يقول الأبيات السابقة . ورواه عن يزيد بن أسلم - كما سبق - وقد تابع ابن إسحاق على ذلك ابن
عقبة وغيره ، وقال الحافظ - رحمه الله تعالى - إذا ثبتت الرواية فلا مانع من إطلاق ذلك ، فإن
التقدير على رأي ابن هشام: نحن ضربناكم على تأويله اي حتى تذعنوا الى ذلك التأويل، ويجوز
أن يكون التقدير : نحن ضربناكم على تأويل ما فهمنا منه حتى تدخلوا فيما دخلنا فيه ، وإذا كان
ذلك محتملاً، وثبتت الرواية سقط الاعتراض. نعم الرواية التي جاء فيها.
((( فاليوم نضربكم على تأويله)) يظهر انه قول عمار، ويبعد ان يكون من قول ابن رواحة ، لأنه لم
يقع في عمرة القضاء ضربٌ ولا قتال، وصحيح الرواية .
((نحن ضربناكم على تأويله .. كما ضربناكم على تنزيله)).
يشير بكل منهما الى ما مضى، ولا مانع من ان يتمثل عمار بن ياسر بهذا الرجز ويقول: هذه
اللفظة، ومعنى قوله: ((نضربكم على تأويله)) اي الآن، وجاز تسكين الباء لضرورة الشعر، بل
هي لغة قرىء بها في المشهور.
قال الحافظ أبو عيسى الترمذي - رحمه الله - تعالى ! بعد ان ذكر رجز ابن رواحة، ثم قال : وفي
غير هذا الحديث أن هذه القصة لكعب بن مالك، وهو الأصم، لأن عبد الله بن رواحة قتل
بمؤتة، وكانت عمرة القضاء بعد ذلك، قال الحافظ - رحمه الله - وهو ذهول شديد، وغلط=
٣٢٤

قال : وحدثنا يونس بن بُكير، عن هشام بن سعدٍ ، عن زيد بن أسلم :
أن رسول الله ◌َ دَخَلَ عامَ القضية مكة ، فطاف بالبيت على ناقته ، واستلم
الحَجَرَ بمحجنه قال هشامٌ - من غير علَّةٍ -، والمسلمون ينشدون حولَهُ . وعبد
الله بن رواحة يقول :
باسم الذي لا دين إلاّ دينه باسم الذي محمدٌ رسوله
خلّوا بني الكفار عن سبيله(٩)
أخبرنا أبو الحسن : علي بن أحمد بن عبدان ، قال : أنبأنا أحمد بن عبيد
الصفار ، قال : حدثنا إسماعيل بن إسحاق ، قال : حدثنا سليمان بن حرب
(ح) .
وأنبأنا أبو علي الروذبارُّ ، قال : أنبأنا أبو بكر بن دَاسَة، قال : حدثنا أبو
داود ، قال : حدثنا مُسَدَّدٌ ، قالا حدثنا حماد بن زيد ، عن أيوب ، عن سعيد بن
جبير، أنه حدث عن ابن عباس، قال: قدم رسول الله وُّفي مكة وقد وهنتهم
حُمَّى يَثْرِب ، فقال المشركون : إنه يقدم عليكم قومٌ قد وهنتهم الحُمَّى ، ولقوا
منها شرًّا، فأطلع الله نبيه وَّر على ما قالوا، فأمرهم أن يرملوا الأَشْواطَ
الثلاثة (١٠) وأن يمشوا بين الركنين، فلما رأوهُم رَمَلُوْا، قالوا: هؤلاء الذين
= مردود، وما ادري كيف وقع الترمذي في ذلك ، ومع أنَّ في قصة عمرة القضاء اختصام جعفر
وأخيه عليّ، وزيد بن حارثة في بنت حمزة ، اي كما سبق ، وجعفر قتل هو وزيد وابن رواحة في
موطن واحد، فكيف يخفى على الترمذي مثل هذا . ثم وجدت عند بعضهم ان الذي عند
الترمذي من حديث أنس : أن ذلك كان في فتح مكة ، فإن كان كذلك اتجه اعتراض الترمذي،
لكن الموجود بخط الكروخي راوي الترمذي على ما تقدم. قلت : وكذلك رأيته في عدة نسخ من
جامع الترمذي، قاله الصالحي في السيرة الشامية (٥ : ٢٩٩ - ٣٠٠).
(٩) البداية والنهاية (٤ : ٢٢٨ - ٢٢٩).
(١٠) المقصود هنا : الطواف حول الكعبة :
٣٢٥

ذكرتم أن الحُمِّى وهنتهم ، هؤلاء أجْلَدُ مِنَّا، قال ابن عباسٍ : ولم يأمرهم أن
يرملوا الأشواط كلها إلا للإبقاء عليهم .
لفظ حديث مُسَدَّدٍ وفي رواية سُليمان: قدم رسول الله ◌ِ وَ﴿ وأصحابهُ ولم
يذكُرْ ولقوا منها شَرًّا ولا الاطلاع، وقال: فقعدوا لهُمْ مما يلي الحِجْرَ ، فأمر
رسول الله وَ﴿ أَن يَرْمُلوا الثلاثة وأن يمشوا ما بين الركْنين، قال: ولم يَمْنعهُ أن
يأمرهم أن يرملوا الأشواط كلها إلّ الإِبقاء عليهم .
رواه البخاري في الصحيح عن سليمان بن حرب(١١).
ورواه مسلم عن أبي الربيع ، عن حماد(١٢) .
أخبرنا علي بن أحمد بن عبدان قال : أخبرنا أحمد بن عبيد الصفّارُ قال :
حدثنا إسماعيل بن إسحاق، قال : حدثنا حجاج بن منهال قال : حدثنا حماد بن
سلمة ، عن أيوب عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس أن قريشاً قالت : إن
محمداً وأصحابه قد وهنتهم حُمَّى يثرب فلما قدم رسول الله وَّ لعامه الذي
أعتمر فيه قال لأصحابه : أرُملوا بالبيت ثلاثاً ليرى المشركون قوتكم فلما رَمَلُوا
قالت قريش: ما وهنتهم (١٣).
وأخبرنا عليّ قال : أخبرنا أحمد، قال : حدثنا إسماعيل بن إسحاق قال :
حدثنا حجاج بنُ منهالٍ ، قال : حدثنا حمادُ بن سَلَمة، عن أبي عَاصِمٍ
(١١) البخاري عن سليمان بن حرب في: ٢٥ - كتاب الحج، (٥٥) باب كيف كان بدء الرُّمَل،؟
الحديث (١٦٠٢)، فتح الباري (٣: ٤٦٩ - ٤٧٠)، وإعاده في المغازي (باب) عمرة القضاء .
(١٢) مسلم عن أبي الربيع الزهراني ، عن حماد بن زيد، عن أيوب بن أبي تميمة ، عن سعيد بن
جبير، عن ابن عباس في: ١٥ - كتاب الحج (٢٩) باب استحباب الرمل في الطواف، الحديث
(٢٤٠)، ص (٩٢٣).
(١٣) أشار اليه النسائي في المغازي، وأخرجه أبو داود في سننه (٢: ١٧٨).
٣٢٦

الغَنويّ ، عن أبي الطفيل قال : قلت: لإِبن عباس : يزعُمُ قومك أنَّ رسولَ الله
وَ﴿ قَدْ رَمَل بالبيتَ، وأن ذلكَ سنّة، قال: صَدَقُوا وكذبوا [ قلت: ما صدقوا وما
كذبوا ]؟(١٤) فقال: صدقوا أنه قد رَمَل ، وكذبوا ليس بسنة ؛ إن قريشاً قالت
زمن الحديبية : دعوا محمداً وأصحابه [ حتى ] تموتوا موت النَّغَفِ(١٥)، قال:
فلما صالحوا رسول الله ـ على أن يجيئوا من العام المقبل يقيموا بمكة ثلاثة
أيامٍ، فقدم رسول الله ◌ََّ من العام المقبل والمشركون من قبل قُعَفْعَانِ ، فقال
رسول اللّه وَّ لأصحابه: أرملوا بالبيت، وليس(١٦) بسنةٍ (١٧) (ح).
وأخبرنا أبو عبد الله الحافظ ، قال : أخبرنا أبو الفضل بن إبراهيم، قال :
حدثنا أحمد بن سلمة ، قال : حدثنا محمد بن المثنى قال : حدثنا يزيد بن
هارون ، قال : أخبرنا الجُريريُّ، عن أبي الطفيل قال : قلت : لإِبن عباسٍ إن
قومك يزعمون أن رسول الله بَّ قد رَمَل وأنها سنة، قال : صدقوا وكذبوا ،
قال: قلت: ما صدقوا وكذبوا؟ قال: إن رسول اللّه ◌َ ﴿ قَدِمَ والمشركون على
تُعَقِعان، وكان أهل مكة قوماً حُسَّداً فجعلوا يتحدثون أن أصحاب رسول اللّه وَه
ضُعِفَاء، فقال رسول اللّهِ وَّه: أروهم منكم ما يكرهون، فَرَمَلَ رسول اللهِه
لِيُرِيَ المشركون قُوَّتَهُ وقوة أصحابه ، وليستْ بِسُنَّةٍ .
رواه مسلم في الصحيح عن محمد بن المثنى(١٨).
وقد بقي الرَّمَلُ مشروعاً في طواف القدوم وإن كانت عِلتُّهُ زَالَتْ فقد حكى
(١٤) ليست في (أ)، وثابتة في سنن أبي داود كما سيأتي في تخريج الحديث .
(١٥) (النغف): دود يسقط من أنوف الدواب، والواحدة: نغفة، ويقال للرجل إذا استضعف، : ما
هو إلا نغفة .
(١٦) في (ح): ((ليست بسنة)).
(١٧) أخرجه أبو داود في كتاب المناسك، باب في الرمل، ح (١٨٨٥)، ص (٢: ١٧٧ - ١٧٨).
(١٨) الحديث أخرجه مسلم عن محمد بن المثنى في: ١٥ - كتاب الحج ، (٣٩) باب استحباب
الرمل في الطواف والعمرة ، الحديث ، (٢٣٧)، ص (٩٢٢).
٣٢٧

جابر بن عبد الله في صفة حج النبي وَله: رمل ورَمَلُوا فِي عُمرة الجعرانة(١٩).
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ قال : أخبرنا أبو بكر بن إسحاق، قال : أخبرنا
بشر بن موسى ، قال : حدثنا الحميدي، قال : حدثنا سفيان، قال : حدثنا
اسماعيل بن أبي خالد، قال : سمعت عبد الله بن أبي أوفى يقول : اعتمرنا مع
رسول الله *، فكنا نستره حين طاف مع (٢٠) صبيان مكة لا يؤذونه، قال:
سفيان أراهُ في عمرة القضاء قال اسماعيل، فرأنا ابن أبي أوفى ضربه أصابته مع
النبي # يوم حنين .
رواه البخاري في الصحيح عن علي بن عبد الله ، عن سفيان(٢١).
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ ، قال: أنبأنا أبو عبد الله [الحافظ ](٢٢)
الأصبهاني قال : حدثنا الحسنُ بن الجهم ، قال : حدثنا الحسين بن الفرج،
قال : حدثنا الواقدي، قال : فحدثني علي بن عُمر، عن عبد الله بن محمد بن
عَقيل، عن سعيد بن المسيب، قال : لما قَضَى رسول اللّهِوَّ نسكهُ في القضاءِ
، دَخَلَ البيت، فلم يزل فيه حتى أذَّن بلالٌ الظهر فوق ظهر الكعبة ، وكان رسول
الله:﴿ أمرهُ بذلك فقال عكرمة بن أبي جهلٍ: لقد أكرم الله أبا الحكم حيث لم
يسمع [ هذا ](٢٣) العبد يقول ما يقول، وقال صفوان بنُ أمية : الحمد لله الذي
(١٩) كما أخرج ايضاً أبو داود من حديث ابن عباس وابن عمر - رضي الله عنهما - أن رسول الله #
رمل من الحجر الى الحجر . سنن أبي داود (٢ : ١٧٩).
(٢٠) في (ح): ((من)).
(٢١) الحديث : البخاري عن علي بن عبد الله المديني في : ٦٤ - كتاب المغازي (٤٣) باب عمرة
القضاء ، الحديث (٤٢٥٥)، فتح الباري (٧: ٥٠٨)، مختصراً، ومطولاً في: ٢٥ - كتاب
الحج ، (٥٣) باب من لم يدخل الكعبة، الحديث (١٦٠٠) عن مسدد، فتح الباري (٣:
٤٦٧).
(٢٢) من (ح).
(٢٣) سقطت من (أ).
٣٢٨

أذهب أبي قبل أن يرى هذا ، وقال خالد بن أسيدٍ : الحمد لله الذي أمات أبي
فلم يشهد هذا اليوم حين يقوم بلالُ بن أَم بلالٍ يَنْهَقُ فوق الكعبة ، وأما سهيلٍ
ابن عمرٍو ورجال معه لمَّا سمعوا بذلك غَطَّوْا وجوههم . قلتُ وقد رزق الله تعالى
أكثرهم الإِسلام (٢٤).
(٢٤) ذكره الواقدي في المغازي (٢ : ٧٣٧ - ٧٣٨)، ونقله ابن كثير في التاريخ (٤: ٢٣٢)، ونقل
قول البيهقي: ((قد أكرم الله أكثرهم بالإِسلام)) وعقب بقوله :
((كذا ذكره البيهقي من طريق الواقدي أن هذا كان في عمرة القضاء ، والمشهور ان ذلك كان في
عام الفتح، والله أعلم)).
وجاء في نسخة (ح) في نهاية هذه الفقرة: ((والله سبحانه وتعالى أعلم لجميع الأحكام)).
٣٢٩

باب
ما جاء في تزَوَّجِ رسول الله صل* ميمونة
بنت الحارث رضي الله عنها في سفره هذا
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ ، وأبو بكر أحمد بن الحسن القاضي قالا :
حدثنا(١) أبو العباس : محمد بن يعقوب ، قال : حدثنا أحمد بن عبد الجبار،
قال : حدثنا يونس بن بكير، عن ابن إسحاق ، قال : حدثنا إبانُ بنُ صالح ،
وعبد الله بن أبي نجيح، عن عَطَاءٍ، ومجاهدٍ عن ابن عباس أن رسول الله وله
تَزَوِّجَ ميمونة بنت الحارث في سفرته في هذه العُمْرة ، وكان الذي زوّجه العباس
إبنُ عبد المطلب، فأقام رسول الله وَ # بمكة ثلاثا فأتاه حويطب بن عبد العزى
ابن أبي قيس بن عَبْد وُدِّ، في نفرٍ من قريشٍ [ وكانت قريشٌ](٢) قد وكُلَتْهُ
بإخراج رسول الله صل من مكة ، فقالوا : قد انقضى أجلك فأخرج عنَّا، فقال
لهم: ((لو تركتموني فعَرَّسْتُ بين أظهركُمْ وصَنَعْنَا لكم طعاماً فحضر تموه ))
فقالوا : لا حاجة لنا بطعامك فاخرج عنا فخرج وَخَلَّف أبا رافع مولاه على
ميمونة، حتى أتاه بها بِسَرِفَ فبنى(٣) عليها رسول اللهصل* هنالك(٤).
(١) في (ح): ((أنبأنا)).
(٢) ليست في (ح).
(٣) في (أ) و(ح): رسمت: ((فبنا).
(٤) سيرة ابن هشام (٣: ٣٢١ -٣٢٢).
٣٣٠

أخبرنا أبو عبد الله الحافظ ، قال : أنبأنا أبو بكر أحمد بن سليمان الفقيه ،
قال : حدثنا إسحاق بن الحسن الحربي قال : حدثنا أبو سلمة: موسى بن
إسماعيل ، قال : حدثنا وُهَيْب، قال: حدثنا أيوب، عن عكرمة، عن إبن
عباس:
أن النبي تزوج ميمونة وهو مُحْرِمٌ، وبنى بها وهو حلال، وماتت بسَرِفَ(٥).
رواه البخاري في الصحيح عن موسى بن إسماعيل، واستشهد برواية
محمد بن اسحاق بن يسار .
أخبرنا أبو الحسن : محمد بن الحسين بن داود العَلوي - رحمه الله - ،
قال : أخبرنا أبو حامدٍ الشرقيُّ قال : حدثنا محمد بنُ يحيى الذُّهْلِيُّ، قال :
حدثنا عبد الرزاق ، قال : قال لي الثُّوْري: لا تلتفت إلى قول أهل المدينة،
أخبرني عَمْروٌ عن أبي الشعثاء، عن ابن عباس أن رسول اللهِ وَّ تَزَوَّج وهو
محرم ، قال أبو عبد الله : قلت : لعبد الرزاق ، رَوى سُفيانُ الحديثين جميعاً
عن عَمْرٍو، عن أبي الشعثاء، عن ابن عباس ، وابن خُثَيْم عن سعيد بن جبير عن
ابن عباس ؟ قال : نعم ؛ أما حديث ابن خُثيم فحدثنا هاهنا - يعني باليمن - وأما
حديث عمرٍو فحدثنا ثَمَّ يعني بمكة .
أخرجاه في الصحيح من حديث عَمْرو بن دينار(٦).
وَقَدْ خَالَفَ ابن عباسٍ غيره في تزوْجِ النبي ◌َّه ميمونة وهو محرمٌ ..
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، وأبو عبد الله : إسحاق بن محمد بن يوسف
(٥) أخرجه البخاري في : ٦٤ - كتاب المغازي؛ (٤٣) باب عمرة القضاء ، الحديث (٤٢٥٨) عن
موسی بن اسماعيل ، فتح الباري (٧ : ٥٠٩).
(٦) أخرجه البخاري في : ٢٨ - كتاب الصيد، (١٢) باب تزويج المحرم ، ومسلم في : ١٦ - كتاب
النكاح ، (٤) باب تحريم نكاح المحرم وكراهة خطبته، من حديث ابن عباس ، الحديث (٤٦)،
ص (١٠٣١).
٣٣١

السوسيُّ، قال : (٧) حدثنا أبو العباس: محمد بن يعقوب، قال: حدثنا أبو
جعفر : محمد بن عوف بن سفيان الطائيُّ، قال : حدثنا أبو المغيرة ، عبد
القدوس بن الحجاج ، قال : حدثنا الأوزاعيُّ، قال : حدثنا عطاء بنُ أبي رباح
عن ابن عباس، أن النبي ﴿ تَزَوَّج ميمونة وهو محرمٌ، قال : فقال سعيد بن
المسيب : وهل ابن عباس، وإن كانت خالتُه ما تزوّجها رسول الله وَلقر إلا بعد ما
ء.
أُخَلَّ.
رواه البخاري في الصحيح عن عبد القدوس بن الحجاج(٨).
أخبرنا محمد بن عبد الله الحافظ ، قال : أنبأنا عبد الرحمن بن حمدان ان
ابن المَرْزُبَانِ الجلَّبُ بهمدان، قال : حدثنا أبو حاتم الرازي وإبراهيم بن
نصر ، قال : حدثنا حجاج بن منهال (ح).
وأنبأنا أبو علي الرُوذباري ، قال : أنبأنا أبو بكر بن دّاسة، قال : حدثنا أبو
داود قال : حدثنا موسى بن إسماعيل، قال : حدثنا حماد بن سلمة عن حبيب
ابن الشهيد ، عن ميمون بن مهران ، عن يزيد بن الأصم ، عن ميمونة، قالت :
تزوجني رسول الله ﴿﴿ ونحن خَلَاَلَانِ بَسَرِفَ .
وفي رواية حجاج بسرف ونحن حلالآن .
ورواه ايضاً أبو فزارة عن يزيد بن الأصم عن ميمونةُ ومن ذلك الوجه
أخرجه مسلم في الصحيح(٩).
(٧) في (ح): ((قالا)).
(٨) أخرجه البخاري في : ٢٨ - كتاب الصيد، (١٢) باب تزويج المحرم. فتح الباري (٥: ٥١)
(٩) حديث ميمونة أخر مسلم في: ١٦ - كتاب النكاح (٥) باب تحريم نكاح المحرم، الحديث
(٤٨)، ص (١٠٣٢).
وهذا الحديث أخرجه أبو داود في الحج، باب المحرم يتزوج.، عن موسى بن اسماعيل ، عن
حماد، عن حبيب بن الشهيد، عن ميمون بن مهران ، عن يزيد بن الأصم نحوه : تزوجني النبي =
٣٣٢

= #* ونحن حلالان بسرف .
وأخرجه الترمدي في الحج ، باب ما جاء في الرخصة في ذلك ، عن إسحاق بن منصور ، عن
وهب بن جرير بن حازم، عن ابيه نحوه، وقال: ((غريب)).
وروى غير واحد هذا الحديث عن يزيد بن الأصم مرسلاً .
قال الزيلعي في نصب الراية (٣ : ١٧٣): وهذا الحديث رواه الإمام أحمد في (( مسنده)) وابن
حبان في صحيحه ، عن ابن خزيمة بسنده عن حماد بن زيد به ، قال الترمذي : حديث حسن ولا
نعلم احداً أسنده غير حماد عن مطر، رواه مالك عن ربيعة عن سليمان عن النبي 8# مرسلاً ،
ورواه سليمان بن بلال عن ربيعة مرسلاً، انتهى. قال الترمذي: وقد اختلفوا في تزويج النبي #
ميمونة، لأنه عليه السلام تزوجها في طريق مكة، فقال بعضهم : تزوجها حلالاً ، وظهر أمر
تزويجها، وهو محرم ثم بنى بها ، وهو حلال بسرف في طريق مكة ، وماتت ميمونة بسرف حيث
بنى بها، ودفنت بسرف ، انتهى. وقال ابن حبان: وليس في هذه الأخبار تعارض ، ولا أن ابن
عباس وهم ، لأنه أحفظ واعلم من غيره ؛ ولكن عندي ان معنى قوله : تزوج وهو محرم، أي
داخل في الحرم، كما يقال: أنجد، واتهم، إذا دخل نجداً، وتهامة، وذلك ان النبي ◌َّلا عزم
على الخروج الى مكة في عمرة القضاء ، فبعث من المدينة ابا رافع ، ورجلاً من الانصار الى مكة
ليخطبا ميمونة له ، ثم خرج وأحرم، فلما دخل مكة طاف وسعى وحل من عمرته، وتزوج بها .
وأقام بمكة ثلاثاً ، ثم سأله اهل مكة الخروج ، فخرج حتى بلغ سرف ، فبنى بها ، وهما
حلالان؛ فحكى ابن عباس نفس العقد، وحكت ميمونة عن نفسها القصة على وجهها، وهكذا
اخبر أبو رافع ، وكان الرسول بينهما ، فدل ذلك - مع نهيه عليه السلام عن نكاح المحرم
وإنكاحه - على صحة ما ادعيناه، انتهى كلامه .
حديث آخر: رواه الطبراني في ((معجمه)) حدثنا أحمد بن عمرو البزار ثنا محمد بن عثمان بن
مخلد الواسطي عن أبيه عن سلام أبي المنذر عن مطر الوراق عن عكرمة عن ابن عباس ان النبي
وَّ تزوج ميمونة ، وهو حلال ، انتهى . ثم أخرجه عن ابن عباس من خمسة عشر طريقاً أن النبي
وَ* تزوجها، وهو محرم، وفي لفظ: وهما حرامان ؛ وقال: هذا هو الصحيح، انتهى.
حديث آخر: أخرجه الطبراني في ((معجمه)، عن صفية بنت شيبة ان النبي # تزوج ميمونة وهو
حلال .
حديث يخالف ما تقدم: رواه مالك في ((الموطأ)) نقلًا عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن عن سليمان
ابن يسار، مولى ميمونة زوج النبي ◌َ ◌ّ ان رسول الله وم بعث أبا رافع مولاه، ورجلاً من الأنصار،
فزوجاه ميمونة ابنة الحارث، ورسول الله * بالمدينة قبل ان يخرج، انتهى. قال النووي في =
٣٣٣

= (شرح مسلم)»: وعن حديث ميمونة أجوبة، أنه إنما تزوجها حلالاً هكذا رواه أكثر الصحابة، قال
القاضي، وغيره: لم يرو أنه تزوجها محرماً غير ابن عباس وحده ؛ وروت ميمونة وأبو رافع،
وغيرهما أنه تزوجها حلالاً، وهم أعرف بالقضية لتعلقهم به ، وهم أضبط وأكثر ، الثاني : انه
تزوجها في الحرم وهو حلال، ويقال لمن هو في الحرم: محرم ، وإن كان حلالاً، قال الشاعر :
ودعا فلم أر مثله مخذولاً
قتلوا ابن عفان الخليفة محرماً
أي في الحرم، انتهى. قلت: وجدت في ((صحاح الجوهري)) ما يخالف ذلك، فانه قال : أحرم
الرجل إذا دخل في الشهر الحرام ، وانشد البيت المذكور على ذلك ، وايضاً فلفظ البخاري : أنه
عليه السلام تزوجها وهو محرم، وبنى بها وهو حلال، يدفع هذا التفسير، أو يبعده ، وقال صاحب
((التنقيح)). وقد حمل بعض اصحابنا قول ابن عباس : وهو محرم ، اي في شهر حرام ، ثم انشد
البيت، ثم نقل عن الخطيب البغدادي أنه روى بسنده عن إسحاق الموصلي ، قال : سأل هارون
الرشيد الاصمعي الكسائي، عن قول الشاعر: قتلوا ابن عفان الخليفة محرماً. فقال الأصمعي: ليس
معنى هذا أنه احرم بالحج، ولا أنه في شهر حرام ، ولا أنه في الحرم ، فقال الكسائي: ويحك ؛
فما معناه ؟ قال الاصمعي: فما أراد عدي بن زيد بقوله :
فتولى لم يمتع بكفن
قتلوا كسرى بليل محرماً
أي إحرام لكسرى؟ فقال: الرشيد : فما المعنى؟ قال: كل من لم يأت شيئاً يوجب عليه عقوبة
فهو محرم، لا يحل منه شيء ، فقال له الرشيد: أنت لا تطاق، انتهى. قال النووي : والثالث من
الأجوبة عن حديث ميمونة : ان الصحيح عند الاصولين تقديم القول إذا عارضه الفعل، لأن القول
يتعدى الى الغير والفعل قد يقتصر عليه، قال: والرابع: انه من خصائص النبي ◌َّ، انتهى وقال
الطحاوي في كتابه «الناسخ والمنسوخ)): والأخذ بحديث أبي رافع اولى، لأنه كان السفير بينهما،
وكان مباشراً للحال، وابن عباس كان حاكياً ، ومباشر الحال مقدم على حاكيه، الأ ترى عائشة
كيف أحالت على عليّ حين سئلت عن مسح الخف ، وقالت : سلوا علياً ، فانه كان يسافر مع
رسول الله رَار، انتهى.
وقال ابن الهمام في ((الفتح)) ص ٣٧٥ - ج ٢ : وما عن يزيد بن الأصم انه تزوجها ، وهو حلال
لم يقوقوة هذا ، فانه مما اتفق عليه الستة ، وحديث يزيد لم يخرجه البخاري، ولا النسائي،
وأيضاً لا يقاوم بابن عباس حفظاً وأتقاناً، ولذا قال عمرو بن دينار للزهري : وما يدري ابن الأصم
كذا وكذا - لشيء قاله ، اتجعله مثل ابن عباس ؟! وما روى عن أبي رافع انه وّل تزوجها وهو حلال،
وبنى بها وهو حلال، وكنت انا الرسول بينهما، لم يخرج في واحد من «الصحيحين »، وإن
روى في ((صحيح ابن حبان)) فلم يبلغ درجة الصحة، ولذا لم يقل فيه الترمذي سوى : حديث
حسن، قال: ولا نعلم احداً أسنده غير حماد عن مطر، وما روى عن ابن عباس رضي الله عنهما =
٣٣٤

= انه * تزوج ميمونة وهو حلال ، فمنكر عنه، لا يجوز النظر اليه بعد ما اشتهر الى أن كاد يبلغ
اليقين عنه في خلافه ، ولذا بعد أن اخرج الطبراني ذلك عارضه بأن أخرجه عن ابن عباس رضي
الله عنه من خمسة عشر طريقاً : انه تزوجها وهو محرم ، وفي لفظ : وهما محرمان ، وقال: هذا
هو الصحيح : وما أول به حديث ابن عباس بأن المعنى وهو في الحرم ، فانه يقال : انجد، إذا
دخل أرض نجد، وأحرم إذا دخل أرض الحرم، بعيد ؛ ومما يبعده حديث البخاري: تزوجها وهو
محرم ، وبنى بها وهو حلال.
والحاصل انه قام ركن المعارضة بين حديث ابن عباس، وحديثي يزيد بن الأصم ، وأبان بن
عثمان بن عفان، وحديث ابن عباس أقوى منهما سنداً، فان رجحنا باعتباره كان الترجيح معناه،
ويعضده ما قال الطحاوي: روى أبو عوانة عن مغيرة عن أبي الضحى عن مسروق عن عائشة رضي
الله عنها : قالت: تزوج رسول الله# بعض نسائه وهو محرم ، قال: ونقله هذا الحديث كلهم
ثقات يحتج بروايتهم، انتهى: ومحصل كلام الطحاوي في شرح الآثار، ٤٤٣ - ج ١، والذين
رووا : أن النبي * تزوجها وهو محرم ، اهل علم، وأثبت اصحاب ابن عباس: سعيد بن جبير ،
وعطاء ، وطاوس، ومجاهد، وعكرمة، وجابر بن زيد، وهؤلاء كلهم أئمة فقهاء ، يحتج برواياتهم
وآرائهم ، والذين نقلوا عنهم فكذلك ايضاً ، منهم : عمرو بن دينار، وأيوب السختياني ، وعبد
الله بن أبي نجيح ، فهؤلاء ايضاً أئمة يفتدي برواياتهم ، ثم قد روى عن عائشة ايضاً ما قد وافق
ما روى عن ابن عباس ، وروى ذلك عنها من لا يطعن احد فيه : أبو عوانة عن مغيرة عن أبي
الضحى عن مسروق، فكل هؤلاء ائمة يحتج برواياتهم، فما رووا من ذلك اولى مما روى من
ليس كمثلهم في الضبط والثبت ، والفقه ، والأمانة ؛ واما حديث عثمان فانما رواه نبيه بن وهب ،
وليس كعمرو بن دينار، ولا كجابر بن زيد، ولا كمن روی ما یوافق ذلك عن مسروق عن عائشة،
ولا لسنبيه موضع في العلم كموضع احد ممن ذكرنا، فلا يجوز - إن كان كذلك - أن يعارض به
جميع من ذكرنا ممن روی بخلاف الذي روى، انتهى كلامه .
ثم أخرج الطحاوي في آخر الباب آثاراً عن ابن مسعود، وابن عباس ، وانس أنهم لا يرون بأساً
أن يتزوج المحرمان، انتهى. وقال شيخنا حجة الاسلام إمام العصر (محمد أنور الكشميري))
رحمه الله تعالى - في إملائه على جامع الترمذي - الموسوم)) بعرف الشذى)) اقول : يلزم عليه
[أي قول الترمذي: إنه عليه السلام تزوجها في طريق مكة ، وظهر امر تزويجها وهو محرم، ثم
بنى بها وهو حلال بسرف ] أنه عليه السلام تجاوز عن الميقات بلا إحرام وهو يريد الحج ، لأن
في الروايات أنه عليه السلام نكح بسرف ، وهو بين مكة وذي الحليفة ، وكانت المواقيت مؤقتة.
كيف! وفي البخاري في ((غزوة الحديبية)) ص ٦٠٠ - ج ٢ في حديث المسور بن مخرمة، ومروان
ابن الحكم: فلما أتى ذا الحليفة قلد الهدى ، وأشعر وأحرم منها بعمرة، الحديث انتهى .
٣٣٥

وأخبرنا أبو عبد الله الحافظ ، قال : أخبرنا أبو عبد الله محمد بن عبد الله
الأصبهاني الزاهد، قال : حدثنا اسماعيل بن اسحاق القاضي، قال : حدثنا
سُليمان بن حرب ، قال : حدثنا حماد بن زيد ، قال : حدثنا مطرٌ الوراق، عن
ربيعة بن أبي عبد الرحمن ، [ عن سليمان بن يسار عن أبي رافع ](١٠) قال :
تزوج رسول الله وَّير ميمونة وهو حلالٌ وبنى بها وهو حلالٌ وكنت الرسول
بينهما .
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ ، قال : حدثنا أبو العباس: محمد بن يعقوب ،
قال : حدثنا أحمد بن عبد الجبار، قال : حدثنا يونس بن بكير، عن ابن
إسحاق ، قال : حدثنا ثقة عن سعيد بن المسيب أنه قال : هذا عَبْدُ الله بن
عباس يَزْعُم أن رسول اللّهِوَّهُ دخل مكة فكان الحلُّ والنكاحُ جميعاً فشبه ذلك
على الناس .
(١٠) ما بين الحاصرتين ساقط من (ح).
٣٣٦

باب
ما جرى في خروج ابنة حمزة بن عبد المطلب(١)
- رضي الله عنه - خَلَفَهُمْ من مكة
أخبرنا أبو عبد الله [ محمدُ بن عبد الله ](٢) الحافظ، قال : أخبرنا أبو
العباس محمد بن أحمد المحبوبي بمرو، قال : حدثنا سعيد بن مسعود، قال :
حدثنا عبيد الله بن موسى ، قال : حدثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن البراء ،
(١) أمامة بنت حمزة بن عبد المطلب القرشية الهاشمية ، لما قدم رسول الله من عمرة القضية ، أخذ
معه امامة بنت حمزة بن عبد المطلب ، فلما قدمت أمامة طفقت تسأل عن قبر أبيها ، فبلغ ذلك
حسان بن ثابت، فقال : .
تسأل عن قرن مجان سميدع
لدى البأس منوار الصباح جسور
فقلت لها : إن الشهادة راحة
ورضوان رب يا إمام غفور
دعاه إله الخلق ذو العرش دعوةٌ
إلى جنة فيها رضاً وسرور
وثبت في الصحيحين من حديث البراء في قصة عمرة الحديبية: ((فلما خرجوا تبعتهم بنت
حمزة تنادي : يا ابن عم ! فقال علي لفاطمة : دونك ابنة عم أبيك فاختصم فيها علي ، وجعفر،
وزيد بن حارثة، ... وقال جعفر : عندي خالتها اسماء بنت عميس ، وكانت أم أمامة سلمى بنت
عميس، وقال النبي #: ((الخالة بمنزلة الأم))، وسيأتي الحديث قريباً .
(٢) ما بين الحاصرتين ليس في (ح).
٣٣٧

قال: اعتمرَ رسولُ اللّهِوَّل في ذي القعدة فَأَبى أهلُ مَكَّة أن يدعوه يدخل مكة
حتى قاضاهم على أن يقيم بها ثلاثة أيام ، فلما كتبوا الكتاب كتبوا هذا ما قاضى
عليه محمد رسول الله: [رَ*](٣) قالوا: لا نُقُرُّ [بهذا](٤) لو نعلم أنك
رسول الله ما منعاك شيئاً، ولكن أنت محمد بن عبد الله قال: أنا رسولٌ [الله ](٥)
وأنا محمد بن عبد الله، يا عليُّ أَمحُ رسول اللّه قال: والله لا أمحوك أبداً، فأخذ
رسول اللّه وَلل الكتاب وليس يُحْسِنُ يكتب، فكانَّ رسول اللهله فكتبَ هذا ما
قاضى عليه محمد بن عبد الله : أن لا يدخل مكة السلاح إلا السيف في
القِراب ، وأن لا يُخْرِجَ مِنْ أَهلها أَحَداً أرادَ أن يُتبعَه، وأن لا يمنع أحداً من
أصحابه، أراد أن يُقيم بها، فلما دخلها وحضَرَ الأجْلُ اتوا عليّاً، فقالوا قُلْ
لصاحبك فليخرج عنا ، فقد مضى الأجلُ فخرج رسول اللّهِ وَّ تْبِعَهُمْ(٦) ابنة
حمزةُ فَنَادَتْ : يا عَمِّ ! يا عَمِّ ! فتناولها عليّ رضي الله عنه، فأخذ بيدها ، وقال
الفاطمة - عليها السلام -(٧) دُوْنَكِ فحملتها، فاختصم فيها عليٍّ، وزيدٌ، وجعفرٌ
فقال عليّ: أنا أخذتُهَا وهي ابنة عمي: [ وقال جعفر: ابنة عمي ](٨) وخالتها
تحتي، وقال زيد: [هي] ابنة أخي، فقضى رسول اللّهِ وَلّ لخالتها،، وقال:
الخالة بمنزلة الأمّ .
وقال : لعلي : أنت مني وانا منك .
وقال لجعفر : اشبَهْتَ خَلْقي وَخُلقْ.
وقال لزيدٍ : أنت أخونا ومولانا .
(٣) من (ح) فقفط .
(٤) رسمت في (أ): ((بهاذا)).
(٥) في (أ): ((أنا رسول)).
(٦) في البخاري: (( فتبعته)).
(٧) في (ح): (رضي الله عنها).
(٨) ما بين الحاصرتين من (ح) فقط ، وكذا في الصحيح.
٣٣٨

رواه البخاري(٩) في الصحيح عن عبيد الله بن موسى، وروى عبيد الله وغيرُهُ
عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن هاني بن هاني : وهبيرة بن بِرِيمَ، عن علي
ابن أبي طالب ، فذكر قصة إبنة حمزة وحدها دون ما قبلها من القضية وروى
زكرياء بن أبي زائدة عن أبي إسحاق، عن البراءِ، قصة القضية ، ثم قال: أبو
إسحاق: وحدثني هانىء بن هاني وهبيرة بن يَريمَ، عن علي بن أبي طالب فذكر
قصة إبنة حمّزَة. قد أخرجته في كتاب السُّنَّنِ (١٠).
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ ، قال أخبرنا محمد بن أحمد بن إسحاق
قال : حدثنا الحسن بن الجهم [بن](١١) مَصْعّلة قال : حدثنا الحسين بن
الفرج ، قال : حدثنا الواقدي قال : حدثنا إبن أبي حبيبة، عن داود بن
الحصين ، عن عكرمة، عن ابن عباس : أن عُمارَة بنت حمزة بن عبد المطلب
وأُمُّها سَلمىَ بنت عُميس، كانت بمكة فلما قَدِمَ رسول اللهِمَّ كُلُّم علي بن أبي
طالبِ النبي ◌َّ [فقال]: (١٢) على ما نترك إبنة عَمِّنا يتيمة بين ظهراني
المشركين فلم ينه النبي ◌َّر عن إخراجها، فخرج بها فتكلم زيد بن حارثة وكان
[ وصِيِّ حمزة وكان](١٣) النبي ◌َّ ◌ُ قِد آخّى بينهما حين آخى بين المهاجرين
قال : أنا أحق بها : إبنةُ أخي ، فلما سمعَ بذلك جعفرٌ قال : الخالة والدة، وأنا
احق بها لمكان خالتها عندي أسماء بنت عميسٍ ، وقال عليٍّ: ألا أراكم
تختصمون هي ابنةُ عمّي، وأنا أخرجتها من بين أظهر المشركين، وليس لكم
(٩) أخرجه البخاري في: ٦٤ - كتاب المغازي، (٤٣) باب عمرة القضاء، الحديث (٤٢٥١)، فتح
الباري (٧ : ٤٩٩).
(١٠) أخرجه البيهقي في ((السنن الكبرى» (٨: ٥ -٦).
(١١) في (ح) ((عن)).
(١٢) الزيادة من (ح ).
(١٣) ليست في (ح ).
٣٣٩

اليها نسبٌ دوني ، وأنا أحق بها منكم، فقال رسول الله و لي أنا أحكم بينكم: أما
أنت يا زيد فمولى الله ومولى رسول الله [َ﴾]. (١٤) وأمّا أنت يا عليُّ فأخي وصاحبي
وأما أنت يا جعفرُ فَتُشبِهُ خَلقي وخُلقي، وأنت يا جعفر أولى بها تحتكَ خالتُها ،
ولا تُنكح المرأة على خالتها، ولا على عمتها ، فقضى بها لجعفرٍ (١٥).
قال الواقدي: فلما قضى بها لجعفر قام جعفر فحجل حول رسول الله (﴾
فقال رسول الله ول: ما هذا يا جعفر؟ قال : يا رسول الله كان النجاشي إذا
ارضىَ أحداً قام فحجل حَوْلَهُ، فقال النبي صل *: تزوّجها، فقال إبنة أخي من
الرضاعة، فزوّجها رسول الله 9 سلمة بن أبي سلمة، فكان النبي وَ# يقول هل
جَزَيْتَ سَلَمَةَ(١٦).
(١٤) من (ح ).
(١٥) الخبر رواه الواقدي في المغازي (٢ : ٧٣٨)،
(١٦) وذلك ان سلمة هو الذي كان زوج أم سلمة من رسول الله #.
٣٤٠