Indexed OCR Text

Pages 21-40

ثابت إلى الزبير فقال قد ردّ إليك رسول اللّه ◌َ﴿ اهلك ومالك، فَأَسْلم تَسْلَمْ.
قال : ما فعل المجلسان ، فذكر رجالاً من قومه بأسمائهم ، فقال ثابتٌ: قد قتلوا
وفرغ منهم ، ولعلّ اللّه أن يهديك وأن يكون ابقاك لخير قال الزبير اسألُكَ بالله،
وبيدي عندك ألاما ألحقتني بهم . فما في العيش خيرٌ بعدهم ، فذكر ذلك ثابت
لرسول اللّه ◌َ﴿ فأمَرَ بالزبير فَقُتِل(٣).
فلما قضى اللّه عز وجل قضاءهُ من بني قريظة ، ورفع الله عن المؤمنين
بلاء تلك المواطن ، نزل القرآن يعرّف الله فيه المؤمنين نعمة الله تبارك وتعالى ،
التي أنعم عليهم بها ، حين أرسل على عدوهم الريح وجنوداً لم تروها ، على
الجنود التي جاءَتْهُم من فوقِهم ، ومن أسفل منهم ، وإِذْ زاغت الأبصارُ، وبلغت
القلوب الحناجر ، ويظنون بالله الظنونا حين نزل البلاء ، والشدة بأحاديث
المنافقين ، فإِنه قالت طائفة منهم: ما وعدنا الله ورسوله إلا غروراً، ووقعت
طائفة منهم يَفْرقون عن نصر الله ، ورسوله ، ويدعون إخوانهم ، ويأمرون بترك
رسول اللّه *، وذكر حدّة ألسنتهم، وضعفهم عن البأس ثم ذكر المسلمين
وتصديقهم عند البلاء ، وذِكر أنّ ﴿ .. منهم من قضى نحبه ، ومنهم من ينتظر ،
وما بدلوا تبديلا .. ﴾ ثم ذكر أنَّه ﴿ردّ الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا خيراً، وكفى
الله المؤمنين القتال، وكان الله قوياً عزيزا﴾(٤).
ثم ذكر بني قريظة ومظاهرتهم عدوّ الله ، ورسوله . فقال : ﴿وانزل الذين
ظاهروهم من أهل الكتاب من صياصيهم ، وقذف في قلوبهم الرعب﴾(٥) .
(٣) عن موسى بن عقبة ذكره ابن عبد البر في ((الدرر)) (١٨٠ - ١٨٢) مختصراً، والخبر اخرجه ايضاً
ابن هشام في السيرة (٣ : ١٩٦) وستأتي رواية ابن إسحاق لها بعد قليل.
(٤) [ الأحزاب - ٢٥ ].
(٥) [الأحزاب - ٢٦].
٢١

وما سلَّط المسلمون عليهم من قتلهم وسَبّاءهم ﴿وما أورثهم(٦) من أرضهم
وديارهم وأموالهم وأرضاً لم تطؤوها وكان الله على كل شيء قديراً﴾.
وأنزل في القرآن قرآناً إذا قرأته عرفته ، تسعاً وعشرين آية ، فاتُحها ﴿يا
أيّها الذين آمنوا أذكروا نعمة الله عليكم إذ جاءتْكُم جنودٌ فأرسلنا عليهم ريحاً
وجنوداً لم تروها وكان الله بما تعملون بصيراً﴾(٧).
وأخبرنا أبو عبد الله الحافظ ، قال : أخبرنا أبو جعفر البغدادي ، قال :
حدثنا محمد بن عمرو بن خالدٍ ، قال : حدثنا أبي قال : حدثنا ابن لهيعة قال :
حدثنا أبو الأسود، عن عروة بن الزبير، قال: وأقام رسول اللّه وَ لخر على بني
قريظة ، حتى سألوه أن يجعل بينهم وبينه حكماً ، ينزلون على حكمه ، فقال
رسول اللّه ◌َلو اختاروا من أصحابي من أردتم. وذكر القصة. بمعنى موسى بن
عقبة ، إلّ أنه زاد في قوله: وأرضاً لم تطؤوها . فيزعمون أنها خَيْبَرُ ، ولا
أحسبها إلا كُلَّ أرضٍ فتحها الله عز وجل على المسلمين ، أو هو فاتحها إلى يوم
القيامة .
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ ، قال أبو العباس : محمد بن يعقوب ، قال :
حدثنا أحمد بن عبد الجبار ، قال: حدثنا يونس بن بكير ، عن ابن إسحاق ،
فذكر قصة نزولهم على حكم سَعْدٍ بن معاذ ، وما قيل لسعدٍ وما قال سَعْدٌ قال ابن
اسحاق :
ثم استنزلوا ، فحبسهم رسول اللّه م# بالمدينة، في دار زينب بنت
الحارث، امرأةٌ من بني النجار، ثم خرج رسول الله وَّل إلى موضع خنادق،
(٦) في التلاوة : وأورثكم ارضهم - [الأحزاب - ٢٧ ].
(٧) [الأحزاب - ٩ ].
٢٢

سوق المدينة، التي هي سوقها اليوم ، فخندق فيها، ثم بعث إليهم؛ فضرب
أعناقهم ، في تلك الخنادق، يخرج بهم إليه إرسالً (٨) وفيهم عدو اللّه حُبِيُّ بن
أخطب ، وكعب بن أسيد ، وهو رأسُ القوم ، وهم ثمان مائة أو تسع مائة ،
والمكثِّرُ لهم يقول : ما بين الثمانمائة والتسعمائة وقد قالوا لكعب بن أسدٍ ، وهو
يذهب بهم إلى رسول الله مه أرسالا: يا كعب ما تراه يصنع؟ فقال: في كل
موطن لا تعْقلون . ألا ترونَ الداعي لا ينزع. وأنَّه مَن ذُهِبَ به منكم لا يرجع .
هو والله القتل . فلم يزل ذلك الدأبَ، حتى فرغ رسول اللّه بي منهم فأتى
بحييّ بن أخطب عليه حُلّةٌ فُقَّاحِيَةٌ (٩) ، قد شققها عليه من كل ناحية كموضع
الانملة لكيلا يُسْتَلَبها، مجموعة يداه إلى عنقه بحبل ، فلما نَظَرَ إلى رسول الله
وَثٌ، قال: أما والله ما لُمْتُ نفسي في عداوتِكَ ولكنه مَنْ يخذل اللّه يُخذلِ.
ثم أقبل على الناس فقال : أيها الناس ! إنه لا بأس بأمر الله : كتابٌ ، وقدرٌ ،
وملحمةٌ كتبها الله على بني إسرائيل ، ثم جَلَس فضربت عُنْقُهُ. فقال جبل بن
جوال الثَّعلبي(١٠)
ولكنّهُ من يَخْذُلِ اللّه يُخْذَلِ
لعمْرُكُ ما لَآَمَ ابن أخطبَ نفسه
وقَلْقَلَ يبغي الْغِزَّ كل مقلقل
يُجاهد، حتى أبلغ النفس جهدها
وبعض الناس ، يقول : حُبّيَّ بن أخطب قَالَها .
قال ابن إسحاق حدثني الزهريُّ أنَّ الزبير بن بَاطًا القرظي ، وكان يُكْنَّى
بأبي عبد الرحمن ، كان قد مرَّ على ثابت بن قيس بن الشمّاس ، فذكر قصتَهُ
بمعنى موسى بن عقبة ، وأتُمَّ منه ، وذكر فيمن سأل عنه ثابتاً ، كعب بن أسْدٍ ،
(٨) (أرسالاً) = طوائق.
(٩) ( فُقَّاحية ) = أي تضرب إلى الحمرة نسبة الى الفقاح وهو الزهر إذا انشقت أكمته، وتفتقت براعيمه
(١٠) جبل بن جوال الثعلبي من بني ثعلبة، قال الدارقطني: ((له حجبه)) وقال أبو عبيد: ((كان يهودياً
فأسلم )).
٢٣

وحييّ بن أخطَبَ وغيرهما ، ثم قال : فإِني أسألُك يا ثابت . بيدي عندك ألا
ألحقتني بالقوم ! فوالله ما في العيش بعد هؤلاء من خير. فما أنا بصابرٍ حتى
ألقى الأحبة . فقدمه ثابت فضَرب عُنُقَهُ. فلما بَلَغ أبا بكرٍ رضي الله عنه قوله
الْقَى الأحبة ، قال: يلقاهم واللّه في نار جهنم خالداً مُخَلّداً، وكان رسول الله
﴿﴿ قد أمر بقتل كل من أنْبَتَ منهم (١١).
قال ابن اسحاق : ثم قَسَمَ رسولُ الله مشة أموال بني قريظة ، ونساءهم
وأبناءهم على المسلمين .
قال ابن إسحاق : فحدثني عبد الله بن أبي بكرٍ بن محمد بن عَمْرو بن
حزم ، قال : لم تقع القسمةُ ولا السهمُ ، إلا في غَزَاةِ بني قريظة ، كانت الخيلُ
يومئذٍ ست وثلاثين فرساً، ففيها أعلم رسول الله وََّ سُهْمَانَ الْخَيْل، وسهمان
الرجال، فعلى سنتها جَرَت المقاسِم، فجعل رسول اللّه ◌ُ ل# يومئذ للفارس
وفرسه ثلاثة أسهمٍ . له سَهْمٌ ولفرسه سَهْمَان ، وللراجل سَهْماً .
قال ابن إسحاق: ثم بَعَثَ رسول اللّه ◌َ لَ سَعْد بن زيدٍ أخّا بني عبد
الأشهل ، بِسبايا بني قريظة ، إلى نجدٍ فابتاع له بهم خيلاً، وسلاحاً ، وكان
رسول اللّه * قد اصطفى، لنفسه من نسائهم رَيْحانة بنت عمرو بن خُنافة،
إحدى نساء بني عَمْرو بن قريظة ، وكانت عند رسول اللّه ◌ُث﴿ حتى تُوُفَيَ وهي في
ملكه، وقد كان رسول اللّه ◌ُثُ عَرَض عليها أن يتزوَّجَها ويضرب عليها
الحجاب . قالت : يا رسول اللّه بل تتركني في مالِك فهو أخفُّ عليك وعليّ،
فتركها وقد كانت حين سبّاها تعصَّت بالإِسلام ، وأبت إلَّ اليهوديّة ، فعزلها
رسول اللّه ◌َّر؛ ووجد في نفسه لذلك من أمرها. فبينما هو في مجلسٍ مع
أصحابه إذا سمع وقع نعلين خلفَه . فقال إن هذا لثعلبة بن سَعْيَة يبشرني بإسلام
(١١) أي نبت شعره .
٢٤

ريحانة فقال يا رسول الله قد أسلمت ريحانة؛ فسَرَّهُ ذلك(١٢).
أخبرنا أبو بكر بن فورك ( رحمه الله ) قال : أخبرنا عبد الله بن جعفر .
قال : حدثنا يونس بن حبيب . قال : أخبرنا أبو داود قال : حدثنا شعبة ، عن
عبد الملك بن عُمير ، عن عطية القرظي قال : كُنْتُ فِي سَبْي بني قريظةٍ فَأَمْرٌ
رسولُ اللّهِ وَهُ بِمَن أَنْبَت أنْ يُقتل، فكنتُ فيمن لم ينبت فتُرِكْتُ(١٣).
(١٢) سيرة ابن هشام (٣: ١٩٦ - ١٩٨)، وتاريخ ابن كثير (٤: ١٢٥ - ١٢٦).
(١٣) رواه ابن هشام في السيرة (٣ : ١٩٧).
٢٥

باب
دعاء سعد بن مُعَاذٍ رضي الله عنه
في جراحته وإِجابة الله تعالى إياه في دَعْوَتِهِ وما ظهر في ذلك من
کرامته
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ ، قال : أخبرنا أبو الفضل بن إبراهيم ، قال :
حدَّثنا أحمد بن سلمة ، قال : حدثنا محمد بن رافع ، والحسين بن منصور ،
قالا : حدثنا ابن نُمير ، قال : حدثنا هشام ، عن أبيه ، عن عائشة ، قالت :
أُصيب سعدٌ يوم الخندق : رماهُ رجلٌ من قريشٍ . يقال له حُبَّان بن العَرقَةِ ، رماه
في الأكحل؛ فَضَرَب عليه رسول الله { ﴿ خيمة في المسجد، ليُعُودّهُ من
قريب(١) .
فلما رجع رسول الله # من الخندق ، ووضع السلاح واغتسل ، فأتاه
جبريل وهو ينفض رأسه من الغبار، قال : قد وضعت السلاح ! والله ما
وضعناها. اخرج إليهم، قال رسول الله رضليس: فأين؟ قال: ها هنا، وأشار إلى
بني قريظة، فخرج رسول الله { 18؛ فنزلوا على حُكم رسول اللّهِ حَ له، فردٍّ
الحكم فيه إلى سعدٍ . قال : فإني أحكم فيهم أن تُقتل المقاتلة ، وتسبى
الذّريَّة، وتقسم أموالهم. قال أبي فأخبرت أن رسول الله محله. قال: لقد
(١) الحديث تقدم في الباب السابق ، وقد أخرجه البخاري في الصلاة مقطعاً، وفي المغازي، ومسلم
في المغازي، وأبو داود في الجنائز حديث (٣١٠١)، ص (٣: ١٨٦).
٢٦

حكمت فيهم بحكم الله(٢).
قال : وحدثنا هشام قال : أخبرني أبي ، عن عائشة ، أن سعداً تحجّر
كَلْمِه(٣) للْبُرْءِ، فقال: اللهم إنك تعلمُ أنَّه ليس أَحدُ أحَبَّ إليَّ أن أُجَاهِدَ فيك
من قومٍ كَذَّبوا رسولك وَّه وأخرجوه ، اللهمَّ فإِني أظن أنك قد وضعت الحَرْبَ
بيننا وبينهم ، فإِن كان بقي من حَرْبٍ قريشٍ ، فأبْقني لهم حيّ ، أجاهدهم
فيك . وإِن كنت قد وضعت الحربَ بيننا وبينهم، فافْجُرْهَا واجعل موتي فيها .
قال : فانفجَرَ من ليّتَه فلم تُرْعُهُمْ ، ومعهم في المسجد أهْل خيمة من بني غِفَارٍ -
الا الدمُ يسيْل اليهم . فقال يا أهل الخيمة . ما هذا الذي يأتينا من قبلكم ؟ فإِذا
سَعْدٌ جُرْحَهُ يَغْذُوْ؛ فمات منها .
رواه البخاري في الصحيح عن زكريا بن يحيى ، عن عبد الله بن نميرٍ (٣).
ورواه مسلم عن أبي كُريب ، عن عبد الله (٤).
ورواه محمد بن إسحاق بن يسار ، عن عاصم بن عمر بن قتادة ، وقال
في دعائه : وإِن كُنْتَ وضعت الحرب بيننا وبينهم ، فاجعله لي شهادةٌ ولا تمتني
حتى تُقرَّ عيني من بني قريظة كما مَضَى(٥).
وأخبرنا أبو علي : الحسن بن محمد الروذباريُّ . قال : أخبرنا الحسين
"بن الحسن بن أيوب الطوسي ، قال : حدثنا ابن أبي مسرة ، قال حدثنا
(٢) البخاري في: ٦٤ - كتاب المغازي، (٣٠) باب مرجع النبي به من الأحزاب، ومسلم في :
٣٢ - كتاب الجهاد، باب جواز قتال من نقض العهد، الحديث (٦٥)، ص (١٣٨٩).
(٣) ( تحجرُّ کلمه ) = أي یبس جرحه.
(٤) أخرجه البخاري في: ٦٤ - كتاب المغازي، (٣٠) باب مرجع النبي حة من الأحزاب.
(٥) أخرجه مسلم في: ٣٢ - كتاب الجهاد والسير، الحديث (٦٧)، ص (٣: ١٣٩٠).
(٥) سيرة ابن هشام (٣ : ٢٠٣).
٢٧

المقرىءُ، قال : حدثنا الليثُ ، قال : حدثنا أبو الزبير ، عن جابرٍ ، قال: رُميَ
سعد بن مُعاذٍ يوم الأحزاب، فقطعوا أكحلُه، فحسمه رسول الله { # بالنار ،
فانتفخت يده فتركه فنزف الدمُ ، فَسمهُ أخرى ، فانتفخت يده ، فلما رأى ذلك
قال : اللهم لا تخرج نفْسي حتى تُقرَّ عيني من بني قريظة ، فاستمسك عِرْقُه ،
فما قطرت منه قطرةٌ ، حتى نزلوا على حكم سعدٍ بن معاذٍ ، فأرسل إليه رسول
اللّهَ﴿ فحكم أن تُقْتَلَ رجالُهم، وتُسبى نساؤهم ، وذراريهم ، يستعين بهم
المسلمونَ. فقال رسول الله بَ ﴿ لسعد أَصَبْتَ حكم الله فيهم وكانوا أربع مائة
فلما فرغ من قتلهم انفتق عرقه ؛ فمات - رحمه الله _(٦).
أخبرنا أبو إسحاق إبراهيم بن محمدٍ بن علي بن معاوية العطار
النيسابوري ، قال : حدثنا أبو حامد أحمد بن محمد بن أحمد بن بالويه
العَقْصيُّ ، قال : حدثنا أحمد بن سلمة قال : حدثنا إسحاق ، قال: أخبرنا
عمرو بن محمد القرشي قال : حدثنا ابن إدريس ، عن عبيد الله ، عن نافعٍ ،
عن ابن عُمَر ، قال: قال رسول اللّه ◌َ﴿ إن هذا الذي تحرّك له العرش، يعني
سعدٌ بْنَ مُعَاذٍ ، وشيّع جنازته سبعون ألف ملك، لقد ضُمَّ ضمةً، ثم فُرّج
عَنْهُ(٧) .
قال : وحدثنا أحمد بن سلمة . قال : حدثنا اسحاق . قال : أخبرنا
المعتمر ، عن أبيه ، عن الحسن ، قال : اهتزّ له عرشُ الرحمن فرحاً
بروچه(٨) .
(٦) أخرجه الترمذي في كتاب السير، (٢٩) باب ما جاء في النزول على الحكم، الحديث (١٥٨٢)،
ص (٤ : ١٤٤ - ١٤٥)، وقال: ((حسن صحيح))، والإِمام أحمد في مسنده (٣: ٣٥٠).
(٧) نقله ابن كثير في التاريخ (٤: ١٢٨) بإسناده عن ابن عمر، وعزاه للبزار.
(٨) فيه انقطاع، وله ذكر عند ابن هشام (٣ : ٢٠٣).
٢٨

أخبرنا أبو عبد الله الحافظ ، قال : حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب ،
قال : حدثنا محمد بن عبد الله بن عبد الحكم ، قال : حدثنا أبي ، وشعيبُ بن
الليث ، قالا : أخبرنا الليث بن سعد ، عن يزيد بن الهاد ، عن معاذ بن رفاعة ،
عن جابر بن عبد الله، قال: جاء جبريلُ عليه السلام إلى رسول اللّه ◌ُ لا فقال:
مَنْ هذا العبد الصالح الذي مات ؛ ففتحت له أبوابُ السماءِ ، وتحرك له
العرش. قال: فخرج رسول اللّه ◌ِ وَ﴿ه، فإِذا سعدُ بنُ معادٍ ، قال: فجلس رسول
اللّه ◌ُ ل﴿ على قبره وهو يُدفن، فبينما هو جالس إذ قال: سبحان الله مرتين،
فسبَّح القوم ثم قال الله أكبر اللّهُ أكبر، فكبّر القوم. فقال رسول اللّه وَ ◌ّ عجبتُ
لهذا العبد الصالح شُدِّدَ عليه في قبره ، حتى كان هذا حين فُرِّجَ لَهُ (٩).
وأخبرنا أبو عبد الله الحافظ ، قال : حدثنا أبو العباس : محمد بن
يعقوب ، قال : حدثنا أحمد بن عبد الجبار ، قال : حدثنا يونس بن بكير ، عن
ابن إسحاق ، قال : حدثنا معاذ بنُ رفاعة بن رافع الزّرقي ، قال: أخبرني من
شئت مِنْ رجالٍ قومي ، أن جبريل أتى النبي ◌َّ# في جوف الليل ، معتجراً
بعمامةٍ من استبرقٍ ، فقال: يا محمد مَنْ هَذَا الميت الذي فُتحت له أبواب
السماءِ؟ واهتزَّ له العرش؟ فقام رسول اللّهِ وَلَهُ يجرّ ثوبه، مبادراً إلى سعد بن
معاذٍ فوجده قد قُبض(١٠) .
وأخبرنا أبو بكر أحمد بن الحسن القاضي ، قال : حدثنا أبو العباس
الأصمّ ، قال : حدثنا أحمد بن عبد الجبار . قال : حدثنا يونس ، عن ابن
إسحاق ، قال : حدثنا معاذ بن رفاعة بن رافع ؛ قال : أخبرنا محمود بن عبد
الرحمن بن عمرو بن الجُمُوح ، عن جابر بن عبد الله ، قال : لما وضع سعد بن
(٩) مسند أحمد (٣ : ٣٢٧)، ومعاذ به رفاعة أخرج له البخاري ، وصنفه ابن معين .
٠
(١٠) سيرة ابن هشام (٣: ٢٠٣)، البداية والنهاية (٤ : ١٢٩).
٢٩

مُعَاذٍ في حفرته ، سبح رسول اللّه وَّ وسبَّح الناس معه ، ثم كبّر وكبّر القوم ، معه
قالوا : يا رسول اللّه بِمَ سبحت . فقال : هذا العبدُ الصالح . لقد تضايق عليه
قبره حتى فرجه الله عنه(١١) .
وأخبرنا أبو عبد الله الحافظ ، قال : حدثنا أبو العباس ، قال : حدثنا
أحمد . قال : حدثنا يونس ، عن ابن إسحاق . قال : حدثنا أمية بن عبد اللّه ،
أنه سأل بعض أهل سعدٍ: ما بلغكم من قول رسول اللّه ية في هذا؟ فقالوا
ذكر لنا أنّ رسول اللّه وهيٍ سُئل عن ذلك؛ فقال: كان يُقَصّر في بعض الطهور
من البول .
(١١) الخبر في سيرة ابن هشام (٣ : ٢٠٣).
٣٠

باب
إسلام ثعلبة وأسيدِ ابْنَيْ سعْيَة ،
وأسد بن عبيد وما في ذلك من آثار النبوّة
أخبرنا أبو الحسن علي بن محمد المقرىء الأسفرائني بها ، قال : أخبرنا
الحسنُ بن محمد بن إسحاق ، قال : حدثنا يوسف بن يعقوب القاضي . قال :
أخبرنا نصر بن علي ، قال : حدثنا وهب بن جرير بن حازم ، قال : حدثنا
أبي ، عن محمد بن إسحاق قال : حدثنا عاصم بن عُمَرَ ، عن شيخ من بني
قريظة، قال : قَدِمَ علينا من الشام رَجُلٌ يهوديٌّ، يقال له ابن الهيّبان ، والله ما
رأينا رجلاً قط ، خيراً منه، فأقامَ بين أَظْهُرنا ، فكنا نقول له إذا احتبس المطر :
استسق لنا ، فيقول : لا والله، حتى تخرجوا أمام مخرجكم صدقة ، فيقولون :
ماذا فيقول : صاع من تَمْرٍ . أو مُدٌ من شعير ، فنفعل ، فيخرج بنا إلى ظاهر
حَرَّينا ؛ فوالله ما يبرح مجلسَهُ، حتى تمُرَّ بنا الشعاب . تسيل ، قد فعل ذلك
غير مرةٍ ، ولا مرتين ، فلما حضرته الوفاةُ . قال : يا معشر يهود أما ترونه
أخرجني مِنْ أرض الخَمْر والخمير ، إلى أرض البؤسِ والجوع! قلنا أنت
أعلمُ ، قال : أخرجني نبيٌّ أتوقعه يُبعَثُ الآن فهذه البلدة، مهاجْرُةُ وأنه يُبْعَثُ
بسَّفْكِ الدماءِ ، وسبي الذريَّة فلا يمنعنكم ذلك منه ولا تسبقُنَّ إليه ثم مات .
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ ، قال : حدثنا أبو العباس: محمد بن
يعقوب ، قال : حدثنا أحمد بن عبد الجبار ، قال : حدثنا يونس ، عن ابن
٣١

إسحاق ، قال : حدثنا عاصم بن عُمر بن قتادة ، عن شيخ من بني قريظة ، أنه
قال : هل تدري عمّا كان إسلامُ ثعلبة وأسيد ابنيْ سعية وأسد بن عبيد نَفَرٍ من
هَزْل، لم يكونوا من بني قريظة ، ولا نضير كانوا فوق ذلك ، فقلت: لا ، قال :
فإِنه قَدِمَ علينا رجُلٌ ، من الشام من يهود ، يقال له ابن الهيِّبان ، فذكر القصة
بمعنى رواية جرير ، وزاد : قال : فلما كانت تلك الليلة التي افتتحت فيها
قريظة ، قال : أوليك الفتية الثلاثة ، وكانوا شباباً أحداثاً، يا معشر يهود هذا
الذي كان ذكر لكم ابن الهيِّان . قالوا ما هو ؟ قال : بلى . والله إنّه لهوّ يا معشر
يهود . إنه والله لَهّ بصفته ، ثم نزلوا فأسلموا وخلّوا أموالهم وأولادهم وأهاليهم .
قالوا : وكانت أموالهم في الحصن مع المشركين ، فلما فُتح رُدَّ ذلك عليهم .
وخرج في تلك الليلة - فيما زعم - ابن إسحاق عمرو بن سُعْدَى القُرَظيُّ، فمرّ
بحرس رسول الله له وعليه محمد بن مسلمة تلك الليلة، فلما رآهُ. قال: من
هذا ؟ قال : أنا عمرو بن سُعْدى . وكان عمرو قد أبى أن يدخل مع بني قريظة
في غدرهم برسول الله بشهرٍ وقال لا أغدِر بمُحمدٍ أبداً . فقال محمد بن مسلمة
حين عرفه : اللهم لا تحرمني عثراتِ الكرامِ . ثم خلَّى سبيله فخرج ، حتى
بات في مسجد رسول اللّه ◌ُ ﴾ بالمدينة تلك الليلة، ثم ذهب فلم يُدْرَ أين ذهب
من الأرض إلى يومه هذا، فذُكر شأنه لرسول الله به فقال ذاك رجلٌ نجاه الله
بوفائه ، وبعض الناس يزعم أنه كان أُوْثِقَ فيمن أُوْثِقَ ، من بني قريظة حين نزلوا
على حكم رسول اللّه ◌َهر فأصبحت رُمَّته ملقاةً ولا يُذْرى أين ذهب فأنزل الله عز
وجل في أمْرٍ الخندق وأمرٍ بني قريظة القرآن في سورة الأحزاب . يذكر فيها ما
نزل من البلاء ونعمته عليهم ، وكفايته إياهم ، إذْ فرَّجَ ذلك عنهم بَعْدَ سُوءٍ
الظّن ، وقول مَنْ قال من أهل النفاق ، ﴿يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله
عليكم إذ جاءتكم جنودٌ فأرسلنا عليهم ريحاً وجنوداً .. ﴾ الآية(١).
(١) ذكر ابن إسحاق قصة إسلامهما في سياق غزوة بني قريظة، ولهما ترجمة في الاصابة (١ : ٣٣)
ونقل ما ذكره ابن إسحاق، وقال : رواه الطبري وابن منده من طريق أخرى عن ابن إسحاق .
٣٢

باب
قتل أبي رافع عبد الله بن أبي الحقيق ، ويقال : سلامُ بن أبي الحقيق
قال ابن اسحاق : كان بخيبر ، ويقال : في حصنٍ له بأرض الحجاز
وما ظهر في قصته من الآثار .
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ ، قال : حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب ،
قال : أخبرنا أحمد بن عبد الجبار ، قال حدثنا يونس بن بكير ، عن محمد بن
اسحاق، قال : فَلَمَا انْقَضى أمْرُ(١) الخندق، وأمر بني قريظة، وكان أبو رافع
سلامُ بن أبي الحقيق ممن كان حَزَّب الأحزاب على رسول اللّهِ وَلّ، وكانت
الأوس قَبْلَ أُحُدٍ قَدْ قَتَلَتْ كَعْبَ بن الأشرف في عداوة رسول اللّه وَيُّهُ، وتحريضِهِ
عليه ، فاستأذنَتِ الخزرج رسول اللّهِ وَلّ في قتل سَلَّم بن أبي الحقيق، وكان
بخيبر ، فأذّن لهم فيه(٢) .
قال ابن إسحاق : حدثنا الزهري ، عن عبد اللّه بن كعب بن مالك .
قال : كان مما صنعَ الله لرسوله {189، أن هذّيْنِ الحَيَّيْن مِنَ الأنصار: الأوسَ
والخزرج ، كانا يتصاولان(٣) معه تصاول الفحلين ، لا يصنعُ أحدهما شيئاً إلا
(١) في سيرة ابن هشام (٣: ٢٣١): ((شأن)).
(٢) الخبر أخرجه ابن هشام في السيرة (٣: ٢٣١)؛ ونقله الحافظ ابن كثير في ((البداية والنهاية))
(٤ : ١٣٧)، مختصراً.
(٣) (يتصاولان ) = يقال: تصاول الفحلان إذا دفع هذا على هذا، وهذا على هذا، وأراد أن كل
واحدٍ من الحيين كان يدفع عن رسول الله صل ويتفاخران بذلك، فإذا فعل أحدهما شيئاً فعل الآخر
مثله .
٣٣
( م ٢ - دلائل النبوة جـ ٤ )

صَنَعَ الآخر مثله ، فلما قُتلت الأوس كعب بن الأشرف ؛ تذكرت الخزرج
رَجُلاً، هو في العداوة لرسول الله * مثله ؛ فذكروا ابن أبي الحقيق بخيبر ،
فاستأذنوا رسول الله وَّ في قتله؛ فأذِنَ لهم فخرج إليه عبد الله بنُ عتيك ، وأبو
قتادة، وعبد الله بن أنسٍ ، ومسعود بن سِنَانٍ، والأسود بن خُزَاعِيّ، حَليفٌ مِنْ
أسلم .
قال ابن إسحاق : وحسبت أن فيهم فُلانُ بن سلمة ، فخرجوا إليه ، فلما
جاؤ وه ، صعدوا إليه في عُلَيَّةٍ له فنوهتْ بهم امرأتُه ، فَصَيَّحتْ ، وكان قد نهاهم
رسول اللّهَ ﴾ حين بعثهم عن قتْلِ النساءِ، والولدان، فجعل الرجل يحمل
عليها السيف ثم يذْكر نهيَ رسُولِ الله وَّر عن قتل النساء ؛ فيمسك يده ، قال :
فابتدروه بأسيافهم ، وتحامل عليه عبد الله بن أنيس في بَطْنِهِ بالسَّيْفِ حتى
قَتَلَهُ(٤) .
وروى ذلك عن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك ،
عن أبيه ، عن أمّه، عن عبد الله بن أنيس ، أنه قتله ابن عُتيكٍ وابن أنيس ذَقَّفَ
عليه ، وقيل فيه أنه قتله ابن عُتَيْكٍ وذفف عليه .
والصحيح ما أخبرنا أبو عَمْرو محمد بن عبد اللّه الأديب . قال : أخبرنا أبو
بكر أحمد بن إبراهيم الإسماعيلي ، قال : أخبرنا الحسن بن سفيان . قال :
أخبرنا إسحاقُ بن إبراهيم ، قال : أخبرنا يحيى بن آدم ، قال : حدثنا ابن أبي
زائدة ، عن أبيه ، عن أبي إسحاق ، عن البراء بن عازب ، قال :
بَعَثَ رسول اللّهِ وََّ رهْطاً من الأنصار إلى أبي رافعٍ، فَدَخَلَ عليه عبد الله
ابن عتيك بيته ليلاً ؛ فقتله وهو نائمٌ .
(٤) سيرة ابن هشام (٣: ٢٣٢)، البداية والنهاية (٤: ١٣٧).
٣٤

ورواه(٥) البخاري في الصحيح عن اسحاق بن نصرٍ ، وغيره ، عن يحيى
ابن آدم(٦).
وأخبرنا أبو عبد الله الحافظ ، قال : أخبرنا أبو أحمد الحافظ ، قال :
أخبرنا أبو جعفرٍ محمد بن الحسين الخثعمي ، قال : حدثنا أحمد بن عثمان بن
حكيم الأوْديُّ ، قال : حدثنا شريح بن مسلمة ، قال : حَدَّثَنا إبراهيم بن يوسف
ابن أبي إسحاق ، عن أبيه ، عن أبي إسحاق ، قال : سمعت ، البراء ، قال :
بَعَثَ رسول اللّهِوَ﴾ إلى أبي رافع: عبد الله بن عتيك، وعبد الله بن عُتْبَة
في أناسٍ معهم ، فانطلقوا حتى ذَنّوْا من الحصنِ ، فقال لهم عبد الله بن
عَتيك : امكثوا أنتم حَتَّى أنطلقَ أنا فأنظر، قال : فتلطّفْتُ أنْ أدخل الحصن ،
قال : ففقدوا حماراً لهم ؛ فخرجوا بقَبسٍ يطلبونَهُ، قال : فخشيتُ أن أُعْرَفَ ؛
فغطَّيْتُ رأسي ، وجَلَسْتُ كأني أقضي حاجَةً قال : فنادى صاحبُ الباب : مَنْ
أراد أن يدخل فليدخل قبل ان أغلقَهُ، قال : فدخَلْتُ ثم اختبأَتُ في مَرْبَطٍ حمارٍ
عند باب الحصن ، قال : فتعشّوا عند أبي رافع ، وتحدثوا حتّى ذَهَبَ ساعَةٌ مِنْ
اللَّيْلِ ، ثم رجعوا إلى بيوتهم ، فلما هَدَأت الأصواتُ ولا أسمع حركةً خرجتُ ،
قال : ورأيتُ صاحب الباب حيث وَضَعَ مفتاحَ الحصن ، في كوةٍ فأخذْتُ ،
ففتحت به باب الحصن .
قال : قلت : إن نَذِرَ بي القوم ، انطلقتُ على مَهْلِي، قال: ثم عمدت
إلى أبواب بيوتهم ؛ فغلقتها عليهم من ظاهرٍ ، ثم صعدتُ إلى أبي رافع في
سُلّمٍ ، فإِذا البيت مُظلمٌ ، قد طفىء سراجُهُ فلم أدرٍ أين الرجل ، فقلتُ : يا أبا
(٥) في (ح): ((رواه)).
(٦) البخاري عن إسحاق بن نصر في : ٦٤ - كتاب المغازي، (١٦) باب قتل أبي رافع ، الحديث
(٤٠٣٨)، فتح الباري (٧ : ٣٤).
٣٥

رافع . قال : مَنْ هذا . قال : فعمدتُ إلى الصّوت فأصبته ، قال : فصاح فلم
يُغْن شيئاً .
قال : ثم جئتُ كأني أغيئه ، فقلت : مالك يا أبا رافعٍ ؟ وغيّرت صوتي ،
[ قال](٧) ألا أعجبُكَ، لُأَمِّكَ الوَيْلُ، دَخَل عليَّ رجل فضربني بالسَّيْف ،
قال : فَعَمَدْتُ لهُ أيضاً ؛ فأضربه أخرى ، فلم تُغْنِ شيئاً . فصاح وقامَ أهلهُ .
قال : ثم جئت وغيرتُ صَوْتِي كهيئةِ المغيثِ ، وإِذا هو مستلقى على
ظَهْرِهِ . قال فأَضَعِ السَّيْف في بَطْنِه، ثم اتّكِىءُ عليه ، حتى سمعتُ صوت
العظم ، ثم خرجت دَهِشاً، حتى أتيتُ السُّلَم أريد أنْزِلُ ، فأسقط منه
· فانخلعت(٨) رجلي ، فعصبتها ، ثم أتيت أصحابي أحجل . فقلت : انطلقوا
فبشروا رسول اللّه وَّه، فإني لا أبرح حتى أسمع الناعية.
قال : فلما كان في وجه الصبح صَعِدَ الناعية ، فقال : أنعي أبا رافع ،
قال: فَقُمت أمشي ما بي قلبةٌ ، فأدركتُ أصحابي قبل أن يأتوا النبي وَّ ؛
فبشرتُه .
رواه البخاري في الصحيح عن أحمد بن عثمان(٩).
أخبرنا أبو عمروٍ البسطامي ، قال : أخبرنا أبو بكر الإسماعيلي ، قال :
أخبرني الحسن ، هو ابن سفيان ، قال : حدَّثنا إسحاق بن إبراهيم ، قال :
أخبرنا عُبَيْد اللّه بن موسى ، قال الإِسماعيليُّ: وأخبرني المنْيعيُّ، والحَسنُ؟
قالا : حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة . قال : حدثنا عبيد الله بن موسى ، قال :
(٧) الزيادة من (ح ).
(٨) في (ح) و(أ): ((فاختلفت)) وأثبتُّ ما في ( ص ) وهو موافق للبخاري.
(٩) البخاري في الصحيح عن أحمد بن عثمان في : ٦٤ - كتاب المغازي، (١٦) باب قتل أبي رافع ،
الحديث (٤٠٤٠)، فتح الباري (٧ : ٣٤١).
٣٦

أخبرنا إسرائيل ، عن أبي إسحاق ، عن البراء . قال :
بَعَثَ رسول الله وََّ إلى أبي رافع اليهوديّ رجالاً من الأنصار، وأَمَّرَ عليهم
عبد اللّه بن فلانٍ(١٠)، وكان أبو رافعٍ يُؤْذِي رسولَ الله ◌ِّهِ ويعينُ عليه ، وكان
في حصن له بأرض الحجازِ ، فلما دَنَوْا منه وقد غربتِ الشمس ، وراح الناس
بسَرْجِهمْ ، قال عبد الله لأصحابه : اجلسوا مكانكم فإِني منطلق فمتلطفٌ
للبواب(١١) ، فلعلي أدخل. قال : فأقبل حتى دَنّا من الباب، ثم تقَنَّعَ بثوبه كأنه
يقضي حاجته ، وقد دخل الناس ؛ فهتف به البواب ، يا عبد الله . إن كنت تريد
أن تدخل . فادخل ؛ فإِني أريدُ أن أغلق الباب . فدخَلتُ ، فكمنت ، فلما دخل
الناسُ أغلق الباب ، ثم عَلَّقَ الاقاليد على ودّ . قال: فقمتُ إلى الأقاليد ففتحت
الباب ، وكان أبو رافعٍ يُسمَرُ عنده ، وكان في علاليّ فلمَّا أن ذهب عنه أهل
سمرٍهٍ، صعدْتُ إليه فجعلتُ كُلَّمَا فُتِحَتْ باباً أغلقْتُهُ عليٍّ مِنْ داخِل . قُلت:
إِنَّ القوم نَذِروا بي لم يخلصوا إليّ، حتى أقتلهُ ، فانتهيتُ إليه فإِذا هو في بيتٍ
مظلم ، وَسْطَ عياله ، لا أدري أين هو من البيت . قلت: يا أبا رافع ! قال : من
هذا فَأَهْوَيْتُ نَحْوَ الصَّوْتِ ، فأضربُهُ ضربةً بالسيف وأَنَا دَهِشٌ. فما أغنى شيئاً ؛
فصاحَ . قال : فخرجتُ من البيتِ فأمكثُ غير بعيدٍ ثم دخلتُ إليه . فقلتُ : ما
هذا الصوت يا أبا رافع . قال: لُأُمّك الويل. إنَّ رجلاً في البيت ضَرَبني قَبْلُ
بالسيف . قال فاضْرِبُهُ ضربة اثْخَنَتُهُ . ولم أقتلهُ ، ثم وضعت صدر السيف في
بطنه ، حتى أخذ في ظهره ، فعلمت أني قد قتلته . فجعلتُ أفتح الأبواب باباً
فباباً . حتى انتهيت إلى درجه ، فوضعتُ رجلي وأنا أرى أني قد انتهيتُ إلى
الأرض ، فوقعتُ في ليلة معمرةٍ ، فانكسرت ساقي ؛ فعصبتها بعمامة(١٢) ، ثم
(١٠) في صحيح البخاري: ((عبد الله بن عنيك)).
(١١) كذا في (أ) و (ح) وفي (ص): ((بالبواب )، وفي صحيح البخاري: ((ومتلطف للبواب)).
(١٢) كذا في (أ) و (ح) وصحيح البخاري، وفي (ص): ((بعمامتي)).
٣٧

انطلقتُ حتى جلستُ عند الباب ، فقُلت لا أبرحُ الليلة حتى أعلم : أَقَتَلْهُ ؟
فلما صاح الديكُ ، قام الناعي على السور ، فقال : أنعي أبا رافع ،
فانطلقتُ إلى أصحابي ، فَقُلْتُ : النجاءُ النجاءَ فقد قَتَلَ اللّه أبا رافع فانتهينا إلى
النبي ◌ََّ حدَّثناه. فقال: ابْسُطْ رجلك فبسطتُهَا فمسحها فكأنما لم أشكها قط .
رواه البخاري في الصحيح عن يوسف بن حوسى ، عن عبيد الله بن
موسی(١٣) .
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ ، قال : أخبرنا أبو جعفر البغدادي ، قال :
حدثنا محمد بن عمرو بن خالدٍ ، قال : حدثنا أبي ، قال : حدثنا ابن لهيعة ،
قال : حدثنا أبو الأسود ، عن عروة قال : وكان سلام بن أبي الحقيق قد أجلب
في غطفان، ومن حوله من مشركي العرب، يدعوهم إلى قتال رسول اللّه وال
ويجعل لهم الجعل العظيم ؛ فاجتمعتْ معهم غطفان ، وحُبِيُّ بن أخطب بمكة
قد استغوى أهل مكة ، حَدَّثهم أن عشيرتهم يترددون بتلك البلاد ، ينتظرون
المدد والأموال ، وأطاعت لهم غطفان ، وبعث رسول اللّه وثة إلى ابن أبي
الحقيق عبد الله بن عُتيكِ بن قيس بن الأسود، وأبا قتادة بن ربعي ، وأسود
الخزاعي ، وأمَّرَ عليهم عبد الله بن عُتيك فبيتوه ليلاً فقتلوه(١٤).
أخبرنا أبو الحسين بن الفضل القطان ببغداد ، قال : أخبرنا محمد بن عبد
الله بن عتاب العبدي ، قال : حدثنا القاسم بن عبد الله بن المغيرة ، قال :
حدثنا إسماعيل بن أبي أويس ، قال : حدثنا إسماعيل بن إبراهيم بن عقبة عن
موسى بن عقبة ، قال :
(١٣) البخاري عن يوسف بن موسى في الموضع السابق. فتح الباري (٧: ٣٤٠).
(١٤) ((الدرر)) لابن عبد البر (١٨٣).
٣٨

بَعَثَ رسول اللّهِ وَّ عبد الله بن عُتيك، وعبد الله بن أنيسٍ ، ومسعود بن
سنان بن الأسود ، وأبا قتادة بن ربعي بن بلدَمة ، من بني سلمة، وأسود بن
خزاعي حليفاً ، لهم ويقال : نجدةٌ ، في غير هذا الكتاب ، وأسعد بن حُرَامٍ
وهو أحد البُرَك حليفٌ لبني سَوَادٍ ، فأمُّرَ عليهم رسول اللّهِوَّ: عبدُ الله بن
عُتيك ، فطرقوا أبا رافع بن أبي الحُقيق اليهوديّ بخيبر فقتلوه في بيته .
قال موسى بن عقبة ، قال ابن شهاب : قال ابن كعب : فَقَدِموا على
رسول اللّه ◌َّيٌ وهو على المنبر، فقال: أفلحت الوجوهُ قالوا : أفلح وجهُكَ يا
رسول الله، قال: أقتلتموه؟ قالوا: نعم . قال : ناولوني السيف؛ فَسلَّهُ .
فقال : أجل هذا طعامه في ذباب السيف(١٥) .
(١٥) رواية موسى بن عقبة ذكرها ابن عبد البر في ((الدرر)) (١٨٦) باحتصار، ونقلها الحافظ ابن كثير
في البداية والنهاية (٤ : ١٣٩).
وانظر اخباراً اخرى في قتله في صحيح البخاري = فتح الباري (٦ : ١٥٤ - ١٥٥)، وسيرة ابن
هشام (٣: ٢٣٢)، وطبقات ابن سعد (٢: ٩١)، وتاريخ الطبري (٢ : ٤٩٣)، وابن حزم
(١٩٨)، وتاريخ ابن كثير (٤: ١٣٧)، ونهاية الأرب (١٧ : ١٩٧).
٣٩

باب
قتل ابن نُبَيْح الهُذليّ ، وما ظهر في ذلك من آثار النبوة بوجود الصدق
٠
في خَبَرِهِ
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ ، قال : أخبرنا أبو جعفرٍ البغدادي قال : حدثنا
محمد بن عمرو بن خالدٍ ، قال : حدثنا أبي قال : حدثنا ابن لهيعة ، قال :
حدثنا أبو الأسود، عن عُروة، قال بَعَثَ رسول الله وَ ◌ّه عبد الله بن أنّيْس(١)
السّلَّميَّ إلى سفيان بن خالد الهذليّ، ثم اللَّحيَانيّ ليقتله وهو بِعُرَنَة(٢) وادي
مكة .
وأخبرنا أبو الحسين بن الفضل القطان ببغداد ، قال : أخبرنا أبو بكر بن
عتابٍ . قال : حدثنا القاسم بن عبد الله بن المغيرة قال : حدثنا ابن أبي
(١) هو عبد الله بن أنيس بن أسعد بن حرام بن حبيب بن مالك بن غنم شهد بدراً وأحداً وما بعدهما
وله ترجمة في أسد الغابة (٣: ١١٩)، وقال ابن حجر في الإصابة (٢: ٢٧٨): ((بعثة النبي الخ
الى ابن نبيح العتري وحده فقتله، ودخل مصر، وخرج الى افريقية )».
وقال الجاحظ في البيان والتبيين (٣: ١١): ((ومما يدلك على استحسانهم شأن المخصرة :
حديث عبد الله بن أنيس ذي المخصرة، وهو صاحب ليلة الجهني وكان النبي - عليه السلام -
أعطاه مخصرة، وقال: تلقاني في الجنة .))
(٢) (عُرَنَة): موضع بقرب عرفة موقف الحجيج، وانظر معجم ما استعجم (٣ : ٩٣٥) مادة عرنة، و
(٤ : ١١٩) مادة محسر.
٤٠