Indexed OCR Text
Pages 321-340
قومهما فيمن أطاعهما بدعوتهما إلى حرب رسول الله وَلَ(٦)، فبعث رسول الله وَّ أَبَا سَلَمَةَ فَخَرَجَ في أصحابه وخرج معهم الطائيّ ذَلْيْلاً(٧)، وسبقوا الأخبار وانتهوا إلى أدنى (٨) قطنٍ: ماءٍ من مياه بني أسد فيجدوا سَرْحاً، فأغاروا على سَرْحهم [ فضموه ] وأخذوا مماليك ثلاثةً وأفلت سائرهم ، فجاء جمعهم فخبّروهم (٩) الخبر ، وحذروهم جمع أبي سلمة ، فتفرق الجمع في كل وجهٍ، وَوَرد أبو سلمة الماء فيجد الجمع قد تفرق، فَعَسْكر وفرَّق أَصْحابَهُ في طلب النَّعَمِ والشاء (١٠)، فأصابوا نعماً وشاءً ولم يلقوا أحداً، فانّحَدَرَ أبو سلمة بذلك (٦) جاء بعده في المغازي: يريدون ان يدنوا للمدينة، وقالوا : نسير الى محمد في عقر داره ، ونصيب من أطرافه، فإن لهم سرحاً يرعى جوانب المدينة ، ونخرج على متون الخيل، فقد أربعنا خيلنا، ونخرج على النجائب المخبورة، فإن أصبنا نهباً لم ندرك، وإن لاقينا جمعهم كنا قد أخذنا للحرب عدتها، معنا خيلٌ ولا خيل معهم ، ومعنا نجائب أمثال الخيل ، والقوم منكوبون قد أوقعت بهم قريش حديثاً ، فهم لا يستبلون دهراً، ولا يثوب لهم جمعٌ. فقام فيهم رجلٌ منهم يقال له قيس ابن الحارث بن عمير، فقال : يا قوم ، والله ما هذا برأي ! ما لنا قبلهم وترّ وما هم نُهْبَةٌ لِمُنتهبٍ؛ إن دارنا لبعيدة من يثرب وما لنا جمعٌ كجمع قريش . مكثت قريش دهراً تسير في العرب تستنصرها ولهم وترٌ يطلبونه ، ثم ساروا وقد امتطوا الإبل وقادوا الخيل وحملوا السلاح مع العدد الكثير - ثلاثة آلاف مُقاتل سوى أتباعهم - وإنما جهدكم ان تخرجوا في ثلاثمائة رجل إن كُمُلوا ، فتغررون بأنفسكم وتخرجون من بلدكم ، ولا آمن أن تكون الدائرة عليكم . فكاد ذلك أن يُشككهم في المسير ، وهم على ما هم عليه بعد. فخرج به الرجل الذي من أصحاب رسول اللّه 88 الى النبي ## فأخبره ما أخبر الرجل. (٧) في المغازي : فأغذوا السير ، ونكبُّ بهم عن سَنٍّ الطريق، ، وعارض الطريق وسار بهم ليلاً ونهاراً . (٨): في (ب) رسمت: ((أدنا)). (٩) في (ب ) فأخبروهم . (١٠) في المغازي: ((فجعلهم ثلاث فرق - فرقة اقامت معه، وفرقتان أغارتا في ناحيتين شتى، وأوعز إليهما ألا يُمْعِنوا في طلب، وألّ يبيتوا إلا عنده إن سلموا، وامرهم الا يفترقوا، واستعمل على كل فرقة عاملاً منهم ، فآبوا إليه جميعاً سالمين. ٣٢١ (٥ ١١ - دلائل السدود جـ ٣) كله راجعاً إلى المدينة ، ورجع معه الطائيُّ، فلما ساروا ليلة قال أبو سلمة : اقسموا غنائمكم، فأعطى أبو سلمة الطائيّ الدليل رضاه من الغنم ، ثم أخرج صفيا لرسول الله مر عبْداً، ثم أخرج الخمس، ثم قسم ما بقى بين أصحابه ، ثم أقبلوا حتى دخلوا المدينة . قال عُمَرْ بن عثمان : فحدثني عبد الملك بن عمير، عن عبد الرحمن بن سعيد بن يَرْبوع، عن عمر بن أبي سلمة، قال : كان الذي جرح أبيْ أبا سلمة : أبو أسامة الجُشَمّي، فمكثّ شهراً يداويه فبرأ فيما نُرى(١١)، وبعثه رسول اللّهِ وَلَهُ في المحرم على رأس خمسة وثلاثين شهراً الى قّطَنٍ فغاب بضع عشرة ، فلما دخل المدينة انتقضَ به جُرحُهُ، فمات لثلاث ليالٍ بقين من جمادي الآخرة . قال عمر بن أبي سلمة: واعتدَّت أمّيْ حتى حَلَّتْ أربعة أشهر وعشراً ثم تزوّجها رسول الله #﴿ وَدَخَلَ بها في ليالٍ بقين من شوال، فكانت أمي تقول : ما بأسّ بالنكاح في شوال والدخول فيه ، قد تزوجني رسول اللّه رَ﴾ في شوال واعْرَسَ بي في شوال قال : وماتت أم سلمة في ذي القعدة سنة تسع وخمسين . قلت وقد قيل ماتت بعد ذلك سنة إحدى وستين والله أعلم(١٢). (١١) في (ب) رسمت: ((نرا)). (١٢) الخير بطوله في مغازي الواقدي (١: ٣٤٠ - ٣٤٤)، ونقله عن الواقدي أيضاً الحافظ ابن كثير في التاريخ (٤: ٦١ - ٦٢) مختصراً . ٣٢٢ باب غزوة الرجيع(١) وما ظَهَرَ في قصة عاصم بن ثابت ابن أبي الأقلح، وخبيب بن عَدِيّ من الآثار والأعلام أخبرنا أبو عبد الله الحافظ قال : أخبرنا أبو عبد الله الأصبهاني قال : حدثنا الحسن بن الجهم قال : حدثنا الحسين بن الفرج ، قال : حدثنا الواقدي؛ قال : وغزوة الرجيع كانت في صفرٍ على رأس ستة وثلاثين شهراً . والرجيع على سبعة أميال من عُسفَان. قال الواقدي: فحدثني موسى بن يعقوب، عن أبي الأسود ، قال : بعث رسول الله و# أصحاب الرجيع عيوناً الى مكة ليخبروه [ خبر قريش، فسلكوا على النجدية ، حتى كانوا بالرَّجيع فاعترضت لهم بنو لحيان ](٢). أخبرنا أبو عمرو محمد بن عبد الله الأديب ، قال : أخبرنا أبو بكر أحمد ابن ابراهيم الاسماعيلي قال : أخبرني الهيثم الدَّوري وحدثنا المنيعي قال : حدثنا منصور بن أبي مزاحم قال : حدثنا إبراهيم بن سعد (ح). (١) لقد ذكرها المصنف بعد بدر واعادها هنا ، وفي هذا البحث انظر المصادر التالية : سيرة ابن هشام (٣: ١٢٠)، والواقدي (١: ٣٥٤)، وطبقات ابن سعد (٢: ٥٥) وصحيح البخاري (٤ : ٦٧)، وتاريخ الطبري (٢: ٥٣٨)، وابن حزم (١٧٦)، وعيون الأثر (٢: ٥٦)، والبداية والنهاية (٤ : ٦٢)، والنويري (١٧ - ١٣٣ ). (٢) الزيادة من مغازي الواقدي (١: ٣٥٤). ٣٢٣ وأخبرنا أبو عبد الله الحافظ ، قال : أخبرني إسماعيل بن محمد بن الفضل ابن محمد البيهقي ، قال : حدثنا جدي ، قال : حدثنا أبو ثابت محمد بن عبيد الله المديني ، قال : حدثنا إبراهيم بن سعد ، عن ابن شهاب ، قال : أخبرني عَمْرُو بن أسيد بن جارية الثقفي - حليف لبني زهرة - وكان من أصحاب أبي. هريرة، أن أبا هريرة قال: بعث رسول الله ﴿له عشرة [رخْطٍ](٣) عَيْناً وأمِّر عليهم عاصم بن ثابت الأنصاريّ جدًّ عاصم بن عُمر بن الخطاب ، فانطلقوا حتى اذا كانوا بالهَدة بين عُسْفان ومكة ، ذُكِرُوا لحيٍّ من هذيل يقال لهم بنو لحيان فنفروا لهم بقريب من مائة رجل رامٍ ، فاقتصّوا آثارهم حتى وجدوا مأكلهم التمرّ في منزل نزلوه ، فقالوا : نوى يثرب فاتبعوا آثارهم ، فلما أحسّ بهم عاصم وأصحابه لجؤوا إلى موضع ، فأحاط بهم القومُ ، فقالوا لهم : انزلوا فاغطوا بأيديكم ، ولكم العهد والميثاق أن لا نقتل منكم أحداً ، فقال عاصم بن ثابت ، وهو أمير القوم : أمّا أنا فوالله لا أنزل في ذمة مشرك (٤)، اللهم أخبر عنَّا نبيّك،﴿ فرمَوْهم بالنَّبل فقتلوا عاصماً في سبعة من أصحابه ، ونزل اليهم ثلاثة على العهد والميثاق منهم خبيب وزيدُ بن الدَّثِنَة ، ورجل آخر ، فلما استمكنوا منهم أطلقوا أوتار قسيِّهم فربطوهم بها ، فقال الرجل الثالث : هذا أول الغدر والله لا أصحبكم إنَّ لي بهؤلاء أسوةً يريد القتلى، فجرُّوه وعالجوه فأبى أن يصحبهم ، فقتلوه . وانطلقوا بخُبَيْب وزيد بن الدَّيْنَة حتى باعوهما بمكة بعد وقعة بدر ، فابتاع بنو الحارث بن عامر بن نوفل بن عبد منافٍ : خبيباً ، وكان خبيبٌ هو قتل الحارث بن عامر بن نوفل يوم بدرٍ ، فلبثّ خبيبٌ عندهم أسيراً ، حتى أجمعوا على قَتْلِهِ، فاستعارَ من بعض بنات الحارث موسى يستحدُّ بها للقتل فأعارته ، (٣) ليست في الصحيح . (٤) في الصحيح: ((كافر)). ٣٢٤ فَدَرَجَ بُنَيٌّ لها وهي غافلةٌ حتى أتاه ، فوجدته مُجْلِسَه على فخذه والموسى بيده، ففزعت فَزْعةً عرفها خبيب فقال : أتخشين أن أقتله؟ ما كنت لأَفْعل ذلك ، فقالت : والله ما رأيت أسيراً قط خيراً من خُبيب ، والله لقد وجدتُه يأكل قِطْفاً من عنب وانه لموثق بالحديد ، وما بمكة من ثمرةً ، فكانت تقول : إنه لرزق رزقه الله خُبيباً ، فلما خرجوا به من الحرم ليقتلوه في الحد قال لهم خبيبٌ : دعوني اركع(٥) ركعتين ، فتركوه فركع ركعتين ثم قال : والله لولا أن تحسبوا أن ما بي جزءاً من القتل لزدت ، اللهم أحْصِهم عدداً ، واقتلهم بدداً ، ولا تُبْق منهم أحداً . فلست أبالي حين أُقْتَلُ مسلماً على أي جَنْب كان والله مصرعي يُبارك في أوصال شلوٍ مُمَزّع وذلك في ذات الإله وان يشاء ثم قام إليه أبو سِرْوَعَة : عقبة بن الحارث ، فقتله ، وكان خُبِيبٌ هو سنَّ لكل مسلم قُتِل صَبْرا : الصلاة ، واستجابَ الله لغاصم يوم أصيب ، فأخبر رسول الله وَي يوم أصيبوا خبرهم، وبعث ناس من قريش الى عاصم بن ثابت حين حُدثوا انه قُتل ليُؤْتَوْا منه بشيء يعرف، وكان قتل رجلاً من عظمائهم يوم بدرٍ ، فبعث الله - عز وجل - على عاصم مثل الظلة من الدَّبْر فَحَمَتْهُ من رسلهم، فلم يقدروا على أن يقطعوا منه شيئاً . رواه البخاري في الصحيح ، عن موسى بن إسماعيل ، عن إبراهيم بن سعد(٦) . (٥) في الصحيح : ((أصلي)). (٦) البخاري عن موسى بن اسماعيل في: ٦٤ - كتاب المغازي باب (١٠)، الحديث (٣٩٨٩)، فتح الباري (٧ : ٣٠٨ - ٣١٠) بطوله، كما أخرجه البخاري أيضاً في كتاب الجهاد ، باب : هل يستأسر الرجل ؟ ومن لم يستأسر، ومن ركع ركعتين عند القتل، عن أبي اليمان ، عن شعيب ، وفي التوحيد (باب) ما يُذكر في الذات والنعوت وأسامي الله ، عن ابي اليمان .. واعاده البخاري .= ٣٢٥٠ أخبرنا أبو عبد الله الحافظ ، قال : حدثنا أبو جعفر البغدادي ، قال : حدثنا محمد بن عمرو بن خالد ، قال : حدثنا أبي قال : حدثنا ابن لهيعة ، قال حدثنا أبو الأسود ، عن عروة بن الزبير (ح ) . وأخبرنا أبو الحسين بن القطان ، قال : أخبرنا أبو بكر بن عَتَّبٍ ، قال : حدثنا القاسم بن عبد الله بن المغيرة ، قال : حدثنا ابن أبي أويس ، قال : حدثنا إسماعيل بن إبراهيم بن عقبة ، عن موسى بن عقبة قالا : بعث رسول الله وَّر عاصم بن ثابت بن أبي الأقلح أخا بني عمرو بن عوف، ومَرْتَد بن أبي مَرْئَد في أصحاب لهما ، منهم : خُبيب بن عَديّ أخو بني جَحْجَبًا وزيد بن الدَّثِنَة أخو بياضة عيناً إلى مكة يتخبرون خبر قريش ، فسلكوا النّجديَّة حتى إذا كانوا بالرجيع ، فذكر قصة من قتل منهم ومن أسر ثم قيل بنحوٍ مما روينا فيه حديث أبي هريرة يزيدان وينقصان ، فما زاد عروة قول خبيب اللهم إني لا أنظر إلّ في وجه عدوًّ، اللهم إني لا أجد رسولاً إلى رسولك وَّ فبّغه عني السلام، فجاء جبريل عليه السلام الى رسول اللّه وَلثر فأخبره ذلك(٧). وفي رواية موسى بن عقبة: وزعموا أن رسول اللّهِ وَّ قال، وهو جالسٌ في ذلك اليوم الذي قُتلا فيه : وعليكما أو عليك السلامُ خُبيبٌ قتلته قريش ولا أدري أذكر زيد بن الدثنة معهُ أم لا ، قال : وزعموا أنهم رموا ابن الدثنة بالنبل وأرادوا فتنته ، فلم يزدد إلا إيماناً وتثبيتاً . وزاد عروة وموسى جميعاً انهم لما رفعوا خُبيباً على الخشبة نادوه يناشدوه اتحب ان محمداً مكانك ؟ قال : لا والله العظيم ما أحب أن يفديني بشوكة = ايضاً في المغازي عن ابراهيم بن موسى، واخرجه ابو داود في الجهاد، باب في الرجل يستأسر . عن موسى بن اسماعيل ، عن ابراهيم بن سعد ، عن الزهري، وعن أبي اليمان بإسناده. (٧) الخبر في سيرة ابن هشام (٣: ١٢٠)، ونقله ابن كثير في التاريخ (٤: ٦٢ - ٦٣). ٣٢٦ يُشاكها في قدميه فضحكوا منه وزاد أبياتاً قالها ونحن نذكرها في رواية ابن إسحاق ان شاء الله(٨). قال موسى بن عقبة : ويقال كان أصحاب الرجيع ستة نفر ، منهم : عاصم بن ثابت بن أبي الأقلح ، وخُبَيْب بن عديّ ، وزيد بن الدَّثِنة البياضي ، وعبد الله بن طارق حليفٍ لبني ظفرٍ ، وخالد بن البُكَيْر الليثي ، ومَرْتَد بن أبي مَرْتَد الغنوي حليفُ حمزة بن عبد المطلب ، وكان من شأنهم أنَّ نفرا من عَضَلٍ والقارة قدموا على رسول الله . فقالوا أن فينا مسلمين فابعث معنا نفراً من أصحابك يفقهوننا ، فبعث رسول الله وير معهم حتى نزلوا بالرجيع استصرخوا عليهم هذيلًا فلمٍ يَرُعِ القوم إلا والقوم مصلُّتون عليهم بالسيوف وهم في رحالهم ، فلما رأؤهم أخذوا سيوفهم ، فقالت هذيل : أنا لا نريد قتالكم ، فأعطّوْهم عهداً وميثاقاً لا يريبونهم ، فاستسلم لهم خُبيب بن عديّ ، وزيد بن الدَّثَنَةِ وعبد الله بن طارق ، ولم يستسلم عاصم بن ثابت ، ولا خالد بن البُكّيْر ، ولا مَرْثد بن أبي مرثد ، ولكن قاتلوهم حتى قُتلوا، وخرجت هُذَيْل بالثلاثة الذين استلموا لهم حتى إذا كانوا [ بمرّ ](٩) بالظهران(١٠) نزع عبد الله بن طارق يده من قِرانِه(١١) ثم أخذ سيفاً فرمَوْه بالحجارة حتى قتلوه ، وقدموا بخُبيب بن عدي ، وزيد بن الدثِنة مكة ، فأما خُبيب فابتاعه آل حُجَيْر بن أبي إهاب فقتلوه بالحارث ابن عامر وابتاع صفوان بن أمية : زيد بن الدثنة فقتله بأبيه ، قتله نِسْطَاسُ مولاه قال : وزعموا أن عمرو بن أميّة دفن خبيباً(١٢). (٨) ستأتي بعد الخبر التالي . (٩) الزيادة من الدّرر في اختصار المغازي والسِّير لابن عبد البر! وهي مختصرة من مغازي موسى بن عقبة التي ينقل عنها المصنف . (١٠) (مر الظهران ) = واد قرب مكة . (١١) (القران ) = القيد. (١٢) الخبر في الدّرر لابن عبد البر مختصراً صفحة (١٥٩ - ١٦١). ٣٢٧ أخبرنا أبو عبد الله الحافظ قال : حدثنا أبو العباس : محمد بن يعقوب قال : حدثنا أحمد بن عبد الجبار ، قال : حدثنا يونس بن بكير ، عن ابن إسحاق، قال : حدثنا عاصم بن عمر بن قتادة : أنَّ نفراً من عَضَلٍ والقارة ، قدموا على رسول الله :﴿ المدينة بعْد أُحُدٍ، فقالوا: إنّ فينا إسلاماً فابعث مّعّنا نفراً من أصحابك يفقهوننا في الدين ، ويقرؤننا القرآن، فَبَعَثّ رسول الله الم معهم خُبيب بن عدي ، فذكرهم ، وذكر قصتهم بمعنى ما ذكره موسى بن عقبة آخِراً، وزاد ، قال : وقد كانت هذيل حين قُتل عاصم بن ثابت أرادوا رأسه لیبیعوه من سلافة بنت سعد بن الشهید ، وقد کانت نذرت حین أصيب ابناها بأُحُد : لئنْ قدرت على رأسه لتشربْن في قحفِه الخمر فمنعتهم الدِّبْرُ(١٣) فلما حالت بينهم وبينه ، قالوا : دعوه حتى يُمس فتذهب عنه فنأخُذه ، فبعث الله الوادي فاحتمل عاصماً، فذهب به وقد كان عاصم أعطَى الله عهداً لا يَمَسُّ مشركاً ولا يمسّه مشرك أبداً في حياته ، فمنعه الله بعد وفاته مما امتنع منه في حياته ، قال ابن اسحاق : فكانِ عُمَرُ بن الخطاب رضي الله عنه يقول : يحفظ الله عز وجل المؤمن فمنعه الله بعد وفاته مما امتنع منهم في حياته (١٤). وبإِسناده عن ابن إسحاق ، قال : وقال خُبيب عِنْد صَلبٍ المشركين إياه : قَبَائِلَهُمْ وَاسْتَجْمَعُوا كُلِّ مَجْمَعٍ (١٥) لَقّدْ جَمَّعَ الأَخْزَابُ حَوْلِي وَأَلَّبُوا عَليٍّ لَأَنِّي فِي وِثَاقٍ مُضَيِّعٍ (١٦) وَكُلُّهُمُ مُبْدِي الْعَدَاوَةِ جَاهِدٌ (١٣) (الدُّبْر) : النحل. (١٤) الخبر أورده ابن هشام في السيرة مطولاً (٣: ١٢٠ - ١٢٧). (١٥) ألبوا - بتشديد اللام - معناه جمعوا، تقول: ألبت القوم على فلان اذا جمعتهم عليه وحضضتهم وحرشتهم به ، فتألبوا ؛ أي اجتمعوا، ومجمع - اي في آخر البيت - مكان الاجتماع، وانتصب كل على الظرفية . (١٦) مبدى العداوة : مظهرها، وجاهد : مجتهد في إيذائه ، والوثائق ما يربط به الأسير. ٣٢٨ وَقَدْ جَمَعُوا أَبْنَاءَهُمْ وَنِسَاءَهُمْ إِلَى اللهِ أَشْكُو غُرْبَتِي ثُمِّ كُرْيَتِي فَذَا الْعَرْشِ صَبِّرْنِي عَلَى ما يُرَادُ بِي وَذَلِكَ فِي ذَاتِ الإِلَهِ وإِنْ يَشأ وَقَدْ خَيَّرُونِي الْكُفْرَ وَالْمَوْتِ دُونَهُ وما بِي حذَّارُ الْمَوْتِ إني لَمِيِّت فَوَاللهِ مَا أَرْجُو إِذَا مُتُّ مُسْلِماً فَلَسْتُ بِمُبْد للعَدُوّ تخَشُّعاً وَقُرِّبْتُ مِنْ جِذْعٍ طَويلٍ مُمنِّعِ وَمَا أَرْصَدَ الأحْزَابُ لِي عِنْدٌ مَصْرعِي (١٧) فَقَدْ بَضَعُوا لَحْمِي وَقَدْ يَاسَ مَطْمَعِي(١٨) يُبَارِكْ على أَوْصَالِ شِلْوٍ مُمَزَعٍ(١٩) وقَدْ هَمَلَتْ عَيْنَايَ مِنْ غَيْرِ مَجْزِعٍ (٢٠) وَلَكِن حِذَارِي جَحْمُ نَارٍ مُلَفَّعٍ (٢١) على أيِّ جَنْبٍ كانَ في اللهِ مَصْرَعِي(٢٢) وَلَا جَزَعاً إِنِّي إلى اللهِ مَرْجِعَي (٢٣) قال : وجعل عاصم يحمل عليهم ويزمجر ، وهو يقول(٢٤): مَا عِلَّتي وأنّا جَلْدٌ نَابِلُ وَالْقَوْسُ فِيهَا وَتَرٌ عُنَائِلُ(٢٥) (١٧) أرصد: اعد وهياً، والأحزاب: الجماعات ، واحدهم حزب، ومصرعي : المكان اصرع فيه : اي اقتل. (١٨) بضعوا : قطعوا، والبضعة من اللحم : القطعة منه ، وقوله (( یاس )) معناه يئس (١٩) الأوصال: المفاصل او مجتمع العظام، والشلو - بكسر الشين وسكون اللام - البقية، والممزع: المقطع . (٢٠) هملت عيناي : سال دمعهما، والمجزع: مصدر ميمي بمعنى الجزع، وهو الخوف. (٢١) الجحم : الملتهب المتقد، ومنه سميت النار جحيماً، والملفع: المشتمل ومنه قولهم : تلفع بثوبه ، اذا اشتمل به. (٢٢) يروي في مكان صدر هذا البيت قوله ((ولست ابالي حين اقتل مسلماً)) وارجو في هذا الموضع بمعنى أخاف، وقد حمل كثير من المفسرين على ذلك قول الله تعالى: (ما لكم لا ترجون الله وقاراً ) اي : لا تخافون. (٢٣) تخشعاً: تذللاً، ومنه قول شاعر الحماسة . لشيءٍ ولا أني من القيد أَفرق فلا تحسبي أني تخشعت بعدكم ومرجعي : مصدر ميمي بمعنى الرجوع. (٢٤) والخبر والأبيات في سيرة ابن هشام (٣ : ١٢١). (٢٥) [ النابل : صاحب النبل ، ويروي في مكانه ((بازل )) ومعناه قوي شديد، وعنابل: غليظ شديد. ٣٢٩ الْمَوْتُ حَقٌّ وَالْحَيَاةُ باطِل (٢٦) تَزِلُّ عَنْ صَفْحَتِهَا الْمَعَابِلِ وَكُلُّ ما حمِ الإِلهُ نازِلُ بِالْمَرْءِ والْمَرْءُ إِلَيْهِ آئِلُ (٢٧) إِنْ لم أُقَاتِلْكُمْ فَأَمِّي هابِلُ (٢٨) وزادَ مُوسى بن عُقْبَة : تَرْأَسُ القومَ ولا يُقاتلُ . ثم ذكر ابن إسحاق وموسى بن عقبة أبياتاً قالها حسّان بن ثابت في حديثهم وفيها كثرةٌ(٢٩). (٢٦) المعابل : جمع معبلة، وهو نصل عريض طويل. (٢٧) حم الاله : قدره ، وهو ههنا مبنى للمعلوم كما هو في قول الشاعر : * ولیس لأمر حمه الله راجع * وآئل : اسم فاعل من آل الشيء يؤول ، بمعنى رجع يرجع . (٢٨) هابل ، فاقد وثاكل، تقول : هبلته امه اي ثكلته وفقدته، يدعو على نفسه بالموت ان لم يقاتلهم ]. (٢٩) منها قول خسَّان : سحْأُ عَلى الصَّدْرِ مِثْلِ اللُّؤْلُؤْ الْقَلِقِ مَا بَالُ عَيْنَيْكَ لاَ تَرْقَا مَذَامِعُهَا لَا فَشِلَّ حیِن تَلْقَاهُ وَلاَ نّزق على خُبَيْبِ فَتَى الْفَتْيَانِ قَدْ عَلِمُوا وجَنَّةَ الْخُلْدِ عِنْدَ الْحُورِ في الرُّفَقِ فَاذْهَبْ خُبَيْبُ جَزَاكَ اللَّهُ طَيُبَةٌ مَباذًا تَقُولُونَ إِنْ قَالَ النَّبِيُّ لَكُمْ فِيمَ قَتْلْتُمْ شَهِيدُ اللَّهِ فِي رَجُلٍ جِينَ الْمَلَائِكَةُ الأَبْرَارُ في الْأُفُقِ طَاعٍ قَدْ أَوْعَثَّ فِي الْبُلْدَانِ وَالرُّفَقِّ قال ابن هشام : ويروي ((الطُرق)) وتركنا ما بقي منها لأنه اقذع فيها. قصيدة أخرى لحسان يرثي فيها خبيباً : قال ابن إسحاق: وقال حسان (بن ثابت) أيضاً يبكي خُبَيْباً: وَابْكِي خُبَيْبِأُ مَعَ الْفِتْيَانِ لَمْ يَؤُبِ يَا غَيْنُ جُودِي بِذَمْعٍ مِنْكِ مُنْسَكِبٍ صَغْراً تَوَسَّطَ فِي الأَنْصَارِ مِنْصِبُهُ قَدْ هَاجْ عَيْنِي على عِلَّتِ عَبْرَتِهَا يَا أَيُّها الرَّاكِبُ الْغَادِي لِطِيُِّهِ بَنِي كُهَيْنَةَ إِنَّ الْحَرْبِ قَدْ لَقِحَتْ سَمْحَ السُّجِيَّةِ مَخْضاً غَيْرٌ مُؤْتَثِبٍ إِذْ قِيلَ نْصِّ إلى جِذْعٍ منَ الْخَشْبِ أبلغْ لَدَيْكَ وَعِيداً ليْسَ بِالْكَذِبِ مَحْلُوبُهَا الصَّابُ إِذْ تُمْرَى لُمُحْتَلِبٍ ٣٣٠ وأخبرنا أبو الحسن علي بن محمد المقرىءُ ، قال : أخبرنا الحسن بن محمد بن إسحاق ، قال : حدثنا يوسف بن يعقوب القاضي ، قال : حدثنا أحمد ابن عيسى قال : حدثنا عبد الله بن وهب ، قال : حدثنا عمرو بن الحارث أنَّ عبد الرحمن بن عبد الله الزهري أخبره ، عن بُرَيْدَة بن سفيان الأُسْلميّ : أَنَّ رسولَ الله وَلّهِ بَعَثَ عاصم بن ثابت إلى بني لحيان بالرجيع ، فذكر قصتهم وذكر فيها فأرادوا ليحتّزُّوا رأسه ليذهبوا به إليها ، فَبَعَثَ الله عز وجل رجلاً من دَبْرٍ فَحمته ، فلم يستطيعوا أن يحتُّّوا رأسُه . وَذَكَرَ في شأن خُبيب بن عدي أنه قال: اللهم إني لا أجد من يُبلّغ رسولك(٣٠) عني السلام ، فبلغ رسولك مني السلام ، فزعموا أن رسول الله يَّر قال حينئذٍ : وعليه السلام ، قال أصحابه : يا نبيَّ الله ! من ؟ قال : أخوكم خُبيب بن عدي يُقتل ، فلما رُفع على الخشبةً استقبل الدعاء ، قال رجل : فلما رأيتُهُ يدعوا الْبَذْتُ بالأرضِ ، فلم يَحُل الحولُ ومنهم أحَدٌ غير ذلك الرجل الذي ألْبَدّ بالأرض . أخبرنا أبو عبد الله الحافظ ، قال : حدثنا أبو العباس : محمد بن يعقوب ، قال : حدثنا أحمد بن عبد الجبار ، قال : حدثنا يونس، عن ابن إسحاق قال : حدثنا عبد الله بن أبي نجيح ، عن ماوِيّة مولاة جُخَيْر بن أبي إهاب قالت : حُبس خبيبٌ بمكة في بيتي فلقد أطلعت عليه يوماً وانَّ في يده لقطفاً من عنبٍ أعظمّ من رأسه يأكل منه ، وما في الأرض يومئذٍ حبّةً عنب(٣١). أخبرنا أبو عبد الله الحافظ قال : حدثنا أبو العباس ، قال : حدثنا أحمد ، قال : حدثنا يونس ، عن إبراهيم بن إسماعيل ، قال : حدثنا جعفر بن عَمْرو بن (٣٠) في هامش (أ): ((النبي)). (٣١) والخبر في سيرة ابن هشام (٣: ١٢٤). والبداية والنهاية (٤: ٦٥). ٣٣١ أمية الضمريّ: أنَّ أَباهُ حدثه عن جدّه وكان رسولُ اللهِوَ﴿ بعثه عَيْناً وحده، وقال : جئت إلى خشبة خُبيب فرقيتُ فيها وأنا أتخوَّفُ العيون، فأطلقتُهُ ، فوقع بالأرض ، ثم اقتحمت فانتبذت قليلاً، ثم التفتُ فكأنما ابتلعته الأرض (٣٢). وأخبرنا أبو زكريا بن أبي إسحاق قال : أخبرنا عبد الله بن يعقوب ، قال : حدثنا محمد بن عبد الوهاب ، قال : أخبرنا جعفر بن عون ، عن إبراهيم بن إسماعيل ، فذكره بمعناه إلّ أنه قال: فانتبذت غير بعيد فلم أر خُبَيْباً فكأنما ابتلعته الأرض ، فلم يُذكر لخُبيب رِمَّةٌ حتى السَّاعة(٣٣). (٣٢) البداية والنهاية (٤ : ٦٧). (٣٣) ونقله الحافظ ابن كثير عن المصنف، في («البداية والنهاية)) (٤: ٦٧). ٣٣٢ باب سِرِّية عمرو بن أمية الضمريّ إلى أبي سفيان ابن حرب حین عرف ما كان هَمّ به من اغتياله أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، قال: أخبرنا محمد بن أحمد بن بُطّة الأصبهاني ، قال : حدثنا الحسن بن الجهم، قال : حدثنا الحسين بن الفَرَج ، قال : حدثنا الواقدي ، قال : حدثنا ابراهيم بن جعفر ، عن أبيه ، قال : وحدثنا عبد الله بن أبي عبيدة عن جعفر بن عَمْرو بن أمية الضمري ، قال : وحدثنا عبد الله بن جعفر، عن عبد الواحد بن أبي عون ، وزاد بعضهم على بعض قال : كان أبو سفيان بن حرب قد قال لنفر من قريش بمكة : ما أحد يغتال محمداً فإنه يمشي في الأسواق فندرك ثأرنا ، فأتاه رجل من العرب فدخل عليه منزله ، وقال له : إن أَنْتَ قويتني(١) خرجت إليه حتى اغتاله فإِني هادٍ بالطريق خِرِّيتُ ، ومعي خِنجَرُ مثل خافيّةِ النِّسْر، قال : أنت صاحبُنا فأعطاه بعيراً ونفقة ، وقال : اطْوٍ أمرك فإني لا آمَنُ أن يسمع هذا أحَدٌ فَيُنِمُّه إلى محمد ، قال العربيُّ: لا يعلم به أحد . فخرج ليلاً على راحلته فسار خمساً وصبّح ظَهْرَ الحَرَّة، صُبْح(٢) سادسَةٍ ، (١) في البداية والنهاية: ((ان وفيتني)). (٢) في البداية والنهاية ((يوم سادسة)). ٣٣٣ ثم أقبلَ يسأل عن رسول الله وَّهِ حَتّى أَتى المصلى، فقال له قائل: قد تُوَجَّه إلى بني عبد الأشهل ، فخرج يقود راحلته حتى انتهى إلى بني عبد الأشهل ، فعقل راحلته ، ثم أقبل يؤُمُّ رسول الله وَّ فوجده في جماعةٍ من أصحابه يُحَدِّثُ في مسجدهم ، فدخل، فلما رآه رسولُ الله ◌َّهِ، قال لأصحابه: إِنَّ هذا الرجل یرید غدراً ، والله حائلٌ بينه وبين ما يريد . فوقف ، فقال: أيكم ابن عبد المطلب؟ فقال رسول الله * : أنا ابن عبد المطلب، فذهب ينحني (٣)على رسول الله﴿ه، كأنه يُسارُّه، فَجَبذَهُ أسيد بن الحُضَيْر، وقال له: تَنَحّ عن رسول الله وَهُ، وجبَذَ بداخلةِ ازاره ، فإِذا الخِنْجَر، فقال رسول اللهِوَله: هذا غادِرٌ، وسُقِطَ في يدي العَرَبيّ، وقال: دمّي دّمي يا محمد، وأخذ أسيدٌ يُلِبِّبُ، فقال رسول اللهِ وَلَّ: اصْدقني: ما أنت ؟ وما أقدّمك؟ فإِن صدقتني نفعك الصِّدقُ وإِن كذبتني فقد أُطْلِعْتُ على ما هممت به ، قال العربيُّ : فأنا آمنٌ ؟ قال فأنت آمن ، فأخبره بخبر أبي سفيان وما جَعَلَ لهُ ، فأمر به فَحُبِسَ عند أسيدٍ ، ثم دَعًا به من الغد فقال قد أمِّنْتَك فاذهب حيث شئت ، أو خيرٌ لك من ذلك ، قال : وما هو؟ قال : أن تشهد أن لا إله إلا الله ، وأني رسول الله . قال : فإني أشهد أن لا إله إلا الله ، وأنك رسول الله ، والله يا محمد ما كنتُ أفرق الرجال فما هو إلا أن رأيتُكَ فَذَهَبَ عقلي، وَضَعُفت نفسي ، ثم اطلعْتَ على ما هممتُ به ممّا سبقتُ به الركبان ، ولم يعلمُه أحدٌ ، فعرفت أنك ممنوع، وأَنَّك على حقٍّ ، وان حزب أبي سفيان حزب الشيطان ، فجعل النبي ﴾ يتبسُّم، وأقام أياماً ثم استأذن النبي ◌َّرُ فخرج من عنده فلم يُسمع له بذکر . فقال رسول الله # لعمرو بن أمية الضّمري ولسلمة بن أسلم بن حريش : - (٣) في (أ) (( يجثأ))، وفي (ص) و(ح): ((يجنأ)). ٣٣٤ أُخْرجا حتى تَأْتيا أبا سفيان بن حرب ، فإن أَصَبْتُما منه غِرَةٌ فاقتلاه ، قال عمروٌ: فخرجْتُ أنا وصاحبي حتى أتينا بطن [ يأجج ](٤) فقّدنا بعيرنا، فقال لي صاحبي : يا عَمْرُو هل لك في أن نأتي مكة ونطُوف بالبيت سبعاً ، ونصلي ركعتين ؟ فقلتُ : إني أعْرفُ بمكة من الفَرسِ الأَبْلَق ، وانهم ان رأوني عرفوني ، وأنا أعرف أهل مكة إنهم إذا أمسوا انفجعوا بأفنيتهم ، فأبى ان يطيعني ، فأتينا مكة فطفنا سبعاً(٥) وصلَّينا ركعتين ، فلما خرجتُ لقيني معاوية بن أبي سفيان فعرفني وقال : عمرو بن أمية [واحزناه ](٦) فأخبر أباه فنيد بنا أهلُ مكة ، فقالوا : ما جاء عمرو في خَيْرٍ - وكان عمرو رجلاً فاتكاً في الجاهلية - فحشدَ أهل مكة وتجمعوا ، وهرب عمرو، وسلمة ، وخرجوا في طلبهما ، واشتدوا في الجَبَل قال عَمْروٌ: فدخلت غاراً(٧) فتغيّيت عنهم ، حتى أصبحت وباتوا يطلبون في الجبل ، وعمّى (٨) الله عليهم طريق المدينة أن يهتدوا الراحلتنا(٩) فلما كان الغد ضحوةٌ(١٠) أقبل عثمان(١١) بن مالك بن عبيد اللّه التيمي يختلي لفرسه حشيشاً ، فقلت لسلمة بن أسلم : إن أبصرنا أشعر بنا أهل مكة ، وقد أقصروا عنا فلم يزل يدنو من باب الغار حتى أشرف علينا وخرجت فطعنته طعنةٌ تحت الثدي بخنجري فسقط وصاح ، وأَسْمَعَ أهل مكة ، فَأَقْبَلوا بعد تفرقهم ، ودخلت الغار فقلت لصاحبي : لا تحَرَّك، وأقبلوا حتى أتوا عثمان (٤) الزيادة من البداية والنهاية. (٥) في الأصول: ((اسبوعاً)). (٦) الزيادة من البداية والنهاية . (٧) في تاريخ ابن كثير (( فدخلت في غار)). (٨) في (أ): ((وعم)). (٩) في ((البداية والنهاية)): ((أن يهتدوا له)). (١٠) تاريخ ابن كثير: ((ضحوة الغد)). (١١) في (أ): ((عبيد الله بن مالك)). ٣٣٥ ابن مالك ، فقالوا : من قتلك ؟ قال عمرو بن أمية ، قال أبو سفيان : قد علمنا أنه لم يأت بعمرو خيرٌ ، ولم يستطع أن يخبرهم بمكاننا كان بآخر رَمَّقٍ ومات ، وشغلوا عن طلبنا بصاحبهم يحملونه ، فمكثنا ليلتين في مكاننا ، ثم خَرَجْنا ، فقال صاحبي : يا عمرو بن أمّة هل لك في خُبيب بن عدي ننزلُهُ؟ فقلت له : أين هو؟ قال: هو ذاك مصلوبُ حوله الحَرَسُ ، فقلت : أمهلني وتنحَ عني فإِن خشيت شيئاً فانجُ إلى بعيرك فاقعد عليه وأتِ رسول اللّهِوَلقر فأخبره الخبر، ودعني فإِنّي عالم بالمدينة ، ثم اشتددت(١٢) عليه حتى حللته فحملته على ظهري فما مشيت به الا عشرين ذراعاً حتى استيقظوا فخرجوا في طلب أثري ، فطرحت الخشبة ، فما أنسى وقعها دَبْ ، يعني صوتها ثم أهلت عليه من التراب برجلي فأخذتُ بهم طريق الصفراء (١٣) فأعْيَوْا فرجعوا وكنت لا أدْرَكُ مع بقاءِ نَفَس ، فانطلق صاحبي إلى البعير فركبه، وأتى النبي ◌َّ فأخبره ، وأقبلت حتى أشرفتُ على الغليل : غليل ضجنان(١٤) فدخلت في غارٍ فيه معي قوسٌ وأسْهُمٌ وخنجر ، فبينا أنا فيه إذ أقبل رجلٌ من بني بكر مِنْ بني الدِّئل أعورٌ طويلٌ يسوق غنماً ومعزىٍ، فَدَخَلَ عليّ الغَارَ ، فقال : من الرجل ؟ فقلت : من بني بكرٍ ، فقال: وأنا من بكرٍ ، ثم اتكأ(١٥) فرفع عقيرته يتغنّى يقول : - فلستُ بمسلمٍ ما دمتُ حيّاً ولست أدينُ دين المسلمينا فقلت في نفسي : والله إني لأرجو أن أقتلك ، فلما نام قمت إليه ، فقتلته شرّ قتلة قتلتها أحد قط ، ثم خرجت حتى هبطت ، فلما أسهلْتُ في الطريق إذا رجلان بعثْهما قريش يتجسسان الأخبار ، فقلت : استأسِرًا فأبى أحدهما فرميته (١٢) في البداية والنهاية ((فاستدرت)). (١٣) (أ): ((الصفيراء))، (ص): الصفيْر، (ح) الصغيرا . (١٤) الغليل : منابت الطلح ، وضجنان : موضع بعينه. (١٥) في (أ) رسمت (( اتكى)). ٣٣٦ فقتلته ، فلما رأى ذلك الآخر استأسر فشددته وثاقاً، ثم أقبلت به إلى النبي ﴿﴿ ، فلما قدمت المدينة رآني صبيان وهم يلعبون وسمعوا أشياخهم يقولون : هذا عمرو، فاشتد الصبيان إلى النبي وتر فأخبروه ، وأتيته بالرجل قد ربطت أبهامَيْه بوتر قوسي، فلقد رأيت النبي ◌َّير يضحك ، ثم دعا لي بخير ، وكان قدوم سَلّمةً قبل قدوم عَمْرو بثلاثة أيام(١٦). (١٦) سرد الخبر الطبري في تاريخه (٢: ٥٤٢ - ٥٤٥)، ونقله الحافظ ابن كثير في «البداية والنهاية)) (٤: ٦٩ - ٧١)، وعقب بقوله: ((رواه البيهقي، وقد تقدم ان عمراً لما اهبط خبيباً لم ير له رمة ولا جسداً ، فلعله دفن مكان سقوطه والله اعلم ، وهذه السرية إنما استدركها ابن هشام على ابن إسحاق بنحو من سياق الواقدي لها ، لكن عنده ان رفيق عمرو بن أمية في هذه السرية: جبار بن صخر . فالله أعلم ولله الحمد )). ٣٣٧ باب غزوة بئر مَعُونة(٦) أخبرنا أبو عبد الله الحافظ رحمه الله قال : حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب قال : حدثنا أحمد بن عبد الجبار قال : حدثنا يونس بن بكير ، عن ابن إسحاق، قال: فأقام رسول الله وَ## بقية شوال ، وذا القعدة ، وذا الحجة والمحرم ، ثم بَعَثَ أصحاب بئر معونة في صفر على رأس أربعة أشهر من أحد (٢). قال ابن إسحاق : حدثنا والدي إسحاق بن يسارٍ ، عن المغيرة بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام ، وعبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم ، وغيرهما من أهل العلم ، قالوا : قدم أبو البراء : عامر بن مالك بن جعفر مُلاعب الأُسِنّةِ(٣) على رسول الله وَّه بالمدينة، فَعَرَضَ عليه الإِسلام ودعاه (١) انظر في غزوة بئر معونة: طبقات ابن سعد (٢: ٥١ - ٥٤)، وسيرة ابن هشام (٣ : ١٣٧ - ١٤٣)، ومغازي الواقدي (١ : ٣٣٧ - ٣٣٨)، وتاريخ الطبري (٢: ٥٤٥ -٠ ٥٥٠)، وابن حزم، ص (١٧٨)، وعيون الأثر (٢: ٦١)، والبداية والنهاية (٤: ٧١ - ٧٤)، والنويري (١٧: ١٣٠). (٢) سيرة ابن هشام (٣ : ١٣٦). (٣) هو عامر بن مالك بن جعفر بن كلاب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة ، وانما سمى ملاعب الاسنة في يوم سوبان ، ويوم سوبان هذا كان يوماً من ايام جبلة وهي ايام كانت بين قيس وتميم، وجبلة: اسم لهضبة عالية ، وكان سبب تسمية عامر ملاعب الأسنة في يوم سوبان ان أخاه طفيل بن مالك = ٣٣٨ إليه ، فلم يسلم ولم يَبْعُد من الإِسلام ، وقال: يا محمد لو بعثت رجالاً من أصحابك إلى أهل نجدٍ يدعونهم(٤) إلى أمرك رجوت أن يستجيبوا لك ، فقال رسول الله وَّ: إني أخشى عليهم أهلَ نجد، فقال أبو البراء: أنا لهم جارٌ فابعثهم فليدعوا الناس إلى أمرك . فَبَعَثَ رسولُ اللهِ وَ ◌ّ المنذر بن عمرو المعنق(٥). ليموت في أربعين رجلاً من أصحابه من خيار المسلمين فيهم : الحارث بن الصِّمَّة ، وحَرامُ بن مِلْحَان أخو بني عدي بن النجار، وعُرْوَة بن أسماءَ بن الصلت السُّلّمي ، ونافع بن ورقاء الخزاعي ، وعامر بن فُهيرة مولى أبي بكر ، في رجال مسلمين من خيار المسلمين . فساروا حتى نزلوا بئر معونة ، وهي من أرض بني عامر وحَرَّةٍ بني سُلّيْم ، كلى البلدين منها قريبٌ ، وهي إلى حَرَّة بني سليم أقرب ، فلما نزلوها بعثوا حرام بن مِلْحان بكتابٍ رسول الله وَّ إلى عدوّ الله: عامر بن الطفيل ، فلما أتاه لم ينظر في كتابه ، حتى عَدًا على الرجل فقتله ، ثم استصرخَ عليهم بني عامر ، فَأَبَوْا أن يجيبوا إلى ما دعاهم ، وقال: لن يُخْفِرَ(٦) أبا براءٍ، وَقَدْ عَقَدَ لَهُمْ عَقْداً = (وهو الذي يلقب فارس قرزل ) كان قد أسلمه في هذا اليوم وفر، فقال في ذلك بعض الشعراء : فَرَرْتَ وَأَسْلَمْتَ ابْنَ أَمُكَ عَامِراً يُلَاعِبُ أَطْرَافَ الْوَشِيجِ الْمُزَعْزّعِ فسمى ملاعب الرماح وملاعب الأسنة، وكان له اخوة اربعة : احدهم طفيل فارس قرزل، والآخر ربيعة والدلبيد بن ربيعة وكان يلقب ربيعة المعترين ، والثالث عبيدة الوضاح ، والرابع معاوية معود الحكماء . (٤) سيرة ابن هشام: ((فدعوهم)). (٥) في (أ): ((المنذر المعنق))، وأثبتُّ ما في (ص) و(ح)، وفي سيرة ابن هشام ((المنذر بن عمرو، اخو بني ساعدة المعنق)). والمعنق: المسرع ، وإنما لقب المنذر بذلك لأنه اسرع الى الشهادة . (٦) لن نخفر : لن ننقض عهده. ٣٣٩ وجواراً ، فاستصرخَ عليهم قبائل من بني سُليم [ من ] عُصَيّةً ورعْلَ وذكوان والقارة، فأجابوه إلى ذلك، فخرجوا حتى غَشُوا القوم ، فأحاطوا بهم في رحالهم فلما رأوهم أخذوا أسيافهم ثم قاتلوا القوم حتى قُتلوا عن آخرهم ، إلاّ كعب بن زيد أخا بني دينار بن النجار ، فإنهم تركوه وبه رَمَق فَارْتُثُ(٧) من بين القتلى ، فعاشَ حتى قُتِلَ يوم الخندق . وكان في سرح القوم عمرو بن أمية الضمري ، ورجل من الأنصار من بني عمرو بن عوف ، فلم ينبئهما بمصاب القومِ إلا الطير تَحومُ على المعسكر ، فقالا : والله إن لهذه الطير لشأناً، فأقبلا لينظرا فإذا القوم في دمائهم وإذا الخيل التي أصابتهم واقفة ، فقال الأنصاريّ لعمرو بن أمية : ماذا ترى ؟ فقال : أرى أن نلحق برسول الله# فنخبره الخبر، فقال الأنصاري: لكني لم أكن لأَرْغَبَ بنفسي عن موطن قُتل فيه المنذر بن عمروٍ ، ما كنت لأخْبر(٨) عنه الرجال ، فقاتل القوم حتى قُتل، وأخذ عَمروّ أسيراً، فلما أخبرهم أنه من مُضَر أطلقه عامر بن الطفيل ، وَجَزَّ ناصيته، وأعتقه عن رقبةٍ كانت على أُمِّه فيما زعم ، وخرج عمرو بن أمية حتى إذا كان بالقَرْقَرَةِ مِنْ صَدْرِ قناةً ، أقبل رجُلان من بني عامر حتى نزلا في ظل هو فيه، وكان مع العامريين عهدٌ من رسول الله ﴿ وجوارٌ ، لم يعلم به عمرو بن أمّة ، وقد سألهما حين نزلا : من أنتما ؟ فقالا : من بني عامر فأمهلهما حتى إذا ناما عَدَا عليهما فقتلهما ، وهو يُرَى أنه قد أصاب بهما ثؤرة(٩) من بني عامر بما أصابوا من أصحاب رسول الله 18 ، فلما قدم عمرو ابن أمية الضّمري على رسول الله# أخبره الخبر، فقال رسول الله الصدر: ((لقد (٧)(ارتث) بالبناء للمجهول : رفع وبه جراح، ونقول: ارتث الرجل من معركة الحرب: إذا أُخِذّ منها ولا تزال فيه بقية حياة . (٨) في سيرة ابن هشام: ((وما كنتُ لتخبرني عنه الرجال)). (٩) في (أ) رسمت ((ثارة))، وثؤرة: اسم في الثأر. ٣٤٠