Indexed OCR Text
Pages 301-320
للأنصار حتى تبكين حَمْزَةً عَمّ رسول الله وَّرَ، فانه قد ذكر أنه لا بواكي له ،
وكانوا يحبون رِضَى رسول الله ◌َ ، وزعموا أن الذي انطلق بالنوائح عبد الله ابن
رواحة، فلما سمع رسول الله وَليل البكاء قال ما هذا، فأُخْبِر بما فعلت الأنصار
بنسائهم فاستغفر لهم ، وقال لهم معروفاً، ورضي عمِّن أمر برضا رسول
اللهِ وَّ، وقال: ما هذا أردت، وما أحب البكاء، وَنَهَى عنه(٦٢).
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ قال : حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب قال :
حدثنا أحمد بن عبد الجبار قال : حدثنا يونس بن بكير ، عن ابن إسحاق ، عن
شيوخه الذين روى عنهم قصة أُحُد، قالوا: وانصرّفَ رسولُ الله ◌ََّ، راجعاً
إلى المدينة من أُحُد فلقيّتْه حَمْنَةُ بنت جَحْش ، فَتَعي لها الناس أخاها عبد اللّه
ابن جحش فاسترجعت واستغفرت له ، ثم نعى لها خالها حمزة بن عبد المطلب
فاسترجعت واستغفرت له ، ثم نعى لها زوجها مصعب بن عمير فَصَاحَتْ
وَوَلْوَلَتْ. فقال رسول الله وَّهِ إِنَّ زَوْجَ المرأةِ منها لبمكان ، لما رأى من صبرها
عند أخيها وخالها وصياحها على زوجها(٦٣) .
ثم مَرَّ رسول الله ﴿ على دُور من دُور الأنصار من بني عبد الأشهل
وظفر ، فسمع البكاء والنوائح على قتلاهم ، فذرفت عيناه ، فبكى ، ثم قال :
لكن حمزة لا بواكي له ، فلما رجع سعد بن معاذ، وأسيد بن حضير إلى دار
بني عبد الأشهل ، أمرا نساءهم أن يذهبن فيبكين على عم رسول الله وَّر، فلما
سمع رسول الله وَّهُ بكاءَهُنَّ على حمزة، خرج اليهنَّ وهُنَّ على باب مسجده
(٦٢) البداية والنهاية (٤ : ٤٨) عن موسى بن عقبة .
(٦٣) أخرجه ابن هشام في السيرة (٣: ٤١ - ٤٢)، والبداية والنهاية (٤ : ٤٦، ٤٧)، وفي سنن ابن
ماجة حديث ( ١٥٩٠ ): عن حمنة بنت جحش، أَنَّه قيل لها : قتل أخوك ، فقالت : رحمه الله ،
وإنا لله وإنا إليه راجعون، فقالوا: قتل زوجك، فقالت: واحزناه! فقال رسول الله ال#: ان
للزوج من المرأة لشففة ما هي لشيء .
٣٠١
يبكين عليه فقال لهُنَّ رسول الله ◌َّهِ: ارجعن يرحَمْكُنَّ الله، فقد آسَيْتُنَّ
بأنفسگن(٦٤) .
وباسناده عن ابن اسحاق ، قال : حدثني عبد الواحد بن أبي عوف ، عن
إسماعيل بن محمد بن سعد بن أبي وقاص ، قال : كانت امرأة من الأنصار من
بنِ ذِبْيَانَ فقد أُصيب زوجُها وأخُوها يوم أُحُد ، فلما نُعُوا لها ، قالت : ما فعل
رسول الله ﴾؟ قالوا: خيراً يا أم فلان، فقالت: أَرُونيه حتى أنظر إليه ،
فأشاروا لها إليه حتى إذا رأَتْه قالت: كُلُّ مُصيبة بعدك جَلَلٌ (٦٥) .
(٦٤) سيرة ابن هشام (٣: ٤٢)، ونقله الحافظ ابن كثير في («البداية والنهاية)) (٤: ٤٧).
(٦٥) رواه ابن هشام في السيرة (٣: ٤٢ - ٤٣)، ونقله ابن كثير في التاريخ (٤: ٤٧).
٣٠٢
باب
قول الله عز وجلٍ :
ولا تحسبنَّ الذينَ قُتِلوا في سَبِيلِ اللهِ أُمْواتّاً بَلْ أحياءٌ عند ربهم
يُرْزَقُون، فَرِ حين بِما آتاهم الله مِنْ فَضْلِهِ﴾ (١) الآية ، وما وَرَدّ في
فضلِ شُهَداءِ أحد ، وزيارة قبورهم على سبيل الاختصار .
أخبرنا أبو بكر أحمد بن الحسن القاضي قال : أخبرنا حاجب بن أحمد
الطوسي ، قال : حدثنا محمد بن حمادٍ الأبيوردي ، قال : حدثنا أبو معاوية ،
عن الأعمش ، عن عبد الله بن مُرَّة ، عن مسروق ، قال : سألنا عبد الله بن
مسعود عن هذه الآية ﴿ ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيلِ اللّهِ أمواتاً بل أحياءٌ عِنْدَ
رَبِّهِم يُرْزَقُون﴾، قال: أَمَا إِنّا قَدْ سَأَلْنا عن ذلك، فقال: أَرْواحُهُم كطير
خُضِيْرٍ (٢) تسرح في أيها شاءَتْ، ثم تأوى الى قناديل معلقة بالعرش ، قال :
فبينما هم كذلك إذ اطّلعَ عليهم ربك اطّلاعةٌ ، فقال : سلوني ما شئتم ،
فقالوا : يا ربنا وما نسْألك ونحن نسرح في الجنة في أيها شئنا ، فلما رأوا أن
لا (٣) يُتركوا من أن يُسْألوا، قالوا: نسألك أن ترد أرواحنا إلى أجسادنا في الدنيا
نُقتل في سبيلك ، قال: فلما رأوا أنهم لا يَسألون إلاّ هذا(٤) تُركوا(٥).
(١) [١٦٩ - آل عمران ].
(٢) في صحيح مسلم: ((أرواحهم في جوف طير خضر)).
(٣) كذا في (أ)، وفي (ص) و(ح): ((ألّاً))،
(٤) في صحيح مسلم : ((فلما رأى أن ليس لهم حاجة تُرِكوا)).
(٥) الحديث موقوف: اخرجه مسلم في: ٣٣ - كتاب الإمارة ، (٣٣) باب بيان ان أرواح الشهداء في
الجنة ، وانهم أحياء عند ربهم يرزقون، الحديث (١٢١). ص (١٥٠٢).
٣٠٣
=
رواه مسلم في الصحيح ، عن يحيى بن يحيى ، عن أبي معاوية .
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ ، قال : حدثنا علي بن عيسى الحيري قال :
حدثنا مُسَدّد بن قَطَّنٍ (ح) .
وأخبرنا أبو الحسن علي بن أحمد بن عَبْدَان ، قال : أخبرنا أحمد بن عبيد
الصفّارُ ، قال : حدثنا محمد بن يزيد الفارسي ، قال : حدثنا عثمان بن أبي
شيبة ، قال : حدثنا عبد الله بن إدريس ، عن محمد بن إسحاق ، عن إسماعيل
ابن أمية ، عن أبي الزبير ، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ، عن
النبي ◌َ﴿: لما أصيب أخوانكم بأُحُد جَعَلَ اللّه أَرْواحهم في جَوْف طَيْرٍ خُضْرٍ تَرِدُ
أَنْهَارَ الجنة، وَتَأْكُلُ من ثمارها، وتأوي إلى قناديلَ من ذهبٍ مُعَلَّقَةٍ في ظل
العرش ، فلما وَجَدُوا طيب مأكلهم ومشربهم ومَقِيلهم ، قالوا : من يبلّغ إخواننا
عَنَّا أنَّا أحياءٌ في الجنة نُرْزَقُ لئلا يَنْكلوا عند الحرب ولا يزهدوا في الجهاد ، قال
الله عز وجل أَنَا أبلغُهم عَنْكُم فأنزل الله تعالى في الكتاب : ﴿ولا تحسبن الذين
قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياءٌ عِندَ ربهم يرزقون﴾(٦).
ليس في حديث أبي عبد الله ( في الكتاب ) وقال : فأنزل الله عز وجل .
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ قال : حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب قال :
حدثنا أحمد بن عبد الجبار قال : حدثنا يونس بن بكير ، عن ابن إسحاق ،
قال : حدثنا عاصم بن عمر بن قتادة ، عن عبد الرحمن بن جابر بن عبد اللّه ،
عن أبيه ، قال: سمعتُ رسولَ اللهِ وَله يقول إذا ذَكَرَ أَصْحَابَ أُحُد: أَمَا واللّه
لوددت أني ؟ غودرت مع أصحابه بحضن(٧) الجَبَل، يقول: قُتِلْتُ مَعَهم ، فكان
= وأخرجه الترمذي في تفسير سورة آل عمران، وابن ماجة في الجهاد، وقال الترمذي: ((حسن
صحیح ).
(٦) أخرجه أبو داود في الجهاد، باب في فضل الشهادة، الحديث (٢٥٢٠)، ص (٣: ١٥).
(٧) في (أ) و(ح) و(ص) و(د): ((نحض))، وكذا في مسند الإمام أحمد (٣: ٣٧٥) وفي
البداية ((بحضن الجبل)) يعني سفح الجبل، وجاءت الكلمة في نسخة (ب): ((بحض)).
٣٠٤
عاصم يقول : لكني والله ما يَسُرّني أنَّه كان غُودِرَ معهم(٨).
أخبرنا عليُّ بن أحمد بن عبدان، قال : أخبرنا أحمد بن عبيد الصفّار(٩)،
قال : حدثنا إبراهيم بن صالح الشيرازي ، قال : حدثنا الحميدي ، قال : حدثنا
محمد بن مَعْنٍ الغفاريُّ ، قال : حدثنا داود بن خالد بن دينار(١٠) ، قالَ : مَرَرْتُ
يوماً على ربيعة (١١) مع رجل من بني تميم يقال له : يوسف ، أو أبو يوسف فقال
الربيعة : إنا نسمع منك مِن الحديث ما لا نجده عند غيرك ! فقال له ربيعة : أما
والله إِنَّ عندي لحديثاً كثيراً، ولكني قد سمعت ابن الهُدَيْرِ(١٢)، وكان يصحب
طلحة بن عبيد الله ، قال : ما سمعتُ طلحةَ بن عبيد اللّه يُحَدِّث عن رسول
الله ﴿ إلاّ حديثاً واحداً، قال: قلت: وما هو؟ قال: خَرَجْنًا مع رسولِ
اللّهِوَه يريد(١٣) قُبُورَ الشهداء، حتى إذا أَشْرَفْنا على حَرَّةٍ واقِمٍ (١٤) بالبيداءِ فإذا
قبورٌ بمحنَّةٍ (١٥)، قلنا: يا رسول اللّه! هذه قبور إخواننا؟ فقال رسول الله اله:
(٨) تفرد به الإمام الأحمد ، واخرجه في المسند (٣: ٣٧٥)، ونقله عن الحافظ ابن كثير في «البداية
والنهاية)) (٤ : ٤٤).
(٩) في (ب): ((((أحمد الصفار))
(١٠) هو داود بن خالد بن دينار المدني، ذكره العجلي ، وابن حبان في الثقات ، وقال ابن المديني:
لا يُحفظ عنه إلا هذا الحديث الواحد عن ربيعة ... وكل احاديثه إفرادات ، وأرجو انه لا بأس
به .
(١١) هو ربيعة بن أبي عبد الرحمن فروخ التيمي المعروف بربيعة الرأي ، كان صاحب الفتوى
بالمدينة .
(١٢) هو ربيعة بن عبد الله بن الهدير، ولد على عهد النبي 48#، وكان ثقة، قليل الحديث، قال
العجلي في تاريخ الثقات: ((تابعي، مدني، ثقة، من كبار التابعين))، وقال الدارقطني :
(تابعي كبير قليل المسند))، وذكره ابن حبان في الثقات، وذكره ابن عبد البر في الصحابة .
(١٣) في (ب): ((فريد)).
(١٤) (الحرة ) = الأرض ذات الحجارة ، وواقم: اطم من آطام المدينة وإليه تنسب الحرة .
(١٥) (محنية) أي بحيث ينعطف الوادي ، وهو منحناه أيضاً.
٣٠٥
هذه قبور أصحابنا ، فلما جئنا قبور الشهداء ، قال رسول الله مخل : هذه قبور
إخواننا(١٦) .
ربيعة هو ابن أبي عبد الرحمن ، وابن الهُدير هو ربيعة بن عبد اللّه بن
الهدير .
أخبرنا أبو الحسين بن الفضل القطان ببغداد ، قال : أخبرنا أبو سهل بن
زياد القطان ، قال : حدثنا عبد الكريم بن الهيثم قال : حدثنا محمد بن عيسى
ابن الصباع، قال : حدثنا ابن عمران ، عن موسى بن يعقوب ، عن عباد بن أبي
صالح، عن أبيه ، عن أبي هريرة ، قال : كان رسول الله# يأتي الشهداء فإذا
أتى فُرْضَة الشِعْب ، يقول : السلام عليكم بما صبرتم فنعم عُقْبَى الدار ، ثم
كان أبو بكر [ رضي الله عنه](١٧) بعد النبي {18 يفعله، وكان عُمَر [ رضي اللّه
عنه](١٨) بعد أبي بكر يفعله، وكان عثمان - [ رضي الله عنه](١٩) بعد عُمر
يَفْعَلُ ذلك(٢٠) .
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ ، قال : أخبرني أبو النصر الفقيه ، قال : حدثنا
المسيب بن زهير بن نصر ، قال : حدثنا عاصم بن علي بن عاصم ، قال :
حدثنا الليث بن سعد ، عن يزيد بن أبي حبيب ، عن أبي الخير ، عن عقبة بن
(١٦) الحديث أخرجه أبو داود في آخر كتاب المناسك (باب): زيارة القبور، الحديث (٢٠٤٣)،
صفحة (٢ : ٢١٨) عن حامد بن يحيى، عن محمد بن معن المدني، عن داود بن خالد، عن
ربيعة بن أبي عبد الرحمن ، عن ربيعة بن الهُذير.
(١٧) ليست في (ب ) .
(١٨) ليست في ( ب).
(١٩) ليست في ( ب).
(٢٠) عن المصنف نقله ابن كثير في التاريخ (٤ : ٤٥).
٣٠٦
عامر أنَّ رَسُولَ اللهِ وَّهِ خَرَجَ يَوْماً فصلى على أهل أُحُد صلاته على الميت ، ثم
انصرفَ على (٢١) المنبر فقال إني فَرَطُكُمْ وأنا شهيد عليكم، وإني والله أنظر إلى
خَوْضي الآن، وإني قد أعطيت مفاتيح خزائن الأرض( أو مفاتيحَ الأرض](٢٢)،
وإني والله ما أخاف عليكم أن تُشْركوا بعدي ، ولكن أخاف عليكم أن تنافسوا .
رواه البخاري في الصحيح ، عن عمرو بن(٢٣) خالد ، عن الليث .
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ ، قال : حدثنا أبو بكر : اسماعيل بن محمد
ابن إسماعيل الفقيه بالري ، قال : حدثنا محمد بن المغيرة السكّري ، قال :
حدثنا عبد الرحمن بن علقمة المروزي ، قال : حدثنا العطاف بن خالد
المخزومي ، قال : حدثنا (٢٤) عبد الأعلى (٢٥) بن عبد الله بن أبي فروة ، عن
أبيه ، أن النبي ◌َ ﴿ زارَ قبور الشهداء بأُحُدٍ، فقال: اللّهم إِنَّ عَبْدَكَ ونبيك يشهد
أن هؤلاء شهداءٌ ، وَأَنَّهُ مَنْ زَارَهُم أو سلم عليهم إلى يوم القيامة ردّوا عليه .
قال العطّاف : وحدثتني خالتي : أنها زارت قبور الشهداء ، قالت : وليس
معي إلَّ غلامان يحفظان عليّ الدّابة، فَسَلَّمْتُ عليهم، فسمعتُ رَدِّ السلام ،
وقالوا: والله إنا نَعْرفُكُم كما يُعرف بعضنا بعضاً، قالت: فاقشعررتُ (٢٦)
وقلت : يا غلام ! أُذنني بغلتي(٢٧) ، فركبت .
وأخبرنا أبو الحسين بن بشران ببغداد ، قال : أخبرنا الحسين بن صفوان
(٢١) هكذا في صحيح البخاري، وفي المخطوطات: ((إلى)).
(٢٢) ليست في (ب).
(٢٣) البخاري عن عمرو بن خالد عن الليث في: ٨١ - كتاب الرقاق، (٥٣) باب في الحوض،
الحدیث (٦٥٩٠)، فتح الباري (١١ : ٤٦٥).
(٢٤) في (ب): ((حدثني)).
(٢٥) رُسِمَتْ في (أ) و(ب) ((الأعلا)).
(٢٦) في ((البداية والنهاية)): ((فافشعرت كل شعرة مني)).
(٢٧) في (ب): ((بغلي))
٣٠٧
البَرْدَعِيُّ، قال: حدثنا عبد الله بن محمد بن أبي الدنيا، قال: حدثنا (٢٨)
إبراهيم بن سعيد ، قال : حدثنا (٢٩) الحكم بن نافع قال : حدثنا العطاف بن
خالد قال : حدثتني خالتي ، قالت : ركبت يوماً إلى قبور الشهداء وكانت لا تزال
تأتيهم ، قالت : فنزلت عند قبر حمزة فصليت ما شاء الله أن أصلي وما في
الوادي داع ولا مجيب ، إلّ غلامٌ قائمٌ آخذٌ برأس دابتي ، فلما فرغت من
صلاتي ، قلت هكذا بيدي : السلام عليكم ، فسمعتُ ردَّ السلام عليّ يخرج
من تحت الأرض ، أعرفه كما أعرف أن الله عز وجل خلقني ، وكما أعرف الليل
من النهار ، فاقشعرت كل شعرة مني (٣٠).
وأخبرنا أبو عبد الله الحافظ ، قال : أخبرنا أبو عبد الله : محمد بن أحمد
ابن بطة ، قال : حدثنا الحسن بن الجهم ، قال : حدثنا الحسين بن الفرج ،
قال : حدثنا الواقدي ، قال: قد كان رسول اللّه ◌َ ل* يزورهم في كل حولٍ،
وإذا تفوّه الشّعبَ(٣١) رَفَعَ صَوتَهُ، فيقولُ: سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى
الدار ، ثم أبو بكر كل حول يفعل مثل ذلك ، ثم عمر بن الخطاب ، ثم
عثمان ، وكانت فاطمة بنت رسول اللّه ◌َل﴿ تأتيهم فتكُنُّ عندهم وتدعو وكان سعد
ابن أبي وقاص يسلم عليهم ، ثم يُقبل على أصحابه ، فيقول : ألا تسلمون على
قومٍ يردّون عليكم السلام(٣٢).
وكان أبو سعيد الخدري يَزورُ تِلْكَ القبور ، وذكر ذلك أيضاً عن أم سلمة ،
وعبد الله بن عُمَر ، وأبي هريرة (٣٣).
(٢٨) في (ب ): حدثني.
(٢٩) في (ب ) : حدثني .
(٣٠) الخبر نقله الحافظ ابن كثير في «البداية والنهاية)). (٤ : ٤٥).
(٣١) ( تفوُّه الشعب ) = دخل في اول الشعب.
(٣٢) مغازي الواقدي (١ : ٣١٣).
(٣٣) الخبر في المغازي للواقدي (١ : ٣١٣ - ٣١٤).
٣٠٨
قال الواقدي : وكانت فاطمة الخُزاعية تقول : لقد رأيتني وقد غابت
الشمس بقبول الشهداء ومعي أختُ لي ، فقلت لها : تعالي نسلم على قبر
حمزة ، فقالت : نعم ، فوقفنا على قَبْرِهِ فقلنا (٣٤): السلام عليك يا عم رسول
الله ◌َّ، فسمعنا كلاماً ردّ علينا: وعليكم السلام ورحمة الله، قالت: وما قُرْبُنَا
أحدٌ من الناس(٣٥).
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ ، وأبو سعيد بن أبي عمرو، قالا : أخبرنا أبو
عبد الله محمد بن عبد الله الصفار قال : حدثنا أبو بكر بن أبي الدنيا ، قال :
حدثنا علي بن شعيب قال : حدثنا ابن أبي فُدَيْك قال : أخبرني سليمان بن
داود، عن أبيه، عن جعفر بن محمد، عن أبيه: أن فاطمة بنت النبي ◌َ ◌ّ
كانت تزور قبر عَمِّهَا حمزة في الأيام فتصلي ، وتبكي عنده (٣٦).
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ قال : سمعتُ أبا يَعْلى : حمزة بن محمد
العلوي ، يقول : سمعت هاشم بن محمد العُمَريَّ من ولد عمر بن علي يقول :
أخذني أبي بالمدينة إلى زِيَارَةٍ قبور الشهداء في يوم جمعةٍ بين طلوع الفجر
والشمس وكنت أَمْشِي خَلْفَهُ ، فلما انتهى إلى المقابرِ رَفَعَ صَوْتَهُ ، فقال: سَلامٌ
عَلَيْكُم بما صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبِى الدّار، قال : فأُجِيبَ: وعليك السلام يا أبا عبد
الله ، قال : فالتفتَ أبي إليّ، فقال: أنت المجيب يا بُنِيَّ ؟ فقلت: لا ، قال :
فأخذ بيدي فَجَعلني عن يَمِينِهِ، ثُمَّ أُعَادَ السلام عليهم، ثُمَّ جَعَلَ كلما سلم
علىعم يُردّ عليه ، حَتّى فعل ذلك ثلاث مرات، قال: فَخَرَّ أبي ساجداً شكراً لله
عز وجل .
(٣٤) في الأصول: ((فقلت)) وما اثبتناه من مغازي الواقدي.
(٣٥) الخبر في مغازي الواقدي (١ : ٣١٤).
(٣٦) نقل بعضه ابن كثير في التاريخ (٤ : ٤٥).
٣٠٩
باب
قول الله عز وجل
إِنَّ الذين تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ التقى الجمعان إِنما استنزلَّهم ، الشيطان
ببعض ما كَسَبوا وَلَقَدْ عفا الله عَنْهم إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حليم﴾(١).
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ ، قال : أخبرنا أبو عبد الله الأصبهاني، قال :
حدثنا الحسن بن الجهم ، قال: حَدَّثَنا الحسين بن الفرج ، قال: حدثنا
الواقدي، عن شُيوخِهِ، قالوا : لما(٢) صاح إبليس أنَّ محمداً قد قتل تَفَرَّق
الناس، فمنهم من وَرَدَ المدينة حتى دَخّلُوا على نسائهم، وجعل النساءَ يقلن عَنْ
رَسُولِ اللَّهِ وَ﴿ تفرّون؟ قال: وكان ممن وَلَىَّ فلان بن فلان(٣)، والحارث بن
حاطب ، وسواد بن غزيَّة، وسعد بن عثمان ، وعُقبة بن عثمان ، وخارجة بن
عامٍ بلغ مَلل (٤)، وأوسُ بنُ قيظي في نفرٍ من بني حارثة بلغوا الشُّقْرَة (٥)،
(١) الآية (١٥٥) من سورة آل عمران .
(٢) في (ب): ((ولما)).
(٣) ذكر البلاذري عن الواقدي: ((عثمان)). انساب الأشراف. (١ : ٣٢٦).
(٤) (ملل) : موضع في طريق مكة بين الحرمين، وقال ابن السكيت: ((هو منزل على طريق المدينة
إلى مكة عن ثمانية وعشرين ميلاً من المدينة)) وجاء في (أ) و (ب): ((مالك)).
(٥) الشقرة : موضع بطريق فيد بين جبال حمر، على نحو ثمانية عشر ميلاً من النخيل ، ، ويومين
من المدينة .
٣١٠
فلقيتهم أم أيمن تحثي في وجوههم الترابَ، وتقول لبعضهم: هاك المِغْزّل
فَأَغْزِل(٦) به ، وهَلَّم سيفك(٧).
أخبرنا عبد الله الحافظ ، قال : أخبرنا عبد الله بن محمد بن موسى
الكعبيّ ، وأبو الحسن الطرائفي ، قالا : حدثنا اسماعيل بن قتيبة ، قال : حدثنا
يزيد بن صالح ، قال : حدثنا بكير بن معروف، عن مقاتل بن حيان في يوم أُحُدٍ
وتولى مَنْ تَوَلَّى مُدْبِراً، قال: فلما أَنْ أَتَاهُم النِّيُّ ◌َهَ، قالوا: يا نبيَّ الله جعلنا
الله فداك، أتانا الخبر : أنك قُتِلْتَ ، فرعبت قلوبنا، فولَّيْنا مدبرين .
أخبرنا أبو بكر محمد بن الحسن بن فورك قال : أخبرنا عبد الله بن جعفر
ابن أحمد الأصبهاني قال : حدثنا يونس بن حبيب قال : حدثنا أبو داود
الطيالسي ، قال : حدثنا أبو عوانة ، وشيبان ، عن عثمان بن عبد الله بن مَوْهَب،
عن ابن عُمَرَ أنه قال لرجل: امّا قولك الذي سألتني عنه : أَشَهِدَ عثمان بدْراً ؟
فانه شُغِل بابنةِ رسول الله ﴿، فضَرب له رسول اللهِ وَل بسهمه، وأمّا بيعة
الرضوان فإِنَّ رسول اللهِ وَّهَ بَعَثَهُ إِلى أَهْلِ مَّةَ، ولو كان أحدٌ أَوْثق في نفسه من
عثمان لبعثه، وكانت البيعة وعثمان غائبٌ، فقال رسول الله الطيار: يدي هذه
لعثمان، فضرب بإحدى يديه على الأخرى، وأمّا تَوَلَيْهِ يوم التقى الجمعان فاشهد
أنَّ الله عز وجل قد عفا عنه : إذْهب بهذا معك(٨).
أخرجه البخاري في الصحيح، عن موسى بن اسماعيل، عن أبي
عوانة (٩).
(٦) في الأصول المخطوطة ((اغزل)) واثبت ما في مغازي الواقدي.
(٧) الخبر في مغازي الواقدي (١ : ٢٧٧ - ٢٧٨).
(٨) في الصحيح: ((اذهب بها الآن معك)).
(٩) أخرجه البخاري في : ٦٢ - كتاب فضائل الصحابة (٧) باب مناقب عثمان بن عفان، الحديث
(٣٦٩٨)، فتح الباري (٧ : ٥٤). واخرجه مفرقاً في : ٥٧ - كتاب فرض الخمس (١٤) باب إذا
بعث الإمام رسولاً في حاجة ، فتح الباري (٦ : ٢٣٥)، وفي المغازي عن عبدان، وأخرجه
الترمذي في المناقب عن صالح بن عبد الله الترمدي، عن ابي عوانة ، وقال : ((حسن صحيح)).
٣١١
باب
خروج النبي ◌َّى إلى حَمْراءِ الأسد(١)
وقول الله عز وجل ﴿الذينَ استجابوا لِلَّهِ والرّسولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ
القَرْحُ للذينَ أحسنوا منهم واتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٍ﴾(٢)
أخبرنا أبو الحسن علي بن محمد بن عبيد الله(٣) بن بشران ببغداد، قال :
أخبرنا أبو جعفر: محمد بن عمرو بن البختري، قال : حدثنا أحمد بن عبد
الجبار العطاردي، قال: حدثنا أبو معاوية ، عن هشام بن عُرْوَة، عن أبيه ،
قال : قالت عائشة : يا بن أختي كان أبواك ـ تعني (٤) الزبير وأبا بكر - من الذين
استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القَرْحُ، قال: لما انصرف المشركون من
أُحُدٍ، وأصحاب النبي وَلَّ وأصحابه ما أصابهم، خاف أن يرجعوا فقال من ينتدب
لهؤلاء في آثارهم حتى يعلموا ان بنا قوةً، قال : فانتدب أبو بكر والزبير في
سبعين فخرجوا في آثار القوم فسمعوا بهم وانصرفوا بنعمة من الله وفضلٍ،
(١) انظر في خروج الرسول # الى حمراء الاسد: طبقات ابن سعد (٢: ٤٨) وما بعدها ، وتاريخ
الطبري (٢: ٥٣٤)، وسيرة ابن هشام (٣: ٤٤) وابن حزم ص (١٧٥)، وعيون الأثر (٢ :
٥٢)، والبداية والنهاية (٤: ٤٨)، والنويري (١٧: ١٢٦)، والسيرة الحلبية (٢: ٣٣٦)،
· والسيرة الشامية (٤ : ٤٣٨).
(٢) الآية الكريمة (١٧٢) من سورة آل عمران.
(٣) في (ح): ابو الحسين ... ))، وفي (ب): ((أبو الحسن علي بن محمد بن عبد الله)) وكلاهما
صُخَّف.
(٤) في (ب) : ((يعني).
٣١٢
قال : لم يلقوا عدوّاً .
رواه البخاري في الصحيح عن محمد، عن أبي معاوية(٥).
وأخرَجَهُ مسلم مختصراً من أوجُهٍ عَنْ هشام(٦).
أخبرنا(٧). أبو عبد الله الحافظ ، قال : أخبرنا أبو جعفر البغدادي، قال :
حدثنا محمد بن عَمْرو بن خالد، قال : حدثنا أبي ، قال : حدثنا ابن لهيعة ،
قال: حدثنا أبو الأسود، عن عروة في قصة أُحُدٍ، قال: قدم رَجُل من أهل
المدينة فاستخبره رسول الله 18 عن أبي سفيان، فقال: نازلتهم فسمعتهم
يتلاومون؛ يقول بعضهم لبعض : لم تصنعوا شيئاً، أصبتم شوكة القوم وحدهم ،
ثم تركتموهم، ولم تبيدوهم، وقد بقي منهم رؤ وس(٨)يجمعون لكم، فأمّرّ رسول
اللهِ وَ﴿ أصحابَهُ - رضي الله عنهم - وبهم أشدُّ القرح، بطلب العدوّ، وليسمعوا
بذلك ، وقال : لا ينطلقَنَّ معي إلّ مَنْ شَهِدَ القتال، فقال عبد الله بن أبيٍّ:
أركب معك فقال : لا ، فاستجابوا لله ولرسوله على [ الذي ](٩) بهم من البلاء
فانطلقوا، وأقبل جابر بن عبد الله السلمي ، فقال : يا رسول الله إنَّ أبي رجعني
وقد خرجت معك لأشهد القتال ، قتال أُحُدٍ، وناشدني ألّ أترك نساءنا جميعاً
وإنما أوصاني بالرجوع للذي أصابه من القتل(١٠) فاستشهده الله - عز وجل -
وأرادَبي البقاء لتركته، ولا أحب ان تُوَجَّةَ وجهًا إلّ وكنتمعك؛ وقد كرهت أن
(٥) أخرجه البخاري في : ٦٤ : كتاب المغازي؛ (٢٥) باب الذين استجابوا لله والرسول من بعدما
اصابهم القرح ... ؛ الحديث (٤٠٧٧)، فتح الباري (٧ : ٣٧٣).
(٦) مسلم في كتاب فضائل الصحابة (٦) باب من فضائل طلحة والزبير الحديث (٥١) عن أبي بكر
ابن أبي شيبة، والحديث (٥٢) عن أبي كريب ... صفحة (١٨٨٠ - ١٨٨١).
(٧) في (ب): ((وأخبرنا ))
(٨) في (أ) و( ب): (( روس)).
(٩) الزيادة من تاريخ ابن كثير، وفي النسخ المخطوطة: ((على مابهم)).
(١٠) في (ب): ((من القتال)).
٣١٣
يطلُبَ معك إلا من قد شهد القتال فأذَنْ لي، فقال رسول اللّهِوَّ: نَعَم، فطلبهم
حتى بلغ حمراء الأسدِ (١١).
وأخبرنا أبو عبد الله الحافظ ، قال : حدثنا أبو العباس : محمد بن
يعقوب، قال : حدثنا أحمد بن عبد الجبار، قال : حدثنا يونس بن بكير، عن
ابن اسحاق عن شيوخه، قال: فلمّا كان الغَدُ من يوم أُحُد، وذلك يوم الأحد
لست عشرة مضت من شوال: أذَّن مُؤَذِّنُ رسول اللهِوَلَ في الناس لطلب(١٢)
العدوّ ، وأذَّن مؤذِّنه أن لا يخرجنَّ (١٣) معنا أَحُدٌ إلا أحدٌ حضر يومنا بالأمس ،
فكلمة جابر بن عبد الله بن عمرو بن حَرامٍ، فَأَذِنَ له فَخَرَجَ معه(١٤)، وإنما خرج
رسول الله ﴿ مُرْهَبًاً للعدُوُ، وليأتيهم انه قد خرج في طلبهم وليظنوا به قوةً وان
الذي أصابه لم يوهنهم عن عدوهم(١٥).
قال ابن إسحاق : حدثنا عبد الله بن خارجة بن زيد بن ثابت، عن ابن
السائب مولى عائشة بنت عثمان: أنَّ رَجُلاً من أصحاب رسول اللّهِ وَله من بني
عبد الأشهل قال: شهدتُ أُحُداً مع رسول الله وَّهِ أنا وأخٌّ لِي فَرَجَعْنا جريحين ،
فلما أَذَّنَ مؤَذِّن رسول اللّهِ وَّ ر بالخروج في طلب العدوّ، فقلت لأخي وقال لي :
أتفوتنا غزوة مع رسول الله وسير، ووالله مالنا من دَابَّة نركبها، وما منا إلا جريح،
(١١) نقله الحافظ ابن كثير في ((البداية والنهاية)) (٤: ٤٨)، عن موسى بن عقبة، وقال: ((وهكذا
روى ابن لهيعة، عن أبي الأسود، عن عروة بن الزبير سواءً.
(١٢) في (أ) و(ب): ((لطلب)).
(١٣) في الأصول ((لا يخرج)) واثبتنا ما في سيرة ابن هشام.
(١٤) جاء بعده في سيرة ابن هشام العبارة التالية، وليست في الأصول المخطوطة: ((فكلمه جابر ..
فقال: يا رسول الله إن أبي كان خلّفني على أخوات لي سبع، وقال: يا نبي الله إنه لا ينبغي
لي ولا لك ان نترك هؤلاء النسوة لارَجُل فيهن، ولست بالذي اوترك بالجهاد مع رسول الله #
على نفسي، فتخلَّف على أخواتك، فتخلّفْتُ عليهنْ، فأَذن له رسول الله ﴾ فخرج معه .. )).
(١٥) النص في سيرة ابن هشام (٣: ٤٤)، ونقله ابن كثير في التاريخ (٤ : ٤٩).
٣١٤
فَخَرَجْنا مع رسول اللهِ وَّهَ، وكنت أيسر جرحاً منه(١٦) فكان إذا غُلب حملته عُقْبَةً
ومَشَىَ عُقَبَةً (١٧)، حتى انتهينا إلى ما انتهى اليه المسلمون ، فخرج رسول الله
وَ* حتى انتهى إلى حمراء الأسدِ وهي من المدينة على ثمانية أميال فأقام بها
ثلاثاً: الاثنين والثلاثاء والأربعاء ثم رجع الى المدينة (١٨).
وبإِسناده عن ابن إسحاق قال : حدثنا عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن
عمرو بن حزم أنَّ معبداً الخزاعي مرّ برسول اللهِ مَّه، وهو بحمراء الأسد ،
وكانت خزاعة مسلمهم ومشركهم عَيبةٌ [نصح](١٩) لرسول الله وَهُ [بتهامة ]
صفقهم (٢٠) معه ، لا يخفون عليه شيئاً كان بها، فقال معبد - وهو يومئذ مشرك -:
يا محمد! أما والله لقد عزّ علينا ما أصابك في أصحابك، [ و] لَوَدِدْنا أنَّ اللَّهِ -
عز وجل - عافاك فيهم، ثم خَرَجَ ورسول اللهِلَّهَ بِحَمْراء الأسد ، حتى لقي أبا
سفيان بن حرب، ومن معه بالروحاءِ، وقد أجمعوا بالرجعة إلى رسول الله وَله
وأصحابه، وقالوا: أصبنا حَدَّ أصحابهم وقادتهم [ وأشرافهم ]، ثم رجعنا قبل أن
نستأصلهم ، لَنكُرَّنَّ على بقيتهم فلنفرغُنَّ منهم، فلما رأى أبو سفيان مَعْبداً
قال : ما وَرَاءَك يا معبد؟ قال: محمد قَدْ خَرَجَ في أصحابه يطلبكم في جَمْعِ لَمْ
أَرَ له مثله قط يَتَحَرَّقُونَ عليكم تَحَرُّقاً، قد اجتمع معه من كان تخلف عنه في
يومكم، وندموا على ما صنعوا(٢١)، فيهم من الحنق عليكم شيء لم أر مثله
(١٦) في الأصل: ((أيسر جراحة منهم))، واثبتُ ما في السيرة لابن هشام.
(١٧) يريد نتعاقب ركوبةٌ، كل واحد منا يركبها برهة، والآخر يمشي .
(١٨) الخبر في سيرة ابن هشام (٣: ٤٤ - ٤٥)، ونقله ابن كثير في «البداية والنهاية)) (٤ : ٤٩).
(١٩) كلمة نصح ساقطة من الأصول وأثبتها من أصل الخبر في سيرة ابن هشام ، ومعنى عيبة نصح : أي :
موضع سر رسول الله ﴿﴿، وفي (ب): ((عينةً لرسول الله )).
(٢٠) ( صفقهم معه ) = أي : اتفاقهم وهواهم له ، واجتماعهم عليه، تقول : أصفقت مع فلان على
الأمر: إذا أجمعت معه عليه. وجاءت في (أ) و (ب): ((صفوهم)).
(٢١) سيرة ابن هشام: ((على ما ضيعوا)).
٣١٥
قط، فقال : ويلك(٢٢) ما تقول، فقال: والله ما أُرَى أنْ ترتحل حتى ترى
نَوَاصَي الخيل ، قال: فوالله لقد أجمعنا على الكرّة عليهم لنستأصل بقيتهم،
قال: فإني أنهاك عن ذلك ، فوالله لقد حملني ما رأيت على أن قلت فيه (٢٣)
أبياتاً من شعر فقال أبو سفيان : وماذا قلت ؟ قال معبدٌ قلتُ : -
كادت تُهَدُّ من الأصوات راحلتي .
إذ سَالَتِ الأرض بالجرُد الأبابيل (٢٤)
ثم ذكر سائر الأبيات(٢٥) في جيش المسلمين قال : فثنى(٢٦) ذلك أبا
سفيان ومن معه ، ومرّ ركْبٌ مِنْ عبد القيس ، فقال أبو سفيان أين تريدون ؟
قالوا : المدينة ، قال : ولم ؟ قالوا : نريد المِيرَةً،، فقال: أما أنتم مُبلِّغونَ
عني محمداً - نَّه - رسالة أرسلِكم بها إليه، وأحمِّل على إِبلكم هذه زبيباً بعُكاظ
غداً إذا وافيتموها ؟ قالوا : نعم ، قال فقال فإذا جئتموه(٢٧) فأخبروه أنَّا قَدْ أَجْمَعْنَا
الرجعة (٢٨) إلى أصحابه لنستأصلهم، فلما مرّ الركب برسول الله #* وهو بحمراء
(٢٢) سيرة ابن هشام: ((ويلك)).
(٢٣) سيرة ابن هشامٍ: ((فيهم)).
(٢٤) الجرد: الخيل العتاق . الواحد: أجرد ، الأبابيل : الجماعات.
(٢٥) وهي كما ذكرها ابن هشام :
كادت تهد من الأصوات راحلتي
تَرْدِي بأُشْدٍ كِرَامٍ لَأَتْنَابِلَة
فَظَلْتُ عَذْواً أَظُنُّ الْأَرْضَ مَائِلَةٌ
فَقُلْتُ : وَيْلَ ابْنٍ حَرْبٍ مِنْ لِقَائِكُمُ
إِنِّي تَذِيرٌ لْأَهْلِ الْبَسْلِ ضَاحِيّةٌ
مِنْ جَيْشٍ أُحْمدَ لا وَخْش قْنَابِلُهُ
إذا سالت الأرض بالجرد الأبابيل
عِنْدَ اللِّقَاءِ ولا ميل مّعَازيل
لَمَّا سَمَوْا بَرِئِيْسٍ غَيْرٍ مَخْذولٍ
إِذَا تَغَطْمَطَتِ الْبَطْحَاءُ بالْجِيلِ
لِكُلُّ ذِي إِرْبَةٍ مِنْهُمْ وَمَعْقُولٍ
وَلَيْسَ يُوصَفُ مَا أَنْذَرْتُ بالْقيلِ
(٢٦) في الأصول رسمت: ((فثنا)).
(٢٧) في السيرة لابن هشام: ((فإِذا وافيتموه)).
(٢٨) في السيرة: ((السير إليه)).
٣١٦
الأسد فأخبروه بالذي قال أبو سفيان ، وأمرهم به فقال رسول الله صل والمسلمون
معه : حسبنا الله ونعم الوكيل(٢٩).
فأنزل الله عز وجل في أولئك الرهط وقولهم وفي أصحاب رسول الله(وَلـ
الذين استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القَرْح﴾ إلى قوله : ﴿ الذين
قال لهم الناس : إِنَّ الناس قد جمعوا لكم فاخْشَوْهم﴾ يعني هؤلاء النفر من
عبد القيس ، إلى قوله : ﴿فانقلبوا بنعمةٍ من الله وَفَضْلٍ لم يَمْسَسْهُم سُوّءٌ ﴾ لّما
صرف الله عنهم من لقاء عدوهم ، واتبعوا رضوان الله في استجابتهم ( إنما ذلكم
الشيطان) يعني أبا سفيان وأصحابه إلى آخر الآية (٣٠).
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ ، قال : أخبرني أبو بكر محمد بن عبد الله
الشافعي ، قال : حدثنا اسماعيل بن اسحاق القاضي ، قال : حدثنا أحمد بن
عبد الله بن يونس ، قال : حدثنا أبو بكر هو ابن عياش ، عن أبي حصين ، عن
أبي الضحى، عن ابن عباس ، قال : لما أُلقي ابراهيم عليه السلام في النار،
قال: ((حَسْبَنا الله وَنِعْمَ الوكيل))، وقالها محمد ◌ّ: [حين
قالوا]: ((الذين قال لهم الناس إنَّ النَّاسَ قَدْ جَمعُوا لكم فَأَخْشَوْهُم فَزَادَهُمْ
إيماناً ، وقالوا : حسبنا الله ونعم الوكيل )) .
قال أبو بكر بن عياش: يقول ابراهيم ومحمد دولار.
رواه البخاري في الصحيح(٣١)، عن أحمد بن عبد الله بن يونس .
(٢٩) سيرة ابن هشام (٣: ٤٥ - ٤٦)، ونقله الحافظ ابن كثير في ((البداية والنهاية)) (٣ : ٤٩ -
٥٠).
(٣٠) من الآيات (١٧٢ - ١٧٥) من سورة آل عمران .
(٣١) البخاري عن احمد بن عبد الله بن يونس في: ٦٥ - كتاب التفسير - تفسير سورة آل عمران
(١٣) باب الذين قال لهم الناس: إن الناس قد جمعوا لكم، الحديث (٤٥٦٣)، فتح الباري
(٨ : ٢٢٩).
٣١٧
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ قال : حدثنا أبو بكر بن داود الزاهد قال : حدثنا
محمد بن نُعَيْم قال : حدثنا بشر بن الحكم، قال : حدثنا مبشر بن عبد الله بن
رَزّين، قال : حدثنا سفيان بن حسن ، عن يَعْلى بن مسلم ، عن عكرمة ، عن
ابن عباس في قول الله عز وجل (فانقلبوا بنعمة من الله وَفَضْل)، قال : النعمة :
أنهم سَلموا ، والفضل أن عِيراً مَرَّتْ وكان في أيام الموسم ، فاشتراها رسول الله
﴿ فربح فيها مالاً فَقَسَمَهُ بَيْنَ أَصْحَابِهِ(٣٢).
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ ، قال : حدثنا أبو العباس : محمد بن
يعقوب ، قال : حدثنا أحمد بن عبد الجبار، قال : حدثنا يونس بن بکیر عن ابن
اسحاق قال : حدثنا الزهري ؛ قال : كان لعبد الله بن أُبّي مقام يقومُه كل جمعة
لا يتركه شرفاً له في نفسه وفي قومه ، وكان فيهم شريفاً، فكان إذا جلس رسول
الله ◌َي يوم الجمعة يَخْطب قام، فقال: أيها الناس! هذا رسول الله بين أظهركم
أكرمكم الله به ، وأعزكم فانصروه وعزّروه واسمعوا له وأطيعوا ، ثم يجْلسُ، فلما
قدم رسول الله وَّ من أُحُدٍ وصنع المنافقُ ما صنع في أُحُدٍ فقام يفعل كما كان
يفعل، فأخذ المسلمون بثيابه من نواحيه ، وقالوا : اجلس يا عدُوّ الله لست لهذا
المقام بأهلٍ، قد صنعت ما صنعت، فخرج يتخطى رقاب الناس وهو يقول والله
لكأني قلت هُجْراً(٣٣) أن قُمْتُ أَشَدّدُ أمره، فلقي رجلاً من الأنصار بباب
المسجد فقال : ويلك مالك فقال قمت اشدّدُ أمره ، فقام رجال من أصحابه
يَجْبذُوْنني ويعنفونني كأنما قلت هُجراً ، فقال : ويلك ارجع يستغفر لك رسول
اللهِ وَّ، فقال المنافق: والله ما أبغي أَنْ يَسْتَغْفِرَ لي (٣٤).
(٣٢) تفسير القرطبي (٧ : ٤٤٥) ط . دار المعارف .
(٣٣) في سيرة ابن هشام: ((بُجْراً))، والبُجُر: الشر، والأمر العظيم .
(٣٤) الخبر في سيرة ابن هشام (٣: ٤٧ - ٤٨)، ونقله ابن كثير في ((التاريخ)) (٤ : ٥١ - ٥٢).
٣١٨
ـاب
سَرِيّة (١) أَبِي سَلَمَةٍ(٢)
ابن عبد الأسد إلى قطّنٍ
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ قال : أخبرني أبو عبد الله الأصبهاني، قال :
(١) بعد أن خرج رسول الله 8# إلى حمراء الأسد غداة يوم أحد يطارد العدوّ ويطلبه، وظل يوقد النار
طيلة الليل ثلاثة ايام متتابعة ، ليدلُ قريشاً على أنه على عزمه وأنه منتظر رجعتهم ، وزعرع هذا
همة أبي سفيان وقريش، فآثروا ان يعودا ادراجهم ميممين مكة، ورجع محمد 8# الى المدينة،
وقد استردُّ كثيراً من مكانةٍ تزعزعت على أثر أُحُد.
واستمر النبي 8# على هذه السياسة، فلما بلغه - بعد شهرين من أحد - أن طليحة وسَلَمَة ابني
خويلد ، وكانا على رأس بني اسد ، يحرِّضان قومهما ومن اطاعهما يريدان مهاجمة المدينة،
والسير الى محمد بة في عُقْرٍ دار ليصيبوا من أطرافه، وليغنموا من نّعَم المسلمين التي ترعى
الزروع المحيطة بمدينتهم ، وإنما شجعهم على ذلك اعتقادهم أن محمداً واصحابه لا يزالون
مضعضعين من اثر احد، فما لبث النبي حين اتصل به الخبر ان دعا اليه ابا سلمة بن عبد الأسد،
وعقد له لواء سرية تبلغ عدتها مائة وخمسين منهم : أبو عبيدة بن الجراح ، وسعد بن أبي
وقاص ، وأَسْيد بن حضير ، وأمرهم بالسير ليلاً والاستخفاء نهاراً ، وسلوك طريق غير مطروق،
حتى لا يطّلع احد على خبرهم، فيفجئوا العدو بالإغارة عليه على غرة منه، ونفذ أبو سلمة ما أمِرَ
به ، واحاط بهم في عماية الصبح، فلم يستطع المشركون ان يثبتوا لهم ، وانتصر المسلمون
وغنموا كما وجه الرسول 8# بعد ذلك سرية عبد الله بن أبيس، يستطلع جلية خبر خالد بن سفيان
الهُذّلي الذي جمع الناس وسار بهم الى المسلمين، وقد انتهى امر خالد بأن قتله انيس ، ومن ثم
هدأت بنو لحیان بعد موت زعيمها .
(٢) هو أبو سلمة = عبد الله بن عبد الأسد بن هلال، السيد الكبير أخو رسول الله 18 من الرضاعة، =
٣١٩
حدثنا الحسن بن الجهم ، قال : حدثنا الحسين بن الفرج قال : حدثنا
الواقدي، قال : حدثنا عمر بن عثمان بن عبد الرحمن بن سعيد اليربوعي ، عن
سلمة بن عبد الله بن عمر بن أبي سَلَمّة، من ولد أبي سلمة بن عبد الأسد ،
وغيره . أيضاً، قال : حدثني من حديث هذه السرية ، قالوا : شَهِدَ أبو سلمة بن
عبد الأسدِ أُحُداً، وكان نَازِلاً في بني أمية بن زيد بالعالية حين تحول من قُباءٍ ،
ومعه زوجته أمُّ سَلَمَة بنت أبي أمية، فجرُح بأحد جُرْحاً على عَضُدِة [ فرجع إلى
منزله](٣) فقام شهراً يُدَاوَى [ حتى رأى ان قد برأ]، فلما كان هلال المحرم
على رأس خمسة وثلاثين شهراً من الهجرة، دعاه رسول الله وم له فقال: أخرج
في هذه السرية فقد استعملتك عليها، وَعَقّد له لواءً وقال : سِر حتّى تَرِدَ أَرْضَ
بني أسد ، فَأَغِرْ عليهم [ قبل أن تلاقي، عليك جموعهم ]، وأوصاه بتقوى الله
ومن معه من المسلمين خيراً ، وخرج معه في تلك السّرية خمسون ومائة(٤).
والذي هاجه أن رجُلاً من طبىءٍ قَدِمَ المدينة [ يريد امرأة ذات رحم به من
طيء متزوجة رجلاً من أصحاب رسول الله وص لته، فنزل على صهره الذي هو من
أصحاب رسول الله (ص#](٥) فأخبر أن طليحة وسلمة ابنى خويلد قد سارا في
= وابن عمته برة بنت عبد المطلب ، واحد السابقين الأولين ، هاجر الى الحبشة ثم هاجر الى
المدينة ، وشهد بدراً وله اولاد صحابة : كعمر ، وزينب ، وغيرهما ، ولما انقضت عدة زوجته ام
سلمة تزوِّج بها النبي 48*، وكانت تقول: مَنْ خَيْرُ من أبي سلمة ، وما ظنت ان اللّه سيخلفها في
مصابها، فلما فُتِحَ عليها بسيد البشر اغتبطت ايما اغتباط .
(٣) الزيادة من مغازي الواقدي .
(٤) في المغازي الزيادة التالية : منهم : أبو سبرة بن ابي رُهم وهو أخو أبي سلمة لأمه - امه برة بنت
عبد المطلب - وعبد الله بن سهيل بن عمرو، وعبد الله بن مخرمة العامري . ومن بني مخزوم :
معتب بن الفضل بن حمراء الخزاعي حليف فيهم . وارقم بن أبي الأرقم من أنفسهم . ومن بني
فهر : أبو عبيدة بن الجراح وسهيل بن بيضاء . ومن الأنصار : أسد بن الحضير ، وعباد بن بشر ،
وأبو نائلة، وأبو عبس ، وقتادة بن النعمان ، ونضر بن الحارث الظفري، وأبو قتادة ، وأبو عياش
الزرقي ، وعبد الله بن زيد ، وخبيب بن يساف ، ومن لم يسم لنا.
(٥) الزيادة من المغازي (١ : ٣٤٢).
٣٢٠