Indexed OCR Text

Pages 461-480

فأما طلحة فخرج إلى الشام .
ثم تتابع أصحاب رسول الله و كذلك إلى المدينة رسلاً، ومكث ناس"
من أصحابه بمكة حتى قدموا بعد مقدمه المدينة ، منهم : سعد بن أبي
وقاص )).
قلت: قد اختلف في قدوم سعد، فقيل : كذا وقيل إنه ممن قدم قبل قدوم
النبي بم لي* (١٠).
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ ، قال: حدثنا أبو العباس : محمد بن يعقوب،
قال : حدثنا أحمد بن عبد الجبار، قال : حدثنا يونس بن بكير ، عن محمد بن
إسحاق، قال : حدثني نافع عن عبد الله بن عمر ، عن أبيه عمر بن الخطاب،
قال: ((لما أجمعنا الهجرة أقعدت انا وعيّاش بن أبي ربيعة ، وهشام بن العاص
ابن وائل، وقلنا: الميعاد بيننا التَّنَاصُبُ(١١) من إضاة (١٢) بني غفار، فمن أصبح
(١٠) الدرر ( ٧٧ - ٧٩).
(١١) ((التناضب)) قال أبو ذر: ((بضم الضاد، يقال: هو اسم موضع ومن رواه بكسر الضاد فهو جمع
تنضب ، وهو شجر، واحدته تنضبة ، وقيده الوقشي بكسر الضاد كما ذكرنا)) أهـ كلامه ، وقال
السهيلي : ((التناضب بكسر الضاد ، كأنه جمع تنضبة ، وهو ضرب من الشجر تألفه الحرباء ، قال
الشاعر :
أَنَّى أَتِيحَ لَهُ حِرْبَاءُ تَنْضُبَةٍ لَا يُرْسِلُ السَّاقَّ إِلَّ مُمْسِكاً ساقاً
ودخان التنضب أبيض ، ذكره أبو حنيفة في النبات . وقال الجعدي :
ضُحَبًّا دَوّاخِنُ مِنْ تَنْضُب
كأَنَّ الْغُبَارَ الَّذِي غَادِرَتْ
شبه الغبار بدخان التنضب لبياضه ، وقال آخر :
وهَلْ أَشْهَدَنْ خَيْلاً كَانَّ غُبَارَهَا
بِأسْفَلٍ عَلْكَدٍ ذَوَاحِنُ تَنْقُبٍ
اهـ كلامه. وقال ياقوت: ((تنضب: قرية من أعمال مكة بأعلى نخلة، فيها عين جارية)) اهـ .
(١٢) قال أبو ذر: ((الأضاة: الغدير يجمع من ماء المطر، يمد ويقصر)) اهـ، وقال السهيلي :
(( والأضاة : الغدير، كأنها مقلوب من وضأة على وزن فعلة ( بفتحات ) واشتقاقه من الوضاءة بالمد ، =
٤٦١

منكم لم يأتها فقد حبس فليمض صاحباه ، فأصبحت عندها أنا وعياش بن أبي
ربيعة وحبس عنا هشام ، وفتن فافتتن ، وقدمنا المدينة فكنا نقول : ما اللّه بقابل
من هؤلاء توبة : عرفوا الله ، وآمنوا به ، وصدقوا رسوله ، ثم رجعوا عن ذلك
البلاء أصابهم من الدنيا، وكانوا يقولونه لأنفسهم . فأنزل الله عز وجل فيهم :
﴿ قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله﴾ (١٣) الآية.
قال عمر: فكتبتها بيدي كتاباً(١٤)، ثم بعثت بها إلى هشام، فقال هشام
ابن العاص: فلما قَدِمَتْ(١٥) علي خرجت بها إلى ذي طوى فجعلت أصعد بها
وأصَوّب لأفهمها، فقلت : اللهم فهمنيها فعرفت إنما نزلت فينا ، كما كنا نقول
في أنفسنا، ويقال : فينا ، فرجعت فجلست على بغيري، فلحقت برسول الله
مَية(١٦) فقتل هشامَ شهيداً بأجنادين في ولاية أبي بكر رضي الله عنه)).
أخبرنا أبو الحسين بن الفضل القطان ، قال : أخبرنا عبد الله بن جعفر :
= وهي النظافة ، لأن الماء ينظف ، وجمع الإضاءة إضاء ، قال : النابغة :
وَهُنَّ إِضَاءٌ صَافِنَاتُ الْغَلَائِلِ
وهذا الجمع يحتمل أن يكون غير مقلوب ، فتكون الهمزة بدلا من الواو المكسورة في وضاء ؛ لأن
قياس الواو المكسورة يقتضي جواز الهمز ، ويكون الواحد مقلوبا ، لأن الواو المفتوحة لا تهمز ، وقد
يجوز أن يكون الجمع محمولا على الواحد فيكون مقلوبا مثله ))اهـ ولا نسلم له أن الواو المفتوحة لا
تهمز ، فقد قالوا في أسماء : إن همزتها بدل من الواو وأصلها وسماء ، وهي فعلاء من الوسامة ،
وقالوا في قولهم : امرأة أناة : إن الهمزة مبدلة من الواو وأصلها : وناة ، من الونى وهو الفتور . وقال
السهيلي أيضاً: ((وأضاة بني غفار: على عشرة أميال من مكة)) اهـ، وقال ياقوت ((أضاءة بني
غفار : موضع قريب من مكة فوق سرف قرب التناضب ، له ذكر في حديث المغازي وغفار : قبيلة من
كنانة )) اهـ .
(١٣) الآية الكريمة (٥٣) من سورة الزمر.
(١٤) ابن هشام ؛ في صحيفة .
(١٥) أبن هشام: ((أتتني)).
(١٦) سيرة ابن هشام (٢: ٨٦ - ٨٧) .
٤٦٢

قال : حدثنا يعقوب بن سفيان ، قال : حدثني أحمد بن أبي بكر بن الحارث بن
زرارة بن مصعب بن عبد الرحمن بن عوف، قال : حدثنا عبد العزيز بن محمد
عن عبد الله، عن نافع، عن ابن عمر، أنه قال: (( قدمنا من مكة فنزلنا العُصْبة:
عمر بن الخطاب، وأبو عبيدة بن الجراح ، وسالم مولى أبي حذيفة، فكان
يؤمهم سالم مولى أبي حذيفة لأنه كان أكثرهم قرآنا)).
أخبرنا أبو الحسين بن الفضل ، قال : أخبرنا عبد الله بن جعفر ، قال :
حدثنا يعقوب بن نصر، قال : حدثنا عبد الله بن رجاء.
(ح ) أخبرنا أبو نصر بن قتادة، قال : أخبرنا أبو عمرو بن مطر، قال :
أخبرنا أبو خليفة ، قال : حدثنا عبد الله بن رجاء ، قال : أخبرنا إِسرائيل، عن
أبي إسحاق، عن البراء ، فذكر حديث الهجرة والقبلة ، قال البراء: (( وكان
أَوَّل مَنْ قَدِمَ عَلَيْنا من المهاجرين : مصعب بن عمير أخو بني عبد الدار بن
قصي، فقلنا، له: ما فعل رسول اللّه وَس##؟ فقال: هو مكانه، وأصحابه على
أثري ، ثم أتى بعده عمرو بن أم مكتوم الأعمى، أخو بني فهر ، فقلنا له : ما
٤
فعل من وراءك رسول اللّه وَلّ وأصحابه، قال: هم على الأثر، ثم أتى بعده
عمار بن ياسر ، وسعد بن أبي وقاص، وعبد الله بن مسعود، وبلال، ثم أتانا
عمر بن الخطاب في عشرين راكباً، ثم أتانا بعدهم رسول الله وسلّ وأبو بكر معه .
زاد أبو خليفة في روايته: قال البراء فلم يقدم علينا رسول اللّه وَّل حتى
قرأت سوراً من المفصل ثم خرجنا نتلقى العير فوجدناهم قد حَذِروا))(١٧).
(١٧) الحديث أخرجه البخاري في : ٦٣ - كتاب مناقب الأنصار، (٤٦) باب مَقْدم النبي ـ ـ وأصحابه
المدينة ، الحديث (٣٩٢٥)، فتح الباري (٧ : ٢٥٩ - ٢٦٠)، وذكره المزي في تحفة الأشراف
( ٢ : ٥٥ ) ولم يشر أن مسلماً قد أخرجه.
٤٦٣

أخرجه مسلم في الصحيح من حديث اسرائيل.
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ ، قال : حدثنا أبو العباس ، قال : حدثنا
أحمد، قال : حدثنا يونس ، عن ابن إسحاق، أنه ذكر أسامى من خرج من
أصحاب رسول الله وله إلى المدينة أتم من ذكر موسى بن عقبة، وذلك مما يطول
به الكتاب(١٨) .
قال ابن إسحاق : (( آخر من قدم المدينة من الناس لم يفتن في دينه أو
يحبس: علي بن أبي طالب، وذلك أن رسول الله وَّيّةٍ أُخَّره بمكة، وأمره أن ينام
على فراشه ، وأجله ثلاثاً، وأمره أن يؤدي إلى كل ذي حق حقه ، ففعل، ثم
لحق برسول الله (مسلم))(١٩).
(١٨) انظر سيرة ابن هشام (٢ : ٧٧ - ٩٢ ).
(١٩) سيرة ابن هشام (٢: ١١١)، وقال ابن إسحق (٢: ٩٨ ):
ولم يعلم، فيما بلغني ، بخروج رسول الله ( 19: أحدٌ حين خرج إلا علي بن أبي طالب وأبو بكر
الصديق وآل أبي بكر؛ أما علي فإن رسول الله وَّه، فيما بلغني، أخبره بخروجه، وأمره أن يتخلّف
بعده بمكة حتى يؤدي عن رسول الله ### الودائع التي كانت عنده للناس ، وكان رسول الله ( # ليس
بمكة أحد عنده شيء يخشى عليه إلا وضعه عنده؛ لما يعلم من صدقه وأمانته الآلات .
٤٦٤

باب
مكر المشركين برسول الله صل وعصمة الله
رسوله وإخباره إياه بذلك حتى خرج مع أبي بكر الصديق
- رضي الله عنه مهاجراً (١) -
أخبرنا أبو الحسين بن الفضل القطان ببغداد، قال : أخبرنا عبد الله بن
جعفر ، قال : حدثنا يعقوب بن سفيان، قال : حدثنا عمرو بن خالد، عن ابن
لهيعة، عن أبي الأسود، عن عروة بن الزبير، قال: ((وَمَكَثَ رسول اللهِّ
بعد الحج بقية ذي الحجة ، والمحرم ، وصفر، ثم إن مشركي قريش أجمعوا
أمرهم ومكرهم على أن يأخذوا رسول الله صل# : فإما أن يقتلوه ، وإما أن
يحبسوه، وإما أن يخرجوه ، وإما أن يوثقوه ، فأخبره الله عز وجل بمكرهم :
﴿وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك ويمكرون ويمكر الله
والله خير الماكرين ﴾(٢).
فخرج رسول الله وَعليه وأبو بكر من تحت الليل قبل الغار بثور، وعمد علي
رضي الله عنه فَرَقَدَ على فراش رسول الله ◌ِلَّ يواري عنه العيون)).
(١) انظر في هجرة الرسول وله إلى المدينة: ابن هشام (٢: ٩٦ - ١١٢)، وابن سعد (١ : ٢٢٧ -
٢٣٨)، وصحيح البخاري (٥: ٥٦)، والطبري (٢: ٣٦٨ - ٣٨٣)، وأنساب الأشراف (١ :
١٢٠)، والدرر لابن عبد البر (٨٠ - ٨٧) وعيون الأثر (١: ٢٢١ - ٢٣١)، والبداية والنهاية ( ٣:
١٧٤ - ٢٠٤)، وتاريخ الإسلام للذهبي (٢: ٢١٨ - ٢٣٥)، والنويري (١٦: ٣٣٠).
(٢) الآية الكريمة (٣٠) من سورة الأنفال.
٤٦٥

وأخبرنا أبو الحسين بن الفضل القطان ، قال : أخبرنا أبو بكر محمد بن
عبد الله بن عتاب العبدي ، قال : حدثنا القاسم بن عبد الله بن المغيرة ، قال :
أخبرنا إسماعيل بن أبي أويس ، قال : حدثنا إسماعيل بن إبراهيم بن عقبة عن
عمه موسى بن عقبة .
(ح) ، وأخبرنا أبو عبد الله الحافظ ، قال : أخبرني إسماعيل بن محمد بن
الفضل الشعراني ، قال : حدثنا جدي ، قال : حدثنا إبراهيم بن المنذر ، قال :
حدثنا محمد بن فليح ، عن موسى بن عقبة ، عن ابن شهاب الزهري ، وهذا
لفظ حديث إسماعيل، قال: ((ومكث رسول الله الهل بعد الحج بقية ذي
الحجة ، والمحرم ، وصفر ، ثم إن مشركي قريش اجتمعوا أن يقتلوه أو يخرجوه
حين ظنوا أنه خارج ، وعلموا أن الله عز وجل قد جعل له مأوى ومنعة
ولأصحابه ، وبلغهم إسلام من أسلم ، ورأوا من يخرج إليهم من المهاجرين ،
فأجمعوا أن يقتلوا رسول اللّه وَلخير، أو يثبتوه فقال الله عز وجل: ﴿وإذ يمكر بك
الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك ويمكرون ويمكر الله والله خير
الماكرين﴾، وبلغه * في ذلك اليوم الذي أتى فيه أبا بكر أنهم مُبيتوه إذا
أمسى على فراشه، فخرج رسول الله وَلل وأبو بكر في جوف الليل قبل الغار غار
ثور ، وهو الغار الذي ذكر الله عز وجل في الكتاب ، وَعَمَدَ علي بن أبي طالب
فَرَقَدَ على فراش رسول الله وَله يواري عنه ، وباتت قريش يختلفون ويأتمرون :
أيهم يجثم على صاحب الفراش فيوثقه ، فكان ذلك أمرهم حتى أصبحوا ، فإِذا
هم بعلي بن أبي طالب رضي الله عنه، فسألوه عن النبي وقلة، فأخبرهم أنه لا
علم له به ، فعلموا عند ذلك أنه قد خرج فارًّا منهم ، فركبوا في كل وجه
يطلبونه )) .
وأخبرنا أبو عبد الله الحافظ ، قال : حدثنا أبو العباس : محمد بن
يعقوب ، قال : حدثنا أحمد بن عبد الجبار ، قال : حدثنا يونس بن بكير ، عن
٤٦٦

ابن إسحاق ، قال: ((فلما أيقنت قريش أن محمداً وَّ قد بويع، وأَمَرَ رسول
اللّه ◌َلّ من كان بمكة من أصحابه أن يلحقوا بإخوانهم بالمدينة تآمروا فيما
بينهم، فقالوا: الآن فأجمعوا في أمر محمد ◌َّ فوالله لكأنه قد كر عليكم
بالرجال فأثبتوه أو اقتلوه أو أخرجوه ، فاجتمعوا له في دار الندوة ليقتلوه فلما
دخلوا الدار اعترضهم الشيطان في صورة رجل جميل في بَتِّ له والبت :
الكساء(٣) فقال : أدخل ، فقالوا : من أنت ؟ قال : أنا رجل من أهل نجد سمع
بالذي اجتمعتم له ، فأراد أن يَحْضُرَه معكم ، فعسى أن لا يعدمكم منه رأي
ونصح ، فقالوا : أجل فادخل .
فلما دخل قال بعضهم لبعض قد كان من الأمر ما قد علمتم فَأَجْمِعُوا في
هذا الرجل رأياً واحداً ، وكان ممن اجتمع له في دار الندوة : شيبة وعتبة ابنا
ربيعة ، وأبو جهل بن هشام ، والنضر بن الحارث ، فقال قائل منهم أرى أن
تحبسوه وتربّصوا به رَيْبَ المنون حتى يهلك كما هلك من كان قبله من الشعراء :
زهير بن أبي سلمى ، والنابغة ،- وغيرهما .
فقال النجدي : والله ما هذا لكم برأي ، والله لئن فعلتم ليخرج رأيه
وحديثه حيث حبستموه إلى من وراءه من أصحابه ، فأوشك أن ينتزعوه من
أيديكم ، ثم يغلبوكم على ما في أيديكم من أمركم ، فقال قائل منهم : بل
نخرجه فننفيه من بلادنا ، فإِذا غُيِّبَ عنا وجهُهُ وحديثه فوالله ما نبالي أين وقع من
البلاد ، ولئن كان أجمعنا بعد ذلك أمرنا وأصلحنا ذات بيننا ، قال النجدي : لا
والله ما هذا لكم برأي ، أما رأيتم حلاوة منطقه وحسن حديثه وغلبته على من
يلقاه دون من خالفه ، والله لكأني به إن فعلتم ذلك قد دخل على قبيلة من قبائل
(٣) وهو الكساء الغليظ المربع، وقيل الطيلسان من خز، وفي تهذيب اللغة: ((البت ضرب من الطيالسة ،
يسمى الساج مربع غليظ أخضر ، وجمعه : أبت ، وبتات ، وبتوت . وفي الصحاح للجوهري : البتي
الذي يعمله ، ومنه : عثمان بن سليمان البتي المحدث ، كان يبيع البتوت .
٤٦٧

العرب ، فاصفقت معه على رأيه ، ثم سار بهم إليكم ، حتى يطأكم بهم ، فلا
والله ما هذا لكم برأي .
قال أبو جهل بن هشام : والله إن لي فيه لرأياً ما أراكم وقعتم عليه !
قالوا : وما هو؟ قال : أرى أن تأخذوا من كل قبيلة من قريش غلاماً نهداً جدداً
نسيباً وسيطاً ، ثم تعطوهم شفاراً صارمة ثم يجتمعوا فيضربوه ضربة رجل واحد ،
فإذا قتلتموه تفرق دمه في القبائل ، فلم تدر عبد مناف بعد ذلك ما تصنع ، ولم
يقووا على حرب قومهم ، فإنما أقصرهم عند ذلك أن يأخذوا العقل فَتَدُوّه
لهم (٤) .
قال النجدي لله در الفتى هذا الرأي وإلا فلا شيء (٥) .
فتفرقوا على ذلك واجتمعوا له وأتى رسول اللّه وَلل الخبر، وأمر أن لا ينام
على فراشه تلك الليلة ، فلم يبت رسول اللّه وَليل حيث كان يبيت ، وبيَّت عليّاً في
مضجعه ))(٦) .
وفيما ذكر أبو عبد الله الحافظ : أن محمد بن إسماعيل المقرىء ، حدثه
قال : حدثنا محمد بن إسحاق بن إبراهيم ، قال : حدثنا سعيد بن يحيى بن
سعيد : أبو عثمان ، قال : حدثني أبي ، قال : حدثنا محمد بن إسحاق ، عن
(٤) أي تدفعوا لهم الدية .
(٥) وذكر ابن الكلبي في جمهرة الأنساب أن إبليس لما حمد رأي أبي جهل ، قال :
الرأي رأيان: رأي ليس يَعْرِفه
هادٍ ورأي كنصل السيف معروفُ
ومكرمة
عزَّ
أوَّله
يكون
يوماً، وآخره جدّ وتشريفُ
(٦) سيرة ابن هشام (٢ : ٩٣ - ٩٥).
٤٦٨

عبد الله بن أبي نجيح ، عن مجاهد ، عن ابن عباس ، قال : وحدثني الكلبي
عن زاذان مولى أم هاني ، عن عبد الله بن عباس (( أن نفراً من قريش من أشراف
كل قبيلة اجتمعوا ، فذكر معنى هذه القصة إلى أن قال : فأتى جبريل رسول
اللّه وَالر فأمره أن لا يبيت في مضجعه الذي كان يبيت فيه وأخبره بمكر القوم،
فلم يبت رسول الله وَّه في بيته تلك الليلة، وأذن الله عند ذلك بالخروج،
وأنزل عليه بعد قدومه المدينة في الأنفال يذكر نعمته عليه وبلاءه عنده : ﴿وإذ
يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك ويمكرون ويمكر الله والله
خير الماكرين ﴾(٧). وأنزل في قوله تربصوا حتى يهلك كما هلك من كان قبله
من الشعراء ﴿أم يقولون شاعر نتربص به ريب المنون﴾(٨).
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ ، قال : حدثنا أبو العباس : محمد بن
يعقوب ، قال : حدثنا أحمد بن عبد الجبار، قال : حدثنا يونس ، عن ابن
إسحاق، قال: ((وأقام رسول الله وَله ينتظر أمر الله حتى إذا اجتمعت قريش
(٧) سورة الأنفال آية ٣٠. وقال القرطبي (جـ ٧ ص ٣٩٨) في تفسير قوله تعالى: ((والله خيرٌ
الماكرين )): المكر من الله هو جزاؤهم بالعذاب على مكرهم من حيث لا يشعرون . وقال الزمخشري
( الكشاف جـ ١ ص ٣٠٢) : أي مكره أنفذ من مكر غيره وأبلغ تأثيرا لأنه لا ينزل إلا ما هو حق وعدل
ولا يصيب إلا بما هو مستوجب . وفي النهاية (جـ ٤ ص ١٠٣) في حديث الدعاء ؛ اللهم امكر لي ولا
تمكر بي . مكر الله إيقاع بلائه بأعدائه دون أوليائه وقيل هو استدراج العبد بالطاعات فيتوهم أنها مقبولة
وهي مردودة ، والمعنى : ألحق مكرك بأعدائي وأصل المكر الخداع . وفي التاج : قال الليث : المكر
من الله تعالى جزاء سمى باسم مكر المجازي . وقال الراغب : مكر الله إمهاله العبد وتمكينه من أغراض
الدنيا . وفي الفروق اللغوية لأبي هلال العسكري ( طبعة القاهرة سنة ١٣٥٣ هـ ص ٢١٥) أن الكيد
والمكر متغايران والشاهد أن الکید یتعدی بنفسه والمکر یتعدی بحرف فیقال کاده یکیده ومکر به ولا يقال
مكره ، والذي يتعدى بنفسه أقوى . ونقل الزبيدي في التاج عن البصائر أن المكر ضربان : محمود :
وهو ما يتحرى به أمر جميل وعلى ذلك قوله تعالى : والله خير الماكرين ، ومذموم : وهو ما يتحرى به
فعل ذميم نحو قوله تعالى: (( ولا يحيق المكر السيء إلا بأهله)).
(٨) الآية (٣٠) من سورة الطور والخبر عند ابن هشام (٢: ٩٥).
٤٦٩

فمكرت به وأرادوا به ما أرادوا أتاه جبريل عليه السلام ، فأمره أن لا يبيت في
مكانه الذي كان يبيت فيه ، دعا رسول الله له علي بن أبي طالب ، فأمره أن
يبيت على فراشه، ويتسجى ببرد له أخضر ففعل، ثم خرج رسول الله وَّر على
القوم وهم على بابه وخرج معه بحفنة من تراب فجعل يذرّها على رؤوسهم ،
وَأخذ الله عز وجل بأبصارهم عن نبيه وهو يقرأ : ﴿يُس والقرآن الحكيم - إلى
قوله - فأغشيناهم(٩) فهم لا يبصرون ﴾(١٠) ﴾ وروي عن عكرمة ما يؤكد هذا.
(٩) سورة يَس. الآيات (١ -٩)، وفي الروض الأنف (١: ٢٩٢): ((في قراءة الآيات الأول من سورة
يس من الفقه التذكرة بقراءة الخائضين لها اقتداءُ به - عليه السلام - فقد روى الحارث بن أبي أسامة في
مسنده عن النبي # في ذكر فضل يَس ، أنها : إن قرأها خائف أُمِنَ ، أو جائع شبع ، أو عار كُسِيَ ، أو
عاطش سُقِيَ ، حتى ذكر خلالاً كثيرة .
(١٠) سيرة ابن هشام (٢: ٩٥ - ٩٦).
٤٧٠

باب
خروج النبي (185 مع صاحبه أبي بكر الصديق - رضي الله عنه - إلى الغار
وما ظهر في ذلك من الآثار
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ ، قال : أخبرنا أبو بكر بن إسحاق الفقيه ،
قال : أخبرنا عبيد بن عبد الواحد ، قال : حدثنا يحيى بن بكير ، قال حدثنا
الليث ، قال وأخبرني أبو الحسن : محمد بن عبد الله ، واللفظ له ، قال :
حدثنا محمد بن إسحاق ، قال : حدثنا محمد بن يحيى ، قال : حدثنا ابن
صالح ، قال : حدثني الليث ، قال : حدثني عقيل ، قال : قال ابن شهاب :
فأخبرني عروة بن الزبير أن عائشة زوج النبي و ◌ّر قالت ((لم أَعْقِلْ أبويٍّ(١) إلا
وهما يَدِينان الدين، ولم يَمُرَّ علينا يَوْمٌ إلا يَأْتِينا فيه رسول اللهِوَّيْ طَرَفي النهار:
بُكْرَة وعشية ، فلما ابْتُلِيَ المسلمون ، خرج أبو بكر مهاجراً نحو أرض الحبشة ،
حتى إذا بلغ بَرْك الغِماد (٢) لقيه: ابن الدُّغِنَّةِ (٣) وهو سيد القارة ، قال: أين تريد
يا أبا بكر؟ قال : أبو بكر : أخرجني قومي ، فأريد أنْ أسيحَ في الأرض وأعبد
ربي ، قال ابن الدغنة : فإن مثلك لا يَخْرُجِ ولا يُخْرَجُ ، إنك تُكْسِبُ المعدومَ ،
(١) في البخاري : لم أعقل ابويّ قَطُ.
(٢) برك الغماد : موضع بناحية اليمن ، مما يلي ساحل البحر، وقال ابن فارس : بضم الغين ، وفي
التوضيح : برك الغماد : موضع في أقاصي هجر.
(٣) ابن الدغنة هو : ربيعة بن رفيع اهبان بن ثعلبة السلمي ، كان يقال له ابن الدغنة، وهي امه ، فغلبت
على اسمه، شهد حنيناً، ثم قدم إلى رسول اللّه ل# في بني تميم .
٤٧١

وَتَصِلُ الرَّحِمَ، وتحمِلُ الكَلَّ (٤)، وَتَقْرِي الضَّيْفَ، وتُعينُ على نوائبِ الحق ،
فأنا لك جأر فارجع ، فاعبدْ رَبَّكَ ببلدك(٥) ، فارتحل ابن الدغنة مع أبي بكر
رضي الله عنه ، وطافَ في أشرافٍ قريش، فقال لهم : إن أبا بكر لا يَخْرِج مثله
ولا يُخرج ، أتخرجون رجلاً يَكْسِبُ المعدومَ ، ويصل الرحم ، ويحمل الكل ،
ويقري الضيف ، ويعين على نوائب الحق ، فأنفَذَت (٦) قريش جوار ابن
الدغنة ، وأُّمَّنوا أبا بكر ، وقالوا لابن الدغنة : مر أبا بكر فليعبد رَبَّه في دارِهِ ،
فليصلِّ وليقرأ ما شاء ، ولا يؤذينا بذلك ، ولا يستعلن به ، فإنا نخشى أن يفتِنَ
أبناءنا ونساءنا ، فقال ابن الدغنة ذلك لأبي بكر ، فلبث أبو بكر يعبد ربه في داره
وَلا يستعلن بالصلاة ، ولا بالقراءة في غير داره .
ثم بدا لأبي بكر فابتنى مسجداً بفناء دارِهِ [ وبرز ](٧) فكان يصلي فيه ،
وَيَقْرأ القرآن، فيتقذف (٨) عليه نساء المشركين وأبناؤهم ، يعجبون وينظرون
إليه ، وكان أبو بكر رجلاً بكَّاءً لا يملك دمعه حين يقرأ القرآن ، فأفزع ذلك
أشراف قريش من المشركين ، فأرسلوا إلى ابن الدغنة ، فَقَدِمَ عليهم فقالوا له :
إنا كنا أجرنا أبا بكر على أن يعبد ربه في داره ، وإنه جاوز ذلك فابتنى مسجداً
بفناء داره ، وأعلن الصلاة والقراءة ، وإنا قد خشينا أن يفتن أبناءنا ونساءنا ، فَأْتِهِ
فإِن أحب أن يقتصر على أن يعبد ربه في داره فعل ، وإن أبى إلا أن يعلن ذلك
فَسَلْه أن يرد عليك ذمتك ، فإنا قد كرهنا أن نخفرك ولسنا مقرين لأبي بكر
الاستعلان .
(٤) تحمل الكلُّ: هو ما يثقل حمله من القيام بالعيال ونحوه مما لا يقوم بأمر نفسه.
(٥) في الصحيح: ((فرجع وارتحل .. )) . .
(٦) في الصحيح: ((فلم تكذب قريش بجوار ابن الدغنة)).
(٧) ليست في الصحيح.
(٨) اي يتدافعون فيتساقطون
٤٧٢

قالت عائشة : فأتى ابن الدغنة أبا بكر ، فقال : قد علمت الذي عاقدت
لك عليه ، فإما أن تَقْتَصِرَ على ذلك، وإما أن ترد إليَّ ذمتي ، فإني لا أحب أن
تَسْمَعَ العربُ إني أخفرت في رجل عقدت له ، فقال أبو بكر : فإني أرد اليك
جوارك ، وأرضى بجوار الله - عز وجل - .
ورسول الله يومئذ بمكة، فقال رسول اللّه الثر للمسلمين: ((قد أريت
دار هجرتكم، أريت سَبْخَة ذات نخل بين لابتين))، وهما الحرتان ، فهاجر من
هَاجَر قِبَلَ المدينة، حين ذكر رسول اللّه وَّه، ورجع إلى المدينة بعد من كان
هاجر إلى أرض الحبشة من المسلمين ، وتجهز أبو بكر مهاجراً يعني = قبل
المدينة .
فقال له رسول الله وي الر: ((على رِسْلك فإني أرجو أن يؤذن لي))، فقال
أبو بكر لرسول اللّه وَّ: هل ترجو ذلك بأبي أنت وأمي ؟ قال : نعم .
فحَبّسَ أبو بكر نفسه على رسول اللّه ◌َله ليصحبه وعلف راحلتين، كانتا
عنده ورق السُّمُرِ أربعة أشهر .
قال ابن شهاب : قال عروة : قالت عائشة رضي الله عنها : فبينا نحن يوماً
جلوس في بيتنا في نَحْرِ (٩) الظهيرة قال قائل لأبي بكر هذا رسول اللّه ◌َخٍ مقبلاً
متقنّعاً في ساعة لم يكن يأتينا فيها ، قال أبو بكر : فداءٌ له أبي وأمي ، أما والله
إن جاء به في هذه الساعة إلا أُمْرٌ ، قالت: فجاءَ رسولُ الله ◌َّ فاستأذنَ فَأَذِنَ
له ، فَدَخَلَ، فقال رسول اللّه ◌ٍَّ لأبي بكر حين دخل : أُخْرِجْ مَنْ عِنْدَكَ .
فقال أبو بكر : إنما هم أهْلُكَ بأبي أنت يا رسول الله، قال رسول الله الحيّةٍ:
(٩) (نحر الظهيرة): أي في اول وقت الحرارة، وهي المهاجرة، ويقال: أول الزوال، وهو أشد ما
يكون من حر النهار، والغالب في ايام الحر القيلولة فيها.
٤٧٣

(( فإِني قد أذن لي في الخروج))، قال أبو بكر : الصَّحابة (١٠) بأبي أنت وأمي يا
رسول الله، قال النبي ◌َّ: ((نعم))، قال أبو بكر: فَخُذْ مني يا رسول الله
إحدى راحلتيَّ هاتين، قال رسول الله وَّةُ: ((بالثَّمَنِ))(١١)، قالت عائشة :
فجهزتهما(١٢) أحَثَّ الجهاز(١٣) فصنعنا لهما سفرة في جِرَابٍ(١٤) فقطعت أسماء
بنت أبي بكر قطعة من نطاقها (١٥) فأوكت به الجراب ، فبذلك كانت تسمى ذات
النطاقين(١٦).
قالت: ثم لحق رسول الله وَله وأبو بكر بغارٍ في جبلٍ يقال له : ثور،
فَكَمِنَا (١٧) فيه ثلاث ليال : يَبيتُ عندهما عبد الله بن أبي بكر ، وهو غلام شاب
لَقِينٌ (١٨) ثَقِفٌ(١٩) فَيُدْلِجُ(٢٠) من عندهما بِسَحَرٍ فيصبح في قريش بمكة كبائتٍ،
(١٠) أي اريد الصحابة يا رسول الله ، يعني المصاحبة .
(١١) أي لا آخذ إلا بالثَّمِن، وفي رواية ابن إسحق: لا أركب بعيراً ليس هولي ، قال : فهو لك، قال :
لا، ولكن بالثمن الذي ابتعته به ، قال : أخذته بكذا وكذا ، قال : هو لك ؛ وفي رواية الطبراني
عن أسماء ، قال : بثمنها يا ابا بكر، قال : بثمنها إن شئت. وعن الواقدي ان الثمن ثمانمائة، وان
الراحلة التي اخذها رسول الله# هي القصواء. وانها عاشت بعد النبي # قليلاً، وماتت في
خلافة أبي بكر؛ وكانت مرسلة ترعى بالبقيع، وفي رواية اخرجها ابن حبان: انها الجذعاء .
(١٢) صحيح البخاري: ((فجهزناهما)).
(١٣) أحث الجهاز: اسرعه من وضع الزاد للمسافر والماء .
(١٤) الجراب : هو إزار فيه تكة تلبسه النساء .
(١٥) النطاق = وهو كل شيء شددت به وسطك .
(١٦) سميت ((ذات النطاقين)) لأنها كانت تجعل نطاقاً على نطاق ، وقيل : كان لها نطاقان : تلبس
احدهما، وتحمل في الآخر الزاد لرسول الله # وهو في الغار .
(١٧) هكذا ايضاً في الصحيح، وفي (ص) و (هـ): فمكثا.
(١٨) لَقِنُ: السريع الفهم.
(١٩) ثَقِفٌ : الحاذق الفطن .
(٢٠) يدّلج: يخرج بالسحر، يقال: أَذلج إذا سار في اول الليل، وادَّلج: إذا سار في آخره .
٤٧٤

فلا يسمع أمراً يكيدون(٢١) به إلا وعاه حتى يأتيهما بخبر ذلك حين يختلط
الظلام ، ويرعى عليهما عامر بن فُهَيْرة(٢٢) مولى أبي بكر مِنْحَةً من غنم فيريح
عليهما حين تذهب ساعة من الليل فيبيتان في رِسْل منحتهما ورضيفهما ، حتى
ينعق بهما عامر بن فهيرة بِغَلسٍ ، يفعل ذلك كل ليلة من تلك الليالي الثلاث .
واستأجر، رسول اللّه وَ ليل وأبو بكر رجلاً من بني الديل من بني عبد بن
عدي هادياً خريتا(٢٣) والخريت الماهر بالهدايةُ قد غَمَسَ حلفاً في آل العاص بن
وائل ، وهو على دين كفار قريش ، فأمناه فدفعا إليه راحلتيهما ، وَوَاعداه غار ثور
فأتاهما براحلتيهما صبيحة ثلاث ليال ، فارتحلا وانطلق عامر بن فهيرة والدليل
الدؤلي فأخذ بهما يَدّ بَحْرٍ وهو طريق الساحل)).
رواه البخاري في الصحيح عن يحيى بن بكير (٢٤) عن الليث، وقال: تكسب المعدوم.
(٢١) في الصحيح: ((يُكتادان به)).
(٢٢) عامر بن فُهَيْرة: مولى أبي بكر الصديق ، وكان مولداً من مولدي الأزد ، واسلم وهو مملوك ،
فاشتراه أبو بكر واعتقه ، شهد بدراً وأحداً، وقتل يوم بئر معونة ، قتله عامر بن الطفيل ، ودفنته
الملائكة .
(٢٣) قوله خريتا ، صفة بعد صفة ، وهو بكسر الخاء المعجمة وتشديد الراء وبالياء آخر الحروف
الساكنة ، وفي آخره تاء مثناة من فوق ، والخريت : الماهر بالهداية . أشار به الى تفسير الخريت
وهذا مدرج في الخبر من كلام الزهري، وعن الخطابي : الخريت مأخوذ من خرت الابرة كأنه
يهتدي لمثل خرتها من الطريق ، وخرت الابرة بالضم ثقبها وحكى عن الكسائي خرتنا الارض اذا
عرفناها ولم تخف علينا طرقها ، وقال ابن الاثير : الخريت الماهر الذي يهتدي لآخرات المفازة ،
وهي طرقها الخفية.
(٢٤) في: ٦٣ - كتاب مناقب الانصار (٤٥) باب هجرة النبي * واصحابه إلى المدينة ، فتح الباري
(٧ : ٢٣٠ - ٢٣٢)، بطوله، وأخرج البخاري جزءاً. من اول هذا الحديث في كتاب الصلاة في
باب المسجد يكون في الطريق اخرجه هناك بهذا الاسناد بعينه ، وكذلك اخرجه في كتاب الاجازة
في باب استئجار المشركين عند الضرورة، عن ابراهيم بن موسى ، عن هاشم ، عن معمر عن=
٤٧٥

حدثنا أبو عبد الله الحافظ إملاءً ، قال : حدثنا أبو بكر : أحمد بن
إسحاق ، قال : أخبرنا موسى بن الحسن بن عباد ، قال : حدثنا عفان بن
مسلم ، قال : حدثنا السري بن يحيى ، قال : حدثنا محمد بن سيرين ، قال :
((ذكر رجال على عهد عمر فكأنهم فضلوا عمر على أبي بكر رضي الله عنهما ،
فلما بلغ ذلك عمر رضي الله عنه ، قال : والله لليلة من أبي بكر خير من آل
عمر ، وليوم من أبي بكر خير من آل عمر، لقد خرج رسول اللّه وَليه ليلة انطلق
إلى الغار ومعه أبو بكر رضي الله عنه ، فجعل يمشي ساعة بين يديه وساعة
خلفه ، حتى فطن له رسول اللّه وَير، فقال: يا أبا بكر مالك تمشي ساعة بين
يدي وساعة خلفي ؟ فقال : يا رسول الله أذكر الطلب ، فأمشي خلفك ، ثم أذكر
الرصد فأمشي بين يديك ، فقال : يا أبا بكر لو كان شيء أحببت أن يكون لك
دوني ؟ قال : نعم ، والذي بعثك بالحق ما كانت لتكن من ملمة إلا أحببت أن
تكون لي دونك ، فلما انتهينا من الغار قال أبو بكر رضي الله عنه : مكانك يا
رسول الله حتى استبري لك الغار فدخل فاستبراه حتى إذا كان في أعلاه ذكر أنه
لم يستبر الجحَرة ، فقال : مكانك يا رسول اللّه حتى استبري الجِحرة ، فدخل
فاستبرأ ، ثم قال : انزل يا رسول اللّه، فنزل فقال عُمر: والذي نفسي بيده
لتلك الليلة خير من آل عمر .
وأخبرنا أبو الحسين علي بن محمد بن عبد الله بن بشران العدل ببغداد ،
قال : حدثنا أحمد بن سلمان النجار الفقيه إملاءً ، قال : قرىء على يحيى بن
= الزهري ، عن عائشة، من قوله واستأجر رسول الله 8# وابو بكر رجلاً من بني الديل الى قوله وهو
" على طريق الساحل وكذلك اخرجه في الكفالة باسناد هذا الباب من قوله ان عائشة زوج النبي بثقة
قالت لم اعقل ابوي قط إلاوهما يدينان إلى قوله ورق السمر اربعة اشهر، وكذلك اخرجه في
الادب في باب يزور صاحبه كل يوم له بكرة وعشية ، فإِنه أخرجه هناك عن ابراهيم عن هشام الى
آخره من قوله قالت لم أعقل ابوي إلى قوله قد أذن لي بالخروج . وحاصل الكلام ان البخاري
اخرج هذا الحديث في هذه المواضع مقطعة مختصرة ولم يخرجه مطولاً إلا هنا .
٤٧٦

جعفر وأنا أسمع ، قال : أخبرنا عبد الرحمن بن إبراهيم الراسبي ، قال : حدثني
فرات بن السائب عن ميمون بن مهران ، عن ضبة بن محصن العنزي ، عن عمر
ابن الخطاب رضي الله عنه في قصة ذكرها ، قال : فقال عمر والله لليلة من أبي
بكر ويوم خير من عُمُرٍ عمر ، هل لك أن أحدثك بليلته ويومه ؟ قال : قلت نعم
يا أمير المؤمنين قال أما ليلته فلما خرج رسول اللّه وم طهر هارب من أهل مكة خرج
ليلاً فتبعه أبو بكر ، فجعل يمشي مرة أمامه ، ومرة خلفه ، ومرة عن يمينه ، ومرة
عن يساره، فقال له رسول اللّه مثل: ((ما هذا يا أبا بكر ما أعرف هذا من
فعلك؟ )) قال : يا رسول اللّه أذكر الرصد فأكون أمامك، وأذكر الطلب فأكون
خلفك ، ومرة عن يمينك ومرة عن يسارك ، لا آمن عليك ، قال : فمشى رسول
اللّه هي ليلته على أطراف أصابعه، حتى حَفيت رجلاه ، فلما رآه أبو بكر رضي
الله عنه أنها قد حفيت حمله على كاهله، وجعل يشتد به حتى أتى به فم الغار ،
فأنزله ، ثم قال : والذي بعثك بالحق لا تدخله حتى أدخله ، فإن كان فيه شيء
نزل بي قبلك ، فدخل فلم ير شيئاً ، فحمله فأدخله ، وكان في الغار خَرْقٌ فيه
حيات وأفاعي، فخشي أبو بكر أن يخرج منهن شيء يؤذي رسول اللّه وَهر ،
فألقمه قدمه فجعلن يضربنه ويلسعنه : الحيات والأفاعي ، وجعلت دموعه تنحدر
ورسول اللّه ◌َه، يقول له: يا أبا بكر! لا تحزن، إن الله معنا، فأنزل الله
سكينته الاطمئانية لأبي بكر ، فهذه ليلته .
وأما يومه فلما توفي رسول اللّه ◌َلّر وارتدت العرب، فقال بعضهم :
نصلي ، ولا نزكي وقال بعضهم: لا نصلي ولا نزكي، فأتيته ولا آلُوهُ نصحاً ،
فقلت : يا خليفة رسول اللّه تألّف الناس وارفق بهم ، فقال : جبار في الجاهلية
خوار في الإِسلام فبماذا أتألفهم أبشعر مفتعل أو بشعر مفتري؟ قبض النبي وَّير
وارتفع الوحي ، فوالله لو منعوني عقالا مما كانوا يعطون رسول اللّه رؤية لقاتلتهم
عليه قال فقاتلنا معه فكان والله رشيد الأمر فهذا يومه)).
أخبرنا أبو الحسين بن الفضل القطان ، قال : أخبرنا أبو بكر بن عتاب ،
٤٧٧

قال : حدثنا القاسم بن عبد الله بن المغيرة ، قال : أخبرنا إسماعيل بن أويس ،
قال : حدثنا إسماعيل بن إبراهيم بن عقبة ، عن عمه موسى بن عقبة ، أظنه عن
ابن شهاب .
(ح) وفيما ذكر شيخنا أبو عبد الله الحافظ أن أبا جعفر البغدادي أخبرهم ،
قال : حدثنا أبو علاثة : محمد بن عمرو بن خالد ، قال : حدثنا أبي ، قال
حدثنا ابن لهيعة ، عن أبي الأسود، عن عروة بن الزبير (( أنهم ركبوا في كل وجه
يطلبون النبي ◌َّ وبعثوا إلى أهل المياه يأمرونهم ويجعلون لهم الجعل العظيم ،
وأتوا على ثور الجبل الذي فيه الغار الذي فيه النبي ◌ّ# حتى طلعوا فوقه ، وسمع
رسول اللّه ◌َ* وأبو بكر أصواتهم ، فأشفق أبو بكر وأقبل عليه الهم والخوف فعند
ذلك يقول له رسول الله صل *: لا تحزن إن الله معنا، ودعا رسول الله وَعليه ،
فَنَزَلَتْ عليه سكينةٌ من الله ﴿ فأنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين وجعل
كلمة الذين كفروا السفلى وكلمة الله هي العليا والله عزيز حكيم﴾ (٢٥).
(٢٥) هذا من الآية الأربعين من سورة التوبة وتمامها: ((إلا تنصروه فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا
ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا فأنزل الله سكينته عليه وأيده بجنود
لم تروها وجعل كلمة الذين كفروا السفلى وكلمة الله هي العليا والله عزيز حكيم )) وأخرج البخاري
في تفسيرها ( جـ ٦ ص ١٢٦) حديثاً رواه انس عن أبي بكر أنه قال: كنت مع النبي 8# في الغار
فرأيت آثار المشركين قلت: يا رسول الله لو أن احدهم رفع قدمه رآنا قال: ((ما ظنك باثنين الله
ثالثهما)) وروى في تفسير: ((فأنزل الله سكينته عليه)) اي على ابي بكر بتأمين النبي ◌َّ له فسكن
جأشه وذهب روعه (تفسير القرطبي جـ ٨ ص ١٤٨).
ويرحم الله الشّرّف البوصيري حيث قال :
أَلِفَتْهُ ضِبابُها والظُّبَاءُ
وَيْحَ قومٍ جَفَوْا فِيّاً بأرضٍ
الغُرَبَاءُ
وَرَدُهُ
وقَلّوْهُ
وسَلَوْهِ وَحْسنَّ جِذْعَ إِلَيْهِ
أَخْرَجُوهُ مِنْهَا وَآَوَاهُ غَارٌ
وَكَفَتْهُ بِنَسْجِهَا عَنْكَبْوتٌ
وَرْقَاءُ
وحَمَتْهُ حَمَامَةٌ
ما كَفْهُ الحَمَامَةُ الحَصْداءُ =
٤٧٨

وكانت لأبي بكر منحة تروح عليه وعلى أهله بمكة ، فأرسل أبو بكر عامر
ابن فهيرة فَرَوَّح تلك المنحة على رسول الله صلّ في الغار ، وكان عامر بن فهيرة
مولى أبي بكر أميناً مؤتمناً حسن الإِسلام واستأجر رجلاً من بني عبد بن عدي
يقال له أريقط كان (٢٦) حليفاً في قريش ثم في بني سهم ثم في آل العاص بن
وائل وذلك العدوي يومئذ مشرك وهو هاد بالطريق فَخَبًا ظهرهما تلك الليالي
اللاتي مكثا في الغار وكان يأتيهما عبد الله بن أبي بكر حين يمسي بكل خبر
= وحيث قال :
من قَلْبِهِ نِسْبَةٌ مَبْرُورَةَ القَسَمِ
أَقْسَمْتُ بالقُمْرِ المُنْشَقِّ أَن له
وكلُّ طَرْف من الكُفَّارِ عنه عَمِ
وما حَوَى الغار من خَيْرٍ ومن كَرَمٍ
وهم يقولون ما بالغار من أُرم.
فالصِّدْقُ في الغارِ والصِّديقُ لم يَرِدًا
خير البَرِيَّةِ لم تَنْسِجْ وَلَمْ تَحُمِ
ظَنُّوا الحَمَّامَ وَظَنُوا العَنْكُبُوتَ على
من الدُّرُوعِ وعن عالٍ من الأُطُمِ
وِقَايَةُ اللَّهِ أَغْنَتْ عن مُضَاعَفّةٍ
لطيفة: سئل بعضهم عن الحكمة في اختفائه ◌ّله في غار ثّوْر دون غيره فَأُجِيب بأنه ﴿﴿ كان يحب
الفَأْلَ الحَسَن ، وقد قيل إِن الأرض مستقرةٌ على قرن الثَّوْر فناسب استقرارهم لو في غار ثَوْر تفاؤلاً
بالطُمَأْنِينَة والاستقرار فيما يقصده هو ورفيقه.
وروى ابن عَدِيّ وابن عساكر عن أَنْس أَن رسول الله صلَ ◌ّ قال لحَسَّان: ((هل قلت في أبي بكر
شيئاً؟)) قال: نعم. قال: ((قُلْ وأَنا أَسمع))، فقال.
فاذكر اخاك ابا بكر بما فعلا
إذا تذكرت شجواً من أخي ثقة
وأول الناس طراً صدق الرسلا
التالي الثاني المحمود شيمته
طاف العَدُوُّ به إذ صَعَّدَ الجَبْلَا
والثانِيَ اثْنَيْنِ فِي الغارِ المُنِيفِ وقد
من البَرِّيةِ لم يَعْدِلْ بِه رَجُلاً
وكان حِبَّ رَسُولِ اللَّهِ قد عَلِمُوا
(٢٦) قيل رقيط كما في الزرقاني على المواهب (جـ ١ ص ٣٣٩) وهو من الديل وقيل الدئل كما في فتح
الباري. وكان الأربقط على دين كفار قريش ولم يعرف له إسلام فيما بعد كما جزم به عبد الغني
المقدسي وتبعه النووي وقال ابن حجر في الأصابة لم أر من ذكره في الصحابة إلا الذهبي في
التجريد وقال السهيلي ( جـ ١ ص ٨): عبد الله بن أريقط لم يكن إذ ذاك مسلماً ولا وجدنا من
طريق صحيح انه أسلم بعد ذلك .
٤٧٩

يكون في مكة ويُرُوح عليهما عامر بن فهيرة الغنم كل ليلة فيحلبان ويدلجان ثم
يسرح بكرة فيصبح في رعيان الناس فلا يفطن له حتى إذا هدأت عنهما الأصوات
وأتاهما إن قد سُكِتَ عنهما جاء صاحبهما ببعيريهما وقد مكثا في الغار يومين
وليلتين .
وفي رواية موسى بن عقبة - ثلاث ليال ثم انطلقا وانطلقا معهما بعامر بن
فهيرة يخدمهما ويعينهما ، يردفه أبو بكر ، ويعقبه على راحلته ، ليس معهما أحد
من الناس غير عامر بن فهيرة ، وغير أخي بني عدي يديهما الطريق فأجاز بهما
أسفل مكة ثم مضى بهما الساحل أسفل من عُسْفَان ثم أجاز بهما حتى عارض
الطريق بعد أن أجاز قُدَيْداً))(٢٧).
لفظ حديث عروة وحديث موسى بن عقبة بمعناه .
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ ، وأبو سعيد بن أبي عمرو ، قال : حدثنا أبو
العباس : محمد بن يعقوب ، ، قال : حدثنا العباس بن محمد الدوري ، قال :
حدثنا الأسود بن عامر : شاذان ، قال : حدثنا إسرائيل ، عن الأسود ، عن
جندب، قال ((كان أبو بكر رضي الله عنه مع رسول الله وقوّر في الغار فأصاب يده
حجر ، فقال :
إن أنت إلا أصبع دميت وفي سبيل الله ما لقيت (٢٨)
أخبرنا أبو عبد الله : إسحاق بن محمد بن يوسف السوسي ، قال : حدثنا
أبو العباس : محمد بن يعقوب ، قال : حدثنا أحمد بن يونس الضبي ، قال :
حدثنا عفان بن مسلم ، ومحمد بن سفيان ، قالا : حدثنا همام ، قال : أخبرنا
أبو ثابت، عن أنس: أن أبا بكر حدثه قال ((كنت مع رسول اللهصلّ في الغار
(٢٧) البداية والنهاية (٣: ١٨٩).
(٢٨) رواه ابن مردويه عن جندب بن عبد الله بن سفيان البجلي .
٤٨٠