Indexed OCR Text
Pages 421-440
فسكت وقام رسول الله وَل عنهم، وانصرفوا إلى المدينة ، وكانت وقعة بعاث بين الأوس والخزرج ، ثم لم يلبث إياس بن معاذ أن هلك . قال محمود بن لبيد : فأخبرني من حضرني من قومي أنهم لم يزالوا يسمعونه يهلل الله ويكبره ويحمده ويسبحه حتى مات ، وكانوا لا يشكون أنْ قدْ مات مسلماً قد كان استشعر من الإِسلام في ذلك المجلس حين سمع من رسول الله ما سمع)) (٢٣). أنبأنا أبو عبد الله الحافظ ، قال : أنبأنا أبو بكر : أحمد بن جعفر ، قال: حدّثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل ، قال : حدّثني أبي ، قال : حدّثنا أبو أسامة ، قال : أنبأنا هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن عائشة ، رضي الله عنها ، قالت : ((كان يوم بعاث يوماً قدَّمه الله تعالى (٢٤) لرسوله فقدم رسول الله ولجر المدينة وقد افترق مَلَّهُمْ وَقُتِلت سَرَواتهم، وجُرِحوا فَقَدَّمَهُ اللّه لرسوله في دخولهم في الإِسلام . رواه البخاري في الصحيح(٢٥) عن عبيد بن إسماعيل عن أبي أسامة . (٢٣) الخبر في سيرة ابن هشام (٢: ٣٦ - ٣٧). (٢٤) في (ص) و(هـ) : - عز وجل - . (٢٥) أخرجه البخاري في : ٦٣ - كتاب مناقب الأنصار (١) باب مناقب الأنصار، الحديث ( ٣٧٧٧ )، فتح الباري ( ٧ : ١١٠ ). ٤٢١ حديث أبان بن عبد الله البجلي في عَرْض رسول الله وَّ نَفْسَه على قبائل العرب وقصة مفروق بن عمرو [ وأصحابه ](١) حدّثنا أبو عبد الرحمن : محمد بن الحسين السلمي ، قال : أنبأنا أبو بكر : محمد بن إسماعيل الفقيه الشاشي ، قال : حدّثنا الحسن بن صاحب بن حُمَيْد الشاشي ، قال : حدّثني عبد الجبار بن كثير الرقي ، قال : حدّثنا محمد ابن بشر اليماني ، عن أبان بن عبد الله البجلي(٢)، عن أبان بن ثعلب بن عكرمة ، عن ابن عباس ، قال : حدّثني علي بن أبي طالب من فيه ، قال : ((لما أمر الله تبارك وتعالى رسوله ( أن يعرض نفسه على قبائل العرب، خرج وأنا معه ، وأبو بكر رضي الله عنه ، فدفعنا إلى مجلس من مجالس العرب ، فتقدم أبو بكر - رضي الله عنه - وكان مقدماً في كل خير، وكان رجلاً نسابة . (١) ليست في (ح) . (٢) أبان بن عبد الله البجلي وهو أبان بن أبي حازم البجلي الكوفي ، وثقه : ابن معين ، والعجلي ، وابن نمير ، وقال الذهبي في الميزان (١ : ٩): حسن الحديث ، وقد سرده ابن حبان في المجروحين (١: ٩٩)، والعقيلي في الضعفاء (١: ٤٤) ولم يقل أحدهما عنه شيئاً، فقد قال العقيلي: ((ما سمعت عبد الرحمن حدَّث عنه بشيء قط))، وهذا ليس بتضعيف ، فقد قال الفلاس : كان ابن مهدي يحدث عن سفيان عنه. تهذيب التهذيب (١: ٩٦)، وقال ابن عدي: ((هو عزيز الحديث ، عزيز الروايات، لم أجد له حديثاً منكر المتن فأذكره))، وقد قال الذهبي: (( ومما أُنكر عليه مرفوعاً: جرير منا أهل البيت ... )) . ٤٢٢ فسلم ، وقال : ممن القوم ؟ قالوا : من ربيعة . قال : وأي ربيعة أنتم ؟ أمن هامها أي من لهازمها ؟ فقالوا : من الهامّة العظمى، فقال أبو بكر رضي الله عنه : وأي هامتها العظمى أنتم ؟ قالوا : من ذهل الأكبر، قال : منكم عوف الذي يقال له : لا حُرِّ بوادي عوفٍ ؟ قالوا : لا . قال فمنكم جسّاس بن مرة حامي الذمار، ومانع الجار؟ قالوا : لا . قال فمنكم بسطام بن قيس : أبو اللواء ، ومنتهى الأحياء ؟ قالوا : لا . قال : فمنكم الحوفزان قاتل الملوك وسالبها أنفسها ؟ قالوا : لا . قال : فمنكم المزدلف صاحب العمامة الفردة ؟ قالوا : لا . قال : فمنكم أخوال الملوك من كِنْدة؟ قالوا : لا . قال : فمنكم أصحاب الملوك من لخم ؟ قالوا : لا ، قال : أبو بكر : فلستم من ذهل الأكبر أنتم من ذهل الأصغر، قال : فقام إليه غلام من بني شيبان يقال له دَغْفَل حين تبين(٣) وَجْهُه [ فقال](٤): إن على سائلنا أن نسله والعَبْو لا نعرفه أو نجهله(٥) يا هذا قد سألتنا فأخبرناك، ولم نكتمك شيئاً فممن الرجل؟ قال أبو بكر : أنا من قريش ، فقال الفتى : بخ بخ أهل الشرف والرياسة ، فمن أي القرشيين أنت ؟ قال : من ولد تيم بن مرة ، فقال الفتى : أمكنت والله الرامي من سواء الثغرة . أمنكم قصي الذي جمع القبائل من فهر فكان يدعى في قريش مجمّعاً؟ قال: لا ، قال: فمنكم - أظنه قال ــ هشام الذي هشم الثريد لقومه ورجال مكة مُسْنِتون عجاف ؟ قال : لا ، قال فمنكم شيبة الحمد عبد المطلب مطعم طير (٣) في (ص): ((بقل )). (٤) سقطت من (ص) . (٥) في (هـ): والعبؤ، وفي دلائل النبوة: ((والعبء)). ٤٢٣ السماء الذي كان وجهه القمر يضيء في الليلة الداجية الظلماء ؟ قال : لا ، قال فمن أهل الإِفاضة بالناس أنت؟ قال : لا . قال : فمن أهل الحجابة أنت ؟ قال : لا ، قال فمن أهل السقاية أنت؟ قال : لا ، قال : فمن أهل النداوة أنت ؟ قال : لا ، قال : فمن أهل الرفادة أنت ؟ قال : فاجتذب أبو بكر رضي الله عنه زمام الناقة راجعاً إلى رسول الله 198 فقال الغلام: صادف در السيل درأ يدفعه يهضبه حيناً وحيناً يصدعه أما والله لو ثبت لأخبرتك مَنْ قريش، قال: فلبسم رسول الله وَلّ، قال علي : فقلت : يا أبا بكر! لقد وقعت من الأعرابي على باقعة ، قال : أجل أبا حسن ما من طامة إلا وفوقها طامة ، والبلاء موكل بالمنطق ، قال : ثم دفعنا إلى مجلس آخر عليهم(٦) السكينة والوقار، فتقدم أبو بكر فسلم ، فقال : ممن القوم ؟ قالوا : من شيبان بن ثعلبة ، فالتفت أبو بكر رضي الله عنه إلى رسول اللهِ وَرَ، فقال: بأبي أنت وأمي هؤلاء غرر الناس ، وفيهم مفروق بن عمرو ، وهانىء بن قبيصة ، والمثنى بن حارثة ، والنعمان بن شريك ، وكان مفروق قد غلبهم جمالاً ولساناً ، وكانت له غديرتان تسقطان على تَريبتِه (٧) وكان أدنى القوم مجلساً فقال أبو بكر رضي الله عنه كيف العدد فيكم ؟ فقال مفروق : أنا لنزيد على ألف ، ولن تغلب ألف من قلة . فقال أبو بكر : وكيف المنعمة فيكم ؟ فقال المفروق : علينا الجهد ولكل قوم جهد . فقال أبو بكر رضي الله عنه : كيف الحرب بينكم وبين عدوكم ؟ فقال مفروق : إنا لأشد ما نكون غضباً حين نلقى وإنا لأشد ما نكون لقاء حين نغضب ، وإنا لنؤثر الجياد على الأولاد ، والسلاح على اللقاح ، والنصر من عند الله يُديلنا مرة ويُديل علينا أخرى ، لعلك أخا قريش. فقال أبو بكر رضي الله عنه: قد بلغكم أنه رسول الله ألا هوذا ، (٦) في (ص) و(هـ): ((عليه )). (٧) في الدلائل: ((صدره)). ٤٢٤ فقال مفروق : بلغنا أنه يذكر ذاك فإلى ما تدعو(٨) يا أخا قريش ؟ فتقدم رسول الله ◌َ فجلس وقام أبو بكر رضي الله عنه يظله بثوبه، فقال رسول اللّه الخبر : أدعوكم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأن محمداً عبده ورسوله ، وإِلى أن تؤووني وتنصروني ، فإِن قريشاً قد ظاهرت على أمر الله، وكذّبت رسله ، واستغنت بالباطل عن الحق ، واللّه هو الغني الحميد . فقال مفروق بن عمرو : وإلام تدعونا يا أخا قريش، فوالله ما سمعت كلاماً أحسن من هذا، فتلا رسول اللّه وَلير ﴿قل تعالوا أقل ما حرم ربكم عليكم - إلى - فتفرق بكم عن سبيله ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون﴾(٩). فقال مفروق : وإِلام تدعونا يا أخا قريش زاد فيه غيره فوالله ما هذا من كلام أهل الأرض. ثم رجعنا إلى روايتنا قال: فتلا رسول اللّه ◌َخَ ﴿إن الله يأمر بالعدل والإِحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون﴾(١٠) . فقال مفروق بن عمرو : دعوت والله يا أخا قريش إلى مكارم الأخلاق ومحاسن الأعمال ، ولقد أُفِكَ قوم كذبوك وظاهروا عليك . وكأنه أحبَّ أن يَشْركه في الكلام هانىء بن قبيصة ، فقال : وهذا هانىء شيخنا وصاحب ديننا ، فقال هانىء : قد سمعت مقالتك يا أخا قريش إني أرى إن تركنا ديننا واتباعنا على دينك لمجلس جلسته إلينا ليس له أول ولا آخر أنه زلل في الرأي ، وقلة نظر في العاقبة ، وإنما تكون الزلة مع العجلة ، ومن ورائنا قوم نكره أن يعقد عليهم عقداً، ولكن نرجع وترجع وننظر وتنظر . (٨) في (ص): ((إلى ماذا تدعو)). (٩) الأنعام : ١٥١ . (١٠) النحل : ٩٠. ٤٢٥ وكأنه أحب أن يشركه المثنى بن حارثة ، فقال : وهذا المثنى بن حارثة شيخنا وصاحب حربنا ، فقال المثنى بن حارثة : سمعت مقالتك يا أخا قريش ، والجواب فيه جواب هانىء بن قبيصة في تركنا ديننا ومتابعتك على دينك ، وإِنا إنما نزلنا بين صريين(١١) اليمامة، والسمامة، فقال رسول الله صل# ما هذان الصريان ؟ فقال : أنهار كسرى ومياه العرب ، فأما ما كان من أنهار کسری فذنب صاحبه غير مغفور وعذره غير مقبول ، وأما ما كان مما يلي مياه العرب فذنب صاحبه مغفور وعذره مقبول ، وإِنا إنما نزلنا على عهد أخذه علينا أن لا نحدث حدثاً ولا نؤوي محدثاً وإني أرى أن هذا الأمر الذي تدعونا إليه يا قرشي مما يكره الملوك ، فإِن أحببت أن نؤويك وننصرك مما يلي مياه العرب فعلنا . فقال رسول اللّه وير: ما أسأتم في الرد إذا أفصحتم بالصدق وإِن دين الله لن ينصره إلا من حاطه من جميع جوانبه أرأيتم أن لم تلبثوا إلا قليلاً حتى يورثكم الله أرضهم وديارهم وأموالهم ويفرشكم نساءهم أتسبحون الله وتقدسونه ؟ فقال النعمان بن شريك: اللهم فلك ذلك، قال فتلا رسول اللّه ه: ﴿إنا أرسلناك شاهداً ومبشراً ونذيراً وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً﴾(١٢). ثم نهض رسول الله و لر قابضاً على يدي أبي بكر وهو يقول: يا أبا بكر أية أخلاق في الجاهلية ما أشرفها ! بها يدفع الله عز وجل بأس بعضهم عن بعض وبها يتحاجزون فيما بينهم . قال : فدفعنا إلى مجلس الأوس والخزرج فما نهضنا حتى بايعوا رسول الله (١١) الصَّرَيَّيْن: وفي بعض النسخ: صيرين تثنية: صير، والصرى للماء إذا طال مكثه وتغير، وهي النهاية : الصير : الماء الذي يحضره الناس ، ( اليمامة ) : مدينة باليمن . (١٢) الأحزاب : ٤٥ . ٤٢٦ * قال: فلقد رأيت رسول الله وقد سر بما كان من أبي بكر ومعرفته بأنسابهم)»(١٣). قال لنا أبو عبد الرحمن قال الشيخ أبو بكر قال الحسن بن صاحب: كتب هذا الحديث عني أبو حاتم الرازي ، قلت : وقد رواه أيضاً محمد بن زكريا الغلابي ، وهو متروك عن شعيب بن واقد عن أبان بن عبد الله البجلي [ أخبرنا أبو عبد الله الحافظ ، حدّثنا أبو بكر : محمد بن عبد الله بن أحمد العماني حدّثنا محمد بن زكريا الغلابي ، حدّثنا شعيب بن واقد، حدّثنا أبان بن عبد الله البجلي ](١٤) فذكره بإسناده ومعناه وروى أيضاً بإسناد آخر مجهول عن أبان بن تغلب . أخبرنا أبو عبد الله الحافظ ، قال : حدّثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، قال : حدّثنا أبو محمد جعفر بن عنبسة الكوفي ، قال : حدّثني محمد بز الحسين القرشي ، قال : حدّثنا أحمد بن أبي نصر السكوني ، عن أبان بن عثمان الأحمر ، عن أبان بن ثعلب ، عن عكرمة ، عن ابن عباس ، عن علي بن أبي طالب فذكره ، وقال: خرج إلى منى (١٥) وأَنا معه . (١٣) رواه الحاكم وأبو نعيم في دلائل النبوة (١ : ٢٣٧ - ٢٤١)، وقال القسطلاني في المواهب : (( أخرجه الحاكم والبيهقي وأبو نعيم بإسناد حسن . (١٤) ما بين الحاصرتين سقط من (ح) . (١٥) في (ص) رسمت (( منا)). ٤٢٧ ( حديث سعد بن معاذ وسعد بن عبادة وما سمع من الهاتف بمكة في نصرتهما رسول الله (43*) حدّثنا أبو عبد الله الحافظ ، قال : حدّثني أبو أحمد محمد بن محمد الحافظ قال(١٦) حدّثنا محمد بن إسحاق بن إبراهيم قال : حدّثنا أبو الأشعث ، قال : حدّثنا هشام بن محمد بن السائب الكلبي ، قال : حدثنا عبد الحميد بن أبي عيسى بن خير كذا قال ، وهو عبد الحميد بن أبي عبس بن محمد بن خير عن أبيه قال سمعتْ قريش(١٧) قائلاً يقول في الليل على أبي قبيس : فإِن يُسْلِمْ السَّعْدَانُ يُصْبِحْ محمدٌ بمكّة لا يَخْشى خلافَ المُخالِفِ فلما أصبحوا قال أبو سفيان : من السَّعدان : أسعد بن بكر أم سعد بن [ هُذَيْم](١٨) فلما كانت في الليلة الثانية سمعوه يقول : أيا يا سَعْدَ سَعْدَ الأوْسِ كن أنت ناصراً ويا سعد سعد الخزرجين الغَطارِفِ (١٦) ليست في (ص) . (١٧) النص ناقص في (ص) ، مقدار سطرين . (١٨) في (ح) و(هـ): تميم، وفي الروض الأنف (١: ٢٧٢): ((فحسبوا أنه يريد بالسعدين القبيلتين : سعد هُذَيْم من قضاعة ، وسعد بن زيد بن تميم )) . ٤٢٨ أجيبا إلى داعي الهُدى وتَمنَّيا على اللّه في الفِرْدوس مُنْيَة عارف فإِن ثواب الله للطالب الهُدى جنانٌ من الفِرْدُوْسِ ذاتُ رفارف فلما صبحوا قال أبو سفيان : هو والله سعد بن معاذ [ وسعد بن عبادة ](١٩). (١٩) الزيادة من (ص) و(هـ) ، والخبر أخرجه ابن أبي الدنيا ، والخرائطي ، وعن المصنف نقله ابن كثير في («البداية والنهاية)) (٣ : ١٦٥). ٤٢٩ باب ذكر العقبة [ الأولى ](١) وما جاء في بيعة من حضر الموسم من الأنصار رسول الله صل على الإِسلام أخبرنا أبو الحسين بن الفضل القطان ببغداد، قال : أخبرنا أبو بكر بن عتاب ، قال : حدّثنا القاسم بن عبد الله بن المغيرة ، قال : حدّثنا ابن أبي أويس ، قال : حدّثنا إسماعيل بن إبراهيم بن عتبة ، عن عمه موسى بن عقبة . (ح) وأخبرنا أبو عبد الله الحافظ، قال: أخبرني إسماعيل بن محمد بن الفضل الشعراني ، قال: حدّثني جدي ، قال : حدّثنا إبراهيم بن المنذر ، قال : حدّثنا محمد بن فليح ، عن موسى بن عقبة ، عن ابن شهاب الزهري في قصة خروج النبي بَلّ إلى الطائف، قال : (( فرجع رسول اللّهم إلى مكة، فلما حضر الموسم(٢) حجَّ نفر من. الأنصار فيهم : معاذ بن عفراء ، وأسعد بن زرارة ، ورافع بن مالك ، وذكوان ، وعبادة بن الصامت ، وأبو عبد الرحمن بن ثعلبة ، وأبو الهيثم بن التيهان ، وعويم بن ساعدة ، فأتاهم رسول اللّه وَّر فأخبرهم خبره ، والذي اصطفاه الله به (١) الزيادة من (ص) و(هـ) . والعقبة موضع على يسار الطريق القاصد منى من مكة . (٢) الموسم : أي موسم الحج ، وفيه كانت تقام الأسواق المشهورة مثل سوق : عكاظ ، وكان يفد عليه العرب من جميع الأنحاء ، ولكل قبيلة منزل خاص تنزل به . ٤٣٠ من كرامته ونبوته ، وقرأ عليهم القرآن ، فلما سمعوا قوله أيقنوا به واطمأنت قلوبهم إلى ما سمعوا منه ، وعرفوا ما كانوا يسمعون من أهل الكتاب من صفته ، فصدقوه، واتبعوه وكانوا من أسباب الخير الذي سُبَّبَ له ◌ِلّ . ثم قالوا : قد علمت الذي بين الأوس والخزرج من الاختلاف وسفك الدماء ، ونحن حراص على ما أرشدك الله به مجتهدون لك بالنصيحة ، وإِنا نشير عليك برأينا فامكث على رِسْلك باسم الله حتى نرجع إلى قومنا ، فنذكر لهم شأنك ، وندعوهم إلى الله ورسوله ، فلعل الله عز وجل أن يصلح ذات بينهم ، ويجمع لهم أمرهم ، فإِنا اليوم متباغضون متباعدون ، وإِنك إن تقدم علينا ولم نصطلح لا يكون لنا جماعة عليك ، ولكنا نواعدك الموسم من العام المقبل . فرضي بذلك رسول الله صل#، فرجعوا إلى قومهم فدعوهم سراً وأخبروهم برسول الله * والذي بعثه الله به وتلوا عليهم القرآن، حتى قلَّ دار من دور الأنصار إلا قد أسلم فيها ناس، ثم بعثوا إلى رسول اللّه وَل ◌ّ : معاذ بن عفراء، ورافع بن مالك : أن ابعث إلينا رجلاً من قبلك يفقهنا ويدعو الناس بكتاب الله ، فإِنه قَمِنٌ أن يُتّبع . قال: فبعث إليهم رسول اللّه ◌َله: مصعب بن عمير، أخا بني عبد الدار ابن قصي ، فنزل في بني تيم على أسعد بن زرارة ، فجعل يدعو الناس سراً ، ويفشو الإِسلام ، ويكثر أهله ، وهم مع ذلك شديد استخفاؤهم . ثم إن أسعد بن زرارة ، وهو أبو أمامة أقبل هو ومصعب بن عمير حتى أتيا بئر بني مَرْق ، فجلسا هنالك وبعثا إلى رهط من الأنصار فأتوهما مستخفين ، فبينما مصعب بن عمير يحدثهم ، ويقص عليهم القرآن أخبر بهم سعد بن معاذ ويقول بعض الناس : بل أسيد بن حضير ، فأتاهم في لأمته معه الرمح حتى وقف عليهم ، فقال لأبي أمامة : عَلَام تأتينا في دورنا بهذا الوحيد الغريب الطريد ٤٣١ يسفه ضعفاءنا بالباطل ، ويدعوهم إليه ، لا أراك بعدها تسيء من جوارنا ، فقاموا ورجعوا . ثم إنهم عادوا مرة أخرى لبئر بني مَرْقٍ أو قريباً منها ، فذكروا لسعد بن معاذ الثانية ، فجاءهم فتواعدهم وعيداً دون وعيده الأول فلما رأى أسعد بن زرارة منه ليناً قال له [ يا ابن خالة استمع من قوله فإن سمعت منكراً فاردده بأهدى منه ، وإِن سمعته(٣) حقاً فأجب اليه . فقال : ماذا تقول ؟ فقرأ عليه مصعب بن عمير ﴿حم والكتاب المبين إنا جعلناه قرآناً عربياً لعلكم تعقلون﴾(٤) فقال سعد بن معاذ : ما أسمع إلا ما أعرف ، فرجع سعد بن معاذ وقد هداه الله ولم يظهر لهما إسلامه حتى رجع إلى قومه ، فدعا بني عبد الأشهل إلى الإِسلام ، وأظهر لهم إسلامه وقال : من شك منكم فيه فليأت بأهدى منه ، فوالله لقد جاء أمر لتُحَزَّن [ فيه ](٥) الرقاب ، فأسلمت بنو عبد الأشهل عند إسلام سعد بن معاذ ودعائه - إلا من لا يذكر فكانت أول دار من دور الأنصار أسلمت بأسرها . ثم إن بني النجار أخرجوا مصعب بن عمير واشتدوا على أسعد بن زرارة ، فانتقل مصعب بن عمير إلى سعد بن معاذ فلم يزل عنده يدعو آمناً ويهدي الله على يديه ، حتى قل دار من دور الأنصار إلا قد أسلم أشرافها . وأسلم عمرو بن الجموح وكسرت أصنامهم ، وكان المسلمون أعز أهل (٣) في (هـ): ((إن سمعت)). (٤) الآيات (١ - ٣) من سورة الزخرف. (٥) ليست في (هـ) . ٤٣٢ المدينة ، ورجع مصعب إلى رسول الله #. وكان يدعى المقرىء. وقال ابن شهاب : وكان أول من جمع الجمعة بالمدينة للمسلمين قبل أن يقدمها رسول الله واليوم . هكذا ذكر موسى بن عقبة عن ابن شهاب قصة الأنصار في الخرجة الأولى . وذكرها ابن إسحاق عن شيوخه أتم من ذكره وزعم أنه لقي أولا نفراً منهم فيهم أسعد بن زرارة ثم انصرفوا حتى إذا كان العام المقبل أتى الموسم أثنا عشر رجلا من الأنصار فلقوه بالعقبة وهي العقبة الأولى فبايعوه فيهم أسعد بن زرارة وعبادة بن الصامت وبعث بعدهم أو معهم رسول اللّه وَّر مصعب بن عمير رضي الله عنه وعن جماعتهم ونحن نروي بإذن الله عز وجل القصة بتمامها(٦)]. أخبرنا أبو عبد الله محمد بن عبد الله الحافظ - رحمه الله - ، قال : حدثنا أبو العباس : محمد بن يعقوب ، قال : حدثنا أحمد بن عبد الجبار العطاردي ، قال : حدثنا يونس بن بكير، عن محمد بن إسحاق بن يسار، قال : فلما أراد الله عز وجل إظهار دينه، وإعزاز نبيه وَلير، وإنجاز موعده له ، خرج رسول اللّه وَّر في الموسم الذي لقيه فيه النفر من الأنصار، فَعَرَضَ نفسه على قبائل العرب ، كما كان يصنع كل موسم ، فبينما هو عند العقبة لقي رَهْطا(٧) من الخزرج أراد الله بهم خيراً . قال ابن إسحاق : حدثنا عاصم بن عمر بن قتادة ، عن أشياخ من قومه ، (٦) هذه الفقرة كاملة ما بين الحاصرتين ساقطة من (ص) . (٧) الرَّهْط : دون العشرة . بسكون الهاء ، وتفتح. ٤٣٣ قالوا: ((لما لقيهم رسول الله (صل) قال [لهم](٨): ((ممن أنتم؟)) قالوا: نفر من الخزرج . قال: ((أُمِنْ موالي يهود؟)) قالوا: نعم . قال: ((أفلا تجلسون أكلمكم؟)) قالوا: بلى. قال: فجلسوا معه ، فدعاهم رسول اللّه ولهم إلى الله - عز وجل -، وعرض عليهم الإِسلام ، وتلا عليهم القرآن ، وكان مما صنع الله لهم في الإِسلام أن يهود (٩) كانوا معهم ببلادهم ، وكانوا أهل كتاب وعلم ، وكانت الأوس والخزرج أهل شرك ، وأصحاب أوّثان ، فكانوا إذا كان بينهم شيء ، قالت اليهود : إن نبياً مبعوث الآن قد أظل زمانه (١٠) نتبعه فنقتلكم معه قتل عاد وإرم . فلما كلم رسول الله من أولئك النفر ودعاهم إلى الله - عز وجل - قال بعضهم لبعض يا قوم اعلموا والله أن هذا النبي الذي تُوعِدكم به يهود فلا تَسْبِقَنَّكم إليه ، فأجابوه لما دعاهم إلى الله عز وجل وقبلوا منه ما عرض عليهم من الإِسلام وقالوا له : إنا قد تركنا قومنا ولا قوم بينهم من العداوة والشر ما بينهم وعسى الله عز وجل أن يجمعهم الله بك وَسَنَقْدَم عليهم فندعوهم إلى أمرك ، ونعرض عليهم الذي أجبناك إليه من هذا الدين ، فإن يجمعهم الله عليك فلا رجل أعز منك . ثم انصرفوا عن رسول اللّه ◌َ ل# راجعين إلى بلادهم قد آمنوا وصدقوا وهم فيما يزعمون ستة نفر من الخزرج منهم من بني النجار : أسعد بن زرارة وهو أبو أمامة ، وعوف بن مالك بن رفاعة ، ورافع بن مالك بن العجلان ، وقطبة بن (٨) الزيادة من سيرة ابن هشام (٢ : ٣٨). (٩) ( يهود) لا ينصرف للعلمية والتأنيث. (١٠) ( أظلّ زمانه ) : أي قَرُبَ وَدّنا. ٤٣٤ عامر بن حديدة ، وعقبة بن عامر بن زياد ، وجابر بن عبد اللّه ، وذكر أنسابهم إلا أني اختصرتها . قال : فلما قدموا المدينة إلى قومهم ذكروا لهم رسول الله وَّار ودعوهم إلى الإِسلام ، حتى فشا فيهم ، فلم يبق دار من دور الأنصار إلا وفيها ذكر من رسول اللّه مَليل . حتى إذا كان العام المقبل أتى (١١) الموسم اثنا عشر رجلا من الأنصار، فلقوا رسول اللّه ◌َله بالعقبة، وهي العقبة الأولى، فبايعوا رسول اللّه وَليل على بيعة النساء ، قبل أن تُفْتَرَضَ الحرب منهم : أسعد بن زرارة ، وعوف ومعاذ ابنا الحارث ، ورافع بن مالك ، وذكوان ابن عبد قيس ، وعبادة بن الصامت ، ويزيد بن ثعلبة ، وعباس بن عبادة بن نضلة ، وعقبة بن عامر ، وقطبة بن عامر ، وأبو الهيثم بن التيهان ، وعويم بن ساعدة حليفان لهم)) (١٢) . وأخبرنا أبو الحسن علي بن محمد المقرىء الإِسفرائني ، قال : أخبرنا الحسن بن محمد بن إسحاق ، قال : حدثنا يوسف بن يعقوب القاضي ، قال حدثنا نصر بن علي ، قال حدثنا وهب بن جرير بن حازم ، قال : حدثنا أبي ، عن محمد بن إسحاق ، قال : حدثني عاصم بن عمر بن قتادة ، قال : حدثني رجل من قومه أنه بينما نفر منهم قد رموا الجمرة ثم انصرفوا عنها اعترضهم رسول اللّه وخ فقال: ممن أنتم ؟ قالوا : من الخزرج . فذكر الحديث بمعنى رواية يونس ، إلا أنه عد في الستة عوف بن عفراء ، ومعاذ بن عفراء بدل من عوف بن مالك ، وعقبة بن عامر . (١١) في السيرة: ((وافى)). (١٢) سيرة ابن هشام (٢ : ٣٧ - ٤١)، وأسماء الصحابة ممن بايعوا مفصلة تفصيلاً تاماً. ٤٣٥ أخبرنا أبو عبد الله الحافظ ، قال : حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب ، قال : حدثنا أحمد بن عبد الجبار ، قال : حدثنا يونس بن بكير ، عن ابن إسحاق ، قال : فحدثني يزيد بن أبي حبيب ، عن مرثد بن عبد الله اليزني ، عن أبي عبد الله الصنابحي ، عن عبد الرحمن بن عُسَيْلة ، قال : حدثني عبادة ابن الصامت، قال: ((بايعنا رسول اللّه ◌َل ل ليلة العقبة الأولى ونحن اثنا عشر رجلاً، أنا أحدهم قبايعناه بيعة النساء على : ألا نشرك بالله شيئاً ، ولا نسرق ، ولا نزني ، ولا نقتل أولادنا ، ولا نأتي ببهتان نفتريه بين أيدينا وأرجلنا ، ولا نعصيه في معروف ، وذلك قبل أن تُفْتَرَضَ الحرب . فإِن وفيتم بذلك فلكم الجنة وإن غشيتم شيئاً فأمركم إلى الله إن شاء غفر وإن شاء عذب))(١٣). . وأخبرنا أبو الحسين بن الفضل القطان ، قال : أخبرنا عبد الله بن جعفر ، قال : حدثنا يعقوب بن سفيان ، قال : حدثنا الحسن بن الربيع قال : حدثنا ابن إدريس ، عن ابن إسحاق ، قال : حدثني يزيد بن أبي حبيب ، قال : حدثنا مرثد ابن عبد اللّه اليزني ، عن عبد الرحمن بن عُسَيْلة الصنابحي ، عن عبادة بن الصامت ، قال : كنا اثني عشر رجلا في العقبة الأولى فذكر الحديث بنحوه لم يقل : وذلك قبل أن تُفْرَضُ الحرب . وذكره جرير بن حازم عن ابن إسحاق . وأخبرنا أبو عبد الله الحافظ ، قال : حدثنا عبد الله محمد بن يعقوب ، قال : حدثنا إبراهيم بن محمد الصيدلاني ، ومحمد بن نعيم ، ومحمد بن شاذان ، وأحمد بن سلمة ، قالوا : حدثنا قتيبة بن سعيد ، قال : حدثنا الليث ، عن يزيد هو ابن أبي حبيب ، عن أبي الخير وهو مرثد ، عن الصنابحي ، عن عبادة بن الصامت، أنه قال: ((إني من النقباء الذين بايعوا رسول اللّه وَال وقال (١٣) سيأتي الحديث في الحاشية التالية . ٤٣٦ بايعناه على أن لا نشرك بالله شيئاً ، ولا نَسْرِقَ ، ولا نزني ، ولا نقتلَ النفس التي حرَّم الله إلا بالحق ، ولا ننتهبَ ، ولا نعصى ؛ بالجنة إن فعلنا ذلك . فإن غَشِينَا من ذلك شيئاً كان قضاء ذلك إلى الله عز وجل)). رواه البخاري ومسلم في الصحيح عن قتيبة بن سعيد(١٤). أخبرنا أبو الحسن علي بن محمد المقري ، قال : أنبأنا الحسن بن محمد بن إسحاق ، قال : حدثنا يوسف بن يعقوب ، قال : حدثنا نصر بن علي ، قال : حدثنا وهب ، قال: حدثنا أبي ، عن ابن إسحاق قال: (( ثم انصرفوا ، وبعث رسول اللّه ◌ُل ومعهم مصعب بن عمير، قال ابن إسحاق: فحدثني عاصم بن عمر [ بن قتادة](١٥) أن رسول الله وَلقل إنما بعثه(١٦) بعدهم وإنما كتبوا إليه : أن الإِسلام قد فشا فينا ، فابعث إلينا رجلاً من أصحابك يقرئنا القرآن ، ويفقهنا في الإِسلام ويقيمنا لسنته وشرائعه ، ويؤمنا في صلاتنا ، فبعث مصعب بن عمير فكان ينزل(١٧) مصعب بن عمير على أبي أمامة أسعد بن زرارة ، وكان مصعب يسمى بالمدينة المقرىء ، وكان أبو أمامة يذهب به إلى دور الأنصار يدعوهم إلى الإسلام ويفقه من أسلم منهم(١٨). قال ابن إسحاق : فحدثني عبد الله بن أبي بكر ، وعبيد الله بن المغيرة (١٤) أخرجه البخاري في: ٦٣ - كتاب مناقب الأنصار (٤٣) باب وفود الأنصار إلى النبي ◌َّهر، الحديث (٣٨٩٣)، فتح الباري (٧: ٢١٩ - ٢٢٠). وأخرجه مسلم في : ٢٩ - كتاب الحدود، (١٠) باب الحدود كفارات لأهلها، الحديث (٤٤)، صفحة ( ٣ : ١٣٣٣ - ١٣٣٤ ). (١٥) الزيادة من سيرة ابن هشام . (١٦) في (ص) و(هـ): ((بعث)). (١٧) في (ص) و(هـ): منزل))، وفي سيرة ابن هشام: ((وكان منزله)). (١٨) أخرجه ابن هشام. في السيرة ( ٢ : ٤٢). ٤٣٧ ابن معيقيب : أن أسعد بن زرارة خرج بمصعب بن عمير حتى أتى به دار بني ظفر ودار بني عبد الأشهل ، فأتاهما من كان من أهل الدارين مسلما وسمع بهما سعد بن معاذ(١٩))). وأخبرنا أبو عبد الله الحافظ ، قال : حدثنا أبو العباس : محمد بن يعقوب ، قال : حدثنا أحمد بن عبد الجبار ، قال : حدثنا يونس بن بكير ، عن ابن إسحاق ، قال ؛ حدثني يزيد بن أبي حبيب، قال: ((لما انصرف عن رسول اللّهِ وَّه القوم بعث رسول اللّه وَ ل معهم مصعب بن عمير. قال ابن إسحاق فحدثني عاصم بن عمر بن قتادة : أن مصعب بن عمير كان يصلي بهم وذلك أن الأوس والخزرج كره بعضهم أن يؤمُّهُ بعضٌ)) . قال ابن إسحاق فحدثني عبد الله بن أبي بكر بن حزم ، وعبد الله بن المغيرة بن معيقيب، قال: ((بعث رسول الله ◌َّ مصعب بن عمير مع النفر الاثني عشر الذين بايعوه في العقبة الأولى إلى المدينة يفقه أهلها ، ويقرئهم القرآن ، قال : وكان عبد الله بن أبي بكر يقول : ما أدري ما العقبة الأولى . قال ابن إسحاق : بلى لعمري لقد كانت عقبة وعقبة . قالا : وكان منزله على أسعد بن زرارة ، وكان إنما يسمى بالمدينة المقرىء ، فخرج به يوماً أسعد بن زرارة إلى دار بني عبد الأشهل فدخل به حائطاً من حوائط بني ظفر، وهي قرية لبني ظفر دون قرية بني عبد الأشهل - وكانا ابني عم - يقال لها بئرمرق(٢٠) فسمع بهما سعد بن معاذ وكان ابن خالته أسعد بن زرارة ، فقال لأسيد بن حضير : إنت أسعد بن زرارة فازدجره عنا (١٩) سيرة ابن هشام (٢ : ٤٣). (٢٠) بئر مَرّق بالمدينة ، ويروى بسكون الراء أيضاً . ٤٣٨ فليكف عنا ما نكره ، فإنه قد بلغني أنه قد جاءً بهذا الرجل الغريب معه يتسفه به سفهاؤنا وضعفاؤنا ، فإنه لولا ما بيني وبينه من القرابة كفيتك ذلك . فأخذ أسيد بن حضير الحربة ، ثم خرج حتى أتاهما ، فلما رآه أسعد بن زرارة ، قال لمصعب بن عمير : هذا والله سيد قومه قد جاءك فابلُ الله فيه بلاء حسناً . قال : إن يقعد أكلمه ، فوقف عليهما متشتماً فقال : يا أسعد ! مالنا ولك تأتينا بهذا الرجل الغريب يسْفَه به سفهاؤنا وضعفاؤنا ، فقال : أو تجلس فتسمع فإن رضيت أمراً قبلته ، وإن كرهته كُفَّ عَنْكَ ما تكره . فقال : قد أنصفتم ، ثم ركز الحربة وجلس ، فكلمه مصعب بن عمير وعرض عليه الإِسلام ، وتلا عليه القرآن ، فوالله لعرفنا الاسلام في وجهه قبل أن يتكلم لتسهله ، ثم قال : ما أحسن هذا وأجمله ، وكيف تصنعون إذا دخلتم في هذا الدين ؟ قالا : تغتسل ، وتطهر ثيابك ، وتشهد شهادة الحق ، وتصلي ركعتين ، ففعل . ثم قال لهما : إن ورائي رجلاً من قومي إن تابعكما لم يخالفكما أحد بعده . ثم خرج حتى أتى سعد بن معاذ، فلما رآه سعد بن معاذ مقبلاً قال : أحلف بالله لقد رجع عليكم أسيد بن حضير بغير الوجه الذي ذهب به ، ماذا صنعت ؟ قال : قد ازدجرتهما ، وقد بلغني أن بني حارثة يريدون أسعد بن زرارة ليقتلوه ليُخْفِروكَ فيه ، لأنه ابن خالتك ، فقام إليه سعد مغضباً فأخذ الحربة من يده ، قال : والله ما أراك أغنيت شيئاً ، ثم خرج فلما نظر إليه أسعد بن زرارة قد طلع عليهما ، قال لمصعب : هذا والله سيد مَنْ وراءه مِن قومه إن هو تابعك لم يخالفك أحد من قومه ، فاصدق الله فيه ، فقال مصعب بن عمير: إن يسمع مني أكلمه . ٤٣٩ فلما وقف عليهما ، قال : يا أسعد !. ما دعاك إلى أن تغشاني بما أكره - وهو متشتم - أما والله لولا ما بيني وبينك من القرابة ما طمعت في هذا مني ، فقال له : أو تجلس فتسمع فإن رضيت أمراً قبلته ، وإن كرهته أعفيت مما تكره . قال : انصفتماني ، ثم ركز الحربة وجلس فكلمه مصعب وعرض عليه الإِسلام ، وتلا عليه القرآن فوالله لعرفنا فيه الإِسلام قبل أن يتكلم لتسَهُّل وجهه(٢١) . ثم قال : ما أحسن هذا وكيف تصنعون إذا دخلتم في هذا الدين ؟ فقالا له : تغتسل ، وتطهر ثيابك وتشهد شهادة الحق ، وتركع ركعتين ، فقام ففعل ثم أخذ الحربة وانصرف عنهما إلى قومه . فلما رآه رجال بني عبد الأشهل ، قالوا : نقسم بالله لقد رجع إليكم سعد بغير الوجه الذي ذهب به من عندكم ، فلما وقف عليهم قال : يا بني عبد الأشهل : أي رجل تعلموني فيكم ؟ قالوا : نعلمك والله خيرنا وأفضلنا فينا رأياً ، قال : فإن كلام نسائكم ورجالكم عليَّ حرام حتى تؤمنوا بالله وحده ، وتصدقوا بمحمد 18 ، فوالله ما أمسى في ذلك اليوم في دار بني عبد الأشهل رجل ولا امرأة إلا مسلماً . ثم انصرف مصعب بن عمير إلى منزل أسعد بن زرارة (٢٢). ٠ كذا قال يونس في روايته : فأقام عنده يدعو الناس إلى الإِسلام حتى لم تبق دارٌ من دور الأنصار إلا وفيها رجال ونساء مسلمون إلا ما كان من دار بني أمية ابن زيد وخطمة ووائل وواقف . ثم أن مصعب بن عمير رجع إلى مكة . (٢١) في (ص): ((لسهولة))، وفي سيرة ابن هشام: ((الإِشْرَاقِهِ وَتَسَهُّلِهِ)). (٢٢) الخبر بطوله في سيرة ابن هشام ( ٢ : ٤٣ - ٤٦). ٤٤٠