Indexed OCR Text

Pages 321-340

قال الخُشَنى : والصواب علقمة بن كلدة .
كان إذا جلس رسول الله مجلساً فدعا فيه إلى الله وتلا عليهم القرآن وحذَّر قريشاً ما أصاب الأمم
الماضية خلّفه في مجلسه إذا قامٍ فحدَّثهم عن ملوك الفُرْس، ثم يقول : والله ما محمدٌ بأحسن حديثاً
مِنِّي، وما أحاديثه إلا أساطير الأولين اكتبها كما اكتبتُها فأنزل الله: ﴿وقالوا أساطير الأولين﴾
أكاذيبهم، جمع أُسْطورة بالضم ((اكْتَبها)) انتسخّها من القوم بغيره ((فهي تُعْلَى)) تُقْرأُ ((عليه))
ليحفظها ((بُكْرَةٌ وأصيلا)) غُدْوَة وعشيا.
قال تعالى رداً عليهم: ((قل أنزله الذي يَعْلم السرّ)) الغيب (( في السموات والأرض إنه كان غفوراً»
للمؤمنین «رحیما» بهم .
قال ابن إسحاق: وجلس رسول الله# يوماً فيما بلغني مع الوليد بن المغيرة في المسجد فجاء النضر
ابن الحارث حتى جلس معهم وفي المجلس غير واحد من رجال قريش فتكلم رسول الله صل# فعرض له
النَّضْر فكلَّمه رسول الله ﴾ حتى أَفْحمه ثم تلا عليه وعليهم: ((إنكم)) يا أهل مكة (( وما تَعْبدون مِنْ
دُون الله)) أَي غيره من الأوثان (حَصَبُ جهنم)) وقودها (( أنتم لها وارِدُون)) داخلون فيها (( لو كان
هؤلاء)) الأوثان (( آلهةً)) كما زعمتم ((ما وَرَدُوها)) دخلوها ((وكُلُّ)) من العابدين والمعبودين ((فيها
خالدون)) لا خلاص لهم عنها ((لهم)) للعابدين ((فيها زٌفِير)) صياح ((وهم فيها لا يَسْمعون))
ثم قام رسول الله ﴾ وأقبل عبد الله بن الزُّبِعْرَي - بزاى فباء موحدة مكسورتين فعين مهملة ساكنة فراء
فألف مقصورة - وأسلم بعد ذلك ، حتى جلس إليهم فقال الوليد بن المغيرة لعبد الله بن الزبعري والله
ما قام النضر بن الحارث لابن عبد المطلب آنفاً وما قعد وقد زعم محمد أَنَّا وما نَعْبد من - آلهتنا هذه
حَصَبُ جهنم . فقال عبد الله: أَمَا والله لو وجدتُه لَخَصَمْتُه فسَلُوا محمداً أَكُلُّ ما يُعْبَد من دون الله في
جهنم مع مّن عَبّده ؟ فنحن نعبد الملائكة واليهود تعبد عُزِيْراً والنصارى تعبد عيسى بن مريم. فعجب
الوليد ومن كان معه في المجلس من قول عبد الله ورأوا أنه قد احتجُّ وخاصمٌ.
فذكر ذلك لرسول الله ﴿ فقال رسول الله لَله: كلُّ من أحبُّ أَن يُعْبَد من دون الله فهو مع من عبده ،
إنهم إنما يعبدون الشياطين ومن أمرتْهم بعبادته .
فأنزل الله تعالى: ((إِنّ الذين سبَقْتَ لهم منّاً)) المنزلةُ ((الحُسْنَى)) وهي السعادة أَو التوفيق للطاعة أو
البشرى بالجنة ومنهم من ذُكر ((أولئك عنها مُبْعَدون)) لَأنهم يُرْفَعون إلى أَعلى علِّين ((لا يَسْمعون
حَسِيسها)) صوتها: ((وهم فيما اشتهتْ أَنفسُهم)) من النعيم ((خالدون)) دائمون لا يَحْزُنهم الفَزْعُ
الأَكْبَرُ)) وهو أَن يُؤْمَر بالعبد إلى النار ((وتتلّقّهم)) تستقبلهم ((الملائكة)) عند خروجهم من القبور
يقولون لهم ((هذا يومُكم الذي كنتم توعدون » في الدنيا ومنهم أبي بن خَلَف وعُقْبة بن أبي مُعَيط.
قال ابن إسحاق : وكانا متصافّيْين حَسَناً ما بينهما.
٣٢١
( م ١١ - دلائل النبوة جـ ٢ )

روى ابن مردويه وأبو نعيم في الدلائل بسند صحيح من طريق سعيد بن جُبَيْر وعبد الرزّاق في المصنَّف
وابن جرير وابن المنذر عن مقْسَم مولى ابن عباس كلاهما عنه، أَن أَبا مُعيط وفي رواية عقبة بن أبي
معيط كان يجلس مع رسول الله 8# بمكة ولا يؤذيه وكان رجلاً حليماً ، وكان قريش إذا جلسوا معه آذوه
وكان لأبي مُعيط خليل غائب عنه بالشام . وفي رواية أنه أمية بن خلف فقالت قريش : صبأ أبو مُغَيْط.
وفي رواية وكان لا يَقْدُم من سفر إلا صنع طعاماً فدعا أهل مكة كلهم فصنع طعاماً ثم دعا رسول الله اله
إلى طعامه فقال : ما أنا بالذي آكل من طعامك حتى تشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله . فقال :
اْعَمْ يابن أخي . فقال : ما أنا بالذي أفعل حتى تقول . فشهد بذلك وطَعِم من طعامه . وقدم خليلُه
من الشام لَيْلً فقال لامرأته ما فعل محمد مما كان عليه؟ فقالت: أَشَدّما كان أَمْراً فقال : ما فعل
خليلي أبو معيط ؟ فقالت : صَبَّأَ فبات بليلة سُوء فلما أصبح أَتاه أبو معيط فحيَّة فلم يردّ عليه التحية
فقال : مالَك لا تردّ عليَّ تحيتي. فقال: كيف أَردّ تحيتك وقد صبأتّ. قال: أَوْقَدْ فَعَلّتْها قريش ؟ لا
والله ما صبأت ولكن دخلَ عليَّ رجلٌ فَأَبى أن يأكل من طعامي إلا أَن أَشهد له. فاستحييتُ أن يخرج
من بيتي قبل أَن يَطْعَمِ ، فشهدتُ له قال: ما أنا بالذي أَرضى عنك حتى تأتيه فَتْزُق في وجهه . وفي
رواية: فقال : ما يبرىء صدورهم إِن أَنا فعلت ؟ قال : تأتيه في مجلسه فتبزق في وجهه وتشتمه
بأخبث ما تعلم من الشتم. ففعل فلم يزد النبي 8# أن مسّح وجهه من البزاق.
ونقل جماعة منهم أبو ذر الخُشَنى عن أبي بكر النقاش أَن عقبة لما تَفل في وجه النبي 8# رجع ما خرج
منه إلى وجهه فصار برّصاً. انتهى .
ثم التفت إليه النبي # فقال : إِن وجدتُك خارجاً من جبال مكة ضربت عنقك صّبْراً .
وقال أُبىّ بن خَلف: والله لأقتلن محمداً. فبلغ ذلك رسولَ الله ﴿ فقال: بل أَنا أَقتله إن شاء الله.
فلما بلغ أُبَيّاً ذلك أَفْزَعه لأنهم لم يسمعوا من النبي 8# قولاً إلا كان حقاً.
فلما كان يوم بدر ، وخرج أصحابُ عُقْبة أَبَى أَن يخرج فقال له أصحابه: اخرج معنا . فقال : قد
وعدني هذا الرجل إن وجدني خارجاًمن جبال مكة أن يضرب عنقي صَّبْرا . فقالوا : لك جمل أحمر
لا يُذْرَك فلو كانت الهزيمة طِرْت عليه. فخرج معهم، فلما هزم الله المشركين وحل به جمله في
أُخْدُود من الأرض فأخذه رسول الله وَلَ أَسيراً في سبعين من قريش وقدّم إليه أبو معيط فقال: أَتقتلني
بين هؤلاء ؟ قال: نعم . فقام إليه علي بن أبي طالب فضرب عنقه. ولم يقتل من الأسارى يومئذ
غيره.
فلما كان يوم أُحد خرج أُبَيّ مع المشركين فجعل يلتمس غفلةً رسول له ﴿ ليَحْمِل عليه فيَحُول رجلٌ
بَيْن النبيِ﴿ وبينه، فلما رأى ذلك رسولُ الله : ﴿ قال لأصحابه: خلوا عنه. فأخذ الحَرْية ورماه بها
فوقعت في تَرْقُوَته فلم يخرج منه دمٌ كثير واحتقن الدم في جوفه، فجعل يَخُور كما يخور الثَّوْر فاحتمله =
٣٢٢

= أصحابه وهو يخور فقالوا: ما هذا الذي بك! فوالله ما بك إِلا خَذْش. فقال: والله لو لم يُصِبْنِي إِلا
بريقه لقتلني ! أليس قد قال : أَنا أَقتله . والله لو كان الذي بي بأهل ذي المجاز لقتلهم. فما لبث إلا
يوماً حتى مات.
وأنزل الله تعالى في أَبي مُعَيْط: ((ويوم يَعْضَ الظالم على يديه )) ندّما وتحسرًا في القيامة . قال سفيان
الثوري: يأكل يديه ثم تُنْبت . رواه ابن أبي حاتم. وقال أبو عمران الجوني: بلغني أنه يعضهما حتى
ینکسر العظم ثم يعود.
يقول: ((يا)) للتنبيه ((ليتني اتخذتُ مع الرسول)) محمد ◌َله ((سبيلا)) طريقاً إلى الهدى ((يا وَيْلتا)»
الألف ◌ِوّض عن ياء الإضافة أي وَيْلني ومعناه هَلكتي ((ليتني لم أتخذ فلاناً خَلِيلاً. لقد أَضَلُّني عن
الذِّكر)) القرآن ((بعد إذ جاءَني)) بأَن ردني عن الإيمان به. قال تعالى: ((وكان الشيطانُ للإنسان)»
الكافر « خلولا » بأن یترکه ويتبرأ منه عند البلاء .
٣٢٣

باب
دعا رسول الله وَلّ على من استعصى من
قريش بالسنة وإجابة الله عز وجل دعاءه وما ظهر في ذلك من الآيات
أخبرنا أبو بكر أحمد بن الحسن القاضي ، قال : أخبرنا محمد بن علي
ابن دحيم الشيباني ، قال حدثنا أحمد بن حازم بن أبي عزرة (١) ، قال : حدثنا
جعفر بن عون .
(ح) وأخبرنا أبو نصر محمد بن علي بن محمد الفقيه ، وأبو زكريا يحيى
ابن إبراهيم المزكي ، قالا: أخبرنا أبو عبد الله محمد بن يعقوب قال حدثنا
محمد بن عبد الوهاب قال أخبرنا جعفر بن عون قال أخبرنا الأعمش عن مسلم
ابن صبيح ، عن مسروق ، قال: (( بينما رجل يحدث في المسجد إذ قال فيما
يقول : ﴿ يوم تأتي السماء بدخان مبين﴾(٢) قال: دخان يكون يوم القيامة فيأخذ
بأسماع المنافقين وأبصارهم ، ويأخذ المؤمن منه كهيئة الزكمة فقمنا فدخلنا على
عبد الله بن مسعود في بيته فأخبرناه وكان متكئاً فاستوى قاعداً ثم قال أيها الناس
من علم منكم علما فليقل به ، ومن لم يعلم فليقل الله أعلم فإن من العلم أن
يقول العالم لما لا يعلم . اللّه أعلم : ، قال الله عز وجل : لرسوله عليه
السلام: ﴿ قل ما أسألكم عليه من أجر وما أنا من المتكلفين ﴾(٣)، وسأحدثكم
(١) في (هـ): ((عروة)).
(٢) الآية الكريمة (١٠) من سورة الدخان.
(٣) الآية الكريمة (٨٦) من سورة (ص).
٣٢٤

عن الدخان: أن قريشاً لما استعصت على رسول الله ور وأبطأوا عن الإسلام
قال اللهم أعني عليهم بسبعٍ كسبع يوسف ، قال: فأصابتهم سنة فَحَصَّتْ كل
شيء حتى أكلوا الجيف والميتة حتى إن أحدهم كان يرى ما بينه وبين السماء
كهيئة الدخان من الجوع (٤) .
زاد محمد : ثم دعوا فكشف ذلك عنهم(٥) - قال أحمد بن حازم : ثم قرأ
عبد الله : ﴿ إنا كاشفوا العذاب قليلاً إنكم عائدون﴾(٦).
قال : فعادوا ، فكفروا ، فأخروا إلى يوم بدر ، قال أبو عبد الله : إن ذلك
لو كان يوم القيامة كان لا يكشف عنهم : ﴿ يوم نبطش البطشة الكبرى إنا
منتقمون ﴾ (٧). قال يوم بدر)) لفظ حديث أحمد بن حازم .
وأخبرنا أبو بكر عمرو محمد بن عبد الله الأديب قال : أخبرنا أبو بكر
الاسماعيلي ، قال : حدثنا عمران بن موسى ، قال : حدثناً عثمان بن أبي
شيبة ، قال : حدثنا وكيع ، عن الأعمش ، عن أبي الضحى ، عن مسروق ،
قال: (( جلست إلى رجل في مسجد الجامع وهو يحدث الناس فذكر قول الرجل
ودخوله على عبد الله ، وقول عبد الله بمعنى حديث جعفر بن عون إلا أنه قال :
قالوا: ﴿ربنا اكشف عنا العذاب إنا مؤمنون﴾(٨) قال: فقيل للنبي ◌َّ: إنا لو
كشفنا عنهم العذاب عادوا ، قال : فكشف عنهم فعادوا ، فانتقم منهم يوم بدر
فذلك قوله : ﴿ يوم تأتي السماء بدخان مبين - إلى قوله : يوم نبطش البطشة
(٤) فتح الباري (٨: ٥٧٣) ونقله الحافظ ابن كثير في («البداية والنهاية)) (٣ : ١٠٧).
(٥) في (ص): (( فكشف الله عنهم ذلك)).
(٦) الآية الكريمة (١٥) من سورة الدخان .
(٧) [١٦ - الدخان ].
(٨) الآية الكريمة (١٢) من سورة الدخان.
٣٢٥

الكبرى إنا منتقمون
(٩))) .
رواه البخاري في الصحيح عن يحيى ، عن وكيع(١٠) .
ورواه مسلم عن الأشجّ ، عن وكيع(١١) .
وأخبرنا أبو عبد الله الحافظ ، قال : حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب ،
قال : حدثنا محمد بن عبيد بن عتبة ، قال : حدثنا علي بن ثابت ، قال : أخبرنا
أسباط بن نصر، عن منصور(١٢) عن أبي الضحى ، عن مسروق ، عن ابن
مسعود، قال: ((لما رأى رسول الله وَل﴾ من الناس إدباراً، قال: ((اللهم سبعٍ.
كسبعٍ يوسف))، فأَخَذَتْهم سنة ، حتى أكلوا الميتة ، والجلود ، والعظام ،
فجاءه أبو سفيان ، وناس من أهل مكة ، فقالوا : يا محمد ! أنك تزعم أنك
بعثت رحمة وأن قومك قد هلكوا ، فادع الله لهم، فدعا رسول الله صل* فسقوا
الغيث فأطبقت عليهم سبعا فشكا الناس كثرة المطر فقال: ((اللهم حوالينا ولا
علينا ، فانحدرت السحابة عن رأسه فسُقي الناس حولهم . قال : لقد مضت آية
الدُّخان وهو الجوع الذي أصابهم ، وهو (١٣) قوله عز وجل: ﴿إنا كاشفوا
العذاب قليلاً إنكم عائدون﴾ (١٤) وآية اللزام(١٥)، والبطشة الكبرى، وانشقاق
(٩) الآية الكريمة (٢) من سورة الدخان وما بعدها .
(١٠) أخرجه البخاري عن يحيى، عن وكيع ، عن الأعمش، عن أبي الضحى، عن مسروق في : ٦٥ -
كتاب التفسير، تفسير سورة الدخان ، فتح الباري (٨ : ٥٧٢).
(١١) أخرجه مسلم في : ٥٠ - كتاب صفات المنافقين (٧) باب الدخان، حديث (٤٤) مكرر عن أبي سعيد
الأشج ، صفحة (٤ : ٢١٥٧).
(١٢) في (ح): ((موسى))، وأثبت ما في (ص) و(هـ)، وهو موافق للرواية التي اشار إليها البخاري.
(١٣) في (ص) و(هـ): ((وذلك)).
(١٤) [ الدخان - ١٥ ].
(١٥) في (ح): ((وآية الروم)).
٣٢٦

القمر ، وذلك كله يوم بدر يريد والله أعلم : البطشة الكبرى ، والدخان وآية
اللزام كلها حصلت ببدر وأشار البخاري إلى هذه الرواية (١٦).
أخبرنا أبو محمد الحسن بن علي بن مؤمل(١٧) قال حدثنا أبو عثمان عمرو
ابن عبد الله البصري قال حدثنا محمد بن عبد الوهاب .
(ح) وأخبرنا أبو عبد الله الحافظ قال : أخبرنا أبو عبد الله بن يعقوب قال :
حدثنا ، محمد بن عبد الوهاب ، قال : أخبرنا يعلى بنُ عُبيد ، قال : حدثنا
الأعمش ، عن مسلم ، عن مسروق ، قال: قال عبد الله: ((خمس قد مضين :
اللزام، والروم، والدخان، والبطشة، والقمر))(١٨).
أخرجاه في الصحيح من حديث الأعمش ، (١٩) .
والمراد بذلك : أن هذه الآيات قد وجدت في زمن النبي وَ كما أخبر
بهنّ قبل وجودهنّ .
(١٦) في: ٦٥ - كتاب التفسير (٥) باب ((ثم تولوا عنه، وقالوا: معلّمٌ مجنون)). ح (٤٨٢٤)، فتح الباري
(٨ : ٥٧٣)، من حديث منصور، عن أبي الضحى ، عن مسروق، عن أبي مسعود.
(١٧) في (ص)، و(هـ): ((المؤملي)).
(١٨) (اللزام) من قوله تعالى: ((فسوف يكون لزماماً)).
(الروم ): من قوله تعالى ((الم ، غلبت الروم)).
(الدخان) : يجيء قبل قيام الساعة ، فيدخل في أسماع الكفار والمنافقين ، حتى يكون کالرأس
الحنيذ، ويعتري المؤمن منه كهيئة الزكام، وتكون الأرض كلها كبيت اوقد فيه النار، ولم يأت بعد،
وهو آت.
(والبطشة) : فيما قال الله تعالى: يوم نبطش البطشة الكبرى
( والقمر): فيما قال الله تعالى: ((وانشق القمر)).
(١٩) أخرجه البخاري في: ٦٥ - كتاب التفسير، تفسير سورة الدخان، ح (٤٨٢٥)، فتح الباري (٨ :
٥٧٤)، وأخرجه الترمذي في أول تفسير سورة الدخان (٥ : ٣٧٩)، والإمام أحمد في ((مسنده))
(٥ : ١٢٨).
٣٢٧

أخبرنا أبو عبد الله الحافظ ، قال : أخبرنا أبو العباس محمد بن أحمد
المحبوبي بمرو، قال : حدثنا أحمد بن سيّار ، قال : حدثنا محمد بن کثیر ،
قال : حدثنا سفيان ، عن الأعمش ، عن أبي الضحى ، عن مسروق ، عن عبد
الله: ﴿ولنذيقنهم من العذاب الأدنى دون العذاب الأكبر﴾ (٢٠) قال يوم
بدر(٢١).
وأخبرنا أبو عبد الله الحافظ ، قال : أخبرني محمد بن إسحاق الصفار ،
قال : حدثنا أحمد بن نصر، قال : حدثنا عمرو بن طلحة ، قال : حدثنا أسباط
ابن نصر ، عن السدي ، عن عكرمة ، عن ابن عباس في قول الله عز وجل :
﴿ وَيَقُولُونَ متى هذا الْفَتْحُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِين ، قُلْ يَوْمَ الفُتْحِ لا يَنْفَعُ الذينَ كَفَرُوا
إيمانُهُم ولا هم يُنْظَرون﴾(٢٢) قال: يوم بدر فتح للنبي وَّ فلم ينفع الذين
كفروا إيمانهم بعد الموت(٢٣).
حدثنا أبو جعفر كامل بن محمد بن أحمد المستملي ، قال : أخبرنا أبو
عبد الله محمد بن علي بن الحسين البلخي قدم علينا هراة ، قال : حدثنا محمد
ابن علي النجار بصنعاء ، قال : حدثنا عبد الرزاق ، عن معمر ، عن أيوب
السَّخْتياني ، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: ((جاء أبو سفيان بن حرب إلى
(٢٠) الآية الكريمة (٢١) من سورة السجدة .
(٢١) وهكذا قال عبد الله بن الحارث ، والحسين بن علي ، وقال ابن عباس أنه الحدود، وقال مقاتل :
الجوع سبع سنين بمكة حتى اكلوا الجيف، وقال مجاهد : العذاب الأدنى : عذاب القبر. تفسير
القرطبي (١٤ : ١٠٧).
(٢٢) [٢٨ - ٢٩ - من سورة السجدة ].
(٢٣) وقال الفَرّاء: يعني فتح مكة ، وأولى من هذا ما قاله مجاهد: يعني يوم القيامة ، وقال القرطبي في
التفسير (١٤: ١١٢): ((إن كان يوم الفتح يوم بدر او فتح مكة، ففي بدر قتلوا، ويوم الفتح هربوا،
فلحقهم خالد بن الوليد فقتلهم ».
٣٢٨

رسول الله بية يستغيث من الجوع لأنهم لم يجدوا شيئاً حتى أكلوا العِلْهِز
[ بالدم ](٢٤) فأنزل الله عز وجل: ﴿وَلَقَدْ أَخذْنَاهُم بالعَذَابِ فما اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ
وَمَا يَتَضَرَّعُون﴾(٢٥) قال فدعا رسول اللّه ◌َ بَّ حتى فرج عنهم)) (٢٦).
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ قال أخبرنا أبو العباس السيّاري ، قال : حدثنا
محمد بن موسى بن حاتم ، قال : حدثنا علي بن الحسن بن سفيان ، قال حدثنا
الحسين بن واقد ، قال : حدثني يزيد النحوي ، أن عكرمة حدثه عن ابن
عباس، قال: ((جاء أبو سفيان إلى رسول الله و#8# فقال: يا محمد! أنشدك الله
والرحم قد أكلنا العلهز [ يعني ](٢٧) الوبر والدم فأنزل الله عز وجل: ﴿ولقد
أخذناهم بالعذاب فما استكانوا لربهم وما يتضرعون ﴾ (٢٨))) وقد روى في قصة
أبي سفيان ما دل على أن ذلك كان بعد الهجرة ولعله كان مرتين والله أعلم (٢٩).
(٢٤) الزيادة من (ص) و(هـ)، والعلهز هو : الصوف والوبر كانوا يبلّونه بالدم ثم يشوونه ويأكلونه.
(٢٥) الآية الكريمة (٧٦) من سورة المؤمنون.
(٢٦) وقال ابن عباس: نزلت في قصة ثُمامة بن أثال لما اسرته السرية واسلم، وخلى رسول اللّه ◌ُلّ سبيله،
حال بين مكة وبين الميرة، وقال: والله لا يأتيكم من اليمامة حبة حنطة حتى يأذن فيها رسول اللّه وَلا،
واخذ الله قريشاً بالقحط والجوع ، حتى كانوا الميتة، والكلاب ، والعلهز ... تفسير القرطبي (١٢ :
١٤٣).
(٢٧) الزيادة من (ص) و(هـ)، ليست في (ح) .
(٢٨) [٧٦ - سورة المؤمنون].
(٢٩) انظر الحاشية (٢٦) من هذا الباب، وقد نقل الخبر الحافظ ابن كثير في ((البداية والنهاية» (٣:
١٠٧ - ١٠٨).
٣٢٩

باب
ما جاء في آية الروم وما ظهر فيها من الآيات [ في أدنى الأرض ](١)
قال الله عز وجل: ﴿ألم غلبت الروم في أدنى الأرض وهم من بعد
غلبهم سيغلبون ﴾(٢).
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ رحمه الله، قال : حدثنا محمد بن صالح بن
هانىء ، قال حدثنا الحسين بن الفضل البجلي ، قال : حدثنا معاوية بن عمرو
الأزدي ، قال حدثنا أبو إسحاق الفزاري ، عن سُفْيان الثُّوْري ، عن حَبيب بن
أبي عَمْرَة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: ((كَانَ المسلمون
يحبون أن يظهر الرُّومُ على فارِسَ لَأَنَّهمْ أَهْلَ الكتاب ، وكانَ المشركون يحبون
أن يظهر فارس على الروم لأنهم أهل الأوثان ، فذكر ذلك المسلمون لأبي بكر ،
فذكر ذلك أبو بكر رضي الله عنه للنبي مصر، فقال له(٣) النبي ◌َّ: ((أما إنهم
سيظهرون (٤))) فذكر أبو بكر لهم ذلك ، فقالوا : اجعل بيننا وبينكم أجلا إن
ظهروا كان لك كذا وكذا ، وإن ظهرنا كان لنا كذا وكذا ، فجعل بينهم أجل
(١) ما بين الحاصرتين ليست في (ص) ولا في (هـ).
(٢) [ (١ - ٤) - سورة الروم ].
(٣) في (ص) و(هـ): ((لهم)).
(٤) في جامع الترمذي: ((سَيَغْلبون)).
٣٣٠

خمس سنين ، فلم يظهروا، فذكر ذلك أبو بكر رضي الله عنه النبي صل* ،
فقال: ألا جعلته - أراه قال دون العشرة - قال : فظهرت الروم بعد ذلك ، فذلك
قوله عز وجل : ﴿ألم غُلِيَتِ الرُّومُ في أَدْنِى الأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدٍ غَلَيْهِمْ
سَيُغْلَبون في بِضْع سنين﴾ قال فغُلبت الروم ثم غَلبت بعد ﴿اللّهِ الأَمْرُ مِنْ قَبْلُ
وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ المؤمنونَ بِنَصْرِ اللّهِ ﴾(٥) قال سفيان: وسمعت أنهم
ظهروا يوم بدر))(٦) .
وأخبرنا علي بن أحمد بن عبدان قال أخبرنا أحمدُ بن عُبَيْد ، قال : حدثنا
عبيد بن شريك ، قال : حدثنا أبو صالح ، قال : حدثنا أبو إسحاق ، فذكره بإسناده
ومعناه ، زاد في روايته قال سعيد : البضع ما دون العشرة .
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ قال أخبرنا عبد الرحمن بن الحسن القاضي ،
قال : حدثنا إبراهيم بن الحسين ، قال : حدثنا آدم ، قال : حدثنا ورقاء عن ابن
أبي نجيح ، عن مجاهد في قوله: ﴿ ألم غلبت الروم ﴾(٧) قال: ذكر غلبة
فارس الروم ، وإدالة الروم على فارس ، وفرح المؤمنون بنصر الله أهل الكتاب
على أهل الأوثان ، قال : والبضع ما بين الثلاث إلى العشرة .
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ قال أخبرنا أحمد بن كامل القاضي قال أخبرنا
(٥) [ (٤ - ٥) - سورة الروم ].
(٦) الحديث أخرجه الترمذي في جامعه، في: ٤٨ - كتاب تفسير القرآن ، (٣١) باب ومن سورة الروم، ح
(٣١٩٣)، صفحة (٥ : ٣٤٣ - ٣٤٤)، وقال أبو عيسى: هذا حديث حَسَنٌ صحيح غريب، إنما
نعرفه من حديث سفيان الثوري ، عن حبيب بن أبي عَمْرة.
(٧) [ (١ - ٢) - سورة الروم ].
٣٣١

محمد بن سعد بن محمد بن الحسن العوفي ، قال : حدثني أبي ، قال حدثني
عمي الحسين بن الحسن بن عطية ، قال : حدثني أبي ، عن جدي عطية بن
سعد، عن ابن عباس](٨). في قوله: ﴿ألم، غلبت الروم﴾ قال: ((قد
مضى كان ذلك في أهل فارس والروم . وكانت فارس قد غلبتهم ، ثم غلبت
الروم بعد ذلك ، ولقي نبي الله ◌َّ مشركي العرب، والتقت الروم وفارس فَنَصَرَ
الله عز وجل النبي وَّله ومن معه من المسلمين على مشركي العرب، ونصر أهل
الكتاب على مشركي العجم))، ففرح المؤمنون بنصر الله إياهم ، ونصر أهل
الكتاب على العجم ، قال عطية : وسألنا أبا سعيد الخدري عن ذلك فقال
((التقينا مع رسول الله وَله ومشركي العرب والتقت الروم وفارس فنصرنا [الله
تعالى ](٩) على مشركي العرب ونصر أهل الكتاب على المجوس ففرحنا بنصر
الله إيانا على المشركين وفرحنا بنصر الله أهل الكتاب على المجوس فذلك قوله
عز وجل : ﴿ويومئذ يفرح المؤمنين بنصر الله﴾(١٠).
أخبرنا أبو الحسين بن الفضل القطان قال أخبرنا عبد الله بن جعفر ،
قال : حدثنا يعقوب بن سفيان ، قال : حدثنا أبو صالح وابن بكير ، قالا :
حدثنا الليث ، قال: حدثني عقيل، عن ابن شهاب، قال: ((كان المشركون
يجادلون المسلمين وهم بمكة يقولون : الروم أهل كتاب وقد غلبتهم الفرس ،
وأنتم تزعمون أنكم ستغلبون بالكتاب الذي أنزل على نبيكم ، فسنغلبكم كما .
غلبت فارس الروم ، فأنزل الله عز وجل: ﴿ألم غلبت الروم في أدنى الأرض
وهم من بعد غلبهم سيغلبون في بضع سنين ﴾(١١))) قال ابن شهاب الزهري
٠
(٨) الزيادة ليست في (ح)، وأثبتها من (هـ) و( ص).
(٩) الزيادة من (ص) و(هـ).
(١٠) تفسير القرطبي (١٤: ٢).
(١١) [(١ -٤) من سورة الروم ].
٣٣٢

فأخبرني عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود (( أنه لما نزلت هاتان الآيتان
ناحب(١٢) أبو بكر بعض المشركين قبل أن يُحَرَّمَ القمار(١٣) على شيء إن لم
تغلب فارس في سبع سنين فقال رسول الله بصير لم فعلت فكل ما دون العشر
بضع وكان ظهور فارس على الروم في تسع سنين (١٤) ثم أظهر الله الروم على
فارس زمن الحديبية ففرح المسلمون بظهور أهل الكتاب )) .
وأخبرنا أبو الحسين بن الفضل ، قال : أخبرنا عبد الله بن جعفر ، قال :
حدثنا يعقوب بن سفيان ، قال : حدثنا العباس بن الوليد ، قال : حدثنا يزيد بن
زريع، عن سعيد، عن قتادة ((ألم غلبت الروم في أدنى الأرض)) قال : غلبهم
أهل فارس على أدنى الشام، (( وهم من بعد غلبهم سيغلبون في بضع سنين))
الآية . قال : لما أنزل الله عز وجل هؤلاء الآيات ، صدق المسلمون ربهم
وعرفوا أن الروم ستظهر على أهل فارس ، فاقتمرهم والمشركون خمس
قلائص ، وأجَّلوا بينهم خمس سنين ، قال : فولي قمار المسلمين أبو بكر رضي
الله عنه، وولي قمار المشركين أُبَيُّ بن خلف، وذلك قبل أن يُنْهى عن القمار
في الأجل ، ولم تظهر الروم على فارس ، فسأل المشركون قمارهم ، فذكر ذلك
أصحاب رسول اللّه ◌َوَّ النبي ◌َّليل فقال: ((لم يكونوا أحقاء أن يؤجلوا أجلاً دون
العشر ، فإن البضع ما بين الثلاث إلى العشر ، فزايدوهم ومادُّوهم في الأجل)) ،
ففعلوا فأظهر الله الروم على فارس عند رأس السبع من قمارهم الأول ، فكان
ذلك مرجعهم من الحديبية ، ففرح المسلمون بفلجهم الذي كان من ظهور أهل
الكتاب على المجوس ، وكان ذلك مما شدَّ اللّه به الإِسلام فهو قوله : ﴿ ويومئذ
(١٢) (ناحب) : تراهن.
(١٣) في تفسير القرطبي ((القمار))، وفي بعض نسخه ((الرهان)) كما في حاشيته .
(١٤) في (ص): ((سبع سنين))، وقال القرطبي (١٤: ٣): ((قال الشعبي: فظهروا في تسع سنين،
وقال القشيري : المشهور في الروايات ان ظهور الروم كان في السابعة من غلبة فارس للروم ، ولعل
رواية الشعبي تصحيف من السبع الى التسع من بعض النقلة)).
٣٣٣

يفرح المؤمنين بنصر الله ﴾(١٥).
أخبرنا أبو الحسين بن الفضل القطان قال أخبرنا عبد الله بن جعفر قال :
حدثنا يعقوب بن سفيان قال : حدثنا صفوان بن صالح وأبو تقي هشام بن عبد
الملك ، قالا : حدثنا الوليد بن مسلم ، قال : حدثنا أسيد الكلابي ، أنه سمع
العلاء بن الزبير يحدث عن أبيه، قال: (( رأيت غلبة فارس الروم ثم رأيت غلبة
الروم فارساً ، ثم رأيت غلبة المسلمين فارساً والروم ، وظهورهم على الشام
والعراق كل ذلك في خمس عشرة سنة (١٦) [ وبالله العصمة ](١٧).
(١٥) تفسير القرطبي (١٤ : ٥).
(١٦) البداية والنهاية (٣ : ١٠٨).
(١٧) ليست في (ص)، ولا في (هـ).
٣٣٤

باب
دعاء النبي ◌َّر على سبعة من قريش يؤذونه
ثم على ابن أبي لهب وما ظهر في ذلك من الآيات
أخبرنا أبو الحسين بن الفضل ببغداد ، قال : أخبرنا أبو بكر أحمد بن
كامل القاضي ، قال : حدّثنا أحمد بن إبراهيم بن ملحان ، قال : حدّثنا عمرو
ابن خالد ، قال : حدّثنا زهير، قال : حدّثنا أبو إسحاق ، عن عمرو بن
ميمون ، عن عبد الله بن مسعود، قال: ((استقبل رسول الله صل# البيت فدعا
على نفر من قريش سبعة فيهم أبو جهل ، وأمية بن خلف ، وعتبة بن ربيعة ،
وشيبة بن ربيعة ، وعقبة بن أبي معيط ، قال عبد الله : فأقسم بالله لقد رأيتهم
صَرْعى على بَذْر قد غيرتهم الشمس وكان يوماً حاراً)).
زواه البخاري في الصحيح ، عن عمرو بن خالد(١).
وأخبرنا أبو عبد الله الحافظ ، قال : أخبرني أبو الوليد قال : حدّثنا محمد
(١) أخرجه البخاري في: ٦٤ - كتاب المغازي (٧) باب دعاء النبي ◌َّ على كفار قريش، حديث
(٣٩٦٠)، الفتح (٧: ٢٩٣)، وقد أورده البخاري عن حديث ابن مسعود في كتاب الطهارة بأتم منه
سياقاً ، وأورده في الطهارة لقصة سلي الجزور ووضعه على ظهر المصلي فلم تفسد صلاته ، وفي
الصلاة مستدلاً به على أن ملاصقة المرأة في الصلاة لا تفسدها ، وفي الجهاد في باب الدعاء على
المشركين ، وفي الجزية مستدلاً به على أن جيف المشركين لا يفادى بها ، وفي المبعث في باب ما لقي
المسلمون من المشركين بمكة .
٣٣٥

ابن سليمان الباغندي(٢) قال: حدّثنا محمد بن يحيى الحراني، قال : حدّثنا
الحسن بن محمد بن أعين ، قال : حدّثنا زهير، فذكره بإسناده نحوه .
رواه مسلم في الصحيح عن سلمة بن شبيب(٣) ، عن الحسن بن محمد
(٢) ليست في (هـ) ولا في (ص) .
(٣) أخرجه مسلم في: ٣٢ - كتاب الجهاد والسير، (٣٩) باب ما لقي النبي ﴾ من أذى المشركين،
حديث (١١٠)، ص (١٤٢٠) ، عن سلمة بن شبيب .
وهؤلاء النفر كانوا من أشد المعارضين، والمؤذين لرسول الله (18، حتى نزل فيهم قرآناً، قال ابن
هشام في السيرة (١ : ٣٨٥ - ٣٨٧ ) :
وأَبِيُّ بن خلف بن وَهْب بن حُذَافة بن جُمّح ، وعقبة بن أبي معيط ، وكانا متصافيين ، حَسَناً ما بينهما ،
فكان ثُمْعُ قد جلس إلى رسول الله وصل﴾، وسمع منه، فبلغ ذلك أبيًّا، فأتى عقبةً، فقال له: ألم يبلغني
أنك جالست محمداً وسمعت منه؟ ثم قال : وَجْهِي من وَجْهِكَ حَرَامٌ أنْ أكلمك ، واستغلظ [له]من
اليمين ، إن أنت جَلَسْتَ إليه أو سمعت منه، أو لم تأته فَتَتْفُل في وجهه، ففعل ذلك عدوُ اللّه عقبة
ابن أبي مُعَيْطٍ، لعنه الله، فأنزل الله تعالى فيهما ( ٢٥: ٢٧ - ٢٩): ﴿وَيَوْمَ يَعْضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ
يَقُولُ يَا لَيْتَنِي أَنَّخَذْتُ مَّعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿لِلْإِنْسَانِ خَذُولاً ﴾ .
ومشى أبيُّ بن خَلَف إلى رسول الله وِ يّ بعَظَم بالٍ قدارْفَتُّ فقال: يا محمد، أنت تزعم أن الله يبعث هذا بعدما
أَرَمَّ ثم فَتَّه بيده، ثم نفخه في الريح نحو رسول الله ﴿ه، فقال رسول الله وَّه: « نَعَمْ أَنَّا أَقُولُ ذَلِكَ،
يَبْعَثُهُ الله وَإِيَّاكَ بَعْدَ مَا تَكُونَانِ هَكَذَا، ثُمَّ يُدْخِلُكَ اللَّه النَّارَ)) فأنزل الله تعالى فيه ( ٣٦: ٧٨ - ٨٠) :
﴿ وَضَرَبَ لَّا مَثَلًا وَنْسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ قُلْ يُحْيِبِهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوّ
بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ الَّذِي جَعَلَ لَكُم مِنَ الشِّجْرِ الْأَخْضَرِ نَاراً فَإِذا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ ﴾ .
واعترض رسول الله صل وهو يطوف بالكعبة، فيما بلغني، الأسودُ بن المطلب بن أسد بن عبد الْعُزَّى،
والوليدُ بن المغيرة ، وأمّيَّةُ بن خلف، والعاصُ بن وائل السَّهْمي ، وكانوا ذوي أسنان في قومهم ؛
فقالوا : يا محمد ، هَلُمَّ فَلْنَعْبُدْ ما تعبد ، وتعبد ما نعبد، فنشترك نحن وأنت في الأمر : فان كان الذي
تعبد خيراً مما نعبد كنا قد أخذنا بحظنا منه ، وإن كان ما نعبد خيراً مما تعبد كنت قد أخذت بحظك منه ،
فأنزل الله تعالى فيهم (١٠٩: ١ - ٦): ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ لَا أَعْبُدُ مّا تَعْبُدُونَ ) السورةَ كلَّها ،
أي : إن كنتم لا تعبدون الله إلا أن أعبد ما تعبدون فلا حاجة لي بذلك منكم ، لكم دينكم جميعاً ولي
دين .
٣٣٦

وأبو جهل بن هشام ، لما ذكر الله شَجَرَةَ الزَّقُّوم تخويفاً بها لهم قال : يا معشر قريش ، هل تَذْرُون ما
شجرة الزقوم التي يخوّفكم بها محمد ؟ قالوا : لا ، قال : عَجْوَة يثْرِبٌ بِالزُّبْد ، والله لئن استمكنًا منها
لَنَزَقْمَنَّهَا تَزَقماً ، فأنزل الله تعالى فيه ( ٤٤: ٤٣ - ٤٨): ﴿إِنَّ شَجْرَةُ الزَّقُومِ طَعَامُ الْأَثِيمِ كَالْمُهْلِ
يَغْلِي فِي الْبُطُونِ كَغَلْيِ الْحَمِيمٍ ﴾ أي: ليس كما يقول.
قال ابن هشام : المُهْلُ : كل شيء أَذَبْتَه من نحاس أو رصاص ، أو ما أشبه ذلك ، فيما أخبرني أبو
عبيدة، وأمية بن خلف بن وهب بن حُذافة بن جُمَح، كان إذا رأى رسول الله ◌َوَّلَ هَمَزَهُ وَلَمَزَهُ ، فأنزل
الله تعالى فيه (١٠٤ - ١ -٩) ﴿وَيْلٌ لِكُلَّ هُمَزَةٍ لُمَزَةِ الذِي جَمَعَ مَالاً وَعَدَّدَهُ يَحْسَبُ أَنْ مَالَهُ أَحْلَدَهُ كُلَّا
لَيُنْبَذِنَّ فِي الْحَطَمَةِ وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحُطَمَةُ نَارُ اللّهِ المُؤْقَدَةُ التِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ إِنّهَا عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ فِي
عَمَّدٍ مُمْدَّةٍ ﴾ .
قال ابن هشام : والْهُمَزّة : الذي يشتم الرجل علانية ، ويكسر عينه عليه ، ويغمز به ، قال حسان بن
ثابت :
هَمَزْتُكَ فَاخْتَضَعْتَ لِذُلِّ نَفْسٍ بِقَافِيِةٍ تَأْجِّجُّ كَالشُّوَاظِ
وهذا البيت في قصيدة له .
وجمعه هُمَّزات، واللُّمَزَة : الذي يعيب الناس سرا ويؤذيهم ، قال رؤبة بن العجاج :
فِي ظِلِّ عَصْرِي بَاطِلِي وَلَمْزِي
وهذا البيت في أرجوزة له .
وجمعه : لمزات .
قال ابن إسحاق: والعاص بن وائل السُّهْمِيُّ، كان خَبَّابُ بن الأَرَتُّ صاحب رسول الله ◌َ﴾ قَيْناً بمكة
يعمل السيوف ، وكان قد باع من العاص بن وائل سُيُوفاً عملها له ، حتى إذا كان له عليه مال ، فجاء
يتقاضاه ، فقال له : يا خَبَّاب ، أليس يزعم محمد صاحبكم هذا الذي أنت على دينه أن في الجنة ما
ابْتَغَى أَهْلُها من ذهب أو فضة أو ثياب أو خدم ؟ قال خباب : بلى ، قال : فَأَنْظِرْني إلى يوم القيامة يا
خَبَّاب حتى أرجع إلى تلك الدار فأقضيك هنالك حقك، فوالله لا تكون أنت وأصحابك ، يا خَبَّبُ ،
آثَرَ عند اللّه مني، ولا أعظم حظاً في ذلك، فأنزل الله تعالى فيه (٧٧:١٩ - ٨٠): ﴿أَقْرَأَيْتَ الَّذِي
كَفَّرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لُوَتَيْنَّ مَالاً وَوَلّداً أَطَّلْعَ الْغَيْبَ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿ وَثْرِثُهُ مَّا يَقُولُ وَيَأْتِنَا فَرْدًا ﴾ .
ولقي: أبو جهل بن هشام رسولَ اللّه وَّر، فيما بلغني، فقال له: والله يا محمد لَتَتْرُكَنَّ سبُّ آلهتنا أو
لَنَسُبَّنَّ إِلَهك الذي تعبد، فأنزل الله تعالى عليه فيه (٦: ١٠٨): ﴿وَلاَ تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ
فَيَسُبُوا اللّه عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ فذكر لي أن رسول اللّه ◌َّهُ كَفَّ عن سَبَّ آلهتهم ، وجعل يدعوهم إلى
الله .
٣٣٧
=

ابن أعين .
أخبرنا علي بن أحمد بن عبدان قال : أخبرنا أحمد بن عبيد الصفّار ،
قال : حدّثنا تمتام ، قال: حدّثنا عباس بن الفضل الأزرق ، قال : حدّثنا الأسود
ابن شيبان ، قال : حدّثنا أبو نوفل بن أبي عقرب، عن أبيه، قال: ((كان لهب
ابن أبي لهب يسب النبي توص له، ويدعو عليه، قال: فقال النبي وَّر: اللهم سَلِّط
عليه كلبك ، قال : وكان أبو لهب يحمل البَزَّ إلى الشام ، ويبعث بولده مع
غلمانه ووكلائه ويقول : إن ابني أخاف عليه دعوة محمد فيعاهدوه ، قال :
وكانوا إذا نزل المنزل الزقوه إلى الحائط ، وغطوا عليه الثياب والمتاع، قال :
ففعلوا ذلك به زماناً ، فجاء سبع فنشله فقتله ، فبلغ ذلك أبا لهب فقال : ألم
أقل لكم إني أخاف عليه دعوة محمد)) .
كذا قال عباس بن الفضل وليس بالقوي .
لهب بن أبي لهب ، وأهل المغازي يقولون : عتبة بن أبي لهب ، وقال
بعضهم : عتيبة .
وفيما أخبرنا أبو عبد الله، قراءة عليه، قال: (( كانت أم كلثوم يعني ابنة
= والنّضْر بن الحرث بن كّدة بن عَلْقَمة بن عَبْد مَنّاف بن عبد الدار بن قصي ، كان إذا جلس رسولُ
الله * مجلساً فدعا فيه إلى الله تعالى، وتلا فيه القرآن، وحَذَّر قريشا ما أصاب الأمم الخالية ، خَلَفَهُ
في مجلسه إذا قام ، فحدثهم عن رستم السِّنديذ وعن اسفنْديار وملوك فارس ، ثم يقول : والله ما محمد
بأَحْسَنَ حديثاً مني، وما حديثه إلا أساطير الأولين اكْتَتَبْتُهَا كما اكْتَتَبَهَا، فأنزل الله فيه ( ٢٥: ٥ -٦) :
﴿وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرُّ فِي السُّمْوَاتِ
وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُوراً رَحِيماً﴾ ونزل فيه ( ٦٨: ١٥): ﴿إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوْلِينَ ﴾
ونزل فيه (٤٥: ٧ -٨): ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ أَفَاكِ أَثِيمٍ يَسْمَعُ آيَاتِ اللهِ تُثْلَى عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِراً كَأَنْ لَمْ
يَسْمَعْهَا كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْراً فَبَشِّرْهُ بِعَذّابٍ أَلِيمٍ﴾ .
قال ابن هشام : الأَفَّاك: الكذاب ، وفي كتاب الله تعالى (٣٧: ١٥١ - ١٥٢): ( أَلّ إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ
لَيَقُولُونَ وَلَدَ اللّه وإِنَّهُمْ لكَاذِبُونَ ﴾ .
٣٣٨

رسول الله وَّلقر في الجاهلية تحت عتيبة بن أبي لهب ، وكانت رقية تحت أخيه :
عتبة بن أبي لهب ، فلما أنزل الله عز وجل : ﴿تبت يدا أبي لهب﴾ قال أبو لهب
لابنيه : عتيبة ، وعتبة : رأسي ورؤ وسكما حرام إن لم تطلقا ابنتي محمد ،
وسأل النبي # عتبة طلاق رقية ، وسألته رقية ذلك وقالت له أم كلثوم بنت حرب
ابن أمية - وهي حمالة الحطب - : طلقها يا بني فإنها قد صبت فطلقها ، وطلق
عتيبة أم كلثوم، وجاء النبيَّ نَ ◌ّ حين فارق أم كلثوم فقال : كَفّرْتُ بدينك ،
وفارقْتُ ابنتك، لا تحبني ولا أحبك، ثم تسلط على رسول اللّه وَّ فشق
قميصه ، فقال رسول الله (18 : أما إني أسأل الله أن يسلط عليه كلبه ، فخرج نفر
من قريش حتى نزلوا في مكان من الشام يقال له الزرقاء ليلاً فأطاف بهم الأسد
تلك الليلة ، فجعل عتيبة يقول : يا ويل أمي هو والله آكلي كما دعا محمد
عليَّ ، قتلني ابن أبي كبشة وهو بمكة وأنا بالشام ، فعوى عليه الأسد من بين
القوم وأخذ برأسه فضغمه ضغمة فذبحه)).
قال أبو عبد الله فحدثنا بجميع ذلك محمد بن إسماعيل الحافظ ، قال :
حدّثنا الثقفي ، قال : حدّثنا أحمد بن المقدام ، قال : حدّثنا زهير بن العلاء
العبدي ، عن ابن أبي عروبة ، عن قتادة ، قال زهير : وحدّثنا هشام بن عروة ،
عن أبيه: ((أن الأسد لما طاف بهم تلك الليلة انصرف عنهم فناموا وجعل عتيبة
في وسطهم فأقبل الأسد يتخطاهم حتى أخذ برأس عتيبة ، ففدغه ، وتزوج
عثمان بن عفان رقية فتوفيت عنده ، ولم تلد له ، وتزوج أبو العاص بن الربيع
زينب فولدت له أمامة )).
٣٣٩

باب
وفاة أبي طالب عم رسول الله وَلَه
وما ورد في امتناعه من الإِسلام
قال الله عز وجل : ﴿وهم ينهون عنه وينأون عنه . وإِن يهلكون إلا أنفسهم
وما يشعرون﴾(١) .
وقال : ﴿إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء﴾(٢).
أخبرنا أبو محمد عبد الله بن يحيى السكري ، قال : أخبرنا إسماعيل
الصفّار، قال : حدّثنا أحمد بن منصور، قال : حدّثنا عبد الرزاق ، قال :
حدّثنا سفيان وأخبرنا أبو عبد الله الحافظ ، قال : أخبرنا أبو العباس المحبوبي ،
قال : حدّثنا أحمد بن سيَّر، قال: حدّثنا محمد بن كثير، قال : حدّثنا
سفيان ، عن حبيب بن أبي ثابت ، عمن سمع ابن عباس يقول في قول الله عز
وجل : ﴿وهم ينهون عنه(٣) وينأون عنه﴾ (٤) قال: نزلت في أبي طالب : كان
ينهى المشركين أن يؤذوه وينأى عنه . وفي رواية عبد الرزاق وينأى عما جاء به .
أخبرنا أبو عبد الله قال : حدّثنا علي بن جمشاد ، قال : حدّثنا محمد بن
(١) الآية الكريمة (٢٦) من سورة الأنعام.
(٢) الآية الكريمة (٥٦) من سورة القصص .
(٣) النهي : الزجر .
(٤) النأيُّ : البعد .
٣٤٠