Indexed OCR Text
Pages 141-160
رواه البخاري في الصحيح (٥٥) عن يحيى بن بكير إلا أنه لم يذكر قول محمد بن
النعمان، وزاد في أول حديث عروة عن عائشة : ما رويناه عن معمر عن
الزهري . وزاد في آخره : ثم لم ينشب ورقة أن توفي وفتر الوحي . ثم ذكر
حديث أبي سلمة عن جابر بن عبد الله وقال في آخره : ثم حمي الوحي وتتابع .
ورواه(٥٦) مسلم عن عبد الملك بن شعيب بن الليث عن أبيه عن
جده(٥٧).
وأخبرنا أبو الحسين بن الفضل القطان ببغداد، قال : أخبرنا أبو بكر محمد
ابن عبد الله بن أحمد بن عتاب العبدي ، قال : حدثنا أبو محمد القاسم بن عبد
الله بن المغيرة الجوهري قال : حدثنا اسماعيل بن أبي أويس. قال : حدثني
اسماعيل بن إبراهيم بن عقبة ، عن عمه موسى بن عقبة . قال : ثم إِن الله عز
وجل بعث محمداً ﴿ على رأس خمس عشرة سنة من بُنيانِ الكعبة))(٥٨).
قال ابن شهاب: حدثني عروة بن الزبير عن عائشة زوج النبي مل* أنها
-
= ترجمة في طبقات ابن سعد (٥ : ١٥٥)، أخبار القضاة (١: ١١٦)، تذكرة الحفاظ ، العبر
(١ : ١١٢)، البداية والنهاية (٩: ١١٦)، تهذيب التهذيب ( ١٢ : ١١٥).
(٥٥) فتح الباري (٨ : ٦٧٨ ).
(٥٦) في (م) و(هـ): ((رواه)).
(٥٧) صحيح مسلم في كتاب الإيمان (١ : ١٤٤)، وأخرجه الترمذي في التفسير ، والإمام أحمد فى
((مسنده)) (٣ : ٣٠٦).
(٥٨) كذا رواه أيضاً عبد الرزاق ، عن ابن جُريج ، عن مجاهد ، وكذا أيضاً رواه ابن عبد البرّ من طريق :
محمد بن جبير ، وبه جزم موسى بن عقبة في مغازيه .
والذي جزم به ابن إسحاق أن بنيان قريش كان قبل المبعث بخمس سنين ، سيرة ابن هشام ( ١ :
٢٠٩)، وقال الحافظ ابن حجر: ((وهو أَشْهَر ».
١٤١
قالت: ((توفي رسول الله (صل﴾ وهو ابن ثلاث وستين))(٥٩).
قال ابن شهاب : وحدثني مثل ذلك سعيد بن المسيب.
(( وكان فيما بلغنا أول ما رأى أن الله - عز وجل - أراه رؤيا في المنام، فشقّ
ذلك عليه، فذكرها رسول الله مثير لامرأته خديجة بنت خويلد بن أسد فعصمها
الله - عز وجل - من التكذيب ، وشرح صدرها بالتصديق ، فقالت : أبشر فإِن الله
عز وجل يصنع بك إِلا خيراً، ثم أنه خرج من عندها ثم رجع إليها فأخبرها أنه
رأى بطنه شُقَّ، ثم طهر وغسل، ثم أعيد كما كان. قالت: هذا والله خيرٌ
فأبشر(٦٠)، ثم استعلن له جبريل عليه السلام وهو بأعلى مكة فأجلسه على
مجلسٍ كريم مُعْجبٍ كان النبيِ وَله يقول : أجلسني على بساط كهيئة
الدُّرْنوك (٦١) فيه الياقوت واللؤلؤ فبشره برسالة الله عز وجل حتى اطمأن النبي وال
، فقال [ له ](٦٢) جبريل عليه السلام(٦٣)، اقرأ. فقال كيف أقرأ. قال ﴿ اقرأ باسم
ربك الذي خلق. خلق الإنسان من علق اقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم
علمّ الإِنسان مالم يعلم﴾(٦٤) ويزعم ناسٌ أَن يا أيها المدثر(٦٥) أُوَّل سورة
أنزلت(٦٦) عليه والله أعلم. (٦٧).
(٥٩) أخرجه البخاري في: ٦١ - كتاب الفضائل (١٩) باب وفاة النبي ◌َّر، فتح الباري ( ٦: ٥٥٩)،
وأعاده في: ٦٤ - كتاب المغازي (٨٥) باب وفاة النبي 8 #، فتح الباري (٨: ١٥٠)، كلاهما عن
عبد الله بن يوسف ، عن الليث ، عن عُقيل ، عن ابن شهاب ، عن ◌ُروة ، عن عائشة .
(٦٠) في (م)، و(هـ): ((وأبشر)).
(٦١) ( الدُّرْنوك ): سِتْر له حَمْل ، وجمعه درانك.
(٦٢) ليست في (هـ) .
(٦٣) في (م): #.
(٦٤) (١ - ٥) أول سورة العلق.
(٦٥) أول سورة المدثر .
(٦٦) في (ح): ((نزلت)).
(٦٧) نقله ابن كثير في ((البداية والنهاية)) (٣: ١٣)، عن موسى بن عقبة، عن الزهري، عن سعيد بن =
١٤٢
قال ابن شهاب: وكانت خديجة أول من آمن بالله وصدق رسول الله وحظ له
قبل أن تُقرض الصلاة، قال: وقبل(٦٨) الرسُول [{1 }(٦٩) رسالة ربه عز وجل واتبع
الذي جاءه به جبريل عليه السلام من عند الله عز وجل ، فلما قبل الذي جاءه من عند
اللّه تعالى وانصرف منقلباً إلى بيته جعل لا يمرُ على شجرة ولا صخرٍ (٧٠) إلا سلّم
عليه ، فرجع مسروراً إلى أهله موقناً، قد رأى أمراً عظيماً، فلما دخل على
خديجة قال أرأيتك الذي كنت أُحدثُك(٧١) أَني رأيته في المنام فإِنه جبريل عليه
السلام استعلن لي، أرسله إِليَّ ربي وأخبرها (٧٢) بالذي جاءه من الله عز
وجل(٧٣) وما سمع منهُ فقالت أبشر فوالله لا يفعل اللّه بك إلا خيراً، فأقْبل الذي
جاءك من [عند] الله [عز وجل ](٧٤) فإِنه حقٌّ ، وأبشر فإِنك رسول الله حقاً .
ثم انطلقت مكانها حتى أتت غلاماً لعتبة بن ربيعة بن عبد شمس نصرانياً
من أهل نينوى يقال له عداس، فقالت له يا عداسٍ أذكرك باللّه إلا ما أخبرتني هل
عندك علمٌّ منِ جبريل. فقال عداس : قدوس قدوس، ما شأن جبريل يُذكَرُ بهذه
الأرض التي أهلها أهل الأوثان ! أخبرني بعلمك فيه، قال فإِنه أمين (٧٥) الله بينه
وبين النبيين وهو صاحب موسى وعيسى عليهما السلام.
= المسيب، وذكره السيوطي في ((الخصائص الكبرى)) (١: ٩٣) عن أبي نعيم ، وعن البيهقي من
طريق موسى بن عقبة ، عن ابن شهاب .
(٦٨) في (ح): ((فقبل)).
(٦٩) ليست في (م) ولا في (ح) .
(٧٠) في (ح): ((ولا حجر)).
(٧١) في (ح): ((أخبرتك)).
(٧٢) في (ح): ((فأخبرهما)).
(٧٣) في (هـ): ((تعالى)).
(٧٤) الزيادة من (هـ) .
(٧٥) في (ح): ((أمر)).
١٤٣
فرجعت خديجة من عنده فجاءت ورقة بن نوفل وكان ورقة قد كره عبادة
الأوثان، وهو وزيد بن عمرو بن نفيل، وكان زيد قد حرّم كل شيء حرَّمه الله
[ عز وجل ](٧٦) من الدم والذبيحة على النُصب ، ومن أبواب الظلم في
الجاهلية، فعمد هو وورقة بن نوفل يلتمسان العلم حتى وقفا بالشام فعرضت
اليهود عليهما دينهم فكرهاه وسألا رهبان النصرانية ، فأما ورقة فتنصر وأما زيد
فكره النصرانية فقال له قائل من الرهبان : إِنك تلتمس ديناً ليس يوجد اليوم في
الأرض ! فقال له زيد : أي دين ذلك ؟ قال القائل : دين القيم دين إبراهيم
خليل الرحمن . قال : وما كان من دينه ؟ قال : كان حنيفاً مسلماً ، فلما وصف
له دين إبراهيم (عليه السلام ](٧٧) قال زيد أنا على دين إِبراهيم وأنا ساجد نحو
الكعبة التي بنى إِبراهيم ، فسجد نحو الكعبة في الجاهلية . فقال زيد لما تبين
له الهدى :
أَسلمت(٧٨) وجهي لمن أُسْلَمَتْ له المزن يحملن عذباً زلالا
ثم توفي زيد وبقي ورقة بعده كما يزعمون سنتين (٧٩) فقال ورقة بن نوفل
وهو يبكي زيد بن عمرو بن نفيل :
رَشَدتَ وأَنعمت ابن عمرو وإِنما
تجنبت تنوراً من النار حاميا
بدينك رباً ليس رب كمثله
وتركك جِنَّانَ الجبال كماهيا
(٧٦) ليست في (ح) .
(٧٧) الزيادة من (هـ) .
(٧٨) في (ح): ((وأسلمت)).
(٧٩) في (ح): ((سنين)).
١٤٤
تقول إذا جاوزت أرضاً مخوفة
بأسم الإله بالغداة وساريا
تقول إِذا صلَّيتَ في كل مسجدٍ
حنانيك لا تُظْهِرْ عليَّ الأعاديا
فلما وصفت خديجة لورقة حين جاءته شأن محمد عليه السلام #(٨٠)
وذكرت له جبريل عليه السلام وما جاء به إلى رسول الله وَلقر من عند الله عز وجل
قال(٨١) لها ورقة: يا بنية أخي (٨٢) ما أدري لعل صاحبك النبي الذي ينتظر أهل
الكتاب الذي يجدونه مكتوباً عندهم في التوراة والإنجيل وأقسم بالله لئن كان إِياه
ثم أَظهر دُعاءه(٨٣) وأنا حيٍّ لأبلين الله في طاعة رسوله وله وحسن مؤازرته الصبر
والنصر. فمات ورقة (٨٤) .
وقد ذكر ابن لهيعة عن أبي الأسود عن عروة بن الزبير هذه القصة بنحو من
هذا وزاد فيها: ((ففتح جبريل [ عليه السلام ](٨٥) عيناً من ماءٍ فتوضأ ومحمد
وَّة ينظر إليه وجهه ويديه إلى المرفقين ومسح رأسه(٨٦) ورجليه إلى الكعبين ثم
نضح فرجه وسجد سجدتين مواجهة البيت، ففعل محمد كما رأى جبريل
يفعل )).
(٨٠) الزيادة من (هـ) .
(٨١) في (ح): ((فقال)).
(٨٢) الثابت أن خديجة ابنة عم ورقة ، وراجع الحاشية (٤٨) من هذا الباب.
(٨٣) في (ح): ((دعاه)).
(٨٤) نقله ابن كثير في «البداية والنهاية (٣: ١٣ - ١٤)، عن المصنف، والسيوطي في ((الخصائص
الكبرى» (١ : ٩٣) ..
(٨٥) الزيادة من (هـ) .
(٨٦) في (ح): ((برأسه)).
١٤٥
أخبرنا بذلك أبو الحسين بن الفضل، قال : حدثنا عبد الله بن جعفر، قال:
حدثنا يعقوب بن سفيان، قال : حدثنا عمرو بن خالد وحسان بن عبد الله قالا :
حدثنا ابن لهيعة . وذكر القصة بأجمعها شيخنا أبو عبد الله الحافظ عن أبي جعفر
البغدادي عن أبي علائة : محمد بن عمرو بن خالد عن أبيه ، عن ابن لهيعة ،
عن أبي الأسود، عن عروة ، إلا أنه لم يذكر من شعر ورقة إِلا البيتين الأولين.
ولم يذكر ما قال الزهري في إسلام خديجة والذي ذكر [ فيه ](٨٧) من شق بطنه،
يحتمل أن يكون حكاية منه لما صنع به في صباه، ويحتمل أن يكون شق مرة
أخرى ثم مرة ثالثة حين عرج به إلى السماء والله أعلم.
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ ، قال : حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب ،
قال : حدثنا أحمد بن عبد الجبار، قال : حدثنا يونس بن بكير، عن ابن إسحاق
قال : حدثني عبد الملك بن عبد الله (٨٨) بن أبي سفيان بن العلاء بن جارية
الثقفي وكان واعية (٨٩) عن بعض أهل العلم: ((أن رسول الله وَّ حين أراد الله
عز وجل كرامته [ وابتدأه ] لا يمر بحجر ولا شجر إلا سلم عليه وسمع منه ،
فيلتفت رسول الله ولم خلفه وعن يمينه وعن شماله ولا يرى إلا الشجر وما حوله
من الحجارة وهي تحييه بتحية النبوة : السلام عليك يا رسول الله (٩٠).
(٨٧) في (م) و(هـ): ((فيها)).
(٨٨) في السيرة لابن هشام ((عبد الملك بن عبيد الله)).
(٨٩) ((واعية)): أي حافظاً، من قولهم: وعن العلم يعيه إذا حفظة، وأدخلت التاء للمبالغة.
(٩٠) سيرة ابن هشام (١: ٢٥٢ - ٢٥٣)، وطبقات ابن سعد (١ : ١٥٧)، وتاريخ الإسلام للذهبي
(٢ : ٧١)، وقد أخرج مسلم في صحيحه في كتاب الفضائل، حديث (٢)، ص (١٧٨٢ ) من
حديث جابر بن سّمُرّة. قال: قال رسول الله (وَ﴿: ((إني لأعْرِفُ حجرا بمكة كان يُسَلِّمُ عليّ قبل أن
أُبَعْثَ . إني لأعرفه الآن )) .
وقد أخرج هذا الحديث أيضاً الترمذي في المناقب (٥ : ٥٩٣)، والدارمي في المقدمة ، والإمام
أحمد في ((مسنده)» (٥ : ٨٩) .
١٤٦
وكان رسول اللّه وَيّ يخرج إلى حراء في كل عام شهراً من السنة ينسك
فيه ، وكان من نسك من قريش في الجاهلية يطعم من جاء من المساكين حتى إذا
انصرف من مجاورته وقضائه(٩١) لم يدخل بيته حتى يطوف بالكعبة ، حتى إذا
كان الشهر الذي اراد الله [تعالى ](٩٢) به ما أراد من كرامته من السنة التي بعث
فيها ، وذلك الشهر رمضان فخرج رسول اللّه ومطار كما كان يخرج لجواره وخرج
معه بأهله حتى إذا كانت الليلة التي أكرمه الله فيها برسالته ورحم العباد به جاءه
جبريل عليه السلام بأمر الله عز وجل ، فقال رسول الله وم طهر: فجاءني، وأنا نائم،
فقال : اقرأ . فقلت: ما أقرأ؟ فغتني (٩٣) حتى ظننت أنه الموت ، ثم كشفه
عنى ، فقال : اقر: فقلت : وما أقرأ ؟ فعاد لي (٩٤) بمثل ذلك ، ثم قال : اقرأ.
فقلت : وما أقرأ وما أقولها إلَّ تَنَجِّياً(٩٥) أن يعود لي بمثل الذي صنع ، فقال :
﴿ اقرأ باسم ربك الذي خلق. خلق الإنسان من علق. إقرأ وربك الأكرم. الذي
علم بالقلم . علم الإِنسان ما لم يعلم﴾(٩٦).
ثم انتهى، فانصرف عني وهيبت من نومي فكأنما صُوِّرَ في قلبي كتاباً ولم
يكن في خلق الله عز وجل احدٌ أبغض اليَّ من شاعر أو مجنون فكنت لا أطيق
انظر اليهما ، فقلت : إن الأبعد يعني نفسه لشاعر أو مجنون ثم قلت لاتحدث
(٩١) في سيرة ابن هشام: ((فإذا قضى جواره ... )).
(٩٢) الزيادة من (هـ) .
(٩٣) في (هـ) و(م): ((فزتني)) وهو تحريف، ومعنى ((غتني)): ((حبس نفسي))، قال ابن الأثير:
((الغت والغط سواء، كأنه أراد عصرني عصراً شديداً، حتى وجدت منه المشقة ، كما يجد من
يغمس في الماء قهرأ)» .
(٩٤) في (هـ): ((فعاودني)).
(٩٥) في سيرة ابن هشام: ((إلا افتداءً منه أن يعود لي بمثل ما صنع)).
(٩٦) (١ - ٥) من سورة القلم.
١٤٧
عني قريش بهذا أبداً، لأعمدن إِلى حالق من الجبل فلأطرحن (٩٧) نفسي منه
فلأقتلنها فلأستريحن، فخرجت ما أريد غير ذلك فبينا انا عامد لذلك إذ سمعت
منادياً ينادي من السماء يقول : يا محمد أنت رسول الله وأنا جبريل ، فرفعت ،
رأسي إلى السماء انظر فإِذا جبريل [عليه السلام ])٩٨) في صورة رجل صافٍّ
قدميه في أفق السماء يقول يا محمد أنت رسول الله وأنا جبريل فرفعت أنظر إليه
وشغلني عن ذلك وعما أريد فوقفت وما أقدر على أَن أَتقدم: ولا أَتاخر ، وما
أصرف وجهي في ناحية من السماء إِلا رأيته فيها، فما زلت واقفاً ما أتقدم ولا
أتأخر حتى بعثت خديجة رسلها في طلبي ، حتى بلغوا مكة ، ورجعوا فلم أزل
كذلك حتى كاد النهار يتحول ، ثم انصرف عني وانصرفت راجعاً إلى أهلي حتى
أتيت خديجة فجلست إلى فخذها مضيفاً إِليها فقالت يا أبا القاسم ! أين كنت ؟
ء
فوالله لقد بعثت رسلي في طلبك، حتى بلغوا مكة ورجعوا، فقلت لها : إن الأبعَدَ
الشاعر أو مجنون. فقالت أعيذك بالله تعالى(٩٩) من ذلك يا أبا القاسم، ما كان
الله ليفعل بك ذلك معّ ما أعلم من صدق حديثك، وعظم أمانتك، وحسن
خلقك، وصلة رحمك.
وما ذاك يا ابن عم لعلك رأيت شيئاً أو سمعته . فأخبرتها الخبر . فقالت :
أبشريا ابن عم واثبت له فوالذي يُحلفُ به إني لأرجو أن تكون نبي هذه الأمة .
ثم قامت فجمعت ثيابها عليها ثم انطلقت إلى ورقة بن نوفل وهو ابن
عمها ، وكان قد قرأ الكتب وتنصَّر وسمع من التوراة والإنجيل ، فأخبرته الخبر
وقصت عليه ما قص عليها رسول اللّه وَالر أنه رأى وسمع. فقال ورقة : قدوس
سـ
(٩٧) في (هـ): ((ولأطرحَنَّ )).
(٩٨) الزيادة من (هـ) .
(٩٩) الزيادة من (هـ).
١٤٨
قدوس ، والذي نفس ورقة بيده لئن(١٠٠) كنت صدقتيني يا خديجة ، إنه لنبي
هذه الأمة ، وأنه ليأتيه الناموس الأكبر الذي كان يأتي موسى ( عليه
السلام ](١٠١)، فقولي له فليثبت.
فرجعت إلى رسول الله وَل ﴿ فأخبرته ما قال لها ورقة فسهّل ذلك عليه بعض
ما هو فيه من الهم بما جاءه.
فلما قضى رسول الله ◌َّ# جواره صنع كما كان يصنع : بدأ بالكعبة فطاف
بها فلقيه ورقة وهو يطوف بالكعبة فقال : يا ابن أخي! أخبرني بالذي رأيت
وسمعت ، فقص عليه رسول الله وَ # خبره ، فقال ورقة : والذي نفسي بيده إِنه
ليأتيك الناموس(١٠٢) الأكبر الذي كان يأتي موسى وإِنك لنبي هذه الأمة، ولتؤذينَّ،
ولتُكَذِّبَنّ، ولتقاتَلَنَّ، ولتُتَصَرَنَّ، ولئن أَنا أدركت ذلك لأَنصرنَّك نصراً يعلمه الله، ثم
أدنى إليه رأسه فقبل يافوجه، ثم انصرف رسول الله # إلى منزله وقد زاده الله
[ عز وجل ](١٠٣) من قول ورقة ثباتاً، وخفف عنه بعض ما كان فيه من
الهم)) (١٠٤).
أخبرنا أبو عبد الله، قال: حدّثنا أبو العباس: [ محمد بن يعقوب ](١٠٥)
قال : حدثنا أحمد ، قال : حدّثنا يونس عن ابن إسحق ، قال : وكان ورقة بن
نوفل بن أسد بن عبد العُزّى بن قصي قال فيما ذكرت له خديجة من أمر رسول
(١٠٠) في (ح): ((إن)).
(١٠١) الزيادة من (م) و(ص) .
(١٠٢) ( الناموس ) : جبريل ، وأصل الناموس : صاحب سر الخير ، ومنده الجاسوس : صاحب سر
الشر .
(١٠٣) الزيادة من (هـ) .
(١٠٤) سيرة ابن هشام (١: ٢٥٤ - ٢٥٧)، ونقله الذهبي في ((تاريخ الإسلام)) (٣: ٧١ - ٧٢).
(١٠٥) الزيادة من (ح) .
١٤٩
الله الل فيما يزعمون :
فإن يكُ(١٠٦) حقّاً يا خديجة فاعلمي حديثك إيّانا فأحمد مرسل
وجبريل يأتيه وميكال معهما
من الله وحي يشرح الصدر مُنزلُ
يفوز به من فاز فيها بتوبة ويشقى به العاتي الغويُّ المضلّلُ (١٠٧)
فريقان منهم فرقة في جنانِه
وأخرى بإِخوان الجحيم تغلّلُ
إذا ما دعوا بالويل فيها تتابعت
مقامع في هاماتها ثم تشعلُ
فسبحان من تهوي الرياح بأمره
ومن هو في الأيام ما شاء يفعل
ومن عرشه فوق السموات كلها
وأقضاؤه في خلقه لا تُبدَّلُ
وقال ورقة بن نوفل في ذلك :
يا للرجال وصرف الدهر والقدر
وما لشيء قضاه الله من غِيْر
حتى خديجة تدعوني لأخبرها
ومالها بخفيِّ الغيب من خبر
جاءت لتسألني عنه لأخبرها
أمراً أراه سيأتي الناس من أُخْر
(١٠٦) في (م) و(هـ): ((إن)).
(١٠٧) ابن كثير: ((ويشقى به العاني الغرير المضلل)).
١٥٠
فخبرتني بأمر قد سمعتُ به
فيما مضى من قديم الدهر والعُصُر
بأن أحمد يأتيه فيخبره
جبريل أنك مبعوثٌ إلى البشر
فقلت علّ الذي ترجين ينجزه
لك الإِله فَرَجِّي الخير وانتظري
وأرسليه إلينا كيْ نسائله
عن أمره ما يرى في النوم والسهر
فقال حين أتانا منطقاً عجباً
يقفُّ منه أعالي الجلد والشِّعَر
إني رأيتُ أمين الله واجْهني
في صورةٍ أُكْمِلَتْ من أهْيَبِ الصور
ثم استمرّ فكاد الخوف يُذعرني
مما يُسَلُّم من حولي من الشجر
فقلت ظني وما أدري أيصدقني
أن سوف تُبعث تتلو مُنْزَل السُّورِ
وسوف أنبيك إن أعلنت دعوتهم
من الجهاد بلا منٌّ ولا كَدَرٍ (١٠٨)
أخبرنا أبو عبد الله، قال: حدّثنا أبو العباس ، قال: حدّثنا أحمد ، قال :
حدّثنا يونس عن ابن إسحاق ، قال : حدّثني إسماعيل بن أبي حكيم مولى الزُّبير
أنه حُدّث عن خديجة بنت خويلد ((أنها قالت لرسول الله وَّر فيما تثّته - فيما
(١٠٨) نقل الأبيات الحافظ ابن كثير في «البداية والنهاية (٣: ١٠ - ١١)، وقال: ((هكذا أورد ذلك
الحافظ البيهقي في الدلائل ، وعندي في صحتها عن ورقة نظر، والله أعلم ».
١٥١
أكرمه الله [ تعالى ](١٠٩) به من نُبوّته - يا ابن عم تستطيع أن تخبرني بصاحبك
هذا الذي يأتيك إذا جاءك فقال : نعم ، فقالت : إذا جاءك فأخبرني .
فبيْنا رسول اللهِ وَ ل، عندها إذ جاء جبريل، فرآه رسول الله وص له ، فقال:
يا خديجة هذا جبريل . فقالت : أتراه الآن ؟ قال: نعم . قالت: فاجلس إلى
شقي الأيمن ، فتحول فجلس ، فقالت هل تراه الآن ؟ قال : نعم. قالت فاجلس
في حجري فتحول رسول الله وّر فجلس . فقالت : هل تراه الآن ؟ قال :
نعم. فتحسِّرتْ رأسها فألقت خمارَها ورسول الله وَإ جالس في حجرها ،
فقالت : هل تراه الآن ؟ قال لا. قالت: ما هذا شيطان إن هذا [لَمَلَّك ](١١٠) يا
ابن عم ، فاثبُتْ وأبشِرْ، ثم آمنت به وشهدت أن الذي جاء به الحق)).
قال ابن إسحاق: فحدثت عبد الله بن الحسن هذا (١١١) الحديث ، فقال :
قد سمعت فاطمة بنت الحُسين تحدث بهذا الحديث عن خديجة إلا أني سمعتها
تقول: ((أُدخلت رسول الله وَله، بينها وبين درْعَها فذهب عند ذلك جبريل عليه
السلام .
قُلتُ : وهذا شيء كانت خديجة - رضي الله عنها - تصنعه تَسْتثبت به الأمر
احتياطاً لدينها وتصديقها، فأما النبي ◌َّ فقد كان [ قد](١١٢) وَثِقَ بما قال له
جبريل وأراه من الآيات التي ذكرناها مرة بعد أخرى وما كان من تسليم الشجر
والحجر عليه وما كان من إجابة الشجر لدعائه وذلك بعدما كذّبهُ قومه وشكاهم
إلى جبريل عليه السلام فأراد أن يطيب قلبه))(١١٣).
(١٠٩) الزيادة من (هـ) .
(١١٠) في (ح): ((الملك)).
(١١١) في (ح): ((بهذا)).
(١١٢) ليست في (هـ) .
(١١٣) دلائل النبوة لأبي نعيم (١٧٢) و(١٧٤). و(«البداية والنهاية)) لابن كثير (٣: ١٥).
١٥٢
حدّثنا أبو محمد عبد الله بن يوسف الأصبهاني رحمه الله املاءً ، قال :
أخبرنا أبو بكر محمد بن الحسين القطّان ، قال : أخبرنا إِبراهيم بن الحارث
البغدادي قال : حدثنا يحيى بن ابي بكير(١١٤)، قال: حدّثنا إِبراهيم بن
طهمان ، قال: حدّثني سماك بن حرب عن جابر بن سمرة قال: (( قال رسول الله
وَيّ : إِنِّي لأعرف حجراً بمكة كان يسلم عليَّ قبل أن أبعث إِنِّي لأعرفه الآن )).
رواه مسلم في الصحيح(١١٥) ، عن أبي بكر بن أبي شيبة ، عن يحيى بن
أبي بكير .
أخبرنا أبو الحسين بن بشران ، قال : أخبرنا أبو جعفر الرزاز ، قال :
حدّثنا يحيى بن جعفر ، قال : أخبرنا أبو داود الطّيالسيّ .
(ح) وحدّثنا أبو بكر محمد بن فورك رحمه الله، قال: أخبرناعبد الله بن جعفر
الأصبهاني ، قال : حدثنا يونس بن حبيب ، قال : حدّثنا أبو داود ، قال : حدثنا
سليمان بن معاذ، عن سماك بن حرب، عن جابر بن سمرة ((أنّ رسول اللّه رَّ
قال : إنّ بمكة لحجراً كان يسلم عليّ لياليَ بُعثِتُ. إنِّي لأعرفه إذا مررت
عليه))(١١٦).
حدّثنا أبو عبد الله الحافظ، قال: حدّثنا أبو محمد أحمد بن عبد اللّه
المزني ، قال : حدّثنا يوسف بن موسى المروروذي ، قال : حدّثنا عباد بن
يعقوب ، قال : حدّثنا الوليد بن أبي ثور، عن السُّدي ، عن عباد بن عبد
اللّه(١١٧) عن عليّ رضي الله عنه، قال: ((كنا مع رسول اللّه ◌ُ﴾ بمكة فخرج في
(١١٤) في (هـ و(م): ((ابن بكير)).
(١١٥) سبق ذكره وتخريجه في الحاشية (٩٠) من هذا الباب.
(١١٦) انظر الحديث السابق، وهذا الحديث في الترمذي (٥: ٥٩٢ - ٥٩٣).
(١١٧) في جامع الترمذي: ((عباد بن أبي يزيد ، عن علي بن أبي طالب.
١٥٣
بعض نواحيها فما استقبله شجر ولا جبل (١١٨) إلّ قال له السلام عليك يا رسول
الله ) (١١٩).
وأخبرنا أبو الحسين بن بشران ، قال : أخبرنا أبو محمد جعفر بن محمد
ابن نصير ، قال : حدثنا محمد بن عبد الله بن سليمان، قال : حدّثنا محمد بن
العلاء ، قال : حدثنا يونس بن عنبسة عن إسماعيل بن عبد الرحمن ، هو
السّدي، عن عباد، قال: سمعت عليّاً [رضي الله عنه ](١٢٠) يقول: ((لقد
رأيتني أدخلُ معه - يعني النبي ◌َّ - الوادي فلا يمر بحجر ولا شجر إلّ قال
السلام عليك يا رسول الله وأنا أسمعه)» (١٢١).
أخبرنا أبو الحسن علي بن محمد بن علي المقرىء الأسفرايني بها ،
قال : أخبرنا الحسن بن محمد بن إسحق ، قال : حدّثنا يوسف بن يعقوب ،
قال : حدثنا أبو الربيع ، قال : حدّثنا أبو معاوية ، عن الأعمش، عن أبي سفيان
عن أنس بن مالك، قال: ((جاء جبريل عليه السلام إلى النبي ◌َّ وهو
خارج من مكة قد خضبهُ أهل مكة بالدماء ، قال، مالك قال : خضبني هؤلاء
بالدماء وفعلوا وفعلوا ، قال تريد أن أُريك آية ؟ قال نعم قال أدع تلك الشجرة
فدعاها رسول اللّه وَّهِ فجاءت تخطُّ الأرض حتى قامت بين يديه قال مرها فلترجع
قال : ارجعي إلى مكانِكٍ، فرجعت إلى مكانها. فقال رسول الله الطيار:
حَسْبي))(١٢٢).
(١١٨) في (ح): ((فما استقبله شجر ولا مدر)).
(١١٩) أخرجه الترمذي في: ٥٠ - كتاب المناقب، ح (٣٦٢٦) ص (٥: ٥٩٣)، وقال: «هذا حديث
غريب )) .
(١٢٠) الزيادة من (م) .
(١٢١) نقله ابن كثير عن المصنف في البداية والنهاية (٣ : ١٦).
(١٢٢) ذكره الهيثمي في ((مجمع الزوائد)) باختلاف يسير (١٠:٩)، وقال: رواه البزار وأبو يعلى،
وإسناد أبي يعلى حسن .
١٥٤
باب
أول سورة نزلت من القرآن
أخبرنا أبو الحسن محمد بن الحسين بن داود العلوي، رحمه الله ، قال :
حدّثنا أبو حامد بن الشرقي إملاءً، قال: حدّثنا عبد الرحمن بن بشر بن
الحَكْم ، قال : حدّثنا سفيان ، عن محمد بن إسحاق ، عن الزهري ، عن
عُروة ، عن عائشة، قالت: ((إن أوّل ما نزل من القرآن ﴿اقرأ باسم ربّك الّذي
خَلَقٍ﴾(١٢٣) .
هذا إِسناد صحيح وقد مضى معناه في الرواية الثابتة (١٢٤) عن معمر
وعقيل وكذلك(١٢٥)، عن الزهري وكذلك رواه يونس بن يزيد، عن الزهري.
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، وأبو عبد الله : إِسحاق بن محمد بن يوسف
السُوسيُّ قَالا: حدّثنا أبو العباس محمد بن يعقوب ، قال : أخبرنا العباس بن
الوليد - يعني ابن مَزْيد - قال : أخبرني أبي ، قال: أخبرنا الأوزاعي ، قال :
حدّثنا يحيى بن أبي كثير، قال: ((سألتُ أبا سلمة بن عبد الرحمن : أيُّ القرآن
نَزّل قبل؟ فقال: (( يا أيها المدثر)) قال: قلت أو: اقرأ باسم ربك ؟ قال :
سألت جابر بن عبد الله أيُّ القرآن أنزل قبل ؟ فقال يا أيها المدثر . قال : قلت أو
اقرأ باسم ربك (١٢٦) قال: قال رسول الله ولاير: إني جاورت بحراء شهراً فلما
قضيت جواري نزلت فاستبطنت الوادي فنوديت فنظرت بين يديِّ وخلفي وعن
(١٢٣) أخرجه ابن جرير الطبري، والحاكم وصححه، وابن مردويه. الدر المنثور (٦ : ٣٦٨).
(١٢٤) في (هـ) و(ص): ((الثانية)).
(١٢٥) في (ص): ((وكذا)).
(١٢٦) ليست في (ح) .
١٥٥
يميني وعن شمالي فلم أرَ شيئاً ، ثم نظرت إلى السماء فإِذا هو على العرش في
الهواءِ ، فأخذتني وحشة ، فأتيت خديجة فأمرتهم فدثَّروني فأنزل الله عزّ وجلّ يا
أيها المدثر - حتى بلغ - وثيابك فطهر)) .
أخرجه مسلم في الصحيح من حديث الأوزاعيّ ، وأخرجاه من حديث
علي بن المبارك عن يحيى بن أبي كثير (١٢٧) .
وقد مضى في رواية الزهري عن أبي سلمة ، عن جابر أنّ نزول يا أيها
المدثر كان بعدما فتر الوحي ، وفي ذلك دلالة على أن نزولها كان بعد نزول اقرأ
باسم ربك .
أخبرناه(١٢٨) أبو عبد الله الحافظ ، قال : أخبرني أبو سهل بشر بن أحمد
ابن محمد المهرجاني من أصل كتابه ، قال : حدثنا داود بن الحسين [ بن
أزدن ](١٢٩) بن عُقّيل هو الخسر وجردي، قال : حدّثنا عبد الملك بن شعيب بن
الليث بن سعد ، قال : حدّثني أبي عن جدي ، قال : أخبرني عقيل بن خالد
عن ابن شهاب ، قال : سمعت أبا سلمة بن عبد الرحمن يقول : أخبرني جابر
(١٢٧) أخرجه البخاري في: ٦٥ - کتاب التفسير (٧٤) سورة المدثر ، ح (٤٩٢٢ )، فتح الباري (٨ :
٦٧٦ ) ، عن يحيى ، عن وكيع ، عن علي بن المبارك ، عن يحيى بن أبي كثير ، قال : سألت أبا
سلمة بن عبد الرحمن عن أول ما نزل من القرآن ... ، وأخرجه البخاري أيضاً في الباب الأول من
كتاب بدء الوحي عن يحيى بن بكير ، وأعاده في التفسير عنه أيضاً، فتح الباري (٨: ٦٧٨ )،
وبعده (٨ : ٦٧٩ ) ، وفي كتاب الأدب .
كما أعاده البخاري أيضاً في تفسير سورة العلق عن سعيد بن مروان في قصة فتور الوحي ، وفي بدء
الخلق عن عبد الله بن محمد ، عن عبد الرزاق ، عن معمر أربعتهم عن الزهري .
أخرجه مسلم في: ١ - كتاب الإيمان، (٧٣) باب بدء الوحي إلى رسول الله 18، ح (٢٥٧) عن
الأوزاعي - كما أشار المصنف ، صفحة (١٤٤).
(١٢٨) كذا في (م) و(ح) ، وفي (ص) و(هـ) : أخبرنا .
(١٢٩) الزيادة من (هـ) .
١٥٦
ابن عبد الله ((أنه سمع رسول الله وَّل يقول: ثم فتر الوحي عني فترة فبينا أنا
أمشي سمعت صوتاً من السماء فرفعت بصري قبل السماء ، فإِذا الملك الذي
جاءني بحراء قاعد على كرسي، [ فجئئت] (١٣٠) منه فرقاً، حتى صرتُ (١٣١) إلى
الأرض ، فجئت أهلي فقلتُ : زمِّلوني زِّلوني، فزمَّلوني، فأنزل الله عز وجلّ
﴿يا أيها المدثر قُمْ فَأَنْذِر وربّك فكبّر وثِيَابِكَ فَطَهِّر والرِّجْزَ فَاهْجُرْ﴾.
قال أبو سلمة : الرِّجْزُ الأوثان.
رواه مسلم في الصحيح عن عبد الملك بن شعيب ، ورواه البخاري عن
ابن بكير ، عن الليث(١٣٢)، وكذلك رواه يونس بن يزيد عن ابن شهاب
الزهري ، وفي ذلك بيان ما قلناه (١٣٣).
ورُوِيَ عن أبي موسى الأشعريّ ، ثم عن عبيد بن عمير (( أنّ أوّلَ سورة
أُنزلت اقرأ باسم ربك)) (١٣٤).
أخبرنا أبو الحسين بن الفضل القطّان ببغداد، قال : أخبرنا عبد الله بن
جعفر ، قال : حدّثنا يعقوب بن سفيان ، قال : حدّثنا أبو صالح، قال : حدّثني
الليث ، قال : حدّثني عقيل عن ابن شهاب ، قال : أخبرني (١٣٥) محمد بن عبّاد
ابن جعفر المخزوميُّ، أنه سمع بعض علمائهم ، يقول: « كان أول ما أنزل الله
عز وجل على نبيه وَّر: اقرأ باسم ربك الذي خلق، إلى: علّم الإِنسان ما لم
(١٣٠) في (هـ): ((فجثثت))، وفي (ح): ((فجثيت))، وسبق شرحها بالحاشية (٤١) من هذا الباب .
(١٣١) في (ص): ((ضربت)) وهو تحريف .
(١٣٢) سبق تخريج الحديث بالحاشية (٤٣) من هذا الباب .
(١٣٣) في (هـ): ((ما قلنا)).
(١٣٤) الدر المنثور (٦ : ٣٦٨).
(١٣٥) في (ح): ((حدثني)).
١٥٧
يعلم (١٣٦) فقالوا: هذا صدرها الذي أنزل على رسول الله {# يوم حِرَاء ثم أنزل
آخرها بعد ذلك بما شاء اللّه)) وأما الحديث الذي أخبرنا أبو عبد الله الحافظ ،
قال : حدّثنا أبو العباس محمد بن يعقوب ، قال : حدّثنا أحمد بن عبد الجبار ،
قال : حدثنا يونس بن بكير عن يونس بن عمرو عن أبيه عن أبي ميسرة عمرو بن
شرحبيل (( أنّ رسول الله بالخير قال لخديجة إني إذا خلوت وحدي سمعت نداء وقد
والله خشيت أن يكون هذا أمراً فقالت معاذ الله ما كان اللّه ليفعل بك فوالله إنك
لتُؤدّي الأمانة ، اوتصل الرحم، وتصدق الحديث ، فلما دخل أبو بكر وليس رسول
اللّه المثير، ثم ذكرت خديجة حديثه له وقالت يا عتيق اذهب مع محمد إلى ورقة ،
فلما دخل رسول اللّه * أخذ أبو بكر بيده، فقال : انطلق بنا إلى ورقة ، فقال :
ومَن أخبرك ؟ قال: خديجة ، فانطلقا إليه ، فقصًا عليه ، فقال إذا خلوت
وحدي سمعت نداء خلفي : يا محمد ، يا محمد، فأنطلق هارباً (١٣٧) في
الأرض ، فقال : لا تفعل فإذا (١٣٨) أتاك فاثبت حتى تسمع ما يقول (١٣٩) ثم إنتني
فاخبرني ، فلما خلا ناداه يا محمد قُلْ : بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب
العالمين . حتى بلغ . ولا الضالين قل لا إله إلا الله ، فأتى ورقة فذكر ذلك له
فقال له ورقة أبشر ، ثم أبشر، فأنا أشهد أنك الذي بشَّر به ابن مريم ، وأنك
على مثل ناموس موسى، وأنك نبيٌّ مُرسل(١٤٠)، وأنك سوف تُؤْمر (١٤١)
بالجهادِ بعد يومكَ هذا ولئن أدركني ذلك لُأجاهدنَّ معك ، فلما تُوفِّي ورقة ، قال
رسول اللّهَ وَّ: لقد رأيت القسَّ في الجنة عليه ثياب الحرير، لأنه آمن بي
(١٣٦) أول سورة العلق .
(١٣٧) في (ح): ((هارب))!
(١٣٨) في (ح): ((إذا)).
(١٣٩) في (ح): ((ما تقول)).
(١٤٠) في (ح): ((نبي)) فقط.
(١٤١) في (ح): ((تأمر قومي)).
.-
١٥٨
وصدقني - يعني ورقة ، فهذا منقطع ، فإن كان محفوظاً فيحتمل أن يكون خبراً
عن نزولها بعد ما نزلت عليه ، اقرأ باسم ربك ، ويا أيها المدثر ، والله
أعلم (١٤٢) .
(١٤٢) رواه ابن كثير في «البداية والنهاية)) (٣: ٩) عن البيهقي، وأبي نعيم، وقال: ((هذا لفظ البيهقي
وهو مرسل ، وفيه غرابة وهو كون الفاتحة أول ما نزل)).
ثم تابع ابن كثير قائلاً: «وقد قدَّمنا من شعره ما يدل على إضماره الإيمان، وعقده عليه ، وتأكده
عنده ، وذلك حين أخبرته خديجة ما كان من أمره مع غلامها ميسرة ، وكيف كانت الغمامة تظلله في
هجير القيظ ، فقال ورقة في ذلك أشعاراً قدمناها قبل هذا منها قوله :
لججت وكنت في الذكرى لجوجاً
لأمر طالما بعث النشيجا
ووصف من خديجة بعد وصف
فقد طال انتظاري يا خديجا ... الخ
١٥٩
باب
مَنْ [ تقدم إسلامه ](١) من الصحابة رضي الله عنهم ، وما ظهر
لأبي بكر من آياته ، وما سمع طلحة من قول الراهب،
وما ظهر لابن مسعود من آياته ،
وما رأى خالد بن سعيد في منامه ، وغير ذلك
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ ، قال : حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب ،
قال : حدثنا أحمد بن عبد الجبار ، قال : حدّثنا يونس بن بكير عن محمد بن
إسحاق، قال: (( وكانت خديجة أول من آمن بالله ورسوله وصّدّقَ بما جاء به ،
قال : ثم أن جبريل عليه السلام أتى رسول الله (صل حين افترضت عليه الصلاة))
فهمز(٢) له بعقبه في ناحية الوادي فانفجرت له عين من ماء مُزنٍ فتوضَّأ جبريل
ومحمد عليهما السلام ثم صَلَّا(٣) ركعتين وسجدا أربع سجدات ثم رجع النبيُّ
﴿﴿ه، قد أقرَّ الله عينه وطابت نفسه وجاءه ما يحب من الله فأخذ بيد خديجة حتى
أتى بها العين فتوضَّأ كما توضَّأ جبريل ثم ركع ركعتين وأربع سجدات هو
وخديجة ثم كان هو وخديجة يُصلّيان سِرّاً (٤).
(١) كذا ورد العنوان في (م) و (ص) و (هـ)، وأما في (ح)، فجاء: (( باب من تفقه وأسلم من
الصحابة ... » .
(٢) الزيادة من (ح)، وكلمة ((همز)) سقطت من (م).
(٣) في (ح) و(هـ): ((صلى)).
(٤) الخبر في سيرة ابن هشام (١: ٢٦٣)، ونقله عنه الحافظ ابن كثير في ((البداية والنهاية)) (٣ :
٢٤)، وقال: ((صلاة جبريل هذه غير الصلاة التي صلاها به عند البيت مرتين ، فبين له أوقات الصلاة
الخمس ، أولها وآخرها ، فإن ذلك كان بعد فرضيتها ليلة الإسراء )».
١٦٠