Indexed OCR Text
Pages 81-100
شعير . فنخرجه ثم يخرج إلى ظاهر حَرَّتِنا ، ونحن معه ، فيستسقي ، فوالله ما
يقوم من مجلسه حتى تَمُرَّ الشِّعَابُ . قد فعل ذلك غير مرّة ولا مرتين ولا ثلاثة .
فحضرته الوفاة ، واجتمعنا إليه . فقال: يا معشر يهود ، ما ترونه أُخْرَجَنِي من
أَرض الخَمْرِ والخَمِير إلى أرض البؤس والجوع؟ قالوا : أنت أعلم. قال: إِنما
أخرجني أتوقع (٤) خروج نبي قد أَظلَّ زمانه(٥)، هذه البلاد مُهَاجَرُهُ ، فَأَتّبعه ، فلا
تُسْبَقُنَّ إِليه إِذا خرج . يا معشر يهود ، فإِنه يبعث ، بسفك الدماء ، وسَبْي
الذّرَارِيّ والنساء ممن يخالفه، فلا يمنعكم ذلك منه. ثم مات . فلما كانت
الليلة التي فتحت فيها قُرَيْظَةُ ، قال أولئك الثلاثة الفِتْيَّةُ ، وكانوا شبّاناً أَحْداثً : يا
معشر يهود ، واللّه إِنه للذي كان ذكر لكم ابن الهيّبان . فقالوا : ما هو به .
قالوا : بلى والله، إِنه لصفته(٦) ثّ نزلوا، فأسلموا وخلّوا أموالهم ، وأولادهم ،
وأهاليهم(٧) .
قال ابن إسحاق كانت أموالهم في الحصن مع المشركين ، فلما فتح رُدّ
ذلك عليهم .
(٤) في سيرة ابن هشام: ((أتوكف خروج نبي))، ومعناها : انتظر خروجه واستشعر.
(٥) اظل زمانه : أشرف عليكم وقرب.
(٦) في سيرة ابن هشام: ((إنه لهو بصفته)).
(٧) الخبر في سيرة ابن هشام (١ : ٢٣٢ - ٢٣٣).
٨١
ذکر سبب إسلام
سلمان الفارسي ، رضي الله عنه
** أخبرنا أبو عبد الله الحافظ [ رحمه الله ](١) في ((زيادات الفوائد)) قال :
حدّثنا أبو العباس : محمد بن يعقوب ، قال : حدّثنا يحيى بن أبي طالب ،
قال : حدّثنا علي بن عاصم ، قال : أخبرنا حاتم بن أبي صغيرة ، عن سماك بن
حرب ، عن زيد بن صُوْحَان :
أَنَّ رجلين من أهل الكوفة ، كانا صديقين لزيد بن صُوْحَان ، أَتياه ؛ أن
يكلِّم لهما سلمان : أَن يحدّثُهما بحديثه : كيف كان أول إِسلامه؟ فأقبلا معه
حتى لقوا سلمان ، وهو بالمدائن ، أميراً(٢) عليها ، وإِذا هو على كرسي قاعد ،
وإِذا خوص بين يديه وهو يشقّه(٣). قالا: فسلمنا وقعدنا ، فقال له زيد : يا أبا
عبد الله، إِن هذين لي صديقان(٤)، ولهما إِخاء ، وقد أحبّا أن يسمعا حديثك:
كيف كان أُول إِسلامك ؟
(١) الزيادة من (م) و(ص).
(٢) في (هـ) و(ص) و(م): ((أمير)).
(٣) في (ص) و (م): (( يَسفُّهُ))، وفي هامش (م): ((قوله: يسفه، بالسين المهملة والفاء، أي
ينسجه .
(٤) في الأصول ((صديقين)).
٨٢
قال : فقال سلمان : كنت يتيماً من رَامَهُرْمُز(٥)، وكان ابن دِهْقَان(٦)
رَامَهُرْمُزَ يختلف إِلى معلم [يعلمه ](٧)، فلزمته لأكون في كَنَفِه . وكان لي أُخ
أكبر مني ، وكان مُسْتَغْنِياً في نفسه ، وكنت غلاماً فقيراً ، فكان إِذا قام من
مجلسه تفرّق من يحفظه ، فإذا تفرقوا خرج فتقنّع بثوبه ، ثم يصعد الجبل ،
فكان يفعل ذلك غير مرة متنكراً ، قال : فقلت : أما إنك تفعل كذا وكذا فلم لا
تذهب بي معك ؟ قال : أنت غلام، وأخاف أن يظهر منك شيء ، قال : قلت :
لا تخف . قال : فإِن في هذا الجبل قوماً في برْطِيل(٨)، لهم عبادة ولهم
صلاح ، يذكرون الله [تعالى](٩)، ويذكرون الآخرة، ويزعمون أَنَّا عَبْدَةُ
الِّيران ، وعبدة الأوثان ، وأنا على غير دين ، قلت : فاذهب بي معك إِليهم .
قال : لا أقدر على ذلك حتّى أَستأمرهم ، وأَنا أَخاف أن يظهر منك شيء فيعلم
أبي ، فيقتل القوم ، فيجري هلاكهم على يدي . قال : قلت : لم يظهر مني
ذلك. فاستأمرهم، فأتاهم، فقال : عندي غُلامٌ يتيم (١٠) فأحب أن يأتيكم
ويسمع كلامكم ، قالوا : إِن كنت تثق به ، قال : أرجو أن لا يجيء منه إلاّ ما
أحب. قالوا: فِجَىءٌ به. فقال لي: قد استأذنت القوم أن تجيء معي، فإِذا كانت
الساعة التي (١١) رأيتني أخرج فيها فأتني، ولا يعلم بك أحد ، فإِن أبي إن علم
بهم قتلهم . قال : فلما كانت الساعة التي يخرج تبعته ، فصعد الجبل ، فانتهينا
(٥) في (ص): ((رام هرمز))، وهي كورة بالأهواز.
(٦) (الدِّهقان): بكسر الدال وضمها = شيخ القرية ، العارف بالفِلاحّةٍ وما يُصلح الأرض من الشجر ، يُلْجأ
إليه في معرفة ذلك ، وهو معرّب .
(٧) الزيادة من ( م) و(ص).
(٨) (البِرْطيل): حجر عظيم مستطيل.
(٩) ليست في (٢٠ ).
(١٠) في (م) و(ص): « غلام عندي یتیم ).
(١١) في (هـ): ((الساعة الذي)).
٨٣
٤
فيه إِليهم . فإِذا هم في برْطِيلهم . قال عليّ : وأراه قال : هم ستة أو سبعة .
قال : وكأن الروح قد خرجت منهم من العبادة : يصومون النهار ، ويقومون
الليل، يأكلُون الشجر وما وجدوا . فقعدنا إليهم فأثنى ابن الدّهْقان عليَّ خيراً .
فتكلموا فحمدوا الله ، وأَثْنَوْا عليه ، وذكروا من مضى من الرسل والأنبياء ، حتى
خَلَصُوا إِلى عيسى بن مريم ، فقالوا : بعثه الله ، وولد لغير ذكر ، بعثه الله
رسولاً، وسخّر له ما كان يفعل من إِحياء الموتى، وخلْقِ الطير ، وإِبراءِ الأعمى
والأبرص ، فكفر به قوم ، وتبعه قوم ، وإنما كان عبد الله ورسوله ابتلى به
خلقه ، قال : وقالوا قبل ذلك: يا غلام، إِن لك ربّاً ، وإِنَّ لك مّعاداً ، وإِنَّ بين
يديك جنّةٌ وناراً إِليهما تصير ، وإِنَّ هؤلاءِ القوم الذين يعبدون النِّيران أَهلُ كُفر
وضلالةٍ ، فلا يرضى الله [ تعالى](١٢)، بما يصنعون، وليسوا على دين . فلما
حضرت الساعة التي ينصرف فيها الغلام انصرف . وانصرفت معه . ثم غدونا
إليهم فقالوا : مثل ذلك وأحسن . ولزمتهم فقالوا لي : يا سلمان إِنّك غلام ،
وإِنّك لا تستطيع أن تصنع ما نصنع ، فَصَلِّ ، ونم ، وكلْ ، واشربْ .
قال : فاطلع الملك على صنيع ابنه ، فركب في الخيل ، ثم أتاهم في
بِرْطِيلِهم فقال : يا هؤلاءٍ ، قد جاورتموني فأحسنت جواركم ، ولم تروا مني
سوءاً فعمدتم إِلى ابني فأفسدتموه عليَّ ، قد أُجّلتكم ثلاثاً ، فإن قدرت عليكم
بعد ثلاث أحرقت عليكم بِرطيلكم هذا، فالحقوا ببلادكم ، فإنّي أَكره أن يكون
منّي إِليكم سوءٌ، قالوا : نعم. ما تعمدنا مساءَتَك ، ولا أردنا إِلَّ الخير. فكفَّ
ابنه عن إِتيانهم ، فقلت له : اتق الله ، فإِنك تعرف أنَّ هذا الدين دين الله ، وإِن
أباك ونحن على غير دين ، إنما هم عبدة النيران لا يعرفون الله ، فلا تبع آخرتك
بدنيا غيرك .
-
(١٢) ليست في (م) و(ص).
٨٤
قال : يا سلمان ، هو كما تقول، وإنما أَتخلف عن القوم بُقْيًا عليهم : إِن
تبعت القوم طلبني أبي في الخيل ، وقد جزع من إتياني إِيّاهم حتى طردهم (١٣)،
وقد أَعرف أَنَّ الحق في أيديهم ، وقالت : أنت أعلم . ثم لقيت أخي فعرضت
عليه . فقال : أنا مشتغل بنفسي في طلب المعيشة . فأتيتهم في اليوم الذي
أرادوا أن يرتحلوا فيه ، فقالوا : يا سلمان ، قد كنا نحذر فكان ما رأيت . اتق
الله، واعلم أن الدين ما أَوصيناك به ، وأَنَّ هؤلاءِ عَبَدَةُ النّيران لا يعرفون الله ولا
يذكرونه، فلا يَخْدَعَنَّكَ أَحد عن ذلك، قلت : ما أنا بمفارقكم ، قالوا : إِنك لا
تقدر أن تكون معنا : نحن نصوم النهار ، ونقوم الليل ، ونأكل الشجر وما
أصبنا ، وأنت لا تستطيع ذلك . قال: قلت : لا أفارقكم . قالوا : أنت أعلم ،
قد أَعلمناك حالنا ، فإِذا أتيت(١٤) فاطلب حذاءً يكون معك ، واحمل معك شيئاً
تأكله فإنّك لن تستطيع ما نستطيع نحن . قال : ففعلت ، ولقيت أخي فعرضت
عليه ، فأبى ، فأتيتهم فتحملوا فكانوا يمشون وأمشي معهم ، فرزق الله السلامة
حتى قدمنا الموصل ، فأتينا بيعة بالموصل ، فلما دخلوا حفّوا بهم وقالوا : أين
كنتم ؟ قالوا : كنا في بلاد لا يذكرون الله [ تعالى](١٥)، بها عَبَدة النيران(١٦)
فطردونا ، فقدمنا عليكم . فلما كان بعد قالوا : يا سلمان إِن ههنا قوماً في هذه.
الجبال هم أهل دين ، وإِنا نريد لقاءهم . فكن أنت ههنا مع هؤلاءٍ فإنهم أهل
دين وسترى منهم ما تحب . قلت: ما أَنا بمفارقكم . قال(١٧): وأوصوا بي
أهل البيعة ، فقال أَهل البيعة : أُقم معنا يا غلام ، فإِنّه لا يعجزك شيء يسعنا .
قال : قلت : ما أَنا بمفارقكم ، فخرجوا وأنا معهم ، فأصبحنا بين جبال فإذا
(١٣) في (م): ((حتى أتاهم)).
(١٤) في (م): ((أَبَيْتَ)).
(١٥) ليست في (م).
(١٦) في (م): («نيران)).
(١٧) في (هـ) و(م): ((قالوا)).
٨٥
صخرة وماء كثير في جرار(١٨) وخبز كثير، فقعدنا عند الصخرة ، فلما طلعت
الشمس خرجوا من بين تلك الجبال ، يخرج رجل رجل من مكانه ، كأنَّ الأرواح
انتزعت منهم حتى كثروا فرحّبوا بهم وحفّوا ، وقالوا : أين كنتم. لم نركم ؟
قالوا : كنا في بلاد لا يذكرون اسم الله تعالى(١٩)، فيها عبدة النيران، وكنا نعبد
الله تعالى (٢٠) فطردونا. فقالوا: ما هذا الغلام؟ قال: فطفقوا يُثْنُونَ عليَّ،
وقالوا : صحبنا من تلك البلاد ، فلم نر منه إلاّ خيراً. قال : فوالله إِنهم لكذا ،
إذ طلع عليهم رجل من كهف رجل طُوالٌ ، فجاءً حتى سلَّم وجلس ، فحفّوا به
وعظّموه أصحابي الذين كنت معهم ، وأُحْدَقُوا به، فقال(٢١) لهم: أين كنتم ؟
فأخبروه ، قال : ما هذا الغلام معكم ؟ فأثنوا علي خيراً ، وأخبروه باتبّاعي
إيّاهم ، ولم أر مثل إِعظامهم ، فحمد الله وأثنى عليه ، ثم ذكر من أرسل الله ،
تعالى ، من رسله وأنبيائه ، وما لقوا وما صنع بهم ، حتى ذكر مولد عيسى بن
مريم وأنه ولد لغير ذكر(٢٢)، فبعثه رسولاً، وأجرى على يديه إحياء الموتى
وإِبْرَاءُ الأعمى والأبرص ، وأنه يَخْلُقُ من الطين كهيئة الطير فينفخ فيه فيكون
طيراً بإذن الله . وأنزل عليه الإِنجيل ، وعلَّمه التوراة، وبعثه رسولاً إِلى بني
إِسرائيل ، فكفر به قوم ، وآمن به قوم . وذكر بعض ما لقي عيسى بن مريم ،
وأنه لما كان عبداً أنعم الله عليه ، فشكر ذلك له ، ورضي عنه ، حتى قبضه الله
[تعالى](٢٣). وهو يعظمهم ويقول: اتقوا الله، والزموا ما جاءً به عيسى عليه
السلام (٢٤)، ولا تُخَالِفُوا فَيُخَالَف بكم، ثم قال: من أراد أن يأخذ من هذا شيئاً
(١٨) في (ح) و(م): ((قرار)).
(١٩) ليست في (م).
(٢٠) ليست في (م).
(٢١) في (م): ((وقال)).
(٢٢) في (م): ((بغير ذكر)).
(٢٣) ليست في (م).
(٢٤) ليست في ( م).
٨٦
فليأخذ . فجعل الرجُل يقوم فيأخذ الجرّة من الماء والطعام والشيء ، فقام إليه
أصحابي الذين جئت معهم فسلَّموا عليه وعظّموه ، فقال لهم : الزموا هذا
الدين ، وإياكم أن تفرّقوا ، واستوصوا بهذا الغلام خيراً . فقال لي : يا غلام ،
هذا دين الله الذي تسمعني أقوله، وما سواه هو الكفر. قال: قلت : ما
أفارقك . قال : إِنّك لا تستطيع أن تكون معي ، إني لا أخرجٍ من كهفي هذا إلا
كلّ يومٍ أَحد ولا تقدر على الكَيْنُونَةِ معي . قال : وأقبل عليّ أصحابه ، فقالوا :
يا غلام، إنّك لا تستطيع أن تكون معه . قلت : ما أنا بمفارقك . قال : يا
غلام ، فإِنِي أعلمك الآن أَنِّي أَدخل هذا الكهف، ولا أُخرج منه إلا (٢٥) الأحد
الآخر، فأَنت أَعلم، قلت: ما أنا بمفارقك، قال له أصحابه: يا أَبا فلان، هذا
غلام ويُخَافُ عليه(٢٦) قال: قال لي : أَنْت أَعلم ، قلت: إِنّي لا أفارقك
فبكى أصحابي الأوّلون الذين كنت معهم عند فراقهم إِيّاي ، فقال : خذ من هذا
الطعام ما ترى أنه يكفيك إلى الأحد الآخر ، وخذ من هذا الماء ما تكتفي به .
ففعلت وتفرقوا ، وذهب كل انسان الى مكانه الذي يكون فيه ، وتبعته حتی دخل
الكهف في الجبل ، وقال : ضع ما معك وَكُلْ واشربْ. وقام يصلِّي ، فقمت
خلفه أصلي، قال: فانفتل إليَّ وقال(٢٧): إِنّك لا تستطيع هذا، ولكن صلِّ
ونم وكُلْ واشربْ. ففعلت فما رأيته نائماً ولا طاعماً، إِلَّ راكعاً وساجداً إِلى
الأحد الآخر . فلما أصبحنا قال : خذ جَرَّك هذه وانطلقْ. فخرجت معه أتبعه
حتى انتهينا إِلى الصخرة ، وإذا هم قد خرجوا من تلك الجبال ، واجتمعوا إِلى
الصخرة ينتظرون خروجه ، فقعدوا وعاد في حديثه نحو المرة الأولى ، فقال :
الزموا هذا الدين ولا تفرّقوا ، واتقوا الله ، واعلموا أنّ عيسى بن مريم كان عبداً
(٢٥) في (م): ((إلى الأحد)).
(٢٦) في (م): ((ونخاف عليه)).
(٢٧) في (م): ((فقال)).
٨٧
اللّه أنعم الله عليه. ثم ذكرني. فقالوا له: يا أبا فلان ، كيف وجدت هذا
الغلام ؟ فأَثنى عليَّ، وقال خيراً، فحمدوا الله تعالى، وإِذا خبز كثير وماء ،
فأخذوا وجعل الرجل يأخذ بقدر ما يكتفي به . ففعلت . وتفرقوا في تلك الجبال
ورجع إلى كهفه ، ورجعت معه . فلبث ما شاءَ الله : يخرج في كل يوم أحدٍ
فيخرجون معه فَيَحُفُّونَ به(٢٨) ويُوصيهم بما كان يوصيهم به ، فخرج في أحد
فلما اجتمعوا حمد الله ووعظهم وقال مثل ما كان يقول لهم ، ثم قال لهم آخر
ذلك : يا هؤلاء ، انه قد كبر سني(٢٩)، ورَقُّ عظمي، واقترب أجلي، وإنه لا
عهد لي بهذا البيت منذ كذا(٣٠) ولا بد من إتيانه ، فاستوصوا بهذا الغلام خيراً ،
وإني رأيته لا بأس به . قال : فجزع القوم فما رأيت مثل جزعهم ، وقالوا : يا أَبا
فلان أَنت كبير ، وأنت وحدك ، ولا نأمن أن يصيبك الشيء ، ولسنا وأحوج ما كنا
إِليك . قال : لا تراجعوني، لا بدّ لي من إِثْيانِه ، ولكن استوصوا بهذا الغلام
خيراً ، وافعلوا وافعلوا . قال: قلت : ما أنا بمفارقك قال : يا سلمان ، قد
رأيت حالي وما كنتُ عليه، وليس هذا كذلك، إِنَّمَا أَمشي، أَصوم النهار، وأَقُوم
الليل ، ولا أستطيع أن أحمل معي زاداً ولا غيره ، ولا تقدر على هذا . قال :
قلت: ما أنا بمفارقك. قال: أَنت أعلم. قالوا (٣١): يا أبا فُلان ، إِنا نخاف
على هذا الغلام . قال : هو أعلم ، قد أَعلمته الحال ، وقد رأى ما كان قبل هذا.
فقلت : لا أفارقك . قال : فبكوا وودّعوه ، وقال لهم : اتقوا الله ، وكونوا على
ما أوصيتكم به، فإِن أَعش فلعلي أَرجع إليكم ، وإن أُمُت فإن الله حي لا
يموت. فسلّم عليهم وخرج وخرجت معه، وقال: لي احمل معك من هذا الخبز
(٢٨) الزيادة من (ح).
(٢٩) من (م): ((كبرت سني)).
(٣٠) (م): ((كذا وكذا)».
(٣١) في (هـ): ((قال)).
٨٨
شيئاً تأكله . فخرج وخرجت معه يمشي وأتبعه، يذكر الله ولا يلتفت ، ولا يقف
على شيءٍ، حتى إذا أمسى ، قال: يا سلمان ، صلِّ أنت ونم ، وكل واشرب .
ثمّ قام وهو يصلِّي ، إِلى أن انتهينا (٣٢) إِلى بيت المقدس ، وكان لا يرفع طرفه
إلى السماء إذا أمسى حتى انتهينا إِلى بيت المقدس ، وإِذا على الباب مُقْعد ،
قال : يا عبد اللّه ، قد ترى حالي فتصدَّق عليَّ بشيءٍ ، فلم يلتفت إليه ، ودخل
المسجد ، ودخلت معه . فجعل يتبع(٣٣) أَمكنة من المسجد يصلِّ فيها. ثمّ
قال : يا سلمان ، إِني لم أنم منذ كذا وكذا ، ولم أجد طعم نوم ، فإِن انت
جعلت لي أن توقظني إِذا بلغ الظلُّ مكان كذا وكذا - نِمْتُ، فإِني أُحِبُّ أن أنام في
هذا المسجد وإلا لم أنم . قال : فإِنِي أَفعل ، قال : فانظر إذا بلغ الظل مكان
كذا وكذا ، فأيقظني إِذا غلبتني عينيٍ . فنام فقلتُ في نفسي : هذا لم ينم منذ
كذا وكذا ، وقد رأيت بعض ذلك، لأَدَعَنَّهُ ينام حتى يَشْتَفي من النوم . وكان
فيما يمشي ، وأنا معه ، يُقْبِلُ عليَّ فيعظني ويخبرني أن لي ربّأْ، وأَنّ بين
يديّ (٣٤) جنّة ونارًاً وحساباً، ويعلمني ويذكرني نحو ما كان يذكر القومَ يوم
الأحد ، حتى قال فيما يقول لي : يا سلمان ، إِنَّ اللّه ، تعالى، سوف يبعث
رسولاً اسمه أحمد ، يخرج بتهامة - وكان رجلاً أعجمياً لا يحسن أن يقول تهامة
ولا محمد - علامته أنه يأكل الهدية .
ـ، الصدقة ، بين كتفيه خاتم ، وهذا
زمانه الذي يخرج فيه فقد تقارب، فأُما انا فشيخ(٣٥) كبير ولا أَحْسبُني أُدركه،
فإِن أَدركته أَنتَ فصدِّقه وأَتَّبعه . قلت : وإِنْ أمرني بترك دينك وما أنتَ عليه ؟
قال : وإِن أَمرك، فإِنَّ الحق فيما يجيءُ به، ورضا الرحمن فيما قال . قال :
(٣٢) في (هـ) و(م): ((انتهى)).
(٣٣) في (م): ((يَتْبِعُ)).
(٣٤) في (م ) : ((یدیه)).
(٣٥) في (م): ((فإني شيخ)).
٨٩
فلم يمضِ إِلَّ يسيراً(٣٦) حتى استيقظ فَزِعاً يذكر الله ، فقال : يا سلمان مضى
الفَيْءُ من هذا المكان ولم أذكر الله ، أين ما جعلت لي على نفسك ؟ قال :
قلت : أخبرتني أنك لم تنم منذ كذا وكذا ، وقد رأيت بعض ذلك ، فأَحببْتُ أَن
تَسْتَشْفَى(٣٧) من النوم. فحمد الله وقام فخرج، فتبعته فمرَّ بالمُفْعَدِ، فقال
المُفْعَدُ: يا عبد الله دخلت فسألتك فلمن تعطني ، وخرجت فسألتك فلم
تعطني . فقام ينظر هل يرى أحداً فلم يره ، فدنا منه فقال : ناولني يدك فناوله ،
فقال: قم باسم اللّه فقام، كأنه نشط من عِقالٍ، صحيحاً لا عيب فيه (٣٨)
فخلّه(٣٩) عن يده فانطلق ذاهباً، وكان لا يلوي على أحد ، ولا يقوم عليه،
فقال لي المُقْعَدُ : يا غلام احمل عليَّ ثيابي حتى أَنطلق وأبشّر أهلي . فحملت
عليه ثيابه، وانطلق لا يلوي عليَّ، فخرجت في إِثره أَطلبه ، وكلما سألت عنه
قالوا : أمامك ، حتى لقيني الركب من كُلْبٍ فسألتهم ، فلما سمعوا الفتى أَناخ
رجل منهم بعيره فحملني خلفه ، حتى أتوا بي بلادهم .
قال : فباعوني ، فاشترتني امرأةٌ من الأنصار ، فجعلتني في حائِطٍ لها .
وقد مرَّ (٤٠) رسول اللّه، وَِّ، فَأُخْبِرْتُ به، فأخذتُ شيئاً من تمر حائطي فجعلته
على شيءٍ ، ثم أتيته فوجدت عنده أناساً ، وإِذا أبو بكر أقرب القوم منه ،
فوضعته بين يديه ، فقال: ما هذا؟ قلت : صدقة ، قال للقوم : كلوا ، ولم
یأکل هو .
ثمّ لبثتُ ما شاء اللّه ، ثمّ أخذت مثل ذلك فجعلته على شيءٍ ، ثم أتيته
(٣٦) في (ح): ((يسير)).
(٣٧) في (م): (( تشتفي)).
(٣٨) في (م): ((لا عيب به)).
(٣٩) في (م): (( فخلىَ)).
(٤٠) في (م): (( وَقَدِمْ )).
٩٠
فوجدت عنده أناساً ، وإذا أَبو بكر أقرب القوم منه ، فوضعته بين يديه فقال : ما
هذا قلت : هدِيَّة. قال: بسم الله. فأكل وأكل القوم . قال: قلت في
نفسي : هذه من آياته كان صاحبي رجل أعجمي لم يحسن أن يقول : تهامة ،
قال : تَهِمَة. وقال : أَحمد . فدرت خلفه ، ففطن لي فأرخى ثوبه فإِذا الخاتم في
ناحية كتفه الأيسر فتبينته ، ثمّ دُرّتُ حتى جلست بين يديه فقلت : أشهد أن لا
إِلهَ إِلَّ اللّه، وأَنَّك رسولُ الله ، قال : من أنت؟ قلت : مملوك . فحدّثته حديثي
وحديثَ الرجل الذي كنت معه ، وما أُمرني به ، قال : لمن أنت ؟ قلت : لامرأةٍ
من الأنصار جعلتني في حائطٍ لها . قال: يا أبا بكر، قال : لبّيك. قال :
اشتره . فاشتراني أبو بكر فأُعتقني ، فلبثتُ ما شاءَ الله أَن أَلبث ، ثمّ أَتيته
فسلَّمت عليه وقعدت بين يديه فقلت يا رسول الله ، ما تقول في دين النصارى ؟
قال : لا خير فيهم ، ولا في دينهم . فدخلني أمر عظيم ، فقلت في
نفسي : هذا الذي كنت معه ورأيت منه ما رأيت ، ثم رأيته أخذ بيد المُفْعَدِ ،
فأقامه اللّه على يده(٤١)، لا خير في هؤلاءٍ ولا في دينهم . فانصرفت وفي نفسي
ما شاء الله، فأنزل الله على النبي: ﴿ ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَاناً وَأَنَّهُمْ لَ
يُسْتَكْبِرُونَ﴾(٤٢) إِلى آخر الآية. فقال رسول الله، وََّ: عَلَيَّ سلمان . فأَتاني
الرسول فدعاني وأنا خائفٌ ، فجئت حتى قعدت بين يديه ، فقرأ : ﴿ بسم الله
الرَّحْمنِ الرَّحِيم . ذَلك بأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَاناً وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ إِلى آخر
الآيات(٤٣) . فقال يا سلمان : أولئك الذين كنت معهم وصاحبك لم يكونوا
نصارى، إنّما كانوا مسلمين . فقلت : يا رسول الله ، فوالذي بعثك بالحق لَّهُوَ
أَمَّرَنِي باتِّبَاعِكَ؛ فقلتُ لهُ: وإِن أَمرني بتركِ دينِكَ وَمَا أَنْتَ عليهِ فَأَترُّكُهُ ؟ قال:
(٤١) في (م): (( یدیه)).
(٤٢) الآية الكريمة (٨٢) من سورة المائدة.
(٤٣) في (م): ((الآية)).
٩١
نعم ، فاتْرُكْهُ ؛ فإِنَّ الحقَّ ومَا يُحِبُّ الله فيما يأْمُركَ به(٤٤) .
* أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، وأبو بكر : أحمد بن الحسن القاضي ،
قالا : أخبرنا أبو العبّاس: محمد بن يعقوب، قال: حدّثنا أحمد بن عبد
الجبّار ، قال : حدَّثنا يونس بن بُكيْرٍ ، عن محمد بن إسحاق ، قال : حدثني
عاصم بن عمر بن قتادة ، عن محمود بن لبيدٍ ، عن ابن عباس ، قال : حدثني
سلمان الفارسي ، قال :
كنت من أَهل فارس من أَهل أصبهان ، من قرية يقال لها جَيٌّ (٤٥)، وكان
أَبي دِهْقَان أرضه ، وكان يحبُّني حبّاً شديداً لم يحبه شيئاً من ماله ولا ولده ، فما
زال به حبُّه إِيّايّ حتى حبسني في البيت كما تحبس الجارية . واجتهدت في
المَجُوسِيَّة حتى كنت قَطَن(٤٦) النَّار [الذِي يُوقِدُهَا](٤٧) وَلَا يَتْرُكُها تَخْبُو ساعة ،
فكنت كذلك لا أعلم من أمر الناس شيئاً إلا ما أَنا فيه ، حتَّى بنى أَبي بنياناً له ،
(٤٤) أخرجه الحاكم في ((المستدرك)) (٣: ٥٩٩ - ٦٠٢)، وقال: ((هذا حديث صحيح ، عال في ذكر
إسلام سلمان الفارسي - رضي الله عنه - ولم يخرجاه ، وقد رُوِيَ عن أبي الطفيل : عامر بن واثلة ،
عن سلمان من وجه صحيح بغير هذه السياقة ، فلم أجد من إخراجه بدأ لما في الروايتين من الخلاف في
المتن والزيادة والنقصان .
وقد ذكره ابن كثير في البداية والنهاية (٢ : ٣١٦) وقال: ((في هذا السياق غرابة كثيرة ، وفيه بعض
المخالفة لسياق محمد بن إسحق، وطريق محمد بن إسحق اقوى إسناداً وأقرب إلى ما رواه البخاري
في صحيحه من حديث المعتمر بن سليمان)».
(٤٥) (جَيِّ) = مدينة بأصبهان، وانظر معجم البلدان (٣: ١٩٦)، وقد ورد بالرواية السابقة («رأمُهْرَمْز))،
وفي رواية أخرى : ان سلمان من فارس ، والجمع بين هذه الروايات أن جَيّ مدينة أصبهان، وانه ولد
في رامهرمز، وأصله من فارس ، كما في دلائل النبوة لأبي نعيم (٢١٣).
(٤٦) ( قَطَنُ النّار) = هو خادمها الذي يخدمها ويمنعها من ان تنطفىء، والفرس كانوا مجوساً يعظمون النار
ويعبدونها .
(٤٧) في (ح): ((التي يوقدونها))، وأثبتُ ما في (م) وهو موافق لسيرة ابن هشام.
٩٢
وكانت له ضيعة فيها بعض العمل ، فدعاني فقال : أي بني ، إِنه قد شغلني ما
ترى من بنياني عن ضيعتي هذه ، ولا بدَّ لي من اطّلاعها، فانطلق إِليها
فأمرهم (٤٨) بكذا وكذا ولا تحتبسنَّ عِنِّي ، فإِنك إِن احتبست عنّي شغلتني عن
كلِّ شيءٍ . فخرجت أُريد ضيعته ، فمررت بكنيسة النصارى ، فسمعت أصواتهم
فيها ، فقلت : ما هذا؟ فقالوا : هؤلاء النصارى يصلُّون . فدخلت أنظر
فأعجبني ما رأيت من حالهم . فوالله ما زلت جالساً عندهم حتى غربت
الشمس . وبعث أبي في طلبي في كل وجهة (٤٩) حتى جثته حين أمسيت ولم
أذهب إلى ضيعته ، فقال أبي : أين كنت ؟ ألم أكن قلت لك ؟ فقلت(٥٠) : يا
أبتاه ، مررت بناس يقال لهم : النَّصارى، فأعجبني صلواتهم ودعاؤُهم ،
فجلست أنظر كيف يفعلون . فقال(٥١) : أَيْ بُنِّي دينك ودين آبائك خيرٌ من
دينهم . فقلت : لا والله ما هو بخيرٍ من دينهم ، هؤلاءِ قومٌ يعبدون الله ويدعونه
ويصلُّون له ، ونحن إِنَّما نعبد ناراً نَوقدها بأَيْدينا، إِذا تركناها ماتت . فخافني :
فجعل فِي رِجْلَيَّ حديداً، وحبسني في بيتٍ عندَهُ ، فبعثتُ إِلى النصارى ، فقلت
لهم : أين أَصْلُ هذا الدين الذي أراكم عليه ؟ فقالوا : بالشام . فقلت : فإِذا قدم
عليكم من هناك ناسٌ فَآَذِنُونِي . قالوا : نفعل . فقدم عليهم ناسٌ في تجارتهم .
فبعثوا إِليَّ أَنَّه قد قدم علينا تجار من تجارنا . فبعثت إِليهم إِذا قضوا حوائجهم
وأرادوا الخروج فَاذِنُوني. فقالوا: نفعل. فلما قضوا حوائجهم وأرادوا الرَّحيل
بعثوا إِليَّ بذلك ، فطرحت الحديد الذي في رجلَيَّ ولحقت بهم ، فانطلقت
معهم حتى قدمت الشام . فلما قدمتها ، قلت : من أفضل أهل هذا الدين ؟
فقالوا : الأسْقُف(٥٢) صاحب الكنيسة . فجئته ، فقلت له : إِني أحببت أن أكون
(٤٨) في (م) و(ح): ((فَمُرْهُم)).
(٤٩) في (م): ((وَجْهٍ)).
(٥٠) في (هـ) و(م): ((فقال)).
(٥١) في (م): ((وقال)).
(٥٢) (الأسقُفُّ): بالتشديد: عالم النصارى الذي يقيم لهم أمر دينهم ، ويقال: أُسْقُفٌ بالتخفيف ايضاً.
٩٣
معك في كنيستك ، وأعبد الله معك ، وأتعلم منك الخير . قال : فكن معي .
قال : فكنت معه ، وكان رجل سَوْءٍ ؛ كان يأمرهم بالصَّدقة ويرغِّبهم فيها ، فإِذا
جمعوها إِليه اكْتَنَزَهَا ولم يعطها المساكين . فأَبغضته بغضاً شديداً لما رأيت من
حاله ، فلم يَنْشَب أن مات، فلما جاءُوا ليدفنوه قلت لهم : إِن هذا رجل سّوْءٍ ؛
كان يأمركم بالصدقة ويرغُّبكم فيها ، حتى إِذا جمعتموها إِليه آكْتَنَزَهَا ولم يعطها
المساكين . فقالوا : وما علامة ذلك؟ فقلت : أنا أُخرج لكم كنزه . فقالوا :
فهاته . فأخرجت لهم سبع قلالٍ مملوءَة ذهباً وَوَرِقاً. فلمّا رأوا ذلك قالوا: والله
لا يدفن أبداً. فصلبوه على خشبة ورموه بالحجارة، وجاءُوا برجل آخر
فجعلوه(٥٣) مكانه . فلا والله يا ابنَ عبَّاسٍ، ما رأَيْتُ رجلًا قطُّ لا يصلي الخمس
أرى أنَّه أَفْضَل منه أشدَّ اجتهاداً، ولا أَزْهَدَ في الدُنيا، ولا أدأب ليلا ولا نهاراً
منه . ما أعلمني أحببت شيئاً قط، قبلَه، حُبَّه . فلم أزل معه حتى حضرته
الوفاة . فقلت : يا فلان ، قد حضرك ما ترى من أمر الله، وإني والله ما أحببت
شيئاً ، قطُّ، حُبَّك، فماذا تأمرني ؟ إِلى من تُوصيني ؟ فقال: أي بني، والله ما
أَعلمه إِلا رجلا بالمُوْصل فائته ، فإِنك ستجده على مثل حالي . فلما مات
[ وغيِّب ](٥٤) لحقت بالموصل ، فأتيت صاحبها ، فوجدته على مثل حاله من
الإِجتهاد والزَّهادَة في الدنيا ، فقلت له : إِن فلاناً أوصاني إِليك أَن آتيك وأكون
معك . قال : فأقم أي بني . فأقمت عنده على مثل أمر صاحبه ، حتى حضرته
الوفاة . فقلت له : إِنَّ فلانا أوصاني إِليك وقد حَضَرَكَ من أمر الله ما ترى ، فإِلى
من توصيني (٥٥)، فقال: والله ما أعلمه، أَيْ بنيّ، إِلَّ رجلٌ بنْصِيبِيْن وهو على
مثل ما نحن عليه ، فَالْحَقْ به . فلما دفناه . لحقت بالآخر فقلت له : يا فلان ،
إن فلاناً أوصاني إِلى فلان ، وفلان أوصاني إِليك . قال: فأقم يا بني . فأَقمت
(٥٣) في (ح) و (ص) و(م): ((فجعلوا)).
(٥٤) الزيادة من ( ح).
(٥٥) ليست في ( م).
٩٤
عنده على مثل حالهم حتى حضرته الوفاة. فقلت له : يا فلان ، إِنَّه قد حضرك من
أمر الله ما ترى ، وقد كان فلانٌ أَوصاني إِلى فلاٍ، وأَوصاني فلانٌ إِلى فلان ،
وأوصاني فلان إِليك ، فإِلى من توصيني ؟ قال لي(٥٦): أي بنّيّ، والله ما أعلم
أحداً على مثل ما نحن عليه إِلا رجل بِعَمُّورِيَّة من أرض الرُّوم ، فَأَتِهِ ، فإِنك
ستجده على مثل ما كنا عليه . فلما وَارَيْتُهُ ، خرجت حتى قدمت على صاحب
عَمُورِيَّةً ، فوجدته على مثل حالهم ، فأقمت عنده ، واكتسبت حتى كانت لي
غُنَيْمَةٌ وبقراتٌ . ثم حضرته الوفاة . فقلت : يا فلان ، إِن فلاناً كان أوصاني
إِلى فلان ، وفلانٌ إِلى فلان ، وفلان إِليك ، وقد حضرك ما ترى من أمر الله ،
[ تعالى](٥٧)، فإِلى من توصيني؟ قال : أَي بني ، والله ما أَعلمه بقي أَحد
على مثل ما كنا عليه آمرك أن تأتيه . ولكنَّه قد أَظلَّك زمان نَبي يبعث من
الحرم ، مُهَاجَرُهُ بين حَرَّتَيْن ، إِلى أَرضٍ سِبِخَةٍ ذات نخيل ، وإِنَّ فيه علامات لا
تخفى : بين كتفيه خاتم النبوَّة، يأكل الهدية ، ولا يأكل الصدقة . فإن استطعت
أَن تَخْلُصَ إِلى تلك البلاد فافعل ، فإنه قد أَظلك زمانه . فلما واريناه ، أقمت
حتى مَرَّ رجالٌ من تجار العرب من كُلْبٍ ، فقلت لهم : تَحملوني معكم حتى
تقدموا(٥٨) بي أرض العرب ، وأعطيكم غنيمتي هذه وبقراتي ؟ قالوا : نعم .
فأعطيتهم إياها ، وحملوني حتى إذا جاءُّوا بي وادي القُرّى ظلموني فباعوني عَبْداً
من رجل من يهود ، بوادي القُرىَ. فوالله لقد رأيت النخل ، وطمعت أن تكون
البلد الذي نَعَتَ لي صاحبي وما حقّت عندي ، حتى قدم رجل من بني قُرَيْظَة ،
من يهود وادي القرى ، فابتاعني من صاحبي الذي كنت عنده ، فخرج بي حتى
قدم بي المدينة . فوالله ما هو إلا أن رأيتها فعرفت نعمته ، فأقمت في رِقٌّ مع
(٥٦) ليست في ( هـ) أو (م).
(٥٧) ليست في (م ) أو (ص).
(٥٨) في (ح): (( حتى تقدمون بي)).
٩٥
صاحبي . وبعث الله رسوله، #، بمكة لا يذكر لي شيئاً من أمره(٥٩) مع ما أنا
فيه من الرِّق حتى قدم رسول اللّه، { *، قُبَاء ، وأنا أعمل لصاحبي في نخلة
له. فوالله إِني لفيها إِذ جاءَ ابن عمَّ له ، فقال: يافلان (٦٠) قاتل الله بني قيْلَةً(٦١)،
واللّهِ إِنهم الآن لفي قُبَاءَ مجتمعون على رجل جاءً من مكة ، يزعمون أنه نبي ،
فوالله ما هو إِلَّ أَن سمعتها، فأخذتني ((العُرَوَاءُ))(٦٢) - يقول ((الرِّعدة)) - حتى
ظننت لأسقطن على صاحبي ، ونزلت أقول : ما هذا الخبر؟ ما هو؟ فرفع
مولاي يده ، فلكمني لكمة شديدة ، وقال : ما لك ولهذا؟ أقبل قِبْلَ(٦٣)
عملك . فقلت : لا شيءَ ، إِنما سمعت خبراً فأحببت أن أَعلمه. فلمّا أَمسيت ،
وكان عندي شيءٌ من طعام، فحلمته وذهبت به إِلى رسول الله، {# ، وهو
بِقُبَاءَ ، فقلت : إِنه قد بلغني أنك رجل صالح ، وأن معك أصحاباً لك غرباء ،
وقد كان عندي شيء للصدقة ، فرأيتكم أَحقَّ مَنْ بهذه البلاد [ به ](٦٤) فها هو ذا
فكل منه. فأمسك رسول الله، وب﴿، بيده، وقال: لأصحابه: كُلُوا، ولم
يأكل . فقلت في نفسي هذه خلَّة مما وصَفَ لي صاحبي .
ثم رجعت، وتحوَّل رسولُ الله، ﴿، إِلى المدينة فجمعت شيئاً كان
عندي ثم جئته به ، فقلت : إِن قد رأيتك لا تأكل الصدقة ، وهذه هدية وكرامة
ليست بالصدقة. فأكل رسول الله، وَس18، وأكل أصحابه . فقلت: هذه خلَّتان.
ثم جئت رسول الله، وَّلر، وهو يتبع جنازة وعلي شملتان(٦٥) لي، وهو في
(٥٩) في سيرة ابن هشام: ((لا اسمع له بذكر)).
(٦٠) في (م): ((فلان)) بدون ياء المخاطبة.
(٦١) (بنو قَيْلة) : هي أم الأوس والخزرج .
(٦٢) (العرواء) : الرعدة من البرد والانتفاض .
(٦٣) في (هـ): ((أقبل على عملك)).
(٦٤) الزيادة من ( هـ ).
(٦٥) (الشملة) الكساء الغليظ يشتمل به الانسان ، أي يلتحف به.
٩٦
٤
أصحابه ، فاستدرت به لأنظر إلى الخاتم في ظهره . فلما رآني رسول
اللّه، وَ ◌ٌّ، اسْتَدْبَرْتُه عَرَفَ أَني أَسْتَثْبِتُ شيئاً قد وُصِفَ لي، فوضع رداءه عن
ظهره ، فنظرت إِلى الخاتم بين كتفيه كما وصف لي صاحبي فأَكْبَيْتُ عليه أُقبله
وأبكي . فقال: تحوَّل يا سلمان هكذا . فتحولت فجلست بين يديه . وأحب أن
یُسْمِع أصحابه حديثي عنه . فحدّثته یا ابن عباس كما حدَّثتك . فلما فرغت قال
رسول اللّه، وَل *: كاتب يا سلمان. فكاتبت صاحبي على ثلاثمائة نخلة
أحييها، وأربعين أوقية. وأعانني أصحاب رسول اللّه، وَله، بالنخل: ثلاثين
وَدِيَّةً(٦٦) . وعشرين وَدِيَّة، وَعَشْرٍ، كل رجل منهم على قدر ما عنده . فقال لي
رسول اللّه، وَُّ: فَقَّرْ لها (٦٧) فإذا فرغت فآذنِّي حتى أكون أَنا الذي أضعها
بيدي . ففقرتها وأعانني أصحابي - يقول حَفَرْتُ لها حيث توضع - حتى فرغنا
منها. ثم جئت رسول الله، وَلّ، فقلت: يا رسول اللّه ، قد فرغنا منها فخرج
معي حتى جاءّها ، وكنا نحمل إِليه الوَديَّ ، ويضعه بيده ، ويُسَوِّي عليها .
فوالذي بعثه بالحق ما ماتت منها وَدِيَّة واحدةٌ . وبقيت عليَّ الدراهم . فأتاه رجل
من بعض المعادن بمثل البَيْضة من الذّهب، فقال رسول الله، وسل *: أين
الفارسي المسلم المُكْاتَب؟ فَدُعِيتُ له ، فقال : خذ هذه يا سلمان ، فأُدِّها مما
عليك . فقلت : يا رسول الله ، وأين تقع هذه مما علي ؟ قال : فإِن الله تعالى
سيؤدي بها عنك . فوالذي نفس سلمان بيده لوَزْنْتُ لهم منها أربعين أُوقِيَّة ،
فأَدِّيتها إِليهم وعتق سلمان . وكان الرِّقُّ قد حبسني حتى فاتني مع رسول
الله، وَلَّهِ، بَدْرٌ وَأُحُدٌ، ثم عتقت فشهدت الخَنْدَق، ثم لم يفتني معه
مَشْهَدٌ(٦٨) .
(٦٦) (الودية) : النخلة الصغيرة .
(٦٧) فقر لها : أي احضر.
(٦٨) خبر إسلام سلمان الفارسي في طبقات ابن سعد، وأخرجه الإمام أحمد في ((مسنده» (٥ : ٤٣٨ - =
٩٧
( م ٤ - دلائل النبوة جـ ٢ )
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ ، قال: حدَّثنا أبو العباس : محمد بن
يعقوب ، قال : حدثنا العباس بن محمد الدُّوري ، قال : حدثنا ابن
الأصبهاني ، قال : حدثنا شريك ، عن عبيد المكتب ، عن أبي الطَّفَيْل، عن
سلمان ، قال :
أتيت النبي، وَلَه، بصدقة فردّها، وأتيته بهدية فقبلها(٦٩).
وبهذا الإِسناد ، عن سلمان ، قال :
أعطاني النبي، وَّر، مثل هذه من ذهب - وحلَّق شريك بإصبعه السُّابة
على الإِبهام مثل الدرهم . قال : فلو وضع أحد في كِفَّةٍ ووضعت في أُخرى
لَرجحت به في فكاك رقبته .
*وأخبرنا أبو عبد الله الحافظ، قال: حدّثنا أبو العباس - هو الأصم -
قال : حدثنا أحمد بن عبد الجبّار، قال : حدثنا يونس ، عن ابن إسحاق ،
قال : حدثني يزيد بن أبي حبيب ، عن رجل من عبد القيس ، عن سلمان ،
قال :
لمّا أعطاني رسول اللّه، وسير، ذلك الذهب فقال: اقض به عنك .
فقلت: يا رسول اللّه، وأين تقع هذه مما عليَّ؟ فقلَّبها رسول اللّه، وَّه، على
لسانه ثم قذفها إِليَّ ثم قال: انطلقْ بها، فإن الله تعالى (٧٠) سيؤدي بها عنك.
حسـ
=٤٤١). وفي سيرة ابن هشام (١: ٢٣٣ - ٢٤٢). ودلائل النبوة لأبي نعيم (٢١٣)، وتاريخ الإسلام
للذهبي (٢: ٥١)، والبداية والنهاية (٢: ٣١٠ - ٣١٦)، والاكتفا (١: ٢٣٦)، وتهذيب تاريخ
دمشق الكبير (٦ : ١٩٢ - ١٩٥)، والخصائص الكبرى للسيوطي (١: ٤٥)، وسبل الهدى والرشاد
(١ : ١٢٢ - ١٣٠)، وقال: ((رواه الإمام أحمد وابن سعد، والبزار، والطبراني، وأبو نعيم،
وغيرهم، من طرق أُدخلت بعضها في بعض )).
(٦٩) مسند الإمام أحمد (٥ : ٤٣٧، ٤٣٨).
(٧٠) ليست في ( م).
٩٨
فانطلقت فوزنت لهم منها حتى أُوْفَيْتُهُمْ منها أربعين أُوقِيَّة(٧١).
* وأخبرنا أبو عبد الله، قال: حدثنا أبو العباس ، قال : حدثنا أحمد ،
قال : حدثنا يونس ، عن محمد بن إسحاق ، قال : حدثني عاصم بن عمر بن
قتادة ، قال : حدثني من سمع عمر بن عبد العزيز، وحَدَّثَ هذا من حديث
سلمان ، فقال : حُدِّثْتُ عن سلمان :
أَنَّ صاحب عَمُّورِيَّة قال لسلمان حين حضرته الوفاة: انت غَيْضَتَيْن(٧٢) من
أرض الشام ؛ فإِنَّ رجلاً يخرج من إِحداهما إلى الأخرى في كل سنة ليلةٌ ،
يعترضه ذَوُو الأسقام ، فلا يدعو لُأحد من مرض إِلا شفي ، فسلْهُ عن هذا الدين
الذي تسألني عنه : عن الحُنْيفيَّة دين إِبْراهيم ؟ فخرجت حتى أقمت بها سنة ،
حتى خرج تلك الليلة من إِحدى الغَيْضَتَيْن إِلى الأخرى . وإِنما كان يخرج
مُسْتَجِيزاً (٧٣) أَو مستخفياً . فخرج وغلبني عليه الناس حتى دخل في الغيضة التي
يدخل فيها حتى ما بقي إِلا منكبه ، فأخذت به فقلت : رحمك الله ، الحنيفية
دينُ إِبراهيم ؟ فقال : إِنك لتسأل عن شيءٍ ما يسأل عنه النّاس اليوم ، قد أَظلَّك
نبيٌّ يخرج عند هذا البيت بهذا الحرم ، يُبْعَثُ بذلك الدين .
فلمّا ذكر ذلك سلمان لرسول الله، بل﴿، فقال: لئن كنت صدّقْتَني يا
سلمان لقد رأيت عيسى بن مريم، وَار (٧٤).
* أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، قال: أخبرني أبو أحمد الحافظ ، قال :
(٧١) سيرة ابن هشام (١ : ٢٤١).
(٧٢) (الغيضة) : الشجر الملتف .
(٧٣) في (ح): (( مستخبراً)).
(٧٤) الخبر في سيرة ابن هشام (١ : ٢٤١)، وتهذيب تاريخ دمشق الكبير لابن عساكر (٦ : ١٩٥)، والبداية
والنهاية (٢ : ٣١٤).
٩٩
أخبرنا أبو بكر : أحمد بن محمد الجَوَارِبِيّ، بِوَاسِط، قال : حدثنا إسحاق بن
إبراهيم الشَّهيدي ، قال : حدثنا معتمر بن سليمان ، عن أبيه ، عن أبي عثمان ،
عن سلمان الفارسي :
أنه تداوله بضعة عشر ، من ربٌّ إِلى ربّ(٧٥) .
رواه البخاري ، عن الحسن بن عمر بن شقيق ، عن مُعْتَمر بن سليمان .
(٧٥) أخرجه البخاري في كتاب مناقب الأنصار، (٥٣) باب اسلام سلمان الفارسي ، فتح الباري (٧ :
٢٧٧) .
١٠٠