Indexed OCR Text
Pages 41-60
٤١٠ المقدمة . اللّه ◌َّ، فقلت: يا رسول الله، قد فرغنا منها فخرج معي حتى جاءها، وكنا نحمل اليه الودي ، ويضعه بيده ويسوي عليها ، فوالذي بعثه بالحق ، ما ماتت منها ودية واحدة ، فأديت النخل وبقيت على الدراهم ، فأتاه رجل من بعض المعادن بمثل البيضة من الذهب، فقال رسول الله ويّله: أين الفارسي المسلم المكاتب ، فدُعيت له فقال : هذه يا سلمان ، فأدها مما عليك . فقلت : يا رسول الله ، وأين تقع هذه مما عليَّ ؟ قال فإِن اللّه تعالى سيؤدي بها عنك، فوالذي نفس سلمان بيده ، لوَزَنتُ لهم منها أربعين أوقية فأديتها اليهم ، وكان الرق قد حبسني ، حتى فاتني مع رسول اللّه وَهُ ((بَدْرٌ) و((أُحُدٌ)) ثم عُتِقْتُ فشهِدْتُ ، الخندق ثم لم يفتني معه مشهد )) . وقال النضر بن الحرث لقريش : قد كان محمد فيكم غلاماً حدثاً ، أرضاكم فيكم ، وأصدقكم حديثاً ، وأعظمكم أمانة ، حتى إذا رأيتم في صُدْغيه الشيب ، وجاءكم بما جاءكم به ، قلتم : ساحر . لا والله ما هو بساحر . أخرج الواحدي ، عن مقاتل ، قال : كان الحارث بن عامر بن نوفل بن عبد مناف، يكذب النبي (ص18 في العلانية ، فإِذا خلا مع أهل بيته ، قال: ما محمد وَّر من أهل الكذب ، ولا أحسبه إلا صادقاً، فأنزل الله تعالى: ﴿قد نعلمُ إِنَّهُ لَيَحِزُنْكَ الذي يقولونَ فإِنهم لا يُگذُّبونك﴾ . عن أنس بن مالك، قال : ((بينما نحن جلوس مع النبي ◌َّ في المسجد ، دخل رجل على جمل ، فأناخه في المسجد ، ثم عقله ، ثم قال لهم: أيكم محمد؟. والنبي ◌َّ متكىء بين ظَهْرانيهم ، فقلنا : هذا الرجل الأبيض المتكى .. فقال له الرجل : ابن عبد المطلب؟. فقال النبي ◌ّله: قد أجبتك. فقال الرجل للنبي رَّ: إني سائلك، فمشدد عليك في المسألة، فلا تجد علي في نفسك . ٤٢ . المقدمة فقال سل عما بدا لك .. فقال : أسألك بربك ورب من قبلك ، آلله أرسلك إلى الناس كلهم ؟ .. فقال : اللهم نعم .. قال : أنشُدُك بالله ، آلله أمرك أن تصلي الصلوات الخمس في اليوم والليلة ؟ .. قال : اللهم نعم . قال : أنشدك بالله ، آلله أمرك أن تصوم هذا الشهر من السنة ؟ قال : اللهم نعم . قال : أنشدك بالله ، آلله أمرك أن تأخذ هذه الصدقة من أغنيائنا فتقسمها على فقرائنا؟ .. فقال النبي ◌َّر اللهم نعم . فقال الرجل : آمنتُ بما جئتَ به وأنا رسولٌ ، من ورائي قومي ، وأنا ضِمامُ بن ثعلبة: أخو بني سعد بن بكر)) . من هذه المقتطفات التي توسعنا في نقلها عن إسلام بعض الصحابة الكبار ، وكانت علامات الرسالة المحمدية الصادقة واضطلاع النبي وير بأمانتها في أوانها ، وقد تجمعت عندهم هذه العلامات، أضف إليها حياة محمد ◌َّل# وما بلغته من سمو وكمال ، دفعت الصحابة الأوائل إلى الاسلام .. لقد كانت طوالع النبوة ، وشواهد ظهور النبي - عليه السلام - مكتوبة قبل أوان ظهوره . نقل الأستاذ عباس محمود العقاد ما كتبه المؤرخ الهندي (« مولانا عبد الحق فديارتي)) في كتابه ((محمد في الأسفار الدينية العالمية)) كما ينقل عن الجماعة الاحمدية الهندية ، ثم عن كتاب (( فتح الملك العلام في بشائر دين الإِسلام لمؤلفيه الأستاذين : أحمد ترجمان ومحمد حبيب ، فيقول في مطلع النور : يقول الأستاذ عبد الحق ان اسم الرسول العربي ((أحمد)) مكتوب بلفظه العربي في السامافيدا Sama Vida من كتب البراهمة ، وقد ورد في الفقرة السادسة والفقرة الثامنة من الجزء الثاني ونصها ان ((أحمد)) تلقى الشريعة من ٤٣٠ المقدمة. ربه وهي مملوءة بالحكمة وقد قبست منه النور كما يقبس من الشمس )) . ولا يخفى المؤرخ وجوه الاعتراض التي قد تأتي من جانب المفسرين البرهميين ، بل ينقل عن أحدهم ((سينا اشارياً)) Syna Acharya أنه وقف عند كلمة ((أحمد)) فالتمس لها معنى هنديا وركب منها ثلاثة مقاطع وهي ((اهم)) و((آت)) و((هي)) .. وحاول أن يجعلها تفيد ((انني وحدي تلقيت الحكمة من أبي)). قال الأستاذ عبد الحق ما فحواه أن العبارة منسوبة إلى البرهمي (( فاتزا كانفا)» Kanva من أسرة كانفا، ولا يصدق عليه القول بأنه هو وحده تلقى الحكمة من أبيه . ويزيد الأستاذ عبد الحق على ذلك أن وصف الكعبة المعظمة ثابت في كتاب الأثارفا فيدا Atharva Vida حيث يسميها الكتاب بيت الملائكة ويذكر من اوصافه أنه ذو جوانب ثمانية وذو أبواب تسعة . والمؤلف يفسر الأبواب التسعة بالأبواب المؤدية إلى الكعبة وهي باب ابراهيم وباب الوداع وباب الصفا وباب علي وباب عباس وباب النبي وباب السلام وباب الزيارة وباب حرم ، ويسرد أسماء الجوانب الثمانية حيث ملتقى الجبال ، وهي في قوله : جبل خليج وجبل قعّيقعان وجبل هندي وجبل لعلع وجبل کدا ، وجبل أبي حديد وجبل أبي قبيس وجبل عمر . ويضرب المؤلف صفحاً عن تفسير البرهميين لمعنى البيت هنا بأنه جسم الانسان ومنافذه ، ولا يذكره لأنه - على مايظهر - يخالف وصف القداسة الروحية في البرهمية ، ولا يأتي بتفسير الجوانب الثمانية عند تفسيره للأبواب بذلك المعنى . وفي مواضع كثيرة من الكتب البرهمية يرى المؤلف ان النبي محمداً مذكور بوصفه الذي يعني الحمد الكثير والسمعة البعيدة ، ومن أسمائه الوصفية اسم سشرافا Sushrava الذي ورد في كتاب الأثارفا فيدا Atharva Vida حيث يشار ٤٤ . المقدمة الى حرب أهل مكة وهزيمة (( العشرين والستين ألفاً مع تسعة وتسعين)) وهم على تقدير المؤلف عدة أهل مكة وزعماء القبائل الكبار ووكلائهم الصغار كما كانوا يوم قاتلوا النبي صلوات الله عليه . وللمؤلف صبر طويل على توفيق هذه العلامات وأشباهها يستخرج منها الطالع بعد الطالع والنبوءة الى جانب النبوءة مما يغنى المثل عليه عن استقصاء جميع موافقاته وعلاماته . وكذلك صنع بكتب زرادشت التي اشتهرت باسم الكتب المجوسية فاستخرج من كتاب زندافستا Zend Avesta نبوءة عن رسول يوصف بأنه رحمة للعالمين ((سوشيانت)) Soeshyant ويتصدى له عدو يسمى بالفارسية القديمة أبا لهب Angra Mainyu، ويدعو الى اله واحد لم يكن له كفؤاً أحد ( هيج جيز باونمار) وليس له أول ولا آخر ولا ضریع ولا قریع ولا صاحب ولا أب ولا أم ولا صاحبة ولا ولد ولا ابن ولا مسكن ولا جسد ولا شكل ولا لون ولا رائحة . « جز آخاز وانجاز وانباز ودشمن ومانند ویار وبدر ومادر وزن وفرزند وحاي سوي وتن آسا وتناني ورنك وبوي است)) . وهذه هي جملة الصفات التي يوصف بها الله سبحانه في الاسلام: أحد صمد ، ليس كمثله شيء ، لم يلد ولم يولد ، ولم يكن له كفؤاً أحد ، ولم يتخذ صاحبة ولا ولداً ويشفع ذلك بمقتبسات كثيرة من كتب الزردشتية ، تنبىء عن دعوة الحي التي يجيء بها النبي الموعود وفيها اشارة الى البادية العربية ، ويترجم نبذة منها الى اللغة الانجليزية معناها بغير تصرف (( أن أمة زردشت حين ينبذون دينهم يتضعضعون وينهض رجل في بلاد العرب يهزم أتباعه فارس ، ويخضع الفرس المتكبرين ، وبعد عبادة النار في هياكلهم يولون وجوههم نحو كعبة ابراهيم التي تطهرت من الأصنام ، ويومئذ يصبحون وهم أتباع للنبي رحمة للعالمين وسادة ٤٥٠ المقدمة . لفارس ومديان وطوس وبلخ ، وهي الأماكن المقدسة للزردشتيين ومن جاورهم وان نبيهم ليكونن فصيحاً يتحدث بالمعجزات)) . وقد أشار المؤلف بعد الديانات الآسيوية الكبرى الى فقرات من كتب العهد القديم والعهد الجديد فقال : ان النبي عليه السلام هو المقصود بما جاء في الاصحاح الثالث والثلاثين من سفر التثنية: (( جاء الرب من سيناء وأشرق لهم من سعير وتلألأ من جبل فاران وأتى من ربوات القدس ومن يمينه نار شريعة لهم)) . وجاء بالنص العبري كما يلي : « ويومر يهووه مسينائي به وزارع مسعير لامو هو فيع مهر باران واتا مر ببوث قودش ميميفو ايش داث لامو)) . فترجمه هكذا : (( وقال ان الرب جاء من سيناء ونهض من سعير لهم وسطع من جبل فاران وجاء مع عشرة آلاف قديس ، وخرج من يمينه نار شريعة لهم )» . وقال ان الشواهد القديمة جميعاً تنبىء عن وجود فاران في مكة ، وقد قال المؤرخ جيروم واللاهوتي يوسبيوس Eusebius ((ان فاران بلد عند بلاد العرب على مسيرة ثلاثة أيام الى الشرق من ايلة )). ونقل عن ترجمة التوراة السامرية التي صدرت في سنة ١٨٥١ ، ان اسماعيل (( سكن برية فاران بالحجاز، وأخذت له أمه امرأة من أرض مصر)) ، ثم قال ان سفر العدد من العهد القديم يفرق بين سيناء وفاران إذ جاء فيه ان بني إسرائيل ارتحلوا (( من برية سيناء ، فحلت السحابة في برية فاران)) ... ولم يسكن أبناء إسماعيل قط في غرب سيناء فيقال ان جبل فاران واقع الى غربها . وفي الاصحاح الثالث من كتاب حبقوق ان (( اللّه جاء من تيمان والقدوس من ٤٦ . المقدمة جبل فاران)) فهو اذن الى الجنوب حيث تقع تيمان بموضعها الذي تقع فيه اليمن مرادفتها بالعربية . ولم يحدث قط أن نبياً سار بقيادته عشرة آلاف قديس غير النبي محمد عليه السلام ، وقوديش تترجم بقديس في رأي المؤلف الذي يناقش ترجمتها بالملائكة في الترجمات الأخيرة . كذلك لم يحدث قط أن نبياً غيره جاء بشريعة بعد موسى الكليم، فقول موسى الكليم (( ان نبياً مثلي سيقيم لكم الرب إلَهكم من اخوتكم أبناء إبراهيم)) يصدق على النبي العربي صاحب الشريعة ولا يصدق على نبي من أبناء إبراهيم تقدمه في الزمن، ويرجح المؤلف أن المدينة التي تعلم فيها موسى عليه السلام في صحبة يثرون - أي شعيب - لم تكن هي مديان الأولى التي تخربت بالزلزال كما جاء في القرآن الكريم ، ولكنها كانت (( مدينة )) الحجاز التي سميت يثرب على اسم يثرون ، ومما يعزز ذلك ان بطليموس الجغرافي يقول بوجود موضعين باسم مديان وان كان قد أخطأ على رأي المؤلف في تعيين الموضعين . وقد جاء في سفر التكوين ان مديان بن إبراهيم الذي سميت مديان الأولى باسمه كان له أخ اسمه عفار ، وهو الذي يقول نوبل Knoble شارح التوراة ان ذريته كانت تنزل في عهد البعثة الاسلامية الى جوار يثرب، ولعل موسى تلقى اسمه في ذلك الجوار . إذ كانت تسميته العربية أرجح من تسميته المصرية او العبرية ، فإِن ابنة فرعون لا تسميه بالعبرية ولا يسميه بها من يريد خلاصه من مصير المولودين العبريين ، وصحيح أن كلمة ميسو Messu بالمصرية معناها الطفل كما يقول بعض الشراح المحدثين ، ولكن اليهود لا يرتضون لنبيهم ومخرجهم من أرضٍ مصر اسماً مستعاراً من المصريين . * ومن الجماعات التي عنيت عناية خاصة بهذه النبوءات جماعة الاحمدية الهندية التي ترجمت القرآن الكريم الى اللغة الانجليزية فإنها أفردت للنبوءات والطوالع عن ظهور محمد عليه السلام بحثاً مسهباً في مقدمة الترجمة ، شرحت فيه بعض ما تقدم شرحاً مستفيضاً ، وزادت عليه ان نبوءة موسى الكليم تشتمى المقدمة ٤٧٠ على ثلاثة أجزاء : وهي التجلي من سيناء وقد حصل في زمانه والتجلي من سعير أو جبل أشعر وقد تجلى في زمن السيد المسيح ، لأن هذا الجبل - على قول الجماعة الاحمدية - واقع حيث يقيم أبناء يعقوب الذين اشتهروا بعد ذلك بأبناء اشعر، واما التجلي الثالث فمن أرض فاران وهي أرض التلال التي بين المدينة ومكة ، وقد جاء في كتاب فصل الخطاب ان الأطفال يحيون الحجاج في تلك الأرض بالرياحين من (( برية فاران)) .. وقد أصبح أبناء اسماعيل أمة كبيرة كما جاء في وعد إبراهيم فلا يسعهم شريط من الأرض على تخوم كنعان، ولا وجه الانكار مقامهم حيث أقام العرب المنتسبون إلى اسماعيل ولا باعث لهم على انتحال هذا النسب والرجوع به الى جارية مطرودة من بيت سيدها . وقد جاء في التوراة اسماء ذرية إسماعيل الذين عاشوا في بلاد العرب ، وأولهم نبايوت أو نبات أبو قبائل قريش ، الذي يقرر الشارح كاتربكاري Katripikari أنه أقام بذريته بين فلسطين وينبع ميناء يثرب ، ويقرر بطليموس وبليني ان أبناء قدور - وهو قيدار الابن الثاني لاسماعيل - قد سكنوا الحجاز، ويضيف المؤرخ اليهودي يوسفيوس اليهم أبناء ادبيل الابن الثالث في ترتيب العهد القديم ، ولا حاجة الى البحث الطويل عن مقام ابناء دومة وتيماء وقدامة وأكثر اخوتهم الباقين فإِن الأماكن التي تنسب اليهم لا تزال معروفة بأسمائها الى الآن ، ومن نبوءة اشعيا التي سبقت مولد السيد المسيح بسبعمائة سنة يظهر جلياً أن أبناء إسماعيل كانوا يقيمون بالحجاز ، ففي هذه النبوءة يقول النبي اشعيا من الاصحاح الحادي والعشرين : ((وحي من جهة بلاد العرب تبيتين يا قوافل الددانيين . هاتوا ماء لملاقاة العطشان يا سكان أرض تيماء .. وافوا الهارب بخبزه فإنهم من أمام السيوف قد هربوا . من أمام السيف المسلول ، ومن أمام القوس المشدودة ، ومن أمام شدة الحرب . فإِنه هكذا قال لي السيد في مدة سنة كسنة الاجير يفنى كل مجد قيدار)) . ويعود المترجمون من الجماعة الأحمدية فيفسرون هزيمة قيدار بهزيمة ٠ ٤٨ المقدمة المكيين في وقعة بدر ، وهي الهزيمة التي حلت بهم بعد هجرة النبي الى المدينة بنحو سنة كسنة الأجير . ويقرنون هذه النبوءة بنبوءة أخرى من الاصحاح الخامس في سفر اشعيا يقول فيها: ((ويرفع راية الأمم من بعيد ويصفر لهم من أقصى الأرض فإذا هم بالعجلة يأتون .. ليس فيهم رازح ولا عاثر ، لا ينعسون ولا ينامون ولا تنحل حزم احقائهم ولا تنقطع سيور أحذيتهم ، سهامهم مسنونة وجميع قسيهم ممدودة . حوافر خيلهم كأنها الصوان وبكراتهم كالزوبعة .. )) . وهذه نبوءة عن رسول يأتي من غير أرض فلسطين لم تصدق على احد غير رسول الاسلام . وتلحق بهذه النبوءة نبوءة أخرى من الاصحاح الثامن في سفر اشعيا جاء فيها ان الرب أنذره أن لا يسلك في طريق هذا الشعب قائلاً: (( لا تقولوا فتنة لكل ما يقول له هذا الشعب فتنة ولا تخافوا خوفه ولا ترهبوا . قدسوا رب الجنود فهو خوفكم وهو رهبتكم ، ويكون مقدساً وحجر صدمة وصخرة عثرة لبيتي اسرائيل وفخاً وشركاً لسكان اورشليم فيعثر بها كثيرون ويسقطون فينكسرون ويعلقون فيلقطون .. صُرَّ الشهادة. اختم الشريعة بتلاميذي. فاصطبر للرب الساتر وجهه عن بيت يعقوب وانتظره )). فهذه النبوءة عن الرسول الذي يختم الشريعة تصدق على نبي الاسلام ولا تصدق على رسول جاء قبله ولا بعده . وتلحق بهذه النبوءة أيضاً نبوءة من الاصحاح التاسع عشر في سفر اشعيا يذكر فيها ايمان مصر بالرسول المنتظر (« وفي ذلك اليوم يكون مذبح للرب في وسط ارض مصر وعمود للرب عند تخمها ، فيكون علامة وشهادة لرب الجنود ٤٩٠ المقدمة . في أرض مصر لأنهم يصرخون الى الرب بسبب المضايقين ، فيرسل لهم مخلصاً ومحامياً وينقذهم فيعرف الرب في مصر ، ويعرف المصريون الرب في ذلك اليوم ويقدمون ذبيحة وتقدمة وينذرون للرب نذراً ويوفون به ، ويضرب الرب مصر ضارباً فشافيا ، فيرجعون الى الرب فيستجيب لهم ويشفيهم . وفي ذلك اليوم تكون سكة من مصر الى اشور فيجيء الاشوريون الى مصر والمصريون الى اشور ويعبد المصريون مع الأشوريين . في ذلك اليوم يكون اسرائيل ثلثا لمصر ولأشور بركة في الأرض . بها يبارك رب الجنود قائلاً: مبارك شعبي مصر وعمل يدي اشور وميراثي اسرائيل)). فالذي حدث من قدوم أهل العراق الى مصر وذهاب أهل مصر الى العراق انما حدث في ظل الدعوة الاسلامية ، ولم تتوحد العبادة بينهم قبل تلك الدعوة ، وإِن النبوءة ستتم غداً على غير ما يهواه بنو إسرائيل ، اذ تكون البركة لمصر واشور ولا تكون اسرائيل الا لاحقة بكلتا الامتين . ثم ينتقلون بالنبوءات الى سفر دانيال حيث جاء في الاصحاح الثاني ((انت أيها الملك كنت تنظر واذا بتمثال عظيم . هذا التمثال العظيم البهي جداً وقف قبالتك ومنظره هائل . رأس هذا التمثال من ذهب جيد ، وصدره وذراعاه من فضة ، وبطنه وفخذاه من نحاس ، وساقاه من حديد ، وقدماه بعضها من حديد والبعض من خزف ، كنت تنظر إلى أن قطع حجر بغير يدين فضرب التمثال على قدميه اللتين من حديد وخزف فسحقهما . فانسحق حينئذ الحديد والخزف والنحاس والفضة والذهب معاً، وصارت كعصافة البيدر في الصيف، فحملتها الريح ، فلم يوجد لها مكان . أما الحجر الذي ضرب التمثال فصار جبلاً كبيراً، وملأ الأرض كلها)) .. ٠ ٠٥٠ · المقدمة ويلي ذلك تفسير النبي دانيال لهذا الحلم إذ يقول: (( أنت أيها الملك ملك ملوك لأن إله السماوات أعطاك مملكة واقتداراً وسلطاناً وفخراً، وحيثما يسكن بنو البشر ووحوش البر وطيور السماء دفعها ليدك وسلطك عليها جميعها ، فأنت هذا الرأس من ذهب ، وبعدك تقوم مملكة أخرى أصغر منك ومملكة ثالثة أخرى من نحاس فتتسلط على كل الأرض وتكون مملكة رابعة صلبة كالحديد، لأن الحديد يدق ويسحق كل شيء ، وكالحديد الذي يكسر تسحق وتكسر كل هؤلاء وبما رأيت القدمين والأصابع بعضها من خزف والبعض من حديد فالمملكة تكون منقسمة وتكون فيها قوة كالحديد من حيث انك رأيت الحديد مختلطاً بخزف الطين وأصابع القدمين بعضها من حديد وبعضها من خزف فبعض المملكة يكون قوياً والبعض قصماً، وبما رأيت الحديد مختلطاً بخزف الطين فإنهم يختلطون بنسل الناس ولكن لا يتلاصق هذا بذاك كما أن الحديد لا يختلط بالخزف ، وفي أيام هؤلاء الملوك يقيم إله السموات مملكة لن تنقرض أبداً وملكها لا يترك لشعب آخر وتسحق وتفنى كل هذه الممالك وهي تثبت الى الأبد ، لأنك رأيت أنه قد قطع حجر من جبل لا بيدين ، فسحق الحديد والنحاس والخزف والفضة والذهب .. الله العظيم قد عرف الملك ما سيأتي بعد هذا . الحلم حق وتعبيره يقين)). وتعود الجماعة الأحمدية الى التاريخ لتستمد منه التعليق على تعبير النبي دانيال لتلك الرؤيا ، فن كلام النبي دانيال يفهم أن الرأس الذهبي هو ملك بابل ، وان الصدر والذراعين من الفضة تعبر عن مملكة فارس وميدية التي ارتفعت بعد دولة بابل ، وان الرجلين من النحاس تعبران عن الدولة الاغريقية في ظل الاسكندر ، لقيامها بعد زوال حكم الفارسيين والميديين ، وان القدمين من الحديد تعبران عن الدولة الرومانية التي ارتفعت بعد ذهاب ملك الاسكندر ، وتقول الرؤيا عن هذه الدولة الاخيرة ان قدما من قدميها خزف والأخرى حديد ، وهو وصف يشير الى جزء من الدولة في القارة الأوروبية وجزء منها في القارة المقدمة ٥١٠٠٠ الاسيوية ، فالقدم الحديد هي سيطرة الأمة الواحدة والعقيدة الواحدة وهذه السيطرة تستولي على أقطار شاسعة وموارد غزيرة ولكنها تنطوي على الضعف الكامن من جراء التفكك بين أوصال الشعوب ، والرؤيا صريحة في وشك انحلال الدولة الرومانية في السنوات الأخيرة لهذا السبب ، وتستطرد من ثم إلى أمور أهم وأخطر اذ تقول: ((انك كنت تنظر الى ان قطع حجر بغير يدين فضرب التمثال على قدميه اللتين من حديد وخزف فسحقهما . فالمسحق حينئذ الحديد والخزف والنحاس والفضة والذهب معاً وصارت كعصافة البيدر في الصيف فحملتها الريح فلم يوجد لها مكان . أما الحجر الذي ضرب التمثال فصار جبلاً كبيراً وملأ الأرض كلها .. )) . تقول الجماعة : ((فهذه نبوءة بظهور الإِسلام . فقد اصطدم الاسلام في صدر الدعوة بدولة الرومان ثم بدولة فارس ، وكانت دولة الرومان يومئذ قد بسطت سلطانها على ملك الاغريق الاسكندري فبلغت من المنعة غايتها ، وكانت دولة فارس قد بسطت سلطانها على بابل ، ثم ضربتهما قوة الاسلام فانسحق حينئذ الحديد والخزف والنحاس والفضة معاً وصارت كعصافة البيدر في الصيف ، وهكذا ينبىء ترتيب الحوادث وتعبيرها في رؤيا دانيال انباء لا ريب في معناه .. إذ كنا نعلم أن بابل خلفتها فارس وميدية وان سطوة فارس وميدية كسرتها سطوة الاسكندر ، وان ملك الاسكندر خلفته الدولة الرومانية التي أقامت من عاصمتها القسطنطينية أركان مملكة أوروبية أسيوية ، ثم انهزمت هذه المملكة وأدال منها الفتح الاسلامي وغزوات النبي والصحابة )). وهذا الحجر الذي جاء في رؤيا دانيال يذكره اشعيا والحواري متى ، ففي الاصحاح الثامن من سفر اشعيا انه (( يكون مقدساً وحجر صدمة وصخرة عثرة لكل من بيتي اسرائيل ، وفخا وشركاً لسكان اورشليم ، ويعثر بهما كثيرون ٥٢ المقدمة ويسقطون ويعلقون فيلقطون )) . وفي الاصحاح الحادي والعشرين من انجيل متى يقول: ((لذلك أقول لكم أن ملكوت الله ينزع منكم ويعطي لأمة تعمل أثماره ، ومن سقط على هذا الحجر يترضض ومن سقط هو عليه يسحقه)). كذلك يذكره المزمور الثامن عشر بعد المائة إذ يقول: ((ان الحجر الذي رفضه البناءون قد أصبح عقد البناء وركن الزاوية )) . * ويتبين من كلام السيد المسيح في الاصحاح الحادي والعشرين من انجيل متى المتقدم ذكره ان هذه النبوءة تنبىء عن زمن غير زمن السيد المسيح ، إذ يقول عليه السلام: (( أما قرأتم قط في الكتب ان الحجر الذي يرفضه البناءون قد صاررأس الزاوية . فمن قبل الرب كان هذا وهو عجيب في أعيننا )). ثم تفضي النبوءة - نبوءة النبي دانيال - الى عقباها، فيصبح الحجر جبلاً عظيماً ويملأ الأرض كلها . فإن هذا هو الذي حدث بعد انتشار الدعوة المحمدية . فإِن الرسول الكريم وصحابته هزموا قيصر وكسرى وأصبح المسلمون . سادة للعالم المعمور كله في ذلك العصر ، وصار الحجر جبلاً عظيماً فظل زمام العالم في أيدي اتباع محمد ألف سنة . ثم تتم نبوءات العهد القديم بنبوءات العهد الجديد، ويستشهد جماعة الأحمدية بالاصحاح الحادي والعشرين من انجيل متى حيث يقول السيد المسيح: ((اسمعوا مثلاً آخر. كان انسان رب بيت غرس كرماً وأحاطه بسياج وحفر فيه معصرة وبنى برجاً وسلمه إلى كرامين وسافر ولما قرب وقت الاثمار أرسل عبيده الى الكرامين ليأخذ أثماره . فأخذ الكرامون عبيده وجلدوا بعضاً وقتلوا بعضاً ورجموا بعضاً ، ثم أرسل إليهم ابنه أخيراً قائلاً انهم يهابون ابني . المقدمة . ٠ ٥٣ فأما الكرامون فلما رأوا الابن قالوا فيما بينهم هذا هو الوارث هلموا نقتله ونأخذ ميراثه ، فأخذوه وأخرجوه خارج الكرم وقتلوه ، فمتى جاء صاحب الكرم فماذا يفعل بأولئك الكرامين ؟ .. قالوا له انه يهلك أولئك الأردياء هلاكاً رديئاً ويسلم الكرم الى كرامين آخرين يعطونه الأثمار في أوقاتها .. قال لهم يسوع: أما قرأتم قط في الكتب ان الحجر الذي رفضه البناءون قد صار رأس الزاوية ؟ .. من قبل الرب كان هذا وهو عجيب في أعيننا .. لذلك أقول لكم أن ملكوت الله ينزع منكم ويعطي لأمة تعمل أثماره ، ومن سقط على هذا الحجر يترضض ومن سقط هو عليه يسحقه . ولما سمع الكهنة والفريسيون أمثاله عرفوا أنه تكلم عليهم، وإِذ كانوا يريدون أن يمسكوه خافوا من الجموع لأنه كان عندهم مثل نبي )» . هذا المثل يبحثه كتاب المقدمة لترجمة القرآن فيقولون ان السيد المسيح قد لخص به تاريخ الأنبياء والرسل أجمعين . فالكرم هو الدنيا والكرامون العاملون فيه هم الجنس البشري الكادح في دنياه ، والثمرات التي يريد صاحب الكرم أن يحصلها هي ثمرات الفضيلة والخير والتقوى ، والخدم الموفدون من صاحب الكرم الى الكرامين هم الرسل والأنبياء، ولما جاءهم السيد المسيح بعد اعراضهم عن الرسل والأنبياء فغدروا به وأنكروه عوقبوا بتسليم الكرم الى كرامين آخرين ونزع ملكوت الله منهم لتعطاه الأمة الأخرى الموعودة بالبركة مع أمة إسحاق ، وهي أمة إسماعيل ونبيها العظيم محمد عليه السلام، وهو الذي يصدق عليه وعلى قومه أنهم كانوا الحجر المرفوض فأصبح هذا الحجر زاوية البناء من سقط عليه رضه ومن أصيب به فهو كذلك مرضوض . وتتلو هذه النبوءة في انجيل متى نبوءة متممة من الانجيل نفسه حيث جاء في الاصحاح الثالث والعشرين منه خطاباً لبني إسرائيل ((هو ذا بيتكم يترك لكم ٥٤ . المقدمة خراباً ، لأني أقول لكم أنكم لا ترونني من الآن حتى تقولوا مبارك الآتي باسم الرب )) . وفي الاصحاح الأول من انجيل يوحنا نبأ يحيى المغتسل أو يوحنا المعمدان مع الكهنة واللاويين (( إذ سألوه : من أنت ؟ فاعترف ولم ينكر . وقال اني لست أنا المسيح . فسألوه : اذن ماذا؟ .. أأنت ايليا؟ .. فقال لا .. قالوا : أأنت النبي؟ .. فأجاب : لا .. فقالوا له: من أنت لنعطي جواباً للذين أرسلونا؟ .. ماذا تقول عن نفسك؟ .. قال: أنا صوت صارخ في البرية ، قوّموا طريق الرب كما قال أشعيا النبي )) . ويعقب أصحاب المقدمة للترجمة القرآنية على هذه النبوءات فيقولون انها كانت ثلاثاً في عصر الميلاد المسيحي كما هو واضح من الأسئلة والأجوبة : نبوءة عن عودة ايليا ، ونبوءة عن مولد السيد المسيح ، ونبوءة عن نبي موعود غير ايليا والسيد المسيح . ولقد أعلن السيد المسيح كما جاء في الاصحاح الحادي عشر من انجيل متى: ((ان جميع الأنبياء والناموس الى يوحنا تنبأوا ، وان أردتم أن تقبلوا فهذا - أي يحيى المغتسل - هو ايليا المزمع أن يأتي)). وواضح من الاصحاح الأول من انجيل لوقا ان الملك بشر زكريا بأن امرأته ستلد له ولداً وتسميه يوحنا .. (( وانه يكون عظيماً أمام الرب لا يشرب خمراً ولا مسكراً ، ويمتلىء من بطن أمه بالروح القدس ، ويرد كثيرين من بني إسرائيل الى الرب إلَههم، ويتقدم أمامه بروح ايليا وقوته ليرد قلوب الآباء إلى الأبناء)). وفي الاصحاح التاسع من انجيل مرقس يقول السيد المسيح: ((ان ايليا أيضاً قد أتى وعملوا به كل ما أرادوا كما هو مكتوب عنه )). المقدمة. ٥٥٠٠٠٠ ويتكرر ذلك في انجيل متى اذ يقول : ((ان ايليا قد جاء ولم يعرفوه بل عملوا به كل ما أرادوا )) . فالنبي ايليا قد تقدم اذن في عصر الميلاد ، وقد جاء فيه المسيح أيضاً ثم بقى ذلك النبي الموعود . ولم يظهر بعد السيد المسيح نبي صدقت عليه الصفات الموعودة غير محمد عليه السلام ، وكلام السيد المسيح في الاصحاح السادس عشر من انجيل يوحنا يبين للتلاميذ (( انه خير لكم أن أنطلق لأنه ان لم أنطلق لا يأتيكم المعزى، ولكن ان ذهبت أرسله اليكم ، ومتى جاء ذاك يبكت العالم على خطيئة وعلى بر وعلى دينونة . فأما على خطيئة فلأنهم لا يؤمنون بي ، وإما على بر فلأني ذاهب إلى أبي ولا ترونني أيضاً، وإما على دينونة فلان رئيس هذا العالم قد دين ، وان لدي أموراً كثيرة أقولها لكم ولكن لا تستطيعون ان تحتملوها الآن ، واما متى جاء ذاك روح الحق فهو يرشدكم الى الحق جميعه ، لأنه لا يتكلم من نفسه بل كل ما يسمع يتكلم به ويخبركم بأمور آتية ، وذاك يمجدني لأنه يأخذ مما لي ويخبركم ، وكل ما للأب فهو لي . لهذا قلت انه يأخذ مما لي ويخبركم وبعد قليل لا تبصرونني .. )). وقد جاء نبي الاسلام ممجداً للسيد المسيح يسميه روح الله ويجدد رسالته لأنها رسالة الله . وبعد تأويلات شتى من قبيل ما تقدم تختتم الجماعة الأحمدية بحثها بالاشارة إلى ما جاء في الاصحاح الثالث من أعمال الرسل الذي ينبىء عن تتابع النبوءات من صمويل الى السيد المسيح بظهور نبي كموسى الكليم صاحب شريعة يحقق الوعد لأبناء إبراهيم ويبارك جميع قبائل الأرض ، ويكون هذا النبي من اخوة بني إسرائيل لا منهم . فهو من ذرية اسماعيل لا من ذرية إسحاق . * ان أبناء الهند وأبناء فارس - كما قدمنا - قد توفروا على هذا الدأب في ٠٥٦ . المقدمة استخراج خفايا الكلمات والحروف والمقابلة بين المضامين والتأويلات واتمام أجزاء منها بأجزاء متفرقة في شتى المصادر والروايات ، ولكنهم لم ينفردوا بالبحث في هذه النبوءات وهذه الطوالع خاصة وجاراهم فيها الباحثون من سائر الأمم واجتمعت في كتاب (( فتح الملك العلام في بشائر دين الاسلام)) متفرقات لم ترد فيما أسلفناه من البحوث الهندية ، أو وردت عن منهج غير منهجها ، نلخص بعضه فيما يلي ولا مستقصيه لأنه يقع في أكثر من مائتين وستين صفحة . يعتمد المؤلفان على الاصحاح الخامس والعشرين من سفر التكوين إذ جاء فيه ان أبناء إسماعيل سكنوا (( من حويلة الى شور التي أمام مصر حينما تجيء نحو أشور )) فهم اذن سكان الحجاز لأن الحجاز هو الأرض التي بين شور وحويلة اذ كانت حويلة في اليمن كما جاء في الاصحاح العاشر ((ان يقطان ولد الموداد ، وشالف ، وحضرموت ، ويارح ، وهدورام، وأوزال ، ودقلة ، وعوبال ، وابيمايل ، وشبا ، واوفير ، وحويلة ، ويوباب - جميع هؤلاء بنو يقطان)» سكان الأرض اليمانية .. ويعتمدان كذلك على وعد إبراهيم الخليل في سفر التكوين (( لأنه باسحاق يدعى لك نسل وابن الجارية أيضاً سأجعله أمة لأنه نسلك)) .. وانما شرط الوعد لأبناء اسحاق باتباع وصايا الرب وأن لا يعبدوا إلّهاً غيره وإلا فهم يبدون سريعاً عن الأرض الجيدة كما جاء في الاصحاح الحادي عشر من سفر التثنية . وقد عبد القوم أرباباً غير الله واتخذوا الأصنام والأوثان كما جاء في مواضع كثيرة من كتب العهد القديم . ومما اعتمد عليه المؤلفان رؤيا النبي دانيال ... وفي الاصحاح التاسع منها يقول: (( سبعون أسبوعاً مقضية على شعبك وعلى مدينتك المقدسة لتكميل المعصية وتتميم الخطايا ولكفارة الاثم وليؤتى ٥٧٠٠ المقدمة . بالبر الأبدي ولختم الرؤيا والنبوة ولمسح قدوس القديسين ، فاعلم وافهم أنه من خروج الأمر لتجديد اورشليم وبنائها الى المسيح الرئيس سبعة أسابيع واثنان وستون أسبوعاً يعود ويبنى سوق وخليج في ضيق الأزمنة ، وبعد اثنين وستين اسبوعاً يقطع المسيح وشعب رئيس آت يخرب المدينة والقدس وانتهاؤه بغمارة ، وإلى النهاية حرب وخراب .. وعلى جناح الأرجاس)). وهذه الخاتمة هي التي تتم كما جاء في سفر اشعيا (( على يد شعب بعيد من أقصى الأرض)) أو كما جاء في سفر التثنية (( أن الرب يجلب أمة من بعيد من أقصى الأرض .. ثم يردهم الى مصر في سفن )). وقد تم ذلك حین استدعی الرومان حاكم بريطانيا الكبرى ومعه جيش نكل باليهود وحمل طائفة منهم اسرى إلى مصر وطائفة إلى روما من طريق البحر سنة ١٣٢. فلم تنته حرب الرومان سنة ٧٠ ميلادية بل جاءت بعدها تلك الحرب التالية مصدقة لنبوءة الدمار على يد القادم من بعيد ونبوءة النقل على السفن الى الديار المصرية وما وراءها . يقول المؤلفان ، ويعتمدان في ذلك على اجماع الشراح ، ان اليوم من اسابيع دانيال سنة ، واننا إذا أضفنا أربعمائة وتسعين سنة إلى ١٣٢ فتلك سنة ٦٢٢ التي هاجر فيها النبي عليه السلام الى مدينة يثرب ، وبعد أربع عشرة سنة دخل جيش الاسلام القدس الشريف وبنى المسجد الأقصى في مكان الهيكل ، وكان الفرس قد ملكوا فلسطين أربع عشرة سنة أباحوا فيها لليهود اقامة شعائرهم ثم عاد الرومان وتلاهم المسلمون .. فكانت السنون التي مضت بعد الهجرة النبوية مقابلة لتلك السنين التي ارتفع فيها الحجز عن اليهود ، على عهد الدولة الفارسية * .. (*) مطلع النور أو طوالع البعثة المحمدية . دار الهلال ( ١٢ - ٢٦). * ٠٥٨ ... . المقدمة هذه العلامات إنما هي نماذج لأضعاف أضعافها ، وتتعاضد دلائل النبوة الأخرى التي قامت عليها الدعوة المحمدية ومن أهم هذه الدلائل : معجزة القرآن . لقد كان أهل مكة يطلبون الى النبي وسير أن يجري ربه على يديه المعجزات إذا أرادهم ان يصدقوه ، ولم يرد في القرآن الكريم ذكر لمعجزة أراد الله بها أن يؤمن الناس كافة على اختلاف عصورهم برسالة محمد له إلا القرآن الكريم ، هذا مع انه ذكر المعجزات التي جرت بإذن الله على أيدي من سبق محمداً من الرسل . القرآن الكريم هو معجزة النبي ◌َّر الدائمة إلى يوم الدين وأهم دليل على نبوته الآلام . وقد فرض القرآن الكريم اعجازه على كل من سمعه على تفاوت مراتبهم في البلاغة ، وقد تحير المشركون في وصفه وحرصوا على أن يصدوا العرب عن سماعه ، عن يقين بأنه ما من عربي يخطئه ان يميز بين هذا القرآن ، وقول البشر . وقد أعجز الخلق في أسلوبه ونظمه ، وفي علومه وحكمه ، وفي تأثير هدايته وفي كشفه الحجب عن الغيوب الماضية والمستقبلة، وفي كل باب من هذه الأبواب للاعجاز فصول ، وفي كل فصل منها فروع ترجع الى أصول ، وقد تحدى العرب بإعجازه ، ونقل العرب هذا التحدي الى كل الأمم فظهر عجزها . وقد نقل بعض أهل التصانيف عن بعض الموصوفين بالبلاغة في القول أنهم تصدوا لمعارضة القرآن في بلاغته ، ومحاكاته في فصاحته دون هدايته ، ولكنهم على ضعف رواية الناقلين عنهم لم يأتوا بشيء تقرّ به ، أعين الملاحدة والزنادقة فيحفظوه عنهم ، ويحتجوا به الإلحادهم وزندقتهم . ٥٩٠ .. المقدمة ويظل اعجاز القرآن مطروحاً ما دامت السموات والأرض تتعاقبه الأجيال كلما تقدمت العلوم فكشفت عن أسرار الله الكونية ، وكلما حسب جيل أنه بلغ منه الغاية ، امتدَّ القرآن عالياً سامقاً. ﴿قل لئن اجتمعت الانس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيراً﴾ * . ولو أن أُمَّةً غير مسلمة آمنت اليوم بهذا الدين ولم تحتج إلى التصديق بمعجزة غير القرآن لتؤمن لما طعن ذلك في إيمانها ، ولا نقص في إسلامها ، وقد حمل القرآن كثيراً من المهتدين إلى أن يهتدوا ، قديماً في بدء الدعوة ، وحديثاً في العصر الذي نعيش فيه على اختلاف مشاربهم ، وتباين تخصصاتهم ، فقد استطاعوا أن ينهلوا من فيضه ، ويقبسوا من نوره ، ويرى كل واحد منهم به سراً من أسراره . يقول ابن خلدون في علامات الأنبياء : ومن عَلاماتهم أيضاً ، وقوع الخوارق لهم ، شاهدة بصدقهم . وهي أفعال يعجز البشر عن مثلها ، فسميت بذلك معجزة ، وليست من جنس مقدور العباد ، وإِنما تقع في غير محل قدرتهم .. وإِذا تقرر ذلك ، فاعلم أن أعظم المعجزات وأشرفها ، وأوضحها دلالة : القرآن الكريم ، المنزل على نبينا محمد ◌ّر فإِن الخوارق - في الغالب - تقع مغايرة للوحي الذي يتلقاه النبي ، ويأتي بالمعجزة شاهدة مصدقة . والقرآن هو بنفسه الوحي المدعي ، وهو الخارق المعجز، فشاهده في عينه ، ولا يفتقر الى دليل مغاير له كسائر المعجزات مع الوحي ، فهو أوضح دلالة لاتحاد الدليل والمدلول فيه . (*) راجع اعجاز القرآن للرافعي، والاعجاز البياني في القرآن للدكتورة عائشة عبد الرحمن . ٦٠ . المقدمة وهذا معنى قوله اليه : (( ما من نبي إلَّ وقد أُعطي من الآيات ما مثله آمن عليه البشر، وإِنما كان الذي أوتيته وحياً أوحاه اللّه إليّ، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعاً يوم القيامة )). يشير إلى ان المعجزة متى كانت بهذه المثابة في الوضوح وقوة الدلالة ، وهو كونها نفس الوحي ، كان التصديق لها أكثر لوضوحها ، فكثر المصدق المؤمن ، وهو التابع والأمة .. . ويقول صاحب الشفاء : وعن أبي هريرة، عنه، وَلَّ، قال : (( ما من نبيَّ من الأنبياء إلا وقد أُعطِيَ من الآيات ما مثلُه آمن عليه البشر، وإنما كان الذي أوتيتُ وحياً أوْحى اللّه اليّ ، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعاً يوم القيامة)) . معنى هذا عند المحققين : بقاء معجزته ما بقيت الدنيا ، وسائر معجزات الأنبياء ذهبت للحين ، ولم يشاهدها إلا الحاضر لها . ومعجزة القرآن يقف عليها قرن بعد قرن إلى يوم القيامة .. وفي هذا المقام يمكن ان أوجز أوجه اعجاز القرآن الكثيرة فيما يلي : ١ - ما يشتمل عليه من الفصاحة والبلاغة في الايجاز والاطالة، فتارة يأتي بالقصة باللفظ الطويل ، ثم يعيدها باللفظ الوجيز ، فلا يُخِلُّ بمقصود الأولى . ٢ - مقارنته لأساليب الكلام، وأوزان الأشعار، وبهذين المعنيين تحدثت العرب ، فعجزوا وتحيروا ، وأقروا بفضله . ٣ - ما تضمنه من أخبار الأمم السالفة، وسِير الأنبياء التي عرفها أهل الكتاب مع كون الآتي بها أمياً لا يكتب ولا يقرأ ، ولا علم بمجالسة الأحبار والكهان . ٤ - إخباره عن الغيوب المستقبلة الدالة على صدقه قطعاً ، والكوائن في مستقبل